← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وسألته ﷺ امرأة صفوان بن المعطَّل السُّلَمي، فقالت: إنه يضربني إذا صلَّيتُ، ويفطِّرني إذا صمتُ، ولا يصلِّي صلاة الفجر حتى [٢٣٤/أ] تطلع الشمس. فسأله عما قالت امرأته، فقال: أمَّا قولها: يضربني إذا صليتُ، فإنها تقرأ بسُورتي، وقد نهيتها عنها (١). فقال ﷺ : «لو كانت سورةً واحدةً لكفتِ الناسَ». وأما قولها: يفطِّرني إذا صمتُ، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابٌّ ولا أصبر. فقال رسول الله ﷺ يومئذ: «لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها». قال: وأما قولها: لا أصلِّي حتى تطلع الشمس، فإنَّا أهلُ بيتٍ لا نكاد أن نستيقظ حتى تطلع الشمس. فقال: «صلِّ إذا استيقظتَ». ذكره ابن حبان (٢). قلت: ولهذا صادف أمَّ المؤمنين في قصة الإفك، لأنه كان في آخر الناس. ولا ينافي هذا الحديث قوله في حديث الإفك: «والله ما كشفتُ كنَفَ أنثى قطُّ» (٣)، فإنه إلى ذلك الوقت لم يكشف كنَفَ أنثى قطُّ، ثم تزوَّج بعد ذلك (٤).

стр. 2732

وسئل ﷺ عن قتل الوزَغ، فأمر بقتله. ذكره ابن حبان (١). وسئل ﷺ عن رجل نذَر أن يمشي إلى الكعبة، فجعل يُهادَى بين رجلين، فقال: «إنَّ الله لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسَه»، وأمره أن يركب (٢). واستفتاه ﷺ رجل في جار له يؤذيه، فأمره بالصبر، ثلاث مرات، فقال له في الرابعة: «اطرَحْ متاعَك في الطريق». ففعل، فجعل الناس يمرُّون به ويقولون: ما له؟ ويقول: آذاه جاره، فجعلوا يقولون: لعنه الله. فجاءه جارُه فقال: رُدَّ متاعَك، والله لا أؤذيك أبدًا. ذكره أحمد وابن حبان (٣). وسأله ﷺ رجل فقال: إني أذنبت ذنبًا كبيرًا، فهل لي من توبة؟ فقال له: «ألك والدان؟» قال: لا. قال: «فلك خالة؟» قال: نعم. قال: «فبَرَّها (٤)». ذكره ابن حبان (٥). وسئل ﷺ عن رجل قد أوجب، فقال: «أعتقِوا عنه رقبةً يُعتِق الله بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منه من النار». ذكره ابن حبان أيضًا (٦).

стр. 2733

«أوجب»: أي استوجب النار بذنب عظيم ارتكبه. وسأله رجل، فقال: إنَّ أبوَيَّ قد هلكا، فهل بقي من بعد موتهما شيء؟ فقال: «نعم، الصلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهودهما (١) من بعدهما، وإكرامُ صديقهما، وصلةُ رحمهما التي لا رحم لك إلا من قبلهما». قال الرجل: ما أكثرَ (٢) هذا وأطيبه! قال: «فاعمل به» (٣). وسئل ﷺ عن رجل شدَّ على رجل من المشركين ليقتله، فقال: إني مسلم، فقتَلَه. فقال فيه قولًا شديدًا، فقال: إنما قاله تعوُّذًا من السيف، فقال: «إنَّ الله حرَّم عليَّ أن أقتل مؤمنًا». حديث صحيح (٤). وسأله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، أخبِرْنا بخيرنا من شرِّنا. فقال:

стр. 2734

«خيركم من يُرجى خيرُه ويؤمن شرُّه. وشرُّكم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شرُّه». ذكره ابن حبان (١). وسأله ﷺ رجل: ما الذي بعثك الله به؟ فقال: «الإسلام». قال: وما الإسلام؟ قال: «أن تُسْلِم قلبَك لله، وأن توجِّه وجهَك لله، وأن تصلِّي الصلاة المكتوبة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران (٢)، لا يقبل الله من عبدٍ توبةً أشرَكَ بعد إسلامه». ذكره ابن حبان أيضًا (٣). وسأله ﷺ الأسود بن [٢٣٤/ب] سريع (٤)، فقال: أرأيتَ إن لقيتُ رجلًا من المشركين فقاتلني، فضرب إحدى يديَّ بالسيف، فقطَعَها، ثم لاذ منِّي بشجرة، فقال: أسلمتُ لله، أفأقتله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا تقتله». فقلت: يا رسول الله، إنه قطع إحدى يَديَّ، ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ قال: «لا تقتله، فإنك إن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال». حديث صحيح (٥).

стр. 2735

وسأله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله مررتُ برجل فلم يُضِفْني ولم يَقْرِني، أفأَحْتَكِم؟ قال: «بل اقْرِه». ذكرهما ابن حبان (١). وقوله: «أحتكم» أي أُعامله إذا مرَّ بي بمثل ما عاملني به. وسأله ﷺ أبو ذر، فقال: الرجل يحبُّ القومَ، ولا يستطيع أن يعمل بعملهم. قال: «يا أبا ذر، أنت معَ من أحببت». قال: فإني أُحِبُّ الله ورسوله. قال: «أنت يا أبا ذر مع من أحببتَ» (٢). وسأله ﷺ ناس من الأعراب، فقالوا: أفتِنا في كذا، أفتِنا في كذا، أفتِنا في كذا، أفتِنا في كذا. فقال: «أيها الناس، إن الله قد وضع عنكم الحرج، إلا امرأً (٣) اقترض من عِرض أخيه فذلك الذي حرِجَ وهلَكَ». قالوا: أفنتداوى يا رسول الله؟ قال: «نعم، إن الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له دواءً، غيرَ داءٍ واحدٍ». قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: «الهرم (٤)». قالوا: فأيُّ الناس أحبُّ إلى الله يا رسول الله؟ قال: «أحبُّ الناس إلى الله أحسَنُهم خُلُقًا». ذكره أحمد وابن حبان (٥).

