← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وعند الإمام أحمد (١) أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبي ﷺ [٢٥٦/أ]: «إنَّ الله لغنيٌّ عن مشي أختك. فَلْتركَبْ، وَلْتُهْدِ بدَنة». ونظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس، فقال: «ما شأنك؟». قال: نذرتُ أن لا أزال في الشمس حتى تفرُغَ (٢). فقال رسول الله ﷺ : «ليس هذا نذرًا، إنما النذرُ فيما ابتُغِيَ به وجهُ الله». ذكره أحمد (٣). ورأى (٤) شيخًا يهادي بين ابنيه، فقال: «ما بال هذا؟». فقالوا: نذَر أن يمشي. فقال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لَغنيٌّ» (٥) وأمَره أن يركَب. متفق عليه (٦). ونظر إلى رجلين مقترنين يمشيان إلى البيت، فقال: «ما بال القِرَان؟». قالوا: يا رسول الله، نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين. فقال: «ليس هذا نذرًا،

стр. 2872

إنما النذر فيما ابتُغِيَ به وجهُ الله». ذكره أحمد (١). وسألته ﷺ امرأة، فقالت: إنَّ أُمِّي توفِّيت وعليها نذر صيام، فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال: «ليصُمْ عنها الوليُّ». ذكره ابن ماجه (٢). وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه» (٣). فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت: يصام عنه النذر والفرض. وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض. وفصَّلت طائفة، فقالت: يصام عنه النذر، دون الفرض الأصلي. وهذا قول ابن عباس وأصحابه، والإمام أحمد وأصحابه. وهو الصحيح، لأن فرض الصيام جارٍ مجرى الصلاة، فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يُسْلِم أحد عن أحد، فكذلك الصيام. وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدَّين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه، وهذا محض الفقه.

стр. 2873

وطردُ هذا أنه لا يُحَجُّ عنه، ولا يُزكَّى عنه إلا إذا كان معذورًا بالتأخير، كما يُطعِم الوليُّ عمن أفطر في رمضان لعذر. فأما المفرِّط من غير عذر أصلًا، فلا ينفعه أداءُ غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرَّط فيها، وكان هو المأمورَ بها ابتلاءً وامتحانًا دون الولي. فلا تنفع توبةُ أحد عن أحد، ولا إسلامُه عنه، ولا أداءُ الصلاة عنه، ولا غيرِها من فرائض الله التي فرَّط فيها حتى مات. والله أعلم. وسألته ﷺ امرأة، فقالت: إني نذرتُ أن أضرب على رأسك بالدُّفِّ. فقال: «أوفي بنذرك». قالت: إني نذرتُ أن أذبح بمكان كذا وكذا: مكانٍ كان (١) يذبح فيه أهلُ الجاهلية. قال: «لصنم؟». قالت: لا. قال: «لوثن؟». قالت: لا. قال: «أوفي بنذرك». ذكره أبو داود (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببُوَانةَ. فقال النبي ﷺ : «كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبَد؟». قالوا: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟». قالوا: لا. قال: «أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء بالنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». ذكره أبو داود (٣).

стр. 2874

فصل في طرف من فتاويه ﷺ في الجهاد سئل عن قتال الأمراء الظلمة، فقال: «لا، ما أقاموا الصلاة». وقال: «خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلُّون عليهم (١) ويُصلُّون عليكم. وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: أفلا ننابذهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». ثم قال ﷺ : «ألا، من ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزِعنَّ يدًا من طاعته». ذكره [٢٥٦/ب] مسلم (٢). وقال: «يُستعمَل عليكم أمراء، فتعرفون، وتنكرون. فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلِم. ولكن من رضي وتابع». قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلَّوا». ذكره مسلم (٣). وزاد أحمد (٤): «ما صلَّوا الخمسَ». وسأله ﷺ رجل، فقال: أرأيتَ إن كان علينا أمراءُ يمنعونا (٥) حقَّنا

стр. 2875

ويسألونا حقَّهم؟ قال: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم». ذكره الترمذي (١). وقال: «إنها ستكون بعدي أثَرةٌ وأمورٌ تنكرونها». قالوا: فما تأمرنا من أدرك ذلك؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم». متفق عليه (٢). وسأله ﷺ رجل، فقال: دُلَّني على عمل يعدِلُ الجهاد. قال: «لا أجده». ثم قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدَك، فتقوم ولا تفتُر، وتصوم ولا تُفطر؟». قال: ومن يستطيع ذلك؟ فقال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتُر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله». ذكره مسلم (٣). وسئل ﷺ : أي الناس أفضل؟ فقال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله». قال: ثم من؟ قال: «رجل في شِعْب من الشِّعاب يتقي الله ويدَعُ الناسَ من شرِّه». متفق عليه (٤). وسأله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن قُتِلتُ في سبيل الله وأنا

