← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

ونظير ذلك أنه لو شهد عليه أربعة بالزنا فقال: «صَدَقوا» سقط عنه الحد بتصديقهم، ولو قال: «كذبوا عليَّ» حُدَّ. ونظيره أنه لا يصحُّ استئجار دارٍ تُجعل مسجدًا يصلّي فيه المسلمون، وتصحّ إجارتُها كنيسةً يُعبد فيها الصليب والنار. ونظيره أنه لو قهقه في صلاته بطل وضوؤه، ولو غنَّى في صلاته أو قذَفَ المحصنات أو شهد بالزور فوضوؤه بحاله. ونظيره أنه لو وقع في البئر فأرة فنجست البئر؛ فإذا نُزِع منها دلو فالدلو والماء نجسان، ثم هكذا إلى تمام كذا وكذا دلوًا، فإذا نزع الدلو الذي قبل الأخير فرشْرَشَ على حيطان البئر [٨٢/ب] نجَّسَها كلها، فإذا جاءت النوبة إلى الدلو الأخير قَشْقَشَ النجاسة كلها من البئر وحيطانها، وطيَّبها (١) بعد أن كانت نجسة. ونظيره إنكار كون القرعة التي ثبت فيها ستةُ أحاديث عن رسول الله ﷺ (٢) وفيها آيتان من كتاب الله طريقًا للأحكام الشرعية، وإثبات حِلّ الوطء بشهادة الزور التي يعلم المقدوح (٣) أنها شهادة زور، وبها فرق الشاهدان بين الرجل والمرأة (٤). ونظير هذا إيجاب الاستبراء على السيّد إذا ملك امرأة بِكرًا لا يُوطأ

стр. 1437

مثلُها، مع العلم القطعي ببراءة رحمها، وإسقاطه عمن (١) أراد وطء الأمة التي وطئها سيدها البارحة ثم اشتراها هو فملَّكها لغيره ثم وكَّله في تزويجها منه، فقالوا (٢): يحلُّ له وطؤها، وليس بين وطء بائعها ووطئه هو إلا ساعةٌ من نهار. ونظير هذا في التناقض إباحة نكاح المخلوقة من ماء الزاني مع كونها بعضه، مع تحريم المرضَعَة من لبن امرأته لكون اللبن ثاب بوطئه فقد صار فيه جزء منه. فيا لله العجب! كيف انتهض هذا الجزء اليسير سببًا للتحريم ثم يُباح له وطؤها وهي جزؤه الحقيقي وسُلالته؟ وأين تشنيعكم وإنكاركم لاستمناء الرجل بيده عند الحاجة خوفًا من العَنَت، ثم تجوِّزون له وطء بنته المخلوقة من مائه حقيقة؟ ونظير هذا لو ادَّعى على ذمي حقًّا وأقام به شاهدين عبدين عالمين صالحين مقبولةً شهادتُهما على رسول الله ﷺ لم تُقبل شهادتهما عليه، فإن أقام به شاهدين كافرين حرَّين قُبِلت شهادتهما عليه مع كونهما من (٣) أكذب الخلق على الله وأنبيائه ودينه. ونظير هذا لو تداعيَا حائطًا لأحدهما [٨٣/أ] عليه خشبتان، وللآخر عليه ثلاث خشبات، ولا بينةَ، فهو كله لصاحب الخشبات الثلاث؛ فلو كان لأحدهما ثلاث خشبات وللآخر مائة خشبة فهو بينهما نصفين.

стр. 1438

ونظير هذا لو اغتصب نصراني رجلًا على ابنته أو امرأته أو حرمته وزنى بها، ثم شدَخَ رأسها بحجرٍ أو رمى بها من أعلى شاهقٍ حتى ماتت، فلا حدَّ عليه ولا قصاص؛ فلو قتله المسلم صاحب الحرمة بقصبة محدَّدةٍ قُتِل به. ونظير هذا أنه لو أُكرِه على قتل ألفِ مسلمٍ أو أكثر بسَجْنِ شهرٍ (١) وأَخْذِ شيء من ماله فقَتلَهم فلا قوَدَ عليه ولا دية، حتى إذا أُكرِه بالقتل على عِتق أمته أو طلاق زوجته لزمه حكم العتق والطلاق (٢)، ولم يكن الإكراه مانعًا من نفوذ حكمنا عليه (٣)، مع أن الله سبحانه أباح التكلُّم بكلمة الكفر مع الإكراه، ولم يبح قتل المسلم بالإكراه أبدًا. ونظير هذا إبطال الصلاة بتسبيحِ من نابَه شيء في صلاته، وقد أمر به (٤) النبي ﷺ (٥)، وتصحيح صلاة من ركع ثم خرَّ ساجدًا من غير أن يقيم صلبه، وقد أبطلها النبي ﷺ بقوله: «لا تُجزِئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صُلْبَه في ركوعه وسجوده» (٦)، ودعوى أن ذلك مقتضى الأصول. ونظيره أيضًا إبطال الصلاة بالإشارة لردّ السلام أو غيره، وقد أشار النبي

стр. 1439

- ﷺ في صلاته بردِّ السلام (١)، وأشار الصحابة برؤوسهم تارةً (٢) وبأكفِّهم تارة (٣)، وتصحيحها مع ترك الطمأنينة وقد أمر بها النبي ﷺ ونفى الصلاة بدونها (٤)، وأخبر أن صلاة النَّقْر صلاة المنافقين (٥)، وأخبر حذيفة أن من صلى كذلك لقي الله على غير الفطرة التي فطر الله عليها رسوله ﷺ (٦)، وأخبر النبي ﷺ أن من لا يُتِمُّ ركوعه ولا سجوده أسوأ الناس سرقةً (٧)، [٨٣/ب] وهذا يدلُّ على أنه أسوأ حالًا عند الله من سُرَّاق الأموال.

стр. 1440

ونظير هذا قولهم: لو أن رجلًا مسلمًا طاهر البدن عليه جنابة غمس يده في بئرٍ بنية رفع الحدث صارت البئر كلها نجسة، يحرم شرب مائها والوضوء منه والطبخ به (١)؛ فلو اغتسل فيها مائة نصراني قُلْفٌ (٢) عابدو الصليب (٣) أو مائة يهودي فماؤها باقٍ على حاله طاهرٌ مطهِّر يجوز الوضوء به وشربه والطبخ (٤) به. ونظيره لو ماتت فأرة في ماء فصُبَّ ذلك الماء في بئر لم يُنزَح منها إلا عشرون دلوًا فقط، وتطهر بذلك، ولو توضأ رجل مسلم طاهر الأعضاء بماء فسقط ذلك الماء في البئر فلا بدَّ أن تُنزح كلها. ونظير هذا قولهم: لو عقد على أمه أو أخته أو ابنته ووطئها وهو يعلم أن الله حرَّم (٥) ذلك فلا حدَّ عليه؛ لأن صورة العقد شبهة، ولو رأى امرأة في الظلمة ظنَّها امرأته فوطئها فعليه الحدُّ، ولم يكن ذلك شبهة. ونظيره قولهم: لو أنه رَشَا شاهدين فشهدا بالزور المحض أن فلانًا طلّق امرأته ففرّق الحاكم بينهما جاز له أن يتزوجها ويطأها حلالًا، بل ويجوز لأحد الشاهدين ذلك؛ فلو حكم حاكم بصحة هذا العقد لم يجز نقض حكمه، ولو حكم حاكم بالشاهد واليمين لنقض (٦) حكمه وقد حكم به

