← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقال سعيد بن المسيِّب (١): كان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن (٢). وشهد رسول الله ﷺ لعبد الله بن مسعود بأنه "غُلَيِّم معلَّم" (٣). وبدأ به في قوله: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن أمِّ عبد، ومن أبي بن كعب، ومن سالم مولى أبي حذيفة، ومن معاذ بن جبل" (٤). ولما ورد أهل الكوفة على عمر أجازهم، وفضَّل أهلَ الشام عليهم في الجائزة، فقالوا: يا أمير المؤمنين تُفضِّل أهلَ الشام علينا؟ فقال: يا أهل الكوفة، أجزعتم أن فضَّلتُ أهلَ الشام عليكم لبعد شُقَّتهم، وقد آثرتُكم بابن أمِّ عبد؟ (٥).

стр. 177

وقال عُقْبة بن عمرو: ما أرى أحدًا أعلمَ بما أُنزل على محمد ﷺ من عبد الله بن مسعود (١)، فقال (٢) أبو موسى: إن تقل ذاك، فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل (٣). وقال عبد الله: ما أُنزلت سورة إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أنّي أعلم أنَّ رجلًا أعلمَ بكتاب الله منِّي تبلُغه الإبلُ لأتيتُه (٤). وقال زيد بن وهب: كنت جالسًا عند عمر، فأقبل عبد الله، فدنا منه، فأكبَّ عليه، وكلَّمه بشيء، ثم انصرف. فقال عمر: كُنَيْفٌ مُلئ علمًا! (٥). وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه كان لا يعدِل بقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا (٦). فإذا اختلفا كان قولُ عبد الله أعجبَ إليه، لأنه كان ألطف (٧).

стр. 178

وقال أبو موسى: لَمجلسٌ كنتُ أجالسه (١) عبدَ الله أوثقُ في نفسي من عملِ سَنة (٢). وقال عبد الله بن بريدة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] قال: هو عبد الله بن مسعود (٣). وقيل لمسروق: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والله لقد رأيتُ الأخيار (٤) [٩/ب] من أصحاب رسول الله ﷺ يسألونها عن الفرائض (٥). وقال أبو موسى: ما أشكل علينا ــ أصحابَ محمَّد ﷺ ــ حديثٌ قطُّ، فسألناه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا (٦). وقال ابن سيرين: كانوا يرون أنَّ أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان، ثم

стр. 179

ابن عمر بعده (١). وقال شهر بن حَوشَب: كان أصحاب محمد ﷺ إذا تحدَّثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبةً له (٢). وقال علي: أبو ذرٍّ وعَى (٣) علمًا، ثم أوكَى (٤) عليه، فلم يُخرِج منه شيئًا حتى قُبِض (٥). وقال مسروق: قدمتُ المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم (٦). وقال الجُريري عن أبي تَميمة: قدِمنا الشام، فإذا الناس مجتمعون يُطِيفون برجل. قال: قلتُ: من هذا؟ قالوا: هذا أفقه مَن بقي من صحابة

стр. 180

محمد (١) ﷺ ، هذا عمرو البِكَالي (٢). وقال سعيد: قال ابن عباس ــ وهو قائم على قبر زيد بن ثابت ــ: هكذا يذهب العلم! (٣). وكان ميمون بن مِهران إذا ذُكِر ابنُ عباس وابنُ عمر عنده يقول: ابن عمر أورعهما، وابن عباس أعلمهما (٤). وقال أيضًا: ما رأيتُ أفقهَ من ابن عمر، ولا أعلمَ من ابن عباس (٥).

