← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

طلَّق يوم كذا وكذا، وظهر للحاكم أنه في ذلك اليوم كان محبوسًا لا يصل إليه أحد، أو كان مغمًى عليه= فحكمُ ذلك حكمُ ما لو بان كفرهم أو فسقهم، فيُنقَض (١) حكمُه، وتُرَدُّ المرأة إلى الزوج ولو تزوجت بغيره؛ بخلاف ما إذا قالوا: رجعنا عن الشهادة، فإن رجوعهم إن كان قبل الدخول ضمنوا نصفَ المسمَّى، لأنهم قرَّروه عليه، ولا تعود إليه الزوجة إذا كان الحاكم قد (٢) حكم بالفرقة. وإن رجعوا بعد الدخول، ففيه روايتان، إحداهما: أنهم لا يغرمون شيئًا، لأن الزوج استوفى المنفعة بالدخول، فاستقرَّ عليه عوضُها. والثانية: يغرمون المسمَّى كلَّه، لأنهم فوَّتوا عليه البُضْعَ بشهادتهم. وأصلها (٣) أن خروج البضع من يد الزوج هل هو متقوِّم أم لا (٤)؟ وأما شهود العتق فإن بان خطؤهم تبيَّنَّا أنه لا عتق. وإن قالوا: رجعنا غرموا للسيِّد قيمة العبد. الفائدة الثانية والأربعون: ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو همٍّ مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغلِ قلب مستولٍ عليه، أو حال مدافعة الأخبثين. بل متى أحسَّ من نفسه بشيء (٥) من ذلك يُخرجه عن حال اعتداله وكمال تثبُّته وتبيُّنه (٦) أمسك عن الفتوى. فإن

стр. 2557

أفتى في هذه الحال (١) بالصواب صحَّت فتياه (٢). ولو حكم في هذه الحال (٣) فهل ينفذ حكمه أو لا ينفذ؟ فيه ثلاثة أقوال: النفوذ، وعدمه، والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ، وبين أن يكون سابقًا على فهم الحكومة فلا ينفذ. والثلاثة في مذهب الإمام أحمد (٤). الفائدة الثالثة والأربعون: لا يجوز له أن يفتي في الأقارير والأيمان والوصايا وغيرها، مما يتعلَّق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ، دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلِّمين بها، فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه، وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية. فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضلَّ (٥). فلفظ «الدينار» عند طائفة اسم لثمانية دراهم، وعند طائفة اسم لاثني عشر درهمًا، و «الدرهم» عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش. فإذا أقرَّ له بدراهم، أو حلَف لَيعطينَّه (٦) إياها، أو أصدقها امرأةً (٧) = لم يجُز للمفتي ولا

стр. 2558

للحاكم أن يلزمه بالخالصة. فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجُز له أن يُلزم المستحقَّ بالمغشوشة. وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق. فلو جرى عرفُ أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ «الحرية» في العفة دون العتق، فإذا قال أحدهم عن مملوكه: «إنه حرٌّ» أو عن جاريته: «إنها حرَّة»، وعادتُه استعمال ذلك [٢٠٩/ب] في العفة، لم يخطر بباله غيرُها= لم يعتِق بذلك قطعًا، وإن كان اللفظ صريحًا عند مَن ألِفَ استعماله في العتق. وكذلك إذا جرى عرفُ طائفة في الطلاق بلفظ التسميح بحيث لا يعرفون لهذا المعنى غيره، فإذا قالت: «اسمح لي»، فقال: «سمحتُ لك»، فهذا صريح في الطلاق عندهم. وقد تقدَّم الكلام في هذا الفصل مشبعًا، وأنه لا يسوغ أن يُقبَل تفسيرُ من قال: «لفلان عليَّ مال جليل أو عظيم» بدانق أو درهم ونحو ذلك، ولا سيما إن كان المفسِّر من الأغنياء المكثرين أو الملوك (١). وكذلك لو أوصى له بقوس في محلَّة لا يعرفون إلا أقواس النَّدْف (٢) أو الأقواس العربية أو أقواس الرِّجل (٣)، أو حلف لا يشَمُّ الريحان في محلٍّ لا يعرفون الريحان إلا هذا الفارسي، أو حلف لا يركب دابة في موضعٍ عرفُهم بلفظ الدابة الحمار أو الفرس، أو حلف لا يأكل ثمرًا في بلدٍ عرفهُم في

стр. 2559

الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره، أو حلف لا يلبس ثوبًا في بلدٍ عرفُهم من (١) الثياب القُمُص وحدها دون الأردية والأُزُر والجِباب ونحوها= تقيَّدت يمينُه بذلك وحده في جميع هذه الصور، واختصَّت بعرفه دون موضوع اللفظ لغةً أو في عرف غيره. بل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلُّم بالعربية ولا يفهمها: «قل لي: أنتِ طالق ثلاثًا»، وهو لا يعلم ما (٢) موضوع هذه الكلمة، فقال لها= لم تطلُق قطعًا في حكم الله ورسوله. وكذلك لو قال الرجل لآخر: «أنا عبدك ومملوكك» على جهة (٣) الخضوع له كما يقوله الناس لم يستبح ملكَ رقبته بذلك. ومن لم يراع المقاصد والنيات والعرف في الكلام فإنه يلزمه أن يجوز له بيعُ هذا القائل وملكُ رقبته بمجرَّد هذا اللفظ. وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل، فيغرُّ الناسَ، ويكذب على الله ورسوله، ويغيِّر دينه، ويحرِّم ما لم يحرِّمه الله، ويوجب ما لم يوجبه الله. والله المستعان. الفائدة الرابعة والأربعون: يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيُّل [على] (٤) إسقاط واجب، أو تحليل محرَّم، أو مكر أو خداع= أن يعين

стр. 2560

المستفتي فيها، أو يرشده (١) إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصَّل به إلى مقصده. بل ينبغي له أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم. ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذِرًا فطِنًا، فقهُه (٢) في أحوال الناس وأمورهم يوازن فقهَه (٣) في الشرع؛ وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ. وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم! فالغِرُّ ينظر إلى ظاهرها، ويقضي بجوازه. وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها. فالأول يروج عليه زغَلُ المسائل، كما يروج على الجاهل بالنقد زغلُ الدراهم. والثاني يُخرج زيفها، كما يُخرج الناقد زيف النقود. وكم من باطل يُخرِجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حقٍّ! وكم من حقٍّ يُخرِجه بتهجينه وسوء [٢١٠/أ] تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك؛ بل هذا أغلب أحوال الناس، ولكثرته وشهرته يستغني عن الأمثلة. بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع كلَّها وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة، وكسَوها ألفاظًا يقبلها بها من لم يعرف حقيقتها، ولقد أحسن القائل (٤):

