← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

فردُّوا هذا كله مع إحكامه بمتشابه قوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]. المثال الثامن: ردُّ النصوص المحكمة الصريحة التي هي في غاية الصحة والكثرة على أن الرب سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة وُجودُها خيرٌ من عدمها، ودخول لام التعليل في شرعه وقدره أكثر من أن يُعدّ، فردُّوها بالمتشابه من قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ثم جعلوها كلَّها متشابهة. المثال التاسع: رد النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على ثبوت الأسباب شرعًا وقدرًا، كقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقوله: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [المؤمنون: ١٩]، وقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وقوله في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وفي القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ

стр. 1367

الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، إلى أضعاف ذلك من النصوص المثبتة للسببية. فردُّوا ذلك كلَّه بالمتشابه من قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧]، ﴿وَمَا رَمَيْتَ [٦١/ب] إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وقول النبي ﷺ : «ما أنا حَملتُكم، ولكن الله حَمَلكم» (١) ونحو ذلك، وقوله: «إني لا أعطي أحدًا ولا أمنعه» (٢)، وقوله للذي سأله عن العزل عن أَمته (٣): «اعزِلْ عنها فسيأتيها ما قُدِّر لها» (٤)، وقوله: «لا عدوى ولا طِيَرة» (٥)، وقوله: «فمن أعدى الأولَ؟» (٦)، وقوله: «أرأيتَ إن منعَ الله الثمرةَ» (٧)، ولم يقل: منعها البرَدُ والآفة التي تصيب الثمار، ونحو ذلك من المتشابه الذي إنما يدلّ على أن مالك السبب وخالقه يتصرَّف فيه: بأن يسلُبه سببيتَه إن شاء، ويُبقيها عليه إن شاء، كما سلبَ النارَ قوةَ الإحراق عن الخليل، ويالله العجب! أترى من أثبت الأسباب وقال إن الله خالقها أثبت خالقًا غير الله؟

стр. 1368

وأما قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فغاب عنهم فقه الآية وفهمها، والآية من أكبر معجزات النبي ﷺ ، والخطاب بها خاص لأهل بدر. وكذلك القبضة التي رمى بها النبي ﷺ فأوصلها الله سبحانه إلى جميع وجوه المشركين (١)، وذلك خارج عن قدرته ﷺ ، وهو الرمي الذي نفاه عنه، وأثبت له الرمي الذي هو في محلّ قدرته وهو الخَذْف، وكذلك القتل الذي نفاه عنهم هو قتل لم تباشره أيديهم، وإنما باشرته أيدي الملائكة، فكان أحدهم يشتدُّ في أثر الفارس وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك، ولو كان المراد ما فهمه هؤلاء الذين لا فقه لهم في فهم النصوص لم يكن فرقٌ بين ذلك وبين كل قتلٍ وكل فعلٍ من شربٍ أو زنا أو سرقة أو ظلم، فإن الله خالق الجميع، وكلام الله يُنزَّه عن هذا. وكذلك قوله: «ما أنا حملتُكم ولكن الله حملَكم»، لم يُرد أن الله (٢) حملهم بالقدر، وإنما كان النبي ﷺ متصرّفًا بأمر الله منفِّذًا له (٣)، [٦٢/أ] فالله سبحانه أمره بحملهم فنفّذ أوامره، فكأن الله هو الذي حملهم. وهذا معنى قوله: «والله إني لا أُعطي أحدًا شيئًا ولا أمنعُه»، ولهذا قال: «وإنما أنا قاسم»،

стр. 1369

فالله سبحانه هو المعطي على لسانه، وهو يَقسِم ما يقسمه (١) بأمره. وكذلك قوله في العزل: «فسيأتيها ما قُدِّر لها»، ليس فيه إسقاط الأسباب؛ فإن الله سبحانه إذا قدَّر خلق الولد سبق من الماء ما يخلق منه الولد ولو كان أقلَّ شيء، فليس من كل الماء يكون الولد، ولكن أين في السنة أن الوطء لا تأثير له في الولد البتةَ وليس سببًا له، وأن الزوج أو السيد إن وطئ أو لم يطأ فكلا الأمرين بالنسبة إلى حصول الولد وعدمه على حدٍّ سواء كما يقوله منكرو الأسباب؟ وكذلك قوله: «لا عدوى ولا طِيَرة» لو كان المراد به نفي السبب كما زعمتم لم يدلَّ على نفي كل سبب، وإنما غايته أن هذين الأمرين ليسا من أسباب الشر، كيف والحديث لا يدلُّ على ذلك؟ وإنما ينفي ما كان المشركون يثبتونه من سببية مستمرة على طريقة واحدة لا يمكن إبطالها ولا صرفُها عن محلّها ولا معارضتُها بما هو أقوى منها، لا كما يقوله من قصر علمُه: إنهم كانوا يرون ذلك فاعلًا مستقلًّا بنفسه. فالناس في الأسباب لهم ثلاثة طرق: إبطالها بالكلية. وإثباتها على وجهٍ لا يتغير، ولا يقبل سلب سببيتها ولا معارضتها بمثلها أو أقوى منها، كما يقوله الطبائعية والمنجِّمون والدهرية. والثالث ما جاءت به الرسل ودلَّ عليه الحس والعقل والفطرة: إثباتها أسبابًا، وجوازُ ــ بل وقوعُ ــ سلْبِ سببيتها عنها إذا شاء الله، ودفْعها بأمور

