← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

سمعتُ وكيع بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوُحَاظي: يا أبا زكريا، احذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. وقال عبد الرزاق (١): قال لي حماد بن أبي حنيفة: قال أبي: من لم يدَعْ القياسَ في مجلس القضاء لم يفقه. [١٥٤/أ] فهذا أبو حنيفة ﵀ (٢) يقول: إنه لا يفقه من لم يترك القياس في موضع الحاجة إليه، وهو مجلس القضاء. قالوا (٣): فتبًّا لكلِّ شيء لا يفقه المرء إلا بتركه. وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن شُبْرُمة: ما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس (٤). وقال داود بن الزِّبْرِقان عن مجالد بن سعيد قال: ثنا الشعبي يومًا قال:

стр. 667

يوشك أن يصير الجهل علمًا والعلم جهلًا. قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو؟ قال: كنَّا نتَّبع الآثار وما جاء عن الصحابة، فأخذ الناسُ في غير ذلك، وهو القياس (١). وقال وكيع: حدثنا عيسى الخياط عن الشعبي قال: لَأن أتعنَّى بعَنِيَّةٍ (٢) أحبُّ إليُّ من أن أقول في مسألة برأيي (٣). قلت: رواه أبو محمد بن قتيبة (٤) بالعين المهملة، وعنيَّة بوزن غَنيَّة، ثم فسَّره بأن العنيَّة: أخلاط تُنقَع في أبوال الإبل حينًا (٥) حتى تُطلَى بها الإبل من الجرَب. وقال الأثرم: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئًا بشيء. قيل: لم؟ قال: أخشى أن (٦) تزِلَّ

стр. 668

رجلي (١). وسئل عن مسألة، فقال: لا أدري. فقيل له: فقِسْ لنا برأيك. فقال: أخاف أن تزِلَّ قدمي (٢). وكان يقول: إياكم والقياس والرأي، فإنَّ الرأي قد يزِلُّ (٣). وكان الشعبي يقول: لا تُجالِسْ أصحابَ القياس، فتُحِلَّ حرامًا أو تُحرِّمَ حلالًا (٤). وقال الخلال: حدثنا أبو بكر المَرُّوذي (٥) قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ينكر على أصحاب القياس، ويتكلم فيه (٦) بكلام شديد (٧).

стр. 669

وقال الأثرم: ثنا محمد بن كُنَاسة، ثنا صالح بن مسلم، عن الشعبي قال: لقد بغَّض إليَّ هؤلاء القومُ هذا المسجدَ، حتى لَهُو أبغضُ إليَّ من كُناسة داري. قلتُ: مَن هم يا أبا عمرو؟ قال: هؤلاء الآرائيون (١)، أرأيت أرأيت (٢). وقال حماد بن زيد عن مطر الوراق [١٥٤/ب] قال: ترك أصحابُ الرأي الآثارَ والله! (٣). وقال محمد بن خاقان: شيَّعنا (٤) ابنَ المبارك في آخر خَرجةٍ خرج، فقلنا له: أوصِنا، فقال: لا تتخذوا الرأيَ إمامًا (٥). فصل قالوا: ولو كان القياس حجةً لما تعارضت الأقيسة، وناقض بعضُها بعضًا. فترى كلَّ واحد من المتنازعين من أرباب القياس يزعم أن قوله هو

стр. 670

القياس، فيبدي منازعه قياسًا آخر، ويزعم أنه هو القياس. وحججُ الله وبيِّناته لا تتعارض، ولا تتهافت. قالوا: فلو جاز القول بالقياس في الدين لأفضى إلى وقوع الاختلاف الذي حذَّر منه الله (١) ورسوله. بل عامة الاختلاف بين الأمة إنما نشأ من جهة القياس، فإنه إذا ظهر لكلِّ واحد من المجتهدين قياسٌ مقتضاه نقيضُ حكم الآخر اختلفا، ولا بدَّ. وهذا يدل على أنه من عند غير الله من ثلاثة أوجه: أحدها: صريحُ قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. الثاني: أنَّ الاختلاف سببه اشتباه الحق وخفاؤه، وهذا لعدم العلم الذي يميِّز بين الحق والباطل. الثالث: أن الله سبحانه ذمَّ الاختلاف في كتابه، ونهى عن التفرق والتنازع، فقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].

стр. 671

وقال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]. [١٥٥/أ] والزُّبُر: الكتُب، أي كلُّ فرقة صنفوا كتبًا أخذوا بها، وعملوا بها، ودعَوا إليها، دون كتب الآخرين كما هو الواقع سواء. وقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. قال ابن عباس: تبيضُّ وجوهُ أهل السنة والائتلاف، وتسودُّ وجوهُ أهل الفرقة والاختلاف (١). وقال النبي ﷺ : «لا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم» (٢). وقال: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا» (٣). وكان التنازع والاختلاف أشدَّ شيءٍ على رسول الله ﷺ ، وكان إذا رأى من الصحابة اختلافًا يسيرًا في فهم النصوص يظهر في وجهه، حتَّى كأنما فُقِئَ فيه حَبُّ الرُّمّان، ويقول: «أبهذا أُمِرتم؟» (٤).

стр. 672

ولم يكن أحدٌ بعده أشدَّ عليه الاختلافُ من عمر ﵁. وأمّا الصدِّيق فصان الله خلافته عن الاختلاف المستقرِّ في حكم واحد من أحكام الدين. وأما خلافة عمر فتنازَع الصحابةُ تنازُعًا يسيرًا في قليل من المسائل جدًّا، وأقرَّ بعضُهم بعضًا على اجتهاده من غير ذمٍّ ولا طعن. فلما كانت خلافة عثمان اختلفوا في مسائل يسيرة، صحبَ الاختلافَ فيها بعضُ الكلام واللَّوم، كما لام عليٌّ عثمانَ في أمر المتعة (١) وغيرها. ولامه عمار بن ياسر وعائشة في بعض مسائل قسمة الأموال والولايات. فلما أفضت الخلافة إلى عليٍّ صار الاختلاف بالسيف. والمقصود أن الاختلاف منافٍ لما بعث الله به رسوله. قال عمر ﵁: لا تختلفوا، فإنكم إن اختلفتم كان مَن بعدَكم أشدَّ اختلافًا (٢). ولما سمع أُبيَّ بن كعب وابنَ مسعود (٣) يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين صعد المنبر وقال: رجلان من أصحاب النبي ﷺ [١٥٥/ب] اختلفا، فعن أيِّ فتياكم يصدر المسلمون؟ لا أسمع اثنين اختلفا بعد مقامي هذا إلا صنعتُ وصنعتُ (٤).

