٣ - «البيان الجامع لعلوم القرآن»:
يقع في ثلاثمائة جزء، وذكر الحافظ الذهبي أنه قرأ تسمية مؤلفات أبي داود بخط تلميذه، وذكر من بينها البيان الجامع لعلوم القرآن، وقال:
إنه يقع في ثلاثمائة جزء» (١).
وذكره أيضا الحافظ ابن الجزري وغيره (٢).
٤ - «كتاب التبيين لهجاء التنزيل»:
يقع في ستة مجلدات، ويسميه أيضا بالكتاب الكبير، وهو مشتمل على جميع القرآن ضمنه الكلام على هجاء مصاحف الأمصار والقراءات والأصول والتفسير والشرح والأحكام والتبيين والرد على الملحدين والتقديم والتأخير والوقف والابتداء والناسخ والمنسوخ والغريب والمشكل والحجج والتعليل ضمنه جملة من علوم القرآن.
وبين المؤلف سبب تأليفه، فقال: وقد اخترع قوم متأخرون من العراقيين وجها ثالثا في صورة التشديد، وهو خارج عما اصطلح الناس عليه قديما، غير جائز عند العلماء المحققين. وهذا الوجه غير معمول به ولا مرضي عندنا، ولا معروف عند أهل الأندلس فاعلمه. وإنما ذكرته لئلا يراه من لا علم عنده، فيولع به، ويستعمله ظنا منه أنه حسن لقلته وغرابته، ولولوع الناس قديما بما لم يعرفوه قبل.
стр. 107
فقد جرى للأستاذ أبي القاسم الأخفش النحوي ﵀ مثل هذا في مصحف رآه على ذلك الضرب من التشديد ... وكان رأى فيه أيضا ضبط التنوين المنصوب بأن يجعل على الحرف حركة، وعلى الألف اثنتان، فصارت ثلاثة فظن أن ذلك عن معرفة وإتقان حسن، حتى وقفته على علم ذلك، وكان هو السبب لتأليفي كتاب التبيين لعلم التنزيل ﵀ (١).
إلا أن ابن عاشر أخبر عن شيخه أن كتاب التبيين لم يدخل هذه العدوة، فقال: «وأخبرني الشيخ الفقيه الخطيب أبو عبد الله محمد بن القاسم القصار أن كتاب التبيين لم يدخل هذه العدوة» (٢).
فيفيد كلامه أن هذا الكتاب لم ينتشر ولم يتداول بين الناس لكبر حجمه.
إلا أنني رأيت مقتبسات منه لأبي بكر اللبيب في شرحه على العقيلة، بل نص في مقدمته على أنه طالع التبيين قبل أن يشرع في شرح العقيلة، ثم في ثنايا الشرح كان يذكره وينقل منه (٣) مما يدل على أنه كان موجودا ومتداولا بين العلماء حتى هذه الفترة التي عاش فيها اللبيب.
وحينئذ يجب معرفة تاريخ هذه الفترة، ولم أقف على تاريخ وفاة اللبيب، إلا أن شيخه أبا عبد الله بن خميس توفي ٧٠٨ هـ.
وما جاء في الفهرس الشامل أنه كان حيّا سنة ١١٠٨ هـ خطأ ظاهر (٤).
стр. 108
٥ - «كتاب الجامع في الضبط للقراء السبعة من جميع طرقهم»:
ولم يذكره المؤلف بهذه التسمية، إلا أنني أخذت له ذلك من قوله، وهو يعلل للاختصار في كتابه أصول الضبط، فقال: «إذ قد أفردنا في الضبط كتابا جامعا للقراء السبعة من جميع طرقهم» (١).
وسماه في بعض المواضع بالكتاب الكبير، وأحال عليه، فقال: «وقد تكلمنا على معنى النقط ... في كتابنا الكبير المذكور» (٢) فيفيدنا هذا وما تقدم في كتابه التبيين أن للمؤلف كتابين كبيرين الأول في هجاء المصاحف، وهو المسمّى ب «التبيين» والثاني في النقط، وهو «الجامع»، وكلاهما أطلق عليه الكتاب الكبير.
٦ - «جزء فيه إجازة أبي داود المقرئ»
لأبي الحسن بن هذيل، ولأخيه إبراهيم، وتسمية تآليف الأئمة أبي عمرو عثمان وأبي محمد مكي المقرئين، وابن أبي زمنين، وتسمية شيوخ أبي داود وتآليفه.
قال القاسم بن يوسف التجيبي: «تناولت جميع ذلك» (٣).
٧ - كتاب الجواب عن قوله تعالى: حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى .
ذكره الحافظ الذهبي بخط تلميذ أبي داود في تسمية تآليفه، وقال إنه يقع في مجلد (٤).
стр. 109
٨ - «كتاب حروف المعجم»:
نص عليه المؤلف وسماه وأحال عليه، ونسبه إلى نفسه فقال: «وقد تكلمنا على معنى النقط في كتابنا الكبير المذكور وفي كتاب حروف المعجم من تصنيفنا» (١).
فهذا يدل على أن المؤلف صنف كتابا في حروف المعجم.