стр. 2876

صابرٌ محتسبٌ مقبلٌ غيرُ مدبر، يكفِّر الله عنِّي خطاياي؟ قال: «نعم، فكيف قلتَ (١)؟». فردَّ عليه كما قال، فقال: «نعم، فكيف قلت؟». فرد عليه القول أيضًا، قال: أرأيت يا رسول الله، إن (٢) قُتِلتُ في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غيرَ مدبر، يكفِّر الله عني خطاياي؟ قال: «نعم، إلا الدَّين، فإن جبريل سارَّني بذلك». ذكره أحمد (٣). وسئل ﷺ : ما بال المؤمنين يُفتَنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنةً». ذكره النسائي (٤). وسئل ﷺ : أيُّ الشهداء أفضل عند الله تعالى؟ فقال: «الذين يُلْقَون في الصفِّ لا يَلْفِتُون وجوهَهم حتى يُقتَلوا. أولئك ينطلقون (٥) في الغرف العلى

стр. 2877

من الجنة، ويضحك إليهم ربُّك تعالى. وإذا ضحك ربُّك إلى عبدٍ في الدنيا فلا حساب عليه». ذكره أحمد (١). وسئل ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل رياءً؛ أيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله». متفق عليه (٢). وعند أبي داود (٣) أن أعرابيًّا أتى رسول الله ﷺ ، فقال: الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل ليُحْمَد، ويقاتل ليغنَم، ويقاتل ليُرَى مكانُه؛ فمَن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». وسأله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، رجلٌ (٤) يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عَرَضًا من عَرَض الدنيا (٥). فقال: «لا أجر له». فأعظمَ ذلك الناسُ وقالوا للرجل: عُدْ لرسول الله ﷺ ، فإنك لم تفهِّمه. فقال: يا رسول الله، رجلٌ يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا،

стр. 2878

فقال: «لا أجر له». فقالوا للرجل: عُدْ لرسول الله ﷺ . فقال له الثالثة، فقال: «لا أجر له». ذكره أبو داود (١). وعند النسائي (٢) أنه سئل ﷺ ، فقيل: أرأيتَ رجلًا غزا يلتمس الأجر [٢٥٧/أ] والذكر، ما له؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا شيء له». فأعادها ثلاث مرار، يقول رسول الله ﷺ : «لا شيء له». ثم قال: «إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا (٣) وابتُغِيَ به وجهُه». وسألته ﷺ أم سلمة، فقالت: يا رسول الله، يغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية [النساء: ٣٢]. ذكره أحمد (٤).

стр. 2879

وسئل ﷺ عن الشهداء، فقال: «من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد». ذكره مسلم (١). فصل في ذكر طرف من فتاويه ﷺ في الطب سأله ﷺ أعرابي، فقال: يا رسول الله، أنتداوى؟ قال: «نعم، فإن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً، علِمَه مَن علِمَه، وجَهِله من جَهِله». ذكره أحمد (٢). وفي «السنن» أن الأعراب قالت: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: «نعم، عبادَ الله تداوَوْا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً، أو دواءً، إلا داءً واحدًا». قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: «الهرم» (٣). وسئل ﷺ ، فقيل له: أرأيتَ رُقًى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتقاةً نتَّقيها؛ هل ترُدُّ من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله». ذكره الترمذي (٤). وسئل ﷺ : هل يغني الدواء شيئًا؟ فقال: «سبحان الله، وهل أنزل الله تعالى من داءٍ في الأرض إلا جعل له شفاءً». ذكره أحمد (٥).

стр. 2880

وسئل ﷺ عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمته، فقال: «هم الذين لا يستَرْقُون، ولا يتطيَّرون، ولا يكتَوُون، وعلى ربِّهم يتوكلون». متفق عليه (١). وسأله ﷺ آل عمرو بن حزم، فقالوا: إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيتَ عن الرُّقَى (٢). قال: فعرَضوا عليه. فقال: «ما أرى بأسًا، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل». ذكره مسلم (٣). واستفتاه عثمان بن أبي العاص، وشكا إليه وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال: «ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: باسم الله، ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله (٤) وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر». ذكره مسلم (٥). وسئل ﷺ : أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل. الرجل يبتلى على حسَب دينه، فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك، وإن كان صُلبَ الدين ابتلي على حسَب ذلك. فما يزال البلاء بالرجل حتى يمشي على وجه الأرض، وما عليه خطيئة». ذكره أحمد، وصححه

стр. 2881

الترمذي (١). وذكر ابن ماجه (٢) أنه سئل: أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأنبياء». قلت: يا رسول الله، ثم من؟ قال: «ثم الصالحون. إن كان أحدُهم لَيُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءةَ يجوبُها (٣). وإن كان أحدهم لَيفرحُ بالبلاء، كما يفرح أحدكم بالعافية (٤)». وسأله ﷺ رجل: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا، ما لنا بها؟ قال: «كفارات». قال أبو سعيد الخدري (٥): وإن قلَّت؟ قال: «وإن شوكةٌ فما فوقها». فدعا أبو سعيد على [٢٥٧/ب] نفسه أن لا يفارقه الوعكُ حتى يموت،

стр. 2882

وأن لا يشغلَه عن حجٍّ ولا عن عمرة، ولا جهادٍ في سبيل الله، ولا صلاةٍ مكتوبة في جماعة. فما مسَّه إنسانٌ إلا وجد حرَّه حتى مات. ذكره أحمد (١). وقال أسامة: شهدت الأعراب يسألون النبيَّ ﷺ : أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال: «عبادَ الله، وضع الله تعالى الحرجَ، إلا من اقترض من عِرْضِ أخيه شيئًا، فذلك الحرج (٢)». فقالوا: يا رسول الله، هل علينا من جناح أن نتداوى؟ قال: «تداوَوا عبادَ الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع معه شفاءً إلا الهرم». قالوا: يا رسول الله، ما خيرُ ما أُعطي العبد؟ قال: «حسنُ الخلق». ذكره ابن ماجه (٣). وسئل ﷺ عن الرُّقى، فقال: «اعرضوا عليَّ رُقاكم». ثم قال: «لا بأس بما ليس فيه شرك». ذكره مسلم (٤). وسأله ﷺ طبيب عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهى النبيُّ ﷺ عن قتلها. ذكره أهل السنن (٥).

