← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ثم جاءت السنة بأن القاتل والكافر (١) والرقيق (٢) لا يرِث، [٧٢/أ] ولم يكن نسخًا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعًا، أعني في موجبات الميراث؛ فإن القرآن أوجبه بالولادة وحدها، فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدين وعدم الرقّ والقتل، فهلَّا قلتم: إن هذا زيادة على النص فيكون نسخًا والقرآن لا ينسخ بالسنة؟ كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث؛ لأنه زائد على القرآن. الوجه الخامس: أن تسميتكم للزيادة المذكورة نسخًا لا تُوجِب بل لا تُجوِّز مخالفتَها، فإن تسمية ذلك نسخًا اصطلاح منكم، والأسماء المتواضَع عليها التابعة للاصطلاح لا توجب رفع أحكام النصوص، فأين سمى الله أو رسوله ذلك نسخًا؟ وأين قال رسول الله ﷺ إذا جاءكم حديثي زائدًا على ما في كتاب الله فردُّوه ولا تقبلوه فإنه يكون نسخًا لكتاب الله؟ وأين قال الله: إذا قال رسولي قولًا زائدًا على القرآن فلا تقبلوه ولا تعملوا به ورُدُّوه؟ وكيف يَسُوغ ردُّ سنن رسول الله ﷺ بقواعد قعَّدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان؟ الوجه السادس: أن يقال: ما تَعْنُون بالنسخ الذي تضمَّنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة بطل بالكلية، أم تعنون به تغيُّرَ وصفه بزيادة شيء عليه من شرط أو قيد أو حال أو مانع أو ما هو أعمُّ من ذلك؟ فإن عنيتم الأول فلا ريبَ أن الزيادة لم تتضمن ذلك فلا تكون ناسخة، وإن عنيتم الثاني فهو حق، ولكن لا يلزم منها بطلان

стр. 1402

حكم المزيد عليه ولا رفعه ولا معارضته، بل غايتها مع المزيد عليه (١) كالشروط والموانع والقيود والمخصصات، وشيء من ذلك لا يكون نسخًا يوجب إبطال الأول ورفعه رأسًا، وإن كان نسخًا بالمعنى العام الذي يسمِّيه السلف نسخًا، وهو رفع الظاهر بتخصيص أو تقييد (٢) أو شرط [٧٢/ب] أو مانع؛ فهذا كثير من السلف يسميه نسخًا، حتى سمَّى الاستثناء نسخًا. فإن أردتم هذا المعنى فلا مُشاحَّةَ في الاسم (٣)، ولكن ذلك لا يُسوِّغ ردَّ السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا ينكر أحد نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى، بل هو متفق عليه بين الناس، وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النسخَ الخاص الذي هو رفع أصل (٤) الحكم وجملته، بحيث يبقى بمنزلة ما لم يُشرَع البتةَ. وإن أردتم بالنسخ ما هو أعمُّ من القسمين ــ وهو رفع الحكم بجملته تارةً وتقييد مطلقه وتخصيص عامه وزيادة شرط (٥) أو مانع تارة ــ كنتم قد أدرجتم في كلامكم قسمين مقبولًا ومردودًا كما تبين؛ فليس الشأن في الألفاظ فسَمُّوا الزيادة ما شئتم (٦)، فإبطالُ السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه. يوضِّحه الوجه السابع: أن الزيادة لو كانت ناسخةً لما جاز اقترانها

стр. 1403

بالمزيد؛ لأن الناسخ لا يقارن المنسوخ، وقد جوّزتم اقترانها به (١)، وقلتم: تكون بيانًا أو تخصيصًا، فهلّا كان حكمها مع التأخر كذلك، والبيان لا يجب اقترانه بالمبين، بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل؟ وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق فهو منتقضٌ بجواز بل وجوب تأخير الناسخ وعدم وجوب الإشعار بأنه سينسخه، ولا محذور في اعتقاد موجب النص ما لم يأتِ ما يرفعه أو يرفع ظاهره؛ فحينئذٍ يعتقد موجبه لذلك، فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به؛ إذ لا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها. يوضّحه الوجه الثامن: أن المكلَّف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيَّدًا بعدم ورود ما يرفع ظاهره، كما يعتقد المنسوخ مؤبَّدًا اعتقادًا مقيَّدًا بعدم ورود ما يُبطله، وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه. [٧٣/أ] الوجه التاسع: أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخًا وإن تضمَّن رفع الإجزاء بدونه، كما صرَّح بذلك بعض أصحابكم وهو الحق؛ فكذلك إيجاب كل زيادة، بل أولى أن لا تكون نسخًا؛ فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط عن نفسه وعن غيره، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة. الوجه العاشر: أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخًا، وذلك أن الأحكام لم تُشرع جملةً واحدة، وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئًا بعد شيء، وكل منها زائد على ما قبله، وكان ما قبله جميعَ الواجب، والإثم محطوط عمّن اقتصر عليه، وبالزيادة تغيَّر هذان

стр. 1404

الحكمان؛ فلم يبقَ الأولُ جميعَ الواجب، ولم يحطّ الإثم عمّن اقتصر عليه، ومع ذلك فليس الزائد ناسخًا للمزيد عليه؛ إذ حكمه من الوجوب وغيره باقٍ (١)؛ فهكذا الزيادة المتعلقة بالمزيد لا تكون ناسخًا له، حيث لم ترفع حكمه، بل هو باقٍ على حكمه وقد ضُمَّ إليه غيره. يوضِّحه الوجه الحادي عشر: أن الزيادة إن (٢) رفعتْ حكمًا خطابيًّا كانت نسخًا، وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه وجزاؤه (٣) لا ترفع حكم الخطاب، وإن رفع حكم الاستصحاب (٤). يوضِّحه الوجه الثاني عشر: أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب وكونه مُجزِئًا وحده وكون الإثم محطوطًا عن المقتصر عليه إنما هو من أحكام البراءة الأصلية؛ فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول، ولا أريد به؛ فإن معنى كون العبادة مجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها، وحطُّ الذم عن فاعلها معناه أنه قد خرج من عهدة الأمر فلا يلحقه ذم، والزيادة وإن [٧٣/ب] رفعت هذه الأحكام لم ترفع حكمًا دلَّ عليه لفظ المزيد. يوضِّحه الوجه الثالث عشر: أن تخصيص القرآن بالسنة جائز ، كما أجمعت الأمة على تخصيص قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بقوله ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» (٥)، وعموم قوله

стр. 1405

تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﷺ : «لا يرِث المسلم الكافر» (١)، وعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] بقوله ﷺ : «لا قطْعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ» (٢)، ونظائر ذلك كثير؛ فإذا جاز التخصيص ــ وهو رفع بعض ما تناوله اللفظ، وهو نقصان من معناه ــ فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفعَ شيء من مدلوله ولا نقصانه بطريق الأولى والأحرى. الوجه الرابع عشر: أن الزيادة لا توجب رفعَ المزيد لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا (٣) ولا عقلًا، ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره أو ماله أو جاهه أو علمه أو ولده: إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس. بل نقول في الوجه الخامس عشر: إن الزيادة قررت حكم المزيد وزادته بيانًا وتأكيدًا؛ فهي كزيادة العلم والهدى والإيمان، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وقال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، وقال: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]. فكذلك زيادة الواجب على الواجب إنما يزيد قوةً وتأكيدًا وثبوتًا، فإن كانت متصلة به اتصالَ الجزاء والشرط كان ذلك أقوى له وأثبت وآكد، ولا ريب أن هذا أقرب إلى المعقول والمنقول والفطرة من جَعْلِ الزيادة مبطلة للمزيد عليه ناسخة له.

