← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

الله ﷺ سبَّه إياها، فقال: «مهلًا يا خالد! فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ له». ثم أمر بها، فصلَّى عليها، ودفنت. ذكره مسلم (١). وجاءه ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله إني أصبتُ حدًّا، فأقِمْه عليَّ، ولم يسأله عنه. وحضرت الصلاة، فصلَّى مع النبيِّ ﷺ ، فقام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله إني أصبتُ حدًّا، فأقِمْ فيَّ كتابَ الله. قال: «أليس قد صليتَ معنا؟». قال: نعم. قال: «فإن الله قد غفر لك ذنبك». أو قال: «حدَّك». متفق عليه (٢). وقد اختلف في وجه هذا الحديث. فقالت طائفة: أقرَّ بحدٍّ لم يسمِّه، فلم يجب على الإمام استفساره. ولو سمَّاه لحدَّه كما حدَّ ماعزًا. وقالت طائفة: بل غُفِر له (٣) بتوبته، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله تعالى، كما تسقط (٤) عن المحارب. وهذا هو الصواب. وسأله ﷺ رجل فقال: أصبتُ من امرأة قبلة، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. فقال الرجل: ألي هذه؟ فقال: «بل لمن عمل بها من أمتي». متفق

стр. 2837

عليه (١). وقد استدل به من يرى أن التعزير ليس بواجب، وأن للإمام إسقاطه. ولا دليل فيه، فتأمله. وخرجت امرأة تريد الصلاة، فتجلَّلَها رجل، فقضى حاجته منها، فصاحت وفرَّ. ومرَّ عليها غيرُه، فأخذوه، فظنت أنه هو، وقالت: هذا الذي فعل بي. فأتوا به النبيَّ ﷺ ، فأمَر برجمه. فقام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: أنا صاحبها. فقال لها النبيُّ ﷺ : اذهبي، فقد غفر الله لك. وقال للرجل قولًا حسنًا. فقالوا: ألا ترجُم صاحبها؟ فقال: «لا، لقد تاب توبةً لو تابها أهلُ المدينة لَقُبِل منهم». ذكره أحمد وأهل السنن كلهم (٢). ولا فتوى ولا حكم أحسن من هذا. فإن قيل: كيف أمر (٣) برجم البريء؟ قيل: لو أنكر لم يرجمه، ولكن لما أُخِذَ، وقالت: هو هذا، ولم ينكِر، ولم يحتجَّ عن نفسه، فاتفق مجيءُ القوم به في صورة المريب، وقولُ المرأة: هذا هو، وسكوتُه سكوتَ المريب. وهذه

стр. 2838

القرائن أقوى من قرائن حدِّ المرأة بلعان الرجل وسكوتها. فتأمله. وللَّوث تأثير في الدماء والحدود والأموال. أما الدماء ففي القسامة. وأما الحدود ففي اللعان. وأما الأموال ففي قصة الوصية في السفر، فإن الله سبحانه حكم بأنه إن اطلع على أن الشاهدين والوصيين خانا (١) وغدرا أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما، ويُقضَى لهم. وهذا هو الحكم الذي لا حكم غيره، فإن اللوث إذا أثَّر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس بالحدِّ، فلأن يَعمَل (٢) في المال بطريق الأولى والأحرى. وقد حكم به نبيُّ الله سليمان بن داود في النسب، مع اعتراف [٢٥١/أ] المرأة أنه ليس بولدها، بل هو ولد الأخرى، فقال لها: «هو ابنك» (٣). ومن تراجم النسائي (٤) على قصته: «التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعلُ، ليستبين به الحق». ثم ترجم عليه ترجمة أخرى، فقال: «الحكم بخلاف ما يعترف به المحكومُ عليه (٥)، إذا تبيَّن للحاكم أن الحقَّ غيرُ ما اعترف به». وهذا هو العلم استنباطًا ودليلًا. ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة، فقال: «نقضُ الحاكم ما حكم به مَن هو مثلُه أو أجلُّ منه».

стр. 2839

قلت: وفيه ردٌّ لقول من قال: يكون ابنهما (١) إجراءً للنسب مجرى المال. وفيه أنَّ حكمَ الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن. وفيه نوع لطيف عجيب شريف من أنواع العلم النافع، وهو الاستدلال بقدر الله على شرعه. فإن سليمان ﷺ استدلَّ بما قدَّره الله وخلَقه في قلب الصغرى من الرحمة والشفقة بحيث أبت أن يُشَقَّ الولد، على أنه ابنها، وقوَّى هذا الاستدلال رِضا الأخرى بأن يُشَقَّ الولد، وقالت: نعم، شُقَّه. وهذا قول لا يصدر من أم، وإنما يصدر من حاسد يريد أن يتأسَّى بصاحب النعمة في زوالها عنه كما زالت عنه هو. ولا أحسنَ من هذا الحكم وهذا الفهم! وإذا لم يكن مثلُ هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس. وهذه الشريعة الكاملة طافحة بذلك. وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء (٢)، فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام. وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال (٣) يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول ﷺ ، ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: «لا سياسة إلا ما وافق الشرع» أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح. وإن أردتَ ما نطق به الشرع (٤)، فغلطٌ

