← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وسألته ﷺ امرأة سعد، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد، قُتِل معك يوم أحد، وإنَّ عمَّهما أخذ جميعَ ما ترك أبوهما، وإن المرأة لا تُنكَح إلا على مالها. فسكت النبيُّ ﷺ حتى أنزلت آية الميراث. فدعا رسول الله ﷺ أخا سعد بن الربيع، فقال: «أعطِ ابنتي سعد ثلثي ميراثه، وأعطِ امرأته الثمن، وخذ أنت ما بقي». [٢٤١/أ] ذكره أحمد (١). وسئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف. وأْتِ ابنَ مسعود فسيتابعني. فسئل ابن مسعود وأُخْبِرَ بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأخت. ذكره البخاري (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: عندي ميراث رجل من الأزد، ولست أجد أزديًّا أدفعه إليه، فقال: «اذهب، فالتمس أزديًّا حولًا». فأتاه بعد الحول، فقال: يا رسول الله، لم أجد أزديًّا أدفعه إليه. قال: «فانطلق فانظُر أول خزاعيٍّ تلقاه فادفعه إليه». فلما ولَّى قال: «عليَّ بالرجل». فلما جاءه قال: «انظر كُبْرَ خزاعة (٣)

стр. 2767

فادفعه إليه». ذكره أحمد (١). وسئل ﷺ عن رجل مات ولم يدع وارثًا إلا غلامًا له كان أعتقه، فقال رسول الله ﷺ : «هل له أحد؟». قالوا: لا، إلا غلامًا له كان أعتقه، فجعل رسول الله ﷺ ميراثه له. ذكره أحمد وأهل السنن (٢). وهو حسن (٣). وبهذه الفتوى نأخذ. وأفتى ﷺ بأن «المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنَتْ عليه». ذكره أحمد وأهل السنن (٤). وهو حديث حسن (٥)، وبه نأخذ. وأفتى ﷺ بأن «المرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه (٦). فإذا قتل أحدُهما صاحبه عمدًا لم

стр. 2768

يرث من ديته وماله شيئًا. وإن قتل أحدُهما صاحبه خطأً ورث من ماله ولم يرث من ديته». ذكره ابن ماجه (١)، وبه نأخذ. وأفتى ﷺ بأنه «أيُّما رجلٍ عاهرٍ بحُرَّة أو أمة، فالولد ولد زنا، لا يرِث ولا يورث». ذكره الترمذي (٢). وقضى ﷺ في ولد المتلاعنين أنه يرث أمَّه وترثه أمُّه، ومن قذفها (٣) جُلِد ثمانين، ومن دعاه ولد زنا جُلِد ثمانين. ذكره أحمد (٤)

стр. 2769

وأبو داود (١). وعند أبي داود: وجعل ميراث ولد الملاعنة لأمه، ولورثتها من بعدها (٢). وسأله ﷺ الشَّريد بن سُويَد، فقال: إن أمي أوصت أن تُعتَق عنها رقبةٌ مؤمنةٌ، وعندي جارية سوداء نوبية، فأُعتِقها (٣) عنها؟ فقال: «ائتِ بها». فقال لها: «من ربُّكِ؟». قالت: الله، قال: «من أنا؟». قالت (٤): رسول الله ﷺ . قال: «أعتِقْها فإنها مؤمنة». ذكره أهل السنن (٥). وسأله ﷺ رجل، فقال: عليَّ عتقُ رقبة مؤمنة، وأتاه بجارية سوداء أعجمية، فقال لها: «أين الله؟». فأشارت إلى السماء بإصبعها السبَّابة. فقال لها: «من أنا». فأشارت بإصبعها إلى رسول الله، وإلى السماء، أي أنت رسول الله. فقال: «أعتِقْها». ذكره أحمد (٦).

стр. 2770

وسأله معاوية بن الحكم السُّلَمي، فقال: كانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبلَ أُحُد والجوَّانية (١)، فاطلعتُ ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها. وأنا رجلٌ من بني آدم آسَفُ كما يأسفون، فصككتُها صَكَّةً. فعظَّم (٢) عليَّ ذاك رسولُ الله ﷺ [٢٤١/ب]، فقلت: أفلا أُعتِقها؟ فقال: «ائتني بها». فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء. قال: «من أنا؟». قالت: أنت رسول الله. قال: «أَعتِقْها فإنها مؤمنة» (٣). قال الشافعي: فلما وصفت الإيمان وأن ربها ﵎ في السماء، قال: «أَعتِقْها فإنها مؤمنة»، فقد سأل رسول الله ﷺ : «أين الله» (٤). وسأل ﷺ : «أين الله؟» فأجاب من سأله بأن الله في السماء، فرضي جوابه، وعلم به أنه حقيقة الإيمان لربِّه. وأجاب هو ﷺ من سأله: أين الله؟ ولم ينكر هذا السؤال عليه. وعند الجَهْمي أن السؤال بأين الله كالسؤال بما لونه؟ وما طعمه؟ وما جنسه؟ وما أصله؟ ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة. وسألته ﷺ ميمونةُ أمُّ المؤمنين، فقالت: أشَعَرْتَ أني أعتقتُ وليدتي؟

