← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس أنَّ عمر بن الخطاب قال في خطبته: من أظهر لنا خيرًا ظننَّا به خيرًا، وأحببناه عليه. ومن أظهر لنا شرًّا ظننَّا به شرًّا، وأبغضناه عليه (١). وقوله: "وستر عليهم الحدود" يعني المحارم، وهي حدود الله التي نهى عن قربانها. والحدُّ يراد به الذنب تارة، والعقوبة أخرى (٢). وقوله: "إلا بالبينات والأيمان" يريد بالبينات: الأدلة والشواهد، فإنه صحَّ (٣) عنه الحدُّ في الزنا بالحَبَل (٤)، فهو (٥) بيَّنة صادقة، بل هو أصدق من الشهود. وكذلك رائحة الخمر بيّنة على شُربها عند الصحابة (٦) وفقهاء أهل المدينة وأكثر فقهاء الحديث (٧).

стр. 422

فصل وقوله: "والأيمان" يريد بها أيمانَ الزوج في اللِّعان، وأيمانَ أولياء القتيل في القَسامة، وهي قائمة مقام البينة. فصل وقوله: "ثم الفهمَ الفهمَ فيما (١) أُدليَ إليك مما ورد عليك، مما ليس في قرآن ولا سنة. ثم قايِسِ الأمورَ عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمِدْ فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله وأشبَهِها بالحقِّ". هذا أحد ما (٢) اعتمد عليه القيَّاسُون (٣) في الشريعة، وقالوا: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى، ولم ينكره أحد من الصحابة، بل كانوا متفقين على القول بالقياس، وهو أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه. وقد أرشد الله تعالى عباده إليه [٧٥/أ] في غير موضع من كتابه. فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان، وجعل النشأة الأولى أصلًا والثانية فرعًا عليها. وقاس حياة الأموات بعد الموت على حياة الأرض بعد موتها بالنبات. وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أعداؤه على خلق السموات والأرض، وجعله من قياس الأَولى، كما جعل قياس النشأة الثانية على الأُولى من قياس الأَولى. وقاس (٤) الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم.

стр. 423

وضرَب الأمثال، وصرَّفها في الأنواع المختلفة. وكلُّها أقيسة عقلية ينبِّه بها عبادَه على أنَّ حُكمَ الشيء حكمُ مثله، فإن الأمثال كلَّها قياسات يُعلم منها حكمُ الممثَّل من الممثَّل به. وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلًا تتضمَّن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. فالقياس وضرب الأمثال من خاصِّيَّة (١) العقل، وقد ركز الله في فِطَر الناس وعقولهم التسويةَ بين المتماثلَين وإنكارَ التفريق بينهما، والفرقَ بين المختلفَين وإنكارَ الجمع بينهما. قالوا: ومدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلَين والفرق بين المختلَفين. فإنه إما استدلالٌ بمعيَّن على معيَّن، أو بمعيَّن على عامٍّ، أو بعامٍّ على معيَّن، أو بعامٍّ على عامٍّ. فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال. فالاستدلال بالمعيَّن على المعيَّن هو الاستدلال [٧٥/ب] بالملزوم على لازمه، فكلُّ ملزوم دليل على لازمه. فإن كان التلازم من الجانبين كان كلٌّ منهما دليلًا على الآخر ومدلولًا له. وهذا النوع ثلاثة أقسام: أحدها: الاستدلال بالمؤثِّر على الأثر. والثاني: الاستدلال بالأثر على المؤثر. والثالث: الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر. فالأول كالاستدلال بالنار على الحريق، والثاني كالاستدلال بالحريق على النار، والثالث كالاستدلال بالحريق على الدخان؛ ومدارُ ذلك كلِّه على التلازم. فالتسوية بين المتماثلين هو استدلالٌ (٢) بثبوت أحد

стр. 424

الأثرين على الآخر، وقياس الفرق هو استدلالٌ (١) بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر، أو بانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه. فلو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدَّت طرق الاستدلال، وغُلِّقت أبوابه. قالوا: وأما الاستدلال بالمعيَّن على العامِّ، فلا يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين؛ إذ لو جاز الفرق لما كان هذا المعيَّن دليلًا على الأمر العامِّ المشترك بين الأفراد. ومن هذا أدلَّة القرآن بتعذيب المعيَّنين الذين عذَّبهم على تكذيب رسله وعصيان أمره على أن هذا الحكم عامٌّ شامل لكلِّ من سلك سبيلهم واتصف بصفتهم. وهو سبحانه قد نبَّه عباده على نفس هذا الاستدلال، وتعدية هذا الخصوص إلى العموم، كما قال تعالى عقيبَ إخباره عن عقوبات الأمم المكذِّبة لرسلهم وما حلَّ بهم: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣]. فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا (٢) فلو لم يكن حكمُ الشيء حكمَ مثلِه لما لزمت [٧٦/أ] التعدية، ولا تمَّت الحجة. ومثل هذا قوله تعالى عقيبَ إخباره عن عقوبة قوم عاد حين رأوا العارض في السماء، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، فقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا

стр. 425

أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٦]. فتأمَّلْ قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ كيف تجد المعنى أنَّ حكمَكم حكمُهم، وأنّا إذا كنّا قد أهلكناهم بمعصيةِ رسلنا، ولم يدفع عنهم ما مُكِّنوا فيه من أسباب العيش؛ فأنتم كذلك، تسويةً بين المتماثلين، وإنَّ هذا محضُ عدل الله بين عباده. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، فأخبر أنَّ حكمَ الشيء حكمُ مثله. وكذلك كلُّ موضعٍ أمَر الله سبحانه فيه بالسَّير في الأرض، سواء كان السيرَ الحِسِّيَّ على الأقدام والدوابِّ، أو السَّير المعنوي بالتفكُّر والاعتبار، أو كان اللفظ يعمُّهما وهو الصواب= فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحِلَّ بالمخاطبين ما حلَّ بأولئك. ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حلَّ بالمكذِّبين، ولولا أنَّ حكمَ النظير حكمُ نظيره حتى يعبر العقل (١) منه إليه لما حصل الاعتبار. [٧٦/ب] وقد نفى الله سبحانه عن حُكمه وحِكمته التسويةَ بين المختلفَين في الحكم، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]، فأخبر أنَّ هذا حكم باطل في الفِطَر والعقول، لا تليق نسبته إليه سبحانه. وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ

стр. 426

فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. أفلا تراه كيف ذكَّر العقول ونبَّه الفِطَر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم؟ وكلُّ هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، وجعله قرينه ووزيره، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] فهذا الكتاب، ثم قال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧]. والميزان يراد به العدل، والآلة التي يُعرَف بها العدل وما يضادُّه. والقياس الصحيح هو الميزان، فالأَولى تسميته بالاسم الذي سمَّاه الله به، فإنه يدل على العدل. وهو اسمُ مدحٍ واجب على كلِّ أحد (١) في كلِّ حال بحسب الإمكان، بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم. ولهذا لم يجئ في القرآن مدحه ولا ذمه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه موردُ تقسيم إلى صحيح وفاسد. والصحيح هو الميزان الذي أنزله مع [٧٧/أ] كتابه. والفاسد ما يضادُّه كقياس الذين قاسوا البيعَ على الربا بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وقياس الذين قاسوا الميتة على الذكيِّ (٢) في جواز أكلها بجامع ما يشتركان من إزهاق الروح: هذا بسبب من الآدميين وهذا بفعل الله.

стр. 427

ولهذا تجد في كلام السلف ذمَّ القياس وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم استعماله والاستدلال به. وهذا حقٌّ، وهذا حقٌّ، كما سنبيِّنه إن شاء الله تعالى. والأقيسة المستعملة في الاستدلال ثلاثة: قياس علّة، وقياس دلالة، وقياس شَبَه؛ وقد وردت كلُّها في القرآن. فأما قياس العلّة، فقد جاء في كتاب الله في مواضع. منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فأخبر تعالى أنَّ عيسى نظير آدم في التكوين، بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تعلَّق به وجودُ سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعًا لمشيئته وتكوينه؛ فكيف يَستنكر وجودَ عيسى من غير أبٍ مَن يُقِرُّ بوجود آدم من غير أب ولا أم، ووجودِ حواء من غير أم؟ فآدم وعيسى نظيران يجمعهما المعنى الذي يصح تعليقُ الإيجاد والخلق به. ومنها: قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] أي: قد كان من قبلكم أمم أمثالكم، فانظروا إلى عواقبهم السيئة، واعلموا أنَّ سبب ذلك ما كان من تكذيبهم بآيات الله ورسله، وهم الأصل، وأنتم الفرع، والعلة الجامعة التكذيب، والحكم [٧٧/ب] الهلاك. ومنها: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]، فذكر سبحانه

стр. 428

إهلاكَ مَن قبلنا من القرون، وبيَّن أن ذلك كان لمعنًى (١)، وهو ذنوبهم. فهم الأصل، ونحن الفرع. والذنوب العلَّة الجامعة، والحكم الهلاك. فهذا محض قياس العلة، وقد أكَّده سبحانه بضرب من الأَولى، وهو أنَّ من قبلنا كانوا أقوى منَّا، فلم تدفع عنهم قوتهم وشدتهم ما حلَّ بهم. ومنه: قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩]. وقد اختُلِف في محلِّ هذه الكاف وما تتعلَّق به، فقيل (٢): هو رفعٌ خبرُ مبتدأ محذوف، أي أنتم كالذين من قبلكم. وقيل: نصبٌ بفعل محذوف، تقديره فعلتم كفعل الذين من قبلكم. والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل، وقيل: إنَّ التشبيه في العذاب. ثم قيل: العامل محذوف، أي لعَنَهم وعذَّبهم كما لعَن الذين من قبل. وقيل (٣): بل العامل ما تقدَّم، أي وعَد الله المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ولعَنهم كلعنهم، ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم (٤).

стр. 429

والمقصود أنه سبحانه ألحقهم بهم في الوعيد، وسوَّى بينهم فيه [ص ٧٨/أ] كما تساووا في الأعمال، وكونُهم كانوا أشدَّ منهم قوةً وأكثرَ أموالًا وأولادًا فرقٌ غيرُ مؤثِّر؛ فعلَّق الحكم بالوصف الجامع المؤثِّر، وألغى الوصف الفارق. ثم نبَّه على أن مشاركتهم في الأعمال اقتضت مشاركتهم في الجزاء، فقال: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]. فهذه هي (١) العلة المؤثرة والوصف الجامع، وقوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ هو الحكم، والذين من قبل هم الأصل، والمخاطبون الفرع. قال عبد الرزاق في "تفسيره" (٢): أنا معمر عن الحسن في قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ قال: بدينهم. ويروى عن أبي هريرة (٣). وقال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا (٤).

стр. 430

وقال آخرون: بنصيبهم من الدنيا (١). وحقيقة الأمر (٢) أن الخلاق هو النصيب والحظ، كأنه الذي خُلِق للإنسان وقُدِّر له، كما يقال: قِسْمُه الذي قُسِم له، ونصيبه الذي نُصِب له أي أُثبِت، وقِطُّه الذي قُطَّ له، أي قُطِع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقول النبي ﷺ : "إنما يلبس الحريرَ في الدنيا مَن لا خلاق له في الآخرة" (٣). والآية تتناول ما ذكره السلف كلَّه، فإنه سبحانه قال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]. فبتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا للدنيا والآخرة، وكذلك الأموال والأولاد. وتلك القوة والأموال والأولاد هي الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا. ونفسُ الأعمال التي عملوها بهذه القوة من الخَلاق الذي استمتعوا به، ولو أرادوا بذلك الله والدار الآخرة لكان لهم خلاقٌ في الآخرة. فتمتُّعُهم بها أخذُ حظوظهم العاجلة، وهذا حال من لم يعمل إلا لدنياه، سواء كان عمله من جنس العبادات أو غيرها.