стр. 2840

وتغليطٌ للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمَثْل (١) ما لا يجحده عالم بالسِّير (٢). ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف (٣) كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة. وكذلك تحريقُ علي الزنادقةَ في الأخاديد (٤)، ونفيُ عمر نصرَ بن حجَّاج (٥). قلت (٦): هذا موضعٌ مزِلَّة أقدام، ومضِلَّة أفهام، وهو مقام ضَنْكٌ ومعترك صعب، فرَّط فيه طائفة، فعطَّلوا الحدود، وضيَّعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعةَ قاصرةً لا تقوم بمصالح العباد. وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحةً من الطرق التي يُعرَف بها المُحِقُّ من المبطل، وعطَّلوها مع علمهم وعلمِ الناس (٧) أنها أدلَّة حقٍّ، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع. والذي أوجبَ لهم ذلك نوعُ تقصيرٍ في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها. فلما رأى ولاةُ الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، فأحدثوا (٨)

стр. 2841

لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم. فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة، وإحداثِ هؤلاء ما أحدثوه من أوضاعِ سياستهم= شرٌّ طويلٌ، وفسادٌ عريضٌ؛ وتفاقم الأمر، وتعذَّر استدراكه. [٢٥١/ب] وأفرط فيه طائفة أخرى، فسوَّغت منه ما يناقِضُ حكَم الله ورسوله. وكلا الطائفتين (١) أُتِيَتْ من قِبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله. فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل (٢)، قامت به السموات والأرض. فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأيِّ طريق كان؛ فثمَّ (٣) شرعُ الله ودينُه ورضاه وأمرُه. والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد، وأبطل (٤) غيرَه من الطرق التي هي أقوى منه وأدلُّ وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل والحق (٥)، وقيام الناس بالقسط، فأيُّ طريق استُخْرِج بها الحقُّ ومعرفةُ العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها. والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد؛ ولكن نبَّه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها. ولن تجد

стр. 2842

طريقًا من الطرق المثبتة للحقِّ إلا وفي شرعه (١) سبيلٌ للدلالة عليها. وهل يُظَنُّ بالشريعة الكاملة خلافُ ذلك؟ ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها. وتسميتها «سياسة» أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلًا فهي من الشرع. فقد حبَس رسولُ الله ﷺ في تهمة، وعاقَب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتَّهَم (٢). فمن أطلق كلَّ متَّهَم، وخلَّى سبيله، أو حلَّفه، مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، ونَقْبِ الدور، وتواترِ السرقات ــ ولا سيما وجودُ المسروق (٣) معه ــ وقال: لا آخذه إلا بشاهدَي عدل، أو إقرارِ اختيارٍ وطَوعٍ= فقولُه مخالفٌ للسياسة الشرعية. وكذلك منعُ النبيِّ ﷺ الغالَّ من الغنيمة سهمَه (٤)، وتحريقُ الخلفاء الراشدين متاعَه (٥)، ومنعُ المسيء على أميره سَلَبَ قتيله (٦)، وأخذُه شطرَ

стр. 2843

مال مانع الزكاة (١)، وإضعافُه الغُرْمَ على سارق ما لا قطع فيه، وعقوبتُه بالجلد (٢)، وإضعافُه الغرم على كاتم الضالَّة (٣)، وتحريقُ عمر بن الخطاب حانوت الخمار (٤)، وتحريقُه قريةً يباع فيها الخمر (٥)، وتحريقُه قصرَ سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن رعيته (٦)، وحلقُه رأس نصر بن

стр. 2844

حجاج ونفيُه (١)، وضربُه صَبيغًا بالدِّرَّة لما تتبَّع المتشابه، فسأل عنه (٢)؛ إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فسارت سنةً إلى يوم القيامة، وإن خالفها من خالفها. ولقد حدَّ أصحابُ النبي ﷺ في الزنا بمجرَّد الحَبَل (٣)، وفي الخمر بالرائحة والقيء (٤). وهذا هو الصواب، فإن دليل القيء والرائحة والحبَل على الشرب والزنا أولى (٥) من البينة قطعًا، فكيف يُظَنُّ بالشريعة إلغاءُ أقوى الدليلين؟ ومن ذلك: تحريقُ الصدِّيقِ اللوطيَّ (٦)، وإلقاء علي ﵁ له من شاهق على رأسه (٧). ومن ذلك: تحريق عثمان المصاحفَ المخالفة

стр. 2845

للمصحف الذي جمع الناسَ عليه، وهو الذي بلسان قريش (١). ومن ذلك: تحريق الصدِّيق للفجاءة السُّلَميِّ (٢). ومن ذلك: اختيار عمر ﵁ للناس إفرادَ الحجِّ، وأن يعتمروا في غير أشهر الحج (٣)، فلا يزال البيت الحرام معمورًا بالحجاج والمعتمرين. ومن ذلك [٢٥٢/أ] منع عمر ﵁ الناسَ من بيع أمهات الأولاد، وقد باعوهن في حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر ﵁ وأرضاه (٤). ومن ذلك: إلزامه بالطلاق الثلاث لمن أوقعه بفم واحد عقوبةً له، كما صرَّح هو به (٥)، وإلا فقد كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارته هو يجعل واحدةً (٦)؛ إلى أضعاف أضعاف ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة، وهي مشتقَّة من أصول الشريعة وقواعدها. وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى نقل وعقل (٧). وكلُّ ذلك تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل= كلُّ ذلك ينقسم إلى

стр. 2846

قسمين: صحيح، وفاسد. فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدُّها ومنافيها. وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي (١) ﷺ بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يُحْوِج أمته إلى أحد بعده، وإنما حاجتُهم إلى من يبلِّغهم عنه ما جاء به. فلرسالته عمومان محفوظان (٢) لا يتطرق إليهما تخصيص: عمومٌ بالنسبة إلى المرسل إليه، وعمومٌ بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه مَن بُعِثَ إليه في أصول الدين وفروعه. فرسالته كافية شافية عامَّة، لا تُحْوِج إلى سواها. ولا يتمُّ الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلَّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به. وقد توفي رسول الله ﷺ ، وما طائرٌ يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذكَّر الأمَّةَ (٣) منه علمًا. وعلَّمهم كلَّ شيء حتى آداب التخلِّي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصمت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت.

