← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

«وما حملك على ذلك، يرحمك الله؟». قال: رأيتُ خلخالَها في ضوء القمر. قال: «لا تقرَبْها حتى تفعل ما أمَرك الله » (١). صحيح (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلَّم جلدتموه، أو قتَل قتلتموه، أو سكتَ سكتَ على غيظ! فقال: «اللهم افتح»، وجعل يدعو؛ فنزلت آية اللعان. فابتلي به ذلك الرجلُ من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ فتلاعنا. ذكره مسلم (٣). وسأله ﷺ رجل، فقال: إن امرأتي ولدت على فراشي غلامًا أسودَ، وإنَّا أهلُ بيت لم يكن فينا أسود قطُّ. قال: «هل لك من إبل؟». قال: نعم، قال: «فما ألوانها؟». قال: حُمْر (٤). قال: «هل فيها أورَقُ (٥)؟». قال: نعم. قال: «فأنَّى كان ذلك؟» قال: عسى أن يكون نزعه عِرقٌ. قال: «فلعل ابنك هذا نزعَه عِرْق». متفق عليه (٦).

стр. 2802

وحكَم بالفرقة بين المتلاعنين، وأن لا يجتمعا أبدًا، وأخذِ المرأةِ صداقَها، وانقطاعِ نسب الولد من أبيه وإلحاقه بأمه، ووجوبِ الحدِّ على من قذَفه أو قذَف أمَّه، وسقوطِ الحدِّ عن الزوج، وأنه لا يلزمه نفقة ولا كسوة ولا سكنى بعد الفرقة (١). وسأله ﷺ سلَمة بن صخر البياضي، فقال: ظاهرتُ من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان. [٢٤٦/أ] فبينا (٢) هي تخدُمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فلم ألبث أن نزوتُ عليها. فقال: «أنت بذاك يا سلمة؟». فقلت: أنا بذاك، فأنا صابر لأمر الله ، فاحكم فيَّ بما أراك الله. قال: «حرِّرْ رقبةً». قلت: والذي بعثك بالحق ما أملِك رقبةً غيرَها، وضربتُ صفحةَ رقبتي! قال: «فصُمْ شهرين متتابعين». فقلت: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلا من الصيام؟ قال: «فأطعِمْ وَسْقًا من تمرٍ بين ستِّين مسكينًا». قلت: والذي بعثك بالحق (٣)، لقد بِتنا وحشَين (٤) ما لنا من طعام. قال: «فانطلِقْ إلى صاحب صدقة بني زُرَيق، فليدفعها إليك. فأطعِمْ ستين مسكينًا وَسْقًا من تمر، وكُلْ أنت وعيالك بقيتَها». فرجعتُ إلى قومي، فقلت: وجدتُ عندكم الضيقَ وسوءَ الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعةَ وحسنَ الرأي، وأمر لي بصدقتكم. ذكره أحمد (٥).

стр. 2803

وسألته ﷺ خولة بنت مالك، فقالت: إن زوجها أوس بن الصامت ظاهَر منها، وشكته إلى رسول الله ﷺ ، ورسولُ الله ﷺ يجادلها فيه ويقول (١): «اتقي الله، فإنه ابن عمُّكِ». فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٢) الآيات [المجادلة: ١]. فقال: «يُعتِقُ رقَبةً». قالت: لا يجد. قال: «فيصوم شهرين متتابعين». قالت: إنه شيخ كبير ما به من صيام. قال: «فليطعِم ستين مسكينًا». قالت: ما عنده من شيء يتصدَّق به. فأُتيَ ساعتَه بعَرَقٍ (٣) من تمر. قلتُ (٤): يا رسول الله، فإني أعينه (٥) بعَرَقٍ آخر. قال: «قد أحسنتِ! اذهبي، فأطعِمي بها عنه ستِّين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمِّك». ذكره أحمد وأبو داود (٦). ولفظ أحمد: قالت: فيَّ ــ واللهِ ــ وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدرَ

стр. 2804

سورة المجادلة. قالت: كنتُ عنده، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقُه وضجِر. قالت: فدخل عليَّ يومًا، فراجعتُه بشيء، فغضب، فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي. ثم خرج، فجلس في نادي قومه ساعةً، ثم دخل عليَّ، فإذا هو يريدني عن نفسي. قالت: قلتُ: كلَّا! والذي نفسُ خُوَيلة بيده، لا تخلصُ إليَّ، وقد قلتَ ما قلتَ حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكم. قالت: فواثبَني، فامتنعتُ منه، فغلبتُه بما تغلب المرأةُ الشيخَ الضعيفَ، فألقيتُه عنِّي. ثم خرجتُ إلى بعض جاراتي، فاستعرتُ منها ثيابها، ثم خرجتُ حتى جئتُ رسولَ الله ﷺ ، فجلستُ بين يديه، فذكرتُ له ما لقيتُ منه. فجعلتُ أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. فجعل رسول الله ﷺ يقول: «يا خويلةُ، ابنُ عمِّكِ شيخ كبير، فاتقي الله فيه». قالت: فوالله ما برحتُ حتى نزل القرآن. فتغشَّى رسولَ الله ﷺ ما كان يتغشَّاه، ثم سُرِّيَ عنه، فقال: «يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك». ثم قرأ عليَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤]. قالت: فقال رسول الله ﷺ : «مُريه فليُعتِقْ رقبةً». وذكر نحو ما تقدم. وعند ابن ماجه (١): أنها قالت: يا رسول الله أكَلَ شبابي، ونثرتُ له بطني، حتى إذا كبِرت (٢) سنِّي، وانقطع ولدي ــ ظاهَر منِّي. اللهم إني أشكو إليك. فما برحت حتى نزل جبرائيل ﵇ بهؤلاء الآيات.

