← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وقال أيضًا (١): كلُّ ما لم يحتمل التأويل في نفسه، وتواتَر نقلُه ولم يُتصوَّر أن يقوم على خلافه برهانٌ= فمخالفته تكذيب محض. وما تطرَّق إليه احتمالُ تأويل ولو بمجاز بعيد، فإن كان برهانه قاطعًا وجب القول به. وإن كان البرهان يفيد ظنًّا غالبًا ولا يعظُم ضررُه في الدين فهو بدعة. وإن عظم ضررُه في الدين فهو كفر. قال (٢): ولم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه المجادلات، بل شدَّدوا القول على من يخوض في الكلام، ويشتغل بالبحث (٣) والسؤال. وقال أيضًا (٤): الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف، والإيمان الراسخ إيمانُ العوامِّ الحاصلُ في قلوبهم في الصِّبا بتواتر السماع، وبعد البلوغ بقرائن يتعذَّر التعبيرُ عنها. قال (٥): وقال شيخنا أبو المعالي: يحرص الإمامُ ما أمكنه على جمع عامَّة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك. انتهى. وقد اتفقت الأئمة الأربعة على ذمِّ الكلام وأهله. وكلام الإمام الشافعي ومذهبه فيهم معروف عند جميع أصحابه، وهو أنهم يُضرَبون ويُطاف بهم في قبائلهم وعشائرهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على

стр. 2592

الكلام (١). وقال: لقد اطلعتُ من أهل الكلام على شيءٍ ما كنتُ أظنُّه. وقال: لأن يُبتلى العبدُ بكلِّ شيء نُهي عنه غير الكفر أيسَرُ من أن يُبتلَى بالكلام (٢). وقال لحفص الفرد: أنا أخالفك في كلِّ شيء حتى في قول لا إله إلا الله. أنا أقول: لا إله إلا الله الذي يُرى في الآخرة، والذي كلَّم موسى تكليمًا. وأنت تقول: لا إله إلا الله الذي لا يُرى في الآخرة ولا يتكلَّم (٣). وقال البيهقي في «مناقبه» (٤): ذكر الشافعيُّ إبراهيمَ بن إسماعيل بن عُليَّة، فقال: أنا مخالف له في كلِّ شيء، وفي قوله: لا إله إلا الله. لست أقول كما يقول. أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلَّم موسى من وراء حجاب، وذاك يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلامًا أسمَعَه موسى من وراء حجاب. وقال في أول خطبة «رسالته» (٥): «الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسَه، وفوق ما يصفه به الواصفون من خلقه». وهذا تصريح بأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنه يتعالى ويتنَّزه عما يصفه به المتكلمون وغيرهم مما لم يصِفْ به نفسه.

стр. 2593

وقال أبو نصر أحمد بن محمد بن حامد (١) السِّجزي: سمعتُ أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد؟ فقال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وتوحيدُ أهل الباطل: الخوضُ في الأعراض والأجسام، وإنما بُعِث رسول الله ﷺ بإنكار ذلك (٢). وقال بعض أهل العلم: كيف لا يخشى الكذبَ على الله ورسوله من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية؟ وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]؟ قال الحسن: هي والله [٢١٦/أ] لكلِّ واصفٍ كذبًا إلى يوم القيامة (٣). وهل يأمن أن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]؟ قال ابن عيينة: هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمة إلى يوم القيامة (٤). وقد نزَّه سبحانه نفسه عن كلِّ ما يصفه به خلقُه إلا المرسلين، فإنهم إنما يصفونه بما أذِن لهم أن يصفوه به، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا

стр. 2594

يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩ - ١٦٠]. ويكفي المتأولين كلامَ الله ورسوله بالتأويلات التي لم يُرِدها ولم يدلَّ عليها كلامُ الله أنهم قالوا برأيهم على الله، وقدَّموا آراءهم على نصوص الوحي، وجعلوا آراءهم (١) عيارًا على كلام الله ورسوله. ولو علموا أيَّ بابِ شرٍّ فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة، وأيَّ بناءٍ للإسلام هدموا بها، وأيَّ معاقل وحصون استباحوها= لكان أحدُهم أن يخِرَّ (٢) من السماء إلى الأرض أحبُّ إليه من أن يتعاطى شيئًا من ذلك. وكلُّ (٣) صاحبِ باطلٍ قد جعل ما تأوَّله المتأولون عذرًا له فيما تأوَّله هو، وقال: ما الذي حرَّم عليَّ التأويل وأباحه لكم؟ فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد ــ وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات، بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين ــ وقالوا: كيف نحن نعاقَب على تأويلنا وتؤجَرون أنتم على تأويلكم؟ قالوا: ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر من نصوصه بالمعاد، ودلالة النصوص عليها أبيَن، فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرَها، ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد؟

стр. 2595

وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة. وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك القدرية في نصوص القدر، وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم. وكذلك القرامطة والباطنية طردت البابَ، وطمَّت (١) الواديَ على القَريِّ، وتأولت الدينَ كلَّه! فأصلُ خراب الدنيا والدين (٢) إنما هو من التأويل الذي لم يُرِده الله ورسوله بكلامه، ولا دلَّ على (٣) أنه مراده. وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه دُخِل إليها. وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ وليس هذا مختصًّا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد، حتَّى دخلها (٤) التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا ربُّ العباد.

