← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. قالوا: فدلَّ هذا النصُّ على أنَّ ما لم يأذن به الله من الدين فهو شرعُ غيرِه الباطل. قالوا: وقد أخبر النبي ﷺ عن ربِّه ﵎ أنَّ كلَّ ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفوٌ عفا عنه لعباده (١)، مباحٌ (٢) إباحةَ العفو. فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسًا على ما أوجبه أو حرَّمه بجامع بينهما، فإنَّ ذلك يستلزم رفعَ هذا القسم بالكلِّية وإلغاءه؛ إذ المسكوتُ عنه لا بدَّ أن يكون بينه وبين المحرَّم شبه [١٤٥/ب] ووصف جامع (٣)، أو بينه وبين الواجب، فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسمٌ قد عُفِي عنه، ولم يكن ما سكَت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكَت عنه قد حرَّمه قياسًا على ما حرَّمه. وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريمُ ما سكَت عنه تبديلًا لحكمه، وقد ذمَّ تعالى مَن بدَّل غيرَ القول الذي أُمِر به، فمن بدَّل غيرَ الحكم الذي

стр. 632

شُرِع له فهو أولى بالذم. وقد قال النبي ﷺ : "إنَّ من أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يحرَّم، فحُرِّم على الناس من أجل مسألته" (١). فإذا كان هذا فيمن تسبَّب إلى تحريم الشارع صريحًا بمسألته عن حُكمِ ما سكتَ عنه، فكيف بمن حرَّم المسكوتَ عنه بقياسه ورأيه (٢)؟ يوضِّحه: أن المسكوت عنه لما كان عفوًا عفا الله لعباده عنه، وكان البحث عنه سببًا لتحريم الله إياه لما فيه من مقتضى التحريم، لا لمجرَّدِ السؤال عن حكمه، وكان الله قد عفا عن ذلك وسامَح به عبادَه كما يعفو عما فيه مفسدةٌ من أعمالهم وأقوالهم= فمن المعلوم أنَّ سكوته عن ذكرِ لفظٍ عامٍّ يحرِّمه يدل على أنه عفوٌ عنده (٣)، فمن حرَّمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على المحرَّم بالنصِّ كان أدخلَ في الذمِّ ممن سأل (٤) عن حكمه لحاجته إليه، فحُرِّم من أجل مسألته. بل كان الواجب عليه أن لا يبحث عنه، ولا يسأل عن حكمه، اكتفاءً بسكوت الله عن عفوه عنه؛ فهكذا الواجبُ (٥) أن لا يحرَّم المسكوتُ عنه بغير النصِّ [١٤٦/أ] الذي حرَّم (٦) أصلَه الذي يُلحَق به.

стр. 633

قالوا (١): وقد دلَّ على هذا كتابُ الله حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١ - ١٠٢]، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ذروني ما تركتُكم، فإنما هلك الذين مِن قبلكم بكثرة سؤالهم (٢)، واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بشيء فَأْتُوا منه ما استطعتم" (٣). فأمَرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم. ولا فرق في هذا بين حياته وبعد مماته، فنحن مأمورون أن نتركه ﷺ وما نصَّ عليه، فلا نقول له: لِمَ حرَّمتَ كذا؟ لِنُلحِق به ما سكتَ عنه. بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله عن حكمِ شيءٍ لم يحكُم فيه، فتأمَّلْه فإنه واضح. ويدل عليه قوله في نفس (٤) الحديث: "وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتَنِبوه، وإذا أمرتُكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". فجعل الأمور ثلاثة، لا رابع لها: مأمورٌ به، فالفرضُ عليهم فعلُه بحسب الاستطاعة. ومنهيٌّ عنه، ففرْضٌ (٥) عليهم اجتنابُه بالكلِّيَة. ومسكوتٌ عنه، فلا تتعرَّضوا (٦) للسؤال والتفتيش عنه.

стр. 634

وهذا حكم لا يختصُّ بحياته فقط، ولا يخُصُّ الصحابةَ دون من بعدهم، بل فرَضَ علينا نحن امتثالَ أمره بحسب الاستطاعة، واجتنابَ نهيه، وتركَ البحث والتفتيش عما سكت عنه. وليس ذلك الترك جهلًا وتجهيلًا لحكمه، بل إثباتٌ لحكم العفو [١٤٦/ب] وهو الإباحة العامة ورفعُ الحرج عن فاعله. فقد استوعب الحديث أقسامَ الدين كلَّها، فإنها إما واجب، وإما حرام، وإما مباح. والمكروه والمستحب فرعان على هذه الثلاثة غيرُ خارجين عن المباح. وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، فوكل بيانه إليه سبحانه، لا إلى القيَّاسين (١) والآرائيين (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، فقسم الحكم إلى قسمين: قسم أذن فيه وهو الحق، وقسم افتُرِي عليه وهو ما لم يأذن فيه. فأين أذِن (٣) لنا أن نقيس البَلُّوطَ على التَّمر في جرَيان الربا فيه، وأن نقيس القَزْديرَ (٤) على الذهب والفضة، والخَردلَ على البُرِّ؟ فإن كان الله ورسوله وصَّانا بهذا فسمعًا وطاعةً لله ورسوله، وإلا فإنَّا قائلون لمنازعينا: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤]، فما لم تأتنا به

