← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

هذا (١)؟ سَلِ العلماءَ (٢). وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك، فقال: لا تقلِّد دينَك أحدًا من هؤلاء. ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخُذْ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر (٣). وقال إسحاق بن هانئ: سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» فقال: يفتي بما لم يسمع (٤). وقال أيضًا (٥): قلت لأبي عبد الله: يطلب الرجل الحديثَ بقدر ما يظن أنه قد انتفع به. قال: العلم لا يعدِله شيء. وجاءه رجل يسأل عن شيء، فقال: لا أجيبك في شيء. ثم قال: قال عبد الله بن مسعود: إنَّ كلَّ من يفتي الناس في كلِّ ما يستفتونه [٢٠٢/ب] لمجنون. قال الأعمش: فذكرتُ ذلك للحكم (٦)، فقال: لو حدَّثتَني به قبل اليوم ما أفتيتُ في كثير مما كنتُ أفتي به (٧). قال ابن هانئ (٨): وقيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قرية، فيسأل عن

стр. 2522

الشيء الذي فيه اختلاف. قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنَّة، وما لم يوافق الكتابَ والسنَّة أمسك عنه. قيل له: أفتخاف عليه؟ قال: لا. قيل له: ما كان من كلام إسحاق بن راهويه وما كان وُضع في الكتاب وكلام أبي عبيد ومالك، ترى النظر فيه؟ فقال: كلُّ كتاب ابتُدِع فهو بدعة، أو كلُّ كتاب محدَث فهو بدعة. وأما ما كان عن مناظرة يخبر الرجلُ بما عنده، وما يسمع من الفتيا، فلا أرى به بأسًا. قيل له: فكتاب أبي عبيد «غريب الحديث»؟ قال: ذلك شيء حكاه عن قوم أعراب. قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير ترى أن تُكتَب؟ قال: المنكر أبدًا منكر! الفائدة الخامسة والعشرون: في دلالة العالم للمستفتي على غيره . وهو موضع خطر جدًّا، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك، فإنه متسبِّب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه، أو القول عليه بلا علم. فهو (١) معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى؛ فلينظر الإنسان إلى من يدلُّ عليه، وليتَّق الله ربَّه. وكان شيخنا ــ قدَّس الله روحه ــ شديد التجنب لذلك. ودللتُ مرةً بحضرته على مفتٍ أو مذهبٍ، فانتهرني، وقال: ما لك وله؟ دعه (٢). ففهمتُ من كلامه أنك لتبوء (٣) بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه. ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد.

стр. 2523

قال أبو داود في «مسائله» (١): قلت لأحمد: الرجل يَسأل عن المسألة، فأدلُّه على إنسان يسأله؟ فقال: إذا كان ــ يعني الذي أُرْشِدَ إليه ــ يتَّبع (٢) ويفتي بالسنة. فقيل لأحمد: إنه يريد الاتباع، وليس كلُّ قوله يصيب. فقال أحمد: ومن يصيب في كلِّ شيء؟ قلت له: فرأي مالك؟ فقال: لا تتقلد في مثل هذا بشيء. قلت: وأحمد كان يدلّ على أهل المدينة، ويدلّ على الشافعي، ويدلّ على إسحاق. ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه في أنه لا يُستفتَى أهلُ الرأي المخالفون لسنة رسول الله ﷺ ؛ وبالله التوفيق؛ ولا سيَّما كثيرٌ من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره (٣)! وقد رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. قال: ولَبعضُ من يفتي هاهنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق (٤). قال بعض العلماء (٥): فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدامَ من لا علم عنده على الفتيا، وتوثُّبَه عليها، ومدَّ باعِ التكلُّف إليها، وتسلُّقَه بالجهل

стр. 2524

والجرأة عليها، مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة. وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، وليس (١) له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب. لا يبتدئ (٢) جوابًا بإحسان، وإن ساعد القدر ففتواه (٣): كذلك يقول فلان بن فلان (٤). [٢٠٣/أ] يمدُّون للإفتاء باعًا قصيرةً ... وأكثرُهم عند الفتاوى يُكَذْلِكُ وكثير منهم نصيبهم مثلُ ما حكاه أبو محمد بن حزم، قال (٥): كان عندنا مفتٍ قليلُ البضاعة، فكان لا يفتي حتى يتقدَّمه من يكتب الجواب، فيكتب تحته: جوابي مثلُ جواب الشيخ. فقُدِّر أن اختلف مفتيان في جواب، فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين. فقيل له: إنهما قد تناقضا، فقال: وأنا أيضًا تناقضتُ كما تناقضا! وقد أقام الله سبحانه لكلِّ عالم ورئيس وفاضل من يُظهِر مماثلته، ويرى الجهال ــ وهم الأكثرون ــ مساجلته ومشاكلته، وأنه يجري معه في الميدان، وأنهما عند المسابقة كفرسَي رِهان، ولا سيما إذا طوَّل الأردان، وأرخى

стр. 2525

الذَّنَب الطويل (١) وراءه كذنَب الأتان، وهذَر (٢) باللسان، وخلا له الميدان الطويل من الفرسان. فلو لبِس الحمارُ ثيابَ هذا (٣) ... لقال الناس: يا لك من حمار! وهذا الضرب إنما يُستفتَون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية. قد غرَّهم عكوفُ من لا علم عنده عليهم، ومسارعةُ مَن أجهلُ منهم إليهم. تعِجُّ منهم الحقوق إلى الله عجيجًا، وتضِجُّ منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا. فمَن أقدَم بالجرأة على ما ليس له بأهل من فتيا أو قضاء أو تدريس استحقَّ اسم الذم، ولم يحِلَّ قبولُ فتياه ولا قضائه. هذا حكم دين الإسلام. وإن رغِمَتْ أنوفٌ من أناس ... فقل: يا ربِّ لا تُرغِمْ سواها الفائدة السادسة والعشرون في حكم كذلكة المفتي: ولا يخلو من حالين: إما أن يعلم صوابَ جوابِ مَن تقدَّمه بالفتيا، أو لا يعلم. فإن علِم صوابَ جوابه فله أن يُكَذْلِكَ. وهل الأولى له (٤) الكذلكة، أو الجواب المستقل؟ فيه تفصيل. فلا يخلو المبتدئ إما أن يكون أهلًا أو متسلِّقًا متعاطيًا ما ليس له بأهل. فإن كان الثاني فتركُ (٥) الكذلكة أولى مطلقًا، إذ في كذلكته

