تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثاً (١)، كما كان يصوم الاثنين والخميس (٢).
وكان أحياناً يصوم مع بعض أصحابه، ويجلسون في المسجد، يقولون: نطهر صيامنا (٣).
قال أبو رافع: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، صَلاةَ الْعَتَمَةِ - أَوْ قَالَ: صَلاةَ الْعِشَاءِ - فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٤)، فَسَجَدَ فِيهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ!؟ فقال: سَجَدْتُ فِيهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُهَا حَتَّى أَلْقَاهُ (٥). وواضح أنَّ السجود المقصود هو سجود التلاوة في الآية الكريمة ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٦).
وكان يحب التطهر ويخشى الوقوع في المعصية،حتى أنه خشي على نفسه - وهو شاب في أول عهده بالرسول ﷺ أنْ يقع بالزنا، فقال: يا رسول الله ... إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِيَ الْعَنَتَ، وَلاَ أَجِدُ طَوْلاً أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، أَفَأَخْتَصِي؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى قَالَ ثَلاَثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ دَعْ» (٧)
أي كتب عليك ما أنت عليه، فاستسلم لذلك، أو لا تستسلم له، وليس هذا من باب التخيير بل من باب الردع، ليحمل أبا هريرة على الصبر، وعلى حفظ نفسه، ومهما يكن هذا الخبر، فإنه يدل على ورع أبي هريرة وتقواه، وحرصه على التزام طاعة الله ورسوله، وخشيته من الزلل في المعاصي فتقدم مضحياً بشهوته وبنفسه ليرضى عنه الله ورسوله، ولما عرف من رسول الله ﷺ حكم ما سأله، امتثل لأمره، والتزم الصبر والعبادة.
стр. 72
كان يخشى الله كثيراً سراً وعلانية، فإذا مَرَّتْ به جنازة، يقول: «رُوحِي فَإِنَّا غَادُونَ، أَوِ اغْدِي فَإِنَّا رَائِحُونَ، مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ، وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ، يَذْهَبُ الأَوَّلُ وَيَبْقَى الآخِرُ لا عَقْلَ لَهُ!!؟» (١).
وكان حريصاً على الاقتداء برسول الله في جُلِّ أعماله وتصرُّفاته وذكره وعبادته، من ذلك ما رواه الإمام أحمد عن الزهري عن أبي سلمة: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، وَيَقُولُ: «إِنِّي أَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢).
ومن هذا أيضاً ما رواه الترمذي بسنده عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى المَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى بِنَا أَبُو هُرَيْرَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَرَأَ سُورَةَ الجُمُعَةِ، وَفِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ (٣)، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيٌّ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالكُوفَةِ!؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِمَا» (٤).
ومن ذلك ما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، أيصلي أحدنا في ثوب؟ قال: أولكلكم ثوبان!؟ قال أبو هريرة: أتعرف أبا هريرة! يصلي في ثوب واحد، وثيابه على الشجب (٥).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُصَلِّي أَحَدُنَا فِي ثَوْبٍ؟ قَالَ: «أَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَتَعْرِفُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَثِيَابُهُ عَلَى الْمِشْجَبِ» (٥).
ونرى أبا هريرة يُحَدِّثُ مَنْ حوله عن رسول الله ﷺ : «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدَكُمْ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلاَ يَمْنَعْهُ، فَلَمَّا
стр. 73
حَدَّثَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، طَأْطَئُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» (١). لقد حدَّثهم في حسن الجوار ومعاملة الجار جاره، وحين رآهم مُعرضين اشتدَّ عليهم وأبى ألاَّ يعملوا ومعاملة الجار جاره، وحين رآهم معرضين اشتدَّ عليهم وأبى ألاَّ يعملوا طبقاً للسُنَّة وأحكامها وإنَّ قوله هذا وشدَّته، لا تقلُّ عن شِدَّة الفاروق عمر ﵁، وما أجمل عضبه لله ورسوله، الذي ظهر في عبارته «وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ». ومعنى قوله هذا: أنها كانت على ظهورهم وبين أكتافهم لا يقدرون أنْ يعرضوا عنها، لأنهم حاملوها (٢).
واختلف الفقهاء: أهذا حق على الجار لجاره واجب؟ أم هو أدب؟.
قال الخطابي في " المعالم " (٣٤٨٧) من " تهذيب السنن ": «عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ يَذْهَبُونَ فِي تَأْوِيلِهِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِيْجَابٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ وَحَسُنِ الْجَوَارِ، إِلاَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ رَآهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَقَالَ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ يَقْضُوا بِهِ عَلَى الجَارِ وَيُمْضُوهُ عَلَيْهِ إِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ» (٣). وقد أوصى الله ورسوله بالجار خيراً، لهذا كان على الجار أنْ يحسن جوار جاره، وأرى في مذهب الفقهاء ومذهب الإمام أحمد ما فيه مصلحة المسلمين جميعاً، وإنْ حمل الأمر فيه على الندب والأدب لا يمنع القاضي من أنْ يحكم بوجوب غرز الخشبة إذا وجد في ذلك مصلحة لأحدهما لا تضر بمصلحة الآخر.
وعن سعيد بن المسيب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَجُلٌ: كَمْ يَكْفِي رَأْسِي فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُبُّ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثًا». قَالَ: إِنَّ شَعْرِي كَثِيرٌ؟ قَالَ: «كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ وَأَطْيَبَ».
وكان يسيئه أنْ يرى بعض المُصَلِّينَ يتأخَّرُون يوم الجمعة في حضورهم إلى الجامع حتى يخطب الإمام، فيقول: «لأَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ،
стр. 74
خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْعُدَ، حَتَّى إِذَا قَامَ الإِمَامُ يَخْطُبُ، جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (١)، وفي قوله هذا دعوة المصلين إلى الحضور في أول الوقت، عملاً بالسُنَّة الشريفة، فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن الرسول ﷺ قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلائِكَةٌ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا فَاسْتَمَعُوا الذِّكْرَ» (٢)، وإلى جانب العمل بهذا الحديث، فإنَّ قول أبي هريرة صادر عن نفس طيِّبة، مرهفة الحسن، تشعر بشعور الآخرين، وتراعي إحساسهم، فقد أدرك ما في تخطي رقاب الناس من إزعاج المصلِّين، وإضاعة بعض الفائدة عليهم، فقال مقالته تلك.
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ». قَالَ أَبُو السَّائِبِ لأَبِي هُرَيْرَةَ: يا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الإِمَامِ؟ قَالَ أَبُو السَّائِبِ: فَغَمَزَ أَبُو هُرَيْرَةَ ذِرَاعِي، فَقَالَ: «يَا فَارِسِيُّ، اقْرَأْهَا فِي نَفْسِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ : قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ... » (٣). لقد أبى أبو هريرة إلاَّ أنْ يقف عند حديث رسول الله ﷺ ويؤمره في جميع أحواله،
стр. 75
وحض الناس على الاقتداء بالرسول الكريم، وعلى العمل بسُنَّته الطاهرة. وكان يطبق ذلك على نفسه وأهله، فقد سمع من الرسول ﷺ قوله: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ» (١)، فكان هذا ديدنه، يصوم النهار، ويقوم الليل، يقوم ثلث الليل، ثم يوقظ امرأته فتقوم ثلثه، ثم توقظ هذه ابنته لتقوم ثلثه (٢)، هكذا كانوا يتناوبون العبادة في الليل. وقد شهد بذلك ضيوفه وإخوانه، الذين خالطوه وعرفوه، وعاشوا معه.
وكان ورعاً تقياً يحب التقرُّب إلى الله، وكثيراً ما كان يقابل المسيء بالحُسنى، من هذا أنَّ زنجيَّة كانت له، قد غمتهم بعلمها، فرفع عليها يوماً السوط، ثم قال: «لَوْلاَ القِصَاصُ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَغْشَيْتُكِ بِهِ وَلَكِنِّي سَأَبِيعُكِ مِمَّنْ يُوَفِّينِي ثَمَنَكِ أَحْوَجَ مَا أَكُونُ إِلَيْهِ، اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ للهِ ».
وكان لأبي هريرة مسجد في مخدعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حُجرته، ومسجد على باب داره، إذا خرج صلَّى فيها جميعاً، وإذا دخل صلى فيها جميعاً (٤).
وكان يكثر من التسبيح والتكبير في أطراف النهار والليل، وكان يُسبِّحُ كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، ويقول: «أُسَبِّحُ بِقَدْرِ ذَنْبِي» (٥)، وكان يكثر الاستعاذة بالله من النار، ويُذَكِّرُ الناس بالله ، ويحثَّهُمْ على طاعته (٦).
