← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الآيات في الطبعات السابقة جميعًا! وتابعه الشيخ مشهور، وأورد الصواب في حاشيته! - ٥/ ١٦٥: بعد تضمين الآية السابقة قال المؤلف: «ولا يُسأل أحد قط عن إمام .. بل يُسأل ... فلينظر بماذا يجيب؟ ولْيُعِدّ للجواب صوابًا، وكأنْ قدْ. وسمعتُ شيخنا ... ». كذا في نسخنا والنسخ التي اعتمد عليها الشيخ مشهور (ق، ك، ت)، ولكنه أثبت هذا الصواب في الحاشية. أما المتن فتابعَ فيه الطبعات السابقة التي جاء فيها بعد الحذف والتغيير: « ... صوابًا. وقد سمعت شيخنا». وذلك أن بعض الناشرين قرأ: «وكان قد وسمعت»، فرأى في الجملة خللًا ظاهرًا، فأصلحه بحذف «وكان» البتة، وتقديم الواو على «قد»! هذه بعض النماذج من الأخطاء والتحريفات في النصّ، وقد أشرنا في تعليقاتنا إلى كثير غيرها، ولا نريد أن نطيل الكلام بذكرها هنا. والشيخ مشهور معروف عند القراء بالتخريج المطول للأحاديث والآثار، وكتابة المقدمات الطويلة وخاصةً في تحقيقاته الأخيرة، وصنع الفهارس الفنية المتنوعة التي قد لا يُرجَع إلى بعضها إلا نادرًا. وفهارس «اعلام الموقعين» في مجلد ضخم (٧٤٤ صفحة)، وقد وضع فهرسًا للأحاديث والآثار على حروف المعجم، ثم على المسانيد، وبذلك زادت ٢٠٠ صفحة. أما المقدمة الواقعة في مجلد (٣١٢ صفحة) ففيها نقول مطوَّلة من بعض الكتب والدراسات، ومعلومات مكررة كان ينبغي أن لا تُذكر إلا مرة واحدةً. وقد أكثر الشيخ من وضع العناوين للموضوعات والمسائل أخذًا من

стр. 142

الطبعات السابقة، بل رأيناه إذا رأى عنوانًا فرعيًّا في طبعة الوكيل مختلفًا عما في طبعة محيي الدين عبد الحميد أورد العنوانين، كما في ١/ ١٦: «ما يشترط فيمن يوقّع عن الله ورسوله، أو صفات المبلغين عن الرسول ﷺ ». العنوان الأول في طبعة محمد محيي الدين، والآخر في طبعة الوكيل. وكذا في ١/ ١٧ ومواضع أخرى كثيرة. وقد تبع طبعة الوكيل في الإكثار من العناوين الفرعية وإثباتها في داخل المتن بين المعقوفات، وذلك مبدِّد لنظام النصّ ومُزعج لقارئ الكتاب. هذه الملاحظات لا تنقص من الجهد العلمي الذي بذله الشيخ مشهور في تحقيق الكتاب والتعليق عليه وتخريج أحاديثه، فهو مشكور على كل حال. أجزل الله له المثوبة، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء. ونذكر فيما يأتي طبعات أخرى للكتاب: - طبعة محمد أدهم. ذكر هذه الطبعة صاحب «ذخائر التراث العربي» (١/ ٢٢٠)، وأنها صدرت بالقاهرة سنة ١٩٢٩ م (١٣٤٨). ولا ذكر لها في «المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع». - طبعة المنيرية. لم تؤرَّخ هذه الطبعة، فلا ندري متى صدرت، غير أنها كانت في أر بعة أجزاء، وكتب على صفحة العنوان: «عنيت بطبعه ونشره وتصحيحه والتعليق عليه إدارة الطباعة المنيرية». - طبعة مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة. ذكر صاحب «ذخائر التراث العربي» (١/ ٢٢٠) أنها صدرت سنة ١٩٧٠ م (١٣٩٠) بتحقيق عبد الكريم إبراهيم العزباوي، وأشرف عليها محمد أبو الفضل إبراهيم؛ ولم يشر إلى أجزائها. هذه الطبعة أيضا لم تذكر في «المعجم