стр. 2805

فصل في فتاويه ﷺ في العِدَد ثبت أن سُبَيعة الأسلمية سألته، وقد مات زوجها ووضعت حملَها بعد موته. [٢٤٦/ب] قالت: فأفتاني رسول الله ﷺ أني قد حللتُ حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي (١). وعند البخاري (٢) أنها سئلت، كيف أفتاها رسول الله ﷺ ؟ قالت: أفتاني إذا وضعتُ أن أنكِح. وكانت أم كلثوم بنت عُقبة عند الزبير بن العوام، فقالت له، وهي حامل: طيِّب نفسي بتطليقة. فطلَّقها تطليقةً، ثم خرج إلى الصلاة. فرجع، وقد وضعت. فقال لها: خدعتِني (٣) خدَعكِ الله! ثم أتى النبيَّ ﷺ ، فسأله عن ذلك، فقال: «سبق الكتابُ أجلَه، اخطُبْها إلى نفسها». ذكره ابن ماجه (٤). وسألته ﷺ فُريعة بنت مالك، فقالت: إن زوجي خرج في طلبِ أعبُدٍ له أبَقُوا، حتَّى إذا كان بطرف القَدُوم (٥) لحِقَهم، فقتلوه. فسألته أن ترجع إلى أهله، وقالت: إن زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه، ولا نفقةً. فقال لها رسول الله ﷺ : «نعم». قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنت في الحُجرة ــ أو في المسجد ــ

стр. 2806

ناداني رسول الله ﷺ ، أو أمرَ بي، فنُوديتُ له، فقال: «كيف قلتِ؟». فرددتُ عليه القصة التي ذكرتُ له، فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتابُ أجلَه». قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر وعشرًا. فلما كان عثمان أرسل إليَّ، فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتَّبعه، وقضى به. حديث صحيح ذكره أهل السنن (١). وأفتى ﷺ امرأةَ ثابت بن قيس بن شمَّاس، و [هي] (٢) جميلةُ بنت عبد الله بن أُبَيّ لما اختلعت من زوجها، فأمرها النبي ﷺ أن تتربَّص حيضة واحدة، وتلحق بأهلها. ذكره النسائي (٣). وعند أبي داود والترمذي عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي ﷺ أن تعتد حيضة (٤). وعند الترمذي (٥) عن الرُّبَيِّع بنت معوِّذ أنها اختلعت على عهد النبي الله ﷺ فأمرها النبيُّ ﷺ ــ أو أُمِرَت ــ أن تعتدَّ بحيضة. قال الترمذي: حديث الربيع الصحيح أنها أُمِرت أن تعتدَّ بحيضة.

стр. 2807

وعند النسائي وابن ماجه ــ واللفظ له ــ عن الرُّبَيِّع قالت: اختلعتُ من زوجي، ثم جئتُ عثمان، فسألتُ: ماذا عليَّ من العِدَّة؟ فقال: لا عِدَّة عليك إلا أن يكون حديثَ عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضةً. قالت: وإنما تبِع في ذلك قضاءَ رسول الله ﷺ في مريم المَغَاليَّة، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختلعت منه (١). فصل واختصم إليه ﷺ سعد بن أبي وقاص وعبد بن زَمْعة في الغلام، فقال سعد: هو ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهِد إليَّ أنه ابنه. انظر إلى شبَهه. وقال عبد بن زمعة: هو أخي، وُلِد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله ﷺ إلى شبَهه. فرأى شبَهًا بيِّنًا بعتبة، فقال: «هو لك يا عبد. الولد للفراش، وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سودة». فلم ير سودةَ (٢) قطُّ. متفق عليه (٣). وفي لفظ البخاري (٤): «هو أخوك يا عبد». وعند النسائي (٥): «واحتجبي منه يا سودة، فليس لك بأخ».

стр. 2808

وعند الإمام أحمد (١): «أما الميراث فله. وأما أنتِ فاحتجبي منه فإنه ليس لكِ بأخ». فحكَم وأفتى بالولد لصاحب الفراش عملًا بموجب الفراش، وأمر سودة أن تحتجب منه عملًا بشبَهه بعتبة، وقال: «ليس لكِ بأخ» للشَّبَه (٢)، وجعله أخًا في [٢٤٧/أ] الميراث. فتضمنت فتواه ﷺ أن الأمَة فراش، وأن الأحكام تتبعَّض في العين الواحدة عملًا بالاشتباه كما تتبعَّض في الرضاعة، وثبوتُها يثبت بها الحرمة والمَحْرَمية، دون الميراث والنفقة؛ وكما في ولد الزنا، هو ولدٌ في التحريم، وليس ولدًا في الميراث. ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر. فيتعيَّن الأخذ بهذا الحكم والفتوى (٣). وبالله التوفيق. وسألته ﷺ امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفِّي عنها زوجُها، وقد اشتكت عينها، أفنكحُلها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا» مرتين أو ثلاثًا. متفق عليه (٤).