стр. 2526

تقريرٌ له على الإفتاء، وهو كالشهادة له بالأهلية. وكان بعض أهل العلم يضرب على فتوى من كتَب وليس بأهل. فإن لم يتمكَّن من ذلك خوف الفتنة (١)، فقد قيل: لا يكتب معه في الورقة، ويردُّ السائل. وهذا نوع تحامل. والصواب أنه يكتب في الورقة الجواب، ولا يأنف من الإخبار بدين الله الذي يجب عليه الإخبار به، لكتابة من ليس بأهل؛ فإن هذا ليس عذرًا عند الله ورسوله وأهل العلم في كتمان الحق. بل هذا نوع رياسة وكبر، والحقُّ لله ، فكيف يجوز أن يعطِّل حقَّ الله ويكتم دينَه لأجل كتابة من ليس بأهل؟ وقد نصَّ الإمام أحمد على أن الرجل إذا شهد الجنازةَ، فرأى فيها منكرًا لا يقدر على إزالته= أنه لا يرجع. ونصَّ على أنه إذا دُعي إلى وليمة عرسٍ، فرأى فيها منكرًا لا يقدر على إزالته= أنه يرجع. فسألتُ شيخنا عن الفرق، فقال: لأن الحق في الجنازة للميت، فلا يترك حقَّه لما فعله الحيُّ من المنكر. [٢٠٣/ب] والحقُّ (٢) في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقَّه من الإجابة (٣). وإن كان المبتدئ بالجواب أهلًا للإفتاء، فلا يخلو إما أن يعلم المُكَذلِكُ صوابَ جوابه، أو لا يعلم. فإن لم يعلم صوابه لم يجُز له أن يُكَذلِك تقليدًا له، إذ لعله أن يكون قد غلط، ولو نُبِّه لرجع، وهو معذور؛ وليس المُكذلك معذورًا، بل مفتٍ بغير علم. ومن أفتى بغير علم فإثمه على

стр. 2527

من أفتاه، وهو أحد المفتين الثلاثة الذين هم (١) في النار. وإن علِم أنه قد أصاب، فلا يخلو إما أن تكون المسألة ظاهرةً لا يخفى وجهُ الصواب فيها بحيث لا يُظَنُّ بالمكذلك أنه قلَّده فيما لا يعلم، أو تكون خفيّةً. فإن كانت ظاهرةً فالأولى الكذلكة، لأنه إعانة على البر والتقوى، وشهادة للمفتي بالصواب، وبراءة من الكبر والحمية. وإن كانت خفيةً بحيث يُظَنُّ بالمكذلك أنه وافقه تقليدًا محضًا، فإن أمكنه إيضاح ما أشكله الأول أو زيادة بيان، أو ذكرُ قيدٍ، أو تنبيهٌ على أمرٍ أغفله= فالجواب المستقلّ أولى. وإن لم يمكنه ذلك فإن شاء كَذْلَكَ، وإن شاء أجاب استقلالًا. فإن قيل: ما الذي يمنعه من الكذلكة إذا لم يعلم صوابه تقليدًا له، كما قلَّد المبتدئ مَن فوقه؟ فإذا أفتى الأول بالتقليد المحض فما الذي يمنع المكذلك من تقليده؟ قيل: الجواب من وجوه: أحدها: أن الكلام في المفتي الأول أيضًا. فقد نصَّ الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة على أنه لا يحِلُّ للرجل أن يفتي بغير علم، وحكي في ذلك الإجماع. وقد تقدَّم ذكر ذلك مستوفًى. الثاني: أن هذا الأول وإن جاز له التقليد للضرورة، فهذا المُكَذْلِك المتكلِّف لا ضرورة له إلى تقليده؛ بل هذا من بناء الضعيف على الضعيف. وذلك لا يسوغ، كما لا تسوغ الشهادة على الشهادة، وكما لا يجوز المسح

стр. 2528

على الخفين على طهارة التيمم، ونظائرُ ذلك (١). الثالث: أن هذا لو ساغ لصار الناس كلُّهم مفتين، إذ ليس هذا بجواز تقليد المفتي أولى من غيره. وبالله التوفيق. الفائدة السابعة والعشرون: يجوز للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له؛ وإن لم يجز أن يشهد له، ولا يقضي له. والفرق بينهما أن الإفتاء يجري مجرى الرواية، فكأنه حكم عامٌّ، بخلاف الشهادة والحكم فإنه يخصُّ المشهودَ له والمحكومَ له. ولهذا يدخل الراوي في حكم الحديث الذي يرويه، ويدخل في حكم الفتوى التي يفتي بها، ولكن لا يجوز له أن يحابي من يفتيه (٢) فيفتي أباه أو ابنه أو صديقه بشيء، ويفتي غيرهم بضدِّه محاباةً. بل هذا يقدح في عدالته، إلا أن يكون ثَمَّ سببٌ يقتضي التخصيص غير المحاباة. ومثال هذا: أن يكون في المسألة قولان: قول بالمنع وقول بالإباحة، فيفتي ابنه وصديقه بقول الإباحة، والأجنبيَّ بقول المنع. فإن قيل: فهل (٣) يجوز له أن يفتي نفسه؟ قيل: نعم، إذا كان له أن يفتي غيره. وقد قال النبيُّ ﷺ : «استفتِ قلبَك ... وإن أفتاك المفتون» (٤). فيجوز له أن يفتي نفسه بما يفتي به غيره، ولا يجوز

стр. 2529

له أن يفتي نفسه بالرخصة، وغيرَه بالمنع. ولا يجوز له إذا كان في المسألة قولان: [٢٠٤/أ] قول بالجواز وقول بالمنع، أن يختار لنفسه قولَ الجواز، ولغيره قولَ المنع. وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه: يكون عندهم في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها الجواز، والثاني المنع، والثالث التفصيل، فالجواز لهم، والمنع لغيرهم وعليه العمل. الفائدة الثامنة والعشرون: لا يجوز للمفتي أن يعمل بما يشاء (١) من الأقوال والوجوه، من غير نظر في الترجيح، ولا يعتدّ به، بل يكتفي في العمل بمجرَّد كون ذلك قولًا قاله إمام، أو وجهًا ذهب إليه جماعة، فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال: حيث رأى القول وفقَ إرادته وغرضه عمِلَ به، فإرادتُه وغرضُه هو العِيار (٢)، وبها الترجيح؛ وهذا حرامٌ باتفاق الأمة (٣). وهذا مثلُ ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي (٤) عن بعض أهل زمانه

стр. 2530

ممن نصب نفسه للفتوى أنه كان يقول: إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومةٌ أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه. قال: وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضرُّه، وكان غائبًا فلما حضر سألهم بنفسه، فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتَوه بالرواية الأخرى التي توافقه. قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يُعتدُّ بهم في الإجماع أنه لا يجوز. وقد قال مالك في اختلاف الصحابة ﵃: «مخطئ، ومصيب؛ فعليك بالاجتهاد» (١). وبالجملة، فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهِّي والتخيُّر وموافقة الغرض، فيطلبَ القولَ الذي يوافق غرضَه وغرضَ من يحابيه، فيعمل به، ويفتي ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضدِّه. وهذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر. والله المستعان (٢). الفائدة التاسعة والعشرون: المفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام: أحدها (٣): العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة. فهو