وكثيراً ما كان يُحَذِّرُ الناس من فساد الزمان، فيقول: إذا رأيتم
стр. 76
ستاً فأنْ كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت، أخاف أنْ يدركني: إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون الدم، وقطعت الأرحام، وكثرت الجلاوزة، ونشأ نشء يتَّخذون القرآن مزامير (١).
ولم يكن نصحه للناس فقط، بل كان يطبِّق هذا على نفسه وأهله، من ذلك أنَّ ابنته كانت تقول له: «يَا أَبَتِ ... إِنَّ البَنَاتَ يُعَيِّرْنَنِي، يَقُلْنَ: لِمَ لاَ يُحَلِّيكِ أَبُوكِ بِالذَّهَبِ؟»، فيقول: «يَا بَنَيَّةَ .. قُولِي لَهُنََّّ: إِنَّ أَبِي يَخْشَى عَلَيَّ حَرَّ اللَّهَبِ» (٢). وأخباره في هذا الباب كثيرة، وأختم تمسُّكه بسُنَّة رسول الله ﷺ ، بما رواه سعيد بن المسيب عنه، قال: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا، إنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا حَرَامٌ» (٣).
...
فقره وعفافه:
كان أبو هريرة أحد أعلام الفقراء والمساكين، صبر على الفقر الشديد، حتى أنه كان يلصق بطنه بالحصى من الجوع، يطوي نهاره وليله من غير أنْ يجد ما يقيم صلبه، يروي أبو هريرة عن نفسه فيقول: «إِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، بِشَبَعِ بَطْنِي، حَتَّى لاَآكُلَ الخَمِيرَ، وَلاَ أَلْبَسَ الحَبِيرَ، وَلاَ يَخْدِمُنِي فُلاَنٌ وَفُلاَنَةٌ، وَإِنْ كُنْتُ لاَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ مِنْ كِتَاِب اللهِ هِيَ مَعِي، كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي» (٤)، ويقول: «وَكُنْتُ فِي سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الصُفَّةِ
стр. 77
ما منهم رجل عليه رداء، إما بُرْدَةٌ، أو كساء قد ربطوها في أعناقهم (١). ويشتدُّ بهم الألم من الجوع، فيخرج من بيته إلى المسجد، لا يخرجه إلاَّ الجوع، فيجد نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيقولون: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ .. مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَيَقُولُ: «مَا أَخْرَجَنِي إِلاَّ الْجُوعُ». فَقَالُوا: نَحْنُ وَاللَّهِ مَا أَخْرَجَنَا إِلاَّ الْجُوعُ. يقول أبو هريرة: فَقُمْنَا فَدَخَلْنَا عَلَى رسول الله ﷺ فقال: «مَا جَاءَ بِكُمْ هَذِهِ السَّاعَةَ؟» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَ بِنَا الْجُوعُ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا تَمْرَتَيْنِ فَقَالَ: «كُلُوا هَاتَيْنِ التَّمْرَتَيْنِ وَاشْرَبُوا عَلَيْهِمَا مِنَ الْمَاءِ فَإِنَّهُمَا سَتَجْزِيَانِكُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَكَلْتُ تَمْرَةً وَجَعَلْتُ تَمْرَةً فِي حُجْرَتِي. فقال رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لِمَ رَفَعْتَ هَذِهِ التَّمْرَةَ؟»، فَقُلْتُ: «رَفَعْتُهَا لأُمِّي». فَقَالَ: «كُلَّهَا فَإِنَّا سَنُعْطِيكَ لَهَا تَمْرَتَيْنِ». فَأَكَلْتُهَا فَأَعْطَانِي لَهَا تَمْرَتَيْنِ.!! (٢).
أقول: هكذا فليكن الأبناء، ونعم الابن أنت يا أبا هريرة. وكثيراً ما كان يؤلمه الجوع، فيخرُّ مغشياً عليه في مسجد الرسول ﷺ ، فيما بين منزل عائشة والمنبر، فيمرُّ به الرجل، فيظن به جنوناً، فيجلس على صدره، فيرفع أبو هريرة رأسه ليقول له: «لَيْسَ الَّذِي تَرَى، إِنَّمَا هُوَ الجُوْعُ» (٣).
ومِمَّا يقوله أبو هريرة: «إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ عَلَى طَرِيْقِهِمْ،
بَلَغَ أَهْلَهُ دَخَلَ وَتَرَكَنِي عَلَى الْبَابِ فَأَبْطَأَ، فَقُلْتُ: يَنْزِعُ ثِيَابَهُ ثُمَّ يَأْمُرُ لِي بِطَعَامٍ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَلَمَّا طَالَ عَلَيَّ، قُمْتُ فَمَشَيْتُ فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ خُلُوفَ فَمِكَ اللَّيْلَةَ لَشَدِيدٌ!!؟» فَقُلْتُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ ظَلَلْتُ صَائِمًا، وَمَا أَفْطَرْتُ بَعْدُ، وَمَا أَجِدُ مَا أُفْطِرُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَانْطَلَقَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَى بَيْتَهُ فَدَعَا جَارِيَةً لَهُ سَوْدَاءَ. فَقَالَ: «آتِينَا بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ». قَالَ: فَأَتَتْنَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا وَضَرٌ مِنْ طَعَامٍ - أُرَاهُ شَعِيرًا - قَدْ أُكِلَ وَبَقِيَ فِي جَوَانِبِهَا بَعْضُهُ - وَهُوَ يَسِيرُ - فَسَمَّيْتُ وَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ، فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ» (١).
وكان أبو هريرة يقول: «نَشَأْتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي، وَعُقْبَةِ (٢) رِجْلِي، فَكُنْتُ أَخْدُمُ إِذَا نَزَلُوا، وَأَحْدُو إِذَا رَكِبُوا، فَزَوِّجْنِيهَا اللَّهُ , فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا , وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا» (٣).
وقال إمام التابعين سعيد بن المسيب (١٣ - ٩٣ هـ): رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَطُوفُ بِالسُّوقِ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ، فَيَقُولُ: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟» فَإِنْ قَالُوا: لاَ، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ» (٤).
فلم يكن أبو هريرة نهماً ذا بطنة، وما كان في يوم عبداً لشهوة بطنه، بل كان يكتفي بما يعلِّلُ به نفسه، أو يمسك عليه رمقه، فإذا ما أصبح لديه خمس عشرة تمرة، أفطر على خمس، وتسحَّر بخمس، وأبقى خمساً لفطره (٥).
لقد صبر على الفقر طويلاً حتى أفضى به إلى الظل المديد، والخير الكثير، وبارك الله له في ماله، فكان كثير الشكر لله، يذكر دائماً أيام
стр. 80
فقره، ويذكِّرُ الناس نعم ربهم، ويدعوهم إلى الاقتداء برسول الله ﷺ ، من ذلك أنَّ أبا هريرة مَرَّ بقوم بين أيديهم شاة مصليَّة، فدعوه أنْ يأكل فأبى وقال: «إنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ»
(١).
وقال مضارب بن حزن: «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ تَحْتَ اللَّيْلِ، إِذَا رَجُلٌ يُكَبِّرُ، فَأُلْحِقُهُ بَعِيرِي، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ قَالَ: شُكْرٌ. قُلْتُ: عَلَى مَهْ؟ قَالَ: كُنْتُ أَجِيراً لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ ... فَزَوَّجَنِيهَا اللهُ!! فَهِيَ امْرَأتِي!!» (٢).
ويأتيه ضيوف، فيبعث إلى أمه: «إِنَّ ابْنَكِ يُقْرِئُكِ السَّلاَمَ وَيَقُولُ: أَطْعِمِينَا شَيْئًا» فَتُرْسِلُ إِلَيْهِ ثَلاَثَةَ أَقْرَاصٍ فِي الصَحْفَةِ، وَشَيْئًا مِنْ زَيْتٍ وَمِلْحٍ، فَلَمَّا وَضَعَهَا رَسُولُهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، كبَّر أبو هريرة، وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا مِنَ الْخُبْزِ , بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامُنَا إِلاَّ الأََسْوَدَيْنِ: التَّمْرَ وَالْمَاءَ» (٣).
ويتمخَّطُ في ثوب من كتان مُمَشَّقٍ، فيقول: «بَخٍ بَخٍ!! يَتَمَخَّطُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الْكَتَّانِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، يَجِيءُ الجَائِي يَرَى أَنَّ بِيَ جُنُوناً، وَمَا بِي إِلاَّ الجُوعُ» (٤)!!.