стр. 2809

ومنع ﷺ المرأة أن تُحِدَّ على ميِّت فوق ثلاث، إلا على زوج فإنها تُحِدُّ أربعة أشهر وعشرًا؛ ولا تكتحل، ولا تطيَّب، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا. ورخَّص لها في طهرها إذا اغتسلت في نُبْذةٍ من قُسْطٍ أو أظفار. متفق عليه (١). وعند أبي داود والنسائي (٢): «ولا تختضب». وعند النسائي (٣): «ولا تمتشط». وعند أحمد (٤): «لا تلبَس المعصفَر من الثياب، ولا الممشَّقة (٥)، ولا الحُلِيَّ، ولا تختضب، ولا تكتحل». وجعلت أم سلمة ﵂ على عينها (٦) صَبِرًا لما توفي أبو سلمة، فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ قالت: إنما هو صَبِرٌ ليس فيه طيب. قال: «إنه يشُبُّ

стр. 2810

الوجهَ فلا تجعليه إلا بالليل. ولا تمتشطي بالطِّيب ولا بالحناء، فإنه خضاب». قلت: بأيِّ شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالسِّدر تغلِّفين به رأسَك». ذكره النسائي. وعند أبي داود: «فلا تجعليه إلا بالليل وتنزِعيه (١) بالنهار» (٢). وسألته ﷺ خالة جابر بن عبد الله، وقد طُلِّقت: هل تخرج تَجُدُّ نخلَها (٣)؟ فقال: «فجُدِّي نخلَك، فإنك عسى أن تتصدَّقي أو تفعلي معروفًا». ذكره مسلم (٤). فصل في فتواه ﷺ في نفقة المعتدة وكسوتها ثبت أن فاطمة بنت قيس طلَّقها زوجُها البتة، فخاصمته في السكنى والنفقة إلى رسول الله ﷺ . قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة. وفي «السنن» أن النبي ﷺ قال: «يا بنت آل قيس، إنما السكنى والنفقة على من

стр. 2811

كانت له رجعة». ذكره أحمد (١). وعنده (٢) أيضًا: «إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة. فإذا لم يكن له عليها رجعة، فلا نفقة ولا سكنى». وفي «صحيح مسلم» (٣) عنها: طلَّقني زوجي ثلاثًا، فلم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة. وفي رواية لمسلم (٤) أيضًا: أن أبا عمرو بن حفص خرج مع علي (٥) إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته بتطليقة بقيت من طلاقها، وأمر عياش بن أبي ربيعة والحارث بن هشام أن ينفقا عليها، فقالا: والله ما لها نفقة، إلا أن تكون حاملًا. فأتت النبيَّ ﷺ ، فذكرت له قولهما، فقال: «لا نفقة لكِ». فاستأذنته في الانتقال، فأذن لها، فقالت له: أين يا رسول الله؟ فقال: «عند ابن أم مكتوم». وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يراها. فلما مضت عدَّتُها أنكحها

стр. 2812

النبي ﷺ أسامةَ بن زيد. فأرسل إليها مروانُ قَبيصةَ بن ذؤيب يسألها عن الحديث، فحدَّثته. فقال: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا [٢٤٧/ب] الناس عليها. فقالت فاطمة حين بلغها قولُ مروان: بيني وبينكم القرآن، قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ الآية [الطلاق: ١]. قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأيُّ أمر يحدُث بعد الثلاث؟ وأفتى النبي ﷺ بأن للنساء على الرجال رزقهن وكسوتهن بالمعروف. ذكره مسلم (١). وسئل ﷺ : ما تقول في نسائنا؟ فقال: «أطعِموهن مما تأكلون، واكسُوهن مما تلبسون. ولا تضربوهن، ولا تقبِّحوهن». ذكره مسلم (٢). وسألته ﷺ هند امرأة أبي سفيان، فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم. قال: «خذي ما يكفيكِ وولدَك بالمعروف». متفق عليه (٣).

стр. 2813

فتضمنت هذه الفتوى أمورًا: أحدها: أن نفقة الزوجة غير مقدَّرة، بل المعروف ينفي تقديرَها، ولم يكن تقديرُها معروفًا في زمن رسول الله ﷺ ولا الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم (١). الثاني: أن نفقة الزوجة من جنس نفقة الولد كلاهما بالمعروف. الثالث: انفراد الأب بنفقة أولاده. الرابع: أن الزوج أو الأب إذا لم يبذل النفقة الواجبة عليه، فللزوجة والأولاد أن يأخذوا قدر كفايتهم بالمعروف. الخامس: أن المرأة إذا قدَرت على أخذ كفايتها من مال زوجها لم يكن لها إلى الفسخ سبيل. السادس: أن ما لم يقدِّره الله ورسوله من الحقوق الواجبة، فالمرجعُ فيه إلى العرف. السابع: أن ذمَّ الشاكي لخصمه بما هو فيه حالَ الشكاية لا يكون غِيبةً، فلا يأثم به ولا سامعُه بإقراره عليه. الثامن: أن من منع الواجب عليه، وكان سبب ثبوته ظاهرًا، فلمستحقِّه أن يأخذ بيده إذا قدرَ عليه؛ كما أفتى به النبيُّ ﷺ هندًا، وأفتى به الضيفَ إذا لم يَقْرِه مَن نزل عليه كما في «سنن أبي داود» (٢) عنه ﷺ أنه قال: «ليلةُ

стр. 2814

الضيف حقٌّ على كلِّ مسلم. فإن أصبح بفنائه محرومًا كان دَينًا عليه، إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه». وفي لفظ: «من نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه. فإن لم يقْرُوه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه» (١). وإن كان سببُ الحق خفيًّا لم يجُز له ذلك، كما أفتى به (٢) النبي ﷺ في قوله: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخُن مَن خانك» (٣). وسأله ﷺ رجل: من أحقُّ الناس بحسن صَحابتي؟ قال: «أمُّك». قال: ثم من؟ قال: «أمُّك». قال: ثم من؟ قال: «أمُّك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك». متفق عليه (٤). زاد مسلم: «أدناك، فأدناك» (٥). قال الإمام أحمد: للأم ثلاثة أرباع البِرِّ. وقال أيضًا: الطاعة للأب، وللأم ثلاثة أرباع البِرِّ (٦).