стр. 635

وصية من عند الله على لسان رسوله فهو عين الباطل. وقد أمرنا الله بردِّ ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله، فلم يُبِحْ لنا قطُّ أن نردَّ ذلك إلى رأي ولا قياس ولا تقليد إمام، ولا منام ولا كشوف ولا إلهام ولا حديث قلب، ولا استحسان ولا معقول، ولا شريعة الديوان ولا سياسة الملوك، ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المسلمين أضرُّ منها. فكلُّ هذه طواغيت، مَن يتحاكَمْ (١) إليها أو دعا مُنازِعَه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [١٤٧/أ] إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]. قالوا (٢): ومن تأمَّلَ هذه الآية حقَّ التأمُّل تبيَّن له أنها نصٌّ على إبطال القياس وتحريمه، لأن القياس كلَّه ضربُ الأمثال للدين، وتمثيلُ ما لا نصَّ فيه بما فيه نصٌّ؛ ومن مثَّل ما لم ينصَّ الله سبحانه على تحريمه أو إيجابه بما حرَّمه أو أوجبه فقد ضرب لله الأمثال. ولو علِم سبحانه أن الذي سكت عنه مثلُ الذي نصَّ عليه لأعلَمَنا به، ولما أغفله سبحانه، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وليبيِّن لنا ما نتَّقي كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] ولَمَا وَكَله إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضُها بعضًا، فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره، فيجيء منازِعُه فيقيس ضدَّ قياسه من كلِّ وجه، ويبدي من الوصف الجامع مثلَ ما أبداه منازعُه (٣) أو أظهر منه، ومحال

стр. 636

أن يكون القياسان معًا من عند الله، وليس أحدهما أولى من الآخر، فليسا من عنده، وهذا وحده كافٍ في إبطال القياس. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. فكلُّ ما بيَّنه رسولُ الله ﷺ فعن ربِّه سبحانه بيَّنه بإذنه وأمره (١). وقد علمنا يقينًا وقوعَ كلِّ اسمٍ في اللغة على مسمَّاه فيها، وأنَّ اسم البُرِّ لا يتناول الخَردل، واسم التمر لا يتناول البَلُّوط، واسم الذهب والفضة لا يتناول القَزْدير (٢)؛ وأنَّ تقديرَ نصاب السرقة لا يدخل فيه تقديرُ المَهْر، [١٤٧/ب] وأنَّ تحريمَ أكل الميتة لا يدل على أن المؤمن الطيِّب عند الله حيًّا وميِّتًا إذا مات صار نجسًا خبيثًا؛ وأنَّ هذا عن البيان الذي ولَّاه الله رسوله وبعَثَه به أبعدُ شيءٍ، وأشدُّه منافاةً له، فليس هو مما بُعِث به الرسولُ قطعًا، فليس إذن من الدين. وقد قال النبيُّ ﷺ : "ما بعَث الله من نبيٍّ إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلَمه لهم، وينهاهم عن شرِّ ما يعلَمه لهم" (٣)، ولو كان الرأي والقياس خيرًا لهم لدلَّهم عليه، وأرشدهم إليه، ولقال لهم: إذا أوجبتُ عليكم شيئًا أو حرَّمتُه فقيسوا عليه ما كان بينه وبينه وصف جامع أو ما أشبهه، أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه، ولما حذَّرهم من ذلك أشدَّ الحذر كما ستقف عليه إن شاء الله. وقد أحكم اللسان كلَّ اسمٍ على مسمَّاه، لا على غيره. وإنما بعث الله

стр. 637

سبحانه محمدًا ﷺ بالعربية التي يفهمها العرب من لسانها، فإذا نصَّ سبحانه في كتابه أو نصَّ رسولُه على اسم من الأسماء وعلَّق عليه حكمًا من الأحكام وجب أن لا يوقَع ذلك الحكمُ إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم، ولا يتعدَّى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه، ولا يخرج عن ذلك الحكم شيء مما يقتضيه الاسم. فالزيادة على ذلك زيادة في الدين، والنقص منه نقص من الدين. فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل، وكلاهما ليس من الدين (١). ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص (٢) ما ليس منه، ويقول: هذا قياس. ومرةً ينقص منه بعضَ ما يقتضيه، ويُخرجه عن حكمه، ويقول: هذا تخصيص. ومرة يترك النصَّ جملةً، ويقول: [١٤٨/أ] ليس العمل عليه، أو يقول: هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول (٣). قالوا: ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبعَ الناس للأحاديث، وكان كلَّما توغَّل فيه الرجل كان أشدَّ اتباعًا للأحاديث والآثار. قالوا: ونحن نرى أن كلما اشتدَّ توغُّلُ الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس. فللّه كم من سنّةٍ صحيحة صريحة قد عُطِّلت به! وكم من أثرٍ درَسَ حكمُه بسببه! فالسننُ والآثارُ عند الآرائيين القيَّاسين (٤) خاويةٌ على عروشها، معطلةٌ