стр. 2883

وشكا إليه ﷺ الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف القَمْلَ، فأفتاهم بلبس قميص الحرير. ذكره البخاري في «صحيحه» (١). وأفتى ﷺ أن من تطبَّب، ولم يُعرَف منه طِبٌّ، فهو ضامن (٢). وهو يدل بمفهومه على أنه إذا كان طبيبًا وأخطأ في تطبيبه، فلا ضمان عليه. وشكا إليه ﷺ المشاةُ في طريق الحج تعبَهم وضعفَهم عن المشي، فقال لهم: «استعينوا بالنَّسَل (٣)، فإنه يقطع عنكم الأرضَ وتخِفُّون له». قال (٤): ففعلنا، فخفَفْنا له (٥). والنَّسَل: العَدْوُ مع تقارب الخُطا. ذكر أبو مسعود الدمشقي (٦) هذا الحديث في مسلم، وليس فيه، وإنما هو زيادة في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم (٧) في صفة حج النبي ﷺ ، وإسناده حسن. وسألته ﷺ أسماء بنت عميس، فقالت: يا رسول الله، إنَّ ولدَ جعفر تُسرع إليهم العَين، أفأسترقي لهم؟ قال: «نعم، فإنه لو كان شيءٌ سابَقَ القدرَ

стр. 2884

لسبقته العين». ذكره أحمد (١). وعند مالك (٢) عن حميد بن قيس المكي قال: دُخِلَ على رسول الله ﷺ بابنَي جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضنتهما: «ما لي أراهما ضارعَين؟». فقالت: إنه لَتُسرِعُ إليهما العين، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنَّا لا ندري ما يوافقك من ذلك. فقال: «استرقُوا لهما، فإنه لو سبق شيءٌ القدرَ لسبقته العينُ». وسئل ﷺ عن النُّشْرة، فقال: «هي من عمل الشيطان». ذكره أحمد وأبو داود (٣). والنُّشْرة: حلُّ السحر عن المسحور، وهي نوعان: حلُّ سحرٍ بسحرٍ مثلِه، وهو الذي من عمل الشيطان، فإن السحر من عمله، فيتقرَّب إليه الناشر والمنتشر بما يحِبُّ، فيُبطل عملَه عن المسحور. والثاني: النُّشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب. وعلى النوع المذموم يُحمَل قول الحسن: لا يحُلُّ السحرَ إلا ساحرٌ (٤). فصل وسئل ﷺ عن الطاعون فقال: «عذابًا كان يبعثه الله على مَن كان قبلكم،

стр. 2885

فجعله الله رحمةً للمؤمنين. ما من عبد يكون في بلد، ويكون (١) فيه، فيمكث، لا يخرج صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له= إلا كان له مثلُ أجرِ شهيد». ذكره [٢٥٨/أ] البخاري (٢). وسأله ﷺ فروة بن مُسَيك، فقال: يا رسول الله، إنَّا بأرض يقال لها: أَبْيَنُ (٣)، وهي ريفنا ومِيرَتنا، وهي وَبِئَة. أو قال: وباها (٤) شديد. فقال رسول الله ﷺ : «دعها عنك، فإنَّ من القَرَفِ التَّلَفَ (٥)» (٦). وفيه دليل على نوع شريف من أنواع الطب، وهو استصلاح التربة والهواء، كما ينبغي استصلاح الماء والغذاء؛ فإنَّ بصلاح هذه الأربعة (٧) صلاحَ البدن واعتدالَه. وقال ﷺ : «لا طيرة، وخيرُها الفأل». قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال:

стр. 2886

«الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم». متفق عليه (١). وفي لفظ لهما (٢): «لا عدوى، ولا طيرة. ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة». ولما قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة» قال له رجل: أرأيت البعير يكون به الجَرَبُ، فتجرَب الإبل. قال: «ذاك القدر. فمَن أجرب الأول؟». ذكره أحمد (٣). ولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب، بل فيه إثبات القدر، وردُّ الأسباب كلِّها إلى الفاعل الأول؛ إذ لو كان كلُّ سبب مستندًا إلى سببٍ قبله، لا إلى غايةٍ= لزم التسلسلُ في الأسباب، وهو ممتنع. فقطع النبيُّ ﷺ التسلسلَ بقوله: «فمن أعدى الأول» (٤)، إذ لو كان الأول قد جَرِب بالعدوى، والذي قبله كذلك، لا إلى غاية= لزم التسلسل الممتنع. وسألته ﷺ امرأة، فقالت: يا رسول الله، دارٌ سكنَّاها، والعدد كثير، [والمال] (٥) وافر؛ فقلَّ العدد، وذهب المال. فقال: «دعُوها ذميمةً». ذكره