стр. 2815

وعند الإمام أحمد (١) قال: «ثم الأقرب فالأقرب». وعند أبي داود أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ : من أبَرُّ؟ قال: «أمَّك، وأباك، وأختك، وأخاك، ومولاك، ومولاك الذي يلي ذاك؛ حقٌّ واجبٌ، ورحِمٌ موصولة» (٢). فصل في الحضانة (٣) قضى رسول الله ﷺ فيها خمس قضايا: إحداها: قضى بابنة حمزة لخالتها، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب، وقال: «الخالة بمنزلة الأم» (٤). فتضمَّن هذا القضاء أن الخالة مقام الأم في الاستحقاق، وأن [٢٤٨/أ] تزوُّجها لا يُسقِط حضانتها إذا كانت جارية (٥). القضية الثانية: أن رجلًا جاء بابن له صغير لم يبلغ، فاختصم فيه هو وأمه، ولم تُسلم الأم. فأجلسَ رسولُ الله ﷺ الأبَ هاهنا، وأجلس الأم

стр. 2816

هاهنا، ثم خيَّر الصبي، وقال: «اللهم اهدِه». فذهب إلى أبيه (١). ذكره أحمد (٢). القضية الثالثة: أن رافع بن سنان أسلم، وأبت امرأته أن تُسلِم، فأتت النبيَّ ﷺ ، وقالت: ابنتي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي. فقال له (٣) رسول الله ﷺ : «اقعد ناحيةً»، وقال لها: «اقعدي ناحيةً». فأقعد الصبيةَ بينهما، ثم قال: «ادعواها». فمالت إلى أمها. فقال النبيُّ ﷺ : «اللهم اهدِها». فمالت إلى أبيها، فأخذها. ذكره أحمد (٤). القضية الرابعة: جاءته امرأة، فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني (٥) من بئر أبي عِنَبة، وقد نفعني. فقال رسول الله ﷺ : «استَهِما

стр. 2817

عليه». فقال زوجها: من يحاقُّني (١) في ولدي؟ فقال النبيُّ ﷺ : «هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت». فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. ذكره أبو داود (٢). القضية الخامسة: جاءته ﷺ امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سِقاءً، وحِجْري له حِواءً. وإن أباه طلَّقني، وأراد أن ينزعه مني. فقال لها: «أنتِ أحقُّ به ما لم تنكِحي». ذكره أبو داود (٣). فعلى هذه القضايا الخمسة (٤) تدور الحضانة. وبالله التوفيق. فصل و من فتاويه ﷺ في باب الدماء والجنايات: سئل ﷺ عن الآمر والقاتل، فقال: «قُسمت النار سبعين جزءًا، فللآمر تسع وستون، وللقاتل جزء». ذكره أحمد (٥).

стр. 2818

وجاءه رجل، فقال: إن هذا قتل أخي. قال: «اذهب، فاقتله كما قتل أخاك». فقال له الرجل: اتق الله، واعفُ عنِّي، فإنه أعظم لأجرك وخيرٌ لك يوم القيامة. فخلَّى عنه. فأُخبِرَ النبيُّ، فسأله، فأخبَره بما قال له. قال: «أما، إنه خير مما هو صانع بك يوم القيامة، يقول: يا ربِّ سَلْ هذا فيمَ قتلني؟» (١). وجاءه ﷺ رجل بآخر قد ضربَ ساعدَه بالسيف، فقطعها من غير مَفْصِل. فأمر له بالدية، فقال: أريد القصاص. قال (٢): «خذ الديةَ، بارك الله لك فيها». ولم يقضِ له بالقصاص. ذكره ابن ماجه (٣). وأفتى ﷺ بأنه إذا أمسك الرجلُ الرجلَ وقتله الآخر يُقتَل الذي قتَل ويُحبَس الذي أمسَك. ذكره الدارقطني (٤). ورُفِع إليه ﷺ يهوديٌّ قد رضَّ رأسَ جاريةٍ بين حجَرين، فأمر به أن يُرَضَّ رأسُه بين حجرين. متفق عليه (٥).

стр. 2819

وقضى ﷺ أن شبه العَمْد مغلظ مثل العَمْد، ولا يقتل صاحبه. ذكره أبو داود (١). وقضى ﷺ في الجنين يسقط من الضربة بغُرَّة عبد أو أمة. ذكره أبو داود أيضًا (٢). وقضى ﷺ في قتيل الخطأ (٣) شبه العمد بمائة من الإبل: أربعون منها في بطونها أولادها. ذكره أبو داود (٤). وقضى ﷺ أن لا يُقتَل مسلمٌ بكافر. متفق عليه (٥). وقضى صلى الله [٢٤٨/ب] عليه وسلم أن لا يقتل الوالد بالولد. ذكره الترمذي (٦).