стр. 431

ثم ذكر سبحانه حال الفروع فقال: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] فدلَّ هذا على أنَّ حكمَهم حكمُهم، وأنه ينالهم ما نالهم؛ لأنَّ حكمَ النظير حكمُ نظيره. ثم قال: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، فقيل: "الذي" صفة لمصدر محذوف، أي كالخوض الذي خاضوا. وقيل: لموصوف محذوف (١)، أي كالفَوج (٢) الذي خاضوا، وهو فاعل الخوض. وقيل: "الذي" مصدرية كـ"ما"، أي كخوضهم. وقيل: هي موضع "الذين" (٣). والمقصود: أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخَلاق وبين الخوض بالباطل، لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلُّم به وهو الخوض، أو يقع في العمل بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق. فالأول البدع، والثاني اتباع الهوى (٤). وهذان هما أصلُ كلِّ شرٍّ وفتنة وبلاء، وبهما كُذِّبت الرسل، وعُصي الرَّبُّ، ودُخِلت النار، وحَلَّت العقوبات. فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات.

стр. 432

ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحبَ هوًى فتَنَه هواه، وصاحبَ دنيا أعجبته (١) دنياه. وكانوا يقولون: احذروا فتنةَ العالم الفاجر، والعابد الجاهل؛ فإنَّ فتنتهما فتنةٌ لكلِّ مفتون (٢). فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحقَّ ويعملون بخلافه، وهذا يشبه الضالِّين الذين يعملون بغير علم. وفي صفة الإمام أحمد: ﵀ (٣)، عن الدنيا ما كان أصبره! وبالماضين ما كان أشبهه! أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها (٤).

стр. 433

وهذه حال أئمة المتقين الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فبالصبر تُترَك الشهوات، وباليقين تُدفَع الشبهات، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] (١). وفي بعض المراسيل: إن الله يحب البصر الناقد (٢) عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات (٣).

стр. 434

فقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ إشارة إلى اتباع الشهوات، وهو داء العصاة. وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ إشارة إلى الشبهات، وهو داء المتبدعة وأهل الأهواء والخصومات. وكثيرًا ما يجتمعان، فقلَّ من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله. والمقصود: أنَّ الله أخبر أنَّ في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم، ويخوض كخوضهم؛ وأنهم لهم من الذمِّ والوعيد كما للذين من قبلهم. ثم حضَّهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠]. فتأمَّلْ صحةَ هذا القياس وإفادتَه لمن عُلِّق عليه [٧٩/ب] من الحكم، وأنَّ الأصل والفرع قد تساويا في المعنى الذي عُلِّق به العقاب. وأكَّده ــ كما تقدَّم ـ بضرب من الأَولى، وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد؛ فإذا لم يتعذَّر على الله عقابُ الأقوى منهم بذنبه، فكيف يتعذَّر عليه عقابُ مَن هو دونه؟ ومنه: قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. فهذا قياس جليّ، يقول سبحانه: إن شئتُ

стр. 435

أذهبتُكم واستخلفتُ غيركم، كما أذهبتُ مَن قبلكم واستخلفتُكم. فذكر أركان القياس الأربعة: علّة الحكم، وهي عموم مشيئته وكمالها. والحكم، وهو إذهابه بهم وإتيانه بغيرهم. والأصل، وهو مَن كان من قبل. والفرع، وهم المخاطبون. ومنه: قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩]. فأخبر أن مَن قبلَ المكذِّبين أصلٌ يعتبر به، والفرعُ نفوسهم، فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة. ومنه: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]. فأخبر سبحانه أنه أرسل محمدًا ﷺ إلينا، كما أرسل موسى إلى فرعون؛ وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذًا وبيلًا، فهكذا مَن عصى منكم محمدًا ﷺ . وهذا في القرآن كثير جدًّا، فقد فُتِح لك بابُه. فصل وأما قياس الدلالة، فهو الجمع بين الأصل والفرع، بدليل العلَّةِ وملزومِها. [٨٠/أ] فمنه (١): قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. فدلَّ سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحقَّقوه

стр. 436

وشاهدوه على الإحياء الذي استبعدوه. وذلك قياس إحياء على إحياء، واعتبار الشيء بنظيره. والعلَّةُ الموجبةُ هي عموم قدرته سبحانه، وكمال حكمته. وإحياءُ الأرض دليلُ العلة. ومنه: قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]. فدلَّ بالنظير على النظير، وقرَّبَ أحدَهما من الآخر جدًّا بلفظ الإخراج. أي يخرجون من الأرض أحياءً، كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. ومنه: قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠]. فبيَّن سبحانه كيفيةَ الخلق واختلافَ أحوال الماء في الرحم إلى أن صار منه الزوجان الذكر والأنثى، وذلك أمارةُ وجود صانع قادر على ما يشاء. ونبَّه سبحانه عبادَه بما أحدثه في النطفة المهينة الحقيرة من الأطوار، وسَوْقِها في مراتب الكمال من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها، حتى صارت بشرًا سويًّا في أحسن خِلقة (١) وتقويم= على أنه لا يحسُن به أن يترك هذا البشر سُدًى مهملًا معطَّلًا، لا يأمره ولا ينهاه، ولا يقيمه في عبوديته. وقد ساقه في [٨٠/ب] مراتب الكمال من حين كان نطفةً إلى أن صار بشرًا سويًّا، فكذلك يسوقه في مراتب كماله طَبقًا بعد طبق، وحالًا بعد حال، إلى أن يصير جارَه في داره يتمتَّع بأنواع النعيم، وينظر إلى وجهه، ويسمع كلامه.