стр. 2561

تقول هذا جنيُّ النحل تمدحه ... وإن تشأ قلتَ ذا قيءُ الزنابير (١) مدحًا وذمًّا وما جاوزتَ وصفهما ... والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبير (٢) ورأى بعض الملوك كأن أسنانه قد سقطت، فعبَّرها له معبِّرٌ بموت أهله وأقاربه؛ فأقصاه وطرَده. واستدعى آخر، فقال له: لا عليك، تكون أطولَ أهلِك عمرًا؛ فأعطاه وأكرمه وقرَّبه (٣). فاستوفى المعنى، وغيَّر له العبارة، وأخرج المعنى في قالب حسن. والمقصود أنه لا يحِلُّ له أن يفتي بالحيل المحرَّمة، ولا يعين عليها، ولا يدل عليها؛ فيضادَّ الله في أمره. قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١]. وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].

стр. 2562

وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (١) [البقرة: ٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣]. وقال تعالى في حقِّ أرباب الحيل المحرَّمة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦]. وفي «صحيح مسلم» (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «ملعون من ضارَّ مسلمًا أو مكَر به». وقال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلُّوا محارمَ الله بأدنى الحِيَل» (٣). وقال: «المكر والخديعة في النار» (٤). وفي «سنن ابن ماجه» (٥) وغيره عنه ﷺ : «ما بال أقوام يلعبون بحدود

стр. 2563

الله، ويستهزئون بآياته: طلَّقتُكِ راجعتُكِ، طلَّقتُكِ راجعتُكِ!». وفي لفظ (١): «خلعتُكِ راجعتُك، خلعتُك راجعتُك». وفي «الصحيحين» (٢) عنه ﷺ : «لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم الشحوم، فجمَلوها، وباعوها، وأكلوا أثمانها». وقال أيوب السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان (٣). وقال ابن عباس: من يخادع الله يخدَعْه (٤). وقال بعض السلف: ثلاثٌ من كنَّ فيه كنَّ عليه: المكر، والبغي، والنَّكث. وقال تعالى (٥): ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] (٦).

стр. 2564

وقال الإمام أحمد (١): هذه الحيل التي وضعها هؤلاء: عمدوا إلى السنن، فاحتالوا في نقضها. أتوا إلى الذي قيل لهم إنه حرام، فاحتالوا فيه حتى حلَّلوه. وقال (٢): ما أخبثهم! [٢١٠/ب]ــ يعني أصحاب الحيل ــ يحتالون لنقض سنن رسول الله ﷺ . وقال (٣): من احتال بحيلة فهو حانث. وقال (٤): إذا حلف على شيء، ثم احتال بحيلة، فصار إليها، فقد صار إلى الذي حلف عليه بعينه. وقد تقدَّم بسطُ الكلام في هذه المسألة مستوفًى (٥) فلا حاجة إلى إعادته.

стр. 2565

الفائدة الخامسة والأربعون: في أخذه (١) الأجرة والهدية والرزق على الفتوى، فهذه (٢) ثلاث صور مختلفة السبب والحكم. فأما أخذه الأجرة، فلا يجوز له لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا تجوز المعاوضة عليه؛ كما لو قال له: لا أعلِّمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة، أو سئل عن حلال أو حرام، فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة= فهذا حرام قطعًا، ويلزمه ردُّ العوض، ولا يملكه. وقال بعض المتأخرين (٣): إن أجاب بالخطِّ، فله أن يقول للسائل: لا يلزمني أن أكتب لك خطِّي إلا بأجرة؛ وله أخذُ الأجرة. وجعَلَه بمنزلة أجرة الناسخ، فإنه يأخذ الأجرة على خطِّه، لا على جوابه، وخطُّه قدر زائد على جوابه. والصحيح: خلاف ذلك، وأنه يلزمه الجواب مجّانًا لله بلفظه وخطِّه، ولكن لا يلزمه الورق ولا الحبر. وأما الهدية، ففيها تفصيل. فإن كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه، أو من لا يعرف أنه مفتٍ، فلا بأس بقبولها؛ والأولى أن يكافئ عليها. وإن كانت بسبب الفتوى، فإن كانت سببًا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيرَه ممن لا يُهدي له لم يجُز له قبول هديته. وإن كان لا فرق بينه وبين غيره عنده في الفتيا، بل يفتيه بما يفتي به الناس، كُرِه له قبول الهدية لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء.

стр. 2566

وأما أخذ الرزق من بيت المال، فإن كان محتاجًا إليه جاز له ذلك. وإن كان غنيًّا عنه، ففيه وجهان. وهذا فرع متردِّد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم، فمن ألحقه بعامل الزكاة قال: النفع فيه عامٌّ، فله الأخذ. ومن ألحقه بعامل اليتيم منَعه من الأخذ. وحكمُ القاضي في ذلك حكمُ المفتي، بل القاضي أولى بالمنع. والله أعلم. الفائدة السادسة والأربعون: إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى، فإن ذكرها وذكر مستندها، ولم يتجدَّد له ما يوجب تغيُّرَ اجتهاده أفتى بها من غير نظر ولا اجتهاد. وإن ذكرها ونسي مستندها، فهل له أن يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي (١). أحدهما: أنه يلزمه تجديد النظر، لاحتمال تغيُّر اجتهاده وظهور ما كان خافيًا عنه. والثاني: لا يلزمه تجديد النظر، لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. وإن ظهر له ما يغيِّر اجتهاده لم يجُز له البقاء على القول الأول، ولا يجب عليه نقضه. ولا يكون اختلافه مع نفسه قادحًا في علمه، بل هذا من كمال علمه وورعه. ولأجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان فأكثر. وسمعت شيخنا رحمه الله تعالى يقول: حضرتُ عقدَ مجلسٍ عند نائب السلطان في وقفٍ، أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين. فقُرئ (٢) جوابه الموافق للحقِّ، فأخرج بعض الحاضرين جوابه الأول، وقال: هذا جوابك