стр. 2771

قال: «لو أعطيتِها أخوالَكِ كان أعظمَ لأجرك». متفق عليه (١). وسأله ﷺ نفر من بني سُليم عن صاحبٍ لهم قد أوجب، يعني النار بالقتل، فقال: «أعتِقُوا عنه يُعتِق الله بكلِّ عضو منه عضوًا من النار». ذكره أبو داود (٢). وسأله ﷺ رجل: كم أعفو عن الخادم؟ فصمَتَ عنه. ثم قال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم؟ فقال: «اعفُ عنه كلَّ يوم سبعين مرة». ذكره أبو داود (٣). وسئل ﷺ عن ولد الزنا، فقال: «لا خير فيه. نعلان أجاهد فيهما في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن أُعتِق ولدَ الزنا». ذكره أحمد (٤). وسأله ﷺ سعد بن عبادة فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر، أفيجزئ عنها

стр. 2772

أن أُعتِق عنها؟ قال: «أعتِقْ عن أمك». ذكره أحمد (١). وعند مالك (٢): إن أمي هلكت، فهل ينفعها أن أُعتِقَ عنها؟ فقال: «نعم». واستفتته ﷺ عائشة، فقالت: إني أردت أن أشتري جارية فأُعتِقها، فقال أهلها: نبيعكها على أنَّ ولاءَها لنا، فقال: «لا يمنعكِ ذلك، إنما الولاء لمن أعتَق». والحديث في الصحيح (٣). فقالت طائفة: يصح الشرط والعقد، ويجب الوفاء به. وهو خطأ. وقالت طائفة: يبطل العقد والشرط، وإنما صح عقد عائشة لأن الشرط لم يكن في صلب العقد، وإنما كان متقدِّمًا عليه، فهو بمنزلة الوعد لا يلزم الوفاء به. وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله، فالنبيُّ ﷺ لم يعلِّل به، ولا أشار في الحديث إليه بوجه ما. والشرط المتقدِّم كالمقارِن. وقالت طائفة: في الكلام إضمارٌ تقديره: اشترطي لهم الولاء، أو لا تشترطيه، فإن اشتراطه لا يفيد شيئًا؛ لأن الولاء لمن أعتق. وهذا أقرب من الذي قبله مع مخالفته لظاهر اللفظ. وقالت طائفة: اللام بمعنى على، أي اشترطي عليهم الولاء؛ فإنك أنتِ

стр. 2773

التي تُعتقين، والولاء لمن أعتق. وهذا وإن كان أقلَّ تكلُّفًا مما تقدَّم، ففيه إلغاء الاشتراط. فإنها لو لم تشترطه لكان الحكم كذلك. وقالت طائفة: هذه الزيادة ليست من كلام النبي ﷺ ، بل هي من قول هشام بن عروة. وهذا جواب الشافعي نفسه (١). وقال شيخنا (٢): بل الحديث على ظاهره، ولم يأمرها النبيُّ ﷺ باشتراط الولاء تصحيحًا لهذا الشرط، ولا إباحةً له، ولكن عقوبةً لمشترطه، إذ أبى أن يبيع جاريةً للعِتق (٣) إلا باشتراط ما يخالف حكم الله [٢٤٢/أ] تعالى وشرعه. فأمَرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله، لأن (٤) الشروط الباطلة لا تغيِّر شرعه، وإنَّ مَن شرَط ما يخالف دينه لم يجُز أن يوفَى له بشرطه، ولا يبطُل البيع به. وإنَّ مَن عَرف فساد الشرط وشَرطَه أُلغي اشتراطُه ولم يُعتبر. فتأمَّل هذه الطريقة وما قبلها من الطرق. والله تعالى أعلم. فصل وسئل ﷺ : أيُّ النساء خير؟ فقال: «التي تسُرُّه إذا نظر، وتُطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله». ذكره أحمد (٥).

стр. 2774

وسئل ﷺ : أيُّ المال يُتَّخَذ؟ فقال: «ليتخذ أحدُكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجةً مؤمنةً تُعين أحدكم على أمر الآخرة». ذكره أحمد والترمذي وحسَّنه (١). وسأله ﷺ رجل، فقال: إني أصبتُ امرأةً ذاتَ حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوَّجها؟ قال: «لا». ثم أتاه الثانية، فنهاه. ثم أتاه الثالثة، فقال: «تزوَّجوا الودود الولود (٢)، فإني مُكاثِرٌ بكم الأمم» (٣). وسأله ﷺ أبو هريرة ﵁ ، فقال: إني رجل شابّ، وإني أخاف الفتنة، ولا أجد ما أتزوج به، أفلا أختصي؟ قال: فسكت عني. ثم قلت، فسكت عني. ثم قال: «يا أبا هريرة، جفَّ القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذَرْ». ذكره البخاري (٤). وسأله ﷺ آخر، فقال: يا رسول الله ائذن لي أن أختصي. قال: «خِصاءُ

стр. 2775

أمتي الصيامُ». ذكره أحمد (١). وسأله ﷺ ناس من أصحابه، فقالوا: ذهب أهل الدُّثور بالأجور. يصلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون بفضول أموالهم. قال: «أوليس قد جعل الله لكم ما تَصَدَّقون به؟ إنَّ بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلة صدقة. وأمرٌ بمعروف صدقة، ونهيٌ عن منكر صدقة. وفي بُضْع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو (٢) وضَعَها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضَعها في الحلال كان له أجر». ذكره مسلم (٣). وأفتى ﷺ من أراد أن يتزوج امرأة بأن ينظر إليها (٤). وسأله ﷺ المغيرة بن شعبة عن امرأة خطبها، فقال: «اذهب، فانظر إليها، فإنه أجدر أن يُؤْدَمَ بينكما». فأتى أبويها، فأخبرهما بقول رسول الله ﷺ ، فكأنهما كرها ذلك. فسمعت ذلك المرأةُ، وهي في خِدْرها، فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمَرك أن تنظر، فانظر، وإلا فإني أنشُدك! كأنها عظَّمت ذلك عليه. قال: فنظرتُ إليها، فتزوجتُها. فذكر من موافقتها له. ذكره أحمد