стр. 143

الشامل للتراث العربي المطبوع». - طبعة الشيخ طه عبد الرؤوف سعد. صدرت عن دارالجيل في بيروت في أربعة أجزاء سنة ١٩٧٣ م (١٣٩٣). - طبعة عصام الدين الصبابطي، صدرت عن دار الحديث بالقاهرة سنة ١٤١٤ (١٩٩٣ م) في أربعة أجزاء. ذكرها صاحب «المعجم الشامل» (٤/ ٥٩٢). - طبعة عصام الحرستاني. صدرت عن دار الجيل في بيروت سنة ١٤١٩ (١٩٩٨ م) في أربعة أجزاء، واعتمد فيها على نسختين خطيتين: نسخة من المكتبة المحمودية، وأخرى من مكتبة الأستاذ زهير شاويش. وقام بتخريج أحاديث الكتاب حسان عبد المنان وأحمد الكويتي. لم نقف على هذه الطبعة، وما ذكرناه مستفاد من مقدمة الشيخ مشهور (ص ٢٨٨). - طبعة رائد صبري، صدرت عن دار طيبة بالرياض سنة ١٤٢٧ (٢٠٠٦ م). ذكرت في «المعجم الشامل» (٤/ ٥٩٢). وقد اتهمها الشيخ مشهور سلمان في بعض تعليقاته على كتاب «الصادع» لابن حزم (ص ٥١٢) بأنها مسروقة من نشرته. * * * *

стр. 144

منهجنا في هذه النشرة اعتمدنا في تحقيق الكتاب على الأصول القديمة التي سبق وصفها، والتي صححت كثيرًا من الأخطاء والتحريفات والسقط في النسخ المطبوعة، ثم قمنا بمراجعة مصادر المؤلف التي صرَّح بذكرها، والمصادر التي ظهر لنا بالبحث والتتبع أنه اعتمد عليها ونقل منها، فقمنا بتوثيق النقول منها ومقابلة النصوص عليها. ثم راجعنا كتب المؤلف الأخرى في الموضوعات المشتركة بينها وبين هذا الكتاب، واستفدنا منها وأشرنا إليها في التعليقات. وقد شرحنا منهجنا في التحقيق مرارًا في مقدمات الكتب التي نشرناها، فلا نعيده هنا، ونكتفي بالإشارة إلى بعض الأمور التي راعيناها في تحقيق هذا الكتاب: ١ - النسخ الأصول من المخطوطات التي بين أيدينا أربع: نسخة الأزهرية (ز)، ونسخة ابن اللحام (د)، ونسخة المحمودية (ح)، ونسخة برنستون (س) مع نقصها، والتزمنا ذكر فروقها عمومًا. أما النسخ الثلاث الأخرى القديمة (ع، ت، ك) فحرصنا على تدوين فروقها التي وافقت فيها الطبعات السابقة، ليتبين عذرها. أما أخطاؤها وتصحيفاتها التي لا فائدة من ذكرها فلم نشر إليها إلا قليلًا. أما نسختا (ف، ب) فهما متأخرتان كثيرتا التحريف والسقط، فلم نراجعهما إلا قليلًا. وكذا الكراسة الأخيرة من نسخة الأزهرية (ز) ليست بخط ناسخ الأصل، بل بخط متأخر، فلم نثبت فروقها من الكلمات الساقطة ونحوها، وأشرنا إليها عند الحاجة برمز (خز). وقد ساعدنا في المقابلة بين النسخ الإخوة الفضلاء: سراج منير، وفوزي فطاني، وعبد الحميد مثقال علي، فجزاهم الله خيرًا.

стр. 145

٢ - المقصود بـ «المطبوع» في تعليقاتنا: نشرة الشيخ مشهور الصادرة عن دار ابن الجوزي، وإذا قلنا: «النسخ المطبوعة» يضاف إلى النشرة المذكورة طبعتان أخريان: طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، وطبعة الشيخ عبد الرحمن الوكيل. وقد نبهنا على بعض تصرُّفات هذه الطبعات في النص، خاصة ما يتعلق بالسقط أو التحريف أو الزيادة على الأصول الخطية. ٣ - أخرجنا الكتاب كما تركه المؤلف دون إضافة عناوين للأبواب والفصول. وفي فهرس الموضوعات في آخر الكتاب ما يغني عنها. ٤ - وضعنا كل زيادة يقتضيها السياق وليست في الأصول بين حاصرتين، مع التنبيه عليها. ٥ - أثبتنا الآيات في المتن على رواية حفص عن عاصم، وأشرنا في الحاشية إلى القراءة الواردة في النسخ، وهي قراءة أبي عمرو السائدة في زمن المؤلف. ٦ - أما تخريج الأحاديث والآثار فقد كانت العناية فيه بلفظ الشاهد أو اللفظ القريب منه، دون الاستقصاء في جمع الطرق والشواهد. وقد قام بتخريجها من غير «الصحيحين» كل من المشايخ: عمر بن سعدي، وجعفر السيد، ومحمد نديم. ٧ - العناية بضبط المشكل وشرح الغريب من الكلمات، والتعليق عليها بما يبيِّن أصولها ومعانيها. ٨ - التعليق على الكتاب بما يفيد ترجمة الأعلام المغمورين، أو