стр. 638

أحكامها، معزولةٌ عن سلطانها وولايتها. لها الاسم، ولغيرها الحكم! لها السِّكّة والخطبة، ولغيرها الأمر والنهي! وإلا فلماذا تُرك حديثُ العَرايا (١)، وحديثُ قسم الابتداء وأن للزوجة حقَّ العقد سبع ليال إن كانت بكرًا، أو ثلاثًا إن كانت ثيبًّا، ثم يقسم بالسويّة (٢)؛ وحديثُ تغريب الزاني غير المحصَن (٣)، وحديث الاشتراط في الحج وجواز التحلل بالشرط (٤)، وحديث المسح على الجوربين (٥)، وحديث عمران بن حصين (٦) وأبي هريرة (٧) في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة، وحديث دفع اللُّقَطة إلى من جاء فوصف وعاءها ووكاءها وعِفاصها (٨)، وحديث المصرَّاة (٩)، وحديث القرعة بين العَبيد إذا أُعتقوا في المرض ولم يحملهم الثلث (١٠)، وحديث

стр. 639

خيار المجلس (١)، وحديث إتمام الصَّوم لمن أكل ناسيًا (٢)، وحديث إتمام الصبح (٣) لمن طلعت عليه الشمس وقد صلَّى منها ركعة، وحديث الصوم عن الميِّت (٤)، وحديث الحج عن المريض المأيوس من برئه (٥)، وحديث الحكم بالقافة (٦) , وحديث من وَجد متاعَه عند رجلٍ قد أفلس (٧) , وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر (٨)، وحديث بيع المدبَّر (٩)، [١٤٨/ب] وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين (١٠)، وحديث الولد للفراش إذا كان من أمة (١١) وهو سبب الحديث، وحديث تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا (١٢)،

стр. 640

وحديث قطع السارق في ربع دينار (١)، وحديث رجم الكتابيين في الزِّنى (٢)، وحديث مَن تزوَّج امرأة أبيه أُمِر بضرب عنقه وأخذِ ماله (٣)، وحديث "لا يقتل مؤمن بكافر" (٤)، وحديث "لعن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له" (٥)، وحديث "لا نكاح إلا بولي" (٦)، وحديث المطلَّقة ثلاثًا لا سكنى لها

стр. 641

ولا نفقة (١)، وحديث "أعتقَ صفيةَ وجعل عِتقَها صَداقَها" (٢) وحديث "أصْدِقْها ولو خاتمًا من حديد" (٣)، وحديث إباحة لحوم الخيل (٤)، وحديث "كلُّ مسكِر حرام" (٥)، وحديث "ليس فيما دون خمسة أوسُقٍ صدقة" (٦)، وحديث المزارعة والمساقاة (٧)، وحديث "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (٨)، وحديث الرهن مركوب ومحلوب (٩)، وحديث النهي عن تخليل

стр. 642

الخمر (١)، وحديث قسمة الغنيمة للراجل سهم وللفارس ثلاثة (٢)، وحديث "لا تحرِّم المَصَّة والمصتان" (٣)، وأحاديث حرَم المدينة (٤)، وحديث إشعار الهدي (٥)، وحديث "إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل" (٦)، وحديث منع الرجل من تفضيل بعض ولده على بعض وأنه جَور لا تجوز الشهادة عليه (٧)، وحديث "أنت ومالُك لأبيك" (٨)، وحديث القسامة (٩)، وحديث الوضوء من لحوم الإبل (١٠)، وأحاديث المسح على العمامة (١١). وحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلَّى خلف الصف وحده (١٢)،

стр. 643

وحديث مَن دخل والإمام يخطُب يصلِّي تحيةَ المسجد (١)، وحديث الصلاة على الغائب (٢)، وحديث الجهر بآمين في الصلاة (٣)، [١٤٩/أ] وحديث جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده ولا يرجع غيره (٤)، وحديث الكلب الأسود يقطع الصلاة (٥)، وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علِم بالعيد

стр. 644

بعد الزوال (١)، وحديث نَضْحِ بول الغلام الذي لم يأكل الطعام (٢)، وحديث الصلاة على القبر (٣)، وحديث "مَن زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيءٌ، وله نفقته" (٤)، وحديث بيع جابر بعيرَه واشتراط ظهره (٥)،