стр. 673

وقال علي في خلافته لقُضاته: اقضُوا كما كنتم تقضُون، فإني أكره الخلاف، وأرجو أن أموت كما مات أصحابي (١). وقد أخبر النبيُّ ﷺ أن هلاك الأمم من قبلنا إنما كان باختلافهم على أنبيائهم (٢). وقال أبو الدرداء وأنس وواثلة بن الأَسْقَع: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتنازع في شيء من الدين، فغضب غضبًا شديدًا لم يغضَب مثلَه. قال: ثم انتهَرَنا، قال: «يا أُمةَ محمد لا تهيجوا على أنفسكم وهَجَ النار». ثم قال: «بهذا أمرتم؟ أو ليس عن هذا نُهيتم؟ إنما هلك مَن كان قبلكم بهذا» (٣). وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص أنهما قالا: جلسنا (٤)

стр. 674

مجلسًا في عهد رسول الله ﷺ كنَّا به (١) أشدَّ اغتباطًا (٢). جئنا (٣) فإذا رجالٌ عند حجرة عائشة يتراجعون في القدَر، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول الله ﷺ خلف الحجرة يسمع كلامهم. فخرج علينا رسولُ الله ﷺ مغضبًا يُعرَف في وجهه الغضب، حتى وقف عليهم، فقال (٤): «يا قوم بهذا ضلَّت الأمم قبلكم: باختلافهم على أنبيائهم، وضربِهم الكتابَ بعضَه ببعض. وإنَّ القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدِّق بعضُه بعضًا. ما عرفتم منه (٥) فاعملوا به، وما تشابَه فآمنوا به». ثم التفتَ، فرآني أنا وأخي جالسين، فغبطنا أنفسَنا أن لا يكون رآنا معهم (٦). قال البخاري (٧): رأيتُ أحمد بن حنبل وعليَّ بن عبد الله والحُميدي

стр. 675

وإسحاق بن إبراهيم يحتجُّون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه. [١٥٦/أ] وقال أحمد بن صالح: أجمع آل عبد الله على أنها صحيفة عبد الله (١). قالوا: وأيضًا فإذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين فإما أن يقال: كلُّ مجتهد مصيب، فيلزم أن يكون الشيءُ وضدُّه صوابًا؛ وإما أن يقال: المصيب واحد، وهو القول الصواب. ولكن ليس أحد القياسين بأولى من الآخر، ولا سيَّما قياس الشَّبَه، فإنَّ الفرع قد يكون فيه وصفان شَبَهيَّان (٢) للشيء وضده، فليس جعلُ أحدهما صوابًا دون الآخر بأولى من العكس. قالوا: وأيضًا فالنبي ﷺ قال: «أوتيتُ جوامعَ الكلِم، واختُصِرتْ لي الحكمةُ اختصارًا» (٣).

стр. 676

وجوامع الكلم هي: الألفاظ الكلِّيَّة العامَّة المتناولة لأفرادها. فإذا انضاف ذلك إلى بيانه الذي هو أعلى رُتَب البيان لم يُعدَل عن الكلمة الجامعة التي في غاية البيان لِما دلَّت عليه إلى لفظ أطولَ منها وأقلَّ بيانًا، مع أن الكلمة الجامعة تزيل الوهم، وترفع الشكَّ، وتبيِّن المراد. فكأنْ يقول: «لا تبيعوا كلَّ مَكيل ولا موزون بمثله إلا سواء بسواء». فهذا أخصَر وأبيَن وأدلّ وأجمَع من أن يذكر ستة أنواع، ويدل بها على ما لا ينحصر من الأنواع. فكمالُ علمه ﷺ ، وكمالُ شفقته ونصحه، وكمالُ فصاحته وبيانه= يأبى ذلك. قالوا: وأيضًا فحكمُ القياس إما أن يكون موافقًا للبراءة الأصلية، وإما أن يكون مخالفًا لها. فإن كان موافقًا لم يُفِد القياس شيئًا، لأنَّ مقتضاه متحقِّق بها. وإن كان مخالفًا لها امتنع القول به، لأنها (١) متيقَّنة، فلا تُرفَع بأمر لا تُتيقَّن صحته، إذ اليقين يمتنع رفعه بغير يقين. قالوا: وأيضًا فإنَّ غالب القياسات التي رأينا القيّاسين (٢) يستعملونها رجمٌ بالظنون، وليس ذلك من العلم في شيء. ولا مصلحة للأمة في إقحامهم (٣)

стр. 677

ورطاتِ [١٥٦/ب] الرَّجْم بالظنون حتى يخبطوا فيها خبطَ عشواء (١)، ويحكموا بها على الله ورسوله. قالوا: وأيضًا فقول القيَّاس (٢): هذا حلال، وهذا حرام= هو خبر عن الله سبحانه أنه أحلَّ كذا وحرَّمه، وأنه أخبر عنه بأنه حلال أو حرام؛ فإنَّ حكمَ الله خبرُه. فكيف يجوز لأحد أن يشهد على الله أنه أخبر بما لم يُخبِر به هو ولا رسوله قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. قالوا: وأيضًا فالقياس لا بدّ فيه من علة مستنبطة من حكم الأصل، والحكمُ في الأصل يحتمل أن يكون معلَّلًا، وأن يكون غير معلَّل. وإذا كان معلَّلًا احتمل أن يكون لنا طريقٌ إلى العلم بعلَّته، واحتمل أن لا يكون لنا طريق. وإذا كان لنا طريقٌ احتمل أن تكون العلة هي هذه المعيَّنة، وأن تكون جزءَ علة، وأن تكون العلة غيرها. وإذا ظهرت العلة احتمل أن لا تكون في الفرع، وإذا كانت فيه احتمل أن يتخلَّف الحكمُ عنها لمعارض آخر. وما هذا شأنه كيف يكون من حجج الله وبيِّناته وأدلّة الأحكام التي هدى الله بها عباده؟ قالوا: وأيضًا فلو كان القياس حجةً لأفضى ذلك إلى تكافؤ الأدلة الشرعية. وهو محال، فإنه قد يتردد الفرع (٣) بين أصلين أحدهما التحريم والآخر الإباحة. فإذا ظهر في نظر المجتهد شبهُ الفرعِ بكلِّ واحد منهما لزم

стр. 678

الحكمُ بالحِلِّ والحرمة في شيء واحد، وهو محال. قالوا: وأيضًا فليس قياس الفرع على الأصل في تعدية حكمه إليه أولى من قياسه عليه في عدم ثبوته بغير النص. وحينئذ (١) فنقول (٢): حكمُ الفرع حكمٌ من أحكام الشرع، فلا يجوز ثبوته بغير النص كحكم الأصل، فما الذي جعل قياسكم أولى من هذا؟ ومعلوم أنَّ هذا أقرب إلى [١٥٧/أ] النصوص وأشدُّ موافقةً لها من قياسكم، وهذا ظاهر. قالوا: وأيضًا فحكمُ الله بإيجاب الشيء يتضمَّن محبته له، وإرادته لوجوده، وعِلمَه بأنه أوجبه، وكلامَه الطلبيَّ والخبريَّ، وجعلَ فعلِه سببًا لمحبته لعبده ورضاه عنه وإثابته عليه، وتركِه سببًا لضد ذلك. ولا سبيل لنا إلى العلم بهذا إلا من خبر الله عن نفسه أو خبر رسوله عنه، فكيف يُعلَم ذلك بقياس أو رأي؟ هذا ظاهر الامتناع. قالوا: ولو كان القياس من حجج الله وأدلة أحكامه لكان حجةً في زمن النبي ﷺ كسائر الحجج، فلما لم يكن حجةً في زمنه ﷺ لم يكن حجة بعده. وتقرير هذه الحجة بوجهين: أحدهما أن الصحابة لم يكن أحد منهم يقيس على ما سمع منه ﷺ ما لم يسمع، ولو كان هو معقول النصوص لكان تعديةُ الحكم به وشمول المعنى كتعدية الحكم باللفظ وشموله لجميع أفراده. وذلك لا يختص بزمان دون زمان، فلما قلتم: لا يكون القياس في زمن النص، عُلِمَ أنه ليس بحجة.