стр. 1406

الوجه السادس عشر: أن الزيادة لم تتضمن النهي عن المزيد ولا المنع منه، وذلك حقيقة [٧٤/أ] النسخ، وإذا انتفت حقيقة النسخ استحال ثبوته. الوجه السابع عشر: أنه لا بدّ في النسخ من تنافي الناسخ والمنسوخ، وامتناع اجتماعهما، والزيادة غير منافية للمزيد عليه ولا اجتماعهما ممتنع. الوجه الثامن عشر: أن الزيادة لو كانت نسخًا لكانت إما نسخًا بانفرادها عن المزيد أو بانضمامها إليه، والقسمان محال؛ فلا يكون نسخًا. أما الأول فظاهر؛ فلأنها (١) لا حكم لها بمفردها البتةَ؛ فإنها تابعة للمزيد عليه في حكمه. وأما الثاني فكذلك أيضًا؛ لأنها إذا كانت ناسخة بانضمامها إلى المزيد كان الشيء ناسخًا لنفسه ومُبطلًا لحقيقته، وهذا غير معقول. وأجاب بعضهم عن هذا بأن النسخ يقع على حكم الفعل دون نفسه وصورته، وهذا الجواب لا يُجدي عليهم شيئًا، والإلزام قائم بعينه؛ فإنه يوجب أن يكون المزيد عليه قد نسخَ حكم نفسه وجعل نفسه إذا انفرد (٢) عن الزيادة غير مُجزِئ بعد أن كان مجزئًا. الوجه التاسع عشر (٣): أن النقصان من العبادة لا يكون نسخًا لما بقي منها، فكذلك الزيادة عليها لا تكون نسخًا لها، بل أولى؛ لما تقدم. الوجه العشرون: أن نسخ الزيادة للمزيد عليه إما أن يكون نسخًا لوجوبه، أو لإجزائه، أو لعدم وجوب غيره، أو لأمر رابع، وهذا كزيادة

стр. 1407

التغريب مثلًا على المائة جلدة، لا يجوز أن تكون ناسخةً لوجوبها فإن الوجوب بحاله، ولا لإجزائها لأنها مجزئة عن نفسها، ولا لعدم وجوب الزائد لأنه رفعٌ لحكم عقلي وهو البراءة الأصلية؛ فلو كان رفعها نسخًا كان كلما أوجب الله شيئًا بعد الشهادتين قد نسخ به ما قبله، والأمر الرابع غير متصوَّر ولا معقول فلا يُحكم عليه. فإن قيل: بل ههنا أمر رابع معقول، وهو الاقتصار على الأول؛ [٧٤/ب] فإنه نسخ بالزيادة، وهذا غير الأقسام الثلاثة. فالجواب: أنه لا معنى للاقتصار غير عدم وجوب غيره، وكونه جميع الواجب، وهذا هو القسم الثالث بعينه غيَّرتم التعبير عنه وكسَوتموه عبارة أخرى. الوجه الحادي والعشرون: أن الناسخ والمنسوخ لا بدَّ أن يتواردا على محل واحد يقتضي المنسوخ ثبوته والناسخ رفعه، أو بالعكس، وهذا غير متحقق في الزيادة على النص. الوجه الثاني والعشرون: أن كل واحد من الزائد والمزيد عليه دليل قائم بنفسه مستقلٌّ بإفادة حكمه، وقد أمكن العمل بالدليلين؛ فلا يجوز إلغاء أحدهما وإبطاله وإلقاء الحرب بينه وبين صاحبه وشقيقه؛ فإن كل ما جاء من (١) عند الله فهو حق يجب اتباعه والعمل به، ولا يجوز إلغاؤه وإبطاله إلا حيث أبطله الله ورسوله بنص آخر ناسخٍ له لا يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ، وهذا بحمد الله منتفٍ في مسألتنا؛ فإن العمل بالدليلين يمكن، ولا

стр. 1408

تعارضَ بينهما ولا تناقضَ بوجه؛ فلا يسوغ (١) لنا إلغاء ما اعتبره الله ورسوله، كما لا يسوغ لنا اعتبار ما ألغاه، وبالله التوفيق. الوجه الثالث والعشرون: أنه إن كان القضاء بالشاهد واليمين ناسخًا للقرآن، وإثبات التغريب ناسخًا للقرآن، فالوضوء بالنبيذ أيضًا (٢) ناسخ للقرآن، ولا فرقَ بينهما البتةَ، بل القضاء بالنكول ومعاقد القِمْط يكون ناسخًا للقرآن، وحينئذٍ فنسخُ كتاب الله بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا مطعنَ فيها أولى من نسخه بالرأي والقياس والحديث الذي لا يثبت، وإن لم يكن نسخًا للقرآن لم يكن هذا نسخًا له، وأما أن يكون هذا نسخًا وذاك ليس بنسخ فتحكُّمٌ باطل وتفريق بين متماثلين. الوجه الرابع والعشرون: [٧٥/أ] أن ما خالفتموه من الأحاديث التي زعمتم أنها زيادة على نصّ القرآن إن كانت تستلزم نسخَه فقطعُ رِجل السارق في المرة الثانية نسخ؛ لأنه زيادة على القرآن، وإن لم يكن هذا نسخًا فليس ذلك نسخًا. الوجه الخامس والعشرون: أنكم قلتم لا يكون المهر أقلَّ من عشرة دراهم، وذلك زيادة على ما في القرآن (٣)؛ فإن الله سبحانه أباح استحلال البُضْع بكل ما يسمَّى مالًا، وذلك يتناول القليل والكثير، فزدتم على القرآن بقياسٍ في غاية الضعف، وبخبرٍ في غاية البطلان؛ فإن جاز نسخ القرآن بذلك فلم لا يجوز نسخه بالسنة الصحيحة الصريحة؟ وإن كان هذا ليس بنسخ لم يكن الآخر نسخًا.