...
كرم أبي هريرة:
كان أبو هريرة عفيف النفس مع فقره، فياض اليد، مبسوط الكف، جواداً، يحب الخير، ويكرم الضيوف، لا يبخل بما بين يديده، وإنْ كان قليلاً، فلم يحمله فقره على الشح، ولم يجعله دنيء النفس، يتكفَّفُ الناس ..
стр. 81
بل آثر أنْ يأكل الجوع بطنه من أنْ يأكل هو فتات الموائد، وفضلات الطعام، وفي عسره كله كان ضيف الإسلام وضيف رسول الله وصحبه، حتى إذا ما يسَّر الله عليه لم يجعله غناه قاسي القلب، تحجِّر الفؤاد، بل كان علماً من أعلام الجود والكرم.
قَالَ الطُّفَاوِيُّ: «نَزَلْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِالمَدِيْنَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمْ أَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ رَجُلاً أَشَدَّ تَشْمِيراً، وَلاَ أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ». (١).
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِي: «قَالَ تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعًا (٢) فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلاَثًا».
كان أبو هريرة طيِّب الأخلاق، صافي السريرة، يحب الخير، حتى أنه تصدَّق بدار له في المدينة على مواليه (٣)!!.
ويكفيه من الكرم أنْ يتصدَّق بكل ما تيسَّر له، ويظهر هذا فيما يرويه لنا كاتب مروان بن الحكم، قال: بَعَثَ مَرْوَانُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمَّا كَانَ الغَدُ بَعَثَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي غَلَطْتُ، وَلَمْ أُرِدْكَ بِهَا، وَإِنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ غَيْرَكَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «قَدْ أَخْرَجْتُهَا، فَإِذَا خَرَجَ عَطَائِي فَخُذْهَا مِنْهُ -». وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا - وَإِنَّمَا أَرَادَ مَرْوَانُ اخْتِبَارَهُ (٤)!!.
ذلكم أبو هريرة في فقره وغناه، في عسره ويسره، كان يفعل كل هذا لا يريد جزاءً ولا شُكُوراً، يبتغي وجه الله بعمله، وكان على ذلك منذ أيامه الأولى في الإسلام، فيوم هاجر مسلماً إلى رسول الله ﷺ في المدينة، كان له غلام قد أبق منه، ولقي أبو هريرة رسول الله ﷺ ، وأعلن إسلامه، وإذا بغلامه يأتي، فيقول
стр. 82
رسول الله ﵊: «هَذَا غُلاَمُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ». فَيَقُولُ: «هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ» فَيُعْتِقُهُ (١).
لقد أعتق أبو هريرة مملوكه قربة لله، فرحاً مسروراً، وهو أحوج ما يكون إليه، فعوَّضهُ اللهُ خيراً منه، الإسلام وصُحبة رسول الله ﷺ ، وفي هذا قُرَّةُ عَيْنٍ له، وسعادة أبدية، تفوق كل سعادة.
وكان يحب أنْ يتصدَّق من ماله، ليشعر بالراحة النفسية، وينال أجره مرتين، قيراط لعمله وآخر لصدقته، يُرْوَى عنه أنه قَالَ: دِرْهَمٌ يَكُوْنُ مِنْ هَذَا - وَكَأَنَّهُ يَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ - أَتَصَدَّقُ بِهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مائَةِ أَلْفٍ، وَمائَةِ أَلْفٍ، وَمائَةِ أَلْفٍ، مِنْ مَالِ فُلاَنٍ» (٢).
...
ولايته في عهد عمر ﵁ -:
كان رسول الله ﷺ ، قد أرسل أبا هريرة مع العلاء الحضرمي إلى البحرين لينشر الإسلام ويُفَقِّهَ المسلمين ويُعلِّمهم أمور دينهم، فَحَدَّثَ عن رسول الله ﷺ وأفتى الناس.
وفي عهد عمر ﵁ استعمله على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: «اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَعَدُوَّ كِتَابِهِ؟.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «فَقُلْتُ لَسْتُ بِعَدُوَّ اللَّهِ، وَلاَ عَدُوَّ كِتَابِهِ، وَلَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا».
قَالَ: «فَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟». قُلْتُ: «خَيْلٌ نَتَجَتْ، وَغُلَّةُ رَقِيقٍ لِي، وَأُعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ عَلَيَّ».
стр. 83
فَنَظَرُوا، فَوَجَدُوا كَمَا قَالَ (١).
وفي رواية عنه: «خَيْلٌ لِي تَنَاتَجَتْ وَسِهَامٌ لِيَ اجْتَمَعَتْ. فَأَخَذَ مِنِّي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا».
وفي رواية همام بن يحيى، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طليحة: أنَّ عمر قال لأبي هريرة: كيف وجدت الإمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها، وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين، قال: أظلمت أحداً؟ قال: لا. قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفاً. قال: من أين أصبتها؟ قال: كنت أتجر. قال: انظر رأس مالك ورزقك، فخذه واجعل الآخر في بيت المال (٣).
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: «كَيْفَ وَجَدْتَ الإِمَارَةَ؟» قَالَ: «بَعَثْتَنِي وَأَنَا كَارِهٌ، وَنَزَعْتَنِي وَقَدْ أَحْبَبْتُهَا». وَأَتَاهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، قَالَ: «أَظْلَمْتَ أَحَدًا؟» قَالَ: «لاَ» ... قَالَ: «فَمَا جِئْتَ بِهِ لِنَفْسِكَ؟» قَالَ: «عِشْرِينَ أَلْفًا». قَالَ: «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَهَا؟»، قَالَ: «كُنْتُ أَتَّجِرُ»، قَالَ: «انْظُرْ رَأْسَ مَالِكٍ وَرِزْقَكَ، فَخُذْهُ وَاجْعَلِ الآخَرَ في بيت المال» (٣).
فقد قاسمة عمر ﵁ مع جملة من العُمَّال، وكان أبو هريرة يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَمِيرِِ المُؤمِنِينَ» (٤).
وبعد ذلك دعاه عمر ليوليه، فأبى، فقال: «تَكْرَهُ الْعَمَلَ وَقَدْ طََلَبَ العَمَلَ مَنْ كَانَ خَيْراً مِنْكَ، يُوسُفُ ﵇!؟».
فقال: «يُوسُفُ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ بْنُ أُمَيْمَةَ، وَأَخْشَى مِنْ عَمَلِكُمْ ثَلاَثاً وَاثْنَتَيْنِ». قَالَ: «فَهَلاَّ قُلْتَ خَمْساً؟». قَالَ: «لاَ، أَخَافُ أَنْ أَقُوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَقْضِيَ بِغَيْرِ حِلْمٍ، وَأَنْ يُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُنْزَعَ مَالِي، وَيُشْتَمَ عِرْضِي» (٥).
...
стр. 84
أبو هريرة وفتنة عثمان:
كان أبو هريرة يوم حصار عثمان ﵁ عنده في الدار مع بعض الصحابة وأبنائهم الذين جاءوا ليدفعوا الثوار عن عثمان ﵁ وكان عِدَّةُ من في الدار من المهاجرين والأنصار قريباً من سبعمائة رجل، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان، وأبو هريرة وخلق من مواليه، ولو تركهم عثمان لمنعوه. إلاَّ أنه كان مسالماً فقال لهم: «أُقْسِمَ عَلَى مَنْ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ أَنْ يَكُفَّ يَدَهُ، وَأَنْ يَنْطَلِقَ إِلَى مَنْزِلِهِ» ... وَقَالَ لِرَقِيقِهِ: «مَنْ أَغْمَدَ سَيْفَهُ فَهُوَ حُرٌّ. فَبَرُدَ الْقِتَالُ مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ، وَحَمِيَ مِنْ خَارِجٍ» (١)، وكان فيما قاله عثمان لمن عنده في الدار: «فَأُحَرِّجُ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَسْتَقْتِلَ أَوْ يُقَاتِلَ» ... فتقدَّموا فقاتلوا ولم يسمعوا قوله فبرز الغيرة بن الأخنس و ... و ... وأقبل أبو هريرة والناس محجمون فقال: هذا يوم طاب فيه الضرب، ونادى: يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (٢).