стр. 2776

وأهل السنن (١). وسأله ﷺ جرير عن نظرة الفجاءة، فقال: «اصرِفْ بصرَك». ذكره مسلم (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: عوراتنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال (٣): «إن استطعت أن لا يرينَّها أحد [٢٤٢/ب] فلا يرينَّها». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: «الله أحقُّ أن يُستَحيا منه». ذكره أهل السنن (٤). وسأله ﷺ رجل أن يزوِّجه امرأةً، فأمره أن يُصْدِقَها شيئًا ولو خاتمًا من حديد. فلم يجده، فقال: «ما معك من القرآن؟». قال: معي سورة كذا وسورة كذا. قال: «تقرؤهن عن ظهر قلبك؟». قال: نعم. قال: «اذهب، فقد ملَّكتكها بما معك من القرآن». متفق عليه (٥).

стр. 2777

واستأذنته ﷺ أمُّ سلمة في الحِجامة، فأمر أبا طيبة أن يحجُمَها. قال (١): حسبتُ أنه كان أخاها من الرضاعة، أو غلامًا لم يحتلم. ذكره مسلم (٢). وأمر ﷺ أم سلمة وميمونة أن يحتجبا من ابن أم مكتوم، فقالتا: أليس (٣) أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ قال: «أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟». ذكره أهل السنن، وصحَّحه الترمذي (٤). فأخذت طائفة بهذه الفتوى، وحرَّمت على المرأة نظرها إلى الرجل. وعارضت طائفة أخرى هذا الحديث بحديث عائشة في «الصحيحين» (٥) أنها كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد. وفي هذه المعارضة نظر، إذ لعل قصة الحبشة كانت قبل نزول الحجاب. وخصَّت طائفةٌ أخرى ذلك بأزواج النبي ﷺ .

стр. 2778

وسألته ﷺ عائشة ﵁ عن الجارية يُنكِحها أهلُها، أتُسْتأمر أم لا؟ فقال: «نعم، تُستأمر». قالت عائشة ﵁: فإنها تستحيي. فقال رسول الله (١) ﷺ : «فذلك إذنها إذا هي سكتت». متفق عليه (٢). وبهذه الفتوى نأخذ، وأنه لا بد من استئمار البكر. وقد صحَّ عنه ﷺ : «الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليها، والبِكْرُ تُستَأمر في نفسها، وإذنها صُماتها». وفي لفظ: «والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنُها صُماتها» (٣). وفي «الصحيحين» (٤) عنه ﷺ : «لا تُنكَح البكر حتى تُستأذن». قالوا: وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت». وسألته ﷺ جاريةٌ بِكْرٌ، فقالت: إن أباها زوَّجها وهي كارهة، فخيَّرها النبي ﷺ (٥). فقد أمر باستئذان البكر، ونهى عن نكاحها (٦) بدون إذنها، وخيَّر ﷺ من

стр. 2779

نُكِحت، ولم تُستأذن= فكيف بالعدول عن ذلك كلِّه ومخالفته بمجرَّد مفهوم قوله: «الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليها»؟ كيف ومنطوقه صريح في أن هذا المفهوم الذي فهمه من قال: تُنكَح بغير اختيارها، غيرُ مراد؟ فإنه قال عقيبه: «والبكر تستأذن في نفسها». بل هذا احتراز منه ﷺ من حملِ كلامه على ذلك المفهوم، كما هو المعتاد في خطابه، كقوله: «لا يُقتَل مسلمٌ بكافر، ولا ذو عهد في عهده» (١)، فإنه لما نفى قتل المسلم بالكافر أوهمَ ذلك إهدارَ دم الكافر، وأنه لا حرمة له، فرفَع هذا الوهم بقوله: «ولا ذو عهد في عهده». ولما كان الاقتصار على قوله: «ولا ذو عهد» يوهم أنه لا يُقتَل إذا ثبت له العهدُ من حيث الجملة رفَع هذا الوهمَ بقوله: «في عهده»، وجعل ذلك قيدًا لعصمة العهد فيه. وهذا كثير في كلامه ﷺ لمن تأمَّله، كقوله: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها» (٢). فإن نهيه عن الجلوس عليها لما كان ربما يوهم [٢٤٣/أ] التعظيم المحذور رفَعه بقوله: «ولا تصلُّوا إليها». والمقصود: أن أمره باستئذان البكر، ونهيه عن نكاحها بدون إذنها، وتخييرها حيث لم تستأذن= لا معارض له، فيتعين القول به. وبالله التوفيق. وسئل ﷺ عن صداق النساء، فقال: «هو ما اصطلح عليه أهلوهم». ذكره الدارقطني (٣).