стр. 2736

وسأله ﷺ عدي بن حاتم، فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان يفعل ويفعل. فقال: «إنَّ أباك أراد أمرًا، فأدركه» يعني الذكر. قال: قلت: يا رسول الله، إني أسألك عن طعام لا أدعه إلا تحرُّجًا. قال: «لا تدَعْ شيئًا ضارعتَ (١) النصرانيةَ فيه». قال: قلت: إني أرسل كلبي المعلَّم، فيأخذ صيدًا فلا أجد ما أذبح به إلا المَرْوة والعصا. قال: «أَمِرِ (٢) الدمَ بما شئت، واذكر اسم الله». ذكره ابن حبان (٣). وسألته ﷺ عائشة عن ابن جُدعان وما كان يفعل في الجاهلية من صلة الرحم وحسن الجوار وقِرى الضيف، هل ينفعه؟ فقال: «لا، لأنه لم يقُلْ يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (٤). وسأله ﷺ سفيان بن عبد الله الثقفي أن يقول له قولًا لا يسأل عنه أحدًا بعده، فقال: «قل: آمنتُ بالله، ثم استقِمْ» (٥).

стр. 2737

وسئل ﷺ : من أكرم الناس؟ قال (١): «أتقاهم لله». قالوا: لسنا عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟ خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقِهوا» (٢). وسألته ﷺ امرأة فقالت: إني نذرتُ إن ردَّك الله سالمًا أن أضرب على رأسك بالدُّفِّ. فقال: «إن (٣) نذرتِ فافعلي، وإلا فلا». قالت: إني كنتُ نذرتُ، فقعد رسول الله ﷺ ، فضربت بالدُّفِّ. حديث صحيح (٤). وله وجهان: أحدهما: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح تطييبًا لقلبها وجبرًا وتأليفًا لها على زيادة الإيمان وقوته وفرحها بسلامة رسول الله ﷺ . والثاني: أن يكون هذا النذر قربةً لما تضمَّنه من السرور والفرح [٢٣٥/أ] بقدوم رسول الله ﷺ سالمًا مؤيدًا منصورًا على أعدائه، قد أظهره الله وأظهر دينه. وهذا من أفضل القُرَب، فأُمِرت بالوفاء به. وسأله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا، فقال: «لا أجر له». فأعظَمَ ذلك الناسُ، فقالوا

стр. 2738

للرجل: أعِدْ لرسول الله ﷺ ، فلعلك لم تُفهمه. فقال الرجل: يا رسول الله، رجلٌ يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي من عرض الدنيا. فقال: «لا أجر له». فأعظم ذلك الناس، فقالوا: أعِدْ لرسول الله ﷺ ، فأعاد. فقال: «لا أجر له» (١). وسأله ﷺ رجل، فقال: أُقاتل أو أُسلِم؟ فقال: «أسْلِمْ ثم قاتِلْ». فأسلم، ثم قاتل، فقُتِل، فقال النبي ﷺ : «هذا عمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا» (٢). وسأله ﷺ رجل: ما أكثرُ ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسانه، ثم قال: «هذا» (٣). وسأله ﷺ رجل، فقال: قل [لي] (٤) قولًا ينفعني الله به، وأَقلِلْ لعلِّي أعقله. قال: «لا تغضَبْ». فعاد (٥) مرارًا. كلَّ ذلك يقول له: «لا تغضب» (٦).

стр. 2739

وسألته ﷺ امرأة، فقالت: إنَّ لي ضرَّةً، فهل عليَّ جناح إن استكثرتُ من زوجي بما لا يعطيني؟ فقال: «المتشبِّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبَي زُور» (١). وكلُّ هذه الأحاديث في «الصحيح». وسأله ﷺ رجل، فقال: إن شرائع الإسلام قد كثُرت علي، فأوصِني بشيء أتشبَّث به، فقال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله». ذكره أحمد (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، أُرْسِلُ ناقتي، وأتوكَّل (٣)؟ فقال: «بل (٤) اعقِلْها وتوكَّلْ». ذكره ابن حبان والترمذي (٥).

стр. 2740

وقال له ﷺ رجل: ليس عندي يا رسول الله ما أتزوَّج به. قال: «أوَليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن (١). أليس معك ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن (٢). أليس معك ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن. أليس معك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن. أليس معك آية الكرسي؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن. تزوَّج، تزوَّج، تزوَّج» ثلاث مرات. ذكره أحمد (٣). وسأله ﷺ معاذ، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن كان (٤) علينا أمراء لا يستنُّون بسنتك ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر (٥) في أمرهم؟ فقال: «لا طاعة لمن لم يُطِعِ الله» (٦).