стр. 1409

الوجه السادس والعشرون: أنكم أوجبتم الطهارة للطواف بقوله: «الطواف بالبيت صلاة» (١)، وذلك زيادة على القرآن؛ فإن الله إنما أمر بالطواف ولم يأمر بالطهارة، فكيف لم تجعلوا ذلك نسخًا للقرآن وجعلتم القضاء بالشاهد واليمين والتغريب في حدّ الزنا نسخًا للقرآن؟ الوجه السابع والعشرون: أنكم مع الناس (٢) أوجبتم الاستبراء في جواز وطء المَسْبيَّة بحديثٍ ورد زائدٍ على كتاب الله، ولم تجعلوا ذلك نسخًا له، وهو الصواب بلا شك، فهلّا فعلتم ذلك في سائر الأحاديث الزائدة على القرآن؟ الوجه الثامن والعشرون: أنكم وافقتم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها بخبر الواحد، وهو زائد على كتاب الله (٣) قطعًا، ولم يكن ذلك (٤) نسخًا، فهلّا فعلتم ذلك في خبر القضاء بالشاهد واليمين والتغريب (٥) ولم تعدُّوه نسخًا؟ وكلّ ما تقولونه في محل الوفاق يقوله لكم منازعوكم في محلّ النزاع حرفًا بحرفٍ.

стр. 1410

الوجه التاسع والعشرون: أنكم قلتم: لا يفطر المسافر ولا يقصر في أقل من [٧٥/ب] ثلاثة أيام، والله تعالى قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وهذا يتناول الثلاثة وما دونها، فأخذتم بقياس ضعيف أو أثر (١) لا يثبت في التحديد بالثلاث، وهو زيادة على القرآن، ولم تجعلوا ذلك نسخًا، فكذلك الباقي. الوجه الثلاثون: أنكم منعتم قطع من سرق ما يُسرِع إليه الفساد من الأموال مع أنه سارقٌ حقيقة ولغة وشرعًا بقوله: «لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ» (٢)، ولم تجعلوا ذلك نسخًا للقرآن وهو زائد عليه. الوجه الحادي والثلاثون: أنكم رددتم السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ في المسح على العمامة (٣)، وقلتم: إنها زائدة على نصّ الكتاب (٤) فتكون ناسخة له فلا تُقبل، ثم ناقضتم فأخذتم بأحاديث المسح على الخفين (٥) وهي زائدة على القرآن، ولا فرقَ بينهما، واعتذرتم بالفرق بأن أحاديث المسح على الخفين متواترة بخلاف المسح على العمامة، وهو اعتذار فاسد، فإن من له اطلاعٌ على الحديث لا يشك في شهرة كل منهما وتعدُّدِ طرقها واختلافِ مخارجها وثبوتها عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا.

стр. 1411

الوجه الثاني والثلاثون: أنكم قبلتم شهادة المرأة الواحدة على الرضاع والولادة وعيوب النساء، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولم يصحّ الحديث به صحتَه بالشاهد واليمين، ورُدَّ (١) ونحوه بأنه زائد على القرآن. الوجه الثالث والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ في أنه لا يحرِّم أقلُّ من خمس رضعات (٢)، ولا تحرِّم الرضعة والرضعتان (٣)، وقلتم: هي زيادة على القرآن، ثم أخذتم بخبر (٤) لا يصح بوجهٍ ما في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم أو تساويها، ولم تَروه زيادة على [٧٦/أ] القرآن، وقلتم: هذا بيان للفظ السارق فإنه مجمل، والرسول بيَّنه بقوله: «لا تُقطع اليدُ في أقلَّ من عشرة دراهم» (٥). فيا لله العجب! كيف كان هذا بيانًا ولم يكن حديث التحريم بخمس رضعات بيانًا لمجمل قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]! ولا تأتون بعذر في آية القطع إلا كان مثله أو أولى منه في آية الرضاع سواء بسواء (٦).

стр. 1412

الوجه الرابع والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بالمسح على الجوربين (١)، وقلتم: هي زائدة على القرآن، وجوَّزتم الوضوء بالخمر المحرمة من نبيذ التمر المسكر بخبر لا يثبت (٢) وهو خلاف القرآن. الوجه الخامس والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ في الصوم عن الميت (٣) والحج عنه (٤)، وقلتم: هو زائد على قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ثم جوَّزتم أن تُعمل أعمال الحج كلها عن المغمى عليه، ولم تروه زائدًا على قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. وأخذتم بالسنة الصحيحة وأصبتم في حمل العاقلة الديةَ عن القاتل خطأً (٥) ولم تقولوا هو زائد على قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، واعتذاركم بأن الإجماع ألجأكم إلى ذلك لا يفيد؛ لأن عثمان البتي ــ وهو من فقهاء التابعين ــ يرى أن (٦) الدية على القاتل، وليس على العاقلة منها شيء (٧)، ثم

стр. 1413

هذا حجة عليكم أن تُجمِع الأمة على الأخذ بالخبر وإن كان زائدًا على القرآن. الوجه السادس والثلاثون: أنكم (١) رددتم السنة الثابتة (٢) عن رسول الله ﷺ في اشتراط المحرم أن يحلّ حيث حُبِس (٣)، وقلتم: هو زائد على القرآن، فإن الله أمر بإتمام الحج والعمرة، والإحلال خلاف الإتمام، ثم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم لبن الفحل (٤)، وهو زائد على ما في القرآن [٧٦/ب] قطعًا. الوجه السابع والثلاثون: ردُّكم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بالوضوء من مس الفرج (٥) وأكل لحوم الإبل (٦)، وقلتم: ذلك زيادة على القرآن؛ لأن الله تعالى إنما ذكر الغائط، ثم أخذتم (٧) بحديث ضعيف في إيجاب الوضوء من القهقهة (٨)، وخبر ضعيف في إيجابه من القيء (٩)، ولم يكن إذ ذاك زائدًا

стр. 1414

على ما في القرآن إذ هو قول متبوعكم؛ فمن العجب إذا قال من قلّدتموه قولًا زائدًا على ما في القرآن قبلتموه وقلتم: ما قاله إلا بدليل، وسهُلَ عليكم مخالفة ظاهر القرآن حينئذٍ، وإذا قال رسول الله ﷺ قولًا زائدًا على ما في القرآن قلتم: هذا زيادة على النص، وهو نسخ، والقرآن لا يُنسخ بالسنة، فلم تأخذوا به، واستصعبتم خلاف ظاهر القرآن، فهان خلافُه إذا وافق قول من قلّدتموه، وصعُب خلافُه إذا وافق قول رسول الله ﷺ ! الوجه الثامن والثلاثون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف لا يثبت في إيجاب المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة (١)، ولم تروه زائدًا على القرآن، ورددتم السنة الصحيحة الصريحة في أمر المتوضئ بالاستنشاق (٢)، وقلتم: هو (٣) زائد على القرآن، فهاتوا لنا الفرقَ بين ما يُقبل من السنن الصحيحة وما يُردُّ منها، فإما أن تقبلوها كلها وإن زادت على القرآن، وإما أن تردّوها كلها إذا كانت (٤) زائدة على القرآن. وأما التحكُّم في قبول ما شئتم منها وردّ ما شئتم، ممّا (٥) لم يأذن به الله ولا رسوله، ونحن نشهد الله شهادة