стр. 2567

[٢١١/أ] بضِّد هذا، فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة؟ فوجَم الحاكم. فقلت: هذا من علمه ودينه، أفتى أولًا بشيء، ثم تبيَّن له الصواب، فرجع إليه؛ كما يفتي إمامه بقول، ثم يتبيَّن له خلافه، فيرجع إليه، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه. وكذلك سائر الأئمة. فسُرَّ القاضي بذلك، وسُرِّي عنه. الفائدة السابعة والأربعون: قول الشافعي رحمه الله تعالى: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنَّة رسول الله ﷺ ، فقولوا بسنَّة رسول الله ﷺ ودَعُوا ما قلته» (١)، وكذلك قوله: «إذا صحَّ الحديث عن النبي ﷺ ، وقلتُ أنا قولًا، فأنا راجعٌ عن قولي، قائلٌ (٢) بذلك الحديث» (٣)، وقوله: «إذا صحَّ الحديث عن رسول الله ﷺ ، فاضربوا بقولي الحائطَ» (٤)، وقوله: «إذا رويتُ حديثًا عن رسول الله ﷺ ولم أذهب إليه، فاعلموا أنَّ عقلي قد ذهب» (٥)، وغير ذلك من كلامه في هذا المعنى= صريحٌ في مدلوله، وأن مذهبه ما دلَّ عليه الحديث (٦)، لا قول له غيره. ولا يجوز أن ينسب إليه ما خالف الحديث، ويقال: هذا مذهب الشافعي. ولا يحِلُّ الإفتاء بما خالف الحديثَ على أنه مذهب الشافعي، ولا الحكم به. صرَّح بذلك جماعة من أئمة أتباعه، حتى

стр. 2568

كان منهم من يقول للقارئ إذا قرأ عليه مسألةً من كلامه: قد صحَّ الحديث بخلافها. اضرب على هذه المسألة، فليست مذهبه. وهذا هو الصواب قطعًا، ولو لم ينصَّ عليه؛ فكيف إذا نصَّ عليه، وأبدى فيه وأعاد، وصرَّح به (١) بألفاظ كلُّها صريحة في مدلولها؟ فنحن نشهد بالله أن مذهبه وقوله الذي لا قول له سواه ما وافق الحديث، دون ما خالفه؛ وأن من نسب إليه خلافه فقد نسب إليه خلاف مذهبه، ولا سيما إذا ذكر هو ذلك الحديث، وأخبر أنه إنما خالفه لضعفٍ في سنده أو لعدم بلوغه له من وجهٍ يثق به، ثم ظهر للحديث سندٌ صحيحٌ لا مطعن فيه، وصحَّحه أئمة الحديث من وجوه لم تبلغه= فهذا لا يشكُّ عالم ولا يماري في أنه مذهبه قطعًا. وهذا كمسألة الجوائح (٢)، فإنه علَّل حديث سفيان بن عيينة بأنه كان ربما ترك ذكر الجوائح. وقد صحَّ الحديث من غير طريق سفيان صحةً لا مرية فيها ولا علة ولا شبهة بوجه؛ فمذهبُ الشافعي وضعُ الجوائح. وبالله التوفيق. وقد صرَّح بعض أئمة الشافعية بأن مذهبه أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وأن وقت المغرب يمتدُّ إلى [مغيب] (٣) الشفق، وأن من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه، وأن أكل لحوم الإبل ينقض الوضوء. وهذا بخلاف الفطر بالحجامة، وصلاة المأموم قاعدًا إذا صلَّى إمامُه كذلك؛ فإن الحديث

стр. 2569

وإن صحَّ في ذلك فليس بمذهب له (١)، فإنه (٢) رواه وعرف صحته، ولكن خالفه لاعتقاده نسخَه. وهذا شيء، وذاك شيء. ففي هذا القسم يقع النظر في النسخ وعدمه، وفي الأول يقع النظر في صحة الحديث وثقة السند، فاعرفه. الفائدة الثامنة والأربعون: [٢١١/ب] إذا كان عند الرجل «الصحيحان»، أو أحدهما، أو كتاب من سنن رسول الله ﷺ موثوق بما فيه= فهل له أن يفتي بما يجده فيه؟ فقالت طائفة من المتأخرين: ليس له ذلك، لأنه قد يكون منسوخًا، أو له معارض، أو يُفهَم من دلالته خلافُ ما يدل عليه، أو يكون أمرَ ندبٍ فيفهم منه الإيجاب، أو يكون عامًّا له مخصِّص، أو مطلقًا له مقيِّد. فلا يجوز له العمل ولا الفتيا به حتى يسأل أهل الفقه والفتيا. وقالت طائفة: بل له أن يعمل به، ويفتي به. بل يتعيَّن عليه، كما كان الصحابة يفعلون، إذا بلغهم الحديث عن رسول الله ﷺ وحدَّث به بعضهم بعضًا بادروا إلى العمل به من غير توقُّف ولا بحث عن معارض، ولا يقول أحد منهم قط (٣): هل عمل بهذا فلان وفلان؟ ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا عليه أشدَّ الإنكار. وكذلك التابعون. وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القوم وسيرتهم، وطول العهد بالسنَّة وبُعد الزمان وعتقها، لا يسوغ تركُ [العملِ بها والأخذُ] بغيرها (٤). ولو كانت سنن رسول الله ﷺ

стр. 2570

لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان أو فلان (١) لكان قول فلان وفلان عِيارًا على السنن، ومزكِّيًا لها، وشرطًا في العمل بها؛ وهذا من أبطل الباطل. وقد أقام الله الحجة برسوله، دون آحاد الأمة. وقد أمر النبيُّ ﷺ بتبليغ سنته، ودعا لمن بلَّغها (٢)؛ فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام فلان والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة، وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان. قالوا: والنسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة، بل ولا شطرها! فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ أقلُّ بكثير من وقوع الخطأ في تقليد من يصيب ويخطئ، ويجوز عليه التناقض والاختلاف، ويقول القولَ ويرجع عنه، ويُحكى عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال. ووقوعُ الخطأ في فهم كلام المعصوم أقلُّ بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعيَّن. فلا يُفرَض احتمالُ خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به إلا وأضعافُ أضعافِ أضعافِه حاصلٌ لمن أفتى بتقليد من لا يُعلَم خطؤه من صوابه. والصواب في هذه المسألة: التفصيل؛ فإن كانت دلالة الحديث ظاهرةً بينةً لكلِّ من سمعه لا تحتمل غير المراد، فله أن يعمل به، ويفتي به، ولا يطلب له التزكية من قول فقيه أو إمام، بل الحجةُ قول رسول الله ﷺ ، وإن