стр. 181

وكان ابن سيرين يقول: اللهم أبقِني ما أبقيتَ ابن عمر، أقتدي به (١). وقال ابن عباس: ضمَّني رسولُ الله ﷺ وقال: "اللهمّ عَلِّمه الحكمة" (٢). وقال أيضًا: دعاني رسولُ الله ﷺ ، فمسح على ناصيتي، وقال: "اللهمّ علِّمه الحكمةَ وتأويلَ الكتاب" (٣). ولما مات ابن عباس قال محمد ابن الحنفية: مات رَبَّانيُّ هذه الأمة (٤). وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدًا أعلمَ بالسنّة، ولا أجلدَ رأيًا، [١٠/أ] ولا أثقبَ نظرًا حين ينظر، مِن ابن عباس (٥). وإن كان عمر بن الخطاب لَيقول له: قد طرأتْ علينا عُضَلُ أقضيةٍ (٦)،

стр. 182

أنتَ لها ولأمثالها (١). وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسًا قطُّ أكرمَ من مجلس ابن عباس: أكثر فقهًا وأعظم [جفنةً] (٢)! إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده (٣)، وأصحاب الشعر عنده. يُصْدِرُهم كلَّهم في وادٍ واسع (٤). وقال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ (٥). وقال ابن مسعود: لو أنَّ ابن عباس أدرك أسناننا ما عَشَره (٦) منّا

стр. 183

رجل (١). وقال مغيرة: قيل لابن عباس: أنَّى أصبتَ هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول (٢). وقال مجاهد: كان ابن عباس يسمَّى "البحر" من كثرة علمه (٣).

стр. 184

وقال طاوس (١): أدركت نحوًا من خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ ، إذا ذكر ابنُ عباس شيئًا فخالفوه، لم يزل بهم حتى يقرِّرَهم (٢). وقيل لطاوس: أدركتَ أصحاب محمد ﷺ ، ثم انقطعتَ إلى ابن عباس! فقال: أدركتُ سبعين من أصحاب محمد (٣) ﷺ إذا تدارؤوا (٤) في شيء انتهَوا إلى قول ابن عباس (٥). وقال ابن أبي نَجيح: كان أصحاب ابن عباس يقولون: ابن عباس أعلم من عمر ومن علي ومن عبد الله. ويعدُّون ناسًا، فيثِب عليهم الناس، فيقولون: لا تعجَلوا علينا، إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلا وعنده من العلم (٦) ما ليس عند صاحبه، وكان ابنُ عباس قد جمعه كلَّه (٧).

стр. 185

وقال الأعمش: كان ابن عباس إذا رأيتَه قلتَ: أجملُ الناس، فإذا تكلَّم قلت: أفصحُ الناس، فإذا حدَّث قلت: أعلمُ [١٠/ب] الناس (١). وقال مجاهد: كان ابن عباس إذا فسَّر الشيءَ رأيتُ عليه النور (٢). فصل قال الشعبي: من سرَّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذْ بقول عمر (٣). وقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر، فخذوا به (٤). وقال ابن المسيِّب: ما أعلم أحدًا بعد رسول الله ﷺ أعلمَ من عمر بن الخطاب (٥). وقال أيضًا: كان عبد الله يقول: لو سلك الناس واديًا وشِعْبًا، وسلك

стр. 186

عمرُ واديًا وشِعْبًا، لسلكتُ وادي عمر وشِعبه (١). وقال بعض التابعين (٢): دُفِعتُ إلى عمر، فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان، قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه (٣). قال (٤) محمد بن جرير (٥): ولم يكن أحدٌ له أصحاب معروفون حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود. وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله. وقال الشعبي: كان عبد الله لا يقنُت، ولو قنَت عمر لقنَت عبد الله (٦). فصل وكان من المفتين عثمان بن عفان . قال ابن جرير (٧): غير أنه لم يكن له

стр. 187

أصحاب يعرفون، والمبلِّغون عن عمر فتياه ومذاهبَه وأحكامَه في الدين بعده كانوا (١) أكثر من المبلِّغين عن عثمان والمؤدِّين عنه. وأما علي بن أبي طالب ، فانتشرت أحكامه وفتاواه (٢)، ولكن قاتل الله الشيعة، فإنهم أفسدوا كثيرًا من علمه بالكذب عليه. ولهذا أصحابُ الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتاواه (٣) إلا ما كان من طريق أهل بيته وأصحاب عبد الله بن مسعود كعَبيدة [١١/أ] السَّلماني وشُريح وأبي وائل ونحوهم. وكان ﵁ يشكو عدمَ حَمَلة العلم الذي أُودعه، كما قال: إنَّ هاهنا علمًا لو أصبتُ له (٤) حَمَلة (٥)! فصل والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود،