стр. 2820

وقضى ﷺ أن يعقل المرأةَ عصَبتُها من كانوا، ولا يرثون عنها إلا ما فضَل عن ورثتها. وإن قُتِلت فعقلُها بين ورثتها، فهم يقتلون قاتلها. ذكره أبو داود (١). وقضى ﷺ أن الحامل إذا قتَلت عمدًا لم تُقتَل حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفِّل ولدَها؛ وإن زنت حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفِّل ولدَها. ذكره ابن ماجه (٢). وقضى ﷺ أن من قُتِل له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إما أن يُفدَى، وإما أن يُقتَل. متفق عليه (٣). وقضى ﷺ أنَّ من أصيب بدم أو خَبْل ــ والخَبْلُ: الجِراح ــ فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه: أن يقتُل، أو يعفو، أو يأخذ الدية. فمن فعل شيئًا من ذلك، فعاد، فإن له نار جهنم خالدًا فيها مخلَّدًا

стр. 2821

أبدًا (١). يعني قتَل بعد عفوه وأخذِ الدية، أو قتَل غيرَ الجاني. وقضى ﷺ أن لا يقتصَّ من جُرح حتى يبرأ صاحبه. ذكره أحمد (٢). وقضى ﷺ في الأنف إذا أُوعِبَ جدعًا بالدية، وإذا جُدِعت أرنبته بنصف الدية (٣). وقضى ﷺ في العين بنصف العقل (٤) خمسين من الإبل، أو عِدْلها ذهبًا أو وَرِقًا، أو مائة بقرة، أو ألف شاة، وفي الرجل نصفُ العقل، وفي اليد نصفُ العقل؛ والمأمومةُ ثلثُ العقل، والمُنقِّلة خمسَ عشرةَ من الإبل، والموضحةُ خمسٌ من الإبل، والأسنانُ خمسٌ خمسٌ. ذكره أحمد (٥).

стр. 2822

وقضى ﷺ في دية أصابع اليدين والرجلين بعشر عشر. صححه الترمذي (١). وقضى (٢) ﷺ أن الأسنان سواء، الثنية والضِّرس سواء. ذكره أبو داود (٣). وقضى ﷺ في العين العوراء السَّادَّةِ لمكانها إذا طُمِسَت بثلث الدية، وفي اليد الشَّلَّاء إذا قطعت ثلثُ ديتها. ذكره أبو داود (٤). وقضى ﷺ في اللسان بالدية، وفي الشفتين بالدية، وفي البيضتين بالدية، وفي الذَّكر بالدية، وفي الصلب بالدية، وفي العينين بالدية؛ وفي الرِّجل

стр. 2823

الواحدة نصف الدية، وأن الرَّجل يقتل بالمرأة. ذكره النسائي (١). وقضى ﷺ أن مَن قُتِل خطأً فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنتَ مخاض، وثلاثون بنتَ لبون، وثلاثون حِقَّةً، وعشرة بني لبون ذكر (٢). ذكره النسائي (٣). وعند أبي داود (٤): «عشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً، وعشرون بنتَ مخاض، وعشرون بنتَ لبون، وعشرون ابنَ مخاض ذكر». وقضى ﷺ أن من قتل متعمدًا دُفِع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حِقّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة.

стр. 2824

وما صالحوا (١) عليه فهو لهم. ذكره الترمذي وحسَّنه (٢). وقضى ﷺ على أهل الإبل بمائة [من الإبل] (٣)، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحُلَل مائتي حُلَّة. ذكره أبو داود (٤). وقضى ﷺ أن عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلثَ من ديتها. ذكره النسائي (٥).

стр. 2825

وقضى ﷺ أن عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين. ذكره النسائي (١). وعند الترمذي (٢): ديةُ (٣) عقلِ الكافر نصفُ عقل المؤمن، حديث [٢٤٩/أ] حسن يصحِّح مثلَه أكثرُ أهل الحديث. وعند أبي داود (٤): كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، ثمانية (٥) آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم. فلما كان عمر رفَع ديةَ المسلمين، وترَك ديةَ أهل الذمة، لم يرفعها فيما رفع من الدية. وقضى ﷺ في جنينِ امرأةٍ ضربتها أخرى بغُرَّةٍ: عبدٍ أو أمةٍ، ثم إن المرأة

стр. 2826

التي قضى عليها بالغُرّة توفيت، فقضى ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عَصَبتها. متفق عليه (١). وقضى ﷺ في امرأتين قتلت إحداهما الأخرى ولكلٍّ منهما زوج [وولد] (٢) بالدية على عاقلة القاتلة، وبرَّأ زوجَها (٣) وولدَها. فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا يا رسول الله، فقال ﷺ : «لا، ميراثها لزوجها وولدها». ذكره أبو داود (٤). وجاءه ﷺ عبدٌ صارخًا فقال: ما لك؟ قال: سيدي رآني أقبِّل جاريةً له، فجَبَّ مذاكيري. فقال: «عليَّ بالرجل!». فطُلِبَ، فلم يُقدَر عليه، فقال: «اذهب، فأنت حُرٌّ». قال: على من نُصرتي يا رسول الله؟ قال: «على كلِّ مؤمن، أو مسلم». ذكره ابن ماجه (٥). وقضى (٦) ﷺ بإبطال دية العاضِّ لما انتزع المعضوضُ يدَه من فيه،