стр. 146

التعريف ببعض الكتب والأماكن، أو بيان مصادر المؤلف، أو التنبيه على ما في النصّ من خطأ أو وهم، أو توجيه عبارة أو أسلوب عند المؤلف، أو ربط الكلام بعضه ببعض في السياق، ونحوها. وقد تولّى الأخ خالد محمد جاب الله صف الكتاب وإخراجه، وصنع فهارس الآيات والأحاديث، فجزاه الله خيرًا. وفي الختام نحمد الله على توفيقه لإخراج هذا الكتاب على هذا النحو الذي نرجو أن يكون مفيدًا للقراء والباحثين، والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. * * *

стр. 147

نماذج من النسخ الخطية

стр. 148

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربِّ يسِّرْ وأعِنْ (١) الحمد لله الذي خلق خَلْقَه أطوارًا، وصرَّفهم في أطوار التخليق كيف شاء عزّةً واقتدارًا، وأرسل الرسل إلى المكلّفين إعذارًا منه وإنذارًا، فأتمَّ بهم على من اتبع سبيلهم نعمته (٢) السابغة، وأقام بهم على من خالف منهاجهم (٣) حجته البالغة، فنصب الدليل، وأنار السبيل، وأزاح العلل، وقطع المعاذير، وأقام الحجّة، وأوضح المحجّة، وقال: ﴿هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وهؤلاء رسلي ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فعمَّهم بالدعوة على ألسنة رسله حجةً منه وعدلًا، وخصَّ بالهداية من شاء منهم نعمةً منه (٤) وفضلًا. فقبِل نعمةَ الهداية من سبقت له سابقة السعادة وتلقَّاها باليمين، وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وردَّها من غلبت عليه الشقاوة ولم يرفع بها رأسًا بين العالمين. فهذا فضله وعطاؤه،

стр. 149

وما عطاؤه بمحظور، ولا فضله بممنون. وهذا عدله وقضاؤه، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فسبحان من أفاض على عباده النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأودع الكتاب الذي كتبَه، أنَّ رحمته تغلب غضبَه (١). وتبارك من له في كلِّ شيء على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وحكمته أعدل شاهد، ولو لم يكن إلا أن فاضَلَ بين عباده في مراتب الكمال حتى عُدَّ (٢) الآلاف المؤلَّفة منهم بالرجل الواحد (٣). ذلك ليعلم عباده أنه أنزل التوفيق منازله، ووضع الفضل مواضعه، وأنه يختص برحمته من يشاء وهو العليم الحكيم، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩]. أحمده، والتوفيق للحمد من نِعَمِه. وأشكره، والشكر كفيل بالمزيد من فضله وقِسَمه. وأستغفره وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زوال نعمته وحلول نِقَمه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها (٤) جميع المخلوقات. وعليها أُسِّست الملة،

стр. 150

ونُصِبت القبلة. ولأجلها جُرِّدت سيوف الجهاد، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد. وهي (١) فطرة الله التي فطرَ الناس عليها، ومفتاح عبوديته التي دعا الأممَ على ألسُن رسله إليها. وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وأساس الفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنّة (٢). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخِيرته من خلقه، وحجته على عباده، وأمينه على وحيه. أرسله رحمةً للعالمين، وقدوةً للعاملين (٣)، ومحجّةً للسالكين، وحجّةً على المعاندين، وحسرةً على الكافرين. أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنعم به على أهل الأرض نعمةً لا يستطيعون لها شكورًا. فأمدَّه بملائكته المقربين، وأيّده بنصره وبالمؤمنين، وأنزل عليه كتابه المبين، الفارق بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، والشك واليقين. فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمره (٤). وأقسم بحياته

стр. 151

في كتابه المبين (١)، وقرَن اسمه باسمه، فإذا ذُكِر [٢/ب] ذُكِر معه (٢)، كما في الخطب (٣) والتشهد والتأذين. وافترض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه، وسدَّ الطرق كلَّها إليه وإلى جنته، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه. فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال، والفرقان المبين الذي باتباعه تميَّز أهلُ الهدى من أهل الضلال. ولم يزل (٤) ﷺ مشمِّرًا في ذات الله لا يردُّه عنه رادّ، صادعًا بأمره لا يصدُّه عنه صادّ، إلى أن بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حقَّ الجهاد. فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألَّفت به القلوب بعد شتاتها، وامتلأت به الدنيا (٥) نورًا وابتهاجًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا. فلما أكمل الله تعالى به الدين، وأتمَّ به النعمة على عباده المؤمنين،