стр. 2531

المجتهد في أحكام النوازل، يقصد (١) فيها موافقةَ الأدلة الشرعية حيث كانت. ولا ينافي اجتهادُه تقليدَه لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلِّد من هو أعلم منه في بعض الأحكام. وقد قال الشافعي في موضع من الحج: قلته تقليدًا لعطاء (٢). فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم النبي ﷺ : «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مائة سنة مَن يجدِّد لها دينها» (٣) وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب: لن تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجته (٤). فصل النوع الثاني: مجتهد مقيَّد في مذهب من ائتمَّ به. فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومآخذه وأصوله، عارف بها، متمكِّن من التخريج عليها وقياس ما لم ينُصَّ من ائتمَّ به عليه على منصوصه، من غير أن يكون مقلِّدًا لإمامه، لا في الحكم ولا في الدليل؛ لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتَّبه وقرَّره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا. وقد ادَّعى هذه المرتبة [٢٠٤/ب] من الحنابلة القاضي أبو يعلى، والقاضي أبو علي بن أبي موسى في «شرح الإرشاد» الذي له، ومن الشافعية

стр. 2532

خلق كثير (١). وقد اختلفت الحنفية في أبي يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل، والشافعية في المزني وابن سريج وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزي، والمالكية في أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب، والحنابلة في ابن حامد (٢) والقاضي: هل كان هؤلاء مستقلِّين بالاجتهاد، أو متقيِّدين بمذاهب أئمتهم؟ على قولين. ومن تأمَّل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علِمَ أنهم لم يكونوا مقلِّدين لأئمتهم في كلِّ ما قالوه، وخلافُهم لهم أظهر من أن يُنكَر، وإن كان منهم المستقِلّ والمستكثر. ورتبة هؤلاء دون رتبة الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد. فصل النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرِّر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها؛ لكن لا يتعدَّى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نصَّ إمامه لم يعدِل عنه إلى غيره البتة. وهذا شأن أكثر المصنِّفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف. وكثير منهم يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية، لكونه مجتزئًا (٣) بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، قد (٤) اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه الإمام استنباطَ الأحكام ومؤنةَ استخراجها من

стр. 2533

النصوص. وقد يرى إمامَه ذكر حكمًا بدليله، فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له. وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق، والكتب المطوَّلة والمختصرة. وهؤلاء لا يدَّعون الاجتهاد، ولا يُقِرُّون بالتقليد. وكثير منهم يقول: اجتهدنا في المذاهب، فرأينا أقربها إلى الحقِّ مذهب إمامنا. وكلٌّ منهم يقول ذلك عن إمامه، ويزعم أنه أولى بالاتباع من غيره. ومنهم من يغلو فيوجب اتباعه، ويمنع من اتباع غيره. فيا لله العجب من اجتهادٍ نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلَّدهم أعلمَ من غيره، وأحقَّ بالاتباع من سواه، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائرٌ معه؛ وقعد بهم عن الاجتهاد في كلام الله ورسوله، واستنباط الأحكام منه، وترجيح ما يشهد له النص، مع استيلاء كلام الله ورسوله على غاية البيان، وتضمُّنه لجوامع الكلم، وفصلهِ للخطاب، وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطراب. فقعدت بهم هممهم واجتهادهم عن الاجتهاد فيه، ونهضت بهم إلى الاجتهاد في كون إمامهم أعلمَ الأمة وأولاها بالصواب، وأقوالِه في غاية القوة وموافقة السنة والكتاب! فالله (١) المستعان. فصل النوع الرابع: طائفة تفقَّهت في مذاهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرَّت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه. فإن ذكروا الكتاب والسنة يومًا ما في مسألة فعلى وجه التبرُّك والفضيلة، لا على وجه

стр. 2534

الاحتجاج والعمل. وإذا رأوا حديثًا صحيحًا مخالفًا لقول من انتسبوا إليه أخذوا بقوله، وتركوا الحديث. وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وغيرهم من الصحابة ﵃ قد أفتوا بفتيا، [٢٠٥/أ] ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفها أخذوا بفتيا إمامهم وتركوا فتاوى الصحابة قائلين: الإمام أعلم بذلك منَّا، ونحن قد قلَّدناه فلا نتعدَّاه ولا نتخطَّاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منَّا. ومن عدا هؤلاء فمتكلِّف متخلِّف، قد ربأ (١) بنفسه عن رتبة المشتغلين، وقصَّر عن درجة المحصِّلين، فهو مُكَذْلِكٌ مع المكذلكين. وإن ساعد القدر، واستقلَّ بالجواب قال: يجوز بشرطه، ويصح بشرطه، ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي، ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم؛ ونحو ذلك من الأجوبة التي يُحسنها كلُّ جاهل، ويستحيي منها كلُّ فاضل. ففتاوى القسم الأول من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم، وفتاوى النوع الثاني من جنس توقيعات نوَّابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم. ومن عداهم فمتشبِّع بما لم يُعْطَ، متشبِّه بالعلماء، محاكٍ للفضلاء. وفي كلِّ طائفة من الطوائف متحقِّق بفنِّه (٢)، ومحاكٍ له متشبِّه به، والله المستعان. الفائدة الثلاثون: إذا كان الرجل مجتهدًا في مذهب إمام، ولم يكن

стр. 2535

مستقلًّا بالاجتهاد، فهل له أن يفتي بقول (١) ذلك الإمام؟ على قولين، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد: أحدهما: الجواز، ويكون متبعه مقلِّدًا للميت، لا له، وإنما له مجرَّد النقل عن الإمام. والثاني: لا يجوز له أن يفتي، لأن السائل مقلِّد له، لا للميِّت، وهو لم يجتهد له، والسائل يقول (٢): أنا أقلِّدك فيما تفتيني به. والتحقيق: أن هذا فيه تفصيل. فإن قال له السائل: أريد (٣) حكم الله في هذه المسألة، أو أريد الحقَّ، أو ما يخلِّصني ونحو ذلك= لم يسعه إلا أن يجتهد له في الحق، ولا يسعه أن يفتيه بمجرَّد تقليد غيره، من غير معرفة بأنه حق أو باطل. وإن قال له: أريد أن أعرف في هذه النازلة قول الإمام ومذهبه، ساغ له الإخبار به، ويكون ناقلًا له، ويبقى الدَّرَك (٤) على السائل. فالدرك في الوجه الأول على المفتي، وفي الثاني على المستفتي. الفائدة الحادية والثلاثون: هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجِب لصحة العمل بها؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي. فمن منعه قال: يجوز تغيُّر اجتهاده لو كان حيًّا، فإنه كان يجدِّد النظر عند نزول هذه النازلة إما وجوبًا وإما استحبابًا، على النزاع