стр. 2741

وسأله ﷺ أنس أن يشفع له، فقال: «إني فاعل». قال: فأين أطلبك يوم القيامة؟ قال: «اطلبني أولَ ما تطلبني على الصراط». قلت: فإذا لم ألقك على الصراط؟ قال: «فأنا على الميزان». قلت: فإن لم ألقك عند الميزان. قال: «فأنا عند الحوض، لا أخطئ هذه الثلاث مواطنَ يوم القيامة» (١). ذكرهما أحمد. وسأله ﷺ الحجاج بن عِلاط، فقال: إنَّ لي بمكة مالًا، وإنَّ لي بها أهلًا، وإنِّي أريد أن آتيهم، فأنا في حِلٍّ إن أنا نلتُ منك أو قلت شيئًا؟ فأذِن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء. ذكره أحمد (٢). وفيه دليل على أن الكلام إذا لم يُرد به قائلُه معناه، إما لعدم قصده (٣)، أو لعدم علمه به، أو أنه أراد به غيرَ معناه= لم يلزمه ما لم يُرده بكلامه. وهذا هو دين الله [٢٣٥/ب] الذي أرسل به رسوله. ولهذا لم يلزم المُكرَهَ على التكلُّم بالكفر الكفرُ، ولم يلزم زائلَ العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلَّم به، ولم يلزم الحجاجَ بن عِلاط حكمُ ما تكلَّم به؛ لأنه أراد به غير معناه، ولم يعقد قلبه عليه. وقد قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وفي الآية الأخرى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ

стр. 2742

قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. فالأحكام في الدنيا والآخرة مرتَّبةٌ على ما كسبه القلب، وعقد عليه، وأراده من معنى كلامه. وسألته ﷺ امرأة، فقالت: يا رسول الله، إنَّ نساءً أسعدْننا في الجاهلية (١)، يعني في النَّوح، أفَنُسعِدهن في الإسلام؟ قال: «لا إسعادَ في الإسلام، ولا شِغارَ في الإسلام، ولا عَقْرَ في الإسلام، ولا جَلَبَ في الإسلام (٢)، [ولا جَنَبَ] (٣)، ومن انتهب فليس منَّا». ذكره أحمد (٤). والإسعاد: إسعاد المرأة في مصيبتها بالنَّوح. والشغار: أن يزوِّج الرجلُ ابنته على أن يزوِّجَه الآخرُ ابنته. والعَقْر: الذبح على قبور الموتى. والجَلَب: الصياح على الفرس في السباق. والجَنَب: أن يجنُب فرسًا فإذا أعيَتْ فرسُه انتقل إلى تلك في المسابقة.

стр. 2743

وسأله ﷺ بعض الأنصار، فقالوا: قد كان لنا جملٌ نَسْني (١) عليه، وإنه قد استصعَبَ علينا، ومنعنا ظهرَه، وقد عطِش الزرع والنخل. فقال لأصحابه: «قوموا». فقاموا. فدخل الحائط، والجمل في ناحيته، فمشى النبيُّ ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا نبيَّ الله إنه قد صار مثل الكَلْب الكَلِب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال: «ليس عليَّ منه بأس». فلما نظر الجملُ إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه حتى خرَّ ساجدًا بين يديه. فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته أذلَّ ما كان قطُّ حتى أدخَلَه في العمل. فقال له أصحابه (٢): يا نبيَّ الله، هذا بهيمة لا تعقل، تسجد لك؛ ونحن نعقل، فنحن أحقُّ أن نسجد لك. قال: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر. ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَم حقِّه عليها. والذي نفسي بيده، لو كان من قدمه إلى مَفْرِق رأسه يتبجَّس (٣) بالقَيح والصديد ثم استقبلته تلحَسُه ما أدَّتْ حقَّه». ذكره أحمد (٤).

стр. 2744

فأخذ المشركون مع مريديهم بسجود الجمل لرسول الله ﷺ ، وتركوا قوله: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر»! وهؤلاء شرٌّ من الذين يتَّبعون المتشابه ويدَعُون المحكم. وسئل ﷺ ، فقيل له: إن أهل الكتاب يتخفَّفون، ولا ينتعلون. يعني: في الصلاة. قال: «فتخفَّفُوا (١)، وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب». قالوا: فإن أهل الكتاب يقصُّون عثانينهم، ويوفِّرون سِبالهم. فقال: «قُصُّوا سِبالَكم، ووفِّروا عثانينكم، وخالفوا أهلَ الكتاب». ذكره أحمد (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: يا نبيَّ الله، مررتُ بغارٍ فيه شيءٌ من ماء، فحدَّثتُ نفسي بأن أقيم فيه، فيقوتني ما فيه من ماء، وأصيبُ ما حوله من البقل، وأتخلَّى عن الدنيا. فقال النبي ﷺ : «إني لم أُبعَث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بُعِثْتُ بالحنيفية السمحة. والذي نفسُ محمد بيده، لَغَدوةٌ أو رَوحةٌ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولَمَقامُ أحدكم في الصفِّ خيرٌ من صلاته ستين سنة» (٣).