стр. 437

ومنه: قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا (١) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧ - ٥٨]. فأخبر سبحانه أنهما إحياءان، وأن أحدهما معتبَر بالآخر، مقيس عليه. ثم ذكر قياسًا آخرَ: أنَّ من الأرض ما يكون أرضًا طيبةً، فإذا أنزل عليها الماء أخرجت نباتها بإذن ربِّها. ومنها ما تكون أرضًا خبيثةً لا تُخرِج نباتها إلا نكِدًا، أي قليلًا غيرَ منتفَع به، فهذه إذا أنزل عليها الماء لم تُخرِج ما أخرجَت الأرض الطيبة. فشبَّه سبحانه الوحيَ الذي أنزله من السماء على القلوب بالماء الذي أنزله على الأرض، بحصول الحياة بهذا وهذا. وشبَّه القلوبَ بالأرض، إذ هي محلُّ الأعمال، كما أنَّ الأرض محلُّ النبات، وأنّ القلب الذي لا ينتفع بالوحي ولا يزكو عليه ولا يؤمن به كالأرض التي لا تنتفع بالمطر ولا تُخرج نباتها به إلا قليلًا لا ينفع، وأن القلب الذي آمن بالوحي وزكا عليه وعمِل بما فيه كالأرض التي أخرجت نباتها بالمطر، فالمؤمن إذا سمع القرآن وعقَلَه وتدبَّره [٨١/أ] بان أثرُه عليه، فشُبِّه بالبلد الطيب الذي يمرَع ويُخصِب ويحسُن أثر المطر عليه، فيُنبت من كلِّ زوج كريم، والمُعرِض عن الوحي عكسه. والله الموفق.

стр. 438

ومنه: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]. يقول سبحانه: إن كنتم في ريب من البعث، فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون، ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت. والبعثُ الذي وُعِدتم به نظيرُ النشأة الأولى، فهما نظيران في الإمكان والوقوع، فإعادتُكم بعد الموت خلقًا جديدًا كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها. فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها؟ وقد أعاد الله (١) سبحانه ذِكرَ (٢) هذا المعنى وأبداه في كتابه بأوجز العبارات، وأدلِّها، وأفصحِها، وأقطعِها للعذر، وألزمِها للحجَّة؛ كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٦٢]، فدلَّهم بالنشأة الأولى على الثانية، وأنهم لو تذكَّروا لعلموا أنه (٣) لا فرق بينهما في تعلُّق القدرة بكلِّ واحدة منهما.

стр. 439

وقد جمع سبحانه بين ذكر النشأتين (١) في قوله: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ [٨١/ب] الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٥ - ٤٧]، وفي قوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٢) [القيامة: ٣٧ - ٤٠]، وفي قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٧٨ - ٨٣]. فتضمنت هذه الآيات (٣) عشرة أدلة: أحدها: قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧]، فذكَّره مبدأَ خلقه، لِيدلَّه به على النشأة الثانية.

стр. 440

ثم أخبر أنَّ هذا الجاحد لو ذكر خلقه لما ضرب المثل، بل لمَّا نسي خلقَه ضرَبَ المثل. فتحت قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألطف جواب وأبين دليل. وهذا كما تقول لمن جحدك أن تكون قد أعطيته شيئًا: فلان جحدني الإحسان إليه، ونسي الثيابَ التي عليه، والمالَ الذي معه، والدارَ التي هو فيها؛ حيث لا يمكنه جحدُ أن يكون ذلك منك. ثم أجيب عن سؤاله بما يتضمَّن أبلغَ الدليل على ثبوت ما جحده، فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فهذا جواب واستدلال قاطع. ثم أكَّد هذا المعنى بالإخبار (١) بعموم علمه لجميع الخلق (٢)، فإنَّ تعذُّرَ الإعادة عليه إنما يكون لقصور في علمه (٣) أو قصورٍ في قدرته. ولا قصورَ في علمِ مَن هو بكلِّ خلقٍ عليم، ولا قدرةِ (٤) مَن خلَق السماوات والأرض، وإذا أراد شيئًا [٨٢/أ] قال له: كن، فيكون. وبيده ملكوتُ كلِّ شيء، فكيف تعجز قدرته وعلمه عن إحيائكم بعد مماتكم ولم تعجز عن النشأة الأولى ولا عن خلق السموات والأرض؟ ثم أرشد عباده إلى دليل واضح جليٍّ متضمِّن للجواب عن شبه المنكرين بألطف الوجوه وأبينها وأقربها إلى العقل، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾، فإن (٥) هذا دليل على تمام

стр. 441

قدرته وإخراج الأموات من قبورهم، كما أخرج النار من الشجرة الخضراء. وفي ذلك جواب عن شبهة من قال من منكري المعاد: الموت بارد يابس، والحياة طبعها الرطوبة والحرارة، فإذا حلَّ الموتُ بالجسم لم يمكن أن تحُلَّ به (١) الحياة بعد ذلك لتضادِّ ما بينهما. وهذه شبهة تليق بعقل (٢) المكذِّبين الذين لا سمع لهم ولا عقل، فإن الحياة لا تجامع الموت في المحلِّ الواحد ليلزم ما قالوا، بل إذا أوجد الله فيه الحياةَ وطبعَها ارتفع الموتُ وطبعُه. وهذا الشجر الأخضر طبعُه البرودة والرطوبة (٣) تخرج منه النار الحارَّة اليابسة. ثم ذكر ما هو أوضح للعقول من كلِّ دليل، وهو خلقُ السموات والأرض مع عظمهما وسعتهما وأنه لا نسبة للخلق الضعيف إليهما. ومن لم تعجز قدرته وعلمه عن هذا الخلق العظيم الذي هو أكبر من خلق الناس، كيف تعجز عن إحيائهم بعد موتهم؟ ثم قرَّر هذا المعنى بذكر وصفين من أوصافه مستلزِمين لما أخبر به، فقال: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. فكونُه خلاقًا عليمًا يقتضي أنه يخلق ما يشاء، ولا يُعجِزه ما أراده من الخلق. ثم قرَّر هذا المعنى بأن عموم إرادته وكمالها لا يَقصُر عنه ولا عن شيء أبدًا، [٨٢/ب] فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فلا