стр. 1370

أخرى نظيرها أو أقوى منها، مع بقاء مقتضى السببية فيها، كما تُصرَف كثير من أسباب الشر بالتوكل والدعاء والصدقة والذكر والاستغفار والعتق والصلة، وتُصرَف كثير من أسباب الخير بعد انعقادها بضدِّ ذلك، فللّه [٦٢/ب] كم من خير انعقد سببه ثم صُرِف عن العبد بأسبابٍ أحدثَها منعت حصولَه وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد؟ وكم من شر انعقد سببه ثم صُرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصولَه؟ ومن لا فقه له في هذه المسألة فلا انتفاع له بنفسه ولا بعلمه، والله المستعان وعليه التكلان. المثال العاشر: ردّ الجهمية النصوصَ المحكمة الصريحة التي تفوت العدَّ على أن الله سبحانه تكلّم ويتكلّم، وكلّم ويكلّم، وقال ويقول، وأخبر ونبَّأ، وأمر ويأمر، ونهى وينهى، ورضي ويرضى، ويعظ (١) ويبشِّر وينذر ويحذّر، ويوصِّل لعباده القولَ ويبيّن لهم ما يتقون، ونادى وينادي، وناجى ويناجي، ووعد وأوعد، ويسأل عباده يوم القيامة ويخاطبهم ويكلِّم كلًّا منهم ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب، ويراجعه عبده مراجعة، وهذه كلها أنواع للكلام (٢) والتكليم، وثبوتها بدون ثبوت صفة التكلم له ممتنع. فردَّها الجهمية ــ مع إحكامها وصراحتها وتعيُّنها للمراد منها بحيث لا تحتمل غيره ــ بالمتشابه من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. المثال الحادي عشر: ردُّوا محكم قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله: ﴿نَزَّلَهُ

стр. 1371

رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وغيرها من النصوص المحكمة، بالمتشابه من قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠]، والآيتان حجة عليهم؛ فإن صفات الله ﷻ داخلة في مسمّى اسمه؛ فليس «الله» اسمًا لذاتٍ لا سمعَ لها ولا بصرَ ولا حياة ولا كلام ولا علم، وليس هذا رب العالمين، وكلامه تعالى وعلمه وحياته (١) وقدرته ومشيئته ورحمته داخلة في مسمى [٦٣/أ] اسمه؛ فهو سبحانه بصفاته وكلامه الخالق، وما سواه مخلوق. وأما إضافة القرآن إلى الرسول فإضافة تبليغٍ محض لا إنشاء. والرسالة تستلزم تبليغ كلام المرسِل، ولو لم يكن للمرسِل كلام يبلّغه الرسول لم يكن رسولًا؛ ولهذا قال غير واحد من السلف: من أنكر أن يكون الله متكلمًا فقد أنكر رسالة رسله، فإن حقيقة رسالتهم تبليغ كلام من أرسلهم. فالجهمية وإخوانهم ردّوا تلك النصوص المحكمة بالمتشابه، ثم صيَّروا الكل متشابهًا، ثم ردّوا الجميع، فلم يثبتوا لله فعلًا يقوم به يكون به فاعلًا، كما لم يثبتوا له كلامًا يقوم به يكون به متكلمًا؛ فلا كلام له عندهم ولا فَعَال (٢)، بل كلامه وفعله عندهم مخلوق منفصل عنه، وذلك لا يكون صفة له؛ لأنه سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما لم يقم به.

стр. 1372

المثال الثاني عشر ــ وقد تقدم ذكره مجملًا فنذكره ههنا مفصلًا ــ: ردُّ الجهمية النصوص المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده من (١) ثمانية عشر (٢) نوعًا: أحدها: التصريح بالفوقية مقرونةً بأداة «مِن» المعينة لفوقية الذات، نحو: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. الثاني: ذكرها مجردةً عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]. الثالث: التصريح بالعروج إليه، نحو: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقول النبي ﷺ : «فيعرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم» (٣). الرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. الخامس: التصريح برفعه بعضَ المخلوقات إليه، كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا (٤) وشرفًا، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ

стр. 1373

الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (١)﴾ [الشورى: ٥١]. السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله: [٦٣/ب] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ١]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]. وهذا يدلُّ على شيئين: على أن القرآن ظهر منه لا من غيره، وأنه الذي تكلّم به لا غيره، الثاني: على علوه على خلقه، وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله. الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (٢) وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ففرق بين من له عمومًا ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا، وقول النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: «إنه عنده على العرش» (٣). التاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون «في» بمعنى «على»، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره. العاشر: التصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش الذي

стр. 1374

هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثم» الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتةَ. الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه، كقوله ﷺ : «إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صِفْرًا» (١). الثاني عشر: التصريح بنزوله كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا (٢)، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من عُلْوٍ إلى سُفْلٍ. الثالث عشر: الإشارة إليه حسًّا إلى العلو كما أشار إليه مَن هو أعلمُ به وبما يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية [٦٤/أ] والمعتزلة والفلاسفة في أعظم مجمعٍ على وجه الأرض، يرفع أصبعه إلى السماء ويقول: «اللهم اشهَدْ» (٣)، ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه. الرابع عشر: التصريح بلفظ «الأين» الذي هو عند الجهمية بمنزلة «متى» في الاستحالة، ولا فرق بين اللفظين عندهم (٤) البتةَ، فالقائل «أين الله» و «متى كان الله» عندهم سواء، كقول أعلمِ الخلق به، وأنصحهم لأمته،

стр. 1375

وأعظمِهم بيانًا عن المعنى الصحيح بلفظٍ لا يوهم باطلًا بوجهٍ «أين الله» (١) في غير موضع. الخامس عشر: شهادته التي هي أصدق شهادةٍ عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال «إن ربه في السماء» بالإيمان، وشهد عليه أفراخُ جهمٍ بالكفر، وصرَّح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من أن ربها في السماء إيمان (٢)، فقال في كتابه (٣) في باب عتق الرقبة المؤمنة، وذكر حديث الأمة السوداء التي سوَّدتْ وجوهَ الجهمية وبيَّضتْ وجوه المحمدية، فلما وصفت الإيمان قال: «أعتِقْها فإنها مؤمنة» (٤)، وهي إنما وصفَتْ كون ربها في السماء، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فقرنَتْ بينهما في الذكر؛ فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان. السادس عشر: إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطَّلع إلى إله موسى فيكذِّبَه فيما أخبر به من أنه سبحانه فوق السماوات، فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٦]، فكذّب فرعون موسى في إخباره إياه (٥) بأن ربه فوق السماء، وعند الجهمية لا فرقَ بين الإخبار بذلك وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب. وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزَّه

стр. 1376

الربّ عما لا يليق به وكذّب موسى في إخباره [٦٤/ب] بذلك؛ إذ من (١) قال عندهم: إن ربه فوق السماوات فهو كاذب، فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء، ولذلك سماهم أئمة السنة «فرعونية». قالوا: وهم (٢) شر من الجهمية؛ فإن الجهمية تقول: إن الله في كل مكان بذاته، وهؤلاء عطَّلوه بالكلية، وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض، فأيُّ طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجهٍ كان قوله (٣) خيرًا من قولهم. السابع عشر: إخباره ﷺ أنه تردَّد بين موسى وبين الله، ويقول له موسى: ارجعْ إلى ربك فسَلْه (٤)، فيرجع إليه، ثم ينزل إلى موسى فيأمره بالرجوع إليه سبحانه، فيصعد إليه سبحانه، ثم ينزل من عنده إلى موسى عدة مرارٍ (٥). الثامن عشر: إخباره تعالى عن نفسه وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عِيانًا جهرةً كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر (٦)، والذي تفهمه الأمم على اختلافِ لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة

стр. 1377

والمواجهة، التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة، غير مفرطة في البعد فتمتنع الرؤية، ولا (١) في القرب فلا تمكن الرؤية، لا تَعقل الأمم (٢) غير هذا، فإما أن يروه (٣) سبحانه من تحتهم ــ تعالى الله ــ أو من خلفهم أو أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم، ولا بدَّ من قسمٍ من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقًّا، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم، كما في حديث جابر الذي في «المسند» (٤) وغيره: «بينا أهلُ الجنة في نعيمهم إذ سطعَ لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الجبّار قد أشرف (٥) عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم (٦). ثم قرأ قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمته [٦٥/أ] وبركته عليهم في ديارهم» (٧). ولا يتمُّ إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية أصلَهم وصرَّحوا بذلك، وركِبوا النفْيينِ معًا، وصدّق أهل السنة بالأمرين معًا وأقرُّوا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى علوَّ الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبًا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

стр. 1378

فهذه أنواع (١) من الأدلة السمعية المحكمة إذا بُسِطَتْ أفرادها كانت ألفَ دليل على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه؛ فترك الجهميةُ ذلك كله وردُّوه بالمتشابه من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وردَّه زعيمهم المستأخر (٢) بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وبقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ثم ردُّوا تلك الأنواع كلها متشابهة، فسلَّطوا المتشابه على المحكم وردُّوه به، ثم ردُّوا المحكم متشابهًا؛ فتارةً يحتجون به على الباطل، وتارة يدفعون به الحق. ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهرُ ولا أبينُ مرادًا من مضمون هذه النصوص؛ فإذا كانت متشابهةً فالشريعة كلها متشابهة، وليس فيها شيء محكم البتةَ، ولازمُ هذا القول لزومًا لا محيدَ عنه أنّ ترْكَ الناس بدونها خير لهم من إنزالها إليهم، فإنها أوهمتْهم وأفهمتْهم غير المراد، وأوقعتْهم في اعتقاد الباطل، ولم يُبيَّنْ لهم ما هو الحق في نفسه، بل أُحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولهم وأفكارهم ومقاييسهم، فنسأل مثبِّتَ القلوب ﵎ أن يثبِّت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، وأن لا يُزِيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ إنه قريب مجيب. المثال الثالث عشر: ردُّ الرافضة النصوصَ الصحيحة الصريحة المحكمة المعلومة عند خاصِّ الأمة (٣) وعامتها بالضرورة في مدح

стр. 1379

الصحابة والثناء عليهم، ورِضا الله (١) [٦٥/ب] عنهم، ومغفرته لهم، وتجاوزه (٢) عن سيئاتهم، ووجوب محبة الأمة واتباعهم، واستغفارهم لهم، واقتدائهم بهم= بالمتشابه من قوله: «لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرِب بعضكم رقابَ بعض» (٣) ونحوه. كما ردُّوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم، كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردُّوا النصوص الصحيحة (٤) المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعض الذنوب، التي تقع مكفَّرةً بالتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم، وبالامتحان في البرزخ وفي موقف القيامة (٥)، وبشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة (٦)، وبصدق التوحيد، وبرحمة أرحم الراحمين؛ فهذه عشرة أسباب تمحو أثر الذنوب، فإن عجزت هذه الأسباب عنها فلا بدَّ من دخول النار، ثم يخرجون منها. فتركوا (٧) ذلك كلَّه بالمتشابه من نصوص الوعيد، وردُّوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا

стр. 1380

قصدوا بها (١) طاعة الله فاجتهدوا فأداهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا (٢) فيه على الأجر المفرد (٣)، وكان حظُّ أعدائهم منه تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم، وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا، ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب. فاشتركوا هم والرافضة في ردّ (٤) المحكم من النصوص وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها؛ فكفّروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويَدَعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم، وتقديم الرأي على الشرع والهوى (٥) على الهدى، وبالله التوفيق. [٦٦/أ] المثال الرابع عشر: ردُّ المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من وجوب الطمأنينة وتوقُّف إجزاء الصلاة وصحتها عليها، كقوله: «لا تُجزِئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صُلْبه في (٦) ركوعه وسجوده» (٧)، وقوله لمن

стр. 1381

تركها: «صلِّ فإنك لم تُصلِّ» (١)، وقوله: «ثم اركَعْ حتى تطمئنَّ راكعًا» (٢)، فنفى إجزاءها بدون الطمأنينة، ونفى مسماها الشرعي بدونها، وأمر بالإتيان بها، فردّ هذا المحكم الصريح بالمتشابه من قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. المثال الخامس عشر: ردُّ المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله: «إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر» (٣)، وقوله: «تحريمها التكبير» (٤)، وقوله: «لا يقبل الله صلاةَ أحدكم حتى يضع الوضوءَ مواضعَه، ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر» (٥)، وهي نصوص في غاية الصحة فرُدَّتْ بالمتشابه من قوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥].