стр. 1415

يسألنا عنها يوم نلقاه أنا لا نردُّ لرسول الله ﷺ سنة واحدة صحيحة أبدًا إلا بسنة صحيحة (١) مثلها نعلم أنها ناسخة لها. الوجه التاسع والثلاثون: أنكم رددتم السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ [٧٧/أ] في القَسْم للبكر سبعًا يفضلها بها على من عنده من النساء وللثيِّب ثلاثًا إذا أعرس بهما (٢)، وقلتم: هذا زائد على العدل المأمور به في القرآن ومخالف له، فلو قبلناه (٣) كنا قد نسخنا به القرآن، ثم أخذتم بقياس فاسد واهي (٤) لا يصح في جواز نكاح الأمة لواجدِ الطَّول غير خائفٍ العنتَ إذا لم تكن تحته حرة، وهو خلاف ظاهر القرآن وزائدٌ عليه قطعًا. الوجه الأربعون: ردُّكم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بإسقاط نفقة المبتوتة وسكناها (٥)، وقلتم: هو مخالف للقرآن، فلو قبلناه (٦) كان نسخًا للقرآن به، ثم أخذتم بخبر ضعيف لا يصح أن عدة الأمة قُرْءانِ وطلاقها طلقتان (٧)، مع كونه زائدًا على ما في القرآن قطعًا.

стр. 1416

الوجه الحادي والأربعون: ردُّكم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ في تخيير وليِّ الدم بين الدية أو القَوَد أو العفو (١)، بقولكم: إنها زائدة (٢) على ما في القرآن، ثم أخذتم بقياسٍ من أفسد القياس أنه لو ضربه بأعظم دبُّوس يوجد حتى ينثر دماغه على الأرض فلا قوَدَ عليه، ولم تروا ذلك مخالفًا لظاهر القرآن، والله تعالى يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. الوجه الثاني والأربعون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بقوله: «لا يُقتَل مسلم بكافر» (٣)، وقوله: «المؤمنون تتكافأُ دماؤهم» (٤)، وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وأخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله ﷺ بأنه «لا قوَدَ إلا بالسيف» (٥)، وهو مخالف لظاهر القرآن؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.

стр. 1417

الوجه الثالث والأربعون: أنكم أخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله [٧٧/ب] ﷺ في (١) أنه «لا جمعةَ إلا في مصرٍ جامعٍ (٢)» (٣)، وهو مخالف لظاهر القرآن قطعًا وزائد عليه، ورددتم الخبر الصحيح الذي لا شكّ في صحته عند أحد من أهل العلم في أن كل بيِّعينِ فلا بيعَ بينهما حتى يتفرقا (٤)، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في وجوب الوفاء بالعقد. الوجه الرابع والأربعون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف «لا تُقطع الأيدي في الغزو» (٥) وهو زائد على القرآن، وعدَّيتموه إلى سقوط الحدود على من فعل أسبابها في دار الحرب، وتركتم الخبر الصحيح الذي لا ريب في صحته في المصرَّاة (٦)، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن من عدة أوجه. الوجه الخامس والأربعون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف بل باطل في أنه لا يؤكل الطافي من السمك (٧)، وهو خلاف ظاهر القرآن؛ إذ يقول تعالى:

стр. 1418

﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، فصيده ما صِيْدَ منه حيًّا، وطعامه قال أصحاب رسول الله ﷺ : هو (١) ما مات فيه، صحَّ ذلك عن الصدّيق (٢) وابن عباس (٣) وغيرهما، ثم تركتم الخبر الصحيح المصرِّح بأن ميتته حلال (٤) مع موافقته لظاهر القرآن. الوجه السادس والأربعون: أنكم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم كل ذي نابٍ من السباع ومِخْلبٍ من الطير (٥)، وهو زائد على ما في القرآن، ولم تروه ناسخًا، ثم تركتم حديث حِلّ لحوم الخيل الصحيح الصريح (٦)، وقلتم: هو مخالف لما في كتاب الله زائد عليه، وليس كذلك.

стр. 1419

الوجه السابع والأربعون: أنكم أخذتم بحديث المنع من توريث القاتل (١) مع أنه زائد على القرآن، وحديث عدم القَوَد على قاتلِ ولدِه (٢) وهو زائد على ما في القرآن، مع أن الحديثين ليسا في الصحة بذاك، وتركتم الأخذ بحديث إعتاق النبي ﷺ لصفية [٧٨/أ] وجَعْل عتقِها صداقَها (٣) وصارت بذلك زوجة (٤)، وقلتم: هذا خلاف ظاهر (٥) القرآن، والحديث في غاية الصحة. الوجه الثامن والأربعون: أنكم أخذتم بالحديث الضعيف الزائد على ما في القرآن، وهو «كلّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاقَ المعتوه» (٦)، فقلتم (٧): هذا يدل على وقوع طلاق المُكرَه والسكران، وتركتم السنة الصحيحة (٨) التي لا ريب في صحتها فيمن وجد متاعه بعينه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحقُّ به (٩)،

стр. 1420

وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]. والعجب أن ظاهر القرآن مع الحديث متوافقان متطابقان؛ فإن منع البائع من الوصول إلى الثمن وإلى عينِ ماله إطعامٌ له بالباطل الغرماءَ؛ فخالفتم ظاهر القرآن مع السنة الصحيحة الصريحة. الوجه التاسع والأربعون: أخذتم بالحديث الضعيف وهو «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (١)، ولم تقولوا: هو زائد على القرآن في قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وتركتم الحديث الصحيح في بقاء الإحرام بعد الموت وأنه لا ينقطع به (٢)، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في قوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤] وخلاف ظاهر قوله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله» (٣). الوجه الخمسون: ردُّ السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ في وجوب الموالاة، حيث أمر الذي ترك لُمعةً من قدمهِ بأن يعيد الوضوء والصلاة (٤)، وقالوا: هو (٥) زائد على كتاب الله، ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على

стр. 1421

كتاب الله في أن «أقلّ الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة» (١). الوجه الحادي والخمسون: ردُّ الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ في أنه (٢) «لا نكاح إلا بوليّ» (٣)، وأن «من نكحتْ نفسها فنكاحها باطل» (٤)، وقالوا: هو زائد على كتاب الله؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ [٧٨/ب] أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ (٥) فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ثم أخذوا (٦) بالحديث الضعيف الزائد على القرآن قطعًا في اشتراط الشهادة في صحة النكاح. والعجب أنهم استدلُّوا على ذلك بقوله: «لا نكاح إلا بوليٍّ مرشد

стр. 1422

وشاهدَيْ عدل» (١)، ثم قالوا: لا يفتقر إلى حضور الولي ولا عدالة الشاهدين. فهذا طرفٌ من بيان تناقض من ردَّ السنن بكونها زائدةً على القرآن فتكون ناسخة فلا تُقبل. الوجه الثاني والخمسون: أنكم تجوِّزون الزيادة على القرآن بالقياس الذي أحسنُ أحواله أن يكون للأمة فيه قولان: أحدهما أنه باطل منافٍ للدين، والثاني أنه صحيح مؤخَّر عن الكتاب والسنة؛ فهو في المرتبة الأخيرة، ولا تختلفون في جواز إثبات حكمٍ زائدٍ على القرآن به (٢)، فهلّا قلتم: إن ذلك يتضمن نسخ الكتاب بالقياس؟ فإن قيل: قد دلَّ القرآن على صحة القياس واعتباره وإثبات الأحكام به (٣)، فما خرجنا عن موجب القرآن، ولا زدنا على ما في القرآن إلا بما دلَّنا عليه القرآن. قيل: فهلّا قلتم مثل هذا سواء في السنة الزائدة على القرآن، وكان قولكم ذلك في السنة أسعدَ وأصلحَ (٤) من القياس الذي هو محلُّ آراء المجتهدين وعُرضةٌ للخطأ، بخلاف قول (٥) من ضُمِنَتْ لنا العصمة في أقواله (٦)،