стр. 2571

خالفه من خالفه. وإن كانت دلالته خفيَّةً لا يتبيَّن له المراد منها لم يجُز له أن يعمل ولا يفتي بما يتوهَّمه مرادًا، حتَّى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه. وإن كانت دلالةً (١) ظاهرةً، كالعامِّ على أفراده، والأمر على الوجوب، والنهي على التحريم؛ فهل له العمل والفتوى به؟ يخرَّج على أصلٍ، وهو العمل بالظواهر قبل البحث عن المُعارض. وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: الجواز، والمنع، والفرق بين العامِّ (٢) فلا يُعمَل به قبل البحث عن المخصِّص، والأمرِ [٢١٢/أ] والنهيِ فيُعمَل به قبل البحث عن المعارض. وهذا كلُّه إذا كان ثَمَّ نوعُ أهليّةٍ، ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية. وإذا لم تكن ثمة أهليةٌ قطُّ ففرضُه ما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وقولُ النبيِّ ﷺ : «ألَّا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاءُ العِيِّ السؤال» (٣). وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه أو كلام شيخه، وإن علا صُعُدًا (٤) فمن كلام إمامه؛ فلَأن يجوزَ اعتمادُ الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله ﷺ أولى بالجواز. وإذا قُدِّر أنه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم

стр. 2572

فتوى المفتي فيسأل من يُعرِّفه معناه، كما يسأل من يُعرِّفه معنى جواب المفتي. وبالله التوفيق. الفائدة التاسعة والأربعون: هل للمنتسب إلى تقليد إمام معيَّن أن يفتي بقول غيره؟ لا يخلو الحال (١) من أمرين: إما أن يُسأل عن مذهب ذلك الإمام فقط، فيقال له: ما مذهب الشافعي مثلًا في كذا وكذا؟ أو يُسأل عن حكم الله الذي أدَّاه إليه اجتهاده. فإن سئل عن مذهب ذلك الإمام لم يكن له أن يخبره بغيره إلا على وجه الإضافة إليه. وإن سئل عن حكم الله من غير أن يقصد السائلُ قولَ فقيه معيَّن، فهاهنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه، لا يسعه غير ذلك. فإن لم يتمكَّن منه وخاف أن يؤذَى ترَكَ الإفتاءَ في تلك المسألة، ولم يكن (٢) له أن يفتي بما لا يعلم أنه صواب؛ فكيف بما يغلب على ظنِّه أن الصواب في خلافه؟ ولا يسع الحاكمَ والمفتيَ غيرُ هذا البتة، فإن الله سائلهما عن رسوله وما جاء به، لا عن الإمام المعيَّن وما قاله. وإنما يُسأل الناس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول ﷺ ؛ فيقال له في قبره: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ ويوم القيامة يناديهم (٣) ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ

стр. 2573

الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]. ولا يُسأل أحدٌ قطُّ عن إمام ولا شيخ ولا متبوع غيره، بل يُسأل عمن اتبعه وائتمَّ به غيره، فلينظر بماذا يجيب؟ وليُعِدَّ للجواب صوابًا، وكأنْ قَدْ (١). وسمعتُ شيخنا ﵀ يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنفية فقال: أستشيرك في أمر. قلت: ما هو؟ قال: أريد أن أنتقل عن مذهبي. قلتُ له: ولم؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرًا تخالفه. واستشرتُ في هذا بعضَ أئمة أصحاب الشافعي، فقال لي: ولو رجعتَ عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب، وقد تقرَّرت المذاهب، ورجوعك غير مفيد. وأشار عليَّ بعضُ مشايخ التصوف بالافتقار إلى الله، والتضرُّع إليه، وسؤال الهداية لما يحبُّه ويرضاه. فماذا تشير به أنت عليَّ؟ قال: فقلت له: اجعل المذهب ثلاثة أقسام: قسمٌ الحقُّ فيه ظاهرٌ بيِّن موافقٌ للكتاب والسنة، فاقضِ به، وأفتِ به طيِّبَ النفس منشرحَ الصدر. وقسمٌ مرجوحٌ، ومخالِفُه معه الدليل، فلا تُفْتِ

стр. 2574

به، ولا تحكم به، وادفعه عنك. وقسمٌ من مسائل الاجتهاد التي الأدلَّةُ فيها متجاذبة، فإن شئت [٢١٢/ب] أن تفتي به، وإن شئت أن تدفعه عنك. فقال: جزاك الله خيرًا، أو كما قال. وقالت طائفة أخرى، منهم أبو عمرو بن الصلاح (١)، وأبو عبد الله بن حمدان (٢): من وجد حديثًا يخالف مذهبه، فإن كملت آلة الاجتهاد فيه مطلقًا، أو في مذهب إمامه، أو في ذلك النوع، أو في تلك المسألة؛ فالعملُ بذلك الحديث أولى. وإن لم تكمل آلته، ووجد في قلبه حزازةً من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفيه عنه (٣) جوابًا شافيًا؛ فلينظر: هل عمِل بذلك الحديث إمامٌ مستقِلّ أم لا؟ فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذرًا له في ترك مذهب إمامه في ذلك. والله أعلم. الفائدة الخمسون: هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ترجَّح عنده؟ فإن كان سالكًا سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل أين كان ــ وهذا هو المتَّبِع للإمام حقيقةً ــ فله أن يفتي بما ترجَّح عنده من قول غيره. وإن كان مجتهدًا متقيِّدًا بأقوال ذلك الإمام لا يعدوها إلى غيرها، فقد قيل: ليس له أن يفتي بغير قول إمامه. فإن أراد ذلك حكاه عن قائله حكاية محضة.