стр. 1382

المثال السادس عشر: ردُّ النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة (١) في تعيين قراءة فاتحة الكتاب فرضًا (٢)، بالمتشابه من قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وليس ذلك في الصلاة، وإنما هو بدلٌ عن قيام الليل، وبقوله للأعرابي (٣): «ثم اقرأْ ما تيسَّر معك من القرآن» (٤)، وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة، وأن يكون الأعرابي لا يحسنها، وأن يكون لم يُسِئْ في قراءتها، فأمره أن يقرأ معها ما تيسَّر من القرآن، وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها؛ فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه؛ فلا يترك له المحكم الصريح. المثال السابع عشر: ردُّ المحكم الصريح من توقُّف الخروج من الصلاة على التسليم، كما في قوله: «تحليلُها التسليم» (٥)، وقوله: «إنما يكفي أحدَكم أن يسلِّم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» (٦). [٦٦/ب] فأخبر أنه لا يكفي غير ذلك، فردَّ بالمتشابه من قول ابن مسعود: «فإذا قلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتك» (٧)، وبالمتشابه من عدم أمره للأعرابي بالسلام (٨).

стр. 1383

المثال الثامن عشر: ردُّ المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل كما في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقوله: «وإنما لامرئٍ ما نَوى» (١)، وهذا لم ينوِ رفع الحدث فلا يكون له بالنص؛ فرُدَّ هذا بالمتشابه من قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ولم يأمر بالنية، قالوا: فلو أوجبناها بالسنة لكان زيادةً على نصّ القرآن فيكون نسخًا، والسنة لا تنسخ القرآن؛ فهذه ثلاث مقدمات: إحداها (٢): أن القرآن لم يوجب النية. الثانية (٣): أن إيجاب السنة لها نسخٌ للقرآن. الثالثة: أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز. وبنوا على هذه المقدمات إسقاط كثير مما صرَّحت السنة بإيجابه، كقراءة الفاتحة والطمأنينة وتعيين التكبير للدخول في الصلاة والتسليم للخروج منها. ولا يُتصوَّر صدق المقدمات الثلاث (٤) في موضع واحد أصلًا، بل إما أن تكون كاذبةً أو بعضها؛ فأما آية الوضوء فالقرآن قد نبَّه على أنه لم يكتفِ من طاعات عباده إلا بما أخلصوا له فيه الدين، فمن لم ينوِ التقرُّبَ إليه جملة لم يكن ما أتى به طاعةً البتةَ؛ فلا يكون معتدًّا به، مع أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى

стр. 1384

الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إنما يفهم المخاطب منه غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة، كما يفهم من قوله: إذا واجهتَ (١) الأمير فترجَّلْ، وإذا دخل الشتاء فاشترِ (٢) الفروَ ونحو ذلك؛ فإن لم يكن القرآن قد دلَّ على النية ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخًا للقرآن وإن كان زائدًا عليه. ولو كان كلُّ ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخًا له لبطلت أكثر (٣) سنن رسول الله ﷺ [٦٧/أ] ودُفِعَ في صدورها وأعجازها، وقال القائل: هذه زيادة على ما في كتاب الله فلا تُقبل ولا يُعمل بها، وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول الله ﷺ أنه سيقع وحذَّر منه، كما في «السنن» من حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيتُ القرآنَ ومثله معه، ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه (٤)، ألا يوشك رجلٌ شَبْعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، ما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا لا يحلُّ لكم الحمار الأهلي، ولا كلّ ذي نابٍ من السباع، ولا لُقطة مال معاهدٍ» (٥). وفي لفظ: «يوشك أن يقعد الرجل منكم (٦) على

стр. 1385

أريكته، فيحدَّث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرّمناه، وإنَّ ما حرَّم رسول الله ﷺ كما حرّم الله» (١). قال الترمذي: حديث حسن، وقال البيهقي: إسناده صحيح. وقال صالح بن موسى عن عبد العزيز بن رُفَيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إني قد خلَّفتُ فيكم شيئين لن تضِلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يرِدا عليَّ الحوضَ» (٢). فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما ويردّ أحدهما بالآخر، بل سكوته عما نطق به، ولا يُمكن أحدًا يطرد ذلك ولا الذين أصَّلوا هذا الأصل، بل قد نقضوه في أكثر من ثلاثمائة موضع، منها ما هو مُجمع عليه ومنها ما هو مختلف فيه. و السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون موافقةً له من كل وجه؛ فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها. الثاني: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له.

стр. 1386

الثالث: أن تكون موجبةً لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرِّمةً لما سكت عن تحريمه. ولا تخرج عن هذه [٦٧/ب] الأقسام، فلا تُعارِض القرآنَ بوجهٍ ما، فما كان منها زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ ، تجب طاعته فيه، ولا تحلُّ معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به (١) في طاعة رسوله، ولو كان رسول الله ﷺ لا يُطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآنَ لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختصُّ به، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وكيف يُمكن أحدًا من أهل العلم أن (٢) لا يقبل حديثًا زائدًا على كتاب الله؛ فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها (٣)، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب (٤)، ولا حديث خيار الشرط (٥)، ولا أحاديث الشفعة (٦)، ولا حديث الرهن في الحضر (٧) مع أنه

стр. 1387

زائد على ما في القرآن، ولا حديث ميراث الجدة (١)، ولا حديث تخيير الأمة إذا عتقتْ تحت زوجها (٢)، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة (٣)، ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان (٤)، ولا أحاديث (٥) إحداد المتوفَّى عنها زوجُها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة (٦)، فهلّا قلتم: إنها نسخ للقرآن وهو لا ينسخ بالسنة؟ وكيف أوجبتم الوتر مع أنه زيادة محضة على القرآن بخبر مختلف فيه (٧)؟ وكيف زدتم على كتاب الله فجوَّزتم الوضوء بنبيذ التمر بخبر ضعيف (٨)؟ وكيف زدتم على كتاب الله فشرطتم في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصح البتةَ (٩)، وهو زيادة محضة على القرآن؟