وكان أبو هريرة إذن يدافع عن أمير المؤمنين في أشدِّ ساعات الفتنة، بل بقي عنده حتى الرمق الأخير ... وقد أجمعت كل الروايات على وجود أبي هريرة بين الذين دافعوا عن عثمان ﵁ ومعه أعيان الصحابة وبعض أولادهم إلاَّ أنَّ عثمان أبى أنْ يقاتلوا حتى أنه لما مات أبو هريرة كان ولد عثمان يحملون سريره حتى بلغوا البقيع حفظاً بما كان من رأيه في عثمان (٣)، كما أمر معاوية واليه على المدينة بأنْ يحسن جوار ورثة أبي هريرة لأنه كان مِمَّنْ ينصر عثمان وكان معه في الدار (٤).
...
стр. 85
أبو هريرة في عهد عَلِيٍّ ﵁ -:
بعد وفاة عثمان ﵁ لم يذكر المؤرِّخُون الثقات أبا هريرة في شيء مِمَّا جرى من الحوادث بين سَنَةَ خمس وثلاثين وسَنَةَ أربعين، التي استشهد فيها أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب ﵁ اللهم إلاَّ ما رواه زياد بن عبد الله البكائي عن عوانه (بن الحكم الكلبي) أنَّ معاوية أرسل بسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز - وكان ذلك سَنَةَ أربعين - ودخل المدينة وعليها عامل عَلِيٍّ يومئذٍ أبا أيوب الأنصاري، فَفَرَّ، وطلب بسر البيعة لمعاوية وأتى مكة ثم اليمن، وقتل في اليمن جماعة كثيرة من شيعة عَلِيٍّ ﵁ فلما بلغ عَلِيًّا خبر بسر وجه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فهرب بسر وأصحابه، فطلب جارية البيعة لأمير المؤمنين ولما بلغه استشهاده طلبها للحسن، «وأتى المدينة وابو هريرة يُصلِّي بهم فهرب منه فقال جارية: والله لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه» وأخذ البيعة للحسن بن عَلِيٍّ، وأقام يومه ثم انصرف إلى الكوفة وعاد أبو هريرة فصلَّى بهم (١).
إنَّ فرار أبي هريرة من جارية لا يعني قط أنه كان أميراً على المدينة من قبل معاوية، إنما فَرَّ بنفسه خافة بطش قائد فاتح.
وأما غضب جارية عليه فلا يعني أنه كان خصماً لِعَلِيٍّ ﵄، ومؤيداً لمعاوية، فقد يكون غضبه لأنه علم إمامته للناس في صلواتهم حين غاب عن المدينة أبو أيوب الأنصاري ﵁، الذي كان أمير المدينة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، فظنَّ فيه ظن السوء ... وأراد البطش به، في حين أنه قدم للصلاة بالناس لجلالة قدره.
والراجح القوي أنَّ أبا هريرة اعتزل هذه الفتن، وحثَّ الناس على اعتزلها، إذ كان يروي عن رسول الله ﷺ قوله:
стр. 86
«سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» (١).
ولم يثبت عن أبي هريرة أنه اشترك في تلك الفتن والخلافات، وأما ما ذكره أبو جعفر الإسكافي من أنَّ أبا هريرة كان مع النعمان بن بشير في قدومه من دمشق إلى عَلِيٍّ ﵁ في المدينة، لرفع القتال، وحقن دماء المسلمين، على أنْ تكون الشام ومصر لمعاوية، والحجاز والعراق لعَلِيٍّ، فهذا الخبر لم يصح، ولم يروه مؤرِّخٌ ثقة قط، ولم أجده إلاَّ في " شرح نهج البلاغة " (٢)، عن أبي جعفر من غير سند، فكيف نحكم على صحته مع مخالفته لصحيح الأخبار؟.
ولو سلَّمنا جدلاً بصحة هذا الخبر، فإنه لا يدل على اشتراك أبي هريرة في الفتنة، كما لا يدل على تحزُّبه لمعاوية أو لعَلِيٍّ ﵄، وإنما يدل على حياده التام، وعلى إجلال الصحابة له، وعلى مكانته عند عَلِيٍّ ومعاوية ﵄ مِمَّا حمله على محاولة طيبة، وهي إيقاف القتال، وحقن الدماء، ودعوة الفريقين إلى الصلح والسلام. وأنَّ هذه المحاولة تدل على سمو أخلاق أبي هريرة، وحرصه على جمع كلمة المسلمين ونبذ الخلاف، والرجوع إلى الحق.
وبالرغم من أنَّ هذا الخبر لا يدل قطعاً على تشيع أبي هريرة لأحد الفريقين، بل يدل على مكانته ومنزلته بين المسلمين، بالرغم من هذا فإننا نتوقَّف عن الأخذ به إلى أنْ يصح في مصدر موثوق به.
والثابت عن أبي هريرة ﵁ حُبَّهُ لأهل البيت، فقبل صفحات ذكرت حبه للحسن بن عَلِيٍّ ﵃ أَجْمَعِينَ -، وقد روى مساور مولى بني سعد بن بكر قال: رأيت أبا هريرة قائماً في المسجد يوم مات
стр. 87
الحَسَنِ يَبْكِيَ وَيُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ .. مَاتَ الْيَوْمَ حِبُّ رَسُولِ الْلَّهِ ﷺ فَابْكُوْا» (١)
وأنكر أبو هريرة ﵁ على مروان بن الحكم منع دَفْنَ الحسن في حُجْرَةِ السيدة عائشة ﵂ جانب جَدِّهِ ﷺ ، وأصغى الحسين ﵁ إليه وكاد ينزل عند رأيه (٢).
...
أبو هريرة أمير المدينة:
بعد استشهاد أمير المؤمنين عَلِيٍّ ﵁، بايع الحسن بن عليٍّ ﵄ معاوية بن أبي سفيان. وتنازل له عن الخلافة، فاجتمعت كلمة المسلمين، وانتشر السلام في أنحاء الدولة الإسلامية، وأرسل معاوية ولاته إلى الأمصار والمدن، وكان مروان بن الحكم وَالِيهِ على المدينة، فإذا ما غضب معاوية عليه استعمل أبا هريرة عليها، وإذا غضب على أبي هريرة بعث مروان وعزله (٣).
وكان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة حين يتوجَّهُ إلى الحج في ولايته لمعاوية (٤). وقد كانت ولاية مروان من سَنَةِ [٤٢ هـ] إلى أنْ عزله معاوية سَنَةَ [٥٧ هـ] أو سَنَةَ ثمان وخمسين (٥)، وقد حَجَّ مروان بالناس في ولايته هذه مرتين سَنَةَ [٥٤ و ٥٥]، فيكون استخلافه أبا هريرة على المدينة إما في إحدى هاتين السنتين وإما في كليهما (٦).
تلك لمحة موجزة عن أبي هريرة، من خلال الأحداث التي جرت في عهد عثمان ﵁، وعهد أمير المؤمنين عليٌّ بن أبي طالب
стр. 88
- ﵁ إلى وفاته في آخر خلافة معاوية، وقد كثرت تلك الأحداث مِمَّا أدَّى إلى صعوبة تَقَصِّي سيرة الرجال، وخاصة النواحي السياسية، وذلك لكثرة الروايات واختلافها تارة، أو لقلَّتها وغموضها تارة أخرى.
وخلاصة سيرة أبي هريرة فيها، أنه لم يرض في عهد عثمان أنْ تقوم الفتنة وتراق الدماء، ويثور الناس على الخليفة الثالث من غير حُجَّةٍ ولا دليل، فكان مع عثمان ﵁ يوم الدار، واعتزل ما دار بين أمير المؤمنين عليٌّ بن أبي طالب وأمير الشام معاوية بن أبي سفيان ﵄، وتولَّى أحياناً إمرة المدينة أيام معاوية، إما أصالة أو خلافة لمروان بن الحكم أيام حَجِّهِ.
...
أبو هريرة والجهاد في سبيل الله:
كنت ذكرتُ أنَّ أبا هريرة هاجر من اليمن إلى المدينة المنوَّرة أيام غزوة خيبر، وقد وصل إليها والرسول الكيم لا يزال في خيبر، فلحق به مع إخوانه اليمنيِّين المهاجرين، وعلى رأسهم الطُفيل بن عمرو، فسُرَّ بهم الرسول، وأسهم لهم، وجعلهم في ميمنته، وجعل شعارهم «مبرور» (١).
فكانت خيبر أول مشاهد أبي هريرة مع الرسول الكريم، وإنْ كان قد وصلها بعد انتهاء القتال، ثم شهد مع الرسول ﷺ جميع غزواته بعد خيبر.