стр. 1423

وفرضَ الله علينا اتباعه وطاعته. فإن قيل: القياس بيان لمراد الله ورسوله من النصوص، وأنه أريد بها إثبات الحكم في المذكور في نظيره، وليس ذلك زائدًا على القرآن، بل تفسير له وتبيين. قيل: فهلّا قلتم: إن السنة بيان لمراد الله من القرآن، تفصيلًا لما أجمله، وتبيينًا لما سكت عنه، وتفسيرًا لما أبهمه، فإن الله سبحانه أمر بالعدل والإحسان [٧٩/أ] والبر والتقوى، ونهى عن الظلم والفواحش والعدوان والإثم، وأباح لنا الطيبات، وحرّم علينا الخبائث؛ فكل ما جاءت به السنة فإنها تفصيل لهذا المأمور به والمنهيّ عنه، والذي أحلَّ لنا وحرَّم علينا. وهذا يتبيَّن بالمثال التاسع عشر: وهو أن النبي ﷺ أمر في حديث النعمان بن بشير أن يعدل بين الأولاد في العطية، فقال: «اتقوا الله واعدِلوا بين أولادكم»، وفي الحديث: «إني لا أشهدُ على جَورٍ» فسماه جَورًا، وقال: «إن هذا لا يصلح»، وقال: «أَشْهِدْ على هذا غيري» (١) تهديدًا له، وإلا فمن الذي (٢) يطيب قلبه من المسلمين أن يشهد على ما حكم النبي ﷺ بأنه جَور وأنه لا يصلح وأنه خلافُ تقوى الله وأنه خلافُ العدل؟ وهذا الحديث هو من تفاصيل العدل الذي أمر الله به في كتابه، وقامت به السماوات والأرض، وانْبنَتْ (٣) عليه الشريعة؛ فهو أشدُّ موافقةً للقرآن من كل قياس على وجه

стр. 1424

الأرض، وهو محكم الدلالة غاية الإحكام، فردَّ بالمتشابه من قوله: «كلُّ أحدٍ أحقُّ بماله من ولده ووالده والناس أجمعين» (١)، فكونه أحقَّ به يقتضي جواز تصرفه فيه كما يشاء، وبقياس متشابه على إعطاء الأجانب، ومن المعلوم بالضرورة أن هذا المتشابه من العموم والقياس لا يُقاوِم هذا المحكمَ المبيّن (٢) غاية البيان. المثال العشرون: ردُّ المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصرَّاة (٣) بالمتشابه من القياس، وزعمهم أن هذا حديث يخالف الأصول فلا يُقبل. فيقال: الأصول كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أمته والقياس الصحيح الموافق للكتاب والسنة؛ فالحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟ هذا من أبطل الباطل، والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله، وكلام (٤) رسوله، وما عداهما فمردودٌ [٧٩/ب] إليهما؛ فالسنة أصل قائم بنفسه، والقياس فرع، فكيف يُردُّ الأصلُ بالفرع؟ قال الإمام أحمد (٥): إنما القياس أن تقيس على أصل، فأما أن تجيء إلى الأصل فتهدِمه ثم تقيس، فعلى أي شيء تقيس؟

стр. 1425

وقد تقدّم بيان موافقة حديث المصرّاة للقياس، وإبطال قول من زعم أنه خلاف القياس، وأنه ليس في الشريعة حكم يخالف القياس الصحيح، وأما القياس الباطل فالشريعة كلها مخالفة له. ويا لله العجب! كيف وافق الوضوء بالنبيذ المشتدّ للأصول (١) حتى قُبِل، وخالف خبر المصرّاة للأصول حتى رُدَّ؟ المثال الحادي والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في العرايا بالمتشابه من قوله: «التمر بالتمر مثلًا بمثلٍ سواء بسواء» (٢)، فإن هذا لا يتناول الرطب بالتمر. فإن قيل: فأنتم رددتم خبر النهي عن بيع الرطب بالتمر (٣) مع أنه محكم صريح صحيح، بحديث العرايا (٤) وهو متشابه. قيل: فإذا كان عندكم محكمًا صحيحًا فكيف رددتموه بالمتشابه من اشتراط المساواة بين التمر والتمر (٥)؟ فلا بحديث النهي أخذتم، ولا بحديث العرايا، بل خالفتم الحديثين معًا. وأما نحن فأخذنا بالسنن الثلاثة، ونزَّلنا كلَّ سنة على وجهها ومقتضاها، ولم نضرب بعضها ببعض، ولم نخالف شيئًا منها؛ فأخذنا بحديث النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلًا،

стр. 1426

وأخذنا بحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر مطلقًا، وأخذنا بحديث العرايا وخصصنا به عمومَ حديث النهي عن بيع الرطب بالتمر؛ اتباعًا لسنن رسول الله ﷺ كلها، وإعمالًا لأدلة الشرع جميعها، فإنها كلها حق، ولا يجوز ضرب الحق بعضه ببعض وإبطال بعضه ببعض، والله الموفق. المثال الثاني والعشرون (١): [٨٠/أ] ردُّ حديث القَسامة الصحيح الصريح المحكم (٢) بالمتشابه من قوله: «لو يُعطَى الناسُ بدعواهم لادَّعى رجالٌ دماءَ رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (٣). والذي شرع الحكم بالقسامة هو الذي شرع أن لا يُعطَى أحد بدعواه المجردة، وكلا الأمرين حق من عند الله، لا اختلاف فيه، ولم يُعطَ في القسامة بمجرد الدعوى، وكيف يليق بمن بهرتْ حكمةُ شرعه العقولَ أن لا يعطي المدّعي بمجرد دعواه عُودًا من أَراكٍ ثم يعطيه بدعوى مجردة دمَ أخيه المسلم؟ وإنما أعطاه ذلك بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقُه فوق تغليب الشاهدين، وهو اللَّوث (٤) والعداوة والقرينة الظاهرة من وجود العدو مقتولًا في بيت عدوه، فقوَّى الشارع الحكيم (٥) هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء القتيل الذين يبعد أو يستحيل اتفاقهم كلهم على رمي البريء بدمٍ ليس منه بسبيل، ولا يكون فيهم رجل رشيدٌ يراقب الله؟ ولو عُرِض على جميع