стр. 2575

والصواب: أنه إذا ترجَّح عنده قولُ غير إمامه بدليل راجح، فلا بد أن يخرِّج على أصول إمامه وقواعده، فإن الأئمة متفقة على أصول الأحكام. ومتى قال بعضهم قولًا مرجوحًا فأصوله تردُّه وتقتضي القول الراجح. فكلُّ قول صحيح فهو يخرَّج على قواعد الأئمة بلا ريب. فإذا تبيَّن لهذا المجتهد المقيَّد رجحانُ هذا القول وصحةُ مأخذه خرَّج على قواعد إمامه، فله أن يفتي به. وبالله التوفيق. وقد قال القفال: لو أدَّى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة قلت: مذهب الشافعي كذا، لكني أقول بمذهب أبي حنيفة؛ لأن السائل إنما سألني (١) عن مذهب الشافعي، فلا بدَّ أن أعرِّفه أن الذي أفتيته به غير مذهبه (٢). فسألتُ شيخنا قدَّس الله روحه عن ذلك، فقال: أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معيَّن عند الواقعة التي سأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتيَ أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه. الفائدة الحادية والخمسون: إذا اعتدل عند المفتي قولان ولم يترجَّح له أحدُهما على الآخر، فقال القاضي أبو يعلى: له أن يفتي بأيهما شاء، كما يجوز له أن يعمل بأيهما شاء. وقيل: بل يخيِّر المستفتي فيقول له: أنت مخيَّر بينهما، لأنه إنما يفتي بما يراه، والذي يراه هو التخيير. وقيل: بل يفتيه بالأحوط من القولين (٣).

стр. 2576

قلت: الأظهر أنه يتوقَّف، ولا يفتيه بشيء حتى يتبيَّن له الراجح منهما، لأن أحدهما خطأ، فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب، وليس له أن يخيِّره بين الخطأ والصواب. وهذا كما إذا تعارض عند الطبيب في أمر المريض أمران: خطأ وصواب، ولم يتبيَّن له [٢١٣/أ] أحدهما= لم يكن له أن يُقْدِم على أحدهما، ولا يخيِّره. وكما لو استشاره في أمر، فتعارض عنده الخطأ والصواب من غير ترجيح، لم يكن له أن يشير بأحدهما، ولا يخيِّره. وكما لو تعارض عنده طريقان: مُهلِكة ومُوصِلة، ولم يتبيَّن له طريق الصواب، لم يكن له الإقدام ولا التخيير. فمسائل الحلال والحرام أولى بالتوقف. والله أعلم. الفائدة الثانية والخمسون: أتباع الأئمة يفتون كثيرًا بأقوالهم القديمة التي رجعوا عنها. وهذا موجود في سائر الطوائف. فالحنفية يفتون بلزوم المنذورات (١) التي مخرَجُها مخرجُ اليمين كالحج والصدقة والصوم (٢)، وقد حكوا هم عن أبي حنيفة أنه رجع قبل موته بثلاثة أيام إلى التكفير (٣). والحنابلة يفتي كثير منهم بوقوع طلاق السكران، وقد صرَّح الإمام أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع كما تقدَّم حكايته. والشافعية يفتون بالقول القديم في مسألة التثويب، وامتداد وقت المغرب، ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير، وعدم استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين، وغير ذلك من

стр. 2577

المسائل، وهي أكثر من عشرين مسألة (١). ومن المعلوم أن القول الذي صرَّح بالرجوع عنه لم يبق مذهبًا له، فإذا أفتى المفتي به، مع نصِّه على خلافه لرجحانه عنده، ولم يُخرجه (٢) ذلك عن التمذهب بمذهبه= فما الذي يحرِّم عليه أن يفتي بقول غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم إذا ترجَّح عنده؟ فإن قيل: الأول قد كان مذهبًا له مرَّةً، بخلاف ما لم يقل به قط. قيل: هذا فرق عديم التأثير، إذ ما قال به وصرَّح بالرجوع عنه بمنزله ما لم يقله. وهذا كلُّه مما يبيِّن أن أهل العلم لا يتقيدون بالتقليد المحض الذي يهجرون لأجله قولَ كلِّ من خالف من قلَّدوه. وهذه طريقة ذميمة وخيمة، حادثة في الإسلام، مستلزمة لأنواع من الخطأ ومخالفة الصواب. والله أعلم. الفائدة الرابعة والخمسون (٣): يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص، وإن وافق مذهبه. ومثاله: أن يُسأل عن رجل صلَّى من الصبح ركعةً ثم طلعت الشمس، هل يُتِمُّ صلاته أم لا؟ فيقول: لا يتمُّها. ورسول الله ﷺ يقول: «فليُتِمَّ

стр. 2578

صلاته» (١). ومثل أن يُسأل عمن مات عليه صيام: هل يصوم عنه وليُّه؟ فيقول: لا يصوم عنه وليُّه. وصاحبُ الشرع ﷺ يقول (٢): «من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه» (٣). ومثل أن يُسأل عن رجل باع متاعه، ثم أفلس المشتري، فوجده بعينه؛ هل هو أحقُّ به؟ فيقول: ليس أحقَّ به. وصاحب الشرع يقول: «فهو أحقُّ به» (٤). ومثل أن يُسأل عن رجلٍ أكل في رمضان أو شرب ناسيًا، هل يُتِمُّ صومه؟ فيقول: لا يتمّ صومه. وصاحب الشرع يقول: «فليتمَّ صومه» (٥). ومثل أن يُسأل عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع، هل هو حرام؟ فيقول: ليس بحرام. ورسول الله ﷺ يقول: «أكلُ كلِّ ذي ناب من السباع حرام» (٦). ومثل [٢١٣/ب] أن يُسأل عن الرجل: هل له منعُ جاره من غَرْزِ خشبةٍ في جداره؟ فيقول: له أن يمنعه. وصاحبُ الشرع يقول «لا يمنعه» (٧).