стр. 2780

وعنده (١) مرفوعًا: «أنكِحُوا اليتامى». قيل: يا رسول الله، ما العلائق بينهم؟ قال: «ما تراضى عليه الأهلون، ولو قضيبٌ (٢) من أراك». وسألته ﷺ امرأة، فقالت: إن أبي زوَّجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيستَه. فجعَل الأمرَ إليها، فقالت: قد أجزتُ ما صنَع أبي، ولكن أردتُ أن يعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء. ذكره أحمد والنسائي (٣). ولما هلك عثمان بن مظعون ترك ابنة له، فزوَّجها عمُّها قُدامة من عبد الله بن عمر، ولم يستأذنها. فكرهت نكاحه، وأحبَّت أن يتزوجها المغيرة بن شعبة. فنزعها من ابن عمر، وزوَّجها المغيرة، وقال: إنها يتيمة ولا تُنكَح إلا بإذنها. ذكره أحمد (٤).

стр. 2781

وسأله ﷺ مرثَد الغَنَوي، فقال: يا رسول الله، أَنكِحُ عَنَاقًا (١)، وكانت بغيًّا بمكة؟ فسكت عنه، فنزلت الآية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فدعاه، فقرأها عليه وقال: «لا تنكِحْها» (٢). وسأله ﷺ رجل آخر عن نكاح امرأة يقال لها أمُّ مهزول، كانت تسافح، فقرأ عليه رسول الله ﷺ الآية. ذكره أحمد (٣). وأفتى ﷺ بأن الزاني المجلود لا ينكِحُ إلا مثلَه (٤). فأخذ بهذه الفتاوى التي لا معارض لها الإمام أحمد ومن وافقه. وهي من محاسن مذهبه، فإنه لم يجوِّز أن يكون الرجل زوج قَحْبة. ويعضد مذهبَه بضعة وعشرون دليلًا قد ذكرناها في موضع آخر (٥).

стр. 2782

وأسلم قيس بن الحارث، وتحته ثمان نسوة، فسأل النبيَّ ﷺ عن ذلك، فقال: «اختر منهن أربعًا» (١). وأسلم غيلان وتحته عشر نسوة، فأمره ﷺ أن يأخذ منهن أربعًا (٢). ذكرهما أحمد. وهما كالصريح في أن الخيرة إليه بين الأوائل والأواخر. وسأله ﷺ فَيروز الدَّيلمي فقال: أسلمتُ، وتحتي أختان. فقال: «طلِّق أيتهما شئتَ». ذكره أحمد (٣). وسأله ﷺ نَضْرة (٤) بن أكثم، فقال: نكحتُ امرأة بكرًا في سِتْرها، فدخلت عليها، فإذا هي حبلى. فقال النبي ﷺ : «لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولدُ عبدٌ لك. فإذا ولدَتْ فاجلدوها» وفرَّق بينهما. ذكره أبو داود (٥).

стр. 2783

ولا يشكل من هذه الفتوى إلا حكم (١) عبودية الولد (٢). والله أعلم. وأسلمت امرأة على عهده ﷺ ، فتزوجت. فجاء زوجها، فقال: يا رسول الله، إني كنت أسلمتُ وعلِمَتْ بإسلامي. فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر، وردَّها إلى الأول. ذكره أحمد وابن حبان (٣). وسئل ﷺ عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقًا حتى مات، فقضى لها على صداق نسائها، وعليها العدة، ولها الميراث. ذكره أحمد [٢٤٣/ب] وأهل السنن، وصححه الترمذي وغيره (٤). وهذه فتوى لا معارض لها، فلا سبيل إلى العدول عنها. وسئل ﷺ عن امرأة تزوَّجت، ومرضت، فتمعَّط (٥) شَعرُها، فأرادوا أن

стр. 2784

يصِلُوه، فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة». متفق عليه (١). وسئل ﷺ عن العزل، فقال (٢): «أو إنكم لتفعلون؟ ــ قالها ثلاثًا ــ ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي (٣) كائنة». متفق عليه (٤). ولفظ مسلم (٥): «لا عليكم أن لا تفعلوا. ما كتبَ الله خلقَ نسمةٍ هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون». وسئل ﷺ أيضًا عن العزل، فقال: «ما من كلِّ الماء يكون الولد. وإذا أراد الله خَلْقَ شيءٍ لم يمنعه شيء» (٦). وسأله ﷺ آخر، فقال: إن لي جاريةً، وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تَحمِل، وأنا أريد ما يريد الرجال (٧)، وإن اليهود تحدِّث أن العزل موءودة الصغرى (٨). فقال: «كذبت اليهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعتَ أن

стр. 2785

تَصرفه» (١). ذكرهما أحمد وأبو داود (٢). وسأله ﷺ آخر فقال: عندي جارية، وأنا أعزل عنها. فقال رسول الله ﷺ : «إن ذلك لن يمنع (٣) شيئًا أراده الله (٤)». فجاء الرجل، فقال لرسول الله ﷺ : إن الجارية التي كنتُ ذكرتُها لك حمَلتْ، فقال: «أنا عبد الله ورسوله». ذكره مسلم (٥). وعنده (٦) أيضًا: إن لي جارية هي خادمنا (٧) وسانيتنا (٨)، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل. فقال: «اعزِلْ عنها إن شئتَ، فإنه سيأتيها ما قُدِّر

стр. 2786

لها». فلبث الرجل، ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حملت، فقال: «أخبرتك (١) أنه سيأتيها ما قُدِّر لها». وسأله ﷺ آخر عن ذلك، فقال: «لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقتَه على صخرةٍ لأخرجه الله منها، وليخلقنَّ الله نفسًا هو خالقها». ذكره أحمد (٢). وسأله ﷺ آخر، فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال: «لِم تفعل ذلك؟». فقال: أُشفِق على ولدها. فقال رسول الله ﷺ : «لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارسَ والرومَ». وفي لفظ: «إن كان كذلك فلا. ما ضرَّ (٣) ذلك فارسَ والرومَ». ذكره مسلم (٤). فصل وسألته ﷺ امرأة من الأنصار عن التجبية، وهي وطء المرأة في قُبلها من ناحية دبرها. فتلا عليها قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾

стр. 2787

[البقرة: ٢٢٣] صِمامًا واحدًا (١)». ذكره أحمد (٢). وسأله ﷺ عمر ﵁، فقال: يا رسول الله هلكتُ! قال: «وما أهلكك؟». قال: حوَّلتُ رَحْلي البارحة. فلم يردَّ عليه شيئًا. فأوحى الله إلى رسوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ «أَقْبِلْ وأَدْبِرْ، واتقوا الحيضة والدبر». ذكره أحمد والترمذي (٣). وهذا هو الذي أباحه الله ورسوله، وهو الوطء من الدبر، لا في الدبر. وقد قال: «ملعونٌ مَن أتى امرأته في دبرها» (٤). وقال: «مَن أتى حائضًا أو

стр. 2788

امرأةً في دبرها، أو كاهنًا فصدَّقه= فقد كفَر بما أُنزِل على محمد» (١). وقال: «إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» (٢). وقال: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأةً في [٢٤٤/أ] الدبر» (٣). وقال في الذي يأتي امرأته في دبرها: «هي اللوطية الصغرى» (٤). وهذه الأحاديث جميعها ذكرها

стр. 2789

أحمد في «المسند». وسئل ﷺ : ما حقُّ المرأة على الزوج؟ قال: «أن يُطعمها إذا طعِم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه ولا يقبِّح، ولا يهجُر إلا في البيت». ذكره أحمد وأهل السنن (١). فصل وسألته ﷺ عائشة (٢)، فقالت؛ إن أفلح أخا أبي القُعَيس استأذن عليَّ، وكانت امرأته أرضعتني، فقال: «ائذني له، إنه عمُّكِ». متفق عليه (٣). وسأله ﷺ أعرابي، فقال: إني كانت لي امرأة، فتزوجتُ عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحُدْثَى (٤) رضعةً أو رضعتين. فقال: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان». ذكره مسلم (٥). وسألته سهلة بنت سهيل، فقالت: إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقَل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أنَّ في نفس أبي حذيفة من

стр. 2790

ذلك شيئًا. فقال: «أرضعيه تحرُمي عليه، ويذهبِ الذي في نفس أبي حذيفة». فرجعت، فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة. ذكره مسلم (١). فأخذ (٢) طائفة من السلف بهذه الفتوى، منهم عائشة. ولم يأخذ بها أكثر أهل العلم، وقدَّموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرَّم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين، لوجوه: أحدها: كثرتها وانفراد حديث سالم. الثاني: أن جميع أزواج النبي ﷺ خلا عائشة في شِقِّ المنع. الثالث: أنه أحوط. الرابع: أن رضاع الكبير لا يُنبت لحمًا ولا يُنْشِز (٣) عظمًا، فلا تحصل به البعضية التي هي سبب التحريم. الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصًّا بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته. السادس: أن رسول الله ﷺ دخل على عائشة، وعندها رجل قاعد، فاشتدَّ ذلك عليه وغضب، فقالت: إنه أخي من الرضاعة. فقال: «انظرن مَن

стр. 2791

إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة». متفق عليه، واللفظ لمسلم (١). وفي قصة سالم مسلك آخر، وهو أن هذا كان موضع حاجة، فإن سالمًا كان قد تبنَّاه أبو حذيفة وربَّاه، ولم يكن له منه (٢) ومن الدخول على أهله بدٌّ. فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك، فالقولُ به مما يسوغ فيه الاجتهاد. ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإليه كان شيخنا يجنح (٣). والله أعلم. وسئل ﷺ أن ينكح ابنة حمزة، فقال: «لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة. ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب». ذكره مسلم (٤). وسأله ﷺ عقبة بن الحارث فقال: تزوجت امرأةً، فجاءت أمة سوداء فقالت: أرضعتكما، وهي كاذبة. فأعرض عنه. فقال: إنها كاذبة. فقال: «كيف بها، وقد زعمت أنها (٥) أرضعتكما؟ دعها عنك». ففارَقها، ونكحت (٦) غيرَه. ذكره مسلم (٧). وللدارقطني (٨): «دعها عنك، فلا خير لك فيها».

стр. 2792

وسأله ﷺ رجل فقال: ما يُذهِب عني مذمة الرضاع؟ [٢٤٤/ب] فقال: «غرَّةُ عبدٍ أو أَمةٍ». ذكره الترمذي وصححه (١). والمذِمَّة بكسر الذال (٢): من الذمام، لا من الذمّ الذي هو نقيض المدح. والمعنى: أن للمرضعة على المرضع حقًّا وذِمامًا، فيُذهبه عبد أو أمة، فيعطيها إياه. وسئل ﷺ : ما الذي يجوز من الشهود في الرضاع؟ فقال: «رجل أو امرأة». ذكره أحمد (٣). فصل من فتاويه ﷺ في الطلاق ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأله عن طلاق ابنه امرأته وهي حائض، فأمَر بأن يراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أن يطلِّق بعدُ يطلِّق (٤).