стр. 645

وحديث النهي عن جلود السباع (١)، وحديث "لا يمنَعْ أحدُكم جارَه أن يغرز خشبةً في جداره" (٢)، وحديث "إنَّ أحقَّ الشروط أن تُوفُوا به ما استحللتم به الفروج" (٣)، وحديث "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع" (٤)، وحديث إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء (٥)، وحديث الوتر على الراحلة (٦)، وحديث

стр. 646

"كلُّ ذي ناب من السباع حرام" (١)، وحديث من السُّنَّة وضعُ اليمنى على اليسرى في الصلاة (٢)، وحديث "لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجلُ فيها صلبَه من ركوعه وسجوده" (٣)، وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه (٤)، وأحاديث الاستفتاح (٥)، وحديث "كان للنبي ﷺ سكتتان في الصلاة" (٦)،

стр. 647

وحديث "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (١). وحديث حمل الصبيَّة في الصلاة (٢)، وأحاديث القرعة (٣)، وأحاديث العقيقة (٤)، وحديث "لو أنَّ رجلًا اطَّلع عليك بغير إذنك" (٥)، وحديث "أيَدَع

стр. 648

يدَه في فيك تقضَمُها كما يقضَم الفحلُ" (١)، وحديث "إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل" (٢)، وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة (٣)، وحديث النهي عن الذبح بالسِّنِّ والظُّفْر (٤)، وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء (٥)، وحديث النهي عن عَسْب الفحل (٦)، وحديث المحرِم إذا مات لم يخمَّر رأسُه ولم يقرَبْ طِيبًا (٧)، إلى أضعاف [١٤٩/ب] ذلك من الأحاديث التي كان تركُها من تَرِكة (٨) القول بالقياس والرأي. فلو كان القياس حقًّا لكان أهلُه أتبعَ الأمةِ للأحاديث ولا حُفِظ لهم تركُ حديث واحد إلا لنصٍّ ناسخ له. فحيث رأينا كلَّ مَن كان أشدَّ توغُّلًا في القياس والرأي كان أشدَّ مخالفةً للأحاديث الصحيحة الصريحة علِمنا أنَّ القياس ليس من الدين، وأنَّ شيئًا تُترك له السننُ لَأبينُ شيءٍ منافاةً للدين. فلو كان القياس من

стр. 649

عند الله لطابق السنةَ أعظمَ مطابقة، ولم يخالف أصحابه حديثًا واحدًا منها، ولكانوا أسعدَ بها من أهل الحديث، فَلْيُرُوا أهلَ الحديث والأثر حديثًا واحدًا صحيحًا قد خالفوه، كما أريناهم آنفًا ما خالفوه من السنة بجريرة القياس! قالوا: وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم أن لا نقول على الله إلا الحقَّ، فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض بعضُها بعضًا، بحيث لا يدري الناظر فيها أيُّها الصواب= حقًّا لكانت متفقةً يصدِّق بعضُها بعضًا كالسنَّة التي يصدِّق بعضُها بعضًا. وقال تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [يونس: ٨٢]. [فأخبر أنه سبحانه إنما يحقُّ الحقَّ بكلماته] (١) لا بآرائنا ولا مقاييسنا (٢). وقال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠]. فقسم الأمور إلى قسمين (٣) لا ثالث لهما: اتباع لما دعا إليه الرسول، واتباع الهوى. فصل (٤) والرسول ﷺ لم يدعُ أمته إلى القياس قطُّ، بل قد صحَّ عنه أنه أنكر على عمر وأسامة محضَ القياس في شأن الحُلَّتين اللتين أرسل بهما إليهما،

стр. 650

فلبِسها أسامة قياسًا لِلُّبس على التملُّك والانتفاع والبيع [١٥٠/أ] وكسوتها لغيره، وردَّها عمر قياسًا لتملُّكها على لُبسها. فأسامة أباح، وعمر حرَّم قياسًا. فأبطل رسولُ الله ﷺ كلَّ واحد من القياسين، وقال لعمر: "إنما بعثتُ بها إليك لتستمتع بها"، وقال لأسامة: "إنِّي لم أبعث بها (١) إليك لتلبسَها، ولكن بعثتُ بها إليك لِتشقِّقَها خُمُرًا بين نسائك (٢) " (٣). والنبي ﷺ إنما تقدَّم إليهم في الحرير بالنصِّ على تحريم لُبسه فقط، فقاسا قياسًا أخطآ فيه، فأحدهما قاس اللُّبسَ على الملك، وعمر قاس التملُّكَ على اللُّبس. والنبيُّ ﷺ بيَّن أن ما حرَّمه من اللبس لا يتعدَّى إلى غيره، وما أباحه من التملُّك لا يتعدَّى إلى اللبس. وهذا عين إبطال القياس (٤). وصحَّ عنه (٥) ما رواه أبو ثعلبة الخُشَني قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله فرض فرائض فلا تضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غيرَ نسيانٍ فلا تبحثوا عنها". وهذا الخطاب كما يعُمُّ أولُه للصحابة ولمن بعدهم فهكذا آخرُه، فلا يجوز أن نبحث عما سكت عنه لنحرِّمه أو نوجبه (٦).