стр. 1441

رسول الله ﷺ (١). ونظير ذلك قولهم: لو تزوَّج امرأة فخرجت مجنونة بَرْصاء من قَرْنِها (٢) إلى قدمها مُجذَّمةً عمياء مقطوعة الأطراف فلا خيار له، وكذلك إذا وجدت هي الزوج كذلك فلا خيار لها، وإن خرج الزوج من خيار عباد الله (٣) وأغناهم وأجملهم وأعلمهم وليس له أبوان في الإسلام وللزوجة أبوان في الإسلام فلها الفسخ بذلك. ونظيره [٨٤/أ] قولهم: يصح نكاح الشِّغار، ويجب فيه مهر المثل، وقد صح نهي رسول الله ﷺ عنه وتحريمه إياه، ولا يصح نكاح من أعتق أمة وجعل عِتقَها صداقَها وقد فعله رسول الله ﷺ . ونظيره قولهم: يصح نكاح التحليل، وقد صحّ لعنة رسول الله ﷺ لمن فعله من رواية عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وعلي بن أبي طالب (٤)، ولا يصح نكاح الأمة لمضطرٍّ خائف العَنَت عادمِ الطَّول إذا كان تحته حرّة ولو كانت عجوزًا شوهاءَ لا تُعِفُّه. ونظيره قولهم: يجوز بيع الكلب، وقد منع منه رسول الله (٥) ﷺ ، وتحريم بيع المدبَّر وقد باعه رسول الله (٦) ﷺ .

стр. 1442

ونظيره قولهم: للجار أن يمنع جاره أن يَغْرِز خشبةً هو محتاج إلى غَرْزها في حائطه وقد نهاه رسول الله ﷺ عن منعه (١)، وتسليطهم إياه على انتزاع داره كلها منه بالشفعة بعد وقوع الحدود وتصريف الطرق وقد أبطلها رسول الله ﷺ (٢). ونظيره قولهم: لا يُحكم بالقسامة لأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يحلف الذين وُجِد القتيل في محلّتهم ودارهم خمسين يمينًا ثم يُقضى عليهم بالدية. فيا لله العجب! كيف (٣) كان هذا وَفْق الأصول وحكمُ رسول الله ﷺ خلاف الأصول؟ ونظيره قولهم: لو تزوج امرأة فقالت له امرأة أخرى: أنا أرضعتُك وزَوْجتَك، أو (٤) قال له رجل: هذه أختك من الرضاعة، جاز له تكذيبها ووطء الزوجة، مع أن هذه هي الواقعة التي أمر رسول الله ﷺ عقبة بن الحارث بفراق امرأته لأجل قول الأمة السوداء إنها أرضعتْهما (٥). ولو اشترى [٨٤/ب] طعاما أو ماء (٦) فقال له رجل: هذا ذبيحة مجوسي (٧) أو نجس لم يسَعْه أن يتناوله، مع أن الأصل في الطعام والماء

стр. 1443

الحلُّ، والأصل في الأبضاع التحريم، ثم قالوا: لو قال المخبر (١): هذا الطعام والشراب لفلان سرقه أو غصَبَه منه فلان، وسِعَه أن يتناوله. ونظير هذا قولهم: لو أسلم وتحته أختان وخيَّرناه فطلّق إحداهما كانت هي المختارة، والتي أمسكها هي المفارقة (٢)، قالوا: لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة، وأصحاب أبي حنيفة تخلَّصوا من هذا، فإنه (٣) إن عقدَ على الأختين في عقد واحد فسد نكاحهما واستأنف نكاح من شاء منهما، وإن تزوج واحدة بعد واحدة فنكاح الأولى هو الصحيح، ونكاح الثانية فاسد. ولكن لزمهم نظيره في مسألة العبد إذا تزوّج بدون إذن سيده كان موقوفًا على إجازته، فلو قال له: طلِّقها طلاقًا رجعيًّا، كان ذلك إجازة منه (٤) للنكاح، فلو قال له: طلِّقها، ولم يقل: رجعيًّا، لم يكن إجازةً للنكاح، مع أن الطلاق في هذا النكاح لا يكون إلّا رجعيًّا إلّا (٥) بعد الإجازة وقبل الدخول، وأما قبل الإجازة والدخول فلا ينقسم إلى بائن ورجعي. المثال الثامن والعشرون: ردّ السنة الصحيحة الصريحة (٦) المحكمة في أن من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح (٧)،

стр. 1444

بكونها خلاف الأصول، وبالمتشابه من نهيه ﷺ عن الصلاة وقت طلوع الشمس (١)، قالوا: والعامّ عندنا يعارض الخاص؛ فقد تعارض حاظر ومبيح، فقدّمنا الحاظر احتياطًا؛ فإنه يوجب عليه إعادة الصلاة، وحديث الإتمام يجوز له المضيُّ فيها، وإذا تعارضا [٨٥/أ] صرنا إلى النص الذي يوجب الإعادة لتتيقَّن براءة الذمة. فيقال: لا ريبَ أن قوله ﷺ : «من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمَّ صلاتَه، ومن أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتمَّ صلاتَه» (٢) حديث واحد، قاله ﷺ في وقت واحد (٣)، وقد وجبت طاعته في شطره؛ فتجب طاعته في الشطر الآخر، وهو محكم (٤) خاص لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، لا يحتمل غيرَه البتةَ، وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي (٥) عام مجمل قد خُصَّ منه عصرُ يومه بالإجماع، وخُصَّ منه قضاء الفائتة والمَنْسِيّة بالنص (٦)، وخُصَّ منه ذوات الأسباب بالسنة، كما قضى النبي ﷺ سنة الظهر بعد العصر (٧)، وأقرَّ من قضى سنة الفجر بعد صلاة