وكان الرسول ﷺ ينتدبه أحياناً في بعض بعوثه، من هذا ما رواه الإمام أحمد بسنده عن سليمان بن يسار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ، فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلانًا وَفُلانًا - لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ - فَأَحْرِقُوهُمَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: «إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ
стр. 89
تُحْرِقُوا فُلانًا وَفُلانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللهُ ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» (١).
وقد يرسله ﷺ في سرية ويودعه، من هذا ما أخرجه ابن ماجه في باب تشييع الغزاة ووداعهم، بسنده عن أبي هريرة قال: وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، «أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لاَ تَضِيعُ وَدَائِعُهُ» (٢).
ولم يترك أبو هريرة الجهاد في سبيل الله بعد وفاة الرسول الكريم وكيف يتركه؟ وقد سمع النبي ﷺ يقول: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ» (٣)، كما سمع قوله ﷺ : «لاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مُنْخُرَيْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلاَ يَجْتَمِعُ شُحٌّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (٤).
فإذا ما دعت الحاجة إلى الجاد، رأينا أبا هريرة في صفوف الجند يدافع في سبيل الله، وأول وقعة يحضرها أبو هريرة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، هي حرب الرِدَّةِ، أخرج الإمام أحمد بسنده عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى» قال: فلما كانت الرِدَّةُ قال عمر لأبي بكر: تقاتلهم وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا؟ قال: فقال أبو بكر: والله لا أفرِّقُ بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلنَّ من فرَّقَ بينهما، قال: فقاتلنا معه فرأينا ذلك رشداً (٥). القائل هو أبو هريرة.
فَلَمَّا كَانَتِ الرِّدَّةُ، قَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ: تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كَذَا، وَكَذَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٌ: وَاللَّهِ لاَ أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلاَّةِ، وَالزَّكَاةِ، وَلأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: فَقَاتَلْنَا مَعَهُ فَرَأَيْنَا ذَلِكَ رُشْدًا (٥). والقائل هو أبو هريرة».
стр. 90
ويذكر لنا ابن عساكر أنَّ أبا هريرة شهد وقعة اليرموك (١).
وقد ذكر أبو القاسم السهمي - المتوفَّى سَنَةَ ٤٢٧ هـ - أبا هريرة ﵁ في عداد من دخل «جُرْجَانْ» من الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وقد فتحت «جُرْجَانْ» في عهد أمير المؤمنين عمر ﵁ سنَةَ [١٨ هـ] (٢).
وذكر الرافعي في " التدوين في ذكر أخبار قزوين " أنَّ سلمان الفارسي وَرَدَ كُور قزوين مع أبي هريرة ﵄ عند منصرفهما من الباب، وكان سلمان ﵁ والياً بالمدائن، وتوفيَ بها في خلافة عثمان ﵁، وقيل في خلافة عَلِيٍّ ﵁ سَنَةَ ستٍ وثلاثين (٣).
وروى الرافعي بسنده عن منصور بن عبد الحميد بن راشد - وكان قديم السن من أهل مرو - قال: رأيت أبا هريرة صاحب رسول الله ﷺ بقزوين عليه عمامة بيضاء قد خضب بالصفرة، وهذه الرواية تعتضد بروايات أخرى تؤكِّدُ على ورود أبي هريرة «قَزْوِينْ» (٤).
ونلمس حُبَّهُ للجهاد في سبيل الله، والاستشهاد تحت لواء الإسلام، فيما يرويه الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةَ الْهِنْدِ، فَإِنْ أَدْرَكْتُهَا أَنْفَقْتُ فِيهَا نَفْسِي وَمَالِي، فَإِنِ اسْتُشْهِدْتُ كُنْتُ مِنْ خَيْرِ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ رَجَعْتُ فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرِّرُ» (٥).
...
стр. 91
مرح أبي هريرة ومُزاحه:
لم يكن أبو هريرة جافاً قاسي القلب، خشن الطباع، سيء المعشر، بل كان طيِّب النفس، حسن الخلق، صافي السريرة، وربما كان الفقر والصبر عليها هُما اللذان جعلا منه الإنسان المرح، يُسَرِّي عن نفسه بمزاحه أحياناً همومها ومُصابها، ومع هذا فقد كان يعطي لكل شيء حقَّهُ، لا يخاف في الله لومة لائم، سواء أكان أميراً أم فرداً من الرعية فقيراً، فقد نظر إلى الدنيا بعين الراحل عنها، فلم تدفعه الإمارة إلى الكبرياء، بل أظهرت تواضعه وحُسن خلقه.
وربما استخلفه مروان على المدينة، فيركب حماراً، قد شدَّ عليه برذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، يسير فيلقى الرجل، فيقول: «الطَّرِيقَ .. قَدْ جَاءَ الأَمِيرُ» (١).
ويمر أبو هريرة في السوق، يحمل الحطب على ظهره - وهو يومئذٍ أمير لمروان - فَيَقُولُ لِثَعْلَبَةَ بْنَ أَبِي مَالِكٍ: «أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ يَا ابْنَ أَبِي مَالِكٍ، فَيَقُولُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ .. يَكْفِي هَذَا!! فَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةُ: أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ وَالْحِزْمَةُ عَلَيْهِ!!» (٢).
نعم الأمير أنت يا أبا هريرة، وليخلد الإسلام الذي سَوَّى بين أميره وفقيره، حتى أنَّ أحد أفراد الرعية، ينازع الأمير طريقه، ويلزمه بما يكفيه ليمر والحطب على ظهره، فهل بعد هذا عدالة وتواضع؟ وهل وراء ذلك صفاء سريرة وطيب نفس!!؟
وكأنِّي أرى أبا هريرة - وقد فهم نفسية الأطفال، وعرف أنَّ من
стр. 92
حاجاتها الأولى المداعبة والمزاح - يتيح لهم ذلك، بل يداعبهم ليضحكهم، ويدخل السرور إلى نفوسهم، يوم لم يعرف التاريخ الطرق التربوية المعاصرة، وقبل أنْ يخلق رواد التربية الحديثة بعشرة قرون، وقبل أنْ تجمع مجلدات التربية نظريات (موننوسوري) و (جون ديوي) وغيرهما ...
فقد يرى الصبية يعلبون في الليل لعبة الغراب، فيتسلَّلُ بينهم، وهم لا يشعرون، حتى يلقي بنفسه بينهم، ويضرب برجليه (الأرض) كأنه مجنون، يريد بذلك أنْ يضحكهم، فيفزع الصبيان منه، ويفرُّون هَهُنَا وهَهُنَا، يتضاحكون (١).
كان يحب مداعبة أصحابه، بلطف وأدب، دعابة تقبلها النفوس الطيبة وترى فيها ما يجدد النشاط، وما يدخل عليها السرور والحبور، فهو في ذلك يروِّح عن نفسه وعن غيره، من غير أنْ يمس شعور الآخرين بما يسيء إليهم.
من ذلك ما يرويه لنا ابو رافع فيقول: وربما دعاني أبو هريرة إلى عشائه بالليل، فيقول: «دَعِ الْعُرَاقَ لِلأَمِيرِ»، فَأَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ ثَرِيدٌ بِالزَيْتٍ (٢)!!.
...
قبسٌ من أخلاقه:
كَانَ مَرْوَانُ يَسْتَخْلِفُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيَكُونُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأُمُّهُ فِي بَيْتٍ وَهُوَ فِي آخَرَ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ وَقَفَ عَلَى بَابِهَا فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكِ
стр. 93
يَا أُمَّتَاهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَتَقُولُ: وَعَلَيْكَ يَا بُني وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَيَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ كَمَا رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا. فَتَقُولُ: رَحِمَكَ اللَّهُ كَمَا بَرَرْتَنِي كَبِيرًا، ثُمَّ إِذَا أراد أن يدخل صنع مثله (١).
قال محمد بن سيرين: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْلَةً، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي هُرَيْرَةَ، وَلأُمِّي، وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُمَا» قَالَ مُحَمَّدٌ: «فَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُ لَهُمَا؛ حَتَّى نَدْخُلَ فِي دَعْوَةِ أَبِي هريرة» (٢).
لقد امتثل لحديث رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حين سأله رجل فقال: مَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «بَرَّ أُمَّكَ»، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: «بَرَّ أُمَّكَ»، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: «بَرَّ أُمَّكَ»، ثُمَّ عَادَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: «بَرَّ أُمَّكَ» ثُمَّ عَادَ الخَامِسَةَ فَقَالَ: «بَرَّ أَبَاكَ» (٣). ولازم أبو هريرة أمَّهُ ولم يَحُجَّ حتى ماتت لصُحبتها (٤).