стр. 2745

فصل [٢٣٦/أ] وأخبرهم أن الله حرَّم عليهم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (١)، فسألوه، وقالوا: أرأيت شحوم الميتة، فإنه يُطلى بها السفن، ويُدهَن بها الجلود، ويستصبح بها الناس. فقال: «هو حرام». ثم قال: «قاتَل الله اليهود، فإن الله لما حرَّم عليهم شحومها جمَلوه (٢)، ثم باعوه وأكلوا ثمنه» (٣). وفي قوله: «هو حرام» قولان، أحدهما: أن هذه الأفعال حرام. والثاني: أن البيع حرام وإن كان المشتري يشتريه لذلك. والقولان مبنيَّان على أن السؤال منهم هل وقع عن البيع لهذا الانتفاع أو وقع عن الانتفاع (٤) المذكور؟ والأول اختيار شيخنا (٥). وهو الأظهر، لأنه لم يخبرهم أولًا عن تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه، وإنما أخبرهم عن تحريم البيع، فأخبروه أنهم يتبايعونه (٦) لهذا الانتفاع. فلم يرخِّص لهم في البيع،

стр. 2746

ولم ينههم عن الانتفاع المذكور. ولا تلازم بين جواز البيع وحِلِّ المنفعة. والله أعلم. وسأله ﷺ أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال: «أَهْرِقْها». قال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال: «لا». حديث صحيح (١). وفي لفظ: أن أبا طلحة قال: يا رسول الله، إني اشتريتُ خمرًا لأيتامٍ في حِجْري، فقال: «أهرِقِ الخمرَ، واكسِر الدِّنَان» (٢). وسأله ﷺ حكيم بن حزام، فقال: الرجل يأتيني ويريد مني البيع، وليس عندي ما يطلب؛ أفأبيع منه، ثم أبتاع من السوق؟ قال: «لا تبِعْ ما ليس عندك». ذكره أحمد (٣).

стр. 2747

وسأله ﷺ أيضًا، فقال: إني أبتاع هذه البيوع، فما يحِلُّ لي منها، وما يحرُم عليَّ منها؟ قال: «يا ابن أخي لا تبيعنَّ شيئًا حتى تقبضه». ذكره أحمد (١). وعند النسائي (٢): ابتعتُ طعامًا من طعام الصدقة، فربحتُ فيه قبل أن أقبضه. فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت له ذلك، فقال: «لا تبعه حتى تقبضه». وسئل ﷺ عن الإشقاح الذي إذا وُجِد جاز بيعُ الثمار، فقال: «تحمارُّ، وتصفارُّ، ويؤكل منها». متفق عليه (٣). وسأله ﷺ رجل فقال: ما الشيء الذي لا يحِلُّ منعُه (٤)؟ قال: «الماء». قال: ما الشيء الذي لا يحِلُّ منعه؟ قال: «الملح». قال: ثم ماذا؟ قال: «النار» (٥). ثم سأله ﷺ : ما الشيء الذي لا يحِلُّ منعه؟ قال: «أن تفعل الخيرَ

стр. 2748

خيرٌ لك». ذكره أبو داود (١). وسئل أن يُحْجَر على رجل يُغْبَن في البيع لضعفٍ في عُقْدته (٢)، فنهاه عن البيع، فقال: لا أصبر عنه. فقال: «إذا بايعتَ فقل: لا خلابة. وأنت في كلِّ سلعة ابتعتَها بالخيار ثلاثًا» (٣). وسئل ﷺ عن رجل ابتاع غلامًا، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا، فردَّه عليه. فقال البائع: يا رسول الله قد استغلَّ غلامي، فقال: «الخراج بالضمان». ذكره أبو داود (٤).

стр. 2749

وسألته ﷺ امرأة، فقالت: إني امرأة أبيع وأشتري، فإذا أردت أن أبتاع الشيءَ سُمْتُ به أقلَّ مما أريد، ثم زدت حتى أبلغ الذي أريد. وإذا أردتُ أن أبيع الشيء سُمْتُ به أكثرَ من الذي أريد، ثم وضعتُ حتى أبلغ الذي أريد. فقال: «لا تفعلي. إذا أردتِ أن تبتاعي شيئًا فاستامي به الذي تريدين، أُعطيتِ أو مُنعتِ. وإذا أردتِ أن تبيعي شيئًا فاستامي به الذي تريدين، أُعطيتِ [٢٣٦/ب] أو مُنعتِ». ذكره ابن ماجه (١). وسأله ﷺ بلال عن تمر رديء باع منه صاعين بصاع جيد، فقال: «أَوَّهْ، عينُ الربا، لا تفعل. ولكن إذا أردت أن تشتري فبعِ التمر بيعًا آخرَ، ثم اشتر بالثمن». متفق عليه (٢). وسأله ﷺ البراء بن عازب، فقال: اشتريتُ أنا وشريكي شيئًا يدًا بيدٍ ونسيئةً، فسألنا النبيَّ ﷺ ، فقال: «أما ما كان يدًا بيدٍ فخذوه، وما كان نسيئةً

стр. 2750

فذروه». ذكره البخاري (١). وهو صريح في تفريق الصفقة. وعند النسائي (٢) عن البراء قال: كنت وزيد بن أرقم تاجرين على عهد رسول الله ﷺ ، فسألناه عن الصرف، فقال: «إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان نسيئةً فلا يصلح». وسأله ﷺ فَضالة بن عُبيد عن قلادة اشتراها يوم خيبر باثني عشر دينارًا فيها ذهَب وخَرَز، ففصَّلها، فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فقال: «لا تباع حتى تُفصَّل». ذكره مسلم (٣). وهو يدل على أن مسألة «مُدُّ عَجْوة» (٤) لا تجوز إذا كان أحد العوضين فيه ما في الآخر وزيادة، فإنه صريح الربا. والصواب أن المنع مختصٌّ بهذه الصورة التي جاء فيها الحديث وما شابهها من الصور. وسئل ﷺ عن بيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل، فقال: «لا بأس إذا كان يدًا بيد». ذكره أحمد (٥). وسأله ﷺ ابن عمر، فقال: أشتري الذهب بالفضة؟ فقال: «إذا أخذتَ واحدًا منهما فلا يفارِقْك صاحبُك، وبينك وبينه لَبْسٌ». وفي لفظ: كنت أبيع الإبل، وكنت آخذ الذهب من الفضة، والفضة من الذهب، والدنانير من الدراهم، والدراهم من الدنانير؛ فسألت النبي ﷺ ، فقال: «إذا أخذتَ أحدهما، وأعطيتَ الآخر، فلا يفارِقْك صاحبُك، وبينك وبينه لَبْسٌ». ذكره