стр. 152

استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى، والمحلِّ الأسنى؛ وقد ترك أمته على المحجّة البيضاء، والطريق (١) الواضحة الغرّاء. فصلَّى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من عباده عليه وآله كما وحَّد الله، وعرَّف به، ودعا إليه؛ وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإنَّ أولى ما تنافس فيه (٢) المتنافسون، وأَجْرَى (٣) في حَلْبة سباقه المتسابقون: ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلًا، وعلى طريق هذه السعادة دليلًا. وذلك العلم النافع والعمل الصالح اللذان (٤) لا سعادة للعبد إلا بهما، ولا نجاة له إلا بالتعلُّق بسببهما. فمن رُزِقهما فقد فاز وغَنِم، ومن حُرِمهما فالخيرَ كلَّه حُرِم. وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البرُّ من الفاجر، والتقيُّ من الغوي، والظالمُ من المظلوم. [٣/أ] ولما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا، وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها علم أحكام

стр. 153

العبيد (١). ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين، وتلقِّي هذين العلمين، إلا من مشكاةِ من قامت الأدلّة القاطعة على عصمته، وصرَّحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته. وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. ولما كان التلقِّي عنه ﷺ على نوعين: نوع بواسطة، ونوع بغير واسطة؛ وكان التلقِّي بلا واسطة حظَّ أصحابه الذين حازوا قصَباتِ السِّباق، واستولوا على الأمد، فلا مطمعَ لأحد من الأمة بعدهم في اللَّحاق. ولكن المبرِّز من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم؛ والمتخلِّف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال. فأيُّ خصلةِ خيرٍ لم يسبقوا إليها؟ وأيُّ خُطَّةِ رشدٍ لم يستولوا عليها؟ تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبًا صافيًا زُلالًا، وأطَّدوا قواعد الإسلام، فلم يدَعوا لأحد بعدهم مقالًا. فتحوا القلوب (٢) بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان. وألقوا إلى التابعين ما تلقَّوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم فيه عن نبيِّهم ﵌ عن جبريل عن ربِّ العالمين سندًا صحيحًا عاليًا. وقالوا: هذا عهدُ نبينا إلينا، وقد عهدناه (٣) إليكم. وهذه وصية ربنا وفرضه علينا، وهي وصيته وفرضه عليكم. فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم. ثم سلك [٣/ب] تابعو التابعين هذا المسلك

стр. 154

الرشيد، ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. وكانوا بالنسبة إلى من قبلهم كما قال أصدق القائلين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤]. ثم جاء الأئمة من القرن الرابع المفضَّل في إحدى الروايتين، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد (١) وابن مسعود (٢) وأبي هريرة (٣) وعائشة (٤) وعمران بن حصين (٥)، فسلكوا على آثارهم اقتصاصًا، واقتبسوا هذا الأمر من مشكاتهم اقتباسًا. وكان دين الله سبحانه أجلَّ في صدورهم، وأعظمَ في نفوسهم، من أن يقدِّموا عليه رأيًا أو معقولًا أو تقليدًا أو قياسًا. فطار لهم الثناء الحسن في العالمين، وجعل الله سبحانه لهم لسانَ صدقٍ في الآخرين. ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم، ودرَج على منهاجهم الموفَّقون من أشياعهم، زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلُّون مع الصواب حيث استقلَّت مضاربه (٦). إذا أبدى (٧) لهم الدليل ناجذيه (٨) طاروا إليه

стр. 155

زَرافاتٍ ووُحدانًا (١)، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه (٢) ولا يسألونه على ما (٣) قال برهانًا (٤). ونصوصه أجلُّ في صدورهم وأعظمُ في نفوسهم من أن يقدِّموا عليها قولَ أحد من الناس، أو يعارضوها برأي أو قياس. ثم خلَف من بعدهم خلوف ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، وتقطَّعوا أمرهم بينهم زُبُرًا، وكلٌّ إلى ربهم راجعون. جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون، ورؤوس أموالهم التي بها يتَّجرون. وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى [٤/أ] أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب، ولسانُ الحق يتلو عليهم: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]. قال الشافعي قدَّس الله روحه: أجمع المسلمون على أنّ من استبانت له

стр. 156

سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس (١). وقال أبو عمر وغيره من العلماء: أجمع الناس على أن المقلِّد ليس معدودًا من أهل العلم، وأنَّ العلم معرفة الحق بدليله (٢). وهذا كما قال أبو عمر ﵀، فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد. فقد تضمَّن هذان الإجماعان إخراجَ المتعصِّب بالهوى والمقلِّد الأعمى عن زمرة العلماء، وسقوطَهما باستكمال من فوقهما الفروضَ من وراثة الأنبياء، فإنَّ "العلماء هم ورثة الأنبياء، فإنّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ" (٣). وكيف يكون من