стр. 2793

وسأله ﷺ رجل، فقال: إنَّ امرأتي ... وذكر من بَذائها، فقال: «طلِّقها». فقال: إنَّ لها صحبةً وولدًا. قال: «مُرْها وقُلْ لها، فإن يكن فيها خير فستفعل. ولا تضرب ظعينتَك ضربَك أمتَك». ذكره أحمد (١). وسأله ﷺ آخر فقال: إن امرأتي لا تردُّ يدَ لامس. قال: «غيِّرها (٢) إن شئت». وفي لفظ: «طلِّقْها». قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي. قال: «استمتع (٣) بها» (٤). فعورض بهذا الحديثِ المتشابهِ الأحاديثُ المحكمةُ الصريحةُ في المنع من تزويج البغايا، واختلفت مسالك المحرِّمين لذلك فيه. فقالت طائفة: المراد باللامس: ملتمِسُ الصدقة، لا ملتمِسُ الفاحشة. وقالت طائفة: بل هذا في الدوام غير مؤثر، وإنما المانع ورود العقد على زانية، فهذا هو الحرام. وقالت طائفة: بل هذا من التزام أخفِّ المفسدتين لدفع أعلاهما. فإنه لما أمر بمفارقتها خاف أن لا يصبرَ عنها، فيواقعَها حرامًا. فأمره حينئذ

стр. 2794

بإمساكها، إذ مواقعتها بعقد النكاح (١) أقلُّ فسادًا من مواقعتها بالسفاح. وقالت طائفة: بل الحديث ضعيف لا يثبت. وقالت طائفة: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية. وإنما فيه أنها لا تمتنع ممن لمَسها أو وضعَ يده عليها أو نحو ذلك، فهي تعطي اللَّيان لذلك. ولا يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى، ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها لداعي الفاحشة، فأمَره بفراقها تركًا لما يريبه إلى ما لا يريبه. فلما أخبره بأن نفسه تتبعها، وأنه لا صبر له عنها، رأى مصلحةَ إمساكها أرجحَ من مفارقتها لما يكره من عدم انقباضها عمن يلمسها (٢) = فأمرَه بإمساكها. وهذا لعله أرجح المسالك (٣). والله أعلم. وسألته ﷺ امرأة، فقالت: إن زوجي طلَّقني ــ تعني (٤): ثلاثًا ــ وإني تزوجتُ زوجًا غيره. وقد دخل بي، فلم يكن معه إلا مثلُ هُدْبة الثوب، فلم يقرَبني إلا هنةً واحدةً، ولم يصل مني إلى شيء. أفأحِلُّ لزوجي الأول؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا تحِلِّين لزوجك الأول حتى يذوق الآخَرُ عسيلتَك وتذوقي عسيلتَه». متفق عليه (٥). وسئل ﷺ أيضًا عن الرجل يطلِّق امرأته ثلاثًا، فيتزوَّجها الرجل، فيغلق الباب، ويُرخي الستر، ثم يطلِّقها قبل أن يدخل بها. قال: «لا تحِلُّ للأول

стр. 2795

حتى يجامعها الآخر». ذكره النسائي (١). وسئل ﷺ [٢٤٥/أ] عن التَّيس المستعار، فقال: «هو المحلِّل». ثم قال: «لعن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له». ذكره ابن ماجه (٢). وسألته ﷺ امرأة عن كفر المنعَمين، فقال: «لعل إحداكن أن تطول أَيْمَتُها بين أبويها (٣) وتعنُس (٤) فيرزقها الله زوجًا، ويرزقها منه مالًا وولدًا، فتغضَب الغضبةَ، فتقول: ما رأيتُ منه يومَ خيرٍ (٥) قطُّ». ذكره أحمد (٦). وسئل ﷺ عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: «أيُلعَب بكتاب الله، وأنا بين أظهركم؟». حتى قام رجل، فقال: يا

стр. 2796

رسول الله ألا أقتلُه؟ ذكره النسائي (١). وطلقَّ رُكانةُ بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدًا، فسأله رسول الله ﷺ : «كيف طلَّقتها؟». فقال: طلَّقتها ثلاثًا. فقال: «في مجلس واحد؟». فقال: نعم. قال: «إنما تلك واحدة (٢) فارجعها إن شئت». قال: فراجَعها، فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كلِّ طهر. ذكره أحمد (٣)، قال: حدثنا سعد بن إبراهيم قال: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، فذكره. وأحمد يصحِّح هذا الإسناد، ويحتج به، وكذلك الترمذي. وقد قال عبد الرزاق: أخبرنا (٤) ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع (٥) مولى رسول الله ﷺ ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طلَّق عبدُ يزيد أبو ركانةَ وإخوتِه أمَّ ركانة، ونكح امرأةً من مُزَينة، فجاءت النبيَّ ﷺ ، فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرةٍ أخذَتها من رأسها؛ ففرِّق بيني