стр. 679

الوجه الثاني: أن تعلُّقَ النصوص بالصحابة كتعلُّقها بمن بعدهم، ووجوب اتباعها على الجميع واحد. قالوا: ولأنَّا لسنا على ثقةٍ من عدم (١) تعليق الشارع الحكمَ بالوصف الذي يبديه القيَّاسون (٢) وأنه إنما علَّق الحكمَ بالاسم بحيث يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه؛ بل تعليقُ الحكم بالاسم تعليقٌ بما لنا طريقٌ إلى العلم به طردًا وعكسًا، بخلاف تعليقه بالوصف الشَّبَهي فإنه خَرْص وحَزْر، وما كان هكذا لم ترد به الشريعة. قالوا: ولأن الأصل عدمُ العمل بالظنون إلا فيما تيقَّنَّا أن الشرع أوجبَ علينا العملَ به [١٥٧/ب] للأدلة الدالة على تحريم اتباع الظن. فمعنا منعٌ يقينيٌّ من اتباع الظن، فلا نتركه إلا بيقين يوجب اتباعه. قالوا: ولأن تشابه الفرع والأصل يقتضي ألا يثبت الفرع إلا بما يثبت به الأصل، فإن كان القياس حقًّا لزم توقّفُ الفرع في ثبوته على النص كالأصل. فالقول بالقياس من أبين الأدلة على بطلان القياس. قالوا: ولأن الحكم لا يخلو إمَّا أن يتعلَّق بالاسم وحده، أو بالوصف المشترك وحده، أو بهما. فإن تعلَّق بالاسم وحده أو بهما بطل القياس. وإن تعلَّق بالوصف المشترك بينهما لزم أمران محذوران: أحدهما: إلغاء الاسم الذي اعتبره الشارع، فإن الوصف إذا كان أعمَّ منه وكان هو المستقِلَّ بالحكم كان الأخصُّ ــ وهو الاسم ــ عديمَ التأثير.

стр. 680

الثاني: أنه إذا كان الاسم عديم التأثير لم يكن جعلُ ما دلَّ عليه أصلًا لما سكت عنه أولى من العكس، إذ التأثير للوصف وحده. بل يلزم أن لا يكون هناك فرع وأصل، بل تكون الصورتان فردين من أفراد العموم المعنوي، كما يكون أفراد العام لفظًا كذلك، ليس بعضُها أصلًا لبعض. قالوا: ولا ريب أن البيان بالألفاظ العامة أعلى من البيان بالقياس، فكيف يعدل الشارع ــ مع كمال حكمته ــ عن البيان الجَليِّ إلى البيان الأخفى (١)؟ قالوا: ونسأل القيّاسين (٢) عن محلِّ القياس: أيجب في الشيئين إذا تشابها من كلِّ وجه، أم إذا اشتبها من بعض الوجوه وإن اختلفا في بعضها؟ فإن قال بالأول ترك قوله وادعى مُحالًا، إذ ما من شيئين إلا بينهما (٣) جامع وفارق، وإن قال بالثاني قيل له: فهلَّا حكمتَ [١٥٨/أ] للفرع بضدِّ حُكمِ الأصل من أجل الوجه الذي خالفه فيه؟ فإن كانت تلك جهةَ وفاق تدل على الائتلاف، فهذه جهة افتراق تدل على الاختلاف؛ فليس إلحاقُ صور النزاع بموجَب الوفاق أولى من إلحاقه بموجَب الافتراق. قالوا: ولا ينفعه الاعتذار بأنه متى وقع الاتفاق في المعنى الذي ثبت الحكمُ من أجله عديتُ الحكمَ، وإلا فلا. قيل له: إذا كان في الأصل عدة أوصاف، فتعيينُك أن هذا الوصف الذي من أجله شُرع الحكم قولٌ بلا علم. وقد عارضك فيه منازعوك، فادَّعوا أن الحكم شُرِع لغير ما ذكرتَ.

стр. 681

مثاله: أن الشارع لمّا نصَّ على ربا الفضل في الأعيان المذكورة في الحديث، فقال قائل: إن المعنى الذي حرم التفاضل لأجله هو الكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات= قال له منازعه: لا، بل هو (١) كونها مطعومة. فقال آخر: لا، بل هو كونها مُقتاتةً مدَّخرةً (٢). فقال آخر: لا، بل كونها تجري فيها الزكاة. فقال آخر: لا بل كونها جنسًا واحدًا. وكلُّ فريق يزعم أن الصواب ما ادّعاه دون منازعه، ويقدح فيما ادَّعاه الآخر. ولا يتهيأ له قدحٌ في قول منازعه، إلا ويتهيأ لمنازعه مثلُه أو أكثرُ منه أو دونه. فلو ظنَّ آخرون فقالوا: العلة كونه مما تُنبته الأرض، واحتجَّ بأن الله سبحانه امتنَّ على عباده بما تُنبته لهم الأرض، وقال (٣): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ وقال: إن من تمام النعمة فيه أن لا يباع بعضه ببعض متفاضلًا= لكان قوله واحتجاجه من جنس قول الآخرين [١٥٨/ب] واحتجاجهم. وما هذا سبيله، كيف (٤) يكون من الدين بسبيل؟ قالوا: وأيضًا فإذا كان النصُّ في الأصل قد دلَّ على شيئين: ثبوت الحكم فيه نطقًا، وتعديته إلى ما في معناه بالعلة؛ فإذا نُسِخ الحكم في الأصل هل يبقى الحكم في الفرع أو يزول؟ فإن قلتم: «يبقى» فهو محال، وإن قلتم: «يزول» تناقضتم؛ إذ من أصلكم أنَّ نسخَ بعضِ ما تناوله (٥) النص