стр. 157

ورثة الرسول ﷺ من يجهد ويكدح في ردِّ ما جاء به إلى قول مقلَّده ومتبوعه، ويضيِّع ساعاتِ عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه! تالله إنها فتنة عمَّت فأعمَتْ، ورمَت القلوب فأصمَتْ (١). ربا عليها الصغير، وهرِم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورًا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا. ولما عمَّت بها البليّة، وعظمت بسببها (٢) الرزيّة، بحيث لا يعرف أكثرُ الناس سواها، ولا يعدُّون العلم إلا إياها؛ فطالبُ الحقِّ من مظانه لديهم مفتون، ومؤثِرُه على ما سواه عندهم مغبون= نصبوا لمن خالفهم في طريقهم (٣) الحبائل، وبغَوا له الغوائل، ورمَوه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا [٤/ب] لإخوانهم: إنَّا نخاف أن يبدِّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد. فحقيقٌ بمن لنفسه عنده قدر وقيمة، أن لا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رُفِع له علَمُ السنة النبوية شمَّر إليه ولم يحبس نفسه عليهم. فما هي إلا ساعة حتى يبعثَر ما في القبور، ويحصَّل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله، وينظر كلُّ عبد ما قدَّمت يداه. ويقع التمييز بين المحقِّين والمبطلين، ويعلم المعرِضون عن كتاب ربِّهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين.

стр. 158

فصل ولما كانت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعارَ حزبه المفلحين، وأتباعه من العالمين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وكان التبليغ عنه نوعين: تبليغَ ألفاظ ما جاء به، وتبليغَ معانيه= كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين: أحدهما: حفاظ الحديث وجهابذته ونُقّاده، الذين هم أئمة الأنام وزواملُ الإسلام، الذين حفظوا على الأمّة معاقدَ الدين ومعاقلَه، وحمَوا من التغيير والتكدير مواردَه ومناهلَه، حتى ورد من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهلَ صافيةً من الأدناس لم تشُبها الآراء تغييرًا، ووردوا منها ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]. وهم الذين قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل في خطبته المشهورة في كتابه في "الرد على الزنادقة والجهمية" (١): "الحمد لله الذي جعل في كلِّ زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى. يُحيون بكتاب [٥/أ] الله تعالى الموتى، ويبصِّرون بنور الله أهلَ العمى. فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيَوه، وكم من ضالٍّ تائه قد هدَوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم!

стр. 159

ينفُون عن كتاب الله تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عِنان الفتنة؛ فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب. يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلَّمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبِّهون عليهم؛ فنعوذ بالله من فتن المضلِّين". فصل القسم الثاني: فقهاء الإسلام ، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعُنُوا بضبط قواعد الحلال والحرام. فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء. وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنصّ الكتاب. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. قال عبد الله بن عباس (١) في إحدى الروايتين عنه، وجابر بن عبد الله (٢)،

стр. 160

والحسن البصري (١)، وأبو العالية (٢)، وعطاء بن أبي رباح (٣)، والضحاك (٤)، ومجاهد بن جبر (٥) في إحدى الروايتين عنه: "أولو الأمر هم العلماء". وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وقال أبو [٥/ب] هريرة (٦)، وابن عباس (٧) في الرواية الأخرى، وزيد بن أسلم (٨)، والسدي (٩) ومقاتل: "هم الأمراء". وهو الرواية الثانية عن أحمد (١٠).

стр. 161

والتحقيق: أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم؛ فكما أن طاعة العلماء تبعٌ لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبعٌ لطاعة العلماء. ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس كلُّهم لهم تبعًا، كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين، وفساده بفسادهما، كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس. قيل: من هم؟ قال: الملوك والعلماء (١). وقال عبد الله بن المبارك (٢): رأيتُ الذنوبَ تُميت القلوبَ ... وقد يورِثُ الذلَّ إدمانُها وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوب ... وخيرٌ لنفسك عصيانُها وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ ... وأحبارُ سَوءٍ ورهبانُها

стр. 162

فصل ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلمَ بما يبلغ والصدقَ فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية (١) والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالمًا بما يبلِّغ، صادقًا فيه. ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابه السرِّ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله. وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحلِّ الذي لا يُنكَر فضله، ولا يُجهَل قدرُه، وهو من أعلى المراتب السنيَّات، فكيف بمنصب التوقيع (٢) عن ربِّ الأرض والسماوات؟ فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن [٦/أ] يُعِدَّ له عُدَّته، وأن يتأهَّب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه. ولا يكن في صدره حرجٌ من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه. كيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه ربُّ الأرباب، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧]. وكفى بما تولّاه الله بنفسه تعالى شرفًا وجلالةً، إذ يقول في كتابه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. وَلْيعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وَلْيوقن أنه مسؤول غدًا وموقوف بين يدي الله. فصل وأول من قام بهذا المنصب الشريف: سيد المرسلين، وإمام المتقين،