стр. 1445

الفجر، وقد أعلمه (١) أنها سنة الفجر (٢)، وأمر من صلَّى في رحله ثم جاء مسجدَ جماعة أن يصلِّي معهم وتكون له نافلة، قاله في صلاة الفجر، وهي سبب الحديث (٣)، وأمر الداخل والإمام يخطب أن يصلِّي تحية المسجد قبل أن يجلس (٤). وأيضًا فإن الأمر بإتمام الصلاة وقد طلعت الشمس فيها (٥) أمرٌ بإتمام لا بابتداء، والنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهيٌ عن ابتدائها لا عن استدامتها؛ فإنه لم يقل: «لا تُتمِّوا الصلاة في هذا الوقت»، وإنما قال: «لا تصلُّوا». وأين أحكام الابتداء من الدوام وقد فرَّق النص والإجماع والقياس بينهما؟ فلا تؤخذ أحكام الدوام من أحكام الابتداء ولا أحكامُ الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة؛ فالإحرام ينافي ابتداءَ النكاح والطيب دونَ استدامتهما، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتهما، والحدث ينافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته، وزوال خوف العَنَت ينافي ابتداء النكاح [٨٥/ب] على الأمة دون استدامته عند الجمهور، والزنا من

стр. 1446

المرأة ينافي ابتداء عقد (١) النكاح (٢) دون استدامته عند الإمام أحمد ومن وافقه، والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها، وفَقْد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام، وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداء (٣) ولا ينافيه دوامًا. وحصول الحَجْر بالسَّفَه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه، وطَريانُ ما يمنع الشهادة والفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها في الدوام ويمنعه في الابتداء، والقدرة على التكفير بالمال تمنع التكفير بالصوم ابتداءً لا دوامًا، والقدرة على هَدْي التمتع تمنع الانتقال إلى الصوم ابتداءً لا دوامًا، والقدرة على الماء (٤) تمنع ابتداء التيمم اتفاقًا، وفي منعه لاستدامة الصلاة بالتيمم خلافٌ بين أهل العلم، ولا يجوز إجارة العين المغصوبة ممن لا يقدر على تخليصها، ولو غَصَبها بعد العقد من لا يقدر المستأجر على تخليصها منه لم تنفسخ الإجارة، وخُيِّر المستأجر بين فسخ العقد وإمضائه، ويُمنع أهل الذمة من ابتداء إحداث كنيسة في دار الإسلام ولا يُمنعون من استدامتها، ولو حلف لا يتزوج أو لا يتطيَّب أو لا يتطهَّر فاستدام ذلك لم يحنث وإن ابتدأه حنث، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يُفرَّق فيها بين الابتداء والدوام؛ فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها، وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه.

стр. 1447

وأيضًا فهو مستصحب بالأصل. وأيضًا فالدفْع أسهل من الرفْع. وأيضًا [٨٦/أ] فأحكام التبع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات، والمستدام تابع لأصله الثابت؛ فلو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس؟ فقد تبيَّن أنه لم يتعارض في هذه المسألة عام وخاص ولا نص وقياس، بل النصّ فيها والقياس متفقان، والنص العام لم يتناول مورِدَ (١) الخاص ولا هو داخل تحت لفظه، ولو قُدّر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته، فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله، بل يتعين إعماله واعتباره، ولا تُضرَب أحاديث رسول الله ﷺ بعضها ببعض، وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السنتين (٢) وإلغاء أحد الدليلين، والله الموفق. ثم نقول: الصورة التي أبطلتم فيها الصلاة وهي حالة طلوع الشمس وخالفتم السنة، أولى بالصحة من الصورة التي وافقتم فيها السنة؛ فإنه إذا ابتدأ العصر قبل الغروب فقد ابتدأها في وقت نهي، وهو وقت ناقص، بل هو أولى الأوقات بالنقصان، كما جعله النبي ﷺ وقت صلاة المنافقين حين تصير الشمس بين قَرْنَي شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار (٣)، وإنما كان النهي عن الصلاة قبل ذلك الوقت حَريمًا (٤) له وسدًّا للذريعة، وهذا بخلاف

стр. 1448

من ابتدأ الصلاة قبل طلوع الشمس؛ فإن الكفّار حينئذٍ لا يسجدون لها، بل ينتظرون بسجودها (١) طلوعها، فكيف يقال: تبطُل صلاة من ابتدأها في وقت تام لا يسجد فيها (٢) الكفار للشمس، وتصح صلاة من ابتدأها وقت سجود الكفار للشمس سواء، وهو الوقت الذي تكون فيه بين قرني شيطان، فإنه حينئذٍ يقارنها ليقع السجود له كما يقارنها وقت الطلوع ليقع السجود (٣) له؟ فإذا كان ابتداؤها وقتَ مقارنة الشيطان لها غيرَ مانعٍ من صحتها فلأن تكون استدامتها [٨٦/ب] وقتَ مقارنة الشيطان غيرَ مانع من الصحة بطريق الأولى والأحرى، فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا من أصحِّه. فقد تبيَّن أن الصورة التي خالفتم فيها النص أولى بالجواز قياسًا من الصورة التي وافقتموه فيها. وهذا مما حصّلته عن شيخ الإسلام ــ قدس الله روحه ــ وقت القراءة عليه، وهذه كانت طريقته، وإنما يقرّر أن القياس الصحيح هو ما دل عليه النص، وأن من خالف النصّ للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معًا، وبالله التوفيق. ومن العجب أنهم قالوا: لو صلَّى ركعة من العصر ثم غربت الشمس صحت صلاته وكان مدركًا لها؛ لقول رسول الله ﷺ : «من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» وهذا شطر الحديث، وشطره

стр. 1449

الثاني: «ومن أدرك ركعةً من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر» (١). المثال التاسع والعشرون: ردّ السنة الثابتة المحكمة الصريحة في دفع اللقطة إلى من وصف عِفَاصَها (٢) ووِعاءها ووِكاءها (٣)، وقالوا: هو مخالف للأصول، فكيف يُعطَى المدّعي بدعواه من غير بينة؟ ثم لم يَنْشَبوا (٤) أن قالوا: من ادَّعى لقيطًا عند غيره ثم وصف علاماتٍ في بدنه فإنه يُقضى له به (٥) بغير بينة، ولم يروا ذلك خلاف الأصول. وقالوا: من ادعى خُصًّا ومعاقدُ قِمْطِه (٦) من جهته قُضي له به، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، ومن ادعى حائطًا ووجوهُ الآجُرِّ من جهته قُضي له به، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، ومن ادعى مالًا على غيره فأنكر ونكَلَ عن اليمين قُضِيَ له بدعواه، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، وإذا ادَّعى الزوجان ما في البيت قُضِي لكل واحد منهما بما يناسبه، ولم يكن ذلك خلاف الأصول. ونحن نقول: ليس في الأصول ما يُبطِل الحكم بدفع اللقطة إلى واصفها البتةَ، بل هو [٨٧/أ] مقتضى الأصول؛ فإن الظن المستفاد بوصفه