стр. 2847

ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجنَّ، والنار والجنة، ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأيُ عين. وعرَّفهم معبودَهم وإلهَهم أتمَّ تعريف، حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله. وعرَّفهم الأنبياءَ وأممهم، وما جرى لهم، وما جرى عليهم معهم، حتى كأنهم كانوا بينهم. وعرَّفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرِّفه نبيٌّ لأمته قبله. وعرَّفهم ﷺ من أحوال الموت، وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرِّف به نبيٌّ غيره. وكذلك عرَّفهم ﷺ من أدلَّة التوحيد والنبوة والمعاد، والرَّدِّ على جميع فِرَق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة إلى (١) مَن بعده، اللهم إلا إلى من يبلِّغه إياه، ويبيِّنه، ويوضِّح منه ما خفي عليه. وكذلك عرَّفهم ﷺ من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرُق النصر والظفر ما لو علموه وعملوه (٢) [٢٥٢/ب] ورعَوه حقَّ رعايته لم يقُمْ لهم عدوٌّ أبدًا. وكذلك عرَّفهم ﷺ من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها، وما يتحرَّزون به من كيده ومكره، وما يدفعون به شرَّه= ما لا مزيد عليه. وكذلك عرَّفهم ﷺ من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه. وكذلك عرَّفهم ﷺ من أمور معاشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة. وبالجملة، فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمَّته، ولم يُحْوِجهم الله إلى أحد سواه. فكيف يُظَنُّ أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالمَ شريعةٌ أكملُ

стр. 2848

منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تُكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقولٍ خارجٍ عنها؟ ومن ظنَّ ذلك فهو كمن ظنَّ أن بالناس حاجةً إلى رسول آخر بعده. وسببُ هذا كلِّه خفاءُ ما جاء به على من ظنَّ ذلك، وقلةُ نصيبه من الفهم الذي وفَّق الله له أصحابَ نبيِّه، الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدُنا إليكم. وقد كان عمر ﵁ يمنع من الحديث عن رسول الله ﷺ خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن (١)، فكيف لو رأى اشتغالَ الناس بآرائهم وزَبَدِ أفكارهم وزُبالةِ أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان. قال تعالى (٢): ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]. وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) [النحل: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. وكيف يشفي ما في الصدور كتابٌ لا يفي هو وما تُبيِّنه السنة بعُشْر معشار الشريعة؟ أم كيف يشفي ما في الصدور كتابٌ لا يستفاد منه اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، أو عامَّتُها

стр. 2849

ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا يُعلَم انتفاؤها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. ويا لله العجب! كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى الله بنيانها من القواعد، وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والأوضاع؟ أهل كانوا مهتدين مكتفين بالنصوص، أم كانوا على خلاف ذلك، حتى جاء المتأخرون، فكانوا أعلمَ منهم، وأهدى وأضبط للشريعة منهم، وأعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع (١) عليه منهم؟ فوالله لأن نلقى الله (٢) بكلِّ ذنبٍ ما خلا الإشراكَ به (٣) خيرٌ من أن نلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل. فصل وهذه نبذة يسيرة من كلام الإمام أحمد في السياسة الشرعية: قال في رواية المرُّوذي (٤) وابن منصور: المخنَّث ينفى لأنه لا يقع منه (٥) إلا الفساد والتعرض له. وللإمام نفيُه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن خاف به عليهم حبَسَه (٦).

стр. 2850

وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمرًا في نهار رمضان، [٢٥٣/أ] (١) أو أتى شيئًا نحو هذا: أُقيمَ عليه الحدُّ (٢)، وغُلِّظ عليه، مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث. وقال في رواية حرب: إذا أتت المرأةُ المرأةَ تُعاقبان وتُؤدَّبان. وقال أصحابنا: إذا رأى الإمامُ تحريقَ اللوطي بالنار فله ذلك، لأن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر ﵁ أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلًا (٣) يُنكَح كما تُنكَح المرأة، فاستشار أصحابَ النبي ﷺ ، وفيهم علي بن أبي طالب، وكان أشدَّهم قولًا، فقال: إن هذا الذنب لم تعصِ (٤) به أمةٌ من الأمم إلا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم، أرى أن يُحرَّقوا بالنار. فأجمع رأي أصحاب رسول الله ﷺ على أن يُحرَّقوا بالنار. فكتب أبو بكر ﵁ إلى خالد بن الوليد أن يُحرَّقوا، فحرَّقهم (٥). ثم حرَّقهم ابن الزبير، ثم حرَّقهم هشام بن عبد الملك (٦).

стр. 2851

ونصَّ الإمام أحمد فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته. وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب، وإلا أعاد العقوبة. وصرَّح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حُرِّم خلوةُ بعضهن ببعض. وصرَّحوا بأن من أسلم وتحته أختان فإنه يُجبَر على اختيار إحداهما. فإن أبى ضُرِب حتى يختار. قالوا: وهكذا كلُّ من وجب عليه حقٌّ، فامتنع من أدائه، فإنه يُضرَب حتى يؤدِّيه (١). وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك، فمشهور. وأبعَدُ الناس من الأخذ بذلك الشافعي رحمه الله تعالى مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع، وقد ذكرنا منها كثيرًا في غير هذا الكتاب (٢). منها: جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف، وإن لم يرها ولم يشهد عدلان أنها امرأته، بناء على القرائن. ومنها: قبول الهدية التي يوصلها إليه صبيٌّ أو عبد أو كافر، وجواز أكلها والتصرف فيها، وإن لم يشهد عدلان أن فلانًا أهدى لك كذا، بناءً على القرائن. ولا يشترط تلفظه ولا تلفظ الرسول بلفظ الهبة والهدية.