стр. 682

لا يوجب نسخَ جميعِ ما تناوله، كالعامِّ إذا خُصَّ بعضُ أفراده لم يوجب ذلك تخصيصَ غيره. فإذا كان حكمُ الأصل قد دلَّ على شيئين، فارتفع أحدهما، فما الموجِب لارتفاع الثاني؟ وإن قلتم: «يثبت بالقياس ويرتفع بالقياس» قيل: إنما أثبتُّموه لوجود العلة الجامعة عندكم، والعلة لم تَزُل بالنسخ، وهي سبب ثبوته، وما دام السبب قائمًا فالمسبَّب كذلك. ولو زالت العلة بالنسخ لأمكن تصحيح قولكم. فإن قلتم: نسخُ حكمِ الأصل يقتضي نسخَ كونِ العلة علةً. قيل: هذه دعوى لا دليل عليها، فإن النصَّ اقتضى ثبوتَ حكم الأصل، وكونُ وصفِ كذا علةً مقتضٍ للتعدية (١) على قولكم، فهما حكمان متغايران؛ فزوال أحدهما لا يستلزم زوال الآخر. قالوا: ولو كان القياس من الدين لقال النبيُّ ﷺ لأمته: إذا أمرتُكم بأمر أو نهيتُكم عن شيء فقيسوا عليه ما كان مثلَه أو شِبْهَه؛ ولكان هذا أكثرَ شيء في كلامه، وطرقُ الأدلة عليه متنوعةً، لشدة الحاجة إليه، ولا سيما عند غلاة القيّاسين (٢) الذين يقولون: إن النصوص لا تفي بعُشْر معشار الحوادث. وعلى قول هذا الغالي الجافي [١٥٩/أ] عن النصوص، فالحاجةُ إلى القياس أعظمُ من الحاجة إلى النصوص، فهلّا جاءت الوصية باتباعه ومراعاته! والوصيةُ بحفظ (٣) حدود ما أنزل الله على رسوله وأن لا

стр. 683

تُتعدَّى (١). ومعلوم أن الله سبحانه حدَّ لعباده حدودَ الحلال (٢) والحرام بكلامه، وذمَّ من لم يعلم حدودَ ما أنزل الله على رسوله. والذي أنزله هو كلامه، فحدودُ ما أنزله (٣) الله هو الوقوفُ عند حدِّ الاسم الذي علَّق عليه الحِلَّ والحُرمةَ، فإنه هو المنزَّل على رسوله، وحدُّه: ما (٤) وُضِع له لغةً أو شرعًا، بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه، ولا يخرج منه شيء من موضوعه. ومن المعلوم أن حدَّ البُرِّ لا يتناول الخردل، وحدُّ التمر لا يدخل فيه البَلُّوط، وحدُّ الذهب لا يتناول القطن. ولا يختلف الناس أن حدَّ الشيء ما يمنع دخولَ غيره فيه، ويمنع خروجَ بعضه منه. وقد تقدَّم تقريرُ هذا، وأعدناه لشدة الحاجة إليه؛ فإنَّ أعلمَ الخلق بالدين أعلَمُهم بحدود الأسماء التي علَّق بها الحِلَّ والحُرمة. و الأسماء التي لها حدود في كلام الله ورسوله ثلاثة أنواع: نوعٌ له حدٌّ في اللغة، كالشمس والقمر، والبرّ والبحر، والليل والنهار. فمن حمل هذه الأسماء على غير مسمَّاها، أو خصَّها ببعضه، أو أخرج منها بعضه= فقد تعدَّى حدودها. ونوعٌ له حدٌّ في الشرع، كالصلاة والصيام والحج والزكاة والإيمان

стр. 684

والإسلام والتقوى ونظائرها. فحكمُها في تناولها لمسمَّياتها الشرعية كحكم النوع الأول في تناوله لمسماه اللغوي. ونوع له حدٌّ في العُرف، لم يحُدَّه الله ورسوله بحدٍّ غير المتعارف، ولا حدَّ له في اللغة، كالسفر، والمرض المبيح للترخُّص، والسَّفَه والجنون الموجِب للحَجْر، والشقاق الموجب لبعث الحكمين، والنشوز المسوِّغ لهجر الزوجة [١٥٩/ب] وضربها، والتراضي المسوِّغ لحِلِّ التجارة، والضِّرار المحرَّم بين المسلمين، وأمثال ذلك. وهذا النوع في تناوله لمسمَّاه العرفي كالنوعين الآخرين في تناولهما لمسمَّاهما. ومعرفة حدود هذه الأسماء ومراعاتها مغنٍ عن القياس غيرُ مُحْوِج إليه. وإنما يحتاج إلى القياس من قصَّر في معرفة (١) هذه الحدود، ولم يُحِطْ بها علمًا، ولم يُعطها حقَّها من الدلالة. مثاله: تقصير طائفة من الفقهاء في معرفة حدِّ الخمر حيث خصُّوه بنوع خاصٍّ من المسكرات، فلما احتاجوا إلى تقرير تحريم كلِّ مسكر سلكوا طريق القياس، وقاسوا ما عدا ذلك النوع في التحريم عليه. فنازعهم الآخرون في هذا القياس، وقالوا: لا يجري في الأسباب، وطال النزاع بينهم، وكثر السؤال والجواب. وكلُّ هذا من تقصيرهم في معرفة حدِّ الخمر، فإن صاحب الشرع قد حدَّه بحدٍّ يتناول كلَّ فرد من أفراد المسكر فقال: «كلُّ مسكِر خمر» (٢)، فأغنانا هذا الحدُّ عن باب طويل عريض كثير التعب من القياس، وأثبتنا التحريم بنصِّه لا بالرأي والقياس.

стр. 685

ومن ذلك أيضًا: تقصير طائفة في لفظ «الميسر»، حيث خصُّوه بنوع من أنواعه، ثم جاؤوا إلى الشِّطْرَنج مثلًا، فراموا تحريمه قياسًا عليه. فنازعهم آخرون في هذا القياس وصحته، وطال النزاع. ولو أعطوا لفظ الميسر حقَّه وعرفوا حدَّه لَعلِموا أن دخول الشطرنج فيه أولى من دخول غيره، كما صرَّح به من صرَّح من الصحابة والتابعين، وقالوا: الشطرنج من الميسر (١). ومن ذلك: تقصير طائفة في لفظ «السارق»، حيث أخرجوا منه نبَّاشَ القبور، ثم راموا قياسه [١٦٠/أ] في القطع على السارق، فقال لهم منازعوهم: الحدود والأسماء لا تثبت قياسًا، فأطالوا وأعرضوا في الردِّ عليهم. ولو أعطوا لفظ السارق حقَّه (٢) لرأوا أنه لا فرق في حدِّه ومسمَّاه بين سارق الأثمان وسارق الأكفان، وأن إثبات الأحكام في هذه الصور بالنصوص لا بمجرد القياس. ونحن نقول قولًا ندين الله به، ونحمد الله على توفيقنا له، ونسأله الثبات عليه: إن الشريعة لم تُحْوِجنا إلى قياس قطُّ، وإنَّ فيها غُنيةً وكفايةً عن كلِّ رأي وقياس وسياسة واستحسان، ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها. وقد قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. وقال علي: «إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه» (٣).