стр. 2751

ابن ماجه (١). وتفسير هذا ما في اللفظ الذي عند أبي داود (٢) عنه: قلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع (٣)، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير. آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه. فقال: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء». ذكره أحمد (٤). وسئل ﷺ عن اشتراء التمر بالرُّطَب، فقال: «أينقص الرُّطَب إذا يبس؟». قالوا: نعم. فنهى عن ذلك. ذكره أحمد والشافعي ومالك ﵁ (٥). وسئل ﷺ عن رجل أسلف في نخل، فلم يُخرِجْ تلك السنَة، فقال: «اردد عليه ماله». ثم قال: «لا تُسلِفوا في النخل حتى يبدو صلاحه» (٦).

стр. 2752

وفي لفظ (١): أن رجلًا أسلَمَ في حديقة نخلٍ قبل أن يُطلِع النخلُ، فلم يُطِلع النخلُ شيئًا ذلك العام، فقال المشتري: هو لي حتى يُطلِع، وقال البائع: إنما بعتك النخل هذه السنة. فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال للبائع: «أخذ من نخلك شيئًا؟». قال: لا. قال: «فبم تستحِلُّ ماله؟ اردد عليه ماله». ثم قال: «لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه». وهو حجة لمن لم يجوِّز السلم إلا في موجود الجنس حالَ العقد، كما يقوله الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي. [٢٣٧/أ] وسأله ﷺ رجل، فقال: إن بني فلان قد أسلموا ــ لقوم (٢) من اليهود ــ وإنهم قد جاعوا، فأخاف أن يرتدُّوا. فقال النبي ﷺ : «من عنده؟». قال رجل من اليهود: عندي كذا وكذا ــ لشيءٍ سمَّاه ــ أراه قال: ثلاثمائة دينار بسعر كذا وكذا من حائط بني فلان. فقال رسول الله ﷺ : «بسعر كذا وكذا، وليس من حائط بني فلان». ذكره ابن ماجه (٣). فصل وسأله ﷺ حمزة بن عبد المطلب فقال: اجعلني على شيء أعيش به، فقال رسول الله ﷺ : «يا حمزة، نفسٌ تُحييها أحبُّ إليك، أم نفسٌ تُميتها؟».

стр. 2753

فقال: نفسٌ أحييها. قال: «عليك نفسَك». ذكره أحمد (١). وسئل ﷺ : ما عملُ الجنة؟ قال: «الصدق، فإذا صدَق العبدُ برَّ، وإذا برَّ آمن، وإذا آمن دخل الجنة» (٢). وسئل ﷺ : ما عمل النار (٣)؟ قال: «الكذب، إذا كذَب العبدُ فجَر، وإذا فجَر كفَر، وإذا كفَر دخل النار» (٤). وسئل ﷺ عن أفضل الأعمال؟ فقال: «الصلاة». قيل: ثمَّ مَه؟ قال: «الصلاة» ثلاث مرات. فلما غلب عليه قال: «الجهاد في سبيل الله». قال الرجل: فإن لي والدين. قال: «آمرك بالوالدين خيرًا». قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا، لأجاهدنَّ ولأتركهما (٥). فقال: «أنت أعلم». ذكره أحمد (٦). وسئل ﷺ عن الغُرف التي في الجنة، يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، لمن هي؟ قال: «لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله

стр. 2754

قائمًا والناس نيام» (١). وسأله ﷺ رجل: أرأيت إن جاهدتُ بنفسي ومالي، فقُتِلتُ صابرًا محتسبًا مقبلًا غيرَ مدبر، أدخل الجنة؟ قال: «نعم». فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا. قال: «إلا إن متَّ وعليك دَينٌ ليس (٢) عندك وفاؤه» (٣). وأخبرهم بتشديدٍ أُنزِل، فسألوه عنه، فقال: «الدَّين. والذي نفسي بيده، لو أن رجلًا قُتِل في سبيل الله، ثم عاش، ثم قتل في سبيل الله، ثم عاش، ثم قُتل في سبيل الله، ما دخل الجنةَ حتى يُقضى دينُه» (٤). ذكرهما أحمد. وسأله ﷺ رجل عن أخيه مات وعليه دَين، فقال: «هو محبوس بدَينه، فاقضِ عنه». فقال: يا رسول الله، قد أدَّيتُ عنه إلا دينارين ادَّعتْهما امرأةٌ وليس لها بينة. فقال: «أعطِها فإنها مُحِقّة». ذكره أحمد (٥).