стр. 2852

ومنها: جواز تصرُّفه في بابه بقرع حلقته ودقِّه عليه، وإن لم يستأذنه في ذلك. ومنها: استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه وإنزالهم عنده مدة، وإن لم يستأذنه نطقًا، وإن تضمَّن ذلك تصرُّفَهم في منفعة الدار وإشغالهم الكنيفَ وإضعافهم (١) السُّلَّمَ ونحوه. ومنها: جواز الإقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه وإن لم يصرِّح له بالإذن لفظًا. ومنها: جواز شربه من الإناء وإن لم يقدِّمه إليه، ولا يستأذنه. ومنها: جواز قضاء حاجته في كنيفه وإن لم يستأذنه. ومنها: جواز (٢) الاستناد إلى وسادته. ومنها: أخذُ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره، وإن لم يصرِّح بتمليكه له. ومنها: انتفاعه بفراش زوجته ولحافها ووسادتها وآنيتها، وإن لم يستأذنها نطقًا؛ إلى أضعاف أضعاف ذلك. وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب. وهي اعتمادٌ (٣) على القرائن التي تفيد القطع تارةً، والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارةً؟

стр. 2853

وهذا باب واسع قد (١) تقدَّم التنبيه عليه مرارًا، لا يستغني (٢) عنه المفتي والحاكم. فصل فلنرجع إلى فتاوى رسول الله ﷺ ، وذكرِ طرفٍ من فتاويه في الأطعمة. وسئل ﷺ عن الثوم: أحرام هو؟ فقال: «لا، ولكني أكرهه من أجل رائحته». ذكره مسلم (٣). وسأله ﷺ أبو أيوب: هل [٢٥٣/ب] يحِلُّ لنا البصل؟ فقال: «بلى، ولكن (٤) يغشاني ما لا يغشاكم». ذكره أحمد (٥). وسئل ﷺ عن الضب، أحرام هو (٦)؟ فقال: «لا، ولكن لم يكن بأرض

стр. 2854

قومي، فأجدني أَعافُه». متفق عليه (١). وسئل ﷺ عن السَّمْن والجُبْن والفِرَاء، فقال: «الحلال ما أحلَّه الله في كتابه، والحرام ما حرَّمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه». ذكره ابن ماجه (٢). وسئل ﷺ عن الضبع، فقال: «أوَ يأكل الضبعَ أحد؟». وسئل ﷺ عن الذئب، فقال: «أوَ يأكل الذئبَ أحدٌ فيه خير؟». ذكره الترمذي (٣). وعند ابن ماجه: قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال: «ومن يأكل الضبع؟». وإن صحَّ حديث جابر (٤) في إباحة الضبع، فإن في القلب منه شيئًا، كأنَّ هذا الحديث يدل على ترك أكله تقذُّرًا أو تنزُّهًا. والله أعلم. وسألته ﷺ عائشة ﵂، فقالت: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ فقال: «سمُّوا أنتم، وكلُوا». ذكره البخاري (٥).

стр. 2855

وسأله ﷺ اليهود، فقالوا: إنَّا نأكل (١) ما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى آخر الآية [الأنعام: ١٢١]. هكذا ذكره أبو داود (٢)، وأن الذي سأل هذا السؤال هم اليهود. والمشهور في هذه القصة أن المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال، وهو الصحيح. ويدل عليه كون السورة مكية، وكون اليهود يحرِّمون الميتة كما يحرِّمها المسلمون، فكيف يوردون هذا السؤال، وهم يوافقون على هذا الحكم؟ ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. فهذا سؤال مجادلٍ في ذلك، واليهود لم تكن تجادل في هذا. وقد رواه الترمذي (٣) بلفظ ظاهره أن بعض المسلمين سأل هذا السؤال، ولفظه: أتى ناسٌ إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أنأكل مما نقتل، ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى

стр. 2856

قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١٢١]. وهذا لا يناقض كون المشركين هم الذين أوردوا السؤال (١)؛ فسأل عنه المسلمون رسول الله ﷺ . ولا أحسب قوله: «إن اليهود سألوا عن ذلك» إلا وهمًا من أحد الرواة. والله أعلم. وسأله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، إني إذا أصبتُ اللحم انتشرتُ للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرَّمتُ عليَّ اللحم. فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]. ذكره الترمذي (٢). وسأله ﷺ أبو ثعلبة الخُشَني، فقال: إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال ﷺ : «إن لم تجدوا غيرها فارحَضُوها (٣)، واطبخوا فيها، واشربوا». قال: قلت: يا رسول الله، ما يحِلُّ لنا، وما يحرُم علينا؟ قال: «لا تأكلوا لحم الحُمُر الإنسية، ولا يحِلُّ أكلُ كلِّ ذي ناب من السباع». ذكره أحمد (٤). وقد ثبت