стр. 2887

مالك مرسلًا (١). وهذا موافق لقوله ﷺ : «إن كان الشؤم في شيء، فهو في ثلاثة: في الفرس، والدار (٢)، والمرأة». وهو إثبات لنوع خفي من الأسباب، لا يطلع عليه أكثر الناس، ولا يعلم إلا بعد وقوع مسبَّبه. فإن من الأسباب ما تُعلَم سببيته قبل وقوع مسبَّبه وهي الأسباب الظاهرة، ومنها ما لا تُعلَم سببيته (٣) إلا بعد وقوع مسبَّبه وهي الأسباب الخفية. ومنه قول الناس: فلان مشؤوم الطَّلْعة، ومدوَّر الكعب (٤)، ونحوه. فالنبي ﷺ أشار إلى هذا النوع، ولم يبطله. وقوله: «إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة» تحقيقٌ لحصول الشؤم منها (٥)، وليس نفيًا لحصوله من غيرها، كقوله: «إن كان في شيء تتداوَون به شفاءٌ ففي شَرْطةِ مِحْجَم، أو شربة عسل، أو لذعةٍ بنار. ولا أُحِبُّ الكيَّ». ذكره البخاري (٦).

стр. 2888

وقال: «من ردَّته الطِّيَرَةُ من حاجته فقد أشرك». قالوا: يا رسول الله، وما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول: اللهم لا طيرَ إلا طيرُك، ولا خيرَ إلا خيرُك». ذكره أحمد (١). ذكر فصول من فتاويه ﷺ في أبواب متفرقة سأله ﷺ رجل، فقال: إنِّي أصبتُ ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ فقال: «هل لك من أمٍّ؟». قال: لا. قال: «فهل لك من خالة؟». قال: نعم. قال: «فبَرَّها». ذكره الترمذي وصححه (٢). وقال ابن عباس ﵄: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتدَّ ولحق بالمشركين، ثم ندِم، فأرسل إلى قومه: سَلُوا لي رسول الله ﷺ : هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى النبي ﷺ ، فقالوا: هل له من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ [٢٥٨/ب] قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]. فأرسل إليه، فأسلم. ذكره النسائي (٣).

стр. 2889

وسئل ﷺ عن رجل أوجب، فقال: «أعتِقُوا عنه». ذكره أحمد (١). وقوله: «أوجَبَ» أي فعل ما يستوجب النار. وسئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، قال: «كانوا يخذِفون أهلَ الطريق، ويسخَرون منهم. وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه». ذكره أحمد (٢). وسئل ﷺ : أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: «نعم». قيل (٣): أيكون بخيلًا؟ قال: «نعم». قيل: أيكون كذَّابًا؟ قال: «لا». ذكره مالك (٤). وسألته ﷺ امرأة، فقالت: إنَّ لي ضرَّةً، فهل عليَّ جناحٌ إن تشبَّعتُ من زوجي غيرَ الذي يعطيني؟ فقال: «المتشبِّع بما لم يُعْطَ كلابسِ ثوبَيْ زُور». متفق عليه (٥). وفي لفظ (٦): أقول إن زوجي أعطاني ما لم يعطني.

стр. 2890

وسأله ﷺ رجل، فقال: هل أكذب (١) امرأتي؟ فقال: «لا خير في الكذب». فقال: يا رسول الله، أَعِدُها، وأقول لها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا جناح». ذكره مالك (٢). وقال ﷺ : «اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل». فقيل له: كيف نتَّقيه، وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ فقال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم». ذكره أحمد (٣). وقال ﷺ : «إنَّ أخوَفَ ما أخاف على أمتي: الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء. يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جُزِيَ الناسُ بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟». ذكره أحمد (٤). وسئل ﷺ عن الأخسرين أعمالًا يوم القيامة، فقال: «هم الأكثرون

стр. 2891

أموالًا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا (١) ــ من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله ــ وقليلٌ ما هم» (٢). ولما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك عليهم، وقالوا: يا رسول الله، أيُّنا (٣) لم يظلِمْ نفسَه؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليس ذلك. إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]». متفق عليه (٤). وخرج عليهم (٥)، وهم يتذاكرون المسيح الدجال، فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوَفُ عليكم عندي من المسيح الدجال؟». قالوا: بلى! قال: «الشرك الخفي (٦): أن يقوم الرجل فيصلِّي، فيزيِّن صلاته لما يَرى من نظرِ رجلٍ آخر». ذكره ابن ماجه (٧). وسئل رسول الله ﷺ عن طاعة الأمير الذي أمرَ أصحابَه، فجمعوا حطَبًا،