стр. 2827

فأسقط ثنيتَه. متفق عليه (١). وقضى ﷺ بأن من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فخذفوه، ففقَؤوا عينه بأنه لا جناح عليهم. متفق عليه (٢). وعند مسلم: «فقد حلَّ لهم أن يفقَؤوا عينه». وعند الإمام أحمد (٣) في هذا الحديث: «فلا دية له ولا قصاص». وقضى ﷺ أنه لا دية في المأمومة، ولا الجائفة، ولا المنقِّلة. ذكره ابن ماجه (٤). وجاءه ﷺ رجل يقود آخر بنِسْعة (٥)، فقال: هذا قتَل أخي. فقال: «كيف قتلتَه؟». قال: كنتُ أنا وهو نختبط (٦) من شجرة، فسبَّني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قَرنه، فقتلتُه. فقال: «هل لك من شيء تؤدِّيه عن نفسك؟». قال: ما لي إلا كسائي وفأسي. قال: «فترى قومك يشترونك؟». قال: أنا أهوَن على

стр. 2828

قومي من ذلك. فقال: «دونك صاحبَك». فانطلَق به. فلما ولَّى قال رسول الله ﷺ : «إنْ قتَله فهو مثلُه». فرجَع، فقال: يا رسول الله بلغني أنك قلتَ: «إن قتَلَه فهو مثلُه»، وأخذتُه بأمرك. فقال: «أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟». قال: يا نبيَّ الله ــ لعلَّه قال (١) ــ بلى! فرمى بنسعته، وخلَّى سبيله. ذكره مسلم (٢). وقد أشكل هذا الحديث على من لم يُحِط بمعناه، ولا إشكال فيه. فإن قوله ﷺ : «إن قتله فهو مثله» لم يُرِد به أنه مثله في الإثم، وإنما عنى به أنه إن قتله لم يبق عليه إثمُ القتل؛ لأنه قد استوفى منه في الدنيا، فيستوي هو والولي في عدم الإثم. أما الولي فإنه قتله بحقٍّ، وأما هو فلكونه قد اقتُصَّ منه. وأما قوله: «تبوء بإثمك وإثم صاحبك»، فإثم الولي مظلمته بقتل أخيه، وإثم المقتول إراقة دمه. وليس المراد أنه يحمل خطاياك وخطايا أخيك. والله أعلم. وهذه غير قصة الذي (٣) دُفِع إليه (٤) وقد قتَل، فقال: والله ما أردت قتله. فقال: أما إنه إن كان صادقًا فقتَله دخل النار. فخلَّاه الرجل. صحَّحه الترمذي (٥). وإن كانت هي القصة، فتكون هذه علّةَ كونه إن قتله فهو مثلُه في المأثم. [٢٤٩/ب] والله أعلم.

стр. 2829

فصل وأقرَّ ﷺ القسامة على ما كانت عليه قبل الإسلام، وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود. ذكره مسلم (١). وقضى ﷺ في شأن مُحَيِّصة بأن يُقسِم خمسون من أولياء القتيل على رجل من المتهمين به، فيُدْفَع برُمَّته إليه، فأبوا. فقال: «تُبْرئكم يهود بأيمانِ خمسين». فأبوا، فوداه رسول الله ﷺ بمائة من عنده. متفق عليه (٢). وعند مسلم: بمائة من إبل الصدقة. وعند النسائي (٣): فقسَم رسولُ الله ﷺ ديته عليهم، وأعانهم بنصفها. وقضى ﷺ أنه لا تجني نفس على أخرى، ولا يجني والد على ولده، ولا ولد على والده (٤). والمراد أنه لا يؤخذ بجنايته، فلا تزر وازرة وزر أخرى. وقضى ﷺ أن من قُتل في عِمِّيَّا أو رِمِّيَّا (٥) يكون بينهم بحجر أو سوط

стр. 2830

فعقلُه عقلُ خطأ. ومن قتَل عمدًا فقَوَدُ يدَيه، فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ذكره أبو داود (١). وقضى ﷺ أن المعدِنَ جُبارٌ، والعجماء جُبار، والبئر جُبار. متفق عليه (٢). وفي قوله: «المعدنُ جُبارٌ» قولان: أحدهما: أنه إذا استأجر من يحفر له معدِنًا فسقط عليه، فقتله، فهو جُبار. ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: «البئر جبار، والعجماء جبار». والثاني: أنه لا زكاة فيه. ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: «وفي الرِّكاز الخُمْس». ففرَّق بين المعدن والركاز، فأوجب الخُمس في الركاز، لأنه مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب؛ وأسقطها عن المعدن، لأنه يحتاج إلى كلفة وتعب في استخراجه. والله أعلم.

стр. 2831

فصل وسأله ﷺ رجل، فقال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمائة شاة وخادم؛ وإني سألت رجالًا من أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلدَ مائة وتغريبَ عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله: المائة والخادم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلدُ مائة وتغريبُ عام. واغدُ يا أُنَيسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجُمْها». فاعترفت، فرجَمها. متفق عليه (١). وقضى ﷺ فيمن زنى، ولم يُحْصَن بنفي عام وإقامة الحدِّ عليه. ذكره البخاري (٢). وقضى ﷺ أن الثيب بالثيب جلدُ مائة ثم الرجم، والبكر بالبكر جلدُ مائة ثم نفي سنة. ذكره مسلم (٣). وجاءه اليهود، فقالوا: إن رجلًا منهم وامرأةً زنيا. فقال لهم: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟». فقالوا: نفضحهم ويُجلَدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم! إن فيها الرجم. فأتَوا بالتوراة، فنشَروها. فوضع أحدُهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفعَ يده، فإذا آيةُ الرجم. فقالوا: صدَق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمرَ

стр. 2832

بهما فرُجِما. متفق عليه (١). ولأبي داود (٢) أن رجلًا منهم وامرأةً زَنَيا، فقالوا: اذهبوا به إلى هذا النبي، فإنه بُعِث بالتخفيف. فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبِلناها منه، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: إنها فتيا نبيٍّ من أنبيائك. فأتَوه وهو جالس في المسجد في الصحابة، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل [٢٥٠/أ] وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلِّمهم بكلمة حتى أتى بيتَ مِدْراسهم، فقام على الباب، فقال: «أنشُدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذ أُحْصِن؟». قالوا: يُحمَّم (٣)، ويُجبَّه، ويُجلَد. والتجبيه: أن يُحمَل الزانيان على حمار، وتُقابَل أقفيتُهما، ويطاف بهما. فسكت شابٌّ منهم، فلما رآه النبي ﷺ سكَت ألَظَّ به النِّشْدةَ (٤)، فقال: اللهم إذ نشدتَنا فإنَّا نجد في التوراة الرجم. فقال النبي ﷺ : «فما أولُ ما ارتخصتم أمرَ الله؟». قال: زنى ذو قرابةِ ملِكٍ من ملوكنا، فأُخِّر عنه الرجم. ثم زنى رجل في أسرةٍ من الناس، فأراد رجمَه، فحال قومه دونه، وقالوا: لا يُرجَم صاحبُنا حتى تجيء بصاحبك فترجُمَه. فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم. فقال النبي ﷺ : «فإني أحكم بما في التوراة» فأمر بهما، فرُجِما.

стр. 2833

وعند أبي داود (١) أيضًا أنه دعا بالشهود، فجاءه أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المُكحُلة. وسأله ﷺ ماعز بن مالك أن يطهِّره، وقال: إني قد زنيت. فأرسل إلى قومه: «هل تعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟». قالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل من صالحينا فيما نرى. فأقرَّ أربع مرات، فقال له في الخامسة: «أنِكتَها؟». قال: نعم. قال: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟». قال: نعم. قال: «كما يغيب المِرودُ في المكحلة، والرِّشاءُ في البئر؟». قال: نعم. قال: «فهل تدري ما الزنا؟». قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا. قال: «فما تريد بهذا القول؟». قال: أريد أن تطهِّرني. فأمر رجلًا فاستنكهه. ثم أمرَ به، فرُجِم، ولم يُحفَر له. فلما وجد مسَّ الحجارة فرَّ يشتدُّ حتى مرَّ برجل معه لَحْيُ جملٍ، فضربه، وضربه الناس حتى مات. فقال النبي ﷺ : «هلا تركتموه وجئتموني به!» (٢).

стр. 2834

وفي بعض طرق هذه القصة أنه ﷺ قال له: «شهدتَ على نفسك أربعَ مرات. اذهبوا به، فارجموه» (١). وفي بعضها: فلما شهد على نفسه أربع مرَّات دعاه النبي ﷺ قال: «أبك جنون؟». قال: لا. قال: «هل أحصَنتَ؟». قال: نعم. قال: «اذهبوا به، فارجموه» (٢). وفي بعض طرقها أنه ﷺ سمع رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدَعْه نفسُه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب. فسكت عنهما، ثم سار ساعةً حتى مرَّ بجيفةِ حمار شائل برجليه، فقال: «أين فلان وفلان؟». فقالا: نحن ذان يا رسول الله. فقال: «انزِلا، وكُلا من جِيفة هذا الحمار». فقالا: يا نبيَّ الله، مِن هذا (٣)؟ قال: «فما نلتما من عِرض أخيكما آنفًا أشدُّ من أكلٍ منه (٤). والذي نفسي بيده، إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» (٥). وفي بعض طرقها: أنه ﷺ قال له: «لعلك رأيت في منامك، لعلك

стр. 2835

استُكْرِهْت» (١). وكلُّ هذه الألفاظ صحيحة. وفي بعضها: أنه أمرَ، فحُفِرت له حفيرة. ذكره مسلم (٢)، وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر. وإن كان مسلم قد روى له في الصحيح، فالثقة قد يغلط، على أن أحمد وأبا حاتم الرازي قد تكلَّما فيه. وإنما حصل الوهم من حفرة الغامدية، فسرَى إلى ماعز. [٢٥٠/ب] والله أعلم. وجاءته ﷺ الغامدية، فقالت: إني قد زنيتُ، فطهِّرني. وإنه ردَّها، فقالت: تردُّني (٣) كما رددتَ ماعزًا، فوالله إني لحبلى! فقال: «اذهبي حتى تلدي». فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، فقالت: هذا قد ولدتُه. فقال: «اذهبي، فأرضعيه حتى تفطميه». فلما فطمته أتته به، وفي يده كِسْرة من خبز، فقالت: هذا قد فطمتُه وأكلَ الطعام. فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمَر بها، فحُفِر لها إلى صدرها، وأمرَ الناسَ فرجموها. ويُقْبِلُ (٤) خالدُ بن الوليد بحجرٍ، فرمى رأسَها، فتنضَّح (٥) الدمُ على وجهه، فسبَّها. فسمع نبيُّ

стр. 2836

الله ﷺ سبَّه إياها، فقال: «مهلًا يا خالد! فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ له». ثم أمر بها، فصلَّى عليها، ودفنت. ذكره مسلم (١). وجاءه ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله إني أصبتُ حدًّا، فأقِمْه عليَّ، ولم يسأله عنه. وحضرت الصلاة، فصلَّى مع النبيِّ ﷺ ، فقام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله إني أصبتُ حدًّا، فأقِمْ فيَّ كتابَ الله. قال: «أليس قد صليتَ معنا؟». قال: نعم. قال: «فإن الله قد غفر لك ذنبك». أو قال: «حدَّك». متفق عليه (٢). وقد اختلف في وجه هذا الحديث. فقالت طائفة: أقرَّ بحدٍّ لم يسمِّه، فلم يجب على الإمام استفساره. ولو سمَّاه لحدَّه كما حدَّ ماعزًا. وقالت طائفة: بل غُفِر له (٣) بتوبته، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله تعالى، كما تسقط (٤) عن المحارب. وهذا هو الصواب. وسأله ﷺ رجل فقال: أصبتُ من امرأة قبلة، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. فقال الرجل: ألي هذه؟ فقال: «بل لمن عمل بها من أمتي». متفق