стр. 2536

المشهور، ولعله لو جدَّد النظر لرجع عن قوله الأول. والثاني: الجواز، وعليه عملُ جميع المقلِّدين في أقطار الأرض. وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات، ومن منع منهم تقليدَ الميت فإنما هو شيء يقوله بلسانه، وعملُه في فتاويه وأحكامه بخلافه. والأقوال لا تموت بموت قائليها (١)، كما لا تموت الأخبار بموت رواتها وناقليها. الفائدة الثانية والثلاثون: الاجتهاد حالةٌ تقبل التجزِّي (٢) والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم، مقلِّدًا في غيره، أو في باب من أبوابه؛ كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض [٢٠٥/ب] وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج، أو غير ذلك؛ فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوِّغةً له الإفتاء بما لا يعلم في غيره. وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحُّها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها. فحجة الجواز: أنه قد عرف الحقَّ بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب؛ فحكمه في ذلك النوع (٣) حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع.

стр. 2537

وحجة المنع: تعلُّق أبواب الشرع وأحكامه بعضِها ببعض، فالجهلُ ببعضها مظنَّة للتقصير في الباب والنوع الذي (١) عرفه. ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعِدَد (٢) وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلَّق به، وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه. ومن فرَّق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع أحكام قسمة المواريث ومعرفة الفروض ومستحقِّها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنضال وغيرها، وعدم تعلُّقاتها (٣). وأيضًا فإن عامة أحكام المواريث قطعية، وهي منصوص عليها في كتاب الله (٤). فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين، هل له أن يفتي بهما؟ قيل: نعم يجوز في أصحِّ القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد. وهل هذا إلا من التبليغ عن الله ورسوله (٥)؟ وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيرًا، ومنعُ هذا من الإفتاء بما علِمَ خطأ محض. وبالله التوفيق. الفائدة الثالثة والثلاثون: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم

стр. 2538

عاص. ومن أقرَّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا. قال أبو الفرج بن الجوزي (١): ويلزم وليَّ الأمر منعُهم كما فعل بنو أمية. وهؤلاء بمنزلة من يدلُّ الركبَ وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطُبّ الناس؛ بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلِّهم. وإذا تعيَّن على ولي الأمر منعُ من لم يحسن التطبُّب من مداواة المرضى (٢)، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟ وكان شيخنا ﵁ شديد الإنكار على هؤلاء. فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعِلتَ محتسبًا على الفتوى؟ فقلتُ له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟ وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي ﷺ مرفوعًا: «من أُفتيَ بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه» (٣). وفي «الصحيحين» (٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ : «أن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء. فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساءَ جُهَّالًا؛ فسئلوا، فأفتَوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا».

стр. 2539

وفي أثر مرفوع ذكره أبو الفرج (١) وغيره [٢٠٦/أ]: «من أفتى الناسَ بغير علم لعنته ملائكةُ السماء وملائكةُ الأرض». وكان مالك ﵀ يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له من (٢) قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها (٣). وسئل عن مسألة، فقال: لا أدري. فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة. فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف. أما سمعتَ قول الله : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]؟ فالعلم كلُّه ثقيل، وخاصةً ما يسأل عنه يومَ القيامة (٤). وقال: ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهلٌ لذلك. وقال: لا ينبغي لرجل أن يرى نفسَه أهلًا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه. وما أفتيتُ حتى سألتُ ربيعة ويحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، ولو نهياني انتهيت. قال: وإذا كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعب عليهم المسائل، ولا يجيب أحد منهم

стр. 2540

عن مسألة حتى يأخذ رأيَ صاحبه، مع ما رُزِقوا من السداد والتوفيق والطهارة؛ فكيف بنا الذين غطَّت الذنوب والخطايا قلوبنا؟ وكان ﵀ إذا سئل عن مسألة فكأنه واقف بين الجنة والنار (١). وقال عطاء بن أبي رباح (٢): أدركت أقوامًا إن كان أحدُهم لَيُسأل عن الشيء (٣) فيتكلَّم وإنه لَيُرعَد (٤). وسئل النبيُّ ﷺ : أي البلاد شرٌّ؟ فقال: «لا أدري حتى أسأل جبريل». فسأله، فقال: «أسواقها» (٥). وقال الإمام أحمد: من عرَّض نفسه للفتيا فقد عرَّضها لأمر عظيم، إلا أنه قد تلجئ الضرورة (٦).

стр. 2541

وسئل الشعبيُّ عن شيء (١)، فقال: لا أدري. فقيل (٢): ألا تستحيي من قولك لا أدري، وأنت فقيه أهل العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] (٣). وقال بعض أهل العلم (٤): تعلَّمْ «لا أدري»، فإنك إن قلتَ: «لا أدري» علَّموك حتى تدري. وإن قلت: «أدري» سألوك حتى لا تدري. وقال عُقبة (٥) بن مسلم: صحبتُ ابن عمر أربعة وثلاثين شهرًا، فكان كثيرًا ما يُسأَل، فيقول: لا أدري (٦). وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يُفتي فتيا ولا يقول شيئًا إلا قال: اللهم سلِّمني، وسلِّم مني (٧).

стр. 2542

وسئل الشافعي عن مسألة، فسكت. فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري: الفضلُ في سكوتي أو في الجواب (١). وقال ابن أبي ليلى: أدركتُ مائةً وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردُّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتّى ترجعَ إلى الأول. وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يُسأل عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه (٢). وقال أبو حَصِين (٣) الأسدي: إن أحدهم لَيفتي في المسألة، لو وردَتْ على عمر بن الخطاب لجمَع لها أهلَ بدر (٤). وسئل القاسم بن محمد عن شيء، فقال: إني لا أحسنه. فقال له السائل: إني جئت إليك (٥) لا أعرف غيرك. فقال له القاسم: لا تنظر إلى