стр. 163

وخاتم النبيين، عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده. فكان (١) يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. فكانت فتاويه ﷺ جوامعَ الأحكام، ومشتملةً على فصل الخطاب. وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانيةُ الكتاب. وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلًا، وقد أمر الله عباده بالردِّ إليها حيث يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. فصل ثم قام بالفتوى بعده يَزَكُ (٢) الإسلام وعِصابة الإيمان، وعسكر القرآن،

стр. 164

وجند الرحمن. أولئك أصحابه ﷺ ، "أبَرُّ الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا" (١)، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا، وأعمُّها نصيحةً، وأقربها إلى الله وسيلة. وكانوا [٦/ب] بين مكثر منها ومُقِلّ ومتوسط. والذين حُفظت عنهم الفتوى من الصحابة (٢) مائة ونيف وثلاثون نفسًا (٣)، ما بين رجل وامرأة. وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن

стр. 165

الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. وقال أبو محمد بن حزم (١): "ويمكن أن يجمع من فتوى كلِّ واحد منهم سِفر ضخم". قال: "وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون (٢) فتيا عبد الله بن عباس ﵄ في عشرين كتابًا (٣). وأبو بكر (٤) المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث". قال أبو محمد: "والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلَمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل. فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يُجمَع من فتيا كلِّ امرئ (٥) منهم جزء صغير جدًّا".

стр. 166

"ويضاف إليهم: طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان". "والباقون منهم مقِلُّون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصِّي والبحث. وهم: أبو الدرداء، وأبو اليَسَر (١)، وأبو سلَمة المخزومي، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعيد بن زيد، والحسن والحسين ابنا علي، والنعمان بن بشير، وأبو مسعود، وأبيّ بن كعب، وأبو أيوب، وأبو طلحة، وأبو ذرّ، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، [٧/أ] وحفصة، وأم حبيبة، وأسامة بن زيد، وجعفر بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وقَرَظة بن كعب (٢)، ونافع أخو أبي بكرة لأمه، والمقداد بن الأسود، وأبو السنابل، والجارود العبدي، وليلى بنت قانف (٣)، وأبو محذورة، وأبو شُرَيح الكعبي، وأبو بَرزة الأسلمي، وأسماء بنت أبي بكر (٤)، وأم شريك، والحَولاء بنت تُوَيت، وأُسيد بن الحُضَير، والضحاك بن قيس، وحبيب بن مسلمة (٥)، وعبد الله بن أنيس، وحذيفة بن اليمان، وثُمامة بن أُثال، وعمار بن ياسر،

стр. 167

وعمرو بن العاص، وأبو الغادية السُّلَمي (١)، وأم الدرداء الكبرى، والضحاك بن خليفة المازني، والحكم بن عمرو الغفاري، ووابصة بن معبد الأسدي، وعبد الله بن جعفر (٢)، وعوف بن مالك، وعدي بن حاتم، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن سلام، وعمرو بن عَبسَة، وعتَّاب بن أَسيد، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن سَرْجِس، وعبد الله بن رواحة، وعقيل بن أبي طالب، وعائذ بن عمرو، وأبو قتادة، وعبد الله بن معمر العدَوي (٣)، وعمير بن سعد، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن أخوه، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، وعبد الله بن عوف الزهري، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأبو منيب، وقيس بن سعد، وعبد الرحمن (٤) بن

стр. 168

سهل، وسمرة بن جندب, وسهل بن سعد الساعدي، ومعاوية بن مقرِّن، وسويد بن مقرِّن، ومعاوية بن الحكم، وسهلة بنت سهيل، وأبو حذيفة بن عتبة، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن أرقم، وجرير بن عبد الله البجلي، وجابر بن سمرة، وجويرية أم المؤمنين، وحسان بن ثابت، وخُبيب بن عدي (١)، وقدامة بن مظعون، وعثمان بن مظعون، وميمونة أم المؤمنين، [٧/ب] ومالك بن الحويرث، وأبو أمامة الباهلي، ومحمد بن مسلمة (٢)، وخبَّاب بن الأرتّ، وخالد بن الوليد، وضَمْرة بن العِيص (٣)، وطارق بن شهاب، وظُهَير بن رافع، ورافع بن خَديج، وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وفاطمة بنت قيس، وهشام بن حكيم بن حزام، وأبوه حكيم بن حزام، وشُرَحبيل بن السِّمط، وأم سليم (٤)، ودحية بن خليفة الكلبي، وثابت بن قيس بن الشمّاس، وثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وسُرَّق (٥)،