стр. 2892

وأضرموه (١) نارًا؛ وأمرَهم بالدخول فيها. فقال ﷺ : «لو دخلوها لما (٢) خرجوا منها. إنما الطاعة في المعروف». وفي لفظ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». وفي لفظ: «مَن أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه» (٣). فهذه فتوى عامة لكلِّ من أمره أميرٌ بمعصية الله كائنًا من كان، ولا تخصيص فيها البتة. ولما قال ﷺ : «إن من أكبر الكبائر شتمَ الرجل والديه». سألوه: كيف يشتُم الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ أبا الرجل وأمَّه، فيسُبُّ أباه وأمَّه». متفق عليه (٤). وللإمام أحمد (٥): «إن أكبر الكبائر عقوق الوالدين». قيل: وما عقوق الوالدين؟ قال: «يسُبُّ أبا الرجل وأمَّه، فيسُبُّ أباه وأمَّه». [٢٥٩/أ] وهو صريح في اعتبار الذرائع، وطلب الشرع لسدِّها. وقد تقدمت شواهدُ هذه القاعدة بما فيه كفاية. وقال ﷺ : «ما تقولون في الزنا؟». فقالوا: حرام. فقال: «لَأَنْ يزنيَ الرجل بعَشْرِ نسوةٍ أيسَرُ عليه من أن يزني بامرأة جاره. ما تقولون في السرقة؟». قالوا: حرام. قال: «لَأَنْ يسرقَ الرجل من عشرة أبيات أيسَرُ من أن

стр. 2893

يسرق من جاره (١)». ذكره أحمد (٢). وقال ﷺ : «أتدرون ما الغيبة ؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرُك أخاك بما يَكرَه». قيل: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه». ذكره مسلم (٣). وللإمام أحمد ومالك (٤): أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : ما الغيبة؟ فقال: «أن تذكر من المرء ما يَكرَه أن يسمَع». فقال: يا رسول الله، إن (٥) كان حقًّا؟ فقال رسول الله: «إذا قلت باطلًا، فذلك البهتان». وسئل ﷺ عن الكبائر ، فقال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وقتل النفس (٦)، والفرار يوم الزحف، ويمين الغَموس، وقتلُ الإنسان ولده خشية أن يطعم معه، والزنا بحليلة جاره، والسحر، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات». وهذا مجموع من أحاديث (٧).

стр. 2894

فصل ومن الكبائر: ترك الصلاة، ومنع الزكاة، وترك الحج مع الاستطاعة، والإفطار في رمضان بغير عذر، وشرب الخمر، والسرقة، والزنا، واللواط، والحكم بخلاف الحق، وأخذ الرِّشا (١) على الأحكام، والكذب على النبي ﷺ ، والقول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وجحود ما وصف به نفسه ووصفه به رسولُه، واعتقاد أن كلامه وكلام رسوله لا يستفاد منه يقين أصلًا، وأن ظاهر كلامه وكلام رسوله باطل وخطأ، بل كفر وتشبيه وضلال؛ وترك ما جاء به لمجرَّد قول غيره، وتقديم الخيال المسمَّى بالعقل والسياسة الظالمة والعوائد (٢) الباطلة والآراء الفاسدة والأذواق (٣) والكشوفات الشيطانية على ما جاء به، ووضعُ المكوس، وظلم الرعايا، والاستئثار بالفيء، والكبرُ، والفخر، والعُجب، والخيلاء، والرياء والسمعة، وتقديم خوفِ الخلق على خوف الخالق، ومحبتهِ على محبة الخالق، ورجائه على رجائه؛ وإرادةُ العلو في الأرض والفساد وإن لم ينل ذلك، ومسبَّةُ الصحابة، وقطع الطريق، وإقرار الرجل الفاحشة في أهله وهو يعلم، والمشي بالنميمة، وترك التنزه من البول، وتخنُّثُ الرجل، وترجُّلُ المرأة، ووصل شعر المرأة وطلبها ذلك، وطلب الوصل كبيرة، وفعله كبيرة،

стр. 2895

والوشم والاستيشام، والوشر والاستيشار، والنمص والتنمُّص (١)، والطعن في النسب، وبراءة الرجل من أبيه، وبراءة الأب من ابنه، وإدخال المرأة على زوجها ولدًا من غيره، والنياحة، ولطم الخدود، وشقُّ الثياب، وحلق المرأة شعرها عند المصيبة بالموت وغيره، وتغيير منار الأرض وهو أعلامها، وقطيعة الرحم، والجور في الوصية، وحرمان الوارث حقَّه من الميراث، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، والتحليل، واستحلال [٢٥٩/ب] المطلقة به، والتحيُّلُ على إسقاط ما أوجب الله، وتحليل ما حرَّم الله، وهو استباحة محارمه وإسقاط فرائضه بالحيل؛ وبيعُ الحُرِّ، وإباق المملوك من سيده، ونشوز المرأة على زوجها، وكتمان العلم عند الحاجة إلى إظهاره، وتعلُّمُ العلم للدنيا والمباهاة والجاه والعلو على الناس، والغدرُ، والفجور في الخصام، وإتيان المرأة في دبرها وفي محيضها، والمنُّ بالصدقة وغيرها من عمل الخير، وإساءة الظن بالله، واتهامه في أحكامه الكونية والدينية، والتكذيب بقضائه وقدره واستوائه على عرشه، وأنه القاهر فوق عباده، وأن رسوله (٢) عُرِج به إليه، وأنه رفع المسيح إليه، وأنه يصعد إليه الكلم الطيب، وأنه كتب كتابًا فهو عنده على عرشه، وأن رحمته تغلب غضبه، وأنه ينزل كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطرُ الليل، فيقول: من يستغفرني فأغفر له؟ وأنه كلَّم موسى تكليمًا، وأنه تجلَّى للجبل فجعله دكًّا، واتخذ إبراهيم خليلًا، وأنه نادى آدم وحواء، ونادى موسى، وينادي نبيَّنا يوم القيامة، وأنه خلق آدم بيديه، وأنه يقبض سماواته بإحدى يديه والأرض باليد الأخرى يوم القيامة.