стр. 1450

أعظم من الظن المستفاد بمجرد النكول، بل وبالشاهدين، فوصفُه بينةٌ ظاهرة على صحة دعواه، لا سيما ولم يعارضه معارض؛ فلا يجوز إلغاء دليل صدقه مع عدم معارضٍ أقوى منه؛ فهذا خلاف الأصول حقًّا (١) لا موجب السنة. المثال الثلاثون: ردُّ السنة الثابتة المحكمة الصريحة في صحة صلاة من تكلم فيها جاهلًا أو ناسيًا (٢)، بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: من أكل في رمضان أو شرب ناسيًا (٣) صحّ صومه (٤)، مع اعترافهم بأن ذلك على (٥) خلاف الأصول والقياس، ولكن تبعنا فيه السنة، فما الذي منعكم بتقديم (٦) السنة الأخرى على القياس والأصول كما قدَّمتم خبر القهقهة في الصلاة والوضوء بنبيذ التمر وآثار الآبار (٧) على القياس والأصول؟ المثال الحادي والثلاثون: ردُّ السنة الثابتة المحكمة في اشتراط البائع منفعةَ المبيع مدةً معلومةً (٨) بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يجوز بيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها بشرط القطع في الحال، مع العلم بأنها لو قُطعت لم تكن مالًا ينتفع به ولا يساوي شيئا البتةَ، ثم لهما أن يتفقا على بقائها (٩) إلى حين

стр. 1451

الكمال، ودعوى أن ذلك موافق للأصول، وهو عين ما نهى عنه النبي ﷺ (١). المثال الثاني والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تخيير النبي ﷺ الولد بين أبويه (٢)، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: إذا زوَّج الوليُّ ــ غير الأب ــ الصغيرةَ صح وكان النكاح لازمًا، فإذا بلغت انقلب جائزًا وثبت لها الخيار بين الفسخ والإمضاء، وهذا وَفْق الأصول، فيا لله العجب! أين في الأصول التي هي كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة المستند (٣) إلى الكتاب والسنة موافقةُ هذا الحكم للأصول ومخالفة [٨٧/ب] حكم رسول الله ﷺ بالتخيير بين الأبوين للأصول؟ المثال الثالث والثلاثون: ردُّ السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في رجم الزانيين الكتابيين (٤)، بأنها خلاف الأصول، وسقوط الحد عمن عقد على أُمِّه ووطئها، وأن هذا هو مقتضى الأصول. فيا عجبًا لهذه الأصول التي منعت الحدَّ على من أقامه رسول الله ﷺ عليه وأسقطَتْه عمن لم يُسقِطه عنه! فإنه ثبت عنه أنه أرسل البراء بن عازب إلى رجل تزوَّج امرأة أبيه أن يضرب عنقه ويأخذ ماله (٥)،

стр. 1452

فوالله ما رضي له بحد الزاني (١) حتى حكم عليه بضرب العنق وأخذ المال، وهذا هو الحق المحض؛ فإن جريمته أعظم من جريمة من زنى بامرأة أبيه من غير عقدٍ، فإن هذا ارتكب محظورًا واحدًا، والعاقد عليها ضمَّ إلى جريمة الوطء جريمة العقد الذي حرّمه الله، فانتهك حرمة شرعه بالعقد، وحرمة أُمِّه بالوطء، ثم يقال: الأصول تقتضي سقوط الحدّ عنه! وكذلك حُكْم النبي ﷺ برجم اليهوديين هو من أعظم الأصول، فكيف رُدَّ هذا الأصل العظيم بالرأي الفاسد ويقال: إنه مقتضى الأصول؟! فإن قيل: إنما حكم رسول الله ﷺ بالرجم بما في التوراة إلزامًا لهما بما اعتقدا صحته. قيل: هَبْ أن الأمر كذلك، أفحكمَ بحقٍّ يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك؟ فاختاروا أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم. المثال الرابع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الوفاء بالشروط في النكاح (٢)، وأنها أحقُّ الشروط بالوفاء على الإطلاق، بأنها خلاف الأصول، والأخذ بحديث النهي عن بيع وشرط (٣) [٨٨/أ] الذي لا يُعلم له إسناد يصح، مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس

стр. 1453

ولانعقاد (١) الإجماع على خلافه، ودعوى أنه موافق للأصول. أما مخالفته للسنة الصحيحة (٢) فإن جابرًا باع بعيره وشرط ركوبه إلى المدينة (٣)، والنبي ﷺ قال: «من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه (٤) المبتاع» (٥)، فجعله للمشتري بالشرط الزائد على عقد البيع، وقال: «من باع ثمرةً قد أُبِّرتْ فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع (٦)» (٧)، فهذا بيع وشرط ثابت بالسنة الصحيحة الصريحة. وأما مخالفته للإجماع فالأمة مُجمِعة على جواز اشتراط الرهن والكفيل والضمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام ونقد غير نقد البلد، فهذا بيع وشرط متفق عليه، فكيف يُجعل النهي عن بيع وشرط موافقًا للأصول وشروط النكاح التي هي أحقُّ الشروط بالوفاء مخالفةً للأصول (٨)؟ المثال الخامس والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في دفع الأرض بالثلث والربع مزارعةً (٩)، بأنها خلاف الأصول، والأخذ

стр. 1454

بالحديث الذي لا يثبت بوجهٍ أنه «نهى عن قَفيزِ الطحَّان» (١)، وهو: أن يدفع حنطتَه إلى من يطحنها بقفيزٍ منها، أو غَزْلَه إلى من يَنْسِجه ثوبًا بجزء منه، أو زيتونَه إلى من يَعْصِره بجزءٍ منه، ونحو ذلك مما لا غررَ فيه ولا خطرَ ولا قِمارَ ولا جهالةَ ولا أكلَ مالٍ بالباطل، بل هو نظير دفْع ماله إلى من يتَّجر فيه بجزء من الربح، بل أولى؛ فإنه قد لا يربح المال فيذهب عمله مجّانًا، وهذا لا يذهب عمله مجّانًا؛ فإنه (٢) يطحن الحَبَّ ويَعْصِر الزيتون ويحصل على جزء منه يكون (٣) به شريكًا لمالكه، فهو أولى بالجواز من المضاربة، فكيف يكون المنع منه موافقًا للأصول والمزارعة التي فعلها رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون خلافَ الأصول؟ [٨٨/ب] المثال السادس والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها بضعة وعشرون صحابيًّا (٤) في أن المدينة حرَمٌ يحرم صيدها (٥)، ودعوى أن ذلك خلاف الأصول، ومعارضتها بالمتشابه من قوله