стр. 2596

وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد ﷺ في الكتب المتقدِّمة، ولكن سلَّطوا عليها التأويلاتِ فأفسدوها ــ كما أخبر سبحانه عنهم ــ من التحريف والتبديل والكتمان. فالتحريف: تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يُرِدها المتكلم (١)، والتبديل: تبديل لفظ بلفظ آخر. والكتمان: جحدُه. وهذه الأدواء الثلاثة منها غُيِّرت الأديان والملل. وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما [٢١٦/ب] تطرَّقوا إلى فساده (٢) بالتأويل بما لا يكاد يوجد (٣) مثلُه في شيء من الأديان، ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل. وكذلك زنادقة الأمم جميعهم إنما تطرَّقوا إلى إفساد ديانات الرسل بالتأويل، ومن بابه دخلوا، وعلى أساسه بنَوا، وعلى نقطه خطُّوا. والمتأولون أصناف عديدة، بحسب الباعث لهم على التأويل، وبحسب قصور أفهامهم ووفورها. وأعظمُهم توغُّلًا في التأويل الباطل مَن فسد قصدُه وفهمُه، فكلَّما ساء قصدُه وقصَر فهمُه كان تأويله أشدَّ انحرافًا. فمنهم من يكون تأويله لنوع هوًى من غير شبهة، بل يكون على بصيرة من الحق. ومنهم من يكون تأويله لنوع شبهةٍ عرضت له أخفَتْ عليه الحقَّ (٤). ومنهم من يجتمع له الأمران: الهوى في القصد، والشبهة في العلم.

стр. 2597

وبالجملة، فافتراق أهل الكتابين وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل. وإنما أريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصِفِّين والحَرَّة وفتنة ابن الزبير وهلمَّ جرًّا بالتأويل. وإنما دخل أعداء الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية من باب التأويل. فما امتُحِن الإسلام بمحنة قطُّ إلا وسببها التأويل، فإنَّ محنته إمَّا من المتأولين، وإما أن يسلَّط عليهم الكفارُ، بسبب ما ارتكبوا من التأويل، وخالفوا فيه (١) ظاهرَ التنزيل، وتعلَّلوا بالأباطيل. فما الذي أراق دماءَ بني جَذيمة ــ وقد أسلموا ــ غيرُ التأويل حتى رفع رسولُ الله ﷺ يديه وتبرَّأ إلى الله من فعل المتأوِّل بقتلهم وأخذ أموالهم؟ (٢). وما الذي أوجب تأخُّرَ الصحابة ﵃ يومَ الحديبية عن موافقة رسول الله ﷺ غيرُ التأويل، حتى اشتدَّ غضبه لتأخُّرهم عن طاعته، حتى رجعوا عن ذلك التأويل؟ وما الذي سفَكَ دمَ أمير المؤمنين عثمان ظلمًا وعدوانًا وأوقع الأمة فيما أوقعها فيه حتى الآن غيرُ التأويل؟ وما الذي سفَك دمَ عليٍّ ﵁ وابنه الحسين وأهل بيته غيرُ التأويل؟ وما الذي أراق دمَ عمار بن ياسر وأصحابه غيرُ التأويل؟ وما الذي أراق دمَ [ابن] (٣) الزبير وحُجْر بن عدي وسعيد بن جبير

стр. 2598

وغيرهم من سادات الأمة غيرُ التأويل؟ وما الذي أريقت عليه دماء العرب في فتنة أبي مسلم غيرُ التأويل؟ وما الذي جرَّد الإمامَ أحمد بين العقابين وضرب السياط حتى عجَّت الخليقة إلى ربِّها غيرُ التأويل؟ وما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي وخلَّد خلقًا من العلماء في السجون حتى ماتوا غيرُ التأويل؟ وما الذي سلَّط سيوفَ التتار على دار الإسلام حتى ردُّوا أهلها غيرُ التأويل؟ وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل؟ وهل فُتِح بابُ التأويل إلا مضادّةً ومناقضةً لحكم الله في تعليمه عبادَه البيان الذي امتنَّ (١) في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه؟ فالتأويل بالألغاز والأحاجي والأغلوطات أولى منه بالبيان والتبيين. وهل فرقٌ بين دفع [٢١٧/أ] حقائق ما أخبرت به الرسل عن الله وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له، وبين ردِّه وعدم قبوله؟ ولكن هذا ردُّ جحود ومعاندة، وذاك ردُّ خداع ومصانعة! قال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمَّى بـ «الكشف عن مناهج الأدلة» (٢)، وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة، إلى أن قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي

стр. 2599

قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (١) [آل عمران: ٧] وهؤلاء أهل الجدل والكلام. وأشدُّ ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرًا مما ظنُّوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإنما أمر الله (٢) به في صورة المتشابه ابتلاءً لعباده واختبارًا لهم. ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجِزًا من جهة الوضوح والبيان، فما أبعد (٣) من مقصد الشارع مَن قال فيما ليس بمتشابه: إنه متشابه، ثم أوَّل ذلك المتشابه بزعمه، وقال لجميع الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل! مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا: إن ظاهره متشابه. ثم قال (٤): وبالجملة، فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تُؤُمِّلت وُجِدت ليس يقوم عليها برهان. إلى أن قال (٥): ومثالُ مَن أوَّلَ شيئًا من الشرع وزعم أن ما أوَّله هو الذي قصده الشرعُ مثالُ مَن أتى إلى دواءٍ قد ركَّبه طبيب ماهر، ليحفظ صحة جميع الناس أو الأكثر، فجاء رجل، فلم يلائمه ذلك الدواء الأعظم، لرداءة

стр. 2600

مزاجٍ كان به ليس يعرض إلا للأقلِّ من الناس، فزعم أن بعض تلك الأدوية التي (١) صرَّح باسمه (٢) الطبيبُ الأول في ذلك الدواء العامِّ المنفعة لم يُرِد به ذلك الدواء العامَّ الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواءً آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة. فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركَّب الأعظم، وجعل فيه بدله الدواءَ الذي ظنَّ أنه قصده الطبيب، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول. فاستعمل الناس ذلك الدواء المركَّب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأوِّل، ففسدت أمزجة كثير من الناس. فجاء آخرون، فشعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركَّب، فراموا إصلاحه بأن بدَّلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوعٌ من المرض غير النوع الأول. فجاء ثالث، فتأول في أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني، فعرض من ذلك للناس (٣) نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين. فجاء متأول رابع، فتأول دواءً آخر غير الأدوية المتقدمة؛ فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة.