стр. 188

وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عباس (١)، وأصحاب عبد الله بن عمر؛ فعلمُ الناسِ عامّتُه عن أصحاب هؤلاء الأربعة. فأما أهل المدينة، فعلمُهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر. وأما أهلُ مكة، فعلمُهم عن أصحاب عبد الله بن عباس. وأما أهل العراق، فعلمُهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود. قال ابن جرير: وقد قيل: إنَّ ابن عمر وجماعةً ممن عاش بعده بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ إنما كانوا يفتون بمذاهب زيد بن ثابت وما كانوا أخذوا عنه، مما لم يكونوا حفظوا فيه عن رسول الله ﷺ قولًا. وقال ابن وهب: حدثني موسى بن عُلَيّ اللخمي عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية (٢)، فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فَلْيأتِ زيدَ بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فَلْيأتِ معاذ بن جبل، ومن أراد المال فَلْيأتِني (٣). وأما عائشة فكانت مقدَّمةً في العلم بالفرائض والأحكام والحلال والحرام. وكان من الآخذين عنها الذين لا يكادون يتجاوزون قولها،

стр. 189

المتفقهين بها: القاسم بن محمد بن أبي بكر ابنُ أخيها، وعروة بن الزبير ابنُ أختها أسماء. قال مسروق: لقد رأيت مَشْيَخةَ أصحاب رسول الله ﷺ يسألونها عن الفرائض (١). [١١/ب] وقال عروة بن الزبير: ما جالستُ أحدًا قطُّ كان أعلم بقضاء، ولا بحديث بالجاهلية (٢)، ولا أروى للشعر، ولا أعلم بفريضة ولا طبٍّ= من عائشة (٣). فصل ثم صارت الفتوى في أصحاب هؤلاء، كسعيد بن المسيِّب راوية عمر وحامل علمه. قال جعفر بن ربيعة: قلت لعِرَاك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أمَّا أفقههم فقهًا، وأعلمهم بقضايا رسول الله ﷺ وقضايا أبي بكر وقضايا عمر وقضايا عثمان، وأعلمهم بما مضى عليه الناس= سعيد (٤) بن المسيِّب. وأما أغزرهم حديثًا فعروة بن الزبير. ولا تشاء أن

стр. 190

تفجِّر من عبيد الله (١) بحرًا إلا فجَّرتَه. قال عِرَاك: وأفقههم عندي ابن شهاب، لأنه جمعَ علمهم إلى علمه (٢). وقال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة: سعيد بن المسيِّب وكان أفقه الناس، وعروة بن الزبير وكان بحرًا لا تكدِّره الدِّلاء. وكنتَ لا تشاء أن تجد عند عبيد الله طريقةً من علم لا تجدها عند غيره إلا وجدتَ (٣). وقال الأعمش: فقهاء المدينة أربعة (٤): سعيد بن المسيِّب، وعروة (٥)، وقَبيصة، وعبد الملك (٦).

стр. 191

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة: عبد الله بن عباس، [وعبد الله بن عمر] (١)، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص؛ صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي. فكان فقيه أهل مكة (٢) عطاء بن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن طاوس، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه أهل الكوفة إبراهيم، وفقيه أهل البصرة الحسن، وفقيه أهل الشام مكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني؛ إلا المدينة فإنَّ الله خصَّها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة سعيد [١٢/أ] بن المسيِّب غير مدافع (٣). وقال مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب قال: مررتُ بعبد الله بن عمر، فسلَّمتُ عليه، ومضيتُ. قال: فالتفتَ إلى أصحابه فقال: لو رأى رسول الله ﷺ هذا لَسرَّه. فرفع يديه جدًّا، وأشار بيده (٤) إلى السماء (٥). وكان سعيد بن المسيِّب صهر أبي هريرة، زوَّجَه أبو هريرة ابنتَه، وكان

стр. 192

إذا رآه قال: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة (١). ولهذا أكثر عنه من الرواية (٢). فصل (٣) وكان المفتون بالمدينة من التابعين: ابن المسيِّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر (٤) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وهؤلاء هم الفقهاء السبعة (٥)، وقد نظمهم القائل (٦) فقال:

стр. 193

إذا قيل: مَن في العلم سبعةُ أبحر ... روايتُهم ليست عن العلم خارجَه فقُلْ: هم عبيد الله عروةُ قاسمٌ ... سعيدٌ أبو بكر سليمانُ خارجَه وكان من أهل الفتوى: أبان بن عثمان، وسالم، ونافع، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعلي بن الحسين. وبعد هؤلاء: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابناه محمد وعبد الله، وعبد الله بن عمرو (١) بن عثمان، وابنه محمد، وعبد الله والحسن (٢) ابنا محمد ابن الحنفية، وجعفر بن محمد بن علي، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن المنكدر، ومحمد بن شهاب الزهري ــ وجمع محمد ابن مفرِّج (٣) فتاويه في ثلاثة

стр. 194

أسفار ضخمة على أبواب الفقه ــ وخلقٌ سوى هؤلاء. فصل وكان المفتون بمكة: عطاء بن أبي رباح، وطاوس بن [١٢/ب] كيسان، ومجاهد بن جَبْر، وعبيد بن عمير، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن أبي مُلَيكة، وعبد الرحمن بن سابط، وعكرمة. ثم بعدهم: أبو الزُّبير المكي، وعبد الله بن خالد بن أَسيد، وعبد الله بن طاوس. ثم بعدهم: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، وسفيان بن عيينة، وكان أكثر فتواه (١) في المناسك، وكان يتوقف في الطلاق (٢). وبعدهم: مسلم بن خالد الزَّنجي، وسعيد بن سالم القدّاح. وبعدهما: الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ثم عبد الله بن الزبير الحميدي، وإبراهيم بن محمد الشافعي ابنُ عمِّ محمد، وموسى بن أبي الجارود، وغيرهم. فصل وكان من المفتين بالبصرة: عمرو بن سَلِمة الجَرْمي، وأبو مريم الحنفي، وكعب بن سُور، والحسن البصري، وأدرك خمس مائة من

стр. 195

الصحابة، وقد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة ــ قاله أبو محمد بن حزم (١) ــ وأبو الشعثاء جابر بن زيد، ومحمد بن سيرين، وأبو قِلابة عبد الله بن زيد الجَرْمي، ومسلم بن يسَار، وأبو العالية، وحُميد بن عبد الرحمن، ومطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وزُرارة بن أبي أوفى، وأبو بُردة بن أبي موسى. ثم بعدهم: أيوب السَّخْتياني، وسليمان التَّيمي، وعبد الله بن عَون، ويونس بن عبيد، والقاسم بن ربيعة (٢)، وخالد بن أبي عِمران (٣)، وأشعث بن عبد الملك الحُمْراني، وقتادة، وحفص بن سليمان، وإياس بن معاوية القاضي. وبعدهم: سوَّار القاضي، وأبو بكر العَتَكي، وعثمان بن سليمان البَتِّي (٤)، وطلحة بن إياس القاضي، وعبيد الله بن الحسن العنبري،

стр. 196

وأشعث بن جابر بن زيد (١). ثم بعد هؤلاء: عبد الوهاب بن عبد المجيد (٢) الثقفي، [١٣/أ] وسعيد بن أبي عَروبة، وحمَّاد بن سلمة، وحمَّاد بن زيد، وعبد الله بن داود الخُرَيبي، وإسماعيل بن عُلَيَّة، وبِشْر بن المفضّل، ومعاذ بن معاذ العنبري، ومَعْمَر بن راشد، والضحاك بن مَخْلَد، ومحمد بن عبد الله الأنصاري. فصل وكان من المفتين بالكوفة: علقمة بن قيس النَّخَعي، والأسود بن يزيد النخعي وهو عمُّ علقمة، وعمرو بن شُرَحبيل الهَمْداني، ومسروق بن الأجدع الهَمْداني، وعبَيِدة السَّلماني، وشُريح بن الحارث القاضي، وسليمان بن ربيعة الباهلي، وزيد بن صُوحان، وسُوَيد بن غَفَلة، والحارث بن قيس الجُعْفي، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وعبد الله بن عتبة بن مسعود القاضي، وخَيثمة بن عبد الرحمن، وسَلَمة بن صهيب،