стр. 651

وقال عبد الله بن المبارك (١): ثنا عيسى بن يونس، عن حَريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال قال رسول الله ﷺ : "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنةً على أمتي قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فيُحِلُّون الحرام، ويحرِّمون الحلال". قال قاسم بن أصبغ (٢): ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عبد الله، فذكره. وهؤلاء كلُّهم أئمة ثقات حُفَّاظ إلا حَريز (٣) بن عثمان فإنه كان منحرفًا عن علي، ومع هذا فاحتجَّ به البخاري في [١٥٠/ب] "صحيحه"، وقد روي عنه أنه تبرَّأ مما نُسب إليه من الانحراف عن علي (٤). ونُعَيم بن حماد إمام جليل، وكان سيفًا على الجهمية، روى عنه البخاري في "صحيحه" (٥). وقد صحَّ عنه صحةً تقرب من التواتر أنه قال: "ذروني ما تركتُكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم. ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتُوا منه ما استطعتم" (٦)، فتضمَّن هذا الحديث

стр. 652

أنَّ ما أمَر به أمرَ إيجابٍ فهو واجب، وما نهى عنه فهو حرام، وما سكت عنه فعَفوٌ مباح (١)؛ فبطل ما سوى ذلك، والقياس خارج عن هذه الوجوه الثلاثة فيكون باطلًا. والمقيسُ مسكوتٌ عنه بلا ريب، فيكون عفوًا بلا ريب، فإلحاقُه بالمحرَّم تحريمٌ لما عفا الله عنه. وفي قوله: "ذروني ما تركتكم" بيان جلي أن ما لا نصَّ فيه فليس بحرام ولا واجب. ودل الحديث على أن أوامره على الوجوب حتى يجيء ما يرفع ذلك، أو يبيِّن أن مراده الندب، وأن ما لا نستطيعه فساقط (٢) عنَّا. وقد روى ابن المغلِّس، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، ثنا أبو قِلابة الرَّقَاشي، ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا سيف بن هارون البُرْجُمي، عن سليمان التَّيمي، عن أبي عثمان النَّهدي، عن سلمان ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن أشياء، فقال: "الحلال ما أحلَّ الله، والحرام ما حرَّم الله، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه". وهذا إسناد جيد مرفوع (٣). * * *

стр. 653

فصل (١) وأما الصحابة، فقد قال أبو هريرة لابن عباس: إذا جاءك الحديث عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له الأمثال (٢). وفي «صحيح مسلم» (٣) من حديث سمُرة بن جُنْدَب قال: قال رسول الله ﷺ : [١٥١/أ] «أحبُّ الكلام إلى الله أربع»، فذكر الحديث، وفي آخره: «لا تسمِّيَنَّ غلامك يسارًا ولا رَباحًا ولا نَجيحًا ولا أفلح، فإنك تقول: أثَمَّ هو؟ فيقال: لا. إنما هن أربع، فلا تزيدُنَّ عليَّ». قالوا: فلم يستجِزْ (٤) سمُرة أن ينهى عما عدا الأربع قياسًا عليها، وجعل ذلك زيادةً، فلم يزد على الأربع بالقياس التسميةَ بسعد وفَرَج وخَيرة (٥) وبركة ونحوها. ومقتضى قول القيَّاسين (٦) أن الأسماء التي سكت عنها النصُّ أولى بالنهي، فيكون إلحاقها بقياس الأولى أو مثله. فإن قيل: فلعل قوله: «إنما هن أربع فلا تزيدن عليَّ»، مرفوع من نفس كلام النبي ﷺ ، أو لعل سمرة أراد بها: إنما حفظتُ هذه الأربع، فلا تزيدُنَّ عليَّ في الرواية.

стр. 654

قيل: أما السؤال الأول فصريح في إبطال القياس، فإن المعنى واحد، ومع هذا فخصَّ النهيَ بالأربع. وأما السؤال الثاني فقوله: «إنما هي (١) أربع» يقتضي تخصيص الرواية والحكم بها، ونفي الزيادة عليها روايةً وحكمًا. فلا تنافي بين الأمرين. وقال شعبة: سمعتُ سليمان بن عبد الرحمن قال: سمعتُ عُبيد (٢) بن فيروز قال: قلتُ للبراء بن عازب: حدِّثني ما كرِه أو نهَى عنه رسول الله (٣) ﷺ ، فقال: أربعٌ لا تجزئ في الأضاحي، فذكر الحديث. قال: فإني أكره أن تكون ناقصةَ القَرْن أو الأذن، قال: «فما كرهتَ منه فدعه، ولا تحرِّمه على أحد» (٤). ولم يأذن له في القياس على الأربع، ولم يقِسْ عليها هو ولا أحد من الصحابة. وقال عمرو بن دينار، عن أبي الشَّعْثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقزُّزًا (٥)، فبعث الله نبيَّه ﷺ ، [١٥١/ب] وأنزل عليه كتابه، وأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه. فما أحلَّ فهو