стр. 2601

فلما طال الزمان بهذا الدواء المركَّب الأعظم، وسلَّط الناس التأويل على أدويته، وغيَّروها وبدَّلوها= عرض منه للناس أمراض شتَّى، حتى فسدت [٢١٧/ب] المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حقِّ أكثر الناس. وهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة (١) مع الشريعة، وذلك أن كلَّ فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه هو الذي قصده صاحبُ الشرع، حتى تمزَّق الشرعُ كلَّ ممزَّق، وبعد جدًّا عن موضوعه (٢) الأول. ولما علم صاحبُ الشرع صلوات الله وسلامه عليه أن مثل هذا يعرض ــ ولا بدَّ ــ في شريعته قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة» (٣)، يعني بالواحدة: التي سلكت ظاهر الشرع، ولم تؤوِّله. وأنت إذا تأمَّلتَ ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبيَّنتَ أن هذا المثال صحيح. وأول من غيَّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية. ثم جاء أبو حامد، فطمَّ الوادي على القَريِّ (٤).

стр. 2602

هذا كلامه بلفظه (١). ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين وما نال الأممَ قديمًا وحديثًا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدَّة أسفار (٢). والله المستعان. الفائدة السادسة والخمسون: لا يجوز له (٣) العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئنَّ نفسه، وحاك في صدره من فتواه (٤)، وتردَّد فيها، لقوله ﷺ : «استفتِ نفسَك ... وإن أفتاك الناس وأفتَوك» (٥)، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولًا. ولا تخلِّصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي ﷺ : «من قضيتُ له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار» (٦). والمفتي والقاضي في هذا سواء. فلا يظنَّ (٧) المستفتي أن مجرَّدَ فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه، إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء

стр. 2603

تردَّد أو حاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكِّه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهلَ المفتي، أو محاباتَه في فتواه، أو عدمَ تقيُّده (١) بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرُّخَص المخالفة للسنة وغير ذلك، من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها. فإن كان عدمُ الثقة والطمأنينة لأجل المفتي سأل ثانيًا وثالثًا حتى تحصل له الطمأنينة (٢). فإن لم يجد فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة. فإن كان في البلد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر، فهل يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل؟ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد. فمن جوَّز ذلك رأى أنه يُقبَل قولُه إذا كان وحده، فوجود من هو أفضل منه لا يمنع من قبول قوله كالشاهد. ومن منع استفتاءه قال: المقصود حصول ما يغلِّب على الظن الإصابة، وغلبةُ الظن بفتوى الأعلم أقوى، فيتعيَّن. والحقُّ: التفصيل بأن المفضول إن ترجَّح بديانة [٢١٨/أ] وورع وتحرٍّ (٣) للصواب، وعدِمَ ذلك الفاضلُ، فاستفتاء المفضول جائز إن لم يتعيَّن. وإن استويا فاستفتاءُ الأعلم أولى (٤). والله أعلم. الفائدة السابعة والخمسون: إذا لم يعرف المفتي لسان السائل، أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي، أجزأ ترجمةُ واحد بينهما، لأنه خبر محض

стр. 2604

فيكتفَى فيه بواحد، كأخبار الديانات (١). وطردُ هذا الاكتفاء بترجمة الواحد في الجرح والتعديل، والرسالة، والدعوى، والإقرار والإنكار بين يدي الحاكم، والتعريف، في إحدى الروايتين. وهي مذهب أبي حنيفة، واختارها أبو بكر إجراءً لها مجرى الخبر (٢). والرواية الثانية: لا يقبل في هذه المواضع أقلُّ من اثنين، إجراءً لها مجرى الشهادة، وسلوكًا بها سبيلها، لأنها تُثبت الإقرار عند الحاكم، وتُثبت عدالة الشهود وجرحهم، فافتقرت إلى العدد؛ كما لو شهد على إقراره شاهد واحد، فإنه لا يكتفى به. وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال، فإنه خبر محض، فافترقا. الفائدة الثامنة والخمسون: إذا كان السؤال محتملًا لصور عديدة، فإن لم يعلم (٣) الصورةَ المسؤولَ عنها لم يُجب عن صورة واحدة منها. وإن علم الصورة المسؤول عنها فله أن يخصَّها بالجواب، ولكن يقيِّد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها، فيقول: إن كان الأمر كيت وكيت، أو كان المسؤول عنه كذا وكذا، فالجواب كذا (٤). وله أن يُفرد كلَّ صورة بجواب، فيفصِّل الأقسام المحتملة، ويذكر حكمَ كلِّ قسم. ومنع بعضهم من ذلك لوجهين. أحدهما: أنه ذريعة إلى تعليم الحِيَل، وفتحُ بابٍ لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء. الثاني: أنه سبب

стр. 2605

لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العامِّي، فيضيع مقصوده (١). والحقُّ: التفصيل. فيكره حيث استلزم ذلك، ولا يكره ــ بل يستحَبُّ ــ إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان، وإزالة لبس. وقد فصَّل النبيُّ ﷺ في كثير من أجوبته بقوله: إن كان كذا فالأمر كذا، كقوله في الذي وقع على جارية امرأته: إن كان استكرهها فهي حُرَّة، وعليه لسيدتها مثلُها، وإن كانت مطاوعتَه (٢) فهي [له، وعليه لسيدتها مثلُها] (٣). الفائدة التاسعة والخمسون، وهي مما ينبغي التفطن له: إن رأى المفتي خلال السطور بياضًا يحتمل أن يُلحَق به ما يُفسد الجواب فليحترز منه، فربما دخل من ذلك عليه مكروه. فإما أن يأمره (٤) بكتابة غير الورقة، وإما أن يخُطَّ على البياض أو يشغله بشيء، كما يحترز منه كُتَّابُ الوثائق والمكاتيب (٥). وبالجملة، فليكن حذرًا فطنًا، ولا يُحسن ظنه بكلِّ أحد. وهذا الذي حمل بعضَ المفتين على أنه كان يقيِّد السؤال عنده في ورقة، ثم يجيب في ورقة السائل. ومنهم من كان [٢١٨/ب] يكتب السؤال في ورقة من عنده، ثم