стр. 1427

العقلاء هذا الحكم والحكم بتحليف العدو الذي وُجِد القتيل في داره بأنه ما قتله لرأوا أن ما (١) بينهما من العدل كما بين الأرض والسماء، ولو سئل كل سليم الحاسّة (٢) عن قاتل هذا لقال من وُجِد في داره، والذي يقضى منه العجب أن يُرى قتيل يتشحَّطُ في دمه وعدوه هاربٌ بسكينٍ ملطَّخةٍ بالدم ويقال: القول قوله، فيستحلفه بالله ما قتلَه ويخلّي سبيله، ويقدم ذلك على أحسن الأحكام وأعدلها وألصقها بالعقول والفطر، الذي لو اتفقت العقلاء لم يهتدوا لأحسنَ منه، بل ولا لمثله. وأين ما يتضمنه الحكم بالقسامة من حفظ الدماء إلى ما يتضمنه تحليف من لا يشكّ مع القرائن التي تفيد القطع أنه الجاني؟ ونظير هذا إذا رأينا رجلًا من أشراف الناس حاسرَ الرأس بغير عمامة، [٨٠/ب] وآخر أمامه يشتدُّ عدْوًا وفي يده عمامة وعلى رأسه أخرى؛ فإنا ندفع العمامة التي بيده إلى حاسر الرأس ونقبل قوله، ولا نقول لصاحب اليد: القول قولك مع يمينك. وقوله ﷺ : «لو يُعطى الناسُ بدعواهم» لا يعارض القسامة بوجهٍ؛ فإنه إنما نفى (٣) الإعطاء بدعوى مجردة. وقوله: «ولكن اليمين على المدَّعى عليه» هو في مثل هذه الصورة حيث لا يكون مع المدعي إلا مجرد الدعوى، وقد دلّ القرآن على رجم المرأة بلعان الزوج إذا نكلَتْ، وليس ذلك إقامةً للحد بمجرد أيمان الزوج، بل بها

стр. 1428

وبنكولها، وهكذا في القسامة إنما يُقبَل فيها باللوث الظاهر والأيمان المتعدّدة المغلَّظة، وهاتان بيِّنتا هذين الموضعين. والبيناتُ تختلف بحسب أحوال المشهود به كما تقدم بأربعة شهود، وثلاثة، بالنص وإن خالفه من خالفه في بينة الإعسار، واثنان، وواحد ويمين، ورجل وامرأتان، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وأربعة أيمان، وخمسون يمينًا، ونكول وشهادة الحال، ووصف المالك اللقطة، وقيام (١) القرائن، والشَّبه الذي يخبر به القائف، ومعاقد القِمْط، ووجوه الآجُرِّ في الحائط، وكونه معقودًا ببناء أحدهما عند من يقول بذلك؛ فالقسامة مع اللَّوث من أقوى البينات. المثال الثالث والعشرون: ردّ السنة الثابتة المحكمة في النهي عن بيع الرطب بالتمر (٢)، بالمتشابه من قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وبالمتشابه من قياسٍ في غاية الفساد، وهو قولهم: الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين وإما أن يكون جنسًا واحدًا، وعلى التقديرين فلا يُمنع بيع (٣) أحدهما بالآخر، وأنت إذا نظرتَ إلى هذا القياس رأيته مصادمًا للسنة أعظمَ مصادمةٍ، ومع أنه فاسد [٨١/أ] في نفسه، بل هما جنس واحد أحدهما أزيدُ من الآخر قطعًا بلِينَتِه، فهو أزيدُ أجزاءً من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتمييزها، ولا يمكن أن يُجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به (٤) عند الكمال؛ إذ هو ظنٌّ وحُسبان، فكان المنع من بيع أحدهما

стр. 1429

بالآخر محضَ القياس لو لم تأتِ به سنة، وحتى لو لم يكن ربًا ولا القياس يقتضيه لكان أصلًا قائمًا بنفسه، يجب التسليم والانقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة (١). ومن العجب ردُّ هذه السنة بدعوى أنها مخالفة للقياس والأصول، وتحريم بيع الكُسْب (٢) بالسِّمْسِم ودعوى أن ذلك موافق للأصول، فكلُّ أحدٍ يعلم أن جريان الربا بين التمر والرطب أقربُ إلى الربا نصًّا وقياسًا ومعقولًا من جريانه بين الكُسْب والسمسم. المثال الرابع والعشرون: ردُّ المحكم الصريح الصحيح من السنة بالإقراع بين الأعبد الستة الموصى بعتقهم (٣)، وقالوا: هو خلاف الأصول، بالمتشابه من رأيٍ فاسد وقياس باطل، بأنهم إما أن يكون كلُّ واحد منهم قد استحقَّ العتق فلا يجوز نقله عنه إلى غيره، أو لم يستحقَّه فلا يجوز أن يُعتق منهم أحد، وهذا الرأي الباطل كما أنه في مصادمة السنة فهو فاسد في نفسه؛ فإن العتق إنما استحقّ في ثلث ماله ليس إلّا، والقياس والأصول تقتضي جمع الثلث في محل واحد. كما إذا أوصى بثلاثة دراهم وهي كل ماله، فلم يجز الورثة، فإنا ندفع إلى الموصى له درهمًا ولا نجعله شريكًا بثلث كل درهم، ونظائر ذلك؛ فهذا المعتق لعبيده (٤) كأنه أوصى (٥) بعتق ثلثهم؛ إذ هذا هو الذي يملكه، وفيه صحت الوصية؛ فالحكم بجمع الثلث في اثنين

стр. 1430

منهم (١) أحسنُ عقلًا وشرعًا وفطرةً من جعْلِ الثلث شائعًا في كل واحدٍ واحدٍ منهم، فحكم رسول الله [٨١/ب] ﷺ في هذه المسألة خير من حكم غيره بالرأي المحض. المثال الخامس والعشرون: ردُّ السنة الصريحة المحكمة في تحريم الرجوع في الهبة إلا للوالد (٢)، برأي متشابه فاسد اقتضى عكسَ السنة، وأنه يجوز الرجوع في الهبة لكل أحد إلا لوالد أو لذي رحم مَحْرم أو لزوج أو زوجة أو (٣) يكون الواهب قد أثيب منها، ففي هذه المواضع الأربعة يمتنع (٤) الرجوع، وفرَّقوا بين الأجنبي والرحم بأن هبة القريب صلة ولا يجوز قطعها، وهبة الأجنبي تبرُّعٌ وله أن يُمضِيه وأن لا يُمضِيه، وهذا مع كونه مصادمًا للسنة مصادمةً محضة فهو فاسد؛ لأن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في مِلْكه، وجاز له (٥) التصرُّف فيها؛ فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه (٦) منه بغير رضاه، وهذا باطل شرعًا وعقلًا، وأما الوالد فولده جزء منه، وهو وماله لأبيه، وبينهما من البعضية ما يوجب شدة الاتصال، بخلاف الأجنبي.