стр. 442

يمكنه الاستعصاء عليه، ولا يتعذَّر عليه، بل يأتي طائعًا منقادًا لمشيئته وإرادته. ثم زاده تأكيدًا وإيضاحًا بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فنزَّه نفسه عما يظنّ به أعداؤه المنكرون للمعاد معظِّمًا لها بأنَّ ملك كلِّ شيء بيده، يتصرَّف فيه تصرُّفَ المالك الحقِّ في مملوكه الذي لا يمكنه الامتناع عن أيِّ تصرُّفٍ شاءه فيه. ثم ختم السورة بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. كما أنهم ابتدؤوا منه هو، فكذلك مرجعهم إليه. فمنه المبدأ، وإليه المعاد، وهو الأول والآخر. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]. ومنه: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧]، فتأمل تضمُّنَ (١) هذه الكلمات ــ على اختصارها وإيجازها وبلاغتها ــ للأصل والفرع والعلَّة والحكم. ومنه: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩] (٢). فردَّ عليهم سبحانه ردًّا يتضمَّن الدليل القاطع على قدرته على إعادتهم خلقًا جديدًا، فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا

стр. 443

يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١]. فلما استبعدوا أن يعيدهم الله خلقًا جديدًا بعد أن صاروا عظامًا ورفاتًا قيل لهم: كونوا حجارةً أو حديدًا أو خلقًا مما يكبُر في صدوركم، سواء كان الموت أو السماء والأرض (١)، أو أيَّ خلقٍ استعظموه وكبُر في صدورهم (٢). ومضمون الدليل أنكم مربوبون مخلوقون، مقهورون على ما شاء (٣) خالقكم، وأنتم لا تقدِرون [٨٣/أ] على تغيير أحوالكم من خلقة إلى خلقة لا تقبل الاضمحلال كالحجارة والحديد. ومع ذلك فلو كنتم على هذه الخِلقة من القوة والشدة لنفذت أحكامي فيكم وقدرتي ومشيئتي، ولم تسبقوني ولم تفوتوني؛ كما يقول القائل لمن هو في قبضته: اصعد إلى السماء فإني لاحقك، أي لو صعدتَ إلى السماء لحقتُك. وعلى هذا، فمعنى الآية: لو كنتم حجارةً أو حديدًا أو أعظمَ خلقًا من ذلك لما أعجزتموني ولما فُتُّموني. وقيل: المعنى كونوا حجارةً أو حديدًا عند أنفسكم، أي صوِّروا أنفسكم وقدِّروها كذلك خلقًا لا يضمحِلُّ ولا ينحَلُّ، فإنا سنميتكم، ثم نحييكم ونعيدكم خلقًا جديدًا. وبين المعنيين فرق لطيف، فإن المعنى الأول يقتضي أنكم لو قدرتم على نقل خلقتكم من حالة إلى حالة هي أشدُّ منها وأقوى لنفذت مشيئتنا وقدرتنا فيكم ولم تُعجزونا، فكيف وأنتم عاجزون عن ذلك؟ والمعنى الثاني يقتضي أنكم صوِّروا أنفسكم وأنزلوها هذه المنزلة، ثم انظروا

стр. 444

أتفوتونا وتُعجزونا (١)، أم قدرتنا ومشيئتنا محيطة بكم، ولو كنتم كذلك؟ وهذا من أبلغ البراهين القاطعة التي لا تعرض فيها شبهة البتّة، بل لا تجد العقول السليمة غيرَ الإذعان (٢) والانقياد لها. فلما علم القوم صحة هذا البرهان وأنه ضروري انتقلوا إلى المطالبة بمن يعيدهم، فقالوا: من يعيدنا؟ وهذا سواء كان سؤالًا منهم عن تعيين المعيد أو إنكارًا منهم له، فهو من أقبح التعنُّت وأبينه (٣). ولهذا كان جوابه: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. ولما علم القوم أن هذا جواب قاطع انتقلوا [٨٣/ب] إلى باب آخر من التعنُّت، وهو السؤال عن وقت هذه الإعادة، فأنغضوا إليه رؤوسهم وقالوا: متى هو؟ فقال تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (٤). فليتأمَّل اللبيب (٥) لطفَ موقع (٦) هذا الدليل، واستلزامه لمدلوله استلزامًا لا محيد عنه، وما تضمَّنه من السؤالات والجواب عنها أبلغَ جواب وأصحَّه وأوضحَه. فللّه ما يفوت المُعْرِضين عن تدبُّر القرآن، المتعوِّضين عنه بزُبالة الأذهان ونُحاتة (٧) الأفكار!

стр. 445

ومنه: قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. جعل الله سبحانه إحياءَ الأرض بالنبات (١) بعد موتها نظيرَ إحياءِ الأموات، وإخراجَ النبات منها نظيرَ إخراجِهم من القبور، ودلَّ بالنظير على نظيره، وجعل ذلك آيةً ودليلًا على خمسة مطالب: أحدها: على (٢) وجود الصانع، وأنه الحق المبين. وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله. الثاني: أنه يحيي الموتى. الثالث: عموم قدرته على كلِّ شيء. الرابع: إثبات (٣) الساعة وأنها لا ريب فيها. الخامس: أنه يُخرج الموتى من القبور، كما أخرج النبات [٨٤/أ] من الأرض.