стр. 197

ومالك بن عامر، وعبد الله بن سَخْبرة، وزِرّ بن حُبيش، وخِلاس بن عمرو، وعمرو بن ميمون الأَوْدي، وهمَّام بن الحارث، والحارث بن سُويد، ويزيد بن معاوية النخعي، والرَّبيع بن خُثَيم، وعُتبة بن فَرقد، وصِلَة بن زُفَر، وشَريك بن حنبل، وأبو وائل شَقيق بن سَلَمة، وعبيد بن نَضْلة. وهؤلاء أصحاب علي وابن مسعود. وأكابر التابعين كانوا يفتون في الدين (١)، ويستفتيهم الناس، وأكابر الصحابة حاضرون يجوِّزون لهم ذلك. وأكثرهم أخذ (٢) عن عمر وعائشة وعلي. ولقي عمرو (٣) بن ميمون الأَوْدي معاذَ بن جبل، وصحبه، وأخذ عنه. وأوصاه معاذ عند موته أن يلحق بابن مسعود (٤)، فيصحبه، ويطلب العلم عنده (٥)، ففعل ذلك. ويضاف إلى هؤلاء: أبو عبيدة وعبد الرحمن ابنا عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأخذ عن مائة وعشرين من [١٣/ب] الصحابة؛ ومَيْسَرة، وزاذان، والضحاك. ثم بعدهم: إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وأبو بكر بن أبي موسى،

стр. 198

ومحارب بن دِثار، والحَكَم بن عُتَيبة، وجَبَلة بن سُحَيم وصحِبَ ابن عمر. ثم بعدهم: حماد بن أبي سليمان، ومنصور (١) بن المعتمر، وسليمان الأعمش، ومِسْعر بن كِدَام. ثم بعدهم: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شُبْرُمة، وسعيد بن أشوَع، وشَريك القاضي، والقاسم بن معن، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، والحسن بن صالح بن حَيّ. ثم بعدهم: حفص بن غياث، ووكيع بن الجراح. وأصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف القاضي، وزُفَر بن الهذيل، وحماد بن أبي حنيفة (٢)، والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي، ومحمد بن الحسن قاضي الرَّقَّة، وعافية (٣) القاضي، وأسد بن عمرو، ونوح بن درَّاج القاضي. وأصحاب سفيان الثوري كالأشجعي والمعافى بن عمران، وصاحِبَي (٤) الحسن بن حَيّ: حُميد الرُّؤاسي (٥)، ويحيى بن آدم. فصل وكان من المفتين بالشام أبو إدريس الخَولاني، وشُرَحبيل بن السِّمط، وعبد الله بن أبي زكريا الخُزاعي، وقَبيصة بن ذؤيب الخزاعي،

стр. 199

وجُنادة (١) بن أبي أمية، وسليمان بن حبيب المحاربي، والحارث بن عَمِيرة الزَّبِيدي (٢)، وخالد بن مَعدان، وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، وجُبَير بن نُفَير. ثم كان بعدهم: عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن [١٤/أ] حَيْوَة، وكان عبد الملك بن مروان يُعَدُّ في المفتين قبل أن يلي ما ولي، وحُدَير بن كُرَيب. ثم كان بعدهم: يحيى بن حمزة القاضي، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وإسماعيل بن أبي المهاجر، وسليمان بن موسى الأموي، وسعيد بن عبد العزيز، ثم مَخْلَد بن الحسين، والوليد بن مسلم، و [أبو] العباس بن مَزْيَد (٣) صاحب (٤) الأوزاعي، وشعيب بن إسحاق صاحب أبي

стр. 200

حنيفة، وأبو إسحاق الفزاري صاحب ابن المبارك. فصل في المفتين من أهل مصر: يزيد بن أبي حبيب، وبُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ. وبعدهما عمرو بن الحارث ــ وقال ابن وهب: لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره (١) ــ والليث بن سعد، وعبيد الله بن أبي جعفر. وبعدهم: أصحاب مالك، كعبد الله بن وهب، وعثمان بن كنانة، وأشهب، وابن القاسم على غلبة تقليده لمالك إلا في الأقل. ثم أصحاب الشافعي، كالمُزَني، والبُوَيطي، وابن عبد الحكم. ثم غلب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي، إلا قومًا قليلًا لهم اختيارات، كمحمد بن علي بن يوسف (٢)، وأبي جعفر الطحاوي.