стр. 2543

طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أُحسِنه. فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: والله لأن يُقطَع لساني أحبُّ إليَّ من أن أتكلَّم بما لا علم لي به. [٢٠٦/ب] وكتب سلمان إلى أبي الدرداء، وكان بينهما مؤاخاة: بلغني أنك قعدت طبيبًا فاحذر أن تكون متطبِّبًا أو تقتل مسلمًا! فكان ربما جاءه الخصمان، فيحكم بينهما، ثم يقول: ردُّوهما عليَّ، متطبِّب والله، أَعِيدا عليَّ قضيتكما (١). الفائدة الرابعة والثلاثون: إذا نزلت بالعامِّيِّ نازلة، وهو في مكان لا يجد من يسأله عن حكمها، ففيه طريقان للناس: إحداهما (٢): أنه (٣) له حكم ما قبل الشرع، على الخلاف في الحظر والإباحة والوقف؛ لأن عدم المرشد في حقِّه بمنزلة عدم المرشد بالنسبة إلى الأمة. والطريقة الثانية: أنه يخرَّج على الخلاف في مسألة تعارض الأدلة عند المجتهد، هل يعمل بالأخفِّ, أو بالأشدِّ، أو يتخيَّر؟ والصواب أنه يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويتحرَّى الحق بجهده ومعرفة مثله. وقد نصب الله تعالى على الحق أماراتٍ كثيرةً، ولم يسوِّ الله سبحانه بين ما يحبه وبين ما

стр. 2544

يسخطه من كلِّ وجه، بحيث لا يتميَّز هذا من هذا. ولا بد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق، مؤثِرة له، ولا بد أن يقوم لها عليه بعضُ الأمارات المرجِّحة, ولو بمنام أو بإلهام. فإن قُدِّر ارتفاعُ ذلك كلِّه، وعُدِمت في حقِّه جميعُ الأمارات، فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة، ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة، وإن كان مكلَّفًا بالنسبة إلى غيرها؛ فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكُّن من العلم والقدرة. والله أعلم. الفائدة الخامسة والثلاثون: الفتيا أوسع من الحكم والشهادة، فيجوز فتيا العبد والحر، والمرأة والرجل، والقريب (١) والأجنبي، والأمّي والقارئ، والأخرس بكتابته والناطق، والعدو والصديق. وفيه وجه أنه لا تُقبَل فتيا العدو، ولا من لا تُقبَل شهادته له كالشهادة. والوجهان في الفتيا كالوجهين في الحكم، وإن كان الخلاف في الحاكم أشهر. وأما فتيا الفاسق فإن أفتى غيرَه لم تُقبَل فتواه، وليس للمستفتي أن يستفتيه. وله أن يعمل بفتوى نفسه، ولا يجب عليه أن يستفتي غيره. وفي جواز استفتاء مستور الحال وجهان، والصواب جواز استفتائه وإفتائه. قلت: وكذلك الفاسق, إلا أن يكون معلنًا بفسقه داعيًا إلى بدعته، فحكمُ استفتائه حكمُ إمامته وشهادته. وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة والعجز. فالواجب شيء، والواقع شيء. والفقيه من يطبِّق بين الواقع والواجب، وينفِّذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يُلقي العداوة

стр. 2545

بين الواجب والواقع. فلكلِّ زمان حكمٌ، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. وإذا عمَّ الفسوق وغلب على أهل الأرض، فلو مُنِعت (١) إمامةُ الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعُطِّلت الأحكام، وفسد نظام الخلق، وبطلت أكثر الحقوق. ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح، وهذا عند القدرة والاختيار. وأما عند الضرورة والغلبة بالباطل، فليس إلا الاصطبار، والقيام بأضعف مراتب الإنكار. [٢٠٧/أ] الفائدة السادسة والثلاثون: لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما تجوز الفتيا (٢) به، ووجوبها إذا تعيَّنت. ولم يزل أمر السلف والخلف على هذا، فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور، والذين لا يجوِّزون قضاء الجاهل. فالقاضي مفتٍ، ومثبت، ومنفِّذ لما أفتى به. وذهب بعض الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي إلى أنه يُكره للقاضي أن يفتي في مسائل الأحكام المتعلقة به، دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها (٣). واحتجَّ أرباب هذا القول بأن فتياه تصير كالحكم منه على الخصم، ولا يمكن نقضُه وقت المحاكمة. قالوا: ولأنه قد يتغيَّر اجتهاده وقت الحكومة، أو تظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء؛ فإن أصرَّ على فتياه والحكم

стр. 2546

بموجبها حكَم بخلاف ما يعتقد صحته، وإن حكَم بخلافها طرق الخصمُ إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكُم بخلاف ما يعتقده ويفتي به. ولهذا قال شريح: أنا أقضي لكم، ولا أفتي (١). حكاه ابن المنذر (٢)، واختار كراهية الفتوى في مسائل الأحكام. وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني (٣): لأصحابنا في فتواه في مسائل الأحكام جوابان. أحدهما: أنه ليس له أن يفتي فيها، لأن لكلام الناس عليه مجالًا، ولأحد الخصمين عليه مقالًا. والثاني: له ذلك، لأنه أهل له. الفائدة السابعة والثلاثون: فتيا الحاكم ليست حكمًا منه، فلو (٤) حكم غيرُه بخلاف ما أفتى به لم يكن نقضًا لحكمه. ولا هي كالحكم، ولهذا يجوز أن يفتي الحاضرَ والغائبَ ومن يجوز حكمه له ومن لا يجوز. ولهذا لم يكن في حديث هند (٥) دليل على الحكم على الغائب، لأنه ﷺ إنما أفتاها فتوى مجرَّدة، ولم يكن ذلك حكمًا على الغائب، فإنه لم يكن غائبًا عن البلد، وكانت مراسلته وإحضاره ممكنة، ولا طلب البينة على صحة دعواها. وهذا ظاهر بحمد الله.

стр. 2547

الفائدة الثامنة والثلاثون: إذا سأل المستفتي عن مسألة لم تقع، فهل تستحَبُّ إجابته، أو تُكرَه، أو يخيَّر؟ فيه ثلاثة أقوال. وقد حكي عن كثير من السلف (١) أنه كان لا يتكلَّم فيما لم يقع. وكان بعض السلف إذا سأله الرجل عن مسألة قال: هل كان ذلك؟ فإن قال: نعم، تكلَّف له الجواب، وإلا قال: دعنا في عافية (٢). وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلَّم في مسألة ليس لك فيها إمام (٣). والحقُّ: التفصيل. فإن كان في المسألة نصٌّ من كتاب الله أو سنَّةٍ عن رسول الله ﷺ أو أثرٍ عن الصحابة لم يُكرَه الكلام فيها. وإن لم يكن فيها نصٌّ ولا أثر، فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدَّرةً لا تقع لم يُستحَبَّ له الكلام فيها. وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرضُ السائل الإحاطةُ بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت= استُحِبَّ له الجواب بما يعلم، لا سيما إن كان السائل يتفقَّه بذلك، ويعتبر بها نظائرها، ويفرِّع عليها. فحيث كانت مصلحة الجواب راجحةً كان هو الأولى. والله أعلم. الفائدة التاسعة [٢٠٧/ب] والثلاثون: لا يجوز للمفتي تتبُّعُ الحيل المحرَّمة والمكروهة، ولا تتبُّع الرخص لمن أراد نفعه. فإن تتبَّعَ ذلك فسَقَ، وحرُم استفتاؤه وإن (٤) حسن قصدُه في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة

стр. 2548

لتخليص (١) المستفتي بها من حرجٍ جاز ذلك، بل استُحِبَّ. وقد أرشد الله سبحانه نبيَّه أيوب إلى التخلُّص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثًا، فيضرب به المرأة ضربة واحدة (٢). وأرشد النبيُّ ﷺ بلالًا إلى بيع التمر بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرًا آخر، فيتخلَّص من الربا (٣). فأحسنُ المخارج ما خلص من المآثم، وأقبحُ الحيل ما أوقع في المحارم، أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحقِّ اللازم. وقد ذكرنا من النوعين ما لعلك لا تظفر بجملته في غير هذا الكتاب. والله الموفق للصواب. الفائدة الأربعون في حكم رجوع المفتي عن فتياه: إذا أفتى المفتي بشيءٍ ثم رجع عنه، فإن علِم المستفتي برجوعه ولم يكن عمِل بالأول فقيل: يحرُم عليه العمل به (٤). وعندي في المسألة تفصيل، وأنه لا يحرم عليه الأول بمجرَّد رجوع المفتي، بل يتوقَّف حتى يسأل غيرَه. فإن أفتاه بموافقة الأول استمرَّ على العمل به، وإن أفتاه بموافقة الثاني، ولم يُفْتِه أحدٌ بخلافه، حرُم عليه العمل بالأول. وإن لم يكن في البلد إلا مفتٍ واحد سأله عن رجوعه عما أفتاه به، فإن رجع إلى اختيار خلافه مع تسويغه لم يحرُم عليه. وإن رجع لخطأٍ بان له، وأن ما أفتاه به لم يكن صوابًا، حرُم عليه العمل بالأول.

стр. 2549

هذا إذا كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي. فإن كان رجوعه لمجرَّد ما بان له أن ما أفتى به (١) خلافُ مذهبه لم يحرُم على المستفتي ما أفتاه به أولًا، إلا أن تكون المسألة إجماعية. فلو تزوَّج بفتواه ودخل، ثم رجع المفتي، لم يحرُم عليه إمساك امرأته إلا بدليل شرعي يقتضي تحريمها. ولا يجب عليه مفارقتها بمجرَّد رجوعه، ولا سيَّما إن كان إنما رجع لكونه تبيَّن له أن ما أفتى به خلافُ مذهبه، وإن وافق مذهب غيره. هذا هو الصواب. وأطلق بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي وجوبَ مفارقتها عليه، وحكوا في ذلك وجهين، ورجَّحوا وجوب المفارقة. قالوا: لأن المرجوع عنه ليس مذهبًا له، كما لو تغيَّر اجتهادُ من قلَّده في القبلة في أثناء الصلاة، فإنه يتحوَّل مع الإمام في الأصح (٢). فيقال لهم: المستفتي قد دخل بامرأته دخولًا صحيحًا سائغًا، ولم يقُمْ ما يوجب مفارقته لها من نصٍّ ولا إجماع، فلا يجب عليه مفارقتها بمجرَّد تغيُّر اجتهاد المفتي. وقد رجع عمر بن الخطاب ﵁ عن القول بالتشريك، وأفتى بخلافه، ولم يأخذ المال من الذين شرَّك بينهم أولًا (٣). وأما قياسكم ذلك على من تغيَّر اجتهاده في معرفة القبلة، فهو حجة عليكم؛ فإنه لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد الأول، ويلزمه التحوُّل ثانيًا لأنه مأمور بمتابعة الإمام. بل نظير مسألتنا: ما لو تغيَّر اجتهاده بعد الفراغ من الصلاة، فإنه لا تلزمه الإعادة، ويصلِّي الثانية بالاجتهاد الثاني.

стр. 2550

وأما قول أبي عمرو بن الصلاح (١)، وأبي عبد الله بن حمدان (٢) من أصحابنا: «إذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب [٢٠٨/أ] إمام معيَّن، فإذا رجع لكونه بان له قطعًا أنه خالف في فتواه نصَّ مذهب إمامه، فإنه يجب نقضُه، وإن كان ذلك في محل الاجتهاد؛ لأن نصَّ مذهب إمامه في حقِّه كنصِّ الشارع في حقِّ المفتي المجتهد المستقل»؛ فليس كما قالا. ولم ينصَّ على هذه المسألة أحد من الأئمة، ولا تقتضيها أصول الشريعة. ولو كان نصُّ إمامه بمنزلة نصِّ الشارع لَحرُم عليه وعلى غيره مخالفته، وفسَقَ بخلافه. ولم يوجب أحد من الأئمة نقضَ حكم الحاكم ولا إبطالَ فتوى المفتي بكونه خلاف قول زيد أو عمرو، ولا يُعلَم أحدٌ سوَّغ النقضَ بذلك من الأئمة والمتقدمين من أتباعهم، وإنما قالوا: يُنقَض من حكم الحاكم ما خالف نصَّ كتاب أو سنة أو إجماع الأمة، ولم يقل أحد: يُنقَض من حكمه ما خالف قول فلان أو فلان. وينقض من فتوى المفتي ما ينقض من حكم الحاكم، فكيف يسوغ نقضُ أحكام الحكام وفتاوى أهل العلم بكونها خالفت قولَ واحدٍ من الأئمة، ولا سيَّما إذا وافقت نصًّا عن رسول الله ﷺ أو فتاوى الصحابة؟ أيسوغ نقضُها لمخالفة قول فلان وحده، ولم يجعل الله ولا رسوله ولا أحد من الأئمة قولَ فقيه من الأمة بمنزلة نصِّ الله ورسوله بحيث يجب اتباعُه ويحرُم خلافه؟