стр. 2606

يكتب الجواب. وليس شيء من ذلك بلازم، والاعتماد على قرائن الأحوال ومعرفة الواقع والعادة. الفائدة الستون: إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه، فينبغي له أن يشاوره (١). ولا يستقلَّ بالجواب ذهابًا بنفسه، وارتفاعًا بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم. وهذا من الجهل، فقد أثنى سبحانه على المؤمنين بأنَّ أمرهم شورى بينهم، وقال لنبيِّه ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب ﵁، فيستشير لها من حضر من الصحابة، وربما جمعهم وشاورهم، حتى كان يشاور ابنَ عباس وهو إذ ذاك أحدَثُ القوم سنًّا. وكان يشاور عليًّا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم (٢)، ولا سيَّما إذا قصَد بذلك تمرينَ أصحابه، وتعليمهم، وشحذ أذهانهم. قال البخاري في «صحيحه» (٣): «باب إلقاء العالمِ المسألةَ على أصحابه» (٤).

стр. 2607

وأولى ما ألقى عليهم: المسألة التي سئل عنها. هذا ما لم يعارِض ذلك مفسدةٌ من إفشاء سرِّ السائل أو تعريضه للأذى، أو مفسدة لبعض الحاضرين، فلا ينبغي له أن يرتكب ذلك. وكذلك الحكم في عابر الرؤيا. فالمفتي والمعبِّر والطبيب يطَّلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطَّلع عليه غيرهم، فعليهم استعمال الستر فيما لا يحسن إظهاره. الفائدة الحادية والستون: حقيق بالمفتي أن يُكثِر الدعاء بالحديث الصحيح: «اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١) وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك. وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: «يا معلِّمَ إبراهيم (٢)»، ويُكثر الاستعانة (٣) بذلك اقتداءً بمعاذ بن جبل ﵁ (٤) حيث قال لمالك بن يُخامِر السَّكسَكي عند موته، وقد رآه يبكي، فقال: والله ما أبكي على دنيا كنتُ أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنتُ أتعلَّمهما منك. فقال معاذ بن جبل ﵁: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. اطلب العلم عند أربعة: عند

стр. 2608

عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري ــ وذكر الرابع ــ (١)، فإن عجز عنه هؤلاء، فسائرُ أهل الأرض عنه أعجَز، فعليك بمعلِّم إبراهيم (٢). وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] (٣). وكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله (٤). وكان مالك يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله (٥). وكان بعضهم يقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٥ - ٢٨] (٦). وكان بعضهم يقول: اللهم وفِّقني، واهدِني، وسدِّدني، واجمع لي بين

стр. 2609

الصواب والثواب، وأعِذني من الخطأ والحرمان (١). وكان بعضهم يقرأ الفاتحة. وجرَّبنا نحن ذلك (٢)، فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة. والمعوَّل في ذلك كلِّه على حسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجُّه في الاستمداد من المعلِّم الأول معلِّم الرسل والأنبياء فإنه لا يرُدُّ مَن صدَق في [٢١٩/أ] التوجه إليه لتبليغ دينه، وإرشاد عبيده ونصيحتهم، والتخلُّص من القول عليه بلا علم. فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم يعدَم أجرًا، إن فاته أجران. والله المستعان. وسئل الإمام أحمد، فقيل له: ربما اشتدَّ علينا الأمر من جهتك، فلمن نسأل بعدك؟ فقال: سلُوا عبد الوهاب الورَّاق، فإنه أهل أن يوفَّق للصواب (٣). واقتدى الإمام أحمد بقول عمر بن الخطاب: اقربوا (٤) من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون؛ فإنهم تجلى لهم أمور صادقة، وذلك لقرب قلوبهم من الله. وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء، وكان نورُ كشفِه للحقِّ أتمَّ وأقوى. وكلما بعد من الله كثرت عليه المعارضات، وضَعُف نورُ كشفه للصواب، فإن العلم نور يقذفه الله في

стр. 2610

القلب، يفرِّق به العبد بين الخطأ والصواب (١). وقال مالك للشافعي ﵄ في أول ما لقيه: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية (٢). وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ومن الفرقان: النور الذي يفرِّق به العبدُ بين الحق والباطل، وكلما كان قلبه أقرب إلى الله كان فرقانه أتمَّ. وبالله التوفيق. الفائدة الثانية والستون: قد تكرَّر لكثير من أهل الإفتاء الإمساكُ عما يفتون بها مما يعلمون أنه الحق، إذا خالف غرضَ السائل ولم يوافقه. وكثير منهم يسأله عن غرضه، فإن صادفه عنه كتَب له، وإلا دلَّه على مفتٍ أو مذهبٍ يكون غرضه عنده. وهذا غير جائز على الإطلاق، بل لا بدَّ فيه من تفصيل: فإن كان المسؤول عنه من مسائل العلم والسنة والمسائل العمليات (٣) التي فيها نصٌّ عن رسول الله ﷺ لم يسَع المفتيَ تركُه إلى غرض السائل، بل لا يسعه توقفُه في الإفتاء به على غرض السائل، بل ذلك إثم عظيم. وكيف يسعه من الله أن يقدِّم غرضَ السائل على الله ورسوله؟ وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب أعِنَّتَها الأقوال