стр. 1388

وقد أخذ الناس بحديث: «لا يرِثُ المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ» (١) وهو زائد على القرآن، وأخذوا كلهم بحديث توريثه ﷺ بنتَ الابن السدسَ مع البنت (٢) وهو زائد على ما في كتاب الله، [٦٨/أ] وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء المَسْبِيّة بحيضة (٣)، وهو زائد على ما في كتاب الله، وأخذوا بحديث: «من قتل قتيلًا فله سَلَبُه» (٤) وهو زائد على ما في القرآن من قسمة الغنائم، وأخذوا كلهم بقضائه ﷺ الزائد على ما في القرآن من (٥) أن أعيان بني الأبوين (٦) يتوارثون دون بني العلَّات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه (٧)، ولو تتبعنا هذا لطال جدًّا. فسُنن رسول الله ﷺ أجلُّ في صدورنا وأعظم وأفرضُ علينا أن لا نقبلها إذْ كانت زائدةً على ما في القرآن، بل على الرأس والعينين، ثم على الرأس والعينين. وكذلك فرضٌ على الأمة الأخذُ بحديث القضاء بالشاهد واليمين (٨) وإن كان زائدًا على ما في القرآن، وقد أخذ به أصحاب رسول الله ﷺ وجمهور التابعين والأئمة، والعجب ممن يردُّه لأنه زائد على ما في

стр. 1389

كتاب الله، ثم يقضي بالنكول ومعاقد القِمْطِ (١) ووُجوه الآجُرِّ في الحائط (٢)، وليست في كتاب الله ولا سنة رسوله. وأخذتم أنتم وجمهور الأمة بحديث: «لا يُقاد الوالدُ بالولد» (٣) مع ضعفه، وهو زائد على ما في القرآن، وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ الجزية من المجوس (٤) وهو زائد على ما في القرآن، وأخذتم مع سائر الناس بقطع رِجْل السارق في المرة الثانية (٥) مع زيادته على ما في القرآن، وأخذتم أنتم والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال (٦) وهو زائد على ما في القرآن، وأخذت الأمة بأحاديث (٧) الحضانة (٨) وليست في القرآن، وأخذتم أنتم والجمهور باعتداد المتوفَّى عنها في منزلها (٩) وهو زائد على القرآن،

стр. 1390

وأخذتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسنّ (١) والإنبات (٢) وهي زائدة على ما في القرآن؛ إذ ليس فيه إلا الاحتلام، وأخذتم مع الناس بحديث: [٦٨/ب] «الخراج بالضمان» (٣) مع ضعفه، وهو زائد على القرآن، وبحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ (٤) وهو زائد على ما في القرآن، وأضعاف أضعاف ما ذكرنا، بل أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها؛ فلو ساغَ لنا ردُّ كل سنة كانت زائدة على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله ﷺ كلها إلا سنة دلّ عليها القرآن، وهذا هو الذي أخبر به النبي ﷺ أنه (٥) سيقع (٦)، ولا بدَّ من وقوع خبره. فإن قيل: السنن الزائدة على ما دلّ عليه القرآن تارة تكون بيانًا له، وتارة تكون منشئةً (٧) لحكمٍ لم يتعرض له، وتارة تكون مغيّرةً لحكمه، وليس نزاعنا في القسمين الأولين فإنهما حجة باتفاق، ولكن النزاع في القسم الثالث وهو الذي ترجمته بمسألة الزيادة على النص. وقد ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي وجماعة كثيرة من أصحاب أبي

стр. 1391

حنيفة إلى أنها نسخ (١)، ومن ههنا جعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخًا كما لو زاد عشرين سوطًا على الثمانين في حد القذف. وذهب أبو بكر الرازي (٢) إلى أن الزيادة إن وردت بعد استقرار حكم النص منفردةً عنه كانت ناسخة، وإن وردت متصلة بالنص قبل استقرار حكمه لم تكن نسخًا، وإن وردت ولا يُعلَم تاريخها فإن وردت من جهة يثبت النص بمثلها فإن شهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما معًا أثبتناهما، وإن شهدت بالنص منفردًا عنها أثبتناه دونها، وإن لم يكن في الأصول دلالةٌ على أحدهما فالواجب أن يُحكم بورودهما معًا، ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا لم يُعلم تاريخهما ولم يكن في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر فإنهما يستعملان معًا، وإن كان ورود النص من جهةٍ توجب العلم كالكتاب والخبر المستفيض، وورودُ الزيادة من جهة أخبار الآحاد، لم يجز [٦٩/أ] إلحاقها بالنص ولا العمل بها. وذهب بعض أصحابنا إلى أن الزيادة إن غيَّرت حكم المزيد عليه تغييرًا شرعيًّا، بحيث إنه لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها لم يكن معتدًّا به، بل يجب استئنافه= كان نسخًا، نحو ضمّ ركعة إلى ركعتي الفجر، وإن لم تُغيِّر حكم المزيد عليه بحيث لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها كان معتدًّا به ولا يجب استئنافه لم يكن نسخًا. ولم يجعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخًا (٣)، وإيجاب عشرين جلدة مع الثمانين نسخًا، وكذلك إيجاب شرط