стр. 2857

عنه في «صحيح مسلم» (١) من حديث أبي هريرة أنه قال: «أكلُ كُلِّ ذي ناب من السباع حرام». وهذان اللفظان يبطلان [تأويل] (٢) من تأوَّل نهيَه عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع بأنه نهي كراهة، فهو (٣) تأويل فاسد قطعًا. وبالله التوفيق. وسئل ﷺ : أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ فقال: «لو طعنتَ في فخذها لأجزأ عنك» [٢٥٤/أ]. ذكره أبو داود (٤)، وقال: هذا ذكاة المتردِّي. وقال يزيد بن هارون: هذا للضرورة (٥). وقيل: هو في غير المقدور عليه (٦). وسئل ﷺ عن الجنين يكون في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة: أنلقيه أم

стр. 2858

نأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه». أخرجه (١) أحمد (٢). وهذا يبطل تأويل من تأوَّلَ الحديث أنه يذكَّى كما تذكَّى أمُّه، ثم يؤكل؛ فإنه أمرهم بأكله، وأخبر أنه ذكاة أمه ذكاة له. وهذا لأنه جزء من أجزائها، فلم يحتج إلى أن يُفرَد بذبح، كسائر أجزائها. وسأله ﷺ رافع بن خَديج، فقال: إنَّا لاقو العدوِّ غدًا، وليست معنا مُدًى، فنذكِّي باللِّيط (٣)؟ فقال النبي ﷺ : «ما أنهر الدمَ وذُكِر اسمُ الله عليه فكُلْ، إلا ما كان من سنٍّ أو ظُفر، فإن السِّنَّ عظم، والظُّفر مُدَى الحبشة». متفق عليه (٤). واللِّيطة: الفِلْقَة من القصَب. وسأله ﷺ عدي بن حاتم، فقال: إنَّ أحدنا لَيصيب الصيدَ وليس معه سكِّين، أيذبح بالمروة وشِقَّة العصا؟ فقال رسول الله ﷺ : «أمِرَّ الدمَ، واذكر اسمَ الله». ذكره أحمد (٥). وسئل ﷺ عن شاة حلَّ بها الموت، فأخذت جاريةٌ حجرًا، فذبحتها به، فأمر النبي ﷺ بأكلها. ذكره البخاري (٦). وسئل ﷺ عن شاة نيَّبَ فيها الذئبُ، فذبحوها بمروة، فرخَّص لهم في

стр. 2859

أكلها. ذكره النسائي (١). وسئل ﷺ عن أكل الحوت الذي جزَر عنه البحرُ (٢)، فقال: «كلوا رزقًا أخرجه الله لكم، وأطعمونا إن كان معكم». متفق عليه (٣). وسأله ﷺ أبو ثعلبة الخشني، فقال: إنَّا بأرض صَيد، أصيد بقوسي وبكلبي المعلَّم وبكلبي الذي ليس بمعلَّم، فما يصلح لي؟ فقال: «ما صدتَ بقوسك، فذكرتَ اسم الله عليه، فكُلْ. وما صدتَ بكلبك المعلَّم، فذكرتَ اسم الله عليه، فكُلْ. وما صدتَ بكلبك غير المعلَّم، فأدركتَ ذكاته، فكُلْ». متفق عليه (٤). وهو صريح في اشتراط التسمية لحِلِّ الصيد، ودلالتُه على ذلك أصرح من دلالته على تحريم صيد غير المعلَّم. وسأله ﷺ عدي بن حاتم، فقال: إنِّي أُرسل كلابي المعلَّمة، فيمسكن عليَّ، وأذكر اسم الله. فقال: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرتَ اسم الله، فكُلْ ما أمسك عليك». قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن، ما لم يَشْرَكها كلبٌ ليس منها». قلت: فإني أرمي بالمِعراض الصيدَ، فأصيب. فقال: «إذا

стр. 2860

رميتَ بالمعراض (١) فخزَق (٢) فكُلْه، وإن أصابه بعَرضه فلا تأكله». متفق عليه (٣). وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: «إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسَكَ على نفسه. وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل، فإنك إنما سمَّيتَ على كلبك، ولم تسمِّ على غيره» (٤). وفي بعض ألفاظه: «إذا أرسلتَ كلبك المكلَّب فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركتَه حيًّا، فاذبحه. وإن أدركته قد قَتلَ، ولم يأكل منه، فكُلْه، فإنَّ أخذَ الكلب ذكاتُه» (٥). وفي بعض ألفاظه: «إذا رميتَ بسهمك فاذكر اسم الله». وفيه: «فإن غاب عنك اليومين أو الثلاثة، ولم تجد فيه إلا أثرَ سهمِك فكُلْ إن شئت. فإن وجدتَه غريقًا في الماء، فلا تأكل فإنك لا تدري الماءُ قتَلَه أو سهمُك» (٦). وسأله ﷺ أبو ثعلبة الخشني فقال: يا رسول الله، إن لي كلابًا مكلَّبةً فأفتِني في صيدها. فقال: «إن كانت لك كلاب مكلَّبة، فكُلْ مما أمسكَتْ