стр. 2611

والأقيسة، فإن لم يترجَّح له قول منها لم يسَعْ له أن يرجِّح بغرض (١) السائل. وإن ترجَّح له قول منها وظنَّ أنه الحق فأولى بذلك، فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسعه عند الله. فإن عرفه المفتي أفتاه به سواءً وافق غرضَه أو خالفه. ولا يسعه ذلك أيضًا إذا علم أن السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة، فيجعل استفتاءه تنفيذًا لغرضه، لا تعبُّدًا لله بأداء حقِّه. ولا يسعه أن يدلَّه على غرضه أين كان، بل ولا يجب عليه أن يفتي هذا الضربَ من الناس؛ فإنهم لا يستفتون ديانةً، وإنما يستفتون توصُّلًا إلى حصول أغراضهم بأيِّ طريق اتفق (٢). فلا يجب على المفتي مساعدتهم، فإنهم لا يُربُّون (٣) الحقَّ، بل يُربُّون أغراضهم (٤). ولهذا إذا وجدوا أغراضهم في أيِّ مذهب اتفق اتبعوه في ذلك الموضع، وتمذهبوا به، كما يفعله أرباب الخصومات بالدعاوى عند الحكام. ولا يقصد أحدهم حاكمًا بعينه، بل أيُّ حاكم نفذ غرضه عنده صار إليه. وقال شيخنا مرةً: أنا مخيَّر بين [٢١٩/ب] إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدين، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إليَّ، بخلاف من يسأل عن دينه. وقد قال الله تعالى لنبيِّه في

стр. 2612

حقِّ من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه، لا لالتزامه لدينه ﷺ من أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢]. فهؤلاء لما لم يلتزموا دينه لم يلزمه الحكمُ بينهم. والله أعلم. الفائدة الثالثة والستون: عاب بعضُ الناس ذكرَ الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أولى بالعيب (١)! بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكرُ كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة والقياس الصحيح عيبًا؟ وهل ذكرُ قول الله ورسوله إلا طراز الفتاوى؟ وقولُ المفتي ليس بموجِب للأخذ به، فإذا ذكر الدليلَ فقد حرُم على المستفتي أن يخالفه، وبرِئ هو من عهدة الفتوى بلا علم. وقد كان رسول الله ﷺ يُسأَل عن المسألة، فيضرب لها الأمثال، ويشبِّهها بنظائرها. هذا، وقوله وحده حجة، فما الظنُّ بمن ليس قوله بحجَّة، ولا يجب الأخذ به! وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ (٢) قبول قوله، وهيهات أن يسوغ بلا حجة! وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئل أحدُهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها، فيقول: قال الله كذا، وقال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا؛ فيُشفَى السائل، ويبلِّغ القائل. وهذا كثير جدًّا في فتاويهم لمن تأمَّلها. ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم، فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه، وعلمه

стр. 2613

يأبى أن يتكلَّم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل. ثم طال الأمد، وبعد العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم، إلى أن صار بعضهم يجيب بـ «نعم» أو «لا» فقط، ولا يذكر للجواب دليلًا ولا مأخذًا، ويعترف بقصوره وفضلِ من يفتي بالدليل. ثم نزلنا درجةً أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمِّه. ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى ما حالهم في الفتاوى! والله المستعان. الفائدة الرابعة والستون: هل يجوز للمستفتي تقليد الميت إذا علم عدالته وأنه مات عليها من غير أن يسأل الحي؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي، أصحُّهما: له ذلك، فإن المذاهب لا تبطل بموت أصحابها، ولو بطلت بموتهم لبطل ما بأيدي الناس من الفقه عن أئمتهم، ولم يسُغ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم. وأيضًا لو بطلت أقوالهم بموتهم لم يُعتدَّ بهم في الإجماع والنزاع (١). ولهذا لو شهد الشاهدان، ثم ماتا بعد الأداء وقبل الحكم بشهادتهما، لم تبطل شهادتهما. وكذلك الراوي لا تبطل روايته بموته، فكذلك المفتي لا تبطل فتواه بموته. ومن قال: تبطل فتواه بموته قال: أهليته زالت بموته. ولو عاش لوجب عليه تجديد الاجتهاد، ولأنه قد يتغيَّر اجتهاده. وممن حكى الوجهين في المفتي: أبو الخطاب (٢) فقال: إن مات

стр. 2614

المفتي قبل عمل المستفتي، فله [٢٢٠/أ] العملُ بها. وقيل: لا يعمل بها. والله أعلم. الفائدة الخامسة والستون: إذا استفتاه عن (١) حكم حادثة، فأفتاه، وعمل بقوله، ثم وقعت له مرة ثانية؛ فهل له أن يعمل بتلك الفتوى الأولى أم يلزمه الاستفتاء مرة ثانية؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي (٢). فمن لم يُلزمه بذلك قال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فله أن يعمل بالفتوى وإن أمكن تغيُّر اجتهاده (٣)، كما أن له أن يعمل بها بعد مدة من وقت الإفتاء وإن جاز تغيُّر اجتهاده. ومن منعه من ذلك قال: ليس على ثقة من بقاء المفتي على اجتهاده الأول، فلعله أن يرجع عنه، فيكون المستفتي قد عمل بما هو خطأ عند من استفتاه. ولهذا رجَّح بعضُهم العمل بقول الميت على قول الحي، واحتجُّوا بقول ابن مسعود: من كان منكم مستنًّا فليستَنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة (٤). الفائدة السادسة والستون: هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين، ويسأل الأعلم والأديَن، أم لا يلزمه ذلك؟

стр. 2615

فيه مذهبان (١) كما سبق، وبيَّنَّا مأخذهما. والصحيح أنه يلزمه، لأنه المستطاع من تقوى الله تعالى المأمور بها كلُّ أحد. وتقدَّم أنه إذا اختلف عليه مفتيان: أورع، وأعلم (٢)، فأيُّهما يجب تقليده؟ فيه ثلاثة مذاهب سبق توجيهها. وهل يلزم العامِّيَّ أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان: أحدهما: لا يلزمه. وهو الصواب المقطوع به، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يُوجِب الله ورسوله (٣) على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة، فيقلِّدَه دينَه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرَّأةً، مبرَّأً أهلُها من هذه النسبة. بل لا يصح للعامِّيِّ مذهبٌ ولو تمذهب به. فالعامّي لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوعُ نظر واستدلال وبصر (٤) بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابًا في فروع ذلك المذهب، وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما من لم يتأهَّل لذلك البتة، بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك، لم يصِرْ كذلك بمجرَّد القول؛ كما لو قال: أنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب، لم يصِر كذلك بمجرَّد قوله. يوضِّحه أن القائل إنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متَّبع لذلك الإمام، سالك طريقه، وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة

стр. 2616

والاستدلال. فأما مع جهله وبعده جدًّا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه، فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجرَّدة والقول الفارغ من [كلِّ] (١) معنى؟ فالعامِّيّ (٢) لا يُتصوَّر أن يصحَّ له مذهب، ولو تصوِّر ذلك لم يلزمه ولا لغيره. ولا يلزم أحدًا قطُّ أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة (٣) بحيث يأخذ أقواله كلَّها، ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبةً، وأجلُّ قدرًا، وأعلم بالله ورسوله، من أن يُلزموا الناس بذلك. وأبعَدُ منه قولُ من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب [٢٢٠/ب] عالم من العلماء. وأبعَدُ منه قولُ من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. فيالله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملةً إلا مذاهبَ أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء! وهل قال ذلك أحد من الأئمة، أو دعا إليه، أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه الله ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة. لا يختلف الواجب ولا يتبدَّل. وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال، فذلك أيضًا تابع لما أوجبه الله ورسوله.

стр. 2617

ومن صحَّح للعامي مذهبًا قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده. وهذا الذي قاله هؤلاء لو صحَّ للزم منه تحريمُ استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريمُ تمذهبه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدلّ فسادُها على فساد ملزوماتها. بل يلزم منه أنه إذا رأى نصَّ رسول الله ﷺ أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه= أن يترك النص وأقوال الصحابة، ويقدِّم عليها قول من انتسب إليه. وعلى هذا، فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيَّد بالأربعة (١) بإجماع الأمة، كما لم يجب (٢) على العالم أن يتقيَّد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، بل إذا صحَّ الحديث وجب عليه العمل به حجازيًّا كان أو عراقيًّا أو شاميًّا أو بصريًّا (٣) أو يمنيًّا. وكذلك لا يجب على الإنسان التقيُّد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءةُ رسمَ المصحف الإمام، وصحَّت في العربية، وصحَّ سندها= جازت القراءة بها، وصحَّت الصلاة بها اتفاقًا. بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان، وقد قرأ بها رسولُ الله ﷺ أو الصحابة (٤) بعده، جازت القراءة بها، ولم تبطل الصلاة بها على أصحِّ

стр. 2618

الأقوال. والثاني تبطل الصلاة بها. وهاتان روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد. والثالث: إن قرأ بها في ركن لم يكن مؤدِّيًا لفرضه، وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة. وهذا اختيار أبي البركات ابن تيمية (١)، قال: لأنه لم يتحقق الإتيان بالركن في الأول ولا الإتيان بالمبطل في الثاني. ولكن ليس له أن يتبع رُخَصَ المذاهب، وأخذَ غرضه من أيِّ مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحقِّ بحسب الإمكان. الفائدة السابعة والستون: فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر، فهل يأخذ بأغلظ الأقوال، أو بأخفِّها، أو يتخيَّر، أو يأخذ بقول الأعلم أو الأورع، أو يعدل إلى مفتٍ آخر، فينظر من يوافق من الأولين، فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب عليه أن يتحرَّى ويبحث عن [٢٢١/أ] الراجح بحسبه؟ فيه سبعة مذاهب (٢)، أرجحها السابع؛ فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين، كما تقدَّم. وبالله التوفيق. الفائدة الثامنة والستون: إذا استفتى، فأفتاه المفتي، فهل تصير فتواه موجبةً على المستفتي العملَ بها بحيث يكون عاصيًا إن لم يعمل بها أو لا يوجب عليه العمل؟ فيه أربعة أوجه لأصحابنا وغيرهم (٣): أحدها: أنه لا يلزمه العمل بها إلا أن يلتزمه هو.

стр. 2619

والثاني: أنه يلزمه إذا شرع في العمل، فلا يجوز له حينئذ الترك. والثالث: أنه إن وقع في قلبه صحة فتواه وأنها حقٌّ لزمه العمل بها. والرابع: أنه إذا لم يجد مفتيًا آخر لزمه الأخذ بفتياه، فإن فرضه التقليد وتقوى الله ما استطاع، وهذا هو المستطاع في حقِّه، وهو غاية ما يقدر عليه. وإن وجد مفتيًا آخر، فإن وافق الأول فأبلغ في لزوم العمل. وإن خالفه، فإن استبان له الحق في إحدى الجهتين لزمه العمل به. وإن لم يستبن له الصواب فهل يتوقَّف، أو يأخذ بالأحوط، أو يتخيَّر، أو يأخذ بالأسهل؟ فيه وجوه تقدَّمت. الفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظه، إذا عرف أنه خطُّه، أو أعلَمَه به من يسكن إلى قوله. ويجوز له قبول قول الرسول: إن هذا خطُّه، وإن كان عبدًا أو امرأةً أو صبيًّا أو فاسقًا؛ كما يقبل قوله في الهدية والإذن في دخول الدار اعتمادًا على القرائن والعرف. وكذا يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتاب الوقف (١) على كتاب أو رباط، أو خان ونحوه (٢)، فيدخله، وينتفع به. وكذا يجوز له الاعتماد على ما يجده بخطِّ أبيه في برنامجه (٣) أن له على فلان كذا وكذا، فيحلف على الاستحقاق. وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خطِّ الزوج أنه أبانها، فلها أن

стр. 2620

تتزوَّج بناءً على الخط. وكذا الوصي والوارث يعتمد على خطِّ الموصي، فينفِّذ ما فيه، وإن لم يشهد شاهدان. وكذا إذا كتب الراوي إلى غيره حديثًا جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به، ويرويه بناءً على الخط إذا تيقَّن ذلك كلَّه. هذا عمل الأمة قديمًا وحديثًا من عهد نبيِّها (١) ﷺ وإلى الآن، وإن أنكره من أنكره. ومن العجب أن من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره، ليس معه فيما يفتي به ويقضي به إلا مجرَّد كتابٍ قيل: إنه كتاب فلان، فهو يقضي به ويفتي به (٢)، ويُحِلُّ ويحرِّم، ويقول: هكذا في الكتاب. والله الموفِّق (٣). وقد كان رسول الله ﷺ يرسل كتبه إلى الملوك وإلى الأمم يدعوهم إلى الإسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه. وهذا أظهر من أن ينكر. وبالله التوفيق. الفائدة السبعون: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء، فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه (٤): أحدها: يجوز. وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم، فإنهم كانوا يُسألون عن حوادث لم تقع قبلهم، فيجتهدون فيها. وقد قال النبي ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (٥). وهذا يعُمُّ ما