стр. 2837

عليه (١). وقد استدل به من يرى أن التعزير ليس بواجب، وأن للإمام إسقاطه. ولا دليل فيه، فتأمله. وخرجت امرأة تريد الصلاة، فتجلَّلَها رجل، فقضى حاجته منها، فصاحت وفرَّ. ومرَّ عليها غيرُه، فأخذوه، فظنت أنه هو، وقالت: هذا الذي فعل بي. فأتوا به النبيَّ ﷺ ، فأمَر برجمه. فقام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: أنا صاحبها. فقال لها النبيُّ ﷺ : اذهبي، فقد غفر الله لك. وقال للرجل قولًا حسنًا. فقالوا: ألا ترجُم صاحبها؟ فقال: «لا، لقد تاب توبةً لو تابها أهلُ المدينة لَقُبِل منهم». ذكره أحمد وأهل السنن كلهم (٢). ولا فتوى ولا حكم أحسن من هذا. فإن قيل: كيف أمر (٣) برجم البريء؟ قيل: لو أنكر لم يرجمه، ولكن لما أُخِذَ، وقالت: هو هذا، ولم ينكِر، ولم يحتجَّ عن نفسه، فاتفق مجيءُ القوم به في صورة المريب، وقولُ المرأة: هذا هو، وسكوتُه سكوتَ المريب. وهذه

стр. 2838

القرائن أقوى من قرائن حدِّ المرأة بلعان الرجل وسكوتها. فتأمله. وللَّوث تأثير في الدماء والحدود والأموال. أما الدماء ففي القسامة. وأما الحدود ففي اللعان. وأما الأموال ففي قصة الوصية في السفر، فإن الله سبحانه حكم بأنه إن اطلع على أن الشاهدين والوصيين خانا (١) وغدرا أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما، ويُقضَى لهم. وهذا هو الحكم الذي لا حكم غيره، فإن اللوث إذا أثَّر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس بالحدِّ، فلأن يَعمَل (٢) في المال بطريق الأولى والأحرى. وقد حكم به نبيُّ الله سليمان بن داود في النسب، مع اعتراف [٢٥١/أ] المرأة أنه ليس بولدها، بل هو ولد الأخرى، فقال لها: «هو ابنك» (٣). ومن تراجم النسائي (٤) على قصته: «التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعلُ، ليستبين به الحق». ثم ترجم عليه ترجمة أخرى، فقال: «الحكم بخلاف ما يعترف به المحكومُ عليه (٥)، إذا تبيَّن للحاكم أن الحقَّ غيرُ ما اعترف به». وهذا هو العلم استنباطًا ودليلًا. ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة، فقال: «نقضُ الحاكم ما حكم به مَن هو مثلُه أو أجلُّ منه».

стр. 2839

قلت: وفيه ردٌّ لقول من قال: يكون ابنهما (١) إجراءً للنسب مجرى المال. وفيه أنَّ حكمَ الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن. وفيه نوع لطيف عجيب شريف من أنواع العلم النافع، وهو الاستدلال بقدر الله على شرعه. فإن سليمان ﷺ استدلَّ بما قدَّره الله وخلَقه في قلب الصغرى من الرحمة والشفقة بحيث أبت أن يُشَقَّ الولد، على أنه ابنها، وقوَّى هذا الاستدلال رِضا الأخرى بأن يُشَقَّ الولد، وقالت: نعم، شُقَّه. وهذا قول لا يصدر من أم، وإنما يصدر من حاسد يريد أن يتأسَّى بصاحب النعمة في زوالها عنه كما زالت عنه هو. ولا أحسنَ من هذا الحكم وهذا الفهم! وإذا لم يكن مثلُ هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس. وهذه الشريعة الكاملة طافحة بذلك. وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء (٢)، فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام. وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال (٣) يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول ﷺ ، ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: «لا سياسة إلا ما وافق الشرع» أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح. وإن أردتَ ما نطق به الشرع (٤)، فغلطٌ

стр. 2840

وتغليطٌ للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمَثْل (١) ما لا يجحده عالم بالسِّير (٢). ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف (٣) كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة. وكذلك تحريقُ علي الزنادقةَ في الأخاديد (٤)، ونفيُ عمر نصرَ بن حجَّاج (٥). قلت (٦): هذا موضعٌ مزِلَّة أقدام، ومضِلَّة أفهام، وهو مقام ضَنْكٌ ومعترك صعب، فرَّط فيه طائفة، فعطَّلوا الحدود، وضيَّعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعةَ قاصرةً لا تقوم بمصالح العباد. وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحةً من الطرق التي يُعرَف بها المُحِقُّ من المبطل، وعطَّلوها مع علمهم وعلمِ الناس (٧) أنها أدلَّة حقٍّ، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع. والذي أوجبَ لهم ذلك نوعُ تقصيرٍ في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها. فلما رأى ولاةُ الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، فأحدثوا (٨)
следующие страницы →