стр. 1455

- ﷺ : «أبا عُميرٍ، ما فعل النُّغَير» (١). ويا لله العجب! أيُّ الأصول التي خالفتْها هذه السنن، وهي من أعظم الأصول؟ وهلّا ردَّ حديث أبي عمير لمخالفته لهذه الأصول؟ ونحن نقول: معاذَ الله أن نردَّ لرسول الله ﷺ سنة صحيحة غيرَ معلومة النسخ أبدًا. وحديثُ أبي عمير يحتمل أربعة أوجهٍ قد ذهب إلى كلٍّ منها طائفة: أحدها: أن يكون متقدمًا على أحاديث تحريم المدينة فيكون منسوخًا. الثاني: أن يكون متأخرًا عنها معارضًا لها فيكون ناسخًا. الثالث: أن يكون النُّغَر مما صِيد خارجَ المدينة ثم أُدخِل المدينة كما هو الغالب من الصيود. الرابع: أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره، كما رُخِّص لأبي بردة في التضحية بالعَناق دون غيره (٢)؛ فهو متشابه كما ترى، فكيف يُجعل أصلًا يُقدَّم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة الصريحة التي لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا؟ المثال السابع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشَّرات بخمسة أوسُقٍ (٣)، بالمتشابه من قوله: «فيما سَقَتِ

стр. 1456

السماءُ العشْرُ، وما سُقِي بنَضْحٍ أو غَرْبٍ فنصفُ العشر» (١). قالوا: وهذا يعمُّ القليلَ والكثير، وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص، وإذا تعارضا قُدِّم الأحوط وهو الوجوب (٢). فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما [٨٩/أ] بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية؛ فإن طاعة الرسول فرضٌ في هذا وفي هذا. ولا تعارضَ بينهما بحمد الله بوجه من الوجوه؛ فإن قوله: «فيما سَقَتِ السماء العْشُر» إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين مفرّقًا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث، وبيَّنه نصًّا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير (٣) ما دلَّ عليه البتةَ إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يتعلَّق فيه بعموم لم يُقصَد. وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصّها من النصوص؟ ويالله العجب! كيف يخصّون عموم القرآن والسنة بالقياس الذي أحسنُ أحواله أن يكون مختلَفًا في الاحتجاج به وهو محلُّ اشتباهٍ واضطراب؟ إذ ما من قياسٍ (٤) إلا ويمكن معارضتُه بقياس مثله أو دونه أو أقوى منه، بخلاف السنة الصحيحة الصريحة فإنها لا يعارضها إلا سنة ناسخة معلومة التأخُّر (٥)

стр. 1457

والمخالفة. ثم يقال: إذا خصصتم عمومَ قوله: «فيما سَقَتِ السماء العشْرُ» بالقَصَب والحشيش ولا ذكْرَ لهما في النص فهلّا خصصتموه بقوله: «لا زكاةَ في حبٍّ ولا ثَمَرٍ حتى يبلغ خمسةَ أوسُقٍ» (١)؟ وإذا كنتم تخصّون العموم بالقياس فهلّا خصصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي هو من أجلى القياس وأصحِّه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة (٢)؟ فإن الزكاة الخاصة لم يشرعها الله في مال إلا وجعل له نصابًا كالمواشي والذهب والفضة. ويقال أيضًا: هلَّا أوجبتم الزكاة في قليل كل مال وكثيرِه عملًا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وبقوله ﷺ : [٨٩/ب] «ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ لا يؤدِّي زكاتها إلا بُطِحَ لها يوم القيامة بقَاعٍ قَرْقَرٍ» (٣)، وبقوله: «ما من صاحب ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدِّي زكاتَها إلا صُفِّحَتْ له يومَ القيامة صَفائحُ من نارٍ» (٤). وهلَّا كان هذا العموم عندكم مقدّمًا على أحاديث النُّصُب الخاصة؟ وهلَّا قلتم: هناك تعارضُ مُسقِطٍ (٥) ومُوجِبٍ فقدمنا (٦) الموجب احتياطًا؟ وهذا في غاية الوضوح، وبالله التوفيق.

стр. 1458

المثال الثامن والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز النكاح بما قلَّ من المهر ولو خاتمًا من حديد (١)، مع موافقتها لعموم القرآن في قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وللقياس في جواز التراضي (٢) بالمعاوضة على القليل والكثير، بأثرٍ لا يثبت وقياسٍ (٣) من أفسد القياس على قطع يد السارق، وأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به إلى قطع اليد في السرقة؟ وقد تقدَّم مرارًا أن أصحَّ الناس قياسًا (٤) أهلُ الحديث، وكلَّما كان الرجل إلى الحديث أقربَ كان قياسه أصحَّ، وكلّما كان عن الحديث أبعدَ كان قياسه أفسدَ. المثال التاسع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم وتحته أختان أنه يخيَّر في إمساك من شاء منهما وتَرْكِ الأخرى، بأنه خلاف الأصول، وقالوا: قياس الأصول يقتضي أنه إن نكح (٥) واحدة بعد واحدة فنكاح الثانية هو المردود، ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير، وإن نكحهما معًا فنكاحهما باطل، ولا تخييرَ، وكذلك حديث من أسلم على عَشْرِ نسوة، وربما أوَّلوا التخيير بتخييره في ابتداء العقد على من شاء من المنكوحات. ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشدَّ الإباء؛ فإنه قال: «أمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائرهن»، رواه [٩٠/أ] معمر عن الزهري عن سالم عن

стр. 1459

أبيه أن غيلان أسلم فذكره (١). قال مسلم (٢): هكذا روى معمر هذا الحديث بالبصرة، فإن رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا له بالصحة، أو قال: صار الحديث حديثًا وإلا فالإرسال أولى. قال البيهقي (٣): فوجدنا سفيان بن سعيد الثوري وعبد الرحمن بن محمد المحاربي وعيسى بن يونس ــ وثلاثتهم كوفيون ــ حدّثوا به عن معمر متصلًا، وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير وهو يماني (٤) وعن الفضل بن موسى وهو خراساني عن معمر متصلًا عن النبي ﷺ ، فصح الحديث بذلك. وقد روي عن أيوب السختياني عن نافع وسالم عن ابن عمر متصلًا. قال أبو علي الحافظ: تفرد به سوار (٥) بن مُجشِّر عن أيوب، وسوار بصري ثقة، قال

стр. 1460

الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم ثقات تقوم الحجة بروايتهم. وقد روى أبو داود (١) عن فيروز الديلمي قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان، قال: «طلِّقْ أيتَهما (٢) شئت». فهذان الحديثان هما الأصول التي (٣) يُرَدُّ ما خالفها من القياس، أما أن نقعِّد (٤) قاعدة ونقول هذا هو الأصل ثم نردّ (٥) السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة، فلَعَمْر الله لهدْمُ ألفِ قاعدة لم يؤصِّلها الله ورسوله أفرضُ علينا من ردِّ حديث واحد. وهذه القاعدة معلومة البطلان من الدين؛ فإن أنكحة الكفّار لم يتعرّض لها النبي ﷺ كيف وقعتْ، وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح أم لم تصادفها فتبطل، وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج؛ فإن كان (٦) ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرَّهما، ولو كان في الجاهلية قد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك، وإن لم يكن الآن ممن يجوز [٩٠/ب] له الاستمرار لم يُقِرَّ عليه، كما لو أسلم وتحته ذاتُ رحمٍ محرمٍ أو أختان أو أكثر من أربع؛ فهذا هو الأصل الذي أصَّلَتْه سنة رسول الله ﷺ ، وما خالفه فلا يُلتفت إليه، والله الموفق.