стр. 1431

فإن قيل: لم نخالفه إلا بنص محكم صريح صحيح، وهو حديث سالم عن أبيه عن النبي ﷺ : «من وَهَبَ هبةً فهو أحقُّ بها ما لم يُثَبْ منها» (١)، قال البيهقي (٢): قال لنا أبو عبد الله ــ يعني الحاكم ــ: هذا حديث صحيح، إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا. يريد أحمد بن إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي. ورواه الحاكم (٣) من حديث عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الواهبُ أحقُّ بهبته ما لم يُثَبْ»، وفي كتاب الدارقطني (٤) من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «إذا كانت الهبةُ لذي رحم مَحْرمٍ لم يرجع فيها». وفي «الغَيلانيات» (٥): ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي [٨١ مكرر/أ] يحيى (٦) عن محمد بن عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «من وَهَب هبةً فارتجعَ بها فهو أحقُّ بها ما لم يُثَبْ منها، ولكنه كالكلب يعود في قيئه» (٧). فالجواب: أن هذه الأحاديث لا تثبت، ولو ثبتت لم تَحلَّ مخالفتها،

стр. 1432

ووجب العمل بها وبحديث «لا يَحلُّ لواهبٍ أن يرجع في هبته» (١)، ولا يبطل أحدهما بالآخر، ويكون الواهب الذي لا يحلّ له الرجوع: مَن وهب تبرُّعًا محضًا لا لأجل العوض، والواهب الذي له الرجوعُ: مَن وهب ليتعوَّض من هبته ويُثاب منها، فلم يفعل المتّهب، ونَستعمل سنن رسول الله ﷺ كلها، ولا نَضرِب بعضها ببعض. أما حديث ابن عمر، فقال الدارقطني: لا يثبت مرفوعًا، والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله (٢). وقال البيهقي (٣): ورواه علي بن سهل بن المغيرة عن عبيد الله بن موسى ثنا حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله، فذكره (٤)، وهو غير محفوظ بهذا الإسناد، وإنما يروى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع، وإبراهيم ضعيف. انتهى. وقال الدارقطني: غلط فيه علي بن سهل (٥). انتهى. وإبراهيم بن إسماعيل هذا قال أبو نعيم: لا يساوي حديثه فلْسَين. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. وقال يحيى بن معين: إبراهيم بن إسماعيل المكي (٦) ليس بشيء (٧). قال البيهقي: والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن

стр. 1433

سالم عن أبيه عن عمر: «من وهَبَ هبةً فلم يُثَبْ منها فهو أحقُّ بها إلا لذي رحم محرم» (١). قال البخاري: هذا أصح (٢). وأما حديث عبيد الله بن موسى عن حنظلة فلا أراه إلا وهمًا. وأما حديث حماد بن سلمة فمن رواية عبد الله بن جعفر الرقّي عن ابن المبارك، وعبد الله هذا ضعيف عندهم (٣). وأما حديث ابن عباس فمحمد بن عبيد الله فيه هو العَرْزَمي، ولا تقوم [٨١ مكرر/ب] به حجة، قال الفلّاس والنسائي: هو متروك الحديث (٤). وفيه إبراهيم بن يحيى (٥)، قال مالك ويحيى بن سعيد وابن معين: هو كذاب. وقال الدارقطني: متروك (٦). فإن لم تصحّ هذه الأحاديث لم يُلتفَت إليها، وإن صحَّت وجب حملُها على من وهَبَ للعوض، وبالله التوفيق.

стр. 1434

المثال السادس والعشرون: ردُّ السنة المحكمة في القضاء (١) بالقافة (٢)، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: لو ادَّعاه اثنان ألحقناه بهما، وكان هذا مقتضى الأصول. ونظير هذا المثال السابع والعشرون: ردُّ السنة المحكمة الثابتة (٣) في جعل الأَمة فِراشًا وإلحاق الولد بالسيد (٤) وإن لم يدَّعِه، وقالوا: هو خلاف الأصول، والأَمة لا تكون فراشًا. ثم قالوا: لو تزوَّجها وهو بأقصى بُقعةٍ في المشرق وهي بأقصى بُقعةٍ في المغرب وأتتْ (٥) بولد لستة أشهر لحقه، وإن علمنا بأنهما لم يتلاقيا قطُّ، وهي فِراش بالعقد، فأمته التي يطؤها ليلًا ونهارًا ليست بفراش، وهذه فراش! وهذا مقتضى الأصول، وحكم رسول الله ﷺ خلاف الأصول على لازم قولهم (٦). ونظير هذا قياسُ الحَدَث على السلام في الخروج من الصلاة بكل واحد منهما، ودعوى أن ذلك موجب الأصول، مع بُعدِ ما بين الحدث والسلام، وترك قياس نبيذ التمر المسكر على عصير العنب المسكر في تحريم قليلِ كلٍّ منهما مع شدة الأُخوَّة بينهما، ودعوى (٧) أن ذلك خلاف الأصول.

стр. 1435

ونظيره أن الذمي لو منع دينارًا واحدًا من الجزية انتقض عهده، وحلَّ ماله ودمه، ولو حرَّق الكعبة البيت الحرام ومسجدَ رسول الله ﷺ وجاهر بسبِّ الله ورسوله أقبحَ سبٍّ على رؤوس المسلمين فعهدُه باقٍ [٨٢/أ] ودمه معصوم، وعدم النقض بذلك مقتضى الأصول، والنقض بمنع الدينار مقتضى الأصول. ونظيره أيضًا إباحة قراءة القرآن بالعجمية، وأنه مقتضى الأصول، ومَنْع رواية الحديث بالمعنى، وهو خلاف الأصول. ونظيره إسقاط الحدّ عمن استأجر امرأة ليزني بها أو تَغسِل ثيابه فزنى بها، وأن هذا مقتضى الأصول، وإيجاب الحدّ على الأعمى إذا وجد على فراشه امرأة فظنَّها زوجتَه فبانت أجنبية. ونظيره أيضًا مَنْع المصلي من الصلاة بالوضوء من ماء يبلغ قناطيرَ مقنطرةً وقعت فيه قطرةُ دمٍ أو بولٍ، وإباحتهم له أن يصلِّي في ثوبٍ رُبعه متلطِّخ بالبول، وإن كان عَذِرَةً فقدر (١) راحة الكفّ. ونظيره دعواهم أن الإيمان واحد، والناس فيه سواء، وهو مجرّد التصديق، وليست الأعمال داخلةً في ماهيته، وأن من مات ولم يصلِّ صلاةً قطُّ في عمره مع قدرته وصحة جسمه وفراغه فهو مؤمن، وتكفيرهم من يقول مُسيجِد أو فُقَيِّه بالتصغير أو يقول للخمر أو السماع المحرم: ما أطْيبَه وألذَّه.