стр. 2755

وفيه دليل على أن الوصي إذا علم ثبوتَ (١) الدَّين على الميت جاز له وفاؤه وإن لم تقم به بينة. وسألوه ﷺ أن يسعِّر لهم، فقال: «إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق. وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتُها إياه في دم أو مال». ذكره أحمد (٢). فصل وسأله ﷺ رجل، فقال: أرضي ليس لأحد فيها شَرِكةٌ ولا قِسْمةٌ إلا الجار. فقال: «الجار أحقُّ بصَقَبه». ذكره أحمد (٣). والصواب العمل بهذه الفتوى إذا اشتركا في طريق أو حقٍّ من حقوق الملك (٤). وسئل ﷺ : [٢٣٧/ب] أيُّ الظلم أعظم؟ قال: «ذراع من الأرض ينتقصه من حقِّ أخيه. وليست حصاةٌ من الأرض أخَذَها إلا طُوِّقَها يوم القيامة إلى

стр. 2756

قعر الأرض، ولا يعلم قعرَها إلا الذي خلقها». ذكره أحمد (١). وأفتى ﷺ في شاة ذُبحت بغير إذن صاحبها وقُدِّمت إليه= أن تُطْعَم الأسارى. ذكره أبو داود (٢). فصل وأفتى ﷺ بأنَّ ظهرَ الرهن يُركَب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبنَ الدَّرِّ يُشرَب بنفقته إذا كان مرهونًا؛ وعلى الذي يركب ويشرب: النفقة. ذكره البخاري (٣). وأخذ أحمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى، وهو الصواب (٤). وأفتى ﷺ بأن الرَّهن لا يُغلَق من صاحبه الذي رهَنه. له غُنْمه، وعليه غُرْمه. حديث حسن (٥). وأفتى ﷺ في رجلٍ أصيب في ثمار ابتاعها، فكثُر دينُه؛ فأمر أن يتصدَّق عليه، فلم يُوفِ ذلك دينَه، فقال للغرماء: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا

стр. 2757

ذلك». ذكره مسلم (١). وأفتى ﷺ من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحقُّ به من غيره. متفق عليه (٢). فصل وسألته ﷺ امرأة عن حُليٍّ لها تصدَّقت به، فقال لها: «لا يجوز لامرأة عطيةٌ في مالها إلا بإذن زوجها» (٣). وفي لفظ: «لا يجوز للمرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجُها عصمتَها». ذكره أهل السنن (٤). وعند ابن ماجه (٥): أن خَيْرةَ امرأة كعب بن مالك أتته بحُلِيٍّ، فقالت:

стр. 2758

تصدَّقتُ بهذا. فقال: «هل استأذنتِ كعبًا؟». فقالت: نعم. فبعث إلى كعب، فقال: «هل أذِنتَ لخيرة أن تتصدَّق بحُليِّها هذا؟». فقال: نعم. فقبله رسول الله ﷺ . وسأله ﷺ رجل، فقال: ليس لي مال، ولي يتيم. فقال: «كُلْ من مال يتيمك غيرَ مسرف، ولا مبذِّر، ولا متأثِّل مالًا، ومن غير أن تقيَ مالَك ــ أو قال: تفدي مالَك ــ بماله» (١). ولما نزلت ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] عزلوا أموال اليتامى، حتى جعل الطعامُ يفسُد، واللحمُ يُنْتِن. فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فنزلت ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ذكره أحمد وأهل السنن (٢). وسئل ﷺ عن لُقَطة الذهب والورق، فقال: «اعرِفْ وِكاءها وعِفاصَها، ثم عرِّفها سنةً. فإن لم تعرف فاستنفِقها، ولتكن وديعةً عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدِّها إليه». فسئل ﷺ عن ضالَّة الإبل. قال: «ما لك ولها؟ دَعْها، فإن معها حذاءها وسقاءها، ترِد الماءَ، وتأكل الشجر حتى يجدها

стр. 2759

ربُّها». فسئل ﷺ عن الشاة. فقال: «خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب». متفق عليه (١). وفي لفظ لمسلم (٢): «فإن جاء صاحبها فعرِّف عِفاصَها وعددَها ووِكاءَها، فأعطها إياه، وإلا فهي لك». وفي لفظ لمسلم (٣): «ثم كُلْها، فإن جاء صاحبها فأدِّها إليه». وقال أُبيُّ بن كعب: وجدتُ صُرَّةً على عهد النبي (٤) ﷺ ، فيها مائة دينار. فأتيتُ بها النبيَّ ﷺ ، فقال: «عرِّفها حولًا». فعرَّفتها حولًا، ثم أتيتُه بها، فقال: «عرِّفها حولًا». فعرَّفتها [٢٣٨/أ] ثم أتيته بها، فقال: «عرِّفها حولًا». فعرَّفتُها حولًا (٥)، ثم أتيته (٦) الرابعة، فقال: «اعرف عِدَّتها ووكاءها ووعاءها، فإن جاء صاحبُها، وإلا فاستمتِع بها». فاستمتعتُ (٧). متفق عليه (٨)، واللفظ للبخاري. وسأله ﷺ رجل من مُزَينة عن الضالَّة من الإبل، قال: «معها حذاؤها

стр. 2760

وسقاؤها، تأكل الشجر، وترِدُ الماء، فدَعْها حتى يأتيها باغيها». قال: الضالَّة من الغنم؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها». قال: الحريسة (١) التي توجد في مراتعها؟ قال: «فيها ثمنُها مرتين، وضربُ نكال. وما أُخِذ من عَطَنه (٢)، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المِجَنّ». قال: يا رسول الله، فالثمار وما أُخذ منها في أكمامها؟ قال: «ما أخَذ بفمه، فلم يتخذ خُبْنةً (٣)، فليس عليه شيء. وما احتمَل فعليه ثمنُه مرتين وضربًا ونكالًا. وما أُخِذ من أجرانه (٤) ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المِجَنّ». قالوا: يا رسول الله، فاللقطة يجدها في سبيل العامرة؟ قال: «عرِّفها حولًا، فإن وجدتَ باغيها فأدِّها إليه، وإلا فهي لك». قال: ما يوجد في الخَرِب العاديِّ؟ قال: «فيه وفي الرِّكاز الخُمْس». ذكره أحمد وأهل السنن (٥). والإفتاء بما فيه متعيِّن، وإن خالفه من خالفه؛ فإنه لم يعارضه ما يوجب تركه. وأفتى بأن من وجد لقطة فليُشْهِد ذوي عدل، وليحفَظْ عِفاصَها ووِكاءها. ثم لا يكتُمْ ولا يُغيِّبْ، فإن جاء ربُّها فهو أحقُّ بها، وإلا فهو مال الله