стр. 2797

وبينه. فأخذت النبيَّ ﷺ حميَّة (١)، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: «أترون أن فلانًا يُشبِه (٢) منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانًا منه كذا وكذا؟». قالوا: نعم. قال النبي ﷺ لعبد يزيد: «طلِّقْها». ففعل، فقال: «راجِعْ امرأتَك أمَّ ركانة وإخوتِه». فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله. قال: «قد علمتُ، راجِعْها». وتلا ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (٣). قال أبو داود (٤): حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عبد الرزاق، فذكره. فهذه طريقة أخرى متابعة لابن إسحاق. والذي يخاف من ابن إسحاق التدليس، وقد قال: «حدَّثني». وهذا مذهبه. وبه أفتى ابن عباس في إحدى الروايتين عنه. صحَّ عنه ذلك، وصحَّ عنه إمضاء الثلاث موافقة لعمر ﵁ (٥). وقد صح عنه ﷺ أن الثلاث كانت واحدة في عهده، وعهد أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر ﵄ (٦). وغايةُ ما يقدَّر مع بُعده أن الصحابة كانوا على ذلك، ولم يبلغه. وهذا وإن كان كالمستحيل فإنه يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته وحياة الصدِّيق بذلك، وقد أفتى هو ﷺ به. فهذه فتواه

стр. 2798

وعمل أصحابه كأنه أخذ باليد، ولا معارض لذلك. ورأى عمر ﵁ أن يحمل الناسَ على إنفاذ الثلاث عقوبةً وزجرًا لهم لئلا يرسلوها جملةً. وهذا اجتهاد منه ﵁، غايته أن يكون سائغًا لمصلحة رآها، ولا يُوجِب تركَ ما أفتى به رسول الله ﷺ ، وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته. وإذا (١) ظهرت الحقائق فليقل امرؤ ما شاء! وبالله التوفيق. وسئل [٢٤٥/ب] ﷺ عن رجلٍ (٢) قال: إن تزوجتُ فلانة فهي طالق ثلاثًا، فقال: «تزوَّجْها، فإنه لا طلاق إلا بعد النكاح» (٣). وسئل ﷺ عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فقال: «طلَّق ما لا يملِك» (٤). ذكرهما الدارقطني.

стр. 2799

وسأله ﷺ عبد، فقال: إن مولاتي زوَّجتني، وتريد أن تفرِّق بيني وبين امرأتي. فحمِد الله، وأثنى عليه، وقال: «ما بال أقوام يزوِّجون عبيدهم إماءهم، ثم يريدون أن يفرِّقوا بينهم؟ ألا إنما يملك الطلاقَ مَن أخذ بالساق». ذكره الدارقطني (١). وسأله ﷺ ثابت بن قيس: هل يصلح أن يأخذ بعض مال امرأته ويفارقها؟ قال: «نعم». قال: فإني قد أصدَقتُها حديقتين، وهما بيدها. فقال النبيُّ ﷺ : «خذهما، وفارقها». ذكره أبو داود (٢). وكانت قد شكته إلى النبي ﷺ ، وتحبُّ فراقه كما ذكره البخاري (٣): أنها قالت: يا رسول الله، ثابتُ بن قيس ما أعيب عليه في خلُق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال: «أترُدِّين عليه حديقته؟». قالت: نعم. فقال رسول الله ﷺ : «اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة». وعند ابن ماجه (٤): إني أكره الكفر في الإسلام، ولا أطيقه بغضًا. فأمره

стр. 2800

النبيُّ ﷺ أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد. وعند النسائي (١): أن النبي ﷺ أفتاها أن تتربَّص حيضة واحدة. وعند أبي داود (٢): أن النبيَّ ﷺ أمرها أن تعتدَّ حيضةً (٣) واحدة. وأفتى النبي ﷺ أن المرأة إذا ادَّعت طلاق زوجها، فجاءت على ذلك بشاهد عدل استُحْلِف زوجُها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نكَل فنكوله بمنزلة شاهد آخر، وجاز طلاقه. ذكره ابن ماجه (٤) من رواية عمرو بن أبي سلَمة التِّنِّيسي (٥). وقد روى له مسلم في «صحيحه» (٦). فصل وسئل ﷺ عن رجل ظاهَر من امرأته، ثم وقع عليها قبل أن يكفِّر. قال:

стр. 2801

«وما حملك على ذلك، يرحمك الله؟». قال: رأيتُ خلخالَها في ضوء القمر. قال: «لا تقرَبْها حتى تفعل ما أمَرك الله » (١). صحيح (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلَّم جلدتموه، أو قتَل قتلتموه، أو سكتَ سكتَ على غيظ! فقال: «اللهم افتح»، وجعل يدعو؛ فنزلت آية اللعان. فابتلي به ذلك الرجلُ من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ فتلاعنا. ذكره مسلم (٣). وسأله ﷺ رجل، فقال: إن امرأتي ولدت على فراشي غلامًا أسودَ، وإنَّا أهلُ بيت لم يكن فينا أسود قطُّ. قال: «هل لك من إبل؟». قال: نعم، قال: «فما ألوانها؟». قال: حُمْر (٤). قال: «هل فيها أورَقُ (٥)؟». قال: نعم. قال: «فأنَّى كان ذلك؟» قال: عسى أن يكون نزعه عِرقٌ. قال: «فلعل ابنك هذا نزعَه عِرْق». متفق عليه (٦).