стр. 686

وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس: «اللهم فقِّهه في الدين، وعلِّمه التأويل» (١). وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ (٢). وقال عمر لأبي موسى: «الفهم الفهم» (٣). فصل قالوا: ومما يبيِّن فساد القياس وبطلانه تناقضُ أهله فيه، واضطرابُهم تأصيلًا وتفصيلًا. أما التأصيل، فمنهم من يحتجُّ بجميع أنواع القياس، وهي: قياس العلة، والدلالة، والشَّبَه، والطرد. وهم غلاتهم، كفقهاء ما وراء النهر وغيرهم، فيحتجُّون في طرائقهم على منازعهم في مسألة المنع من إزالة النجاسة بالمائعات بأنه مائع لا تبنى عليه القناطر، ولا تجري فيه السفن؛ فلا تجوز إزالة النجاسة به، كالزيت والشَّيْرَج (٤)، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي إلى التلاعب بالدين أقرب منها إلى تعظيمه. وطائفة تحتجُّ (٥) بالأقيسة الثلاثة دونه، وتقول: قياس العلة أن يكون

стр. 687

الجامع هو العلة التي لأجلها شُرِع الحكمُ في الأصل. وقياس الدلالة: أن يُجمَع بينهما بدليل [١٦٠/ب] العلة. وقياس الشَّبه: أن يتجاذب الحادثةَ أصلان: حاظر ومبيح، ولكلِّ واحد من الأصلين أوصاف، فتلحق الحادثة بأكثر الأصلين شبهًا بها؛ مثل أن يكون بالإباحة أشبهَ بأربعة أوصاف، وبالحظر بثلاثة؛ فيلحق بالإباحة. وقد قال الإمام أحمد في هذا النوع (١) في رواية أحمد بن الحسين: «القياس: أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كلِّ أحواله. فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال، فأردتَ أن تقيس عليه، فهذا خطأ. قد (٢) خالفه في بعض أحواله، ووافقه في بعضها. فإذا كان مثله في كلِّ أحواله، فما أقبلتَ (٣) به وأدبرتَ به، فليس في نفسي منه شيء» (٤). وبهذا قال أكثر الحنفية والمالكية والحنابلة. وقالت طائفة: لا قياس إلا قياس العلة فقط. وقالت فرقة بذلك، لكن (٥) إذا كانت العلة منصوصة. ثم اختلف القيّاسون (٦) في محل القياس، فقال جمهورهم: يجري في الأسماء والأحكام. وقالت فرقة: بل لا تثبت الأسماء قياسًا، وإنما محل

стр. 688

القياس الأحكام. ثم اختلفوا، فأجراه جمهورهم في العبادات واللغات والحدود والأسباب وغيرها. ومنعه طائفة في ذلك. واستثنت طائفة الحدود والكفارات فقط. واستثنت طائفة أخرى معها الأسباب. وكلُّ هؤلاء قسموه إلى ثلاثة أقسام: قياس أولى، وقياس مثل، وقياس أدنى. ثم اضطربوا في تقديمه على العموم أو بالعكس على قولين. واضطربوا في تقديمه على خبر الآحاد الصحيح، فجمهورهم قدَّم الخبر، وقال أبو بكر بن الفرج (١) القاضي وأبو بكر الأبهري (٢) المالكيان: هو مقدَّم على خبر الواحد. ولا يمكنهم ولا أحدًا (٣) من الفقهاء طردُ هذا القول [١٦١/أ] البتة، بل لا بدّ من تناقضهم. واضطربوا في تقديمه على الخبر المرسل، وعلى قول الصحابي. فمنهم من قدَّم القياس، ومنهم من قدَّم المرسل وقول الصحابي، وأكثرهم ــ بل كلُّهم ــ يقدِّمون هذا تارةً، وهذا تارةً. فهذا تناقضهم في التأصيل.

стр. 689

وأما تناقضهم في التفصيل، فنذكر منه طرفًا يسيرًا (١) يدل على ما وراءه من قياسِهم في المسألة قياسًا، وتركِهم فيها مثلَه أو ما هو أقوى منه، أو تركِهم نظيرَ ذلك القياس أو أقوى منه في مسألة أخرى، لا فرق بينهما البتة. فمن ذلك: أنهم أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقاسوا في أحد القولين عليه سائر الأنبذة، وفي القول الآخر لم يقيسوا عليه. فإن كان هذا القياس حقًّا فقد تركوه، وإن كان باطلًا فقد استعملوه، ولم يقيسوا عليه الخلَّ ولا فرق بينهما. وكيف كان نبيذ التمر «تمرةٌ طيبةٌ وماءٌ طهورٌ» (٢)، ولم يكن الخلُّ «عنبةٌ طيبةٌ وماءٌ طهورٌ»، والمرَقُ «لحمٌ طيِّبٌ وماءٌ طهور» (٣)؟، ونقيع المشمش والزبيب كذلك! فإن ادعوا الإجماع على عدم الوضوء بذلك، فليس فيه إجماع، فقد قال الحسن بن صالح بن حَيّ وحميد بن عبد الرحمن: يجوز الوضوء بالخَلِّ (٤). وإن كان الإجماع كما ذكرتم، فهلَّا قِستم المنعَ من الوضوء

стр. 690

بالنبيذ على ما أجمعوا عليه من المنع من الوضوء (١) بالخل؟ فإن قلتم: اقتصرنا على موضع النص ولم نقِس عليه، قيل لكم: فهلَّا سلكتم ذلك في جميع نصوصه، واقتصرتم على محالِّها الخاصة، ولم تقيسوا عليها! فإن قلتم: لأن هذا خلاف القياس، قيل لكم: فقد صرَّحتم أنَّ ما ثبت على خلاف القياس يجوز القياس عليه. ثم هذا يُبطِل أصل القياس، فإنه إذا جاز ورود الشريعة (٢) بخلاف القياس [١٦١/ب] عُلِمَ أن القياس ليس من الحق، وأنه عين الباطل، فإن الشريعة لا ترد بخلاف الحق أصلًا. ثم من قاعدتكم أن خبر الواحد إذا خالف الأصول لم يُقبَل. وفي أيِّ الأصول وجدتم ما يجوز التطهُّر (٣) به خارج المصر والقرية، ولا يجوز التطهُّر به داخلهما؟ فإن قالوا: اقتصرنا في ذلك على موضع النص، قيل: فهلَّا اقتصرتم به على خارج مكة فقط حيث جاء الحديث! وكيف ساغ لكم قياسُ الغسل من الجنابة في ذلك على الوضوء دون قياس داخل المصر على خارجه، وقياسُ العنبة الطيبة والماء الطهور، واللحم الطيب والماء الطهور، والدِّبس الطيب والماء الطهور= على الثمرة الطيبة والماء الطهور؟ فقِستم قياسًا، وتركتم مثله، وما هو أولى منه؛ فهلَّا اقتصرتم على مورد الحديث، ولا عدَّيتموه إلى أشباهه ونظائره!