стр. 201

وكان بالقيروان سَحْنون بن سعيد، وله يسير (١) من الاختيار؛ وسعيد بن محمد الحداد. وكان بالأندلس ممن له شيء من الاختيار يحيى بن يحيى، وعبد الملك بن حبيب، وبقيّ بن مَخْلَد، وقاسم بن محمد صاحب الوثائق، يُحفظ لهم فتاوٍ يسيرة، وكذلك مسلمة (٢) بن عبد العزيز القاضي، ومنذر بن سعيد. قال أبو محمد (٣): وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحقَّ الاعتدادَ به [١٤/ب] في الاختلاف: مسعود بن سليمان (٤)،

стр. 202

ويوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر. فصل وكان باليمن مطرِّف بن مازن قاضي صنعاء، وعبد الرزاق بن همّام، وهشام بن يوسف، ومحمد بن ثور، وسِمَاك بن الفضل (١). فصل وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير. ولمّا بناها المنصور أقدَمَ إليها من الأئمة والفقهاء والمحدثين بشرًا كثيرًا، فكان (٢) من أعيان المفتين بها أبو عبيد القاسم بن سلام، وكان جبلًا نُفِخ فيه الروحُ علمًا وجلالةً ونبلًا وأدبًا. وكان منهم أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي، وكان قد جالس الشافعي وأخذ عنه. وكان أحمد يعظِّمه ويقول: هو في مِسْلاخ الثوري (٣). وكان بها إمام أهل السنّة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علمًا وحديثًا وسنّةً، حتى إن أئمة الحديث والسنّة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة. وكان ﵁ شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحبُّ تجريد الحديث، ويكره أن يُكتَب كلامُه، ويشتدُّ عليه جدًّا (٤)، فعلِم الله

стр. 203

حسن نيته وقصده، فكُتِب من كلامه وفتاواه (١) أكثر من ثلاثين سِفْرًا، ومنَّ الله سبحانه علينا بأكثرها فلم يفُتْنا منها إلا القليل. وجمع الخلَّال نصوصه في "الجامع الكبير"، فبلغ نحو عشرين سِفْرًا أو أكثر (٢). ورُويت فتاويه ومسائله وحُدِّث بها قرنًا بعدَ قرنٍ فصارت إمامًا وقدوةً لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إنَّ المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلِّدين لغيره لَيُعظِّمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون لها حقَّها [١٥/أ] وقربَها من النصوص وفتاوى الصحابة. ومن تأمَّل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقةَ كلٍّ منهما للأخرى، ورأى الجميعَ كأنها تخرج من مشكاة واحدة، حتَّى إنَّ الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان. وكان تحرِّيه لفتاوى الصحابة كتحرِّي أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أعظم، حتَّى إنَّه لَيُقدِّم فتاواهم على الحديث المرسل. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في "مسائله" (٣): قلتُ لأبي عبد الله: حديثٌ عن رسول الله ﷺ مرسلٌ برجالٍ ثَبَتٍ أحبُّ إليك أو حديثٌ عن الصحابة والتابعين متصلٌ برجال ثَبَت؟ قال أبو عبد الله ﵀: عن الصحابة أعجَبُ إليَّ. وكانت فتاويه مبنية على خمسة أصول: أحدها: النصوص. فإذا وجد النص أفتى (٤) بموجبه، ولم يلتفت إلى ما

стр. 204

خالفه ولا من خالفه (١) كائنًا مَن كان. ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس (٢)، ولا إلى خلافه في التيمُّم للجنب لحديث عمار بن ياسر (٣)، ولا خلافه في استدامة المحرِم الطيبَ الذي تطيَّبَ به قبل إحرامه (٤) لصحة حديث عائشة (٥) في ذلك، ولا خلافه في منع المفرِد والقارن من الفسخ إلى التمتُّع، لصحة أحاديث الفسخ (٦). وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأُبي بن كعب في ترك الغسل من الإكسال (٧) لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول الله ﷺ فاغتسلا (٨). ولم يلتفت إلى قول ابن عباس (٩) وإحدى الروايتين عن [١٥/ب]