стр. 2551

فإذا بان للمفتي أنه خالف إمامه ووافق قول الأئمة الثلاثة لم يجب على الزوج أن يفارق امرأته, ويخرِّب بيتَه, ويشتِّت شملَه وشملَ أولاده, بمجرَّد كون المفتي ظهر له أن ما أفتى به خلافُ نصِّ إمامه. ولا يحِلُّ له أن يقول له: «فارِقْ أهلَك» بمجرَّد ذلك، ولا سيما إن كان النص مع قول الثلاثة. وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر من أن نتكلَّف بيانه. فإن قيل: فما تقولون لو تغيَّر اجتهاد المفتي، فهل يلزمه إعلام المستفتي؟ قيل: اختُلِف في ذلك. فقيل: لا يلزمه إعلامه، فإنه عمل أولًا بما يسوغ له، فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثمًا، فهو في سعة من استمراره. وقيل: بل يلزمه إعلامه، لأن ما رجع عنه قد اعتقد بطلانه، وبان له أنَّ ما أفتاه (١) ليس من الدين، فيجب عليه إعلامه؛ كما جرى لعبد الله بن مسعود حين أفتى رجلًا بحِلِّ أم امرأته التي فارقها قبل الدخول، ثم سافر إلى المدينة وتبيَّن له خلاف هذا القول، فرجع إلى الكوفة، وطلب الرجل (٢)، وفرَّق بينه وبين أهله (٣). وكما جرى للحسن بن زياد اللؤلؤي لما استُفتي في مسألة، فأخطأ فيها، ولم يعرف الذي أفتاه (٤)، فاستأجر مناديًا ينادي أن الحسن بن زياد استُفْتي يومَ (٥) كذا وكذا في مسألة، فأخطأ. فمن كان أفتاه الحسن بن زياد

стр. 2552

بشيء فليرجع إليه. ثم لبث أيامًا لا يُفتي حتى وجد (١) صاحبَ الفتوى، فأعلمه أنه قد أخطأ، وأن الصواب خلاف ما أفتاه به (٢). قال القاضي أبو يعلى في «كفايته» (٣): من أفتى بالاجتهاد ثم تغيَّر اجتهاده لم يلزمه إعلامُ المستفتي بذلك إن كان قد عمل به، وإلا أعلَمه. والصواب: التفصيل. فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعًا بكونه (٤) خالف نصَّ الكتاب أو السنة التي لا معارض لها، أو خالف إجماعَ الأمة، وجب عليه (٥) إعلام المستفتي. وإن كان [٢٠٨/ب] إنما ظهر له أنه خالف مجرَّدَ مذهبه أو نصَّ إمامه لم يجب عليه إعلام المستفتي. وعلى هذا تُخرَّج قصة ابن مسعود، فإنه لما ناظر الصحابةَ في تلك المسألة بيَّنوا له أن صريح الكتاب يحرِّمها، لكون الله أبهمها فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وظنَّ عبد الله أن قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] راجع إلى الأول والثاني. فبيَّنوا له أنه إنما يرجع إلى أمهات

стр. 2553

الربائب خاصّةً، فعرَف أنه الحقُّ، وأن القول بحِلِّها خلافُ كتاب الله، ففرَّق بين الزوجين. ولم يفرِّق بينهما بكونه تبيَّن له أن ذلك خلاف قول زيد أو عمرو. والله أعلم. الفائدة الحادية والأربعون: إذا عمل المستفتي بفتيا مفتٍ في إتلاف نفس أو مال، ثم بان خطؤه. فقال (١) أبو إسحاق الإسفراييني من الشافعية: يضمن المفتي إن كان أهلًا للفتوى وخالف القاطعَ. وإن لم يكن أهلًا فلا ضمان عليه، لأن المستفتي قصَّر في استفتائه وتقليده (٢). ووافقه على ذلك أبو عبد الله بن حمدان في كتاب «أدب المفتي والمستفتي» (٣) له، ولم أعرف هذا لأحد من الأصحاب قبله. ثم حكى وجهًا آخر في تضمين من ليس بأهل، قال: لأنه تصدَّى لما ليس له بأهل، وغرَّ من استفتاه بتصدِّيه لذلك. قلت: خطأ المفتي كخطأ الحاكم والشاهد، وقد اختلفت الرواية في خطأ الحاكم في النفس أو الطرف. فعن الإمام أحمد في ذلك روايتان (٤)، إحداهما: أنه في بيت المال، لأنه يكثر منه الحكم (٥) فلو حملته العاقلة لكان

стр. 2554

ذلك إضرارًا عظيمًا بهم. والثانية: أنه على عاقلته، كما لو كان الخطأ بسبب غير الحاكم. وأما خطؤه في المال فإذا حكَم بحقٍّ، ثم بان كفرُ الشهود أو فسقُهم، نُقِض حكمُه، ثم رجع المحكوم عليه ببدل المال على المحكوم له. وكذلك إن (١) كان الحكم بقود رجع أولياء المقتول ببدله على المحكوم له. وإن (٢) كان الحكمُ بحقٍّ لله (٣) بإتلاف مباشر أو بالسِّراية، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الضمان على المزكِّين، لأن الحكم إنما وجب بتزكيتهم. والثاني: يضمنه الحاكم، لأنه لم يتثبت، بل فرَّط في المبادرة إلى الحكم، وترك البحث والسؤال. والثالث: أن للمستحقِّ تضمين أيهما شاء، والقرارُ على المزكِّين، لأنهم ألجؤوا الحاكمَ إلى الحكم. فعلى هذا إن لم يكن ثمَّ تزكية، فعلى الحاكم. وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا ينقض بفسقهم، فعلى هذا لا ضمان (٤). وعلى هذا إذا استفتى الإمام أو الوالي مفتيًا، فأفتاه، ثم بان (٥) خطؤه فحكمُ المفتي مع الإمام حكمُ المزكِّين مع الحاكم. وإن عمل المستفتي بفتواه، من غير حكم حاكم ولا إمام، فأتلف نفسًا

стр. 2555

أو مالًا؛ فإن كان المفتي أهلًا فلا ضمان عليه، والضمان على المستفتي. وإن لم يكن أهلًا فعليه الضمان، لقول النبي ﷺ : «من تطبَّب ولم يُعرَف منه طبٌّ فهو ضامن» (١). وهذا يدل على أنه إذا عُرِف منه طبٌّ وأخطأ لم يضمن. والمفتي أولى بعدم الضمان من الحاكم والإمام، لأن المستفتي مخيَّر بين قبول فتواه وردِّها، فإن قوله لا يلزم، بخلاف حكم الإمام والحاكم (٢). وأما خطأ الشاهد، فإما أن يكونوا شهودًا بمال أو طلاق أو عتق أو حدٍّ أو قود، فإن بان خطؤهم قبل الحكم بذلك لم يحكم به (٣). [٢٠٩/أ] فإن (٤) بان بعد الحكم باستيفاء القوَد وقبل استيفائه لم يستوفَ قطعًا. وإن بان بعد استيفائه فعليهم دية ما تلف، ويتقسَّط الغرم على عددهم. وإن بان خطؤهم قبل الحكم بالمال لغَتْ شهادتهم ولم يضمنوا. وإن بان بعد الحكم به نُقِض حكمه، كما لو شهدوا بموت رجلٍ باستفاضة، فحكم الحاكم بقَسْمِ ميراثه، ثم بانت حياته، فإنه يُنقَض حكمه. وإن بان خطؤهم في شهادة الطلاق من غير جهتهم، كما لو شهدوا أنه