стр. 169

والمغيرة بن شعبة، وبُريدة بن الحُصَيب الأسلمي، ورويفع بن ثابت، وأبو حُميد (١)، وأبو أُسيد، وفَضالة بن عُبيد، وأبو محمد ــ روينا عنه وجوب الوتر (٢). قلت (٣): هو مسعود بن أوس، أنصاريّ نجَّاري بدريّ ــ وزينب بنت أم سلمة، وعتبة بن مسعود، وبلال المؤذن (٤)، وغَرَفة (٥) بن الحارث، وسيَّار بن روح أو روح بن سيَّار، وأبو سعيد بن المعلَّى، والعباس بن عبد المطلب، وبُسْر بن أبي أرطاة (٦)، وصهيب بن سِنان، وأم أيمن، وأم يوسف، والغامدية، وماعز، وأبو عبد الله البصري (٧) ".

стр. 170

فهؤلاء من نُقلت عنه (١) الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ . وما أدري بأيِّ طريق عَدَّ معهم أبو محمد الغامديةَ وماعزًا، ولعله تخيَّل أنَّ إقدامهما (٢) على جواز الإقرار بالزنا من غير استئذان لرسول الله ﷺ في ذلك، هو فتوى لأنفسهما بجواز الإقرار، وقد أُقِرَّا عليها. فإن كان تخيَّل هذا فما أبعده من خيال! أو لعله ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام. فصل وكما أنَّ الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها، فهم سادات المفتين والعلماء. قال الليث عن مجاهد: العلماء أصحاب [٨/أ] محمد ﷺ (٣). وقال سعيد عن قتادة (٤) في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] قال: أصحاب محمد ﷺ (٥).

стр. 171

وقال يزيد بن عَمِيرة (١): لما حضر معاذَ بن جبل الموتُ قيل: يا أبا عبد الرحمن أوصِنا. قال: أجلِسوني، إنَّ العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، يقول ذلك ثلاث (٢) مرات. التمسوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء (٣)، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلَام. وقال مالك بن يَخامِر (٤): لما حضرت معاذًا الوفاة (٥) بكيتُ، فقال: ما يبكيك؟ قلتُ: والله ما أبكي على دنيا كنت (٦) أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلَّمهما منك. فقال: إنّ العلم والإيمان

стр. 172

مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم عند أربعة. فذكر هؤلاء الأربعة، ثم قال: فإن عجز عنه هؤلاء، فسائرُ أهل الأرض عنه أعجَز، فعليك بمعلِّم إبراهيم. قال: فما نزلت بي مسألة عجزتُ عنها إلا قلتُ: يا معلِّمَ إبراهيم. وقال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي إسحاق، قال: قال عبد الله: علماء الأرض ثلاثة: فرجل (١) بالشام، وآخر بالكوفة، وآخر بالمدينة. فأما هذان فيسألان الذي بالمدينة، والذي بالمدينة لا يسألهما عن شيء (٢). وقال الشعبي: ثلاثة يستفتي بعضهم من بعض، وثلاثة يستفتي بعضهم من بعض (٣). فكان عمر وعبد الله وزيد بن ثابت يستفتي بعضهم من بعض (٤)، وكان علي وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري يستفتي بعضهم من بعض. قال الشيباني: فقلت للشعبي: وكان أبو موسى بذاك؟ فقال: ما كان أعلمه! قلت: فأين معاذ؟ قال: هلك [٨/ب] قبل ذلك (٥).

стр. 173

وقال أبو البَخْتري: قيل لعلي بن أبي طالب: حدِّثنا عن أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: عن أيِّهم؟ قالوا (١): عن عبد الله بن مسعود. قال: قرأ القرآن، وعلِم السنَّة، ثم انتهى، وكفاه بذلك. قالوا: فحدِّثنا عن حذيفة. قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين. قالوا: فأبو ذر. قال: كُنَيْفٌ (٢) مُلئ علمًا عجز فيه (٣). قالوا: فعمار. قال: مؤمن نَسِيٌّ، إذا ذكَّرته ذكَر. خلط الله الإيمان بلحمه ودمه، ليس للنار فيه نصيب. قالوا: فأبو موسى. قال: صُبِغ في العلم صَبْغةً. قالوا: فسلمان. قال: علِمَ العلمَ (٤) الأول والآخر، بحر لا يُنزَح، منَّا أهلَ البيت. قالوا: فحدِّثنا عن نفسك يا أمير المؤمنين. قال: إياها أردتم! كنت إذا سألتُ أُعطِيتُ، وإذا سكتُّ ابتُدِئتُ (٥).