стр. 2802

وحكَم بالفرقة بين المتلاعنين، وأن لا يجتمعا أبدًا، وأخذِ المرأةِ صداقَها، وانقطاعِ نسب الولد من أبيه وإلحاقه بأمه، ووجوبِ الحدِّ على من قذَفه أو قذَف أمَّه، وسقوطِ الحدِّ عن الزوج، وأنه لا يلزمه نفقة ولا كسوة ولا سكنى بعد الفرقة (١). وسأله ﷺ سلَمة بن صخر البياضي، فقال: ظاهرتُ من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان. [٢٤٦/أ] فبينا (٢) هي تخدُمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فلم ألبث أن نزوتُ عليها. فقال: «أنت بذاك يا سلمة؟». فقلت: أنا بذاك، فأنا صابر لأمر الله ، فاحكم فيَّ بما أراك الله. قال: «حرِّرْ رقبةً». قلت: والذي بعثك بالحق ما أملِك رقبةً غيرَها، وضربتُ صفحةَ رقبتي! قال: «فصُمْ شهرين متتابعين». فقلت: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلا من الصيام؟ قال: «فأطعِمْ وَسْقًا من تمرٍ بين ستِّين مسكينًا». قلت: والذي بعثك بالحق (٣)، لقد بِتنا وحشَين (٤) ما لنا من طعام. قال: «فانطلِقْ إلى صاحب صدقة بني زُرَيق، فليدفعها إليك. فأطعِمْ ستين مسكينًا وَسْقًا من تمر، وكُلْ أنت وعيالك بقيتَها». فرجعتُ إلى قومي، فقلت: وجدتُ عندكم الضيقَ وسوءَ الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعةَ وحسنَ الرأي، وأمر لي بصدقتكم. ذكره أحمد (٥).

стр. 2803

وسألته ﷺ خولة بنت مالك، فقالت: إن زوجها أوس بن الصامت ظاهَر منها، وشكته إلى رسول الله ﷺ ، ورسولُ الله ﷺ يجادلها فيه ويقول (١): «اتقي الله، فإنه ابن عمُّكِ». فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٢) الآيات [المجادلة: ١]. فقال: «يُعتِقُ رقَبةً». قالت: لا يجد. قال: «فيصوم شهرين متتابعين». قالت: إنه شيخ كبير ما به من صيام. قال: «فليطعِم ستين مسكينًا». قالت: ما عنده من شيء يتصدَّق به. فأُتيَ ساعتَه بعَرَقٍ (٣) من تمر. قلتُ (٤): يا رسول الله، فإني أعينه (٥) بعَرَقٍ آخر. قال: «قد أحسنتِ! اذهبي، فأطعِمي بها عنه ستِّين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمِّك». ذكره أحمد وأبو داود (٦). ولفظ أحمد: قالت: فيَّ ــ واللهِ ــ وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدرَ

стр. 2804

سورة المجادلة. قالت: كنتُ عنده، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقُه وضجِر. قالت: فدخل عليَّ يومًا، فراجعتُه بشيء، فغضب، فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي. ثم خرج، فجلس في نادي قومه ساعةً، ثم دخل عليَّ، فإذا هو يريدني عن نفسي. قالت: قلتُ: كلَّا! والذي نفسُ خُوَيلة بيده، لا تخلصُ إليَّ، وقد قلتَ ما قلتَ حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكم. قالت: فواثبَني، فامتنعتُ منه، فغلبتُه بما تغلب المرأةُ الشيخَ الضعيفَ، فألقيتُه عنِّي. ثم خرجتُ إلى بعض جاراتي، فاستعرتُ منها ثيابها، ثم خرجتُ حتى جئتُ رسولَ الله ﷺ ، فجلستُ بين يديه، فذكرتُ له ما لقيتُ منه. فجعلتُ أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. فجعل رسول الله ﷺ يقول: «يا خويلةُ، ابنُ عمِّكِ شيخ كبير، فاتقي الله فيه». قالت: فوالله ما برحتُ حتى نزل القرآن. فتغشَّى رسولَ الله ﷺ ما كان يتغشَّاه، ثم سُرِّيَ عنه، فقال: «يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك». ثم قرأ عليَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤]. قالت: فقال رسول الله ﷺ : «مُريه فليُعتِقْ رقبةً». وذكر نحو ما تقدم. وعند ابن ماجه (١): أنها قالت: يا رسول الله أكَلَ شبابي، ونثرتُ له بطني، حتى إذا كبِرت (٢) سنِّي، وانقطع ولدي ــ ظاهَر منِّي. اللهم إني أشكو إليك. فما برحت حتى نزل جبرائيل ﵇ بهؤلاء الآيات.

стр. 2805

فصل في فتاويه ﷺ في العِدَد ثبت أن سُبَيعة الأسلمية سألته، وقد مات زوجها ووضعت حملَها بعد موته. [٢٤٦/ب] قالت: فأفتاني رسول الله ﷺ أني قد حللتُ حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي (١). وعند البخاري (٢) أنها سئلت، كيف أفتاها رسول الله ﷺ ؟ قالت: أفتاني إذا وضعتُ أن أنكِح. وكانت أم كلثوم بنت عُقبة عند الزبير بن العوام، فقالت له، وهي حامل: طيِّب نفسي بتطليقة. فطلَّقها تطليقةً، ثم خرج إلى الصلاة. فرجع، وقد وضعت. فقال لها: خدعتِني (٣) خدَعكِ الله! ثم أتى النبيَّ ﷺ ، فسأله عن ذلك، فقال: «سبق الكتابُ أجلَه، اخطُبْها إلى نفسها». ذكره ابن ماجه (٤). وسألته ﷺ فُريعة بنت مالك، فقالت: إن زوجي خرج في طلبِ أعبُدٍ له أبَقُوا، حتَّى إذا كان بطرف القَدُوم (٥) لحِقَهم، فقتلوه. فسألته أن ترجع إلى أهله، وقالت: إن زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه، ولا نفقةً. فقال لها رسول الله ﷺ : «نعم». قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنت في الحُجرة ــ أو في المسجد ــ
следующие страницы →