стр. 2621

اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قولَ من قبله، وما [٢٢١/ب] عرف فيه أقوالًا، واجتهد في الصواب منها. وعلى هذا درج السلف والخلف. والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث. ومن له مباشرة لفتاوى الناس يعلم أن المنقول، وإن اتسع غاية الاتساع، فإنه لا يفي بوقائع العالم جميعًا. وأنت إذا تأملت الواقعَ (١) رأيت مسائل كثيرة واقعة، وهي غير منقولة، ولا يُعرف فيها كلامٌ لأئمة المذاهب ولا لأتباعهم. والثاني: لا يجوز له الإفتاء، ولا الحكم، بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل. قال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلَّم في مسألة ليس لك فيها إمام (٢). والثالث: يجوز ذلك في مسائل الفروع، لتعلُّقها بالعمل، وشدة الحاجة إليها، وسهولة خطرها. ولا يجوز في مسائل الأصول. والحق: التفصيل، وأن ذلك يجوز، بل يستحبُّ أو يجب عند الحاجة وأهليَّة المفتي والحاكم. فإن عُدِم الأمران لم يجُز، وإن وُجد أحدهما دون الآخر احتمل الجواز، والمنع، والتفصيل؛ فيجوز للحاجة دون عدمها. والله أعلم. - - - -

стр. 2622

فصل ونختم (١) الكتاب بذكر فصولٍ يسيرٍ قدرُها، عظيمٍ أمرُها، من فتاوى إمام المفتين ورسول ربِّ العالمين، تكون روحًا لهذا الكتاب، ورَقْمًا على حُلَّة (٢) هذا التأليف: فصحَّ عنه ﷺ أنه سئل عن رؤية المؤمنين ربَّهم ﵎، فقال: «هل تضارُّون في رؤية الشمس صحوًا في الظهيرة، ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. فقال: «هل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا، ليس دونه سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنكم ترونه كذلك». متفق عليه (٣). وسئل: كيف نراه، ونحن ملءُ الأرض، وهو واحد؟ فقال: «أنبِّئكم عن ذلك في آلاء الله: الشمس والقمر آية منه صغيرة، ترونهما ويريانكم ساعةً واحدةً لا تضارُّون في رؤيتهما. ولَعَمْرُ إلهك لهو أقدَرُ على أن يراكم وترونه». ذكره أحمد (٤).

стр. 2623

وصحَّ عنه ﷺ أنه سئل عن مسألة القدر (١)، وما يعمل الناس فيه، أمر قد قُضي وفُرِغ منه أم أمر يُستأنف؟ فقال: «بل أمرٌ قد قضي وفُرغ منه». فسئل حينئذ: ففيم العمل؟ فأجاب بقوله: «اعملوا، فكُلٌّ ميسَّر لما خُلِق له. أما من كان من أهل السعادة فسيُيَسَّر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فيُيَسَّر لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ إلى آخر الآيتين [الليل: ٥ - ١٠]. ذكره مسلم (٢). وصح عنه ﷺ أنه سئل عما يكتمه الناس في ضمائرهم، هل يعلمه الله؟ فقال: «نعم». ذكره مسلم (٣). وصح عنه ﷺ أنه سئل: أين كان ربنا قبل أن تخلق السموات والأرض؟

стр. 2624

فلم ينكر على السائل، وقال: «كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء». ذكره أحمد (١). وصحَّ عنه ﷺ أنه سئل عن مبدأ تخليق هذا العالم، فأجاب بأن قال: «كان الله، ولم يكن شيءٌ غيرُه. وكان عرشه على الماء. وكَتب في الذكر كلَّ شيء». ذكره البخاري (٢). وصحَّ عنه ﷺ أنه سئل: أين يكون الناس يوم تبدَّل الأرض؟ فقال: «على الصراط». وفي لفظ آخر: «هم في الظلمة دون الجسر». فسئل: من أول الناس إجازة؟ فقال: «فقراء المهاجرين» ذكره مسلم (٣). ولا تنافي بين [٢٢٢/أ] الجوابين فإن الظلمة أول الصراط، فهناك مبدأ التبديل؛ وتمامُه وهم على الصراط. وسئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] فقال: «ذاكِ العرض». ذكره مسلم (٤). وسئل ﷺ عن أول طعام يأكله أهل الجنة؟ فقال: «زيادة كبد الحوت». فسئل ﷺ : ما غذاؤهم على أثره؟ فقال: «ينحَر لهم ثورُ الجنة الذي كان يأكل

стр. 2625

من أطرافها». فسئل ﷺ : ما شرابهم عليه (١)؟ قال (٢): «من عينٍ فيها تسمَّى سلسبيلًا». ذكره مسلم (٣). وسئل ﷺ : هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: «نورٌ أنَّى أراه!». ذكره مسلم (٤). فذكر الجواب (٥) ونبَّه على المانع من الرؤية، وهو النور الذي هو حجاب الرَّبِّ ﵎، الذي لو كشفه لم يقم له شيء. وسئل ﷺ : يا رسول الله، كيف يجمعنا ربُّنا بعدما تُمزِّقنا الرياح والبلى والسباع؟ فقال للسائل: «أنبِّئك بمثل ذلك في آلاء الله: الأرضُ أشرفتَ عليها وهي مَدَرة بالية، فقلتَ: لا تحيا أبدًا. ثم أرسل ربُّك عليها السماء، فلم تلبث عليك إلا أيامًا، ثم أشرفتَ عليها وهي شَرْبة (٦) واحدة! ولَعَمْرُ إلهِك لهو أقدَرُ