стр. 174

وقال مسلم عن مسروق: شاممتُ (١) أصحاب محمد ﷺ ، فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة: إلى علي، وعبد الله، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبي بن كعب. ثم شاممتُ الستة، فوجدتُ علمهم انتهى إلى علي وعبد الله (٢). وقال مسروق أيضًا: جالستُ أصحاب محمد ﷺ ، فكانوا كالإخاذ (٣): الإخاذ يُروي (٤) الراكب، والإخاذ يُروي الراكبين، والإخاذ يُروي العشرة. والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم (٥)، وإنَّ عبد الله من تلك الإخاذ (٦).

стр. 175

وقال الشعبي: إذا اختلف الناس في شيء فخذوا بما قال عمر (١). وقال ابن مسعود: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم (٢). وقال أيضًا: لو أنَّ عِلمَ عمر وُضِع في كفّة الميزان، ووُضِع (٣) علُم أهل الأرض في كفّة، لرجَح علمُ عمر (٤). وقال حذيفة: كأنَّ علم الناس مع علم عمر دُسَّ في جُحْر (٥). وقال الشعبي: قضاة [٩/أ] هذه الأمة أربعة: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى (٦).

стр. 176

وقال سعيد بن المسيِّب (١): كان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن (٢). وشهد رسول الله ﷺ لعبد الله بن مسعود بأنه "غُلَيِّم معلَّم" (٣). وبدأ به في قوله: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن أمِّ عبد، ومن أبي بن كعب، ومن سالم مولى أبي حذيفة، ومن معاذ بن جبل" (٤). ولما ورد أهل الكوفة على عمر أجازهم، وفضَّل أهلَ الشام عليهم في الجائزة، فقالوا: يا أمير المؤمنين تُفضِّل أهلَ الشام علينا؟ فقال: يا أهل الكوفة، أجزعتم أن فضَّلتُ أهلَ الشام عليكم لبعد شُقَّتهم، وقد آثرتُكم بابن أمِّ عبد؟ (٥).

стр. 177

وقال عُقْبة بن عمرو: ما أرى أحدًا أعلمَ بما أُنزل على محمد ﷺ من عبد الله بن مسعود (١)، فقال (٢) أبو موسى: إن تقل ذاك، فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل (٣). وقال عبد الله: ما أُنزلت سورة إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أنّي أعلم أنَّ رجلًا أعلمَ بكتاب الله منِّي تبلُغه الإبلُ لأتيتُه (٤). وقال زيد بن وهب: كنت جالسًا عند عمر، فأقبل عبد الله، فدنا منه، فأكبَّ عليه، وكلَّمه بشيء، ثم انصرف. فقال عمر: كُنَيْفٌ مُلئ علمًا! (٥). وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه كان لا يعدِل بقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا (٦). فإذا اختلفا كان قولُ عبد الله أعجبَ إليه، لأنه كان ألطف (٧).

стр. 178

وقال أبو موسى: لَمجلسٌ كنتُ أجالسه (١) عبدَ الله أوثقُ في نفسي من عملِ سَنة (٢). وقال عبد الله بن بريدة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] قال: هو عبد الله بن مسعود (٣). وقيل لمسروق: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والله لقد رأيتُ الأخيار (٤) [٩/ب] من أصحاب رسول الله ﷺ يسألونها عن الفرائض (٥). وقال أبو موسى: ما أشكل علينا ــ أصحابَ محمَّد ﷺ ــ حديثٌ قطُّ، فسألناه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا (٦). وقال ابن سيرين: كانوا يرون أنَّ أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان، ثم

стр. 179

ابن عمر بعده (١). وقال شهر بن حَوشَب: كان أصحاب محمد ﷺ إذا تحدَّثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبةً له (٢). وقال علي: أبو ذرٍّ وعَى (٣) علمًا، ثم أوكَى (٤) عليه، فلم يُخرِج منه شيئًا حتى قُبِض (٥). وقال مسروق: قدمتُ المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم (٦). وقال الجُريري عن أبي تَميمة: قدِمنا الشام، فإذا الناس مجتمعون يُطِيفون برجل. قال: قلتُ: من هذا؟ قالوا: هذا أفقه مَن بقي من صحابة

стр. 180

محمد (١) ﷺ ، هذا عمرو البِكَالي (٢). وقال سعيد: قال ابن عباس ــ وهو قائم على قبر زيد بن ثابت ــ: هكذا يذهب العلم! (٣). وكان ميمون بن مِهران إذا ذُكِر ابنُ عباس وابنُ عمر عنده يقول: ابن عمر أورعهما، وابن عباس أعلمهما (٤). وقال أيضًا: ما رأيتُ أفقهَ من ابن عمر، ولا أعلمَ من ابن عباس (٥).
следующие страницы →