стр. 2861

عليك». فقال: يا رسول الله، ذكيٌّ وغيرُ ذكي؟ قال [٢٥٤/ب]: «ذكيٌّ وغيرُ ذكي». قال: وإن أكل منه؟ قال: «وإن أكل منه». قال: يا رسول الله، أفتِني في قوسي. قال: «كُلْ ما أمسكَتْ عليك قوسُك». قال: ذكيٌّ وغيرُ ذكي؟ قال: «ذكيٌّ وغيرُ ذكي». قال: وإن تغيَّب عني؟ قال: «وإن تغيَّب عنك، ما لم يصِلَّ ــ يعني يتغير ــ أو تجِدْ فيه أثرًا غيرَ أثر سهمك». ذكره أبو داود (١). ولا يناقض هذا قوله لعدي بن حاتم: «وإن أكل (٢) فلا تأكل»، فإن حديث عدي فيما أكَلَ منه حالَ صيده؛ إذ يكون ممسكًا على نفسه. وحديث أبي ثعلبة فيما أكل منه بعد ذلك، فإنه يكون قد أمسَك على صاحبه، ثم أكَل منه بعد ذلك. وهذا لا يحرُم، كما لو أكل مما ذكَّاه صاحبُه. وسئل ﷺ عن الذي يدرك صيدَه بعد ثلاث، فقال: «كُلْه ما لم يُنْتِنْ». ذكره مسلم (٣). وسأله ﷺ أهلُ بيت كانوا بالحَرَّة (٤) محتاجين، ماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم، فرخَّص لهم في أكلها، فعصمَتْهم بقيةَ شتائهم. ذكره أحمد (٥).

стр. 2862

وعند أبي داود (١) أن رجلًا نزل الحرَّةَ (٢) ومعه أهله وولده. فقال رجل: إنَّ ناقةً لي ضلَّت (٣)، فإن وجدتَها فأمسِكْها. فوجدها، فلم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت امرأته: انحَرْها، فأبى، فنفَقت. فقالت: اسْلُخْها حتى نُقَدِّد شحمَها ولحمَها نأكلُه (٤). فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ . فأتاه، فسأله، فقال: «هل عندك غنًى يغنيك؟». قال: لا. قال: «فكلوه». قال: فجاء صاحبها، فأخبره الخبر، فقال: هلا كنتَ نحرتَها! قال: استحييتُ منك. وفيه دليل على جواز إمساك الميتة للمضطر. وسأله ﷺ رجل، فقال: من الطعام طعام نتحرَّج (٥) منه. فقال: «لا يختلجنَّ في نفسك شيءٌ ضارعتَ فيه النصرانية». ذكره أحمد (٦). ومعناه

стр. 2863

ــ والله أعلم ــ النهي عما شابه طعامَ النصارى. يقول: لا تشُكَّنَّ فيه، بل دَعْه. فأجابه بجوابٍ عامٍّ، وخصَّ النصارى دون اليهود، لأن النصارى لا يحرِّمون شيئًا من الأطعمة، بل يبيحون ما دبَّ ودرَج من الفيل إلى البعوض. وسأله ﷺ عُقبة بن عامر، فقال: إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا يَقْرُوننا، فما ترى؟ فقال: «إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا. فإن لم يفعلوا فخُذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم». ذكره البخاري (١). وعند الترمذي (٢): إنا نمُرُّ بقوم، فلا يضيِّفوننا، ولا يؤدُّون ما لنا عليهم من الحق، ولا نحن نأخذ منهم. فقال: «إن أبوا إلا أن تأخذوا قِرًى فخذوه» (٣). وعند أبي داود (٤): «ليلة الضيف حقٌّ على كلِّ مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان دَينًا عليه، إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه». وعنده أيضًا: «من نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه، فإن لم يَقْرُوه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه» (٥). وهو دليل على وجوب الضيافة، وعلى أخذ الإنسان نظيرَ حقِّه ممن هو

стр. 2864

عليه إذا أبى دفعه. وقد استُدِلَّ به في مسألة الظفر، ولا دليل فيه، لظهور سبب الحق هاهنا، فلا يتهم الآخذ، كما تقدَّم في قصة هند مع أبي سفيان. وسأله ﷺ عوف بن مالك، فقال: الرجلُ أمُرُّ به، فلا يَقْريني ولا يضيِّفني، ثم يمُرُّ بي، أفأجزيه؟ قال: «لا، بل اِقْرِه». قال: ورآني ــ يعني النبي ﷺ ــ رثَّ الثياب، فقال: «هل لك من مال؟». قال: قلت: من كلِّ المال قد أعطاني الله: من الإبل والغنم. [٢٥٥/أ] قال: «فَلْيُرَ عليك». ذكره الترمذي (١). وسئل ﷺ عن جائزة الضيف، فقال: «يومه وليلته. والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة. ولا يحِلُّ له أن يثوِيَ عنده حتى يُحْرِجَه». متفق عليه (٢). فصل وسئل ﷺ عن العقيقة، وكأنه (٣) كره الاسم، وقال: «من وُلِد له مولود فأحبَّ أن ينسُكَ عنه فليفعل». ذكره أحمد (٤).

стр. 2865

وعنده (١) أيضًا: أنه سئل ﷺ عن العقيقة، فقال: «لا يحب الله العقوق» كأنه كره الاسم. قالوا: يا رسول الله، إنما نسألك عن أحدنا يولد له (٢). قال: «من وُلِد (٣) له فأحَبَّ أن ينسُك عنه فلينسُكْ. عن الغلام شاتان متكافئتان (٤)، وعن الجارية شاة». فصل وسأله ﷺ رجل، فقال (٥): إنِّي لا أروَى من نفَس واحدة (٦). قال: «فأَبِنِ القَدَحَ عن فيك، ثم تنفَّسْ». قال: فإني أرى القذاة فيه. قال: «فأَهْرِقْها». ذكره مالك (٧). وعند الترمذي (٨) أنه ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء. قال: «أَهْرِقْها». قال: إني لا أروى من نفَس واحد (٩). قال: «فأَبِنِ القدَحَ إذن عن فيك». حديث صحيح.