стр. 446

وقد كرَّر سبحانه ذكر هذا الدليل في كتابه مرارًا، لصحة مقدّماته، ووضوح دلالته، وقُرب تناوله، وبُعده من كلِّ معارضة وشبهة؛ وجَعَله تبصرةً وذكرى، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٧ - ٨]. فالمنيب إلى ربه يتذكَّر بذلك، فإذا تذكَّر تبصَّر به. فالتذكُّر قبل التبصُّر، وإن قُدِّم عليه في اللفظ (١) كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢) [الأعراف: ٢٠١]. والتذكُّر: تفعُّل من الذكر، وهو حضور صورة المذكور (٣) في القلب. فإذا استحضَره القلب وشاهَدَه على وجهه أوجَبَ له البصيرة، فأبصر (٤) ما جُعِل دليلًا عليه، فكان في حقِّه تبصرة وذكرى. والهدى مداره على هذين الأصلين: التذكُّر، والتبصُّر (٥). وقد دعا سبحانه الإنسان إلى أن ينظر في مبدأ خلقه ورزقه (٦)، ويستدلَّ بذلك على معاده وصدقِ ما أخبرت به الرسل. فقال في الأول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ

стр. 447

لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٥ - ٩]. فالدافق على بابه، ليس فاعلًا بمعنى مفعول كما يظنُّه بعضهم، بل هو بمنزلة ماء جار وواقف وساكن (١). ولا خلاف أن المراد بالصُّلْب صلب الرجل. واختُلف في "الترائب" فقيل: المراد بها ترائبه أيضًا، وهي عظام الصدر [٨٤/ب] ما بين التَّرْقُوَة إلى الثَّنْدُوَة. وقيل: المراد ترائب المرأة. والأول أظهر (٢)، لأنه سبحانه قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ولم يقل: يخرج من الصلب والترائب، فلا بدَّ أن يكون ماء الرجل خارجًا من بين هذين المختلفين (٣)، كما قال في اللبن يخرج: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦]. وأيضًا فإنه سبحانه أخبر أنه خلقه من نطفة في غير موضع، والنطفة هي ماء الرجل. كذلك قال أهل اللغة، قال الجوهري (٤): "النطفة: الماء الصافي قلَّ أو كثُر. والنطفة: ماء الرجل، والجمع نُطَف". وأيضًا فإن الذي يوصف بالدفق والفضخ (٥) إنما هو ماء الرجل، ولا يقال: فضخت المرأة الماءَ ولا دفقته. والذي أوجب لأصحاب القول الآخر ذلك: أنهم رأوا أهل اللغة قالوا:

стр. 448

الترائب: موضع القلادة من الصدر. قال الزجاج (١): أهلُ اللغة مُجْمِعون على ذلك، وأنشدوا لامرئ القيس (٢): مهَفْهَفةٌ بيضاءُ غيرُ مُفاضةٍ ... ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَل وهذا لا يدل على اختصاص الترائب بالمرأة، بل يطلق على الرجل والمرأة. قال الجوهري (٣): الترائب: عظام الصدر ما بين التَّرْقُوَة إلى الثَّنْدُوَة. وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] الصحيح أن الضمير يرجع على الإنسان، أي إن الله على ردِّه إليه لقادر يوم القيامة، وهو اليوم الذي تبلى فيه السرائر. ومن قال: "إنَّ الضمير يرجع على (٤) الماء، أي إن الله على رجعه في الإحليل أو في الصَّدر أو حبسه عن الخروج [٨٥/أ] لقادر" فقد أبعد، وإن كان الله سبحانه قادرًا على ذلك؛ ولكن السِّياق يأباه، وطريقة القرآن وهي الاستدلال بالمبدأ والنشأة الأولى على المعاد والرجوع إليه. وأيضًا فإنه قيَّده بالظرف، وهو ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] (٥). والمقصود أنه سبحانه دعا الإنسان أن ينظر في مبدأ خلقه ورزقه، فإن ذلك يدلُّه دلالة ظاهرة على معاده

стр. 449

ورجوعه إلى ربه. وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٤ - ٣١]. فجعل سبحانه نظره في إخراج طعامه من الأرض دليلًا على إخراجه هو منها بعد موته، استدلالًا بالنظير على النظير. ومن ذلك: قوله سبحانه ردًّا على الذين قالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٨ - ٩٩] أي مثلَ هؤلاء المكذِّبين. والمراد به النشأة الثانية، وهي الخلق الجديد، وهي المثل المذكور في غير موضع، وهم هم بأعيانهم. فلا تنافي في شيء من ذلك، بل هو الحقُّ الذي دلَّ عليه العقل والسمع. ومن لم يفهم ذلك حقَّ فهمه تخبَّط عليه أمرُ المعاد، وبقي منه في أمر مريج. والمقصود: أنه دلَّهم سبحانه بخلق السموات والأرض على الإعادة والبعث. وأكَّد هذا القياس بضرب من الأَولى، وهو أنَّ خلقَ السموات [٨٥/ب] والأرض أكبرُ من خلق الناس، فالقادرُ على خلق ما هو أكبر وأعظم منكم أقدَرُ على خلقكم، وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته. فليس مع المكذبين بالقيامة إلا مجرَّد تكذيب الله ورسله، وتعجيز قدرته، ونسبة عمله إلى القصور، والقدح في حكمته. ولهذا يخبر الله سبحانه عمَّن أنكر ذلك بأنه كافر بربه، جاحد له، لم يُقِرَّ بربِّ العالمين فاطرِ السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ

стр. 450

أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥]. وقال المؤمن للكافر الذي قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]: فقال له: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧]. فمنكِرُ المعاد كافرٌ بربِّ العالمين، وإن زعم أنه مُقِرٌّ به. ومنه: قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]. يقول تعالى: انظروا كيف بدأتُ الخلق، فاعتبروا الإعادة بالابتداء. ومنه: قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]. وقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]. وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا (١) مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٩ - ١١]. وقال [٨٦/أ] تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (٢)