стр. 2896

فصل ومنها: الاستماع إلى حديث قوم لا يحبُّون استماعه، وتخبيب المرأةِ على زوجها والعبدِ على سيده، وتصوير صور الحيوان سواء كان لها ظل أو لم يكن، وأن يري عينيه في المنام ما لم ترياه، وأخذ الربا وإعطاؤه والشهادة عليه وكتابته، وشرب الخمر وعصرها واعتصارها وحملها وبيعها وأكل ثمنها، ولعن من لم يستحقَّ اللعن، وإتيان الكهنة والمنجِّمين والعرافين والسحرة وتصديقهم والعمل بأقوالهم، والسجود لغير الله، والحلف بغيره كما قال (١) ﷺ : «من حلَف بغير الله فقد أشرك» (٢). وقد قصَّر ما شاء أن يقصِّر من قال: إن ذلك مكروه! وصاحبُ الشرع يجعله شركًا، فرتبته فوق رتبة الكبائر. واتخاذُ القبور مساجد، وجعلُها أوثانًا وأعيادًا يسجدون لها تارة، ويصلُّون إليها تارة، ويطوفون بها تارة، ويعتقدون أن الدعاء عندها أفضل من الدعاء في بيوت الله التي شُرِع أن يُدعَى فيها ويُعبَد، ويصلَّى له ويُسْجَد. ومنها: معاداة أولياء الله، وإسبال الثياب من الإزار والسراويل والعمامة

стр. 2897

وغيرها، والتبختر في المشي، واتباع الهوى (١) وطاعة الشح، والإعجاب بالنفس، وإضاعة من تلزمه مؤنتُه ونفقتُه من أقاربه وزوجته ورقيقه ومماليكه، والذبح لغير الله، وهجر أخيه المسلم سَنَةً، كما في «صحيح الحاكم» (٢) من حديث أبي خراش السُّلَمي (٣) عن النبي ﷺ : «مَن هجَر أخاه سنةً، فهو كقتله». وأما هجره فوق ثلاثة أيام، فيحتمل أنه من الكبائر، ويحتمل أنه دونها. والله أعلم. ومنها: الشفاعة في إسقاط حدود الله، لحديث ابن عمر يرفعه: «من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله، فقد ضادَّ الله في أمره». رواه أحمد وغيره بإسناد جيد (٤).

стр. 2898

ومنها: تكلُّم الرجل بالكلمة من سَخَط الله، لا يُلقي لها بالًا. ومنها: أن يدعو إلى بدعة أو ضلالة أو تركِ سنَّة. بل هذا من أكبر الكبائر، وهو مضادَّةٌ لرسول الله ﷺ . ومنها: ما رواه الحاكم [٢٦٠/أ] في «صحيحه» (١) من حديث المستورد بن شداد، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكل بمسلم أكلةً أطعمه الله بها أكلةً من نار جهنم يوم القيامة. ومن قام بمسلم مقامَ سُمْعةٍ أقامه الله يوم القيامة مقامَ رياء وسمعة. ومن اكتسى بمسلم ثوبًا كساه الله ثوبًا من نار يوم القيامة». ومعنى الحديث أنه توصَّل إلى ذلك وتوسَّل إليه بأذى أخيه المسلم، من كذبٍ عليه، أو سخريةٍ به (٢)، أو همزه، أو لمزه، وعيبه (٣)، والطعن عليه، والازدراء به، والشهادة عليه بالزور، والنَّيل من عرضه عند عدوه، ونحو ذلك مما كثيرٌ من الناس واقعٌ في وسطه، والله المستعان.

стр. 2899

ومنها: التبجُّح والافتخار بالمعصية بين أصحابه وأشكاله، وهو الإجهار الذي لا يعافي الله صاحبه، وإن عافى مَن ستَرَ نفسَه. ومنها: أن يكون له وجهان ولسانان، فيأتي القومَ بوجه ولسان، ويأتي غيرَهم بوجه ولسان آخر. ومنها: أن يكون فاحشًا بذيئًا يتركه الناس ويحذَرونه اتقاءَ فُحْشِه. ومنها: مخاصمة الرجل في باطل يعلم أنه باطل، ودعواه ما ليس له وهو يعلم أنه ليس له. ومنها: أن يدعي أنه من آل بيت رسول الله ﷺ وليس منهم، أو يدعي أنه ابن فلان وليس بابنه. وفي «الصحيحين» (١): «من ادَّعى إلى غير أبيه، فالجنَّةُ عليه حرام». وفيهما (٢) أيضًا: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كافر». وفيهما (٣) أيضًا: «ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفَر (٤). ومن ادَّعى ما ليس له فليس منَّا، وَلْيتبوَّأ مقعده من النار. ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدوُّ الله، وليس كذلك= إلا حارَ عليه (٥)».