стр. 2579

ومثل أن يسأل: هل تُجزئ صلاةُ من لا يقيم صلبه من ركوعه وسجوده؟ فيقول: تجزئه صلاته. وصاحبُ الشرع ﷺ يقول: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجلُ فيها صلبَه بين ركوعه وسجوده» (١). ومثل أن يُسأل (٢) عن مسألة التفضيل بين الأولاد في العطية: هل يصلح (٣) أو لا يصلح؟ وهل هو جور أم لا؟ فيقول: يصلح، وليس بجور. وصاحب الشرع يقول: «إن هذا لا يصلح» (٤) ويقول: «لا تُشْهِدني على جور» (٥). ومثل أن يسأل عن الواهب: هل يحِلُّ له أن يرجع في هبته؟ فيقول: نعم، يحِلُّ له (٦) إلا أن يكون والدًا أو قرابةً، فلا يرجع. وصاحب الشرع يقول: «لا يحِلُّ لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالدَ فيما يهب لولده» (٧). ومثل أن يُسأل عن رجل له شرك في أرض أو دار أو بستان: هل يحِلُّ له (٨) أن يبيع حصته قبل إعلام شريكه بالبيع وعرضها عليه؟ فيقول: نعم،

стр. 2580

يحِلُّ له أن يبيع قبل إعلامه. وصاحب الشرع يقول: «من كان له شرك في أرض أو رَبْعة أو حائط لا يحِلُّ له أن يبيع حتى يؤذِنَ شريكه» (١). ومثل أن يُسأل عن قتل المسلم بالكافر، فيقول: نعم، يُقتَل المسلم بالكافر. وصاحب الشرع يقول: «لا يُقتَل مسلمٌ بكافر» (٢). ومثل أن يُسأل عمن زرع في أرض قومٍ بغير إذنهم، فهل الزرع له أم لصاحب الأرض؟ فيقول: الزرع له. وصاحب الشرع يقول: «من زرَع في أرض قومٍ بغير إذنهم فليس له من الزرع شيءٌ، وله نفقته» (٣). ومثل أن يُسأل: هل يصح تعليق الولاية بالشرط؟ فيقول: لا يصح. وصاحب الشرع يقول: «أميركم زيد، فإن قُتِل فجعفر، فإن قُتِل فعبد الله بن رواحة» (٤). ومثل أن يُسأل: هل يحِلُّ القضاء بالشاهد واليمين؟ فيقول: لا يجوز. وصاحب الشرع قضى بالشاهد واليمين (٥). ومثل أن يُسأل عن الصلاة الوسطى: هل هي صلاة العصر أم لا؟ فيقول: ليست العصر. وقد قال صاحب الشريعة: «صلاة الوسطى صلاة العصر». ومثل أن يُسأل عن يوم الحجِّ الأكبر: هل هو يوم النحر أم لا؟ فيقول:

стр. 2581

ليس يوم النحر. وقد قال رسول الله ﷺ : «يوم الحج الأكبر يوم النحر» (١). ومثل أن يُسأل: هل يجوز الوتر بركعة واحدة؟ فيقول: لا يجوز الوتر بركعة واحدة. وقد قال رسول الله ﷺ : «فإذا خشيتَ الصبح فأَوتِرْ بواحدة» (٢). ومثل أن يُسأل: هل يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فيقول: لا يسجد (٣). وقد سجد فيهما (٤) رسول الله ﷺ (٥). ومثل أن يُسأل عن رجل عضَّ يدَ رجل، فانتزعها مِن فيه، فسقطت أسنانه؛ فيقول: له ديتها. وقد قال رسول الله ﷺ : «لا دية له» (٦). ومثل أن يُسأل عن رجل اطلَّع في بيت رجل، فخذَفه، ففقأ عينه: هل

стр. 2582

عليه جناح؟ فيقول: نعم عليه جناح، [٢١٤/أ] وتلزمه دية عينه. وقد قال رسول الله ﷺ إنه لو فعل ذلك لم يكن عليه جناح (١). ومثل أن يُسأل عن رجل اشترى شاة أو بقرة أو ناقة، فوجدها مصرَّاة، فهل له ردُّها وردُّ صاعٍ من تمر معها، أم لا؟ فيقول: لا يجوز له ردُّها وردُّ الصاع من التمر معها. وقد قال رسول الله ﷺ : «إن سخِطَها ردَّها وصاعًا من تمر» (٢). ومثل أن يُسأل عن الزاني البكر: هل عليه مع الجلد تغريب؟ فيقول: لا تغريب عليه، وصاحب الشرع يقول: «عليه جلد مائة وتغريب عام» (٣). ومثل أن يُسأل عن الخضراوات: هل فيها زكاة؟ فيقول: يجب فيها الزكاة. وصاحب الشرع يقول: «لا زكاة في الخضراوات» (٤).

стр. 2583

أو يُسأل عما دون خمسة أوسُق: هل فيه زكاة؟ فيقول: نعم، تجب فيه الزكاة. وصاحب الشرع يقول: «لا زكاة فيما دون خمسة أوسق» (١). أو يُسأل عن امرأة أنكحَتْ نفسَها بدون إذن وليِّها، فيقول: نكاحها صحيح. وصاحب الشرع يقول: «فنكاحها باطل» (٢). أو يُسأل عن المحلِّل والمحلَّل له: هل يستحِقَّان اللعنة؟ فيقول: لا يستحقَّان اللعنة. وقد لعنهما رسول الله ﷺ في غير وجه (٣). أو يُسأل: هل يجوز إكمال عِدَّة شعبان ثلاثين يومًا ليلة الإغمام، فيقول: لا يجوز إكماله ثلاثين يومًا. وقد قال رسول الله ﷺ : «فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا عدَّة شعبان ثلاثين يومًا» (٤). أو يُسأل عن المطلَّقة المبتوتة: هل لها نفقة وسكنى؟ فيقول: نعم، لها النفقة والسكنى. وصاحبُ الشرع يقول: «لا نفقة لها ولا سكنى» (٥). أو يُسأل عن الإمام: هل يُستحَبُّ له أن يسلِّم في الصلاة تسليمتين؟ فيقول: يُكرَه ذلك، أو لا يُستحَبُّ (٦). وقد روى خمسة عشر نفسًا عن النبي ﷺ أنه كان يسلِّم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام

стр. 2584

عليكم ورحمة الله (١). أو يُسأل عمن رفَع يديه عند الركوع والرفع (٢) عنه: هل صلاته مكروهة أو ناقصة (٣)؟ فيقول: نعم، تُكرَه صلاته، أو هي ناقصة؛ وربما غلا، فقال: باطلة. وقد روى بضعة وعشرون نفسًا عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند الرفع منه، بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها (٤). أو يُسأل عن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام: هل يجزئ فيه الرشُّ أم يجب الغسل؟ فيقول: لا يجزئ فيه الرشُّ. وصاحب الشرع يقول: «يُرَشُّ من بول الغلام» (٥). ورشَّه بنفسه ولم يغسله (٦).