стр. 2761

يؤتيه من يشاء (١). وسئل ﷺ عن رجل جلس لحاجته، فأخرج جُرَذٌ من جُحْر دينارًا، ثم أخرج آخر (٢)، حتى أخرج سبعة عشر دينارًا، ثم أخرج طرفَ خرقةٍ حمراء. فأتى بها السائلُ رسولَ الله ﷺ ، فأخبره خبرَها، وقال: خذ صدقتها. قال: «ارجع بها، لا صدقة فيها، بارك الله لك فيها». ثم قال: «لعلك أهويتَ بيدك في الجُحر». قلت (٣): لا، والذي أكرمك بالحق. فلم يَفْنَ آخرُها حتى مات (٤). وقوله ــ والله أعلم ــ: «لعلك أهويتَ بيدك في الجُحْر»، إذ لو فعل ذلك لكان في حكم الرِّكاز. وإنما ساق الله هذا المال إليه بغير فعل منه، أخرجته له الأرض، بمنزلة ما يخرج من المباحات. ولهذا ــ والله أعلم ــ لم يجعله لقطة، إذ لعله علِم أنه من دفن الكفار.

стр. 2762

فصل وأهدى له ﷺ عياض بن حمار إبلًا قبل أن يُسلِم، فأبى أن يقبلها، وقال: «إنَّا لا نقبل زَبْدَ المشركين». قال: قلتُ (١): وما زبدُ المشركين؟ قال: رِفْدُهم وهديتهم (٢). ذكره أحمد (٣). ولا ينافي هذا قبوله هديةَ أُكَيْدِر وغيره من أهل الكتاب، لأنهم أهل كتاب، فقبِل (٤) هديتَهم، ولم يقبل هدية المشركين. وسأله ﷺ عبادة بن الصامت، فقال: رجل أهدى إليَّ قوسًا ممن كنتُ أعلِّمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله. فقال: «إن كنتَ تحبُّ أن تطوَّقَ طوقًا من نار فاقبلها» (٥). ولا ينافي هذا قوله: «إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتابُ الله» (٦) في قصة

стр. 2763

الرقية، لأن تلك جعالة على الطب، فطبَّه بالقرآن، فأخذ الأجرَ (١) على الطب، لا على تعليم القرآن. وهاهنا منعه من أخذ الأجرة على تعليم القرآن، فإن الله تعالى قال لنبيه: ﴿قُلْ لَا [٢٤٠/ب] أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢١]. فلا يجوز أخذ الأجرة على تبليغ الإسلام والقرآن. وسأله ﷺ أبو النعمان بن بشير أن يشهد على غلامٍ نحَلَه لابنه، فلم يشهد، وقال: «لا تُشْهِدْني على جَور». وفي لفظ: «إن هذا لا يصلح». وفي لفظ: «أكلَّ ولدك نحلتَه مثلَ هذا؟». قال: لا. قال: «فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم». وفي لفظ: «فارجعه». وفي لفظ: «أشهِدْ على هذا غيري». متفق عليه (٢). وهذا أمرُ تهديد قطعًا، لا أمرُ إباحة، لأنه سمَّاه جورًا وخلاف العدل، وأخبر أنه لا يصلح، وأمر بردِّه. ومحالٌ مع هذا أن يأذن (٣) في الإشهاد على ما هذا شأنه. وبالله التوفيق. وسأله ﷺ سعد بن أبي وقاص ﵁، فقال: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال (٤)، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدَّق بثلثي

стр. 2764

مالي؟ قال: «لا». قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: «لا». قلت: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكفَّفون الناس، وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجِرتَ بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» متفق عليه (١). وسأله ﷺ عمرو بن العاص فقال: يا رسول الله، إن أبي أوصى أن يُعتَق عنه مائةُ رقبة، فأعتق ابنُه هشامٌ خمسين، وبقيت عليه خمسون رقبة، أفأُعتِق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنه لو كان مسلمًا، فأعتقتم عنه، أو تصدَّقتم عنه، أو حججتم عنه، بلغه ذلك». ذكره أبو داود (٢). فصل وسأله ﷺ رجل، فقال: إن ابن ابني مات، فما لي من ميراثه؟ فقال: «لك السدس». فلما أدبر دعاه، فقال: «لك سدس آخر». فلما ولَّى دعاه وقال: «إن السدس الآخر طُعْمَة». ذكره أحمد (٣). وسأله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ عن الكلالة، فقال: «يكفيك من

стр. 2765

ذلك (١) الآية التي أنزلت في الصيف في آخر سورة النساء». ذكره مالك (٢). وسأله ﷺ جابر: كيف أقضي في مالي، ولا يرثني إلا كلالة؟ فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. ذكره البخاري (٣). وسأله ﷺ تميم الداري: يا رسول الله، ما السنَّة في الرجل من المشركين يُسلم على يد رجل من المسلمين؟ فقال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته». ذكره أبو داود (٤). وسألته ﷺ امرأة فقالت: كنت تصدَّقتُ على أمي بوليدة، وإنها ماتت وتركت الوليدة. قال: «قد وجب أجرك، ورجعَتْ إليك في الميراث». ذكره أبو داود (٥). وهو ظاهر جدًّا في القول بالرد، فتأمله. وسئل ﷺ عن الكلالة، فقال: «ما خلا الولد والوالد». ذكره أبو عبد الله المقدسي في «أحكامه» (٦).