стр. 2900

فمن الكبائر: تكفير من لم يكفِّره الله ورسوله. وإذا كان النبي ﷺ قد أمر بقتال الخوارج، وأخبر أنهم شرُّ قتلى تحت أديم السماء، وأنهم يمرُقون من الإسلام كما يمرُق السَّهمُ من الرَّمِيَّة، ودينُهم تكفيرُ المسلمين بالذنوب= فكيف مَن كفَّرهم بالسنَّة (١) ومخالفة آراء الرجال لها، وتحكيمها والتحاكم إليها؟ ومنها: أن يُحدِث حدثًا في الإسلام، أو يؤوي مُحْدِثًا وينصره ويعينه (٢). وفي «الصحيحين» (٣): «من أحدثَ حدَثًا أو آوى مُحْدِثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا». ومن أعظم الحدث: تعطيل كتاب الله وسنة رسوله، وإحداث ما خالفهما، ونصرُ من أحدث ذلك والذَّبُّ عنه، ومعاداة من دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومنها: إحلال شعائر الله في الحرم والإحرام، كقتل الصيد واستحلال القتال في حرم الله. ومنها: لبس الحرير والذهب للرجال، واستعمال أواني الذهب والفضة للرجال.

стр. 2901

وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «الطِّيَرة شرك» (١)، فيحتمل أن تكون (٢) من الكبائر ويحتمل (٣) أن تكون دونها. ومنها: الغلول من الغنيمة. ومنها: غشُّ الإمام والوالي الرعيَّةَ (٤). ومنها: أن يتزوج ذاتَ مَحْرَم (٥) منه، أو يقع على بهيمة. ومنها: المكر بأخيه المسلم ومخادعته ومضارَرَته (٦). وقد قال ﷺ : «ملعونٌ من مكَر بمسلم أو ضارَّ به» (٧). ومنها: الاستهانة بالمصحف وإهدار حرمته، كما يفعله من لا يعتقد أن فيه كلام الله تعالى، من وَطْئه [٢٦٠/ب] برجله ونحو ذلك. ومنها: أن يُضِلَّ أعمى عن الطريق. وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك (٨)، فكيف بمن أضلَّ عن طريق الله أو صراطه المستقيم؟

стр. 2902

ومنها: أن يسِمَ إنسانًا أو دابةً في وجهها. وقد لعن رسول الله ﷺ مَن فعل ذلك (١). ومنها: أن يحمل السلاح (٢) على أخيه المسلم، فإن الملائكة تلعنه (٣). ومنها: أن يقول ما لا يفعل. قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. ومنها: الجدال في كتاب الله ودينه بغير علم. ومنها: إساءة المَلَكة برقيقه. في الحديث: «لا يدخل الجنةَ سيِّئُ المَلكة» (٤). ومنها: أن يمنع المحتاجَ فضلَ ما لا يحتاج إليه، مما لم تعمل يداه. ومنها: القمار. وأما اللعب بالنَّرْد فهو من الكبائر، لتشبيه لاعبه بمن صبَغ يدَه في لحم الخنزير ودمه؛ ولا سيَّما إذا أكل المالَ به، فحينئذ يتمُّ التشبيه (٥)،

стр. 2903

فإنَّ اللَّعِبَ بمنزلة غمس اليد، وأكلَ المال به (١) بمنزلة أكل لحم الخنزير. ومنها: ترك الصلاة في الجماعة، وهو من الكبائر. وقد عزم رسول الله ﷺ على تحريق المتخلِّفين عنها، ولم يكن ليحرِّق مرتكبَ صغيرة. وقد صحَّ عن ابن مسعود أنه قال: ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الجماعة إلا منافق معلومٌ نفاقُه (٢). وهذا فوق الكبيرة. ومنها: تركُ الجمعة. وفي «صحيح مسلم» (٣): «لَينتهيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجمعاتِ، أو لَيَخْتِمُ (٤) الله على قلوبهم، ثم لَيكونُنَّ من الغافلين». وفي «السنن» بإسناد جيد (٥): «من ترك ثلاثَ جُمَعٍ تهاوُنًا طبَع الله على قلبه» (٦).

стр. 2904

ومنها: أن يقطع ميراث وارثه من تركته، أو يدلَّه على ذلك، ويعلِّمَه من الحيل ما يُخرجه به من الميراث. ومنها: الغلو في المخلوق حتى يتعدَّى به منزلته. وهذا قد يرتقي من الكبيرة إلى الشرك. وقد صحَّ عنه (١) ﷺ أنه قال: «إياكم والغلوَّ، فإنما (٢) هلك من كان قبلكم بالغلو» (٣). ومنها: الحسد. وفي «السنن»: أنه يأكل الحسنات كما تأكل النارُ الحطَب (٤). ومنها: المرور بين يدي المصلي. ولو كان صغيرةً لم يأمر النبي ﷺ بقتال فاعله، ولم يجعل وقوفه عن حوائجه ومصالحه أربعين عامًا ــ كما في «مسند البزار» (٥) ــ خيرًا له من مروره بين يديه (٦). والله أعلم.