стр. 2585

أو يُسأل عن التيمم: هل يكفي بضربة واحدة إلى الكُوعين، فيقول: لا يكفي ولا يجزئ. وصاحب الشرع قد نصَّ على أنه يكفي نصًّا صريحًا صحيحًا (١) لا مدفع له (٢). أو يُسأل عن بيع الرُّطَب بالتمر: هل يجوز؟ فيقول: نعم، يجوز. وصاحبُ الشرع يُسأل عنه فيقول: «لا آذن» (٣). أو يُسأَل عن رجلٍ أعتق ستةَ عبيد لا يملك غيرَهم عند موته: هل تكمل الحرية في اثنين منهم، أو يعتِقُ من كلِّ واحد سدسُه؟ فيقول: لا يجوز تكميل الحرية (٤) في اثنين منهم. وقد أقرع بينهم رسول الله ﷺ ، فكمَّل الحرية في اثنين، وأرقَّ [٢١٤/ب] أربعةً (٥). أو يُسأل عن القرعة: هل هي جائزة أم باطلة؟ فيقول: بل (٦) هي باطلة، وهي من أحكام الجاهلية. وقد أقرَعَ رسولُ الله ﷺ ، وأمرَ بالقرعة في غير موضع. أو يُسأل عن الرجل يصلِّي خلف الصفِّ وحده: هل له صلاة أم لا (٧)؟ وهل يؤمر بالإعادة؟ فيقول: نعم، له صلاة، ولا يؤمر بالإعادة. وقد قال

стр. 2586

صاحب الشريعة: «لا صلاة له»، وأمره بالإعادة (١). أو يُسأل: هل للرجل رخصة في ترك الجماعة من غير عذر؟ فيقول: نعم له رخصة. ورسول الله ﷺ يقول: «لا أجد لك رخصة» (٢). أو يُسأل عن رجل أسلف رجلًا مالَه وباعه سلعةً: هل يحِلُّ ذلك؟ فيقول: نعم يحِلُّ ذلك. وصاحبُ الشرع يقول: «لا يحِلُّ سلف وبيع» (٣). ونظائر ذلك كثيرة جدًّا. وقد كان السلف الطيِّب يشتدُّ نكيرهم وغضبهم على من عارض حديثَ رسول الله ﷺ برأي أو قياس أو استحسان، أو قول أحد من الناس كائنًا من كان؛ ويهجرون فاعل ذلك. وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوِّغون غيرَ الانقياد له والتسليم والتلقِّي بالسمع والطاعة. ولا يخطر بقلوبهم التوقُّف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان. بل كانوا عاملين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وبقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا

стр. 2587

مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وبقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وأمثالها. فدُفِعنا إلى زمانٍ إذا قيل لأحدهم: «ثبت عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا» يقول: من قال بهذا؟ ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث، ويجعل جهله بالقائل به حجةً له في مخالفته وتركِ العمل به. ولو نصَح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحِلُّ له دفعُ سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا الجهل. وأقبح من ذلك عذره في جهله، إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة. وهذا سوءُ ظنٍّ بجماعة المسلمين، إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﷺ . وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع، وهو جهلُه وعدمُ علمه بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة. والله المستعان. ولا يُعرَف إمامٌ من أئمة الإسلام البتة قال: لا يُعمَل (١) بحديث رسول الله ﷺ حتى يُعرَف مَن عمل به. فإن جهِل مَن بلغه الحديث مَن عمِلَ به لم يحِلَّ له أن يعمل به، كما يقول هذا القائل. الفائدة الخامسة والخمسون: إذا سئل عن تفسير آية من كتاب الله أو سنةٍ عن رسول الله (٢) ﷺ ، فليس له أن يُخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نِحلته وهواه. ومَن فعل ذلك استحقَّ المنعَ من الإفتاء، والحجرَ عليه. وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرَّح به أئمة الإسلام [٢١٥/أ] قديمًا وحديثًا.

стр. 2588

قال أبو حاتم الرازي: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: الأصل قرآن أو سنَّة. فإن لم يكن، فقياسٌ عليهما. وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ وصحَّ الإسناد منه (١)، فهو المنتهى. والإجماع أكبر من الخبر الفرد (٢). والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبهَ منها ظاهرَه أولاها به. وإذا (٣) تكافأت الأحاديث فأصحُّها إسنادًا أولاها. وليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطعَ ابن المسيِّب (٤). ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال لأصل: لم؟ وكيف؟ وإنما يقال للفرع: لم؟ فإذا صحَّ قياسُه على الأصل صحَّ، وقامت به الحجة. رواه الأصمُّ عن أبي حاتم (٥). وقال أبو المعالي الجويني في «الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية» (٦): ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرَّبِّ تعالى. والذي نرتضيه

стр. 2589

رأيًا، وندين الله به عقدًا (١): اتباعُ سلف الأمة. فالأول (٢) الاتباع، وترك الابتداع. والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة. وقد درَج صحبُ الرسول ﷺ ورضي عنهم على تركِ التعرُّضِ لمعانيها ودركِ ما فيها. وهم صفوة الإسلام، والمستقلُّون بأعباء الشريعة. وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملَّة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها. ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة. وإذا انصرم (٣) عصرُهم وعصرُ التابعين لهم على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المتَّبَع. فحقٌّ على ذي الدين أن يعتقد تنزُّهَ (٤) الباري عن صفات المحدَثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرَّبِّ تعالى. وعند إمام القُرَّاء وسيِّدهم الوقوفُ على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ من العزائم، ثم الابتداء بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٥) [آل عمران: ٧]. ومما استُحْسِن من كلام مالك إذ (٦) سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

стр. 2590

فلتُجْرَ آيةُ الاستواء والمجيء، وقولُه: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقولُه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقولُه: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وما صحَّ من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا. انتهى كلامه. وقال أبو حامد الغزالي: الصواب للخلَف: سلوكُ مسلك [السلف] (١) في الإيمان المرسل والتصديق المجمل وما قاله الله ورسوله، بلا بحث وتفتيش (٢). وقال في كتاب «التفرقة» (٣): الحقُّ: الاتباع والكفُّ عن تغيير الظاهر (٤) رأسًا، والحذرُ عن ابتداع (٥) تأويلات لم تصرِّح بها الصحابة، وحسمُ باب السؤال رأسًا، والزجرُ عن الخوض في الكلام والبحث. إلى أن قال: ومن الناس من يبادر إلى [٢١٥/ب] التأويل ظنًّا لا قطعًا. فإن كان فتحُ هذا الباب والتصريح به يؤدِّي إلى تشويش قلوب العوامِّ بُدِّع صاحبُه. وكلُّ ما لم يؤثر عن السلف ذكرُه وما يتعلَّق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من يغيِّر الظواهر بغير برهان قاطع.