стр. 2866

وسئل ﷺ عن البِتْع، فقال: «كلُّ شراب أسكَرَ فهو حرام». متفق عليه (١). وسأله ﷺ أبو موسى، فقال: يا رسول الله، أفتِنا في شرابين كنَّا نصنعهما باليمن: البِتْع وهو من العسل يُنبَذ حتى يشتدَّ، والمِزْر وهو من الذرة والشعير يُنبَذ حتى يشتدَّ، فقال: «كلُّ مسكِر حرام». متفق عليه (٢). وسأله ﷺ طارق بن سويد عن الخمر، فنهاه أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء» (٣). وسأله ﷺ رجل من اليمن عن شراب بأرضهم يقال له: المِزْر، فقال: «أمسكر هو؟». قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : «كلُّ مسكرٍ حرام، وإنَّ على الله عهدًا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخَبال». قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عرَق أهل النار» أو قال: «عُصارة أهل النار» (٤). وسأله ﷺ رجل من عبد القيس، فقال: يا رسول الله، ما ترى في شراب نصنعه في أرضنا من ثمارنا؟ فأعرض عنه، حتى سأله ثلاث مرات (٥)، حتى قام يصلِّي. فلما قضى صلاته قال: «لا تشربه، ولا تسقِه أخاك المسلم. فوالذي نفسي بيده ــ أو والذي يحلف به ــ لا يشربه رجل ابتغاءَ لذة سُكرٍ (٦)،

стр. 2867

فيسقيه الله الخمرَ يوم القيامة». ذكره أحمد (١). وسئل ﷺ عن الخمر تُتَّخذ خَلًّا، قال: «لا». ذكره مسلم (٢). وسأله ﷺ أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال: «أَهْرِقْها». قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: «لا». ذكره أحمد (٣). وفي لفظ: أن يتيمًا كان في حِجْر أبي طلحة، فاشترى له خمرًا، فلما حُرِّمت الخمر سئل النبيُّ ﷺ : أتُتَّخَذ (٤) خلًّا؟ قال: «لا» (٥). وسأله ﷺ قوم، فقالوا: إنا ننتبذ نبيذًا نشربه على غدائنا وعشائنا. وفي رواية: على طعامنا. فقال: «اشربوا واجتنبوا كلَّ مسكِر». فأعادوا عليه، فقال: «إن الله ينهاكم عن قليلِ ما أسكَر وكثيرِه». ذكره الدارقطني (٦). وسأله ﷺ عبد الله بن فيروز الديلمي (٧)، فقال: إنَّا أصحابُ أعناب

стр. 2868

وكرْم، وقد نزل تحريم الخمر [٢٥٥/ب]، فما نصنع بها؟ قال: «تتخذونه زبيبًا». قال: نصنع بالزبيب ماذا؟ قال: «تُنقِعونه على غدائكم، وتشربونه على عشائكم. وتُنقِعونه على عشائكم، وتشربونه على غدائكم». قال: قلتُ: يا رسول الله، نحن ممن قد علمتَ، ونحن بين ظهراني من قد علمتَ، فمن وليُّنا؟ قال: «الله ورسوله». قال: حسبي يا رسول الله (١). فصل في طرف من فتاويه ﷺ في الأيمان والنذور سأله (٢) سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، إني حلفتُ باللات والعزَّى، وإن العهد كان قريبًا. فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثلاثًا، ثم انفُثْ عن يسارك ثلاثًا، ثم تعوَّذْ، ولا تَعُدْ». ذكره أحمد (٣). ولما قال ﷺ : «من اقتطع حقَّ امرئ مسلم بيمينه حرَّم الله عليه الجنَّةَ، وأوجب له النار» سألوه: وإن كان يسيرًا (٤)، قال: «وإن كان قضيبًا من أراك». ذكره مسلم (٥).

стр. 2869

وأعتَمَ رجلٌ عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فوجد الصِّبْية قد ناموا، فأتاه أهله بطعام، فحلف: لا يأكل، من أجل الصِّبية. ثم بدا له، فأكل، فأتى رسولَ الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: «من حلف على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها فَلْيأتِها، وَلْيكفِّرْ عن يمينه». ذكره مسلم (١). وسأله ﷺ مالك بن نَضْلة (٢) فقال: يا رسول الله، أرأيت ابنَ عمٍّ لي آتيه أسأله، فلا يعطيني ولا يصِلني، ثم يحتاج إليَّ، فيأتيني، فيسألني، وقد حلفتُ أن لا أعطيه، ولا أصِلَه. قال: فأمرني أن آتيَ الذي هو خيرٌ، وأكفِّرَ عن يميني (٣). وخرج سويد بن حنظلة ووائل بن حجر يريدان رسول الله ﷺ مع قومهما، فأخذ وائلًا عدوٌّ له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا أنه أخوهم، وحلف سويد أنه أخوه، فخلَّوا سبيله. فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «أنتَ أبرُّهم وأصدقُهم، المسلم أخو المسلم». ذكره أحمد (٤). وسئل ﷺ عن رجل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ويصوم ولا يفطر بنهاره، ولا يستظِلَّ، ولا يتكلَّم. فقال: «مروه فَلْيستظِلَّ، وَلْيقعُدْ،

стр. 2870

وَلْيتكلَّمْ، وَلْيُتِمَّ صومه». ذكره البخاري (١). وفيه دليل على تفريق الصفقة في النذر، وأن من نذر قُربةً وغير قُربة صَحَّ النذر في القربة، وبطل في غير القربة. وهكذا الحكم في الوقف سواء. وسأله ﷺ عمر ﵁، فقال: إني نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام، فقال: «أوفِ بنذرك». متفق عليه (٢). وقد احتجَّ به من يرى جواز الاعتكاف من غير صوم. ولا حجة فيه، لأن في بعض ألفاظ الحديث: «أن أعتكف يومًا، أو قال: ليلةً» (٣). ولم يأمره بالصوم، إذ الاعتكاف المشروع إنما هو اعتكاف الصائم، فيُحمَل اللفظ المطلق على المشروع. وسئل ﷺ عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافيةً غيرَ مختمرة، فأمَرها أن تركَب، وتختمر، وتصوم ثلاثة أيام. ذكره أحمد (٤). وفي «الصحيحين» (٥) عن عقبة (٦) قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافيةً، فأمرتني أن أستفتي لها رسولَ الله ﷺ ، فاستفتيته، فقال: «لِتَمْشِ وَلْتَركَبْ».