стр. 205

علي (١) أنّ عِدَّة المتوفَّى عنها الحامل أقصى الأجلين، لصحة حديث سُبيَعة الأسلمية (٢). ولم يلتفت إلى قول معاذ (٣) ومعاوية (٤) في توريث المسلم من الكافر، لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما (٥). ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصَّرْف، لصحة الحديث بخلافه (٦)، ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحُمُر كذلك (٧). وهذا كثير جدًّا. ولم يكن يُقدِّم على الحديث الصحيح عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا، ولا قولَ صاحب، ولا عدمَ علمِه بالمخالف، الذي يسمِّيه كثير من الناس إجماعًا

стр. 206

ويقدِّمونه على الحديث الصحيح. وقد كذَّب أحمد (١) من ادَّعى هذا الإجماع، ولم يُسوِّغ (٢) تقديمه على الحديث الثابت. وكذلك الشافعي أيضًا نصَّ في "رسالته الجديدة" على أنَّ ما لا يُعلَم فيه خلافٌ لا يقال له "إجماع"، ولفظه: "ما لا يُعلَم فيه خلافٌ فليس إجماعًا" (٣). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل (٤): سمعت أبي يقول: "ما يدَّعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب. من ادَّعى الإجماع فهو كاذب. لعل الناس اختلفوا، ما يَدريه، ولم ينتهِ إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا. هذه دعوى بِشْر المَرِيسي والأصمّ (٥). ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني

стр. 207

ذلك"، هذا لفظه (١). ونصوص رسول الله ﷺ أجلُّ عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يُقدِّموا عليها توهُّمَ إجماعٍ (٢) مضمونُه عدمُ العلم بالمخالف. ولو ساغ هذا لتعطلَّت النصوص، وساغ لكلِّ من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يُقدِّم جهلَه بالمخالف على النصوص. فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده (٣). فصل الأصل الثاني من أصل فتاوى الإمام [١٦/أ] أحمد: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يُعرَف له مخالفٌ منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها. ولم يقل: إنَّ ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئًا يدفعه، أو نحو هذا، كما قال في رواية أبي طالب (٤): لا أعلم شيئًا يدفع قولَ ابن عباس (٥) وابن عمر (٦) وأحد عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأهل

стр. 208

المدينة على تسرِّي العبد (١). وهكذا قال أنس بن مالك: لا أعلم أحدًا ردَّ شهادةَ العبد (٢)، حكاه عنه الإمام أحمد (٣). وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يقدِّم عليه عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا. فصل الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنّة، ولم يخرُج عن أقوالهم. فإن لم يتبيَّن له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزِم بقول. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في "مسائله" (٤): قيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قريةٍ فيُسأل عن الشيء فيه اختلاف. قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه. قيل له: أفتخاف عليه؟ قال: لا. فصل الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجَّحه على القياس (٥). وليس المراد

стр. 209

بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر، ولا ما في رُواته متَّهَم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به. بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسمٌ من أقسام الحسن. [١٦/ب] ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، والضعيفُ (١) عنده مراتب (٢). فإذا لم يجد في الباب (٣) أثرًا يدفعه ولا قولَ صاحب، ولا إجماعَ على خلافه كان العملُ به عنده أولى من القياس. وليس أحد من الأئمة إلّا وهو موافقُه على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنه ما منهم أحدٌ إلّا وقد قدَّم الحديثَ الضعيفَ على القياس. فقدَّم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة (٤) على محض القياس، وأجمع أهل الحديث على ضعفه. وقدَّم حديثَ الوضوء بنبيذ التمر (٥) على

стр. 210

القياس، وأكثرُ أهل الحديث يضعِّفه. وقدَّم حديثَ "أكثر الحيض عشرة أيام" (١) ــ وهو ضعيف باتفاقهم ــ على محض القياس؛ فإنَّ الدَّم الذي تراه في اليوم الحادي عشر (٢) مساوٍ في الحدِّ والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر. وقدَّم حديث "لا مهر أقل من عشرة دراهم" (٣) ــ وأجمعوا على ضعفه، بل بطلانه ــ على محض القياس، فإنَّ بذلَ الصداق معاوضة في مقابلة بذلِ البضع، فما تراضيا عليه جاز قليلًا كان أو كثيرًا (٤).