стр. 691

ومن ذلك: أنكم قِستم على خبر مروي: «يا بني المطَّلب، إنَّ الله كرِه لكم غُسالةَ أيدي الناس» (١)، فقِستم على ذلك الماء الذي يتوضأ به، وأبحتم لبني المطَّلب غُسالة أيدي الناس التي نصَّ عليها الخبر. وقِستم الماء المستعمل في رفع الحدث ــ وهو طاهر لاقى أعضاء طاهرة ــ على الماء الذي لاقى العَذِرة والدم والمَيْتات. وهذا من أفسد القياس. وتركتم قياسًا أصحَّ منه، وهو قياسه على الماء المستعمل في محل التطهير (٢) من عضو إلى عضو ومن محل إلى محل، فأي فرق بين انتقاله من عضو المتطهر (٣) الواحد إلى عضوه الآخر (٤) وبين انتقاله إلى عضو أخيه المسلم؟ وقد قال النبي ﷺ : «مثَلُ المسلمين في توادِّهم وتراحُمهم كمثل الجسد الواحد» (٥). ولا ريب عند كلِّ عاقل أن قياس جسد المسلم

стр. 692

على [١٦٢/أ] جسد أخيه أصحُّ من قياسه على العَذِرة والجِيَف والمَيْتات والدم. ومن ذلك: أنكم قستم الماء الذي توضَّأ به الرجل على العبدِ الذي أعتقه في كفارته، والمالِ الذي أخرجه في زكاته. وهذا من أفسد القياس. وقد تركتم قياسًا أصحَّ في العقول والفِطَر منه، وهو قياسُ هذا الماء الذي قد أدَّى به عبادةً على الثوب الذي قد صلَّى فيه، وعلى الحصى التي رمَى بها (١) الجمار مرةً عند من يجوز منكم الرميُ بها ثانية، وعلى الحجر الذي استجمر به مرةً إذا غسله أو لم يكن به نجاسة. ومن ذلك: أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة، فلم تغيِّر له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، على الماء الذي غيَّرت النجاسة لونه وطعمه وريحه (٢). وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحسِّ. وتركتم قياسًا أصح منه، وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة. فقياس الوارد على المورود، مع استوائهما في الحدِّ والحقيقة والأوصاف، أصحُّ من قياس مائة رطل ماءً وقع فيها (٣) شعرةُ كلب على مائة رطل خالطها مثلُها بولًا وعَذِرةً، حتى غيَّرها. ومن ذلك (٤): فرَّقتم بين ماء جارٍ بقدر طرف الخنصر تقع فيه النجاسة فلم تغيِّره، وبين الماء العظيم المُستبحِر إذا وقع فيه مثلُ رأس الإبرة من

стр. 693

البول، فنجَّستم الثاني دون الأول. وتركتم محضَ القياس، ولم (١) تقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبير في غربيِّه نجاسةٌ على الجانب الشمالي والجنوبي، وكلُّ ذلك مماسٌّ لما قد تنجَّس عندكم مماسّة مستوية. وقاسوا باطن الأنف على ظاهره في غسل الجنابة، فأوجبوا الاستنشاق. ولم يقيسوه عليه في الوضوء [١٦٢/ب] الذي أمر رسول الله ﷺ فيه بالاستنشاق نصًّا (٢)، ففرَّقوا بينهما، وأسقطوا الوجوب في محلَّ الأمر به، وأوجبوه في غيره. والأمرُ بغسل الوجه في الوضوء كالأمر بغسل البدن في الجنابة سواء. ومن ذلك: أنكم قستم النسيان على العمد في الكلام في الصلاة، وفي فعل المحلوف عليه ناسيًا، وفيما يوجب الفدية من محظورات الإحرام كالطيب واللباس والحلق والصيد، وفي حمل النجاسة في الصلاة. ثم فرَّقتم بين النسيان والعمد في السلام قبل تمام الصلاة، وفي الأكل والشرب في الصوم، وفي ترك التسمية على الذبيحة، وفي غير ذلك من الأحكام. وقستم الجاهل على الناسي في عدّة مسائل، وفرَّقتم بينهما في مسائل أخر. ففرَّقتم بينهما فيمن نسي أنه صائم فأكل أو شرب، لم يبطل صومه؛ ولو

стр. 694

جهِل فظنَّ وجودَ الليل فأكل أو شرب فسد صومه؛ مع أن الشريعة تعذِر الجاهل، كما تعذِر الناسي أو أعظم. كما عذَر النبيُّ ﷺ المسيءَ في صلاته بجهله بوجوب الطمأنينة، فلم يأمره بإعادة ما مضى (١). وعذر المستحاضةَ (٢) بجهلها بوجوب الصلاة والصوم عليها مع الاستحاضة، ولم يأمرها بإعادة ما مضى (٣). وعذَر عديَّ بن حاتم بأكله في رمضان حين تبيَّن له الخيطان اللذان (٤) جعلهما تحت وسادته، ولم يأمره بالإعادة (٥). وعذَر أبا ذرٍّ بجهله بوجوب الصلاة إذا عدم الماء، فأمره بالتيمم، ولم يأمره بالإعادة (٦). وعذَر الذين تمعَّكوا في التراب كتمعُّك الدابة، لما سمعوا

стр. 695

فرضَ التيمم، ولم يأمرهم بالإعادة (١). وعذَر معاويةَ بن الحكم بكلامه في الصلاة [١٦٣/أ] عامدًا لجهله بالتحريم (٢). وعذَر أهلَ قباء بصلاتهم إلى بيت المقدس بعد نسخ استقباله لجهلهم بالناسخ، ولم يأمرهم بالإعادة (٣). وعذَر الصحابةُ والأئمةُ بعدهم مَن ارتكب محرَّمًا جاهلًا بتحريمه، فلم يحُدُّوه. وفرَّقتم بين قليلِ النجاسة في الماء، وقليلِها في الثوب والبدن، وطهارةُ الجميع شرط لصحة الصلاة. وترك الجميعُ صريحَ القياس في مسألة الكلب، فطائفةٌ لم تقِسْ عليه

стр. 696

غيره، وطائفة قاست عليه الخنزير وحده دون الذئب (١) الذي هو مثله أو شرٌّ منه. وقياسُ الخنزير على الذئب أصحُّ من قياسه على الكلب. وطائفة قاست عليه البغل والحمار، وقياسُهما على الخيل ــ التي هي قرينتهما في الذكرِ وامتنانِ الله سبحانه على عباده بما يركبونها (٢)، واتخاذِها زينةً، وملامسة الناس لها ــ أصحُّ من قياس البغل على الكلب، فقد علم كلُّ أحد أن الشبه بين البغل والفرس أظهر وأقوى من الشبه بينه وبين الكلب. وقياسُ البغل والحمار على السنَّور لشدَّة ملامستهما والحاجة إليهما وشُربهما من آنية البيت أصحُّ من قياسهما على الكلب. وقستم الخنافس والزنابير (٣) والعقارب والصِّرْدان (٤) على الذباب في أنها لا تنجَس بالموت لعدم (٥) النفس السائلة لها، وقلة الرطوبات والفضلات التي توجب التنجيس فيها. ونجَّس من نجَّس منكم العظام بالموت مع تعرِّيها من الرطوبات والفضلات جملة، ومعلوم أن النفس السائلة التي في تلك الحيوانات المقيسة أعظم من النفس السائلة التي في العظام.