стр. 2626

على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض». ذكره أحمد (١). وسئل ﷺ : يا رسول الله ما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ فقال: «تُعرَضون عليه باديةً له صفحاتكم، لا تخفى عليه خافية منكم. فيأخذ ربُّك بيده غَرفةً من الماء، فينضح بها قِبَلَكم، فلعمرُ إلهك ما يخطئ وجهَ واحدٍ منكم منها قطرة. فأما المسلم فتدع وجهَه مثل الرَّيطة البيضاء، وأما الكافر فتخْطِمه (٢) بمثل الحميم الأسود». ذكره أحمد (٣). وسئل ﷺ : بم نبصر وقد حبس الشمس والقمر؟ فقال للسائل: «بمثل بصرك ساعتَك هذه. وذلك مع طلوع الشمس. وذلك في يومٍ أشرقت فيه الأرض، ثم واجهته الجبال». فسئل ﷺ : بم نجزى من حسناتنا وسيئاتنا؟ فقال: «الحسنة بعشرة أمثالها، والسيئة بمثلها أو يعفو». فسئل ﷺ : علامَ نطَّلع من الجنة؟ فقال: «على أنهار من عسل مصفًى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغيَّر طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لَعمرُ إلهك مما تعلمون وخيرٌ من مثله معه، وأزواج مطهرة». فسئل ﷺ : ألنا فيها أزواج؟ فقال: «الصالحات للصالحين، تلَذُّوا بهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويَلذُّوا بكم (٤)، غير أن لا توالد». ذكره أحمد (٥).

стр. 2627

وسئل ﷺ عن كيفية إتيان الوحي إليه، فقال: «يأتيني أحيانًا مثل صلصلة الجرس، وهو أشدُّه عليَّ، فيُفصَم عنِّي، وقد وعيتُ ما قال. وأحيانًا يتمثَّل لي الملكُ رجلًا». متفق عليه (١). وسئل ﷺ عن شبه الولد بأبيه تارةً، وبأمِّه تارةً، فقال: «إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له. وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل فالشبه لها». متفق عليه (٢). وأما ما رواه مسلم في «صحيحه» (٣) أنه قال: «إذا علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة أذكَرَ الرجلُ بإذن الله، وإذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرجل آنَثَ بإذن الله»، فكان شيخنا يتوقَّف في كون هذا اللفظ [٢٢٢/ب] محفوظًا، ويقول: المحفوظ هو اللفظ الأول (٤). والإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي، وإنما هو بأمر الربِّ ﵎ للملَك أن يخلقه كما يشاء. ولهذا جُعِل مع الرزق والأجل والسعادة والشقاوة (٥). قلت: فإن كان هذا اللفظ محفوظًا، فلا تنافيَ بينه وبين اللفظ الأول،

стр. 2628

ويكون سبقُ الماء سببًا للشَّبه، وعلوُّه على ماء الآخر سببًا للإذكار والإيناث (١). والله أعلم. وسئل ﷺ عن أهل الدار من المشركين، يبيَّتون، فيصاب من ذراريِّهم ونسائهم، فقال: «هم منهم». حديث صحيح (٢). ومراده ﷺ بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان، لا التبعية في عقاب الآخرة، فإن الله سبحانه لا يعذِّب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه. وسئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، فقال: «إنما هو جبريل ﵇. لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرَّتين». ذكره مسلم (٣). ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠ - ٣١] سئل: يا رسول الله، أيكرَّر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواصِّ الذنوب؟ فقال: «نعم، لَيكرَّرنَّ عليكم حتى تؤدُّوا إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه». فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد! (٤). وسئل ﷺ : كيف يُحشَر الكافر على وجهه؟ فقال: «أليس الذي أمشاه

стр. 2629

في الدنيا على رجليه قادرًا (١) أن يُمْشِيه في الآخرة على وجهه؟» (٢). وسئل ﷺ : هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة؟ فقال: «أمَّا في ثلاث مواطن فلا يذكر أحدٌ أحدًا: حيث يوضع الميزان، حتَّى يَعلم أيثقل ميزانه أم يخفُّ. وحيث يتطاير الكتب، حتَّى يعلم كتابه في يمينه أو في شماله (٣)، أو من وراء ظهره. وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم، [على] (٤) حافتيه كلاليب وحَسَك، يحبس الله به من شاء (٥) من خلقه، حتى يعلم أينجو أم لا ينجو» (٦). وسئل ﷺ : يا رسول الله، الرجلُ يحبُّ القومَ، ولمَّا يعمل بأعمالهم؟ فقال: «المرء مع من أحبَّ» (٧). وسئل ﷺ عن الكوثر، فقال: «هو نهرٌ أعطانيه ربِّي في الجنة، هو أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل. فيه طيورٌ أعناقها كأعناق الجُزُر». قيل: يا رسول الله، إنها لناعمة! قال: «آكِلُها أنعَمُ منها» (٨).

стр. 2630

وسئل عن أكثر ما يُدخِل الناسَ النارَ، فقال: «الأجوفان: الفم، والفرج». وعن أكثر ما يُدخلهم الجنة، فقال: «تقوى الله، وحسن الخلق» (١). وسئل ﷺ عن المرأة تتزوج الرجلين والثلاثة، مع من تكون منهم يوم القيامة؟ فقال: «تُخَيَّر، فتكون مع أحسنهم خُلقًا» (٢). وسئل ﷺ : أيُّ الذنب أعظم؟ فقال: «أن تجعل لله ندًّا، وهو خلَقَك». قيل: ثم ماذا؟ قال: «أن تقتل ولدك خشيَة أن يطعَم معك». قيل: ثم ماذا؟ قال: «أن تُزاني (٣) بحليلة جارك» (٤). وسئل ﷺ : أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ فقال: «الصلاة على وقتها». وفي لفظ: «لأول وقتها». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «برُّ الوالدين» (٥).
следующие страницы →