стр. 2556

طلَّق يوم كذا وكذا، وظهر للحاكم أنه في ذلك اليوم كان محبوسًا لا يصل إليه أحد، أو كان مغمًى عليه= فحكمُ ذلك حكمُ ما لو بان كفرهم أو فسقهم، فيُنقَض (١) حكمُه، وتُرَدُّ المرأة إلى الزوج ولو تزوجت بغيره؛ بخلاف ما إذا قالوا: رجعنا عن الشهادة، فإن رجوعهم إن كان قبل الدخول ضمنوا نصفَ المسمَّى، لأنهم قرَّروه عليه، ولا تعود إليه الزوجة إذا كان الحاكم قد (٢) حكم بالفرقة. وإن رجعوا بعد الدخول، ففيه روايتان، إحداهما: أنهم لا يغرمون شيئًا، لأن الزوج استوفى المنفعة بالدخول، فاستقرَّ عليه عوضُها. والثانية: يغرمون المسمَّى كلَّه، لأنهم فوَّتوا عليه البُضْعَ بشهادتهم. وأصلها (٣) أن خروج البضع من يد الزوج هل هو متقوِّم أم لا (٤)؟ وأما شهود العتق فإن بان خطؤهم تبيَّنَّا أنه لا عتق. وإن قالوا: رجعنا غرموا للسيِّد قيمة العبد. الفائدة الثانية والأربعون: ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو همٍّ مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغلِ قلب مستولٍ عليه، أو حال مدافعة الأخبثين. بل متى أحسَّ من نفسه بشيء (٥) من ذلك يُخرجه عن حال اعتداله وكمال تثبُّته وتبيُّنه (٦) أمسك عن الفتوى. فإن

стр. 2557

أفتى في هذه الحال (١) بالصواب صحَّت فتياه (٢). ولو حكم في هذه الحال (٣) فهل ينفذ حكمه أو لا ينفذ؟ فيه ثلاثة أقوال: النفوذ، وعدمه، والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ، وبين أن يكون سابقًا على فهم الحكومة فلا ينفذ. والثلاثة في مذهب الإمام أحمد (٤). الفائدة الثالثة والأربعون: لا يجوز له أن يفتي في الأقارير والأيمان والوصايا وغيرها، مما يتعلَّق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ، دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلِّمين بها، فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه، وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية. فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضلَّ (٥). فلفظ «الدينار» عند طائفة اسم لثمانية دراهم، وعند طائفة اسم لاثني عشر درهمًا، و «الدرهم» عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش. فإذا أقرَّ له بدراهم، أو حلَف لَيعطينَّه (٦) إياها، أو أصدقها امرأةً (٧) = لم يجُز للمفتي ولا

стр. 2558

للحاكم أن يلزمه بالخالصة. فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجُز له أن يُلزم المستحقَّ بالمغشوشة. وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق. فلو جرى عرفُ أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ «الحرية» في العفة دون العتق، فإذا قال أحدهم عن مملوكه: «إنه حرٌّ» أو عن جاريته: «إنها حرَّة»، وعادتُه استعمال ذلك [٢٠٩/ب] في العفة، لم يخطر بباله غيرُها= لم يعتِق بذلك قطعًا، وإن كان اللفظ صريحًا عند مَن ألِفَ استعماله في العتق. وكذلك إذا جرى عرفُ طائفة في الطلاق بلفظ التسميح بحيث لا يعرفون لهذا المعنى غيره، فإذا قالت: «اسمح لي»، فقال: «سمحتُ لك»، فهذا صريح في الطلاق عندهم. وقد تقدَّم الكلام في هذا الفصل مشبعًا، وأنه لا يسوغ أن يُقبَل تفسيرُ من قال: «لفلان عليَّ مال جليل أو عظيم» بدانق أو درهم ونحو ذلك، ولا سيما إن كان المفسِّر من الأغنياء المكثرين أو الملوك (١). وكذلك لو أوصى له بقوس في محلَّة لا يعرفون إلا أقواس النَّدْف (٢) أو الأقواس العربية أو أقواس الرِّجل (٣)، أو حلف لا يشَمُّ الريحان في محلٍّ لا يعرفون الريحان إلا هذا الفارسي، أو حلف لا يركب دابة في موضعٍ عرفُهم بلفظ الدابة الحمار أو الفرس، أو حلف لا يأكل ثمرًا في بلدٍ عرفهُم في

стр. 2559

الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره، أو حلف لا يلبس ثوبًا في بلدٍ عرفُهم من (١) الثياب القُمُص وحدها دون الأردية والأُزُر والجِباب ونحوها= تقيَّدت يمينُه بذلك وحده في جميع هذه الصور، واختصَّت بعرفه دون موضوع اللفظ لغةً أو في عرف غيره. بل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلُّم بالعربية ولا يفهمها: «قل لي: أنتِ طالق ثلاثًا»، وهو لا يعلم ما (٢) موضوع هذه الكلمة، فقال لها= لم تطلُق قطعًا في حكم الله ورسوله. وكذلك لو قال الرجل لآخر: «أنا عبدك ومملوكك» على جهة (٣) الخضوع له كما يقوله الناس لم يستبح ملكَ رقبته بذلك. ومن لم يراع المقاصد والنيات والعرف في الكلام فإنه يلزمه أن يجوز له بيعُ هذا القائل وملكُ رقبته بمجرَّد هذا اللفظ. وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل، فيغرُّ الناسَ، ويكذب على الله ورسوله، ويغيِّر دينه، ويحرِّم ما لم يحرِّمه الله، ويوجب ما لم يوجبه الله. والله المستعان. الفائدة الرابعة والأربعون: يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيُّل [على] (٤) إسقاط واجب، أو تحليل محرَّم، أو مكر أو خداع= أن يعين

стр. 2560

المستفتي فيها، أو يرشده (١) إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصَّل به إلى مقصده. بل ينبغي له أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم. ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذِرًا فطِنًا، فقهُه (٢) في أحوال الناس وأمورهم يوازن فقهَه (٣) في الشرع؛ وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ. وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم! فالغِرُّ ينظر إلى ظاهرها، ويقضي بجوازه. وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها. فالأول يروج عليه زغَلُ المسائل، كما يروج على الجاهل بالنقد زغلُ الدراهم. والثاني يُخرج زيفها، كما يُخرج الناقد زيف النقود. وكم من باطل يُخرِجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حقٍّ! وكم من حقٍّ يُخرِجه بتهجينه وسوء [٢١٠/أ] تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك؛ بل هذا أغلب أحوال الناس، ولكثرته وشهرته يستغني عن الأمثلة. بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع كلَّها وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة، وكسَوها ألفاظًا يقبلها بها من لم يعرف حقيقتها، ولقد أحسن القائل (٤):
следующие страницы →