وكان يدعو الناس إلى الخير ويحملهم على حُسن الأخلاق، من ذلك ما رواه البخاري عنه أَنَّهُ أَبْصَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ لأَحَدِهِمَا: «مَا هَذَا مِنْكَ؟» فَقَالَ: أَبِي، فَقَالَ: «لا تُسَمِّهِ بِاسْمِهِ، وَلاَ تَمْشِ أَمَامَهُ، وَلاَ تَجْلِسْ قَبْلَهُ
» (٥).
وكان يقول: «مَنْ لَقِيَ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ حَائِطٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ» (٦)، كما قال: «أَبْخَلُ النَّاسِ الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلامِ، وَإِنَّ أَعْجَزَ النَّاسِ وَإِنَّ أَعْجَزَ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ بِالدُّعَاءِ» (٧).
وكان يدعو إلى صلة القربى، وينهى عن قطع الرحم من هذا ما رواه البخاري عن أبي أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ - مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - قَالَ جَاءَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «أُحَرِِّجُ عَلَى كُلِّ قاطِع رحِم لمَا قَامَ من
стр. 94
عندِنْا. فلم يَقُم أحدٌ حتى قال ثَلاَثًا: فَأَتَى فَتًى عَمَّّةً لَهُ قَدْ صرَمَها منذُ سَنَتَيْنِ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: لَهُ يَا ابن أَخِي! مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَسَلْهُ لمَ قَالَ ذَاكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَض عَلَى اللَّهِ ﵎ عشيةَ كُلِّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلاَ يقبلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ» (١).
وكان يحرص على ألاَّ يسيء إلى إنسان، فكان يعامل إخوانه وجُلساءَهُ معاملة حسنة، وبرفق وبلطف، لا يجرح أحداً بكلمة نابية، أو عبارة قاسية، حتى إِذَا اسْتَثْقَلَ جَلِيسًا لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُ وَأَرِحْنَا مَنْهُ فِي عَافِيَةٍ» (٢).
وكان يحض الناس على التسامح والتجاوز عن أخطاء بعضهم وعيوب غيرهم من ذلك قوله: «يَبْصُرُ أَحَدُكُمْ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَيَنْسَى الجَذَلَ - أَوْ الجَذَعض - فِي عَيْنِ نَفْسِهِ» (٣).
وكان متواضعاً، ومن حسن أخلاقه يؤاكل الصبيان (٤) ويعطف عليهم.
ومن تواضعه أنه ما كان يمشي على البساط بنعله، فقد عقد الخطيب البغدادي فقرة في كتابه الجامع تحت عنوان (استحباب المشي على البساط حافياً) وذكر سبب ذلك، وقال: وذلك أيضاً من التواضع وحسن الأدب ... ثم روى بسنده عن عقبة بن أبي حسناء اليمامي قال: «دَعَوْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ إِلَى مَنْزِلِي، وَفِي مَنْزِلِي بِسَاطٌ مَبْسُوطٌ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى خَلَعَ نَعْلَيْهِ ثُمَّ مَشَى عَلَى الْبِسَاطِ» (٥).
...
стр. 95
مرض أبي هريرة:
مرض أبو هريرة فعاده مروان بن الحكم، وقال له: «شَفَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ فَأَحِبَّ لِقَائِي» ... قَالَ فَمَا بَلَغَ مَرْوَانُ أَصْحَابَ القَطَانِينِ حَتَّى مَاتَ (١).
وكان ينصح الناس، ويأمرهم بالمعروف، ويُحَذِرُهُمْ من مساوىء الزمان، وإقبالهم على الدنيا، وهو على فراش الموت.
فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ أَبَا هُرَيْرَةَ»، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «اللَّهُمَّ لاَ تُرْجِعُنِي»، - أَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ - , ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا سَلَمَةَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَمُوتَ فَمُتْ، فَوَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الْعُلَمَاءِ زَمَنٌ يَكُونُ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنَ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَأْتِي الرَّجُلُ قَبْرَِ الْمُسْلِمِ , فَيَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ» (٢).
وبكى أبو هريرة في مرضه، فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة؟ قال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه
وَبَكَى أَبُو هُرَيْرَةَ فِي مَرَضِهِ , فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لاَ أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنِّي أَبْكِي لِبُعْدِ سَفَرِي وَقِلَّةِ زَادِي!! أَصْبَحْتُ فِي صُعُودٍ مُهْبِطَةٌ عَلَى جَنَّةٍ أَوَنَارٍ فَلاَ أَدْرِي إِلَى أَيِّهِمَا يُسْلَكُ بِي» (٣).
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمَّا حَضَرَتْهُ المَنِيَّةُ: «لاَ تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلا تَتَّبِعُونِي بِنَارٍ وَأَسْرِعُوا بِي إِسْرَاعًا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 96
وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ - عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: قَدِّمُونِي. وَإِذَا وُضِعَ الْكَافِرُ - أَوِ الْفَاجِرُ - عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: يَا وَيْلَتِي أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي» (١)؟ وكان أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا مِنْ مَرَضٍ يُصِيبُنِي أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الْحُمَّى، لأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنِّي، وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي كُلَّ عُضْوٍ قِسْطَهُ مِنَ الأَجْرِ» (٢).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا مِنْ مَرَضٍ يُصِيبُنِي أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الْحُمَّى، لأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنِّي، وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي كُلَّ عُضْوٍ قِسْطَهُ مِنَ الأَجْرِ
...
وفاته:
اختلف في وفاته على أقوال:
قال هشام بن عروة: أبو هريرة وعائشة ماتا سَنَةَ سبع وخمسين، وهو رأي المدائني وعلي بن المديني.
قال أبو معشر: توفي سَنَةَ ثمان وخمسين (٣).
قال الواقدي وأبو عبيد: مات سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سَنَةٍ وقد صَلَّى على عائشة في رمضان سَنَةَ ثمان وخمسين وعلى أم سلمة في شوال سَنَةَ تسع وخمسين، ثم توفي بعد ذلك فيها.
...
مناقشة هذه الروايات:
قال ابن حجر بعد أنْ ذكر رواية الواقدي - وفيها أنه توفي سَنَةَ [٥٩]- هذا من أغلاط الواقدي الصريحة، فإنَّ أم سلمة إلى سَنَةِ إحدى وستين، ثبت في " صحيح مسلم " ما يدل على ذلك .. والظاهر أنَّ التي صلى عليها ثم مات
стр. 97
معها في السَنَة هي عائشة، كما قال هشام بن عروة أنهما ماتا في سَنَةٍ واحدة (١).
أقول: إنَّ خطأ الواقدي في وفاة أم سلمة، لا يستلزم خطأه في وفاة أبي هريرة.
وقال ابن كثير: «وَالصَّوَابُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ تَأَخَّرَتْ بَعْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ» (٢) ..
كان من الممكن أنْ ترجَّح رواية هشام بن عُروة على غيرها لمكانته عند عائشة وقرابته منها. إلاَّ أنه لم يذكر أحد أنها توفيت سَنَةَ سبع وخمسين، واشتهرت وفاة عائشة في سَنَةِ ثمان وخمسين (٣). فإذا توفي أبو هريرة في السَنَةِ التي توفيت فيها عائشة كانت سَنَةَ وفاته عام [٥٨] ولو تأخَّر عنها فترة ما تتحقَّق وفاته سَنَةَ تسع وخمسين وهي الأشهر.
وقد كان على المدينة الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان بعد أنْ عزل معاوية مروان سَنَةَ سبع وخمسين (٤)، فصلَّى عليه، وحضر جنازته من الصحابة عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخُدري، وشهدها أيضاً مروان بن الحكم، وكان ابن عمر يسير أمامها ويكثر الترحم عليه (٥).
وكان ولد عثمان يحملون سريره، حتى بلغوا البقيع، حفظاً بما كان من رأيه في عثمان ﵁ (٦).
وكتب الوليد بن عتبة إلى معاوية بوفاته، فكتب إلى الوليد: ادفع
стр. 98
لورثته عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، فإنه كان مِمَّنْ ينصر عثمان، وكان معه في الدار (١).
...
أسرته:
كان أبو هريرة قد تزوَّج من بُسرة بنت غزوان، أخت الأمير عٌتبة بن غزوان الصحابي المشهور [٤٠ ق هـ - ١٧ هـ] (٢)، وذلك بعد وفاة رسول الله ﷺ على الأرجح، وكثيراً ما كان يشكر الله ويحمده على زواجه منها (٣).