стр. 1436

ونظير ذلك أنه لو شهد عليه أربعة بالزنا فقال: «صَدَقوا» سقط عنه الحد بتصديقهم، ولو قال: «كذبوا عليَّ» حُدَّ. ونظيره أنه لا يصحُّ استئجار دارٍ تُجعل مسجدًا يصلّي فيه المسلمون، وتصحّ إجارتُها كنيسةً يُعبد فيها الصليب والنار. ونظيره أنه لو قهقه في صلاته بطل وضوؤه، ولو غنَّى في صلاته أو قذَفَ المحصنات أو شهد بالزور فوضوؤه بحاله. ونظيره أنه لو وقع في البئر فأرة فنجست البئر؛ فإذا نُزِع منها دلو فالدلو والماء نجسان، ثم هكذا إلى تمام كذا وكذا دلوًا، فإذا نزع الدلو الذي قبل الأخير فرشْرَشَ على حيطان البئر [٨٢/ب] نجَّسَها كلها، فإذا جاءت النوبة إلى الدلو الأخير قَشْقَشَ النجاسة كلها من البئر وحيطانها، وطيَّبها (١) بعد أن كانت نجسة. ونظيره إنكار كون القرعة التي ثبت فيها ستةُ أحاديث عن رسول الله ﷺ (٢) وفيها آيتان من كتاب الله طريقًا للأحكام الشرعية، وإثبات حِلّ الوطء بشهادة الزور التي يعلم المقدوح (٣) أنها شهادة زور، وبها فرق الشاهدان بين الرجل والمرأة (٤). ونظير هذا إيجاب الاستبراء على السيّد إذا ملك امرأة بِكرًا لا يُوطأ

стр. 1437

مثلُها، مع العلم القطعي ببراءة رحمها، وإسقاطه عمن (١) أراد وطء الأمة التي وطئها سيدها البارحة ثم اشتراها هو فملَّكها لغيره ثم وكَّله في تزويجها منه، فقالوا (٢): يحلُّ له وطؤها، وليس بين وطء بائعها ووطئه هو إلا ساعةٌ من نهار. ونظير هذا في التناقض إباحة نكاح المخلوقة من ماء الزاني مع كونها بعضه، مع تحريم المرضَعَة من لبن امرأته لكون اللبن ثاب بوطئه فقد صار فيه جزء منه. فيا لله العجب! كيف انتهض هذا الجزء اليسير سببًا للتحريم ثم يُباح له وطؤها وهي جزؤه الحقيقي وسُلالته؟ وأين تشنيعكم وإنكاركم لاستمناء الرجل بيده عند الحاجة خوفًا من العَنَت، ثم تجوِّزون له وطء بنته المخلوقة من مائه حقيقة؟ ونظير هذا لو ادَّعى على ذمي حقًّا وأقام به شاهدين عبدين عالمين صالحين مقبولةً شهادتُهما على رسول الله ﷺ لم تُقبل شهادتهما عليه، فإن أقام به شاهدين كافرين حرَّين قُبِلت شهادتهما عليه مع كونهما من (٣) أكذب الخلق على الله وأنبيائه ودينه. ونظير هذا لو تداعيَا حائطًا لأحدهما [٨٣/أ] عليه خشبتان، وللآخر عليه ثلاث خشبات، ولا بينةَ، فهو كله لصاحب الخشبات الثلاث؛ فلو كان لأحدهما ثلاث خشبات وللآخر مائة خشبة فهو بينهما نصفين.

стр. 1438

ونظير هذا لو اغتصب نصراني رجلًا على ابنته أو امرأته أو حرمته وزنى بها، ثم شدَخَ رأسها بحجرٍ أو رمى بها من أعلى شاهقٍ حتى ماتت، فلا حدَّ عليه ولا قصاص؛ فلو قتله المسلم صاحب الحرمة بقصبة محدَّدةٍ قُتِل به. ونظير هذا أنه لو أُكرِه على قتل ألفِ مسلمٍ أو أكثر بسَجْنِ شهرٍ (١) وأَخْذِ شيء من ماله فقَتلَهم فلا قوَدَ عليه ولا دية، حتى إذا أُكرِه بالقتل على عِتق أمته أو طلاق زوجته لزمه حكم العتق والطلاق (٢)، ولم يكن الإكراه مانعًا من نفوذ حكمنا عليه (٣)، مع أن الله سبحانه أباح التكلُّم بكلمة الكفر مع الإكراه، ولم يبح قتل المسلم بالإكراه أبدًا. ونظير هذا إبطال الصلاة بتسبيحِ من نابَه شيء في صلاته، وقد أمر به (٤) النبي ﷺ (٥)، وتصحيح صلاة من ركع ثم خرَّ ساجدًا من غير أن يقيم صلبه، وقد أبطلها النبي ﷺ بقوله: «لا تُجزِئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صُلْبَه في ركوعه وسجوده» (٦)، ودعوى أن ذلك مقتضى الأصول. ونظيره أيضًا إبطال الصلاة بالإشارة لردّ السلام أو غيره، وقد أشار النبي

стр. 1439

- ﷺ في صلاته بردِّ السلام (١)، وأشار الصحابة برؤوسهم تارةً (٢) وبأكفِّهم تارة (٣)، وتصحيحها مع ترك الطمأنينة وقد أمر بها النبي ﷺ ونفى الصلاة بدونها (٤)، وأخبر أن صلاة النَّقْر صلاة المنافقين (٥)، وأخبر حذيفة أن من صلى كذلك لقي الله على غير الفطرة التي فطر الله عليها رسوله ﷺ (٦)، وأخبر النبي ﷺ أن من لا يُتِمُّ ركوعه ولا سجوده أسوأ الناس سرقةً (٧)، [٨٣/ب] وهذا يدلُّ على أنه أسوأ حالًا عند الله من سُرَّاق الأموال.

стр. 1440

ونظير هذا قولهم: لو أن رجلًا مسلمًا طاهر البدن عليه جنابة غمس يده في بئرٍ بنية رفع الحدث صارت البئر كلها نجسة، يحرم شرب مائها والوضوء منه والطبخ به (١)؛ فلو اغتسل فيها مائة نصراني قُلْفٌ (٢) عابدو الصليب (٣) أو مائة يهودي فماؤها باقٍ على حاله طاهرٌ مطهِّر يجوز الوضوء به وشربه والطبخ (٤) به. ونظيره لو ماتت فأرة في ماء فصُبَّ ذلك الماء في بئر لم يُنزَح منها إلا عشرون دلوًا فقط، وتطهر بذلك، ولو توضأ رجل مسلم طاهر الأعضاء بماء فسقط ذلك الماء في البئر فلا بدَّ أن تُنزح كلها. ونظير هذا قولهم: لو عقد على أمه أو أخته أو ابنته ووطئها وهو يعلم أن الله حرَّم (٥) ذلك فلا حدَّ عليه؛ لأن صورة العقد شبهة، ولو رأى امرأة في الظلمة ظنَّها امرأته فوطئها فعليه الحدُّ، ولم يكن ذلك شبهة. ونظيره قولهم: لو أنه رَشَا شاهدين فشهدا بالزور المحض أن فلانًا طلّق امرأته ففرّق الحاكم بينهما جاز له أن يتزوجها ويطأها حلالًا، بل ويجوز لأحد الشاهدين ذلك؛ فلو حكم حاكم بصحة هذا العقد لم يجز نقض حكمه، ولو حكم حاكم بالشاهد واليمين لنقض (٦) حكمه وقد حكم به
следующие страницы →