стр. 1461

المثال الأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن رسول الله ﷺ لم يكن يُفرِّق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تُسْلِم معه، بل متى أسلم الآخر فالنكاح بحاله ما لم تتزوَّج. هذه سنته المعلومة. قال الشافعي (١):أسلم أبو سفيان بن حرب بمَرِّ الظهران، وهي دار خزاعة، وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، ورجع إلى مكة، وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضالَّ (٢)، ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام، وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة واستقرَّا على النكاح؛ لأن عدتها لم تنقضِ حتى أسلمت، وكان كذلك (٣) حكيم بن حزام وإسلامه (٤). وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما دارَ الإسلام وظهر حكم رسول الله ﷺ بمكة، وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام، وشهد حنينًا وهو كافر، ثم أسلم، فاستقرت عنده امرأته (٥) بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقضِ ــ يعني ــ عدّتها (٦). وقد حفظ أهل العلم

стр. 1462

بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجلٍ بمكة فأسلمتْ وهاجرت إلى المدينة، فقدِمَ زوجها وهي في العدة، فاستقرَّا [٩١/أ] على النكاح. قال الزهري (١): لم يبلغني أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرَّقت هجرتُها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدَمَ زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرّق بينها وبين زوجها إذا قدِمَ وهي في عدتها. وفي «صحيح البخاري» (٢) عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ : أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه (٣)؛ فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تُخطَبْ حتى تحيض وتطهر، فإذا طهُرتْ حلَّ لها النكاح، فإن هاجر زوجُها (٤) قبل أن

стр. 1463

تنكح رُدَّت إليه. وفي «سنن أبي داود» (١) عن ابن عباس قال: ردّ رسول الله ﷺ زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يُحدِث شيئًا بعد ستّ سنين. وفي لفظٍ لأحمد: «ولم يُحدِث شهادةً ولا صداقًا». وعند الترمذي: «ولم يُحدِث نكاحًا». قال الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، وقد روي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ ردَّها على أبي العاص بنكاح جديد (٢). قال الترمذي: «في إسناده مقال». وقال الإمام أحمد: «هذا حديث ضعيف، والصحيح أنه أقرَّهما على النكاح الأول». وقال الدارقطني: «هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس أن النبي ﷺ ردَّها (٣) بالنكاح الأول». وقال الترمذي في كتاب «العلل» له: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: «حديث ابن عباس في هذا الباب أصحُّ من حديث عمرو بن شعيب» (٤).

стр. 1464

فكيف يُجعَل هذا الحديث الضعيف أصلًا تُردُّ به السنة الصحيحة المعلومة ويُجعل خلاف الأصول؟ فإن قيل: إنما (١) جعلناها خلاف الأصول لقوله [٩١/ب] تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، ولقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولأن اختلاف الدين مانع من ابتداء النكاح؛ فكان مانعًا من دوامه كالرضاع. قيل: لا تخالف السنة شيئًا من هذه الأصول إلا هذا القياس الفاسد؛ فإن هذه الأصول إنما دلّت على تحريم نكاح الكافر والكافرة غير الكتابيينِ، وهذا حق لا خلاف (٢) فيه بين الأمة، ولكن أين في هذه الأصول ما يوجب تعجيل الفرقة بالإسلام وأن لا تتوقف على انقضاء العدة؟ ومعلوم أن افتراقهما في الدين سبب لافتراقهما في النكاح، ولكن توقُّف السبب على وجود شرطه وانتفاء مانعه لا يخرجه عن السببية، فإذا وُجد الشرط وانتفى المانع عَمِلَ عمله واقتصَّ أثره. والقرآن إنما دلّ على السببية، والسنة دلّت على شرط السبب ومانعه كسائر الأسباب التي فصّلت السنة شروطها وموانعها، كقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا

стр. 1465

غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ونظائر ذلك؛ فلا يجوز أن يُجعل بيان الشروط والموانع معارضةً لبيان الأسباب والموجبات فتعود السنة كلها أو أكثرها معارضة للقرآن، وهذا محال. المثال الحادي والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه (١)، بأنها خلاف الأصول وهي تحريم الميتة، [٩٢/أ] فيقال: الذي جاء على لسانه تحريم الميتة هو الذي أباح الأجنَّة المذكورة؛ فلو قُدِّر أنها ميتة لكان استثناؤها بمنزلة استثناء السمك والجراد من الميتة، فكيف وليست بميتة؟ فإنها جزء من أجزاء الأم، والذكاة قد أتت على جميع أجزائها، فلا يحتاج أن يفرد كل جزء منها بذكاة، والجنين تابع للأم جزء منها؛ فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة لو لم تَرِد السنة بالإباحة، فكيف وقد وردت بالإباحة الموافقة للقياس والأصول؟ فإن قيل: فالحديث حجة عليكم؛ فإنه قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، والمراد التشبيه، أي ذكاته كذكاة أمه، وهذا يدلُّ (٢) على أنه لا يباح إلا بذكاةٍ تُشبِه ذكاة الأم.

стр. 1466

قيل: هذا السؤال شقيقُ قولِ القائل كلمةً تكفي العاقلَ، ولو تأملتم الحديث لم تستحسنوا إيراد هذا السؤال؛ فإن لفظ الحديث هكذا: عن أبي سعيد قال (١): قلنا: يا رسول الله، ننحرُ الناقة ونذبحُ البقرة والشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه (٢) أم نأكله؟ قال: «كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمّه». فأباح لهم أكلَه معلّلًا بأن ذكاة الأم ذكاة له؛ فقد اتفق النص والأصل والقياس، ولله الحمد. المثال الثاني والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في إشعار الهدي (٣)، بأنها خلاف الأصول؛ إذ الإشعار مثلة، ولعمرُ الله إن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة، وما ضرَّها ذلك شيئًا، والمثلة المحرَّمة هي العدوان الذي لا يكون عقوبة ولا تعظيمًا لشعائر الله؛ فأما شقُّ صفحة (٤) سَنام البعير المستحبّ أو الواجب ذبحُه ليسيل دمه قليلًا فيظهر شعار الإسلام، وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى الله= فعلى وفق الأصول، وأيُّ كتاب أو سنة (٥) حرَّم ذلك حتى يكون خلافًا للأصول؟ وقياس الإشعار [٩٢/ب] على المثلة المحرمة من أفسد قياس (٦) على وجه الأرض؛ فإنه قياس ما يحبه الله ويرضاه على ما يبغضه ويسخطه وينهى (٧)