стр. 655

حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو (١). وقال عمر بن الخطاب: قد وضحت الأمور، وسُنَّت (٢) السنَّة، ولم يُترَك لأحد منكم متكلَّم إلا أن يضِلَّ عبدٌ (٣). وقال ابن مسعود: من أتى الأمرَ على وجهه فقد بُيِّن له، وإلا فوالله ما لنا طاقةٌ بكلِّ ما تُحْدِثون (٤). ولو كان القياس من الدين لكان له ولغيره طاقة بقياس كلِّ ما يرِد عليهم على نظيره بوصفٍ جامعٍ شَبَهِيٍّ، وإذا كان القيَّاسون (٥) لا يعجزون عن ذلك فكيف الصحابة؟ ولو كان القياس من الدين لكان الجميع مبيَّنًا، ولَما قسَم ابن مسعود وغيره ما يرد عليهم إلى ما بيَّنه الله وإلى ما لم يبيِّنه؛ فإن الله على قولكم قد بيَّن الجميع بالنص والقياس.

стр. 656

فإن قيل: فهذا ينقلب عليكم، فإنكم تقولون: إن الله سبحانه قد بيَّن الجميع. قلنا: ما بيَّنه الله سبحانه نطقًا فقد بيَّن حكمَه، وما لم يبيِّنه نطقًا بل سكت عنه فقد بيَّن لنا أنه عفو. وأما القيَّاسون فيقولون: ما سكت عنه فقد بيَّن أن حكمه حكم ما تكلَّم به، وفرقٌ عظيمٌ بين الأمرين. ونحن أسعد بالبيان النطقي والسكوتي منكم لتعميمِنا البيانَين وعدمِ تناقُضِنا فيهما، وبالله التوفيق. وقد تقدَّم قولُ ابن مسعود (١): ليس عامٌ إلا والذي بعده شرٌّ منه، لا أقول: عامٌ أمطَرُ من عام، ولا عام أخصَبُ من عام، ولا أميرٌ خيرٌ من أمير؛ ولكن ذهابُ خياركم وعلمائكم، ثم يحدُث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فينهدم الإسلام وينثلم. وتقدَّم قول ابن عمر (٢): العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، و «لا أدري». وقوله (٣) لأبي الشعثاء: لا تفتين إلا بكتاب ناطق، أو سنة [١٥٢/أ] ماضية. وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق الشيباني قال: سمعتُ عبد الله بن أبي أوفى يقول: نهى رسول الله ﷺ عن نبيذ الجَرِّ (٤) الأخضر، قلت:

стр. 657

فالأبيض؟ قال: لا أدري (١). ولم يقُل: وأيُّ فرق بين الأخضر والأبيض، كما يبادر إليه القيَّاسون. وقال الزهري: كان محمد بن جُبير بن مُطعِم يحدِّث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش، فقام، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أنّ رجالًا منكم يتحدَّثون أحاديثَ ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَر عن رسول الله ﷺ ، فأولئك جهالكم (٢). ومعلومٌ أن القياس خارج عن كليهما. وتقدَّم قول معاذ (٣): تكون فِتَنٌ يكثر فيها المال، ويُفتَح القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة، والصغير والكبير (٤)، والمؤمن والمنافق. ويقرؤه الرجل فلا يُتَّبع، فيقول: والله لأقرأنَّه علانيةً، فيقرؤه علانية فلا يُتَّبع، فيتخذ مسجدًا ويبتَدِع كلامًا ليس من كتاب الله ولا من سنة رسوله (٥)؛ فإياكم وإياه، فإنها بدعة وضلالة. وقال عبد العزيز بن المطلب: عن ابن مسعود: إنكم إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرًا مما حُرِّم عليكم، وحرَّمتم كثيرًا مما أُحِلَّ

стр. 658

لكم (١). وقال الأوزاعي: عن عبدة بن أبي لبابة (٢)، عن ابن عباس: من أحدث رأيًا ليس في كتاب الله ولم تمضِ به سنةُ رسول الله ﷺ لم يدرِ على ما هو منه إذا لقي الله (٣). وقال أبو خيثمة (٤):حدثنا جرير عن [ليث عن] (٥) مجاهد أن عمر نهى عن المكايلة، يعني المقايسة (٦). وقال الأثرم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث عن ليث (٧) عن مجاهد [١٥٢/ب] قال: قال عمر: إيايَ (٨) والمكايلة، يعني المقايسة (٩).