стр. 451

كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. والسِّجِلُّ: الورق المكتوب فيه، والكتاب: نفس المكتوب، واللام بمنزلة على. أي نطوي السماءَ كطيِّ الدَّرْج على ما فيه من السطور المكتوبة. ثم استدل بالنظير على النظير (١)، فقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. فصل وأما قياس الشَّبَه، فلم يحكه الله سبحانه إلا عن المبطلين. فمنه: قوله تعالى إخبارًا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وُجِد المتاع (٢) في رَحْل أخيهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] فلم يجمعوا بين الأصل والفرع بعلّة ولا دليلها، وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع، سوى مجرَّد الشَّبهِ الجامعِ بينه وبين يوسف، فقالوا: هذا مقيس على أخيه، بينهما شبه من وجوه عديدة، وذاك قد سرَق فكذلك هذا. وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ، والقياس بالصورة (٣) المجرَّدة عن العلّة المقتضية للتساوي، وهو قياس فاسد. والتساوي في قرابة الأخوة ليس بعلّة للتساوي في السرقة لو كانت حقًّا، ولا دليلًا (٤) على التساوي فيها، فيكون الجمع لنوع شَبَهٍ خالٍ عن العلّة ودليلها.

стр. 452

ومنه: قوله تعالى إخبارًا عن الكفار أنهم قالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧] فاعتبروا مجرَّد صورة الآدمية وشبه المجانسة فيها، واستدلوا بذلك على أن حكم أحد الشَّبَهين حكم الآخر؛ فكما لا نكون نحن رسلًا فكذلك أنتم. فإذا تساوينا في هذا الشبه، فأنتم مثلُنا، لا مزية لكم علينا. وهذا [٨٦/ب] من أبطل القياس؛ فإنَّ الواقع من التخصيص والتفضيل وجعلِ (١) بعض هذا النوع شريفًا وبعضِه دنيًّا، وبعضِه مرءوسًا وبعضِه رئيسًا، وبعضِه مَلِكًا وبعضِه سُوقةً= يُبطِل هذا القياس، كما أشار سبحانه إلى ذلك في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وأجابت الرسل عن هذا السؤال بقولهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، وأجاب الله سبحانه عنه بقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤]. فاعتبروا المساواة في البشرية وما هو من خصائصها من الأكل والشرب، وهذا مجرَّدُ قياسِ شَبَهٍ وجمعٍ صُوري.

стр. 453

ونظير هذا قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]. ومن هذا: قياس المشركين الربا على البيع بمجرَّد الشبه الصوري. ومنه: قياسهم الميتة على الذكيِّ (١) في إباحة الأكل بمجرد الشبه. وبالجملة، فلم يجئ هذا القياس في القرآن إلا مردودًا مذمومًا. ومن ذلك (٢): قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ [٨٧/أ] بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٥]. فبيَّن سبحانه أن هذه الأصنام أشباح وصور خالية عن صفات الإلهية، وأن المعنى المعتبر معدوم فيها، وأنها لو دُعيت لم تُجِب؛ فهي صور خالية عن أوصاف ومعان تقتضي عبادتها. وزاد هذا تقريرًا بقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. أي (٣) جميع ما لهذه الأصنام من الأعضاء التي نحتتها أيديكم، إنما هي صور عاطلة عن حقائقها وصفاتها؛ لأن المعنى المراد المختصَّ بالرِّجل هو مشيُها، وهو معدوم في هذه الرِّجل. والمعنى المختص باليد هو بطشها، وهو معدوم في هذه اليد. والمراد بالعين إبصارُها، وهو معدوم في هذه العين؛ ومن الأذن سمعُها وهو معدوم فيها. والصور في ذلك كلِّه ثابتة موجودة، وكلُّها فارغة

стр. 454

خالية عن الأوصاف والمعاني، فاستوى وجودها وعدمها. وهذا كلُّه مُدْحِض لقياس الشَّبَه الخالي عن العِلَّة المؤثرة والوصف المقتضي للحكم. والله أعلم. فصل ومن هذا: ما وقع في القرآن من الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون، فإنها تشبيهُ شيء بشيء في حكمه، وتقريبُ المعقول من المحسوس، أو أحدِ المحسوسَين من الآخر، واعتبارُ أحدهما بالآخر، كقوله تعالى في حقِّ المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ [٨٧/ب] لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ (١) إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٧ - ٢٠]. فضرب (٢) للمنافقين بحسب حالهم مثلين: مثلًا ناريًّا، ومثلا مائيًّا (٣)، لما في النار والماء من الإضاءة والإشراق والحياة؛ فإن النار مادة النور، والماء مادة الحياة. وقد جعل الله سبحانه الوحيَ الذي أنزله من السماء متضمِّنًا لحياة القلوب واستنارتها، ولهذا سمَّاه روحًا ونورًا، وجعل قابليه أحياءً في النور، ومن لم يرفع به رأسًا أمواتًا في الظلمات.