стр. 697

وفرَّقتم بين ما شرِب منه الصقر والبازي والحِدَأة والعقاب والأحناش وسباع الطير، وما شرب منه [١٦٣/ب] سباع البهائم، من غير فرق بينهما. قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن الفرق في هذا بين سباع الطيور وسباع ذوات الأربع، فقال: أما في القياس فهما سواء، ولكني أستحسن في هذا (١). وتركتم صريح القياس في التسوية بين نبيذ التمر والزبيب والعسل والحنطة ونبيذ العنب، وفرَّقتم بين المتماثلين، لا فرق (٢) بينهما البتة، مع أن النصوص الصحيحة الصريحة قد سوَّت بين الجميع. وفرَّقتم بين مَن معه إناءان طاهر ونجس، فقلتم: يُريقهما ويتيمَّم، ولا يتحرَّى فيهما، ولو كان معه ثوبان كذلك تحرَّى (٣) فيهما، والوضوءُ بالماء النجس كالصلاة في الثوب النجس. ثم قلتم: فلو كان (٤) الآنية ثلاثة تحرَّى، ففرَّقتم بين الاثنين والثلاثة، وهو فرق بين متماثلين. وهذا على أصحاب الرأي، وأما أصحاب الشافعي ففرَّقوا بين الإناء الذي كلُّه بول وبين الإناء الذي نصفُه فأكثر بول، فجوَّزوا الاجتهاد بين الثاني والإناء الطاهر، دون الأول، وتركوا محض القياس في التسوية بينهما. وقِستم القيء على البول، وقلتم: كلاهما طعام أو شراب خرج من الجوف، ولم تقيسوا الجَشوة الخبيثة على الفسوة، ولم تقولوا: كلاهما ريح

стр. 698

خارجة من الجوف. وقستم الوضوء وغسل الجنابة على الاستنجاء وغسل النجاسة في صحته بلا نية. ولم تقيسوهما على التيمُّم، وهما أشبه به من الاستنجاء. ثم تناقضتم، فقلتم: لو انغمس جُنبٌ في البئر لأخذِ الدلو ولم ينو الغسل لم يرتفع حدثه، كما قاله أبو يوسف، ونقَض أصله في أن مسَّ الماء لبدن الجنب يرفع حدثه وإن لم ينوِ. وقال محمد: بل يرتفع حدثه، ولا يفسد الماء، فنقضَ أصله في فساد الماء الذي يرفع الحدث (١). وقستم التيمُّم إلى المرفقين [١٦٤/أ] على غسل اليدين إليهما، ولم تقيسوا المسح على الخفين إلى الكعبين على غسل الرجلين إليهما، ولا فرق بينهما البتة. وأهل الحديث أسعد بالقياس منكم، كما هم أسعد بالنص. وقستم إزالة النجاسة عن الثياب (٢) بالمائعات على إزالتها بالماء، ولم تقيسوا إزالتها من القذر بها على الماء، فما الفرق؟ ثم قلتم: تُزال من المخرجين بكلِّ مزيل جامد، ولا تُزال من سائر البدن إلا بالماء. وقلتم: تُزال من المخرجين بالروث اليابس، ولا تُزال بالرجيع اليابس، مع تساويهما في النجاسة. وقستم قليل القيء على كثيره في النجاسة، ولم تقيسوه عليه في كونه حدثًا. وقستم نوم المتورِّك على المضطجع في نقض الوضوء، ولم تقيسوا عليه نوم الساجد.

стр. 699

وتركتم محض القياس المؤيَّد بالسنّة المستفيضة في مسح العمامة ــ إذ هي (١) ملبوس معتاد ساتر لمحلِّ الفرض، يشقُّ نزعُه على كثير من الناس إما لحَنَكٍ أو لكُلّاب أو لبرد ــ على المسح على الخفين، والسنّة قد سوَّت بينهما في المسح، كما هما سواء في القياس، ويسقط فرضهما في التيمم. وقستم مسحَ الوجه واليدين في التيمُّم على الوضوء في وجوب الاستيعاب، ولم تقيسوا مسح الرأس في الوضوء على الوجه في وجوب الاستيعاب، والفعل والباء والأمر في الموضعين سواء. وقستم وجودَ الماء في الصلاة على وجوده خارجَها في بطلان صلاة المتيمِّم به، ولم تقيسوا القهقهة في الصلاة على القهقهة خارجها (٢). وفرَّقتم بين تقديم الزكاة قبل وجوبها فأجَزْتموه، وبين تقديم الكفَّارة قبل وجوبها فمنعتموه. وقستم وجهَ المرأة في الإحرام على رأس الرجل وتركتم [١٦٤/ب] قياس وجهها على يديها أو على بدن الرجل، وهو محض القياس وموجَب السنَّة، فإن النبي ﷺ سوَّى بين يديها ووجهها وبين بدن الرجل ووجهها (٣) حيث قال: «لا تلبس القُفَّازين ولا النقاب» (٤)، وكذلك قال: «لا يلبس

стр. 700

المُحرِم القميصَ ولا السراويل، ولا تنتقب المرأة» (١). فتركتم محض القياس وموجَب السنَّة. وقستم المزارعة والمساقاة على الإجارة الباطلة فأبطلتموها (٢)، وتركتم محض القياس وموجَب السنة، وهو قياسها على المضاربة والمشاركة، فإنها بها أشبه (٣) منها بالإجارة؛ فإنَّ صاحب الأرض والشجر يدفع أرضه وشجره لمن يعمل عليهما، وما رزق الله من نَماءٍ (٤) فهو بينه وبين العامل. وهذا كالمضاربة سواء، فلو لم تأت السنة الصحيحة بجوازها لكان القياس يقتضي جوازها عند القيّاسين (٥). واشترط أكثر من جوَّزها (٦) كونَ البذر من صاحب الأرض (٧)، وقاسها على المضاربة في كون المال من واحد والعمل من واحد. وتركوا محض القياس وموجَب السنة، فإن الأرض كالمال في المضاربة، والبذر يجري مجرى الماء والعمل فإنه يموت في الأرض؛ ولهذا لا يجوز أن يرجع إلى ربِّه مثل بذره، ويقتسما الباقي. ولو كان كرأس المال في المضاربة لجاز، بل