стр. 1392

منفصل عن العبادة لا يكون نسخًا كإيجاب الوضوء بعد فرض الصلاة، ولم يختلفوا أن إيجاب زيادة عبادة على عبادة كإيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة لا يكون نسخًا، ولم يختلفوا أيضًا أن إيجاب صلاة سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخًا. فالكلام معكم في الزيادة المغيِّرة في ثلاث مواضع: في المعنى، والاسم، والحكم: أما المعنى فإنها تفيد معنى النسخ؛ لأنه الإزالة، والزيادة تزيل حكم الاعتداد بالمزيد عليه وتوجب استئنافه بدونها، وتُخرجه عن كونه جميع الواجب، وتجعله بعضه، وتوجب التأثيم على المقتصر عليه بعد أن لم يكن إثمًا، وهذا معنى النسخ، وعليه ترتب (١) الاسم، فإنه تابع للمعنى؛ فإن الكلام في زيادة شرعية مغيِّرة للحكم الشرعي بدليل شرعي متراخي (٢) عن المزيد عليه، فإن اختلَّ وصفٌ من هذه الأوصاف لم يكن نسخًا، فإن لم تغيِّر حكمًا شرعيًّا بل رفعت حكم البراءة الأصلية لم تكن نسخًا كإيجاب عبادة بعد أخرى، وإن كانت الزيادة مقارنةً (٣) للمزيد عليه لم تكن نسخًا وإن غيَّرته، بل تكون تقييدًا أو تخصيصًا. وأما الحكم فإن كان النص المزيد عليه ثابتًا بالكتاب أو السنة المتواترة لم يُقبل خبر الواحد بالزيادة عليه، وإن كان ثابتًا بخبر الواحد قُبلت الزيادة، فإن اتفقت الأمة على قبول خبر الواحد [٦٩/ب] في القسم الأول علمنا أنه

стр. 1393

ورد مقارنًا للمزيد عليه فيكون تخصيصًا لا نسخًا. قالوا: وإنما لم نقبل خبر الواحد بالزيادة على النص؛ لأن الزيادة لو كانت موجودة معه لنقلها إلينا من نقل النصّ؛ إذ (١) غير جائزٍ أن يكون المراد إثباتَ النص معقودًا بالزيادة فيقتصر النبي ﷺ على إبلاغ النص منفردًا عنها؛ فواجبٌ إذًا أن يذكرها معه، ولو ذكرها لنقلها إلينا من نقل النص. فإن كان النص مذكورًا في القرآن والزيادة واردة من جهة السنة فغير جائزٍ أن يقتصر النبي ﷺ على تلاوة الحكم المنزل في القرآن دون أن يُعقبها بذكر الزيادة؛ لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكننا استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه، كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فإن كان الحد هو الجلد والتغريب فغير جائز أن يتلو النبي ﷺ الآية على الناس عاريةً من ذِكر النفي عقبَها؛ لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها وأن الجلد هو كمال الحد؛ فلو كان معه تغريبٌ لكان بعضَ الحدّ لا كماله، فإذا أخلى التلاوة من ذكر النفي عقبَها (٢) فقد أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في الآية هو تمام الحدّ وكماله؛ فغير جائزٍ إلحاقُ الزيادة معه إلا على وجه النسخ، ولهذا كان قوله: «واغْدُ يا أُنيس على امرأةِ هذا، فإن اعترفتْ فارجُمْها» (٣) ناسخًا لحديث عبادة بن الصامت:

стр. 1394

«الثيب بالثيب جلْدُ مائةٍ والرجمُ» (١)، وكذلك لما رجم ماعزًا ولم يجلِدْه (٢)، كذلك يجب أن يكون قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ناسخًا لحكم التغريب في قوله: «البكر بالبكر جلدُ مائةٍ وتغريب عام» (٣). والمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي ﷺ عقيب التلاوة، ولنقلها إلينا [٧٠/أ] من نقل المزيد عليه؛ إذ غير جائزٍ عليهم أن يعلموا أن الحد مجموع الأمرين وينقلوا بعضه دون بعض، وقد سمعوا الرسول ﷺ يذكر الأمرين، فامتنع حينئذٍ العملُ بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل. فإذا وردت من جهة الآحاد فإن كانت قبل النص فقد نسخها النص المطلق عاريًا من ذكرها، وإن كانت (٤) بعده فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد وهو ممتنع، فإن كان المزيد عليه ثابتًا بخبر الواحد جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخًا وكانت بيانًا. فالجواب (٥) من وجوه: أحدها: أنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصَّلتموه، فإنكم قبلتم

стр. 1395

خبر الوضوء بنبيذ التمر (١) وهو زائد على ما في كتاب الله مغيِّر لحكمه؛ فإن الله سبحانه جعل حكم عادم الماء التيمم، والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ؛ فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعةٌ (٢) لحكم شرعي غير مقارنةٍ له ولا مقاومة له بوجه. وقبلتم خبر الأمر بالوتر (٣) مع رفعه لحكم شرعي، وهو اعتقاد كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب، ورفع التأثيم بالاقتصار عليها، وإجزاء الإتيان (٤) في التعبد بفريضة الصلاة، والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث الزائدة على ما في القرآن، والذي نقلها إلينا هو الذي نقل تلك بعينه أو أوثق منه أو نظيره، والذي فرض علينا طاعة رسوله وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه، والذي قال لنا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، هو الذي شرع هذه الزيادة على لسانه. والله سبحانه ولَّاه منصبَ التشريع عنه ابتداء، كما ولّاه منصبَ البيان لما أراه بكلامه، بل كلامه كله بيان عن الله، والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان [٧٠/ب] بوجه من الوجوه، بل كان السلف الصالح (٥) الطيب إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن، ولم يقل أحد منهم قطُّ في

стр. 1396

حديثٍ واحد أبدًا: إن هذا زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به، ورسول الله ﷺ أجلُّ في صدورهم، وسنتُه أعظم عندهم من ذلك وأكبر. ولا فرقَ أصلًا بين مجيء السنة بعدد الطواف وعدد ركعات الصلاة ومجيئها بفرض الطمأنينة وتعيين الفاتحة والنية؛ فإن الجميع بيان لمراد الله أنه أوجب هذه العبادات على عباده على هذا الوجه، فهذا الوجه هو المراد، فجاءت السنة بيانًا للمراد في جميع وجوهها، حتى في التشريع المبتدأ، فإنها بيان لمراد الله من عموم الأمر بطاعته وطاعة رسوله، فلا فرقَ بين بيان هذا المراد وبين بيان المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها، بل هذا بيان المراد من شيء وذاك بيان المراد من أعمَّ منه؛ فالتغريب بيان محضٌ للمراد من قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، وقد صرَّح النبي ﷺ بأن التغريب بيان لهذا السبيل المذكور في القرآن، فكيف يجوز ردُّه بأنه مخالف للقرآن معارض له؟ ويقال: لو قبلناه لأبطلنا به حكم القرآن؟ وهل هذا إلا قلبٌ للحقائق؟ فإن حكم القرآن العام والخاص يوجب علينا قبوله فرضًا لا يسَعُنا مخالفته؛ فلو خالفناه لخالفنا القرآن ولخرجنا عن حكمه ولا بدَّ، ولكان في ذلك مخالفة للقرآن (١) والحديث معًا. يوضّحه الوجه (٢) الثاني: أن الله سبحانه نصب رسوله منصب المبلِّغ المبيِّن عنه، فكلُّ ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرقَ بين ما يبلِّغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه [٧١/أ] في وجوب الاتباع، ومخالفةُ هذا كمخالفة هذا.