стр. 659

وقال الأثرم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش عن حبيب، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: قال عبد الله: يا أيها الناس إنكم ستُحدِثون ويُحدَث لكم، فإذا رأيتم محدَثًا فعليكم بالأمر الأول (١). فصل (٢) وكذلك أئمة التابعين وتابعوهم يصرِّحون بذمِّ القياس وإبطاله، والنهي عنه. قال الطحاوي: ثنا ابن غليب (٣)، حدثني عمرو (٤) بن أبي عمران، ثنا يحيى بن سليمان (٥) الطائفي، حدثني داود بن أبي هند قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: القياس شؤم. وأول من قاس إبليس، فهلَك. وإنما عُبدت الشمس والقمر بالمقاييس (٦).

стр. 660

وقال ابن وهب: أخبرني مسلمة (١) بن علي أنَّ شريحًا الكندي ــ هو القاضي ــ قال: إنَّ السنَّة سبقت قياسَكم (٢). وقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسي، ثنا وهب بن إسماعيل، عن داود الأَوْدي قال: قال لي الشعبي: احفظ عني ثلاثًا لها شأنٌ: إذا سُئلتَ عن مسألة، فأجبتَ فيها، فلا تُتْبِعْ مسألتَك: «أرأيتَ»، فإن الله قال

стр. 661

في كتابه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، حتى فرغ من الآية الأولى. والثانية: إذا سُئلتَ عن مسألة فلا تقِسْ شيئًا بشيء، فربما حرَّمتَ حلالًا، أو حلَّلتَ حرامًا. وإذا سُئلتَ عما لا تعلم، فقل: لا أعلم، وأنا شريكك (١). وقال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عيسى بن أبي عيسى، عن الشعبي أنه سمعه يقول: إياكم والمقايسة، فوالذي نفسي بيده إن أخذتم بالمقايسة لَتُحِلُّنَّ الحرامَ ولَتُحَرِّمُنَّ الحلالَ. ولكن ما بلغكم عن أصحاب رسول الله ﷺ فاحفظوه (٢). وقال الطحاوي: ثنا يونس (٣) بن يزيد القراطيسي، ثنا سعيد بن منصور

стр. 662

[١٥٣/أ] ثنا جرير بن عبد الحميد، عن المغيرة بن مِقْسَم، عن الشعبي قال: السنَّة لم تُوضَع بالقياس (١). وقال الخُشَني: ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا صالح بن مسلم قال: قال لي عامر الشعبي يومًا، وهو آخذ بيدي: إنما هلكتم حين تركتم الآثار، وأخذتم بالمقاييس (٢). وقال عباس بن الفرَج الرِّياشي (٣) عن الأصمعي أنه قيل له: إن الخليل بن أحمد يُبطِل القياس، فقال: أخذ هذا عن إياس بن معاوية (٤). وقال علي بن عبد العزيز البغوي: ثنا أبو الوليد القرشي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن بكار القرشي، ثنا سليمان بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى الرَّبَعي، عن ابن شُبْرُمَة أن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال لأبي حنيفة: اتقِ الله ولا تقِسْ، فإنا نقف غدًا نحن ومن خالفنا بين يدي الله،

стр. 663

فنقول: قال رسول الله ﷺ ، قال الله؛ وتقول أنت وأصحابك: رأَينا، وقِسْنا (١)؛ فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء (٢). وبهذا الإسناد إلى ابن شُبْرُمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد ابن الحنفية (٣)، فسلَّمتُ عليه، وكنتُ له صديقًا، ثم أقبلتُ على جعفر وقلت (٤): أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق، وله فقه وعقل. فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدينَ برأيه. ثم أقبل عليَّ، فقال: أهو النعمان؟ فقال له أبو حنيفة: نعم، أصلحك الله. فقال له جعفر: اتق الله، ولا تقِسْ الدين برأيك؛ فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود لآدم، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ثم قال لأبي حنيفة: أخبِرْني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان. فقال: لا أدري. قال جعفر: هي «لا إله إلا الله»، فلو قال «لا إله» ثم أمسك كان مشركًا. فهذه كلمة أولها شرك،

стр. 664

وآخرها [١٥٣/ب] إيمان. ثم قال له: ويحك، أيُّهما أعظم عند الله: قتلُ النفس التي حرَّم الله، أو الزنا؟ قال: بل قتل النفس. فقال له جعفر: إن الله قد رضي (١) في قتل النفس بشاهدين (٢) ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيُّهما أعظم عند الله: الصوم، أو الصلاة؟ قال: لا (٣)، بل الصلاة. قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم (٤) ولا تقضي الصلاة؟ اتقِ الله يا عبد الله، ولا تقِسْ، فإنا نقف غدًا نحن وأنت بين يدي الله، فنقول: قال الله ، وقال رسول الله ﷺ ؛ وتقول أنت وأصحابك: قِسْنا (٥)، ورأينا؛ فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء (٦). وقال ابن وهب: سمعتُ مالك بن أنس يقول: الزَمْ ما قاله رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع: «أمران تركتُهما فيكم لن تضِلُّوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله، وسنّة نبيِّه» (٧).