أما أولاده فهم أربعة، ثلاثة ذكور: المحرر، وعبد الرحمن وبلال (٤)، وبنت لم يذكر لنا التاريخ اسمها (٥)، تزوَّجها سعيد بن المسيب إمام التابعين، وأحد الأعلام في العلم والعبادة والورع (٦).
وقد توفي المحرر بن أبي هريرة بالمدينة في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكان قد روى عن أبيه، وعن عمر بن الخطاب مرسلاً، وعن عبد الله بن عمر، وروى عنه ابنه مسلم، وابن شهاب الزُهري، وعامر الشعبي وابن عقيل وعطاء وعكرمة، ومصعب، وعبد الله بن محيريز، وغيرهم، وكان قليل الحديث (٧).
...
стр. 99
الفصل الثاني: حياته العلمية:
- حرصه على الحديث.
- أبو هريرة والقضاء.
- أمله علم لا ينسى.
- شيوخه ومن روى عنهم.
- مجالسه ونشره للحديث.
- عدَّةُ من روا عنه من الحديث.
- كثرة حديثه وسعة علمه.
- نماذج من روايته.
- حفظ أبي هريرة.
- الثناء على أبي هريرة.
- حضه على صيانة الحديث من الكذب.
- أصح الطرق عن أبي هريرة.
- أبو هريرة والفتوى.
стр. 100
الفصل الثاني: حياته العلمية:
стр. 101
بين يدي الفصل:
صحب أبو هريرة رسول الله ﷺ أربع سنوات، بعد غزوة خيبر، وكان قد زاد على الثلاثين سَنَةٍ، أقام معه حتى توفي ﷺ ، يدور معه في بيوت نسائه، يخدمه ويصلي خلفه، يحُجُّ ويغزو معه، لا ينقطع عن مجالسه، بل كان المسجد مقامه، والرسول ﷺ إمامه، فعرف كثيراً من سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، وشاهد دقائق السُنَّة ووعى تطبيق الشريعة، فأرسله رسول الله ﵊ مع العلاء الحضرمي إلى البحرين، فكان مؤذناً وإماماً، عرف رسول الله ﷺ حرصه على الحديث، وحُبَّهُ للعمل فكان لا يتأخَّر في إجابته عما يسأل، ويدعو له.
وربما تبدو صحبة أبي هريرة قليلة بالنسبة لما يروى عنه من علم جم كثير، إلاَّ أنَّ ملازمته الدائمة لرسول الله ﷺ ، وحرصه على طلب العلم وسعيه وراء ذلك، يدفع أي شك يرد على مروياته.
وقد غضب من مروان بن الحكم مرة، عندما قال له: أكثرت على رسول الله ﷺ الحديث.!! فقال أبو هريرة: «كُنْتُ وَاللَّهِ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ، كُنْتُ وَاللَّهِ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ، قَدْ وَاللَّهِ سَبَقَنِي قَوْمٌ بِصُحْبَتِهِ، وَالْهِجْرَةِ إِلَيْهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ، فَكَانُوا يَعْرِفُونَ لُزُومِي لَهُ، فَيَسْأَلُونِي عَنْ حَدِيثِهِ، مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَلاَ وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ كُلُّ حَدِيثٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلَةٌ، وَكُلُّ صَاحِبٍ لَهُ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صَاحِبَهُ فِي الْغَارِ، وَغَيْرُهُ ... » (١) ثم قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «لِيَسْأَلْنِي أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ
стр. 102
هَذَا وَأَشْبَاهِهِ، فَإِنَّهُ يَجِدُ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمًا جَمًّا وَمَقَالاً» (١).
فلم يعد مروان لمثل ذلك، بل كان يخافه ويخاف جوابه.
...
حرصه على الحديث:
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : مَاذَا رَدَّ إِلَيْكَ رَبُّكَ فِي الشَّفَاعَةِ؟ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِي، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا يَهُمُّنِي مِنَ انْقِصَافِهِمْ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ (٢)، أَهَمُّ عِنْدِي مِنْ تَمَامِ شَفَاعَتِي، وَشَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مُخْلِصًا، يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ، وَلِسَانُهُ قَلْبَهُ» (٣)، وفي رواية: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (٤).
لقد شهد رسول الله ﷺ لأبي هريرة ﵁ بحرصه على الحديث، فنعم تلك الشهادة، وهنيئاً لمن شهد له بذلك، وشهد بعض الصحابة بأنه كان جريئاً يسأل رسول الله ﷺ ما لا يسأله غيره، من هذا قول أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيئًا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، عَنْ أَشْيَاءَ لاَ نَسْأَلُهُ عَنْهَا» (٥).
وَكَانَ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ (٦). وكان يُصَرِّحُ بهذا إلى رسول الله - صَلََّى اللهُ
стр. 103
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويؤكِّدُ له سروره وفرحه بحضور مجالسه ﷺ .
من هذا ما رواه الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ» قَالَ: قُلْتُ: أَنْبِئْنِي عَنْ أَمْرٍ إِذَا أَخَذْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: «أَفْشِ السَّلاَمَ، وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ، وَصِلِ الأَرْحَامَ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، ثُمَّ ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلامٍ» (١).
لقد كان أبو هريرة يشعر بدافع داخلي ذاتي، وإحساس ضمني نحو رسول الله ﷺ ، الذي تطيب نفسه برؤيته ﵊، وينشرح صدره لحديثه، لهذا كثيراً ما نرى أبا هريرة يبذل جهده في خدمة رسول الله ﷺ حتى أنه كان يحمل له الماء لقضاء حاجته، وهو في هذا كله ينهل من المعين الصافي، الكثير الطيب، يسأل الرسول تارة، ويسمع منه أخرى، ويجالسه حيناً، ويراه أحياناً؛ فيتعلم دقيق أحكام الشريعة وعظيمها، من هذا ما أخرجه أبو داود بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءٍ (٢) ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهِ فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ (٣)، فَقَالَ: «اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطَ، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ». أحب أبو هريرة أنْ يقدم للرسول ﷺ ساعة
стр. 104
الإفطار، ما يثلج صدره، ويطفئ ظمأه فصنع له (خشافاً) كهذا الذي نصنعه في رمضان من التمر والتين، إلاَّ أنَّ نبيذ (خشاف) أبي هريرة تخمَّر، فأمره رسول الله ﷺ بطرحه.
إنَّ مثل هذه الوقائع التي كانت تقع لأبي هريرة ولغيره، لا يمكن أنْ ينساها لأنها تمثل جزءًا من حياته، بل تمثِّل فترة بارزة من عمره، عاش فيها مع الرسول الكريم، ورأى بعينه، وسمع بأذنه، ووعى بقلبه. وقد شعر أبو هريرة بالسعادة تخالط نفسه، وبالإيمان يملأ قلبه لملازمته رسول الله ﷺ ، وكان كثيراً ما يشكر الله تعالى على هذه النعمة فيقول: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَى أَبَا هُرَيْرَةَ للإِسْلام، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ أَبَا هُرَيْرَةَ الْقُرْآنَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بمُحَمَّدٍ ﷺ » (١). هنيئاً لك يا أبا هريرة بهذا كله وهنيئاً لجميع المسلمين به أيضاً، بل لتهنأ الإنسانية برسول الإنسانية العظيم، وبرسالته الخالدة التي أرادها الله رحمة للعالمين.
وكان أبو هريرة من أكثر الصحابة حرصاً على الحديث، روى الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي خَمْسَ خِصَالٍ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ، أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟» قَالَ: قُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا» ثُمَّ قَالَ: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» (٢).
وفي الحقيقة رأينا هذا الحديث ينطبق تماماً على أبي هريرة حينما عرضنا بعض أخبار التزامه للسُنَّة، والحرص عليها، وتأسِّيه دائماً بالرسول، والامتثال لأوامره، وطبعي أنْ يكون أبو هريرة أحد أعلام الصحابة
стр. 105
العظام، وطبعي أنْ نراه في منزله رفيعة سامية، بعد أنْ عاش سنوات مع الرسول الكريم لا يفارقه فيها، يتخرَّج في حلقاته، وينهل من علمه.
وقد عرف الرسول ﷺ حرص أبي هريرة على الحديث، فكان كثيراً ما يحدثه، من هذا ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ﵁، قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي نَخْلٍ لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ، إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: حَثَا بِكَفَّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ -، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، وَلاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ» ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ النَّاسِ عَلَى اللهِ؟، وَمَا حَقُّ اللهِ عَلَى النَّاسِ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ» (١)، وغير ذلك من الأخبار التي تؤكِّدُ كثرة تحمُّله عن الرسول ﷺ .