стр. 211

وقدَّم الشافعيُّ خبر تحريم صيد وَجٍّ (١)، مع ضعفه على القياس. وقدَّم خبرَ جواز الصلاة بمكة في وقت النهي (٢)، مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد. وقدَّم في أحد قوليه حديثَ "من قاء أو رعَف فليتوضَّأ، وَلْيَبْنِ على صلاته" (٣) على القياس، مع ضعف الخبر وإرساله. وأما مالك فإنه يقدِّم الحديثَ المرسل والمنقطع والبلاغات وقولَ الصحابي على القياس. فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نصٌّ، ولا قول [١٧/أ] الصحابة أو واحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف= عدَلَ إلى الأصل الخامس، وهو القياس، فاستعمله للضرورة. وقد قال في "كتاب الخلال": سألتُ الشافعيَّ عن القياس، فقال: إنما (٤)

стр. 212

يُصار إليه عند الضرورة (١)، أو ما هذا معناه. [وقال في رواية أبي الحارث: ما نصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يغنيك؟ وقال في رواية عبد الملك الميموني: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس (٢)] (٣). فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليها مدارها. وقد يتوقَّف في الفتوى لتعارُض الأدلّة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحدٍ من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه (٤): إياك أن تتكلَّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام. وكان يسوِّغ استفتاءَ فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدلُّ عليهم؛ ويمنع من استفتاء من يُعرض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه؛ ولا يسوِّغ العمل بفتواه. قال ابن هانئ (٥): سألتُ أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث:

стр. 213

"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" (١). قال أبو عبد الله ﵀: يفتي بما لم يسمع. قال (٢): وسألتُه عمَّن "أَفْتى بفتيا يَعْيا فيها، فإثمُها على من أفتاها" (٣)، على أي وجه يُفتي حتى يعيا (٤) فيها؟ قال: يفتي بالبَخْت (٥)، لا يدري أيشٍ أصلُها (٦).

стр. 214

وقال أبو داود في "مسائله" (١): ما أحصي ما سمعتُ أحمدَ سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم، فيقول: لا أدري. قال (٢): وسمعتُه يقول: ما رأيتُ مثلَ ابن عيينة في الفتوى أحسنَ فُتيا منه، كان أهون عليه أن يقول: لا أدري. وقال عبد الله بن أحمد في "مسائله" (٣): سمعتُ أبي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجلٌ من أهل الغرب مالكَ بن أنس عن مسألة فقال: لا أدري. [١٧/ب] فقال: يا أبا عبد الله تقول: لا أدري؟ قال: نعم، فأَبلِغْ مَن وراءك أنِّي لا أدري. وقال عبد الله (٤): كنت أسمع أبي كثيرًا يُسأل عن المسائل، فيقول: لا أدري؛ ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف. وكثيرًا ما كان يقول: سَلْ غيري. فإن قيل له: من نسأل؟ قال: سَلُوا العلماء، ولا يكاد يسمِّي رجلًا بعينه. قال (٥): وسمعت أبي يقول: كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق، ويقول: مَن يُحسِن هذا؟

стр. 215

فصل وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرُّعَ في الفتوى، ويودُّ أحدُهم (١) أن يكفيه إياها غيرُه. فإذا رأى أنها قد تعيَّنت عليه بذَلَ اجتهادَه في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين، ثم أفتى. وقال عبد الله بن المبارك (٢): ثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركتُ عشرين ومائةً من أصحاب رسول الله ﷺ ــ أراه قال: في المسجد ــ فما كان منهم محدِّث إلّا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الحديثَ، ولا مفتٍ إلّا ودَّ أنّ أخاه كفاه الفتيا. وقال الإمام أحمد: ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركتُ عشرين ومائةً من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم رجلٌ يُسأل عن شيء إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه، ولا يحدِّث حديثًا إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه (٣). وقال مالك (٤): عن يحيى بن سعيد أنّ بُكَير بن الأشجِّ أخبره عن
следующие страницы →