стр. 2905

وهذا (١) فصل مستطرد من فتاويه ﷺ -، فارجع إليها وسئل ﷺ عن الهجرة، فقال: «إذا أقمتَ الصلاة وآتيتَ الزكاة، فأنت مهاجِر، وإن مُتَّ بالحَضرَمة»، يعني: أرضًا باليمامة. ذكره أحمد (٢). وسأله ﷺ عبد الله بن حَوالة أن يختار له بلادًا يسكنها، فقال: «عليك بالشام، فإنها خِيرَةُ الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده. فإن أبيتم فعليكم بيَمَنِكم، واسقُوا من غُدُرِكم؛ فإن الله توكَّلَ لي بالشام وأهله». ذكره أبو داود بإسناد صحيح (٣). وسأله معاوية بن حَيْدة جدُّ بَهْز بن حكيم، فقال: يا رسول الله أين تأمرني؟ قال: «هاهنا»، ونحا بيده نحو الشام. ذكره الترمذي وصححه (٤). وسألته ﷺ اليهود عن الرعد: ما هو؟ فقال: «ملَك من الملائكة موكَّلٌ بالسحاب، معه مخاريقُ من نار يسوقه به (٥) حيث شاء الله». قالوا: فما هذا

стр. 2906

الصوت الذي نسمَع؟ قال: «زَجْرُه (١) السحابَ حتى تنتهي حيث أُمِرَتْ». قالوا: صدقتَ. ثم قالوا: فأخبِرنا عما حرَّم إسرائيلُ على نفسه. قال: «اشتكى عِرْقَ النَّسَا، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا لحومَ الإبل [٢٦١/أ] وألبانَها، فلذلك حرَّمها على نفسه». قالوا: صدقتَ. ذكره الترمذي وحسَّنه (٢). وسئل ﷺ عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال: «إن الله لم يلعن قومًا قطُّ فمسَخهم، فكان لهم نسلٌ، حتى يهلكهم؛ ولكن هذا خلقٌ كان، فلما غضب الله على اليهود مسَخَهم [و] (٣) جعَلَهم مثلهم» ذكره أحمد (٤). وقال: «فيكم المغرِّبون». قالت (٥) عائشة: وما المغرِّبون؟ قال: «الذين

стр. 2907

يشترك فيهم الجن» ذكره أبو داود (١). وهذا من مشاركة الشيطان (٢) للإنس في الأولاد. وسُمُّوا «مغرِّبين» لبعد أنسابهم وانقطاعهم عن أصولهم. ومنه قولهم: «عنقاء مُغْرِب» (٣). وسأله ﷺ رجل، فقال: أين أتَّزر؟ فأشار إلى عظم ساقه، وقال: «هاهنا اتَّزِرْ. فإن أبيت (٤)، فهاهنا أسفلَ من ذلك. فإن أبيت فهاهنا فوق الكعبين. فإن أبيت فإنَّ الله لا يحبُّ كلَّ مختال فخور». ذكره أحمد (٥). وسأله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁، فقال: إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهَده. فقال: «إنك لستَ ممن يفعله خُيَلاء». ذكره البخاري (٦). وقال: «من جرَّ إزاره خيلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يُرْخِين شبرًا». فقالت: إذن تنكشفَ أقدامهن. قال: «يُرخين ذراعًا، لا يزدن عليه» (٧).

стр. 2908

وسألته ﷺ امرأة، فقالت: إن ابنتي أصابتها الحَصْبةُ، فامَّرَقَ (١) شَعرُها، أفأصِل فيه؟ فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة». متفق عليه (٢). وسئل ﷺ عن إتيان الكهان، قال: «فلا تأتهم (٣)» (٤). وسئل ﷺ عن الطيرة، قال: «ذلك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصُدَّنَّهم» (٥). وسئل ﷺ عن الخط، فقال: «كان نبيٌّ من الأنبياء يخُطُّ، فمن وافق خطَّه فذاك» (٦). وسئل ﷺ عن الكهان أيضًا، فقال: «ليسوا بشيء». فقال (٧): إنهم

стр. 2909

يحدِّثونا (١) أحيانًا بالشيء، فيكون. فقال: «تلك الكلمة من الحقِّ، يخطَفها الجنِّيُّ، فيقذفها في أذن وليِّه (٢)، فيخلِطون معها مائة كذبة». متفق عليه (٣). وسئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، فقال: «هي الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح أو تُرَى له». ذكره أحمد (٤). وسألته ﷺ خديجة عن ورَقة بن نوفل، فقالت: إنه كان صدَّقك، ومات قبل أن تظهر. فقال: «أُرِيتُه في المنام وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك» (٥). وسأله ﷺ رجل رأى في المنام كأنَّ رأسَه ضُرِبَ، فتدَحْرَج؛ فاشتدَّ في أثره. فقال: «لا تحدِّثْ (٦) بتلعُّبِ الشيطان بك في منامك». ذكره مسلم (٧). وسألته ﷺ أمُّ العلاء، فقالت: رأيت لعثمان بن مظعون عينًا تجري.

стр. 2910

يعني: بعد موته. فقال: «ذاك عمله يجري له» (١). وذكر أبو داود (٢) أن معاذًا سأله، فقال: بم أقضي؟ قال: «بكتاب الله». قال: فإن لم أجد؟ قال: «فبسنَّة رسول الله ﷺ ». قال: فإن لم أجد؟ قال: «استَدِقَّ الدنيا، وعظِّم في عينك ما عند الله، واجتهِدْ رأيك، فسيسدُّدك الله بالحق»، وقوله: «استدقَّ الدنيا» أي: استَصْغِرْها، واحتَقِرْها. [٢٦١/ب] وسأله ﷺ دحية الكلبي، فقال: ألا أحمل لك حمارًا على فرس، فتُنْتَجَ لك بغلًا، فتركبَها؟ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون». ذكره أحمد (٣). ولما نزل التشديد في أكل مال اليتيم عزلوا طعامَهم من طعام الأيتام وشرابَهم من شرابهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم (٤). وسألته ﷺ عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ
следующие страницы →