стр. 1467

عنه، ولو لم يكن في حكمة الإشعار إلا تعظيم شعائر الله وإظهارها وعِلْم (١) الناس بأن هذه قرابين الله تُساق إلى بيته، تُذبح له ويُتقرب بها إليه عند بيته كما يُتقرب إليه بالصلاة إلى بيته، عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلّون لها؛ فشُرِع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نُسكهم وصلاتهم لله وحده، وأن يُظهِروا شعائر توحيده غاية الإظهار ليعلو دينه على كل دين؛ فهذه هي (٢) الأصول الصحيحة (٣) التي جاءت السنة بالإشعار على وَفْقها، ولله الحمد. المثال الثالث والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن النبي ﷺ قال: «لو أن امرأً اطَّلعَ عليك بغير إذنٍ فخذفتَه بحصاة ففقأتَ عينَه ما كان عليك جناح». متفق عليه (٤)، وفي أفراد مسلم (٥): «من اطَّلعَ في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يَفْقَؤوا عينَه». وفي «الصحيحين» (٦) من حديث سهل بن سعد: اطَّلع رجل من جُحرٍ في حجرة رسول الله ﷺ ، ومعه مِدْرًى يَحُكُّ بها رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنتُ به في عينك، إنما جُعِل الاستئذان من أجْلِ النظر».

стр. 1468

وفي «صحيح مسلم» (١) عن أنس: أن رجلًا اطَّلعَ من بعض حجر رسول الله (٢) ﷺ ، فقام إليه بمِشْقَصٍ أو بمشاقص، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يَخْتِلُه ليطعنَه. وفي «سنن البيهقي» (٣) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من اطَّلعَ على قوم بغير إذنهم فرمَوه فأصابوا عينه فلا ديةَ له [٩٣/أ] ولا قصاصَ». فرُدَّت هذه السنن بأنها خلاف الأصول؛ فإنّ الله إنما أباح قَلْعَ العين بالعين، لا بجناية النظر، ولهذا لو جنى عليه بلسانه لم يقطع، ولو استمع عليه بأُذُنه لم يجز له أن يقطع أذنه. فيقال: بل هذه السنن من أعظم الأصول؛ فما خالفها فهو خلاف الأصول. وقولكم: إنما شرع الله سبحانه أخْذَ العين بالعين، فهذا حق في القصاص، وأما العضو الجاني المتعدّي الذي لا يمكن دفعُ ضرره وعدوانه إلا برميه، فإن الآية لا تتناوله (٤) نفيًا ولا إثباتًا، والسنة جاءت ببيان حكمه بيانًا ابتدائيًّا لِما سكت عنه القرآن، لا مخالفًا لما حكم به القرآن، وهذا قسم آخر غير فَقْء العين قصاصًا، وغير دفع الصائل الذي يُدفع بالأسهل فالأسهل؛ إذ المقصود دفع ضررِ صِياله، فإذا اندفع بالعصا لم يدفع بالسيف.

стр. 1469

وأما هذا المتعدي بالنظر المحرّم الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإنه إنما يقع على وجه الاختفاء والخَتْل؛ فهو قسم آخر غير الجاني وغير الصائل الذي لم (١) يتحقّق عدوانه (٢)، ولا يقع هذا غالبًا إلا على وجه الاختفاء وعدم مشاهدة غير الناظر له؛ فلو كُلِّف المنظور إليه إقامةَ البينة على جنايته تعذَّرت عليه، ولو أمر بدفعه بالأسهل فالأسهل ذهبت جناية عدوانه (٣) بالنظر إليه وإلى حريمه هدرًا، والشريعة الكاملة تأبى هذا وهذا؛ فكان أحسنُ ما يمكن وأصلحه وأكفُّه لنار الجاني (٤) ما جاءت به السنة التي لا معارضَ لها ولا دافعَ لصحتها من حذف (٥) ما هنالك، وإن لم يكن هناك بصرٌ عادٍ لم يضرَّ (٦) حَذْف الحصاة، وإن كان هناك بصرٌ عادٍ لا يلومَنَّ إلا نفسه (٧)؛ فهو الذي عرَّضه صاحبه للتلف، فأدناه إلى الهلاك، والحاذف (٨) ليس بظالم [٩٣/ب] له، والناظر خائن ظالم، والشريعة أكمل وأجلُّ من أن تُضيع (٩) حقَّ هذا الذي قد هُتِكَتْ حرمته وتُحِيله في (١٠) الانتصار على التعزير بعد إقامة

стр. 1470

البينة؛ فحكم الله فيه بما شرعه على لسان رسوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. المثال الرابع والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع الجوائح، بأنها خلاف الأصول، كما في «صحيح مسلم» (١) عن جابر يرفعه: «لو بعتَ من أخيك ثمرًا فأصابتْه جائحةٌ فلا يَحِلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ (٢) تأخذُ مال أخيك بغير حق؟». وروى سفيان بن عيينة عن حُميد عن سليمان عن جابر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح (٣). فقالوا: هذه خلاف الأصول؛ فإن المشتري قد ملك الثمرة وملك التصرف فيها، وتَمَّ نقلُ الملك إليه، ولو ربح فيها كان (٤) الربح له، فكيف تكون من ضمان البائع؟ وفي «صحيح مسلم» (٥) عن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمارٍ ابتاعها، فكثُر دَينه، فقال رسول الله ﷺ : «تصدَّقوا عليه»، فتصدّقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال رسول الله ﷺ : «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك». وروى مالك (٦) عن

стр. 1471

أبي الرِّجال عن أمه عَمْرة أنه سمعها (١) تقول: ابتاع رجل ثمرَ حائطٍ في زمن رسول الله ﷺ ، فعالجَه وأقام عليه حتى تبيَّن له النقصان، فسأل ربَّ الحائط أن يضعَ عنه، فحلف لا يفعل، فذهبتْ أمُّ المشتري إلى رسول الله ﷺ ، فذكرتْ له ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «تألَّى أن لا يفعلَ خيرًا»، فسمع بذلك ربُّ المال، فأتى إلى رسول الله ﷺ [٩٤/أ] فقال: يا رسول الله، هو له. والجواب (٢) أن وضع الجوائح لا يخالف شيئًا من الأصول الصحيحة، بل هو مقتضى أصول الشريعة، ونحن نبيِّن بحمد الله هذا بمقامين (٣): أما الأول فحديث وضع الجوائح لا يخالف كتابًا ولا سنةً ولا إجماعًا، وهو أصلٌ بنفسه؛ فيجب قبوله، وأما ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النصّ له بالإهدار، كيف وهو فاسد في نفسه؟ وهذا يتبيّن بالمقام الثاني، وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة فهو مقتضى القياس (٤) الصحيح؛ فإن المشتري لم يتسلَّم الثمرة ولم يقبضها القبضَ التامَّ الذي يوجب نقلَ الضمان إليه؛ فإن قبضَ كل شيء بحسبه، وقبضُ الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئًا فشيئًا، فهو كقبض المنافع في الإجارة، وتسليمُ الشجرة إليه كتسليم العين المُؤْجَرة من الأرض والعقار والحيوان، وعُلَقُ البائع لم تنقطع عن المبيع، فإن له سقْيَ الأصل وتعاهُدَه، كما لم تنقطع عُلَقُ المُؤجِر عن العين