стр. 1397

يوضّحه الوجه الثالث: أن الله سبحانه أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصوم رمضان، وجاء البيان عن رسول الله ﷺ بمقادير ذلك وصفاته وشروطه؛ فوجب على الأمة قبولُه، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب عليها قبول الأصل المُفصَّل، وهكذا أمر الله (١) سبحانه بطاعته وطاعة رسوله؛ فإذا أمر الرسول بأمرٍ كان تفصيلًا وبيانًا للطاعة المأمور بها، وكان فرضُ قبولِه كفرض قبول الأصل المُفصَّل، ولا فرق بينهما. يوضّحه الوجه الرابع: أن البيان من النبي ﷺ أقسام: أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًّا. الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك، كما بيَّن أن الظلم المذكور في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] هو الشرك (٢)، وأن الحساب اليسير هو العرض (٣)، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل (٤)، وأن الذي رآه نزلةً أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل (٥)، وكما فسَّر قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أنه طلوع الشمس من مغربها (٦)، وكما فسر قوله: ﴿مَثَلًا (٧) كَلِمَةً طَيِّبَةً

стр. 1398

كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] بأنها (١) النخلة (٢)، وكما فسَّر قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] أن ذلك في القبر حين يُسأل مَن ربك وما دينك (٣)، وكما فسَّر الرعد بأنه مَلَك من الملائكة موكَّل بالسحاب (٤)، وكما فسَّر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابًا، وذلك استحلال ما أحلُّوه لهم من الحرام وتحريم ما حرَّموه عليهم من الحلال (٥)، وكما فسَّر القوة التي أمر الله أن نُعِدَّها لأعدائه بالرمي (٦)، وكما فسَّر قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بأنه ما يُجزى به (٧) العبد في الدنيا من النَّصَب والهمّ والخوف واللأواء (٨)،

стр. 1399

وكما فسَّر الزيادة بأنها النظر إلى [٧١/ب] وجه الله (١)، وكما فسَّر الدعاء في (٢) قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] بأنه العبادة (٣)، وكما فسَّر أدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر، وأدبار السجود بالركعتين بعد المغرب (٤)، ونظائر ذلك. الثالث: بيانه بالفعل، كما بيَّن أوقات الصلاة للسائل بفعله (٥). الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قَذْف الزوجة (٦) فجاء القرآن باللعان ونظائره. الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا، كما سئل عن رجل أحرم في جُبَّةٍ بعدما تضمَّخَ بالخَلوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبَّة ويغسل أثر الخَلوق (٧). السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداءً من غير سؤال، كما حرَّم عليهم

стр. 1400

لحوم الحمر والمتعة (١) وصيد المدينة (٢) ونكاح المرأة على عمتها وخالتها (٣) وأمثال ذلك. السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نَهْيهم عن التأسِّي به. الثامن: بيانه جوازَ الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده أو (٤) يعلمهم يفعلونه. التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوًا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقًا. العاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيُحِيل الرب على رسوله في بيانها، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالحِلُّ موقوف على شروط النكاح وانتفاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحلّ، فإذا جاءت السنة ببيان ذلك كلِّه لم يكن الشيء منه زائدًا على النص فيكون نسخًا له، وإن كان رفعًا لظاهر إطلاقه. فهكذا كل حكمٍ منه ﷺ زائد على القرآن، هذا سبيله سواء بسواء، وقد قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]،

стр. 1401

ثم جاءت السنة بأن القاتل والكافر (١) والرقيق (٢) لا يرِث، [٧٢/أ] ولم يكن نسخًا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعًا، أعني في موجبات الميراث؛ فإن القرآن أوجبه بالولادة وحدها، فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدين وعدم الرقّ والقتل، فهلَّا قلتم: إن هذا زيادة على النص فيكون نسخًا والقرآن لا ينسخ بالسنة؟ كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث؛ لأنه زائد على القرآن. الوجه الخامس: أن تسميتكم للزيادة المذكورة نسخًا لا تُوجِب بل لا تُجوِّز مخالفتَها، فإن تسمية ذلك نسخًا اصطلاح منكم، والأسماء المتواضَع عليها التابعة للاصطلاح لا توجب رفع أحكام النصوص، فأين سمى الله أو رسوله ذلك نسخًا؟ وأين قال رسول الله ﷺ إذا جاءكم حديثي زائدًا على ما في كتاب الله فردُّوه ولا تقبلوه فإنه يكون نسخًا لكتاب الله؟ وأين قال الله: إذا قال رسولي قولًا زائدًا على القرآن فلا تقبلوه ولا تعملوا به ورُدُّوه؟ وكيف يَسُوغ ردُّ سنن رسول الله ﷺ بقواعد قعَّدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان؟ الوجه السادس: أن يقال: ما تَعْنُون بالنسخ الذي تضمَّنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة بطل بالكلية، أم تعنون به تغيُّرَ وصفه بزيادة شيء عليه من شرط أو قيد أو حال أو مانع أو ما هو أعمُّ من ذلك؟ فإن عنيتم الأول فلا ريبَ أن الزيادة لم تتضمن ذلك فلا تكون ناسخة، وإن عنيتم الثاني فهو حق، ولكن لا يلزم منها بطلان