стр. 701

اشتُرِط أن يرجع إليه مثلُ بذره كما يرجع إلى ربِّ المال مثلُ ماله. فتركوا القياس كما تركوا موجَب السنة الصحيحة الصريحة وعمل الصحابة كلِّهم. وقستم إجارة الحيوان للانتفاع بلَبَنه على إجارة الخبز للأكل. وهذا من أفسد القياس، وتركتم محض القياس وموجَب القرآن، [١٦٥/أ] فإن الله سبحانه قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. فقياسُ الشاة والبقرة والناقة للانتفاع بلبنها على الظئر أصح وأقرب إلى العقل من قياس ذلك على إجارة الخبز للأكل، فإن الأعيان المستخلفة شيئًا بعد شيء تجري مجرى المنافع، كما جرت مجراها في المنيحة والعارية والضمان بالإتلاف. فتركتم محض القياس، وقستم على ما لا خفاء بالفرق بينه وبينه. وهو أن الخبز والطعام تذهب جملُته بالأكل ولا يخلُفه غيره، بخلاف اللبن ونفع (١) البئر، وهذا من أجلى القياس. وقستم الصَّداق على ما يقطع فيه يد السارق، وتركتم محض القياس وموجَب السنة، فإنه عقدُ معاوضة، فيجوز بما يتراضى عليه المتعاوضان ولو خاتمٍ (٢) من حديد. وقستم الرجلَ يسرق العينَ ثم يملكها بعد ثبوت القطع، على ما إذا ملكها قبل ذلك. وتركتم محضَ القياس وموجَب السنة، فإن النبيَّ ﷺ لم

стр. 702

يُسقِط القطع عن سارق الرداء بعدما وهبه إياه صفوانُ (١). وفرَّقتم بين ذلك وبين الرجل يزني بالأمة ثم يملكها، فلم تروا ذلك مُسقِطًا للحدِّ، مع أنه لا فرق بينهما. وقستم قياسًا أبعد من هذا، فقلتم: إذا قُطِع بسرقتها مرة، ثم عاد، فسرَقها= لم يُقطَع بها ثانيًا. وتركتم محض القياس على ما إذا زنى بامرأة، فحُدَّ بها، ثم زنى بها ثانيًا (٢) = فإن الحدَّ لا يسقط عنه. ولو قذَفه، فحُدَّ، ثم قذفه (٣) ثانيًا= لم يسقط عنه الحد. وقستم نذرَ صوم يوم العيد في الانعقاد ووجوب الوفاء، على نذر صوم اليوم القابل له شرعًا. وتركتم محض القياس وموجَب السنة، ولم تقيسوه على [١٦٥/ب] صوم يوم الحيض. وكلاهما غيرُ محلٍّ للصوم شرعًا، فهو بمنزلة الليل. وقستم وجعلتم المحتقِن بالخمر كشاربها في الفِطْر بالقياس، ولم تجعلوه كشاربها في الحدِّ.

стр. 703

وقاسُوا (١) الكافرَ الذميَّ والمعاهِدَ على المسلم في قتله به، ولم يقيسوه على الحربي في إسقاط القود. ومن المعلوم قطعًا أنّ الشَّبه الذي بين المعاهد والحربي أعظم من الشَّبه الذي بين الكافر والمسلم. والله سبحانه قد سوَّى بين الكفار كلِّهم في إدخالهم جهنم (٢)، وفي قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين، وفي عدم التوارث بينهم وبين المسلمين، وفي منع قبول شهادتهم على المسلمين، وغير ذلك؛ وقطَع المساواة بين المسلمين والكفار. فتركتم محض القياس ــ وهو التسويةُ بين ما سوَّى الله بينه ــ وسوَّيتم بين ما فرَّق الله بينه. ومن العجب أنكم قستم المؤمن على الكافر في جرَيان القصاص بينهما في النفس والطَّرَف، ولم تقيسوا العبد المؤمن على الحُرِّ في جرَيان القصاص بينهما في الأطراف، فجعلتم حرمةَ عدو الله الكافر في أطرافه أعظمَ من حرمة وليِّه المؤمن. وكأنَّ نقصَ العبودية (٣) الموجِبَ للأجرين عند الله أنقصُ عندكم من نقص الكفر! وقلتم: يُقتَل الرجل بالمرأة. ثم ناقضتم، فقلتم: لا يؤخذ طرفه بطرفها. وقلتم: يقتل العبد بالعبد وإن كانت قيمة أحدهما مائة درهم، وقيمة الآخر مائة ألف درهم (٤). ثم ناقضتم، فقلتم: لا يؤخذ طرفه (٥) بطرفه، إلا أن

стр. 704

تتساوى قيمتهما. فتركتم محض القياس، فإنَّ الله سبحانه ألغى التفاوت بين النفوس والأطراف في الفضل لمصلحة المكلَّفين، ولعدم ضبط التساوي. فألغيتم ما اعتبره الله سبحانه من الحكمة والمصلحة، واعتبرتم ما ألغاه [١٦٦/أ] من التفاوت. وقستم قوله: «إن كلَّمتُ فلانًا أو بايعتُه، فامرأتي طالق وعبدي حرّ» على ما إذا قال: «إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالق». ثم عدَّيتم ذلك إلى قوله: «الطلاق يلزمني لا أكلِّم فلانًا»، ثم كلَّمه. ولم تقيسوه على قوله: «إن كلَّمتُ فلانًا فعليَّ صومُ سنة، أو حجٌّ إلى بيت الله، أو فمالي صدقة»، وقلتم: هذا يمين، لا تعليق مقصود. فتركتم محض القياس، فإن قوله: «الطلاق يلزمني لا أكلِّم فلانًا» يمين، لا تعليق. وقد أجمع الصحابة على أن قصد اليمين في العتق يمنع من وقوعه، وحكى غيرُ واحد إجماع الصحابة أيضًا على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق إذا حنَث. وممن حكاه: أبو محمد بن حزم (١). وحكاه أبو القاسم (٢) عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التَّيمي (٣) المعروف بابن بَزِيزة (٤) في

стр. 705

كتابه المسمَّى بـ «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام» (١) في بابٍ ترجمتُه: «الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه»: «وقد قدَّمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي (٢) وغير ذلك: هل تلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشُرَيح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضَى بالطلاق على من حلَف به، فحنَث. ولا يعرف لعليٍّ في ذلك مخالف من الصحابة» (٣). قال (٤): «وصحَّ عن عطاء فيمن قال لامرأته: «أنتِ طالق إن لم أتزوَّج عليك»، قال: إن لم يتزوَّج عليها حتى يموت أو تموت فإنهما يتوارثان (٥). وهو قول الحَكَم بن عُتَيبة (٦)». ثم حكى (٧) عن عطاء فيمن حلف بطلاق امرأته ليضربنَّ زيدًا، فمات أحدهما أو ماتا معًا، فلا حنث عليه،
следующие страницы →