стр. 2871

وعند الإمام أحمد (١) أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبي ﷺ [٢٥٦/أ]: «إنَّ الله لغنيٌّ عن مشي أختك. فَلْتركَبْ، وَلْتُهْدِ بدَنة». ونظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس، فقال: «ما شأنك؟». قال: نذرتُ أن لا أزال في الشمس حتى تفرُغَ (٢). فقال رسول الله ﷺ : «ليس هذا نذرًا، إنما النذرُ فيما ابتُغِيَ به وجهُ الله». ذكره أحمد (٣). ورأى (٤) شيخًا يهادي بين ابنيه، فقال: «ما بال هذا؟». فقالوا: نذَر أن يمشي. فقال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لَغنيٌّ» (٥) وأمَره أن يركَب. متفق عليه (٦). ونظر إلى رجلين مقترنين يمشيان إلى البيت، فقال: «ما بال القِرَان؟». قالوا: يا رسول الله، نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين. فقال: «ليس هذا نذرًا،

стр. 2872

إنما النذر فيما ابتُغِيَ به وجهُ الله». ذكره أحمد (١). وسألته ﷺ امرأة، فقالت: إنَّ أُمِّي توفِّيت وعليها نذر صيام، فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال: «ليصُمْ عنها الوليُّ». ذكره ابن ماجه (٢). وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه» (٣). فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت: يصام عنه النذر والفرض. وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض. وفصَّلت طائفة، فقالت: يصام عنه النذر، دون الفرض الأصلي. وهذا قول ابن عباس وأصحابه، والإمام أحمد وأصحابه. وهو الصحيح، لأن فرض الصيام جارٍ مجرى الصلاة، فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يُسْلِم أحد عن أحد، فكذلك الصيام. وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدَّين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه، وهذا محض الفقه.

стр. 2873

وطردُ هذا أنه لا يُحَجُّ عنه، ولا يُزكَّى عنه إلا إذا كان معذورًا بالتأخير، كما يُطعِم الوليُّ عمن أفطر في رمضان لعذر. فأما المفرِّط من غير عذر أصلًا، فلا ينفعه أداءُ غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرَّط فيها، وكان هو المأمورَ بها ابتلاءً وامتحانًا دون الولي. فلا تنفع توبةُ أحد عن أحد، ولا إسلامُه عنه، ولا أداءُ الصلاة عنه، ولا غيرِها من فرائض الله التي فرَّط فيها حتى مات. والله أعلم. وسألته ﷺ امرأة، فقالت: إني نذرتُ أن أضرب على رأسك بالدُّفِّ. فقال: «أوفي بنذرك». قالت: إني نذرتُ أن أذبح بمكان كذا وكذا: مكانٍ كان (١) يذبح فيه أهلُ الجاهلية. قال: «لصنم؟». قالت: لا. قال: «لوثن؟». قالت: لا. قال: «أوفي بنذرك». ذكره أبو داود (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببُوَانةَ. فقال النبي ﷺ : «كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبَد؟». قالوا: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟». قالوا: لا. قال: «أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء بالنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». ذكره أبو داود (٣).

стр. 2874

فصل في طرف من فتاويه ﷺ في الجهاد سئل عن قتال الأمراء الظلمة، فقال: «لا، ما أقاموا الصلاة». وقال: «خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلُّون عليهم (١) ويُصلُّون عليكم. وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: أفلا ننابذهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». ثم قال ﷺ : «ألا، من ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزِعنَّ يدًا من طاعته». ذكره [٢٥٦/ب] مسلم (٢). وقال: «يُستعمَل عليكم أمراء، فتعرفون، وتنكرون. فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلِم. ولكن من رضي وتابع». قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلَّوا». ذكره مسلم (٣). وزاد أحمد (٤): «ما صلَّوا الخمسَ». وسأله ﷺ رجل، فقال: أرأيتَ إن كان علينا أمراءُ يمنعونا (٥) حقَّنا

стр. 2875

ويسألونا حقَّهم؟ قال: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم». ذكره الترمذي (١). وقال: «إنها ستكون بعدي أثَرةٌ وأمورٌ تنكرونها». قالوا: فما تأمرنا من أدرك ذلك؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم». متفق عليه (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: دُلَّني على عمل يعدِلُ الجهاد. قال: «لا أجده». ثم قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدَك، فتقوم ولا تفتُر، وتصوم ولا تُفطر؟». قال: ومن يستطيع ذلك؟ فقال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتُر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله». ذكره مسلم (٣). وسئل ﷺ : أي الناس أفضل؟ فقال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله». قال: ثم من؟ قال: «رجل في شِعْب من الشِّعاب يتقي الله ويدَعُ الناسَ من شرِّه». متفق عليه (٤). وسأله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن قُتِلتُ في سبيل الله وأنا
следующие страницы →