...
أمله علم لا يُنْسَى:
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: عَلَيْكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنِّي بَيْنَمَا أنا وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَفُلاَنٌ فِي الْمَسْجِدِ، ذَاتَ يَوْمٍ نَدْعُو اللهَ، وَنَذْكُرُ رَبَّنَا خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا فَسَكَتْنَا فَقَالَ: «عُودُوا لِلَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ» قَالَ زَيْدٌ: فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبَيَّ قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِنَا، ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ هَذَانِ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 106
«آمِينَ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ: «سَبَقَكُمْ بِهَا الْغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ» (١).
...
مجالسه ونشره الحديث:
كان أبو هريرة يُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ في المدينة المنورة، وفي مكة المكرمة، كما حَدَّثَ في دمشق، وحفظ عن أهلها، وحَدَّثَ في العراق والبحرين، وكان يُحَدِّثُ حيثما حل، ويفتي الناس بما سمع من الرسول الكريم ﵊ ومن يتتبَّع حديثه يرى أنه قد جعل بيته معهداً للمسلمين يتردَّدُون إليه، ليسمعوا حديث رسول الله ﷺ (٢)، كما كان يستقبل طلاب العلم في أرضه بالعقيق (٣)، ويُحدَّثُهُمْ ويكرمهم، ويدخل السرور عليهم بما أنعم الله عليه من حُسن المعشر، ولطيف الخلق، وكثرة العلم والخير.
وكانت أكثر مجالسه في المسجد النبوي إلى جانب الحُجرة المشرفة، وقد عرف الناس فضله ومكانته، فكانوا يرجعون إليه في كثير من أمورهم، وكان يفتي بوجود علماء الصحابة، وكان بعض الصحابة كزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس يحيلون السائل عليه، لأنهم عرفوا علمه واتقانه، فعن معاوية بن أبي عياش الأنصاري، أنه كان جالساً مع ابن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن بكير، فسأل عن رجل طلَّق ثلاثاً قبل الدخول، فبعثه إلى أبي هريرة، وابن عباس - وكانا عند عائشة - فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، قد جاءتك معضلة، فقال: «الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلاَثُ تُحَرِّمُهَا» (٤).
стр. 107
ونقل لنا أبو داود عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، سُئِلُوا عَنِ الْبِكْرِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا ثَلاَثًا؟ فَكُلُّهُمْ قَالُوا: «لاَ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١).
وروى أبو داود عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا، قَالَ: أَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ» (٢). لما رأى عمر الناس يتابعون إيقاع الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد، استشار الصحابة في أنْ يجيزوها ثلاثاً زجراً لهم. فأوقعها عمر ثلاثاً (٣)، والظاهر من فتوى أبي هريرة أنها كانت بعد أنْ أجرى عمر ﵁ إيقاع الثلاث زجراً للناس.
وكان حُبُّهُ لرسول الله ﷺ يظهر من خلال حديثه عنه، فكان أحياناً يقول: «حَدَّثَنِي الصَّادِقُ المَصْدُوقُ»، وأحياناً: «حَدَّثَنِي خليلي أبو ألقاسم»، ومَرَّةً يقول: «حَدَّثَنِي حَبِيبِي مُحَمَّدٌ ﷺ »، وقد يقول: «قَالَ ﷺ فَتَخْنَقُهُ عَبْرَةُ الذِّكْرَى وَيَنْهَضُ مِنْ مَجْلِسِهِ» (٤).
وكان يبتدئ حديثه بحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ». روى عاصم بن كليب عن أبيه قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: - وكان يبتدئ حديثه بأنْ يقول -: قال رسول الله، أبو القاسم الصادق المصدوق: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (٥).
стр. 108
ويصف لنا مُحَمَّدٌ بنِ عُمَارَةَ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ مَجْلِساً لأَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُ: أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِسٍ فِيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَفِيْهِ مَشْيَخَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحَدِيْثِ، فَلاَ يَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يَعْرِفُهُ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَاراً. قَالَ: «فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ أَحْفَظُ النَّاسِ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ » (١).
وقد وثق الناس بأبي هريرة وعرفوا مكانته، فكانوا يتواعدون لينطلقوا إليه، فيسمعوا حديثه عن رسول الله ﷺ ، من ذلك ما رواه مكحول قال: «تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قُبَّةٍ من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة، فحدَّثهُم عن رسول الله ﷺ حتى أصبح» (٢).
وعن محمد بن سيرين «أنَّ أبا هريرة كان يقوم كل خميس فيُحَدِّثَهُمْ» (٣).
وعن عاصم بن محمد عن أبيه قال: «رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر، ويقول: «حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ»، فلا يزال يُحَدِّثُ حتى يسمع فتح باب المقصورة لخروج الإمام فيجلس» (٤).
وقد عرف الصحابة والتابعون سعة علمه، ومكانته من الرسول ﷺ ، فكانوا لا يرونه في مكان إلاَّ اجتمعوا حوله ينهلون من علمه، ولم يقتصر ذلك على المدينة فحسب، بل تعدَّاهُ إلى الشام والعراق، روى الإمام أحمد عن سفيان بن عُيينة قال: قال إسماعين بن أبي خالد،
стр. 109
عَنْ قَيْسٍ،قَالَ: نَزَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِالكُوفَةِ، - قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلاَنَا قَرَابَةٌ، قَالَ سُفْيَان وَهُوَ مَوْلَى لأَحْمَس - فَاجْتَمَعَتْ أَحْمَس، قَالَ قَيْس: فَأَتَيْنَاهُ نُسَلِّمُ عَلَيْهِ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَأَتَاهُ الْحَيُّ -، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَؤُلاَءِ أَنْسِبَاؤُكَ أَتَوْكَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكَ، وَتُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: مَرْحَبًا بِهِمْ وَأَهْلاً، صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ثَلاَثَ سِنِينَ، لَمْ أَكُنْ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِيَ الْحَدِيثَ مِنِّي فِيهِنَّ، حَتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «وَاللهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلاً فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً أَغْنَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ» (١).
وكان أبو هريرة حريصاً جداً على تبليغ العلم ونشره، وبيان السُنَّة في أية فرصة تسنح له، من هذا ما رواه ابن ماجه بسنده عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَمْشِي فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » (٢).
وكان أبو هريرة دقيقاً ضابطاً لما يحفظ عن الرسول ﷺ يعزو ما يُحَدِّثُ به عن رسول الله إلى الرسول الكريم ﵊، ويعزو قول غيره إلى قائله، وإذا قال في شيء برأيه قال: «هَذِهِ مِنْ كَيْسِي» (٣). وقد ثبت هذا بأدلة كثيرة، وأخبار عدَّة منها ما رواه بكير بن الأشج قال: قال لنا بشر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ ، وَيُحَدِّثُنَا عن كبعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا، يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب،
стр. 110
وحديث كعب عن رسول الله ﷺ . فاتقوا الله وتحفظو امن الحديث (١)
وقد يؤكِّدُ أحياناً صحة ما يرويه عن رسول الله ﷺ فيقول: «يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَدَمُهُ» (٢) لأنه على يقين مِمَّا يقول، فقد سمع بأذنه، ووعى قلبه وذكر بلسانه.
وقد يسأله بعض الحضور: أسمعت هذا من رسول الله؟ فيقول: نعم. ويُبَيِّنُ أنَّ ذلك ليس رأيه، من ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو القارئ، قال: سمعت أبا هريرة يقول: لاَ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، مَا أَنَا قُلْتُ: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ يَصُومُ» .. «مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْبَيْتِ قَالَهُ، مَا أَنَا نَهَيْتُ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، مُحَمَّدٌ نَهَى عَنْهُ وَرَبِّ الْبَيْتِ» (٣).
وربما جلس إلى حُجرة عائشة، فيُحَدِّثُ ثم يقول: يا صاحبة - وفي رواية يا أمه - أتنكرين مِمَّا أقول شيئاً؟ قال ابن عباس: فلما قضت صلاتها، لم تنكر ما رواه، لكن قالت: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ سَرْدَكُمْ (٤). فلم تنكر عليه حفظه، أو سماعه عن النبي ﵊ إنما أنكرت سرده الحديث.
وكان أبو هريرة ﵁ يُبَيِّنُ أهمية فهم ما يسمعه المرء، ومكانة الفقه من الدين، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ». قال أبو هريرة: «لأََنْ أَفْقَهُ سَاعَةً أَحَبُّ إِلَيَّ