стр. 2766

وسألته ﷺ امرأة سعد، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد، قُتِل معك يوم أحد، وإنَّ عمَّهما أخذ جميعَ ما ترك أبوهما، وإن المرأة لا تُنكَح إلا على مالها. فسكت النبيُّ ﷺ حتى أنزلت آية الميراث. فدعا رسول الله ﷺ أخا سعد بن الربيع، فقال: «أعطِ ابنتي سعد ثلثي ميراثه، وأعطِ امرأته الثمن، وخذ أنت ما بقي». [٢٤١/أ] ذكره أحمد (١). وسئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف. وأْتِ ابنَ مسعود فسيتابعني. فسئل ابن مسعود وأُخْبِرَ بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأخت. ذكره البخاري (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: عندي ميراث رجل من الأزد، ولست أجد أزديًّا أدفعه إليه، فقال: «اذهب، فالتمس أزديًّا حولًا». فأتاه بعد الحول، فقال: يا رسول الله، لم أجد أزديًّا أدفعه إليه. قال: «فانطلق فانظُر أول خزاعيٍّ تلقاه فادفعه إليه». فلما ولَّى قال: «عليَّ بالرجل». فلما جاءه قال: «انظر كُبْرَ خزاعة (٣)

стр. 2767

فادفعه إليه». ذكره أحمد (١). وسئل ﷺ عن رجل مات ولم يدع وارثًا إلا غلامًا له كان أعتقه، فقال رسول الله ﷺ : «هل له أحد؟». قالوا: لا، إلا غلامًا له كان أعتقه، فجعل رسول الله ﷺ ميراثه له. ذكره أحمد وأهل السنن (٢). وهو حسن (٣). وبهذه الفتوى نأخذ. وأفتى ﷺ بأن «المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنَتْ عليه». ذكره أحمد وأهل السنن (٤). وهو حديث حسن (٥)، وبه نأخذ. وأفتى ﷺ بأن «المرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه (٦). فإذا قتل أحدُهما صاحبه عمدًا لم

стр. 2768

يرث من ديته وماله شيئًا. وإن قتل أحدُهما صاحبه خطأً ورث من ماله ولم يرث من ديته». ذكره ابن ماجه (١)، وبه نأخذ. وأفتى ﷺ بأنه «أيُّما رجلٍ عاهرٍ بحُرَّة أو أمة، فالولد ولد زنا، لا يرِث ولا يورث». ذكره الترمذي (٢). وقضى ﷺ في ولد المتلاعنين أنه يرث أمَّه وترثه أمُّه، ومن قذفها (٣) جُلِد ثمانين، ومن دعاه ولد زنا جُلِد ثمانين. ذكره أحمد (٤)

стр. 2769

وأبو داود (١). وعند أبي داود: وجعل ميراث ولد الملاعنة لأمه، ولورثتها من بعدها (٢). وسأله ﷺ الشَّريد بن سُويَد، فقال: إن أمي أوصت أن تُعتَق عنها رقبةٌ مؤمنةٌ، وعندي جارية سوداء نوبية، فأُعتِقها (٣) عنها؟ فقال: «ائتِ بها». فقال لها: «من ربُّكِ؟». قالت: الله، قال: «من أنا؟». قالت (٤): رسول الله ﷺ . قال: «أعتِقْها فإنها مؤمنة». ذكره أهل السنن (٥). وسأله ﷺ رجل، فقال: عليَّ عتقُ رقبة مؤمنة، وأتاه بجارية سوداء أعجمية، فقال لها: «أين الله؟». فأشارت إلى السماء بإصبعها السبَّابة. فقال لها: «من أنا». فأشارت بإصبعها إلى رسول الله، وإلى السماء، أي أنت رسول الله. فقال: «أعتِقْها». ذكره أحمد (٦).

стр. 2770

وسأله معاوية بن الحكم السُّلَمي، فقال: كانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبلَ أُحُد والجوَّانية (١)، فاطلعتُ ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها. وأنا رجلٌ من بني آدم آسَفُ كما يأسفون، فصككتُها صَكَّةً. فعظَّم (٢) عليَّ ذاك رسولُ الله ﷺ [٢٤١/ب]، فقلت: أفلا أُعتِقها؟ فقال: «ائتني بها». فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء. قال: «من أنا؟». قالت: أنت رسول الله. قال: «أَعتِقْها فإنها مؤمنة» (٣). قال الشافعي: فلما وصفت الإيمان وأن ربها ﵎ في السماء، قال: «أَعتِقْها فإنها مؤمنة»، فقد سأل رسول الله ﷺ : «أين الله» (٤). وسأل ﷺ : «أين الله؟» فأجاب من سأله بأن الله في السماء، فرضي جوابه، وعلم به أنه حقيقة الإيمان لربِّه. وأجاب هو ﷺ من سأله: أين الله؟ ولم ينكر هذا السؤال عليه. وعند الجَهْمي أن السؤال بأين الله كالسؤال بما لونه؟ وما طعمه؟ وما جنسه؟ وما أصله؟ ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة. وسألته ﷺ ميمونةُ أمُّ المؤمنين، فقالت: أشَعَرْتَ أني أعتقتُ وليدتي؟
следующие страницы →