стр. 1472

المستأجرة، والمشتري لم يتسلَّم التسلُّم التام كما لم يتسلم المستأجر التسلُّم التام، فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من غير تفريطٍ من المشتري لم يحلَّ للبائع إلزامُه بثمن ما أتلفه الله سبحانه منها قبل تمكُّنه من قبضها القبضَ المعتاد. وهذا معنى قول النبي ﷺ : «أرأيتَ إن منعَ الله الثمرة؟ فبِمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه بغير حق؟» (١)، فذكر الحكم وهو قوله: «فلا يحلُّ له أن يأخذ (٢) منه شيئًا»، وعلة الحكم وهو قوله: «أرأيتَ إن منع الله الثمرةَ» إلى آخره. وهذا الحكم نصٌّ لا يحتمل التأويل، والتعليل وصف مناسب لا يقبل الإلغاء ولا المعارضة. وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك، ولهذا لو تمكَّن من القبض المعتاد [٩٤/ب] في وقته ثم أخَّره لتفريطٍ منه أو لانتظارِ غلاء السعر كان التلف من ضمانه، ولم تُوضَع عنه الجائحة. وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أُصيب في ثمار ابتاعها فمن باب ردِّ المحكم بالمتشابه؛ فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة، بل لعله أصيب فيها بانحطاط سعرها. وإن قُدِّر أن المصيبة كانت بجائحةٍ فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة، بل لعلها جائحة خاصة كسرقة اللصوص التي يمكن (٣) الاحتراز منها، ومثل هذا لا يكون جائحة تُسقِط الثمن عن المشتري، بخلاف نهب الجيوش والتلف بآفة سماوية. وإن قُدِّر أن الجائحة عامة فليس في الحديث ما يبيِّن أن التلف لم يكن بتفريطه في التأخير، ولو

стр. 1473

قُدِّر أن التلف لم يكن بتفريطه فليس فيه أنه طلب الفسخ وأن توضع عنه الجائحة، بل لعله رضي بالمبيع ولم يطلب الوضع، والحق في ذلك له: إن شاء طلبه، وإن شاء تركه. فأين في الحديث أنه طلب ذلك، وأن النبي ﷺ منَعَه منه؟ ولا يتمُّ الدليل إلا بثبوت المقدمتين، فكيف يُعارَض نصُّ قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير معنى واحد وهو نصٌّ فيه بهذا الحديث المتشابه؟ ثم قوله فيه: «ليس لكم إلا ذلك» دليل على أنه لم يبقَ لبائعي الثمار من ذمة المشتري غيرُ ما أخذه (١)، وعندكم المال كله في ذمته؛ فالحديث حجة عليكم. وأما المعارضة بحديث مالك فمن أبطل المعارضات وأفسدِها، فأين فيه أنه أصابته جائحة بوجهٍ ما؟ وإنما فيه أنه عالجه وأقام عليه حتى تبيَّن له النقصان، ومثل هذا لا يكون سببًا لوضع الثمن، وبالله التوفيق. المثال الخامس والأربعون: [٩٥/أ] ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الإعادة على من صلّى خلف الصف وحده، كما في «المسند» بإسناد صحيح و «صحيحي ابن حبان وابن خزيمة» عن علي بن شيبان أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلِّي خلفَ الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال له: «استقبلْ صلاتَك، فلا صلاةَ لفردٍ خلفَ الصفّ» (٢).

стр. 1474

وفي «السنن» و «صحيح ابن حبان وابن خزيمة» عن وابصة بن معبد أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلّي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد صلاته (١). وفي «مسند الإمام أحمد» (٢): سئل رسول الله ﷺ عن رجل صلَّى وحدَه خلف الصف (٣) قال: «يعيد صلاته». فردَّت هذه السنن المحكمة بأنها خلاف الأصول، ولعمر الله إنها هي محض الأصول، وما خالفها فهو خلاف الأصول، وردَّت بالمتشابه من حديث ابن عباس حيث أحرم عن يسار النبي ﷺ ، فأداره إلى يمينه، ولم يأمره باستقبال الصلاة (٤). وهذا من أفسد الردّ؛ فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حال واحد (٥)، بل لو كبَّر أحدهم وحده ثم كبَّر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذًّا وإن أحرم وحده، فالاعتبار بالمُصافَّة فيما تدرك به الركعة وهو الركوع. وأفسدُ من هذا الردّ ردُّ الحديث بأن الإمام يقف فذًّا، وسنة رسول الله ﷺ أجلُّ وأعظمُ في صدور أهلها أن تُعارَض بهذا

стр. 1475

وأمثاله. وأقبحُ من هذه المعارضة معارضتها بأن المرأة تقف خلف الصف وحدها؛ فإن هذا هو موقفها المشروع بل الواجب، كما أن موقف الإمام المشروع أن يكون وحده أمام الصف. وأما موقف الفذّ خلف الصف فلم يشرعه رسول الله [٩٥/ب] ﷺ البتةَ، بل شرع الأمر بإعادة الصلاة لمن وقف فيه، وأخبر أنه لا صلاة له. فإن قيل: فهَبْ أن هذه المعارضات لم يسلم منها شيء، فما تصنعون بحديث (١) أبي بكرة حين ركع دون الصفّ ثم مشى راكعًا حتى دخل في الصف، فقال له النبي (٢) ﷺ : «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ» (٣). ولم يأمره بإعادة الصلاة وقد وقعت منه تلك الركعة فذًّا؟ قيل: نقبله على الرأس والعينين، ونمسك (٤) قوله ﷺ : «لا تَعُدْ»، فلو فعل أحد ذلك غيرَ عالمٍ بالنهي لقلنا له كما قال رسول الله ﷺ سواء، فإن عاد بعد علمه بالنهي فإمّا أن يجتمع مع الإمام في الركوع في الصف أو لا، فإن جامعَه في الركوع وهو في الصف صحت صلاته؛ لأنه أدرك الركعة وهو غير فذٍّ كما لو أدركها قائمًا، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل في الصف، فقد قيل: تصح صلاته، وقيل: لا تصح له تلك الركعة ويكون فذًّا فيها. والطائفتان احتجُّوا بحديث أبي بكرة.
следующие страницы →