стр. 455

وأخبر عن حال المنافقين بالنسبة إلى حظِّهم من الوحي، وأنهم بمنزلة من استوقد نارًا لتضيء له وينتفع بها. وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاؤوا به، وانتفعوا به، وآمنوا به، وخالطوا (١) المسلمين؛ ولكن لما لم تكن تصحبهم (٢) مادةٌ من قلوبهم من نور الإسلام طفئ عنهم، وذهب الله بنورهم. ولم يقل: "بنارهم"، فإن النار فيها الإضاءة والإحراق، فذهب الله بما فيها من الإضاءة، وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق، وتركهم في ظلمات لا يبصرون. فهذا حال من أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر، ودخل في الإسلام ثم فارقه بقلبه؛ فهو لا يرجع إليه. ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي، فشبَّههم بأصحاب صيِّبٍ ــ وهو المطر الذي يَصُوب، أي ينزل من السماء ــ فيه ظلمات ورعد وبرق، فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدَّت عليهم زواجرُ القرآن ووعيده وتهديده، وأوامره ونواهيه [٨٨/أ] وخطابه الذي يشبه الصواعق. فحالُهم كحال من أصابه مطرٌ فيه ظلمة ورعد وبرق، فلِضعفِه وخوَرِه جعل إصبعيه في أذنيه، وغمَّض عينيه خشيةً من صاعقةٍ تصيبه. وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرًا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة، إذا سمعوا شيئًا من آياتِ الصفات وأحاديثِ الصفات المنافيةِ لبدعتهم رأيتَهم عنها معرضين، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠ - ٥١]. ويقول مخنثهم: سُدُّوا عنَّا هذا الباب، واقرؤوا شيئًا غير هذا. وترى

стр. 456

قلوبهم مولِّيَةً، وهم يجمحون، لثقل معرفة الربِّ تعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم. وكذلك المشركون على اختلاف شركهم، إذا جُرِّد لهم التوحيدُ، وتُليت عليهم نصوصُه (١) المبطِلةُ شركَهم (٢)، اشمأزَّتْ قلوبهم، وثقُل (٣) عليهم، ولو وجدوا السبيل إلى سدِّ آذانهم لفعلوا. وكذلك تجد أعداء أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا نصوص الثناء على الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله ﷺ ثقل ذلك عليهم جدًّا، وأنكرته قلوبهم. وهذا كلُّه شبَه ظاهر، ومثلٌ محقَّق من إخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه الله لهم بالماء، فإنهم لمّا تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم. فصل وقد ذكر الله المثلين المائي والناري في سورة الرعد (٤)، ولكن في حقِّ المؤمنين؛ فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ (٥) عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ [٨٨/ب] مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ

стр. 457

فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]. شبَّه (١) الوحيَ الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، وشبَّه القلوب (٢) بالأودية. فقلبٌ كبيرٌ يسع علمًا عظيمًا كواد كبير يسع ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغيرٌ إنما يسع بحسَبه كالوادي الصغير، فسالت أوديةٌ بقدرها، واحتملت قلوبٌ من الهدى والعلم بقدرها. وكما أنّ السَّيل إذا خالط الأرضَ ومرَّ عليها احتمل غثاءً وزَبَدًا، فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوبَ أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويُذهبها، كما يثير الدواءُ وقتَ شُربه من البدن أخلاطه (٣)، فيتكرَّب (٤) بها شاربُه. وهي من تمام نفع الدواء، فإنه أثارها ليذهب بها، فإنه لا يجامعها ولا

стр. 458

يُساكنها (١). وهكذا يضرب الله الحقَّ والباطل. ثم ذكر المثل الناري فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ (٢) عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ وهو الخَبَث الذي يخرج عند سَبْك الذهب والفضة والنحاس والحديد، فتُخرجه النار، وتميِّزه، وتفصله عن الجوهر الذي يُنتفَع به، فيُرمى ويُطرَح ويذهب جُفاءً. فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلبُ المؤمن ويطرحها ويجفوها، كما يطرح السيلُ والنارُ ذلك الزَّبد والغثاء والخبث، ويستقرُّ في قرار الوادي الماءُ الصافي الذي يستقي منه الناس، ويزرعون، ويسقون أنعامهم. [٨٩/أ] كذلك يستقِرُّ في قرار القلب وجِذْره الإيمانُ الخالص الصافي الذي ينفع صاحبَه وينتفع به غيرُه. ومن لم يفقه هذين المثلين، ولم يتدبَّرهما ويعرِفْ ما يراد منهما، فليس من أهلهما. والله الموفق. فصل ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. شبَّه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزيَّن في عين الناظر، فتروقه بزينتها وتُعجِبه، فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها، حتّى إذا ظنَّ أنه مالكٌ لها قادرٌ

стр. 459

عليها سُلِبَها بغتةً أحوجَ ما كان إليها، وحيل بينه وبينها. فشبَّهها بالأرض التي ينزل الغيثُ عليها فتُعْشِب، ويحسُن نباتها، ويروق منظرها للناظر، فيغترُّ به، ويظنُّ أنه قادر عليها، مالك لها. فيأتيها أمرُ الله، فتدرك نباتَها الآفةُ بغتةً، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنُّه، وتصبح يداه صفرًا منها. فهكذا حال الدنيا والواثقِ بها سواء. وهذا من أبلغ التشبيه والقياس. ولما كانت الدنيا عرضةً لهذه الآفات، والجنةُ سليمةً منها، قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] (١). فسمَّاها هنا "دار السلام" لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعمَّ بالدعوة إليها، وخصَّ بالهداية من يشاء. فذاك عدلُه، وهذا فضلُه (٢). فصل [٨٩/ب] ومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤]. فإنه سبحانه ذكر الكفار، ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمعَ وما كانوا يبصرون. ثم ذكر المؤمنين، ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربِّهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن. جعل (٣) أحد الفريقين كالأعمى والأصمِّ من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق، أصمَّ عن سماعه؛ فشبَّهه بمن بصرُه أعمى عن رؤية الأشياء، وسمعُه أصمُّ عن سماع الأصوات. والفريق الآخر

стр. 460

بصير القلب سميعه، كبصير العين وسميع الأذن. فتضمَّنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. ومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياءَ أضعفُ منهم؛ فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا، وهو أوهن البيوت وأضعفها. وتحت هذا المثل أنَّ هؤلاء المشركين أضعفُ ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء، فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ [٩٠/أ] نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥]. وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]. فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليًّا يتعزَّز به، ويتكثَّر (١) به، ويستنصر به= لم يحصل له به إلا ضدُّ مقصوده. وفي
следующие страницы →