стр. 1402

حكم المزيد عليه ولا رفعه ولا معارضته، بل غايتها مع المزيد عليه (١) كالشروط والموانع والقيود والمخصصات، وشيء من ذلك لا يكون نسخًا يوجب إبطال الأول ورفعه رأسًا، وإن كان نسخًا بالمعنى العام الذي يسمِّيه السلف نسخًا، وهو رفع الظاهر بتخصيص أو تقييد (٢) أو شرط [٧٢/ب] أو مانع؛ فهذا كثير من السلف يسميه نسخًا، حتى سمَّى الاستثناء نسخًا. فإن أردتم هذا المعنى فلا مُشاحَّةَ في الاسم (٣)، ولكن ذلك لا يُسوِّغ ردَّ السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا ينكر أحد نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى، بل هو متفق عليه بين الناس، وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النسخَ الخاص الذي هو رفع أصل (٤) الحكم وجملته، بحيث يبقى بمنزلة ما لم يُشرَع البتةَ. وإن أردتم بالنسخ ما هو أعمُّ من القسمين ــ وهو رفع الحكم بجملته تارةً وتقييد مطلقه وتخصيص عامه وزيادة شرط (٥) أو مانع تارة ــ كنتم قد أدرجتم في كلامكم قسمين مقبولًا ومردودًا كما تبين؛ فليس الشأن في الألفاظ فسَمُّوا الزيادة ما شئتم (٦)، فإبطالُ السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه. يوضِّحه الوجه السابع: أن الزيادة لو كانت ناسخةً لما جاز اقترانها

стр. 1403

بالمزيد؛ لأن الناسخ لا يقارن المنسوخ، وقد جوّزتم اقترانها به (١)، وقلتم: تكون بيانًا أو تخصيصًا، فهلّا كان حكمها مع التأخر كذلك، والبيان لا يجب اقترانه بالمبين، بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل؟ وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق فهو منتقضٌ بجواز بل وجوب تأخير الناسخ وعدم وجوب الإشعار بأنه سينسخه، ولا محذور في اعتقاد موجب النص ما لم يأتِ ما يرفعه أو يرفع ظاهره؛ فحينئذٍ يعتقد موجبه لذلك، فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به؛ إذ لا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها. يوضّحه الوجه الثامن: أن المكلَّف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيَّدًا بعدم ورود ما يرفع ظاهره، كما يعتقد المنسوخ مؤبَّدًا اعتقادًا مقيَّدًا بعدم ورود ما يُبطله، وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه. [٧٣/أ] الوجه التاسع: أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخًا وإن تضمَّن رفع الإجزاء بدونه، كما صرَّح بذلك بعض أصحابكم وهو الحق؛ فكذلك إيجاب كل زيادة، بل أولى أن لا تكون نسخًا؛ فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط عن نفسه وعن غيره، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة. الوجه العاشر: أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخًا، وذلك أن الأحكام لم تُشرع جملةً واحدة، وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئًا بعد شيء، وكل منها زائد على ما قبله، وكان ما قبله جميعَ الواجب، والإثم محطوط عمّن اقتصر عليه، وبالزيادة تغيَّر هذان

стр. 1404

الحكمان؛ فلم يبقَ الأولُ جميعَ الواجب، ولم يحطّ الإثم عمّن اقتصر عليه، ومع ذلك فليس الزائد ناسخًا للمزيد عليه؛ إذ حكمه من الوجوب وغيره باقٍ (١)؛ فهكذا الزيادة المتعلقة بالمزيد لا تكون ناسخًا له، حيث لم ترفع حكمه، بل هو باقٍ على حكمه وقد ضُمَّ إليه غيره. يوضِّحه الوجه الحادي عشر: أن الزيادة إن (٢) رفعتْ حكمًا خطابيًّا كانت نسخًا، وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه وجزاؤه (٣) لا ترفع حكم الخطاب، وإن رفع حكم الاستصحاب (٤). يوضِّحه الوجه الثاني عشر: أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب وكونه مُجزِئًا وحده وكون الإثم محطوطًا عن المقتصر عليه إنما هو من أحكام البراءة الأصلية؛ فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول، ولا أريد به؛ فإن معنى كون العبادة مجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها، وحطُّ الذم عن فاعلها معناه أنه قد خرج من عهدة الأمر فلا يلحقه ذم، والزيادة وإن [٧٣/ب] رفعت هذه الأحكام لم ترفع حكمًا دلَّ عليه لفظ المزيد. يوضِّحه الوجه الثالث عشر: أن تخصيص القرآن بالسنة جائز ، كما أجمعت الأمة على تخصيص قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بقوله ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» (٥)، وعموم قوله

стр. 1405

تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﷺ : «لا يرِث المسلم الكافر» (١)، وعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] بقوله ﷺ : «لا قطْعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ» (٢)، ونظائر ذلك كثير؛ فإذا جاز التخصيص ــ وهو رفع بعض ما تناوله اللفظ، وهو نقصان من معناه ــ فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفعَ شيء من مدلوله ولا نقصانه بطريق الأولى والأحرى. الوجه الرابع عشر: أن الزيادة لا توجب رفعَ المزيد لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا (٣) ولا عقلًا، ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره أو ماله أو جاهه أو علمه أو ولده: إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس. بل نقول في الوجه الخامس عشر: إن الزيادة قررت حكم المزيد وزادته بيانًا وتأكيدًا؛ فهي كزيادة العلم والهدى والإيمان، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وقال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، وقال: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]. فكذلك زيادة الواجب على الواجب إنما يزيد قوةً وتأكيدًا وثبوتًا، فإن كانت متصلة به اتصالَ الجزاء والشرط كان ذلك أقوى له وأثبت وآكد، ولا ريب أن هذا أقرب إلى المعقول والمنقول والفطرة من جَعْلِ الزيادة مبطلة للمزيد عليه ناسخة له.
следующие страницы →