стр. 665

قال ابن وهب: وقال مالك: كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين، وسيد العالمين، يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء (١). فإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي، وإلا لم يجب، فمن الجرأة العظيمة إجابةُ من أجاب برأيه أو قياس، أو تقليدِ من يحسن به الظن، أو عُرفٍ وعادة (٢)، أو سياسة، أو ذوق أو كشف أو منام، أو استحسان وخَرْص (٣). والله المستعان (٤). وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو (٥): ثنا يزيد بن عبد ربه قال:

стр. 666

سمعتُ وكيع بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوُحَاظي: يا أبا زكريا، احذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. وقال عبد الرزاق (١): قال لي حماد بن أبي حنيفة: قال أبي: من لم يدَعْ القياسَ في مجلس القضاء لم يفقه. [١٥٤/أ] فهذا أبو حنيفة ﵀ (٢) يقول: إنه لا يفقه من لم يترك القياس في موضع الحاجة إليه، وهو مجلس القضاء. قالوا (٣): فتبًّا لكلِّ شيء لا يفقه المرء إلا بتركه. وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن شُبْرُمة: ما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس (٤). وقال داود بن الزِّبْرِقان عن مجالد بن سعيد قال: ثنا الشعبي يومًا قال:

стр. 667

يوشك أن يصير الجهل علمًا والعلم جهلًا. قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو؟ قال: كنَّا نتَّبع الآثار وما جاء عن الصحابة، فأخذ الناسُ في غير ذلك، وهو القياس (١). وقال وكيع: حدثنا عيسى الخياط عن الشعبي قال: لَأن أتعنَّى بعَنِيَّةٍ (٢) أحبُّ إليُّ من أن أقول في مسألة برأيي (٣). قلت: رواه أبو محمد بن قتيبة (٤) بالعين المهملة، وعنيَّة بوزن غَنيَّة، ثم فسَّره بأن العنيَّة: أخلاط تُنقَع في أبوال الإبل حينًا (٥) حتى تُطلَى بها الإبل من الجرَب. وقال الأثرم: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئًا بشيء. قيل: لم؟ قال: أخشى أن (٦) تزِلَّ

стр. 668

رجلي (١). وسئل عن مسألة، فقال: لا أدري. فقيل له: فقِسْ لنا برأيك. فقال: أخاف أن تزِلَّ قدمي (٢). وكان يقول: إياكم والقياس والرأي، فإنَّ الرأي قد يزِلُّ (٣). وكان الشعبي يقول: لا تُجالِسْ أصحابَ القياس، فتُحِلَّ حرامًا أو تُحرِّمَ حلالًا (٤). وقال الخلال: حدثنا أبو بكر المَرُّوذي (٥) قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ينكر على أصحاب القياس، ويتكلم فيه (٦) بكلام شديد (٧).

стр. 669

وقال الأثرم: ثنا محمد بن كُنَاسة، ثنا صالح بن مسلم، عن الشعبي قال: لقد بغَّض إليَّ هؤلاء القومُ هذا المسجدَ، حتى لَهُو أبغضُ إليَّ من كُناسة داري. قلتُ: مَن هم يا أبا عمرو؟ قال: هؤلاء الآرائيون (١)، أرأيت أرأيت (٢). وقال حماد بن زيد عن مطر الوراق [١٥٤/ب] قال: ترك أصحابُ الرأي الآثارَ والله! (٣). وقال محمد بن خاقان: شيَّعنا (٤) ابنَ المبارك في آخر خَرجةٍ خرج، فقلنا له: أوصِنا، فقال: لا تتخذوا الرأيَ إمامًا (٥). فصل قالوا: ولو كان القياس حجةً لما تعارضت الأقيسة، وناقض بعضُها بعضًا. فترى كلَّ واحد من المتنازعين من أرباب القياس يزعم أن قوله هو

стр. 670

القياس، فيبدي منازعه قياسًا آخر، ويزعم أنه هو القياس. وحججُ الله وبيِّناته لا تتعارض، ولا تتهافت. قالوا: فلو جاز القول بالقياس في الدين لأفضى إلى وقوع الاختلاف الذي حذَّر منه الله (١) ورسوله. بل عامة الاختلاف بين الأمة إنما نشأ من جهة القياس، فإنه إذا ظهر لكلِّ واحد من المجتهدين قياسٌ مقتضاه نقيضُ حكم الآخر اختلفا، ولا بدَّ. وهذا يدل على أنه من عند غير الله من ثلاثة أوجه: أحدها: صريحُ قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. الثاني: أنَّ الاختلاف سببه اشتباه الحق وخفاؤه، وهذا لعدم العلم الذي يميِّز بين الحق والباطل. الثالث: أن الله سبحانه ذمَّ الاختلاف في كتابه، ونهى عن التفرق والتنازع، فقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
следующие страницы →