стр. 2591

وقال أيضًا (١): كلُّ ما لم يحتمل التأويل في نفسه، وتواتَر نقلُه ولم يُتصوَّر أن يقوم على خلافه برهانٌ= فمخالفته تكذيب محض. وما تطرَّق إليه احتمالُ تأويل ولو بمجاز بعيد، فإن كان برهانه قاطعًا وجب القول به. وإن كان البرهان يفيد ظنًّا غالبًا ولا يعظُم ضررُه في الدين فهو بدعة. وإن عظم ضررُه في الدين فهو كفر. قال (٢): ولم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه المجادلات، بل شدَّدوا القول على من يخوض في الكلام، ويشتغل بالبحث (٣) والسؤال. وقال أيضًا (٤): الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف، والإيمان الراسخ إيمانُ العوامِّ الحاصلُ في قلوبهم في الصِّبا بتواتر السماع، وبعد البلوغ بقرائن يتعذَّر التعبيرُ عنها. قال (٥): وقال شيخنا أبو المعالي: يحرص الإمامُ ما أمكنه على جمع عامَّة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك. انتهى. وقد اتفقت الأئمة الأربعة على ذمِّ الكلام وأهله. وكلام الإمام الشافعي ومذهبه فيهم معروف عند جميع أصحابه، وهو أنهم يُضرَبون ويُطاف بهم في قبائلهم وعشائرهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على

стр. 2592

الكلام (١). وقال: لقد اطلعتُ من أهل الكلام على شيءٍ ما كنتُ أظنُّه. وقال: لأن يُبتلى العبدُ بكلِّ شيء نُهي عنه غير الكفر أيسَرُ من أن يُبتلَى بالكلام (٢). وقال لحفص الفرد: أنا أخالفك في كلِّ شيء حتى في قول لا إله إلا الله. أنا أقول: لا إله إلا الله الذي يُرى في الآخرة، والذي كلَّم موسى تكليمًا. وأنت تقول: لا إله إلا الله الذي لا يُرى في الآخرة ولا يتكلَّم (٣). وقال البيهقي في «مناقبه» (٤): ذكر الشافعيُّ إبراهيمَ بن إسماعيل بن عُليَّة، فقال: أنا مخالف له في كلِّ شيء، وفي قوله: لا إله إلا الله. لست أقول كما يقول. أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلَّم موسى من وراء حجاب، وذاك يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلامًا أسمَعَه موسى من وراء حجاب. وقال في أول خطبة «رسالته» (٥): «الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسَه، وفوق ما يصفه به الواصفون من خلقه». وهذا تصريح بأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنه يتعالى ويتنَّزه عما يصفه به المتكلمون وغيرهم مما لم يصِفْ به نفسه.

стр. 2593

وقال أبو نصر أحمد بن محمد بن حامد (١) السِّجزي: سمعتُ أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد؟ فقال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وتوحيدُ أهل الباطل: الخوضُ في الأعراض والأجسام، وإنما بُعِث رسول الله ﷺ بإنكار ذلك (٢). وقال بعض أهل العلم: كيف لا يخشى الكذبَ على الله ورسوله من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية؟ وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]؟ قال الحسن: هي والله [٢١٦/أ] لكلِّ واصفٍ كذبًا إلى يوم القيامة (٣). وهل يأمن أن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]؟ قال ابن عيينة: هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمة إلى يوم القيامة (٤). وقد نزَّه سبحانه نفسه عن كلِّ ما يصفه به خلقُه إلا المرسلين، فإنهم إنما يصفونه بما أذِن لهم أن يصفوه به، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا

стр. 2594

يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩ - ١٦٠]. ويكفي المتأولين كلامَ الله ورسوله بالتأويلات التي لم يُرِدها ولم يدلَّ عليها كلامُ الله أنهم قالوا برأيهم على الله، وقدَّموا آراءهم على نصوص الوحي، وجعلوا آراءهم (١) عيارًا على كلام الله ورسوله. ولو علموا أيَّ بابِ شرٍّ فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة، وأيَّ بناءٍ للإسلام هدموا بها، وأيَّ معاقل وحصون استباحوها= لكان أحدُهم أن يخِرَّ (٢) من السماء إلى الأرض أحبُّ إليه من أن يتعاطى شيئًا من ذلك. وكلُّ (٣) صاحبِ باطلٍ قد جعل ما تأوَّله المتأولون عذرًا له فيما تأوَّله هو، وقال: ما الذي حرَّم عليَّ التأويل وأباحه لكم؟ فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد ــ وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات، بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين ــ وقالوا: كيف نحن نعاقَب على تأويلنا وتؤجَرون أنتم على تأويلكم؟ قالوا: ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر من نصوصه بالمعاد، ودلالة النصوص عليها أبيَن، فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرَها، ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد؟

стр. 2595

وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة. وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك القدرية في نصوص القدر، وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم. وكذلك القرامطة والباطنية طردت البابَ، وطمَّت (١) الواديَ على القَريِّ، وتأولت الدينَ كلَّه! فأصلُ خراب الدنيا والدين (٢) إنما هو من التأويل الذي لم يُرِده الله ورسوله بكلامه، ولا دلَّ على (٣) أنه مراده. وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه دُخِل إليها. وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ وليس هذا مختصًّا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد، حتَّى دخلها (٤) التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا ربُّ العباد.
следующие страницы →