٩ - «كتاب الحروف التي اختلفت فيها مصاحف عثمان ﵁»:
ذكره الإمام العلامة أبو عبد الله محمد المنتوري ت ٨٣٤ هـ (٢) في فهرسته وقال: «سمعت كثيرا منه تفقها على شيخنا الأستاذ أبي عبد الله محمد بن محمد القيجاطي، وذكر سنده إلى المؤلف» (٣).
١٠ - كتاب الرّجز المسمى ب «الاعتماد»:
الذي عارض به شيخه أبا عمرو الداني في أصول القراءات والدين (٤)، وتسمى «عقود الديانة»، وهي عشرة أجزاء، وعدد أبيات هذه الأرجوزة ثمانية عشر ألفا وأربعمائة وأربعون بيتا.
стр. 110
ذكرها الذهبي، وقال: إنه قرأ ذلك بخط تلميذه (١) وذكرها ابن الجزري (٢).
١١ - «رجز في علم نقط المصاحف»:
ولم يذكر اسمه ولا موضوعه، وإنما وردت الإشارة إليه في قوله:
«وقد تكلمنا على معنى النقط ... في كتابنا الكبير المذكور، وفي كتابنا حروف المعجم من تصنيفنا وفي الرجز من نظمنا» (٣).
وقد يستدل من الإحالة أن موضوعه في علم نقط المصاحف والله أعلم.
١٢ - كتاب الردّ (٤) والياءات والتاءات:
ذكره أبو داود في كتابه أصول الضبط، فقال: «والطرق عنهم أكثر من ذلك على ما ذكرناه عنهم في كتاب الرد والياءات والتاءات» (٥).
١٣ - «كتاب الطرر على التلخيص (٦) للداني»:
ذكره ونسبه إلى أبي داود الشيخ أبو عبد الله المنتوري المتقدم الذكر في شرحه على ابن بري، وكذلك ذكره ابن القاضي عند ذكر الاختلاف في التسمية في: «الأربع الزهر» (٧).
стр. 111
١٤ - «كتاب الطرر على التيسير للداني»:
ذكره له عبد الرحمن بن القاضي ت ١٠٨٢ هـ، ونقل منه مرات عديدة في الفجر الساطع (١)، منها في باب هاء الكناية، وفي باب اختلاف الهمزتين، وفي الخلاف لقالون في قوله تعالى: إن أنا إلّا (٢) في فرش الحروف.
١٥ - «كتاب الطرر على جامع البيان (٣) للداني»:
نقل عنه الإمام أبو عبد الله المنتوري المتقدم، والشيخ مسعود بن جمّوع الفاسي في شرحيهما على ابن بري في باب الراءات عند ذكر ترقيق الراء في قوله تعالى: فرق (٤).
١٦ - «كتاب في ألف الوصل والقطع»:
نص عليه في كتابه أصول الضبط فقال:
«وقد أشبعنا الكلام في ذلك كله في الجزء الذي أفردناه في ألف الوصل والقطع، ولا غنى لضابط المصحف من مطالعته واقتنائه وحفظه لغموضها وكثرة ترددها» (٥).
стр. 112
١٧ - فهرسة الشيخ الفقيه المقرئ أبي داود:
جزء، ذكره ابن خير الإشبيلي ضمن الفهارس الجامعة لروايات الشيوخ وتواليفهم (١).
١٨ - كتاب في حكم الراءات:
ذكره ورواه عن المؤلف ونسبه إليه أبو جعفر أحمد بن الباذش، فقال:
«وقد ألف في ذلك- حكم الراءات- أبو داود كتابا أذن لنا في روايته عنه» (٢).
١٩ - «كتاب الكتّاب من الأنبياء والسادات والأشراف والصحابة، ومن كتب منهم للنبي ﷺ »:
نص عليه ابن عياد، واستغربه، فقال: «وأغرب شيء عنده فيها:
«كتاب الكتّاب من الأنبياء»، وذكر اسم الكتاب كاملا (٣).
٢٠ - كتاب مختصر التبيين لهجاء التنزيل:
والمشتهر بين الناس ب «التنزيل» اختصارا واقتصارا، والذي نحن بصدد تحقيقه، وما كانت هذه الدراسة إلا من أجله، وهو بيت القصيد (٤).
стр. 113
٢١ - كتاب هجاء المصاحف:
ذكره له ابن عاشر، ونقل منه عن أبي إسحاق التجيبي من كتابه التبيان، عند ذكر الخلاف في قوله تعالى: باسقات (١).
قال: «واختلف قول أبي داود، ففي التنزيل بألف ثابتة، وفي كتاب هجاء المصاحف بحذفهما» (٢).
إلا أن الذي يبدو لي أن كتاب هجاء المصاحف، هو نفسه كتاب «التبيين لهجاء التنزيل» فتصرف ابن عاشر في اسمه فاختصره وسماه باسم موضوعه، والله أعلم.
هذا ما تيسر لي جمعه في مؤلفاته، ولعل من يعثر على فهرسة الشيخ أبي داود يمكنه التعرف على جميع كتبه ومصنفاته، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 114
مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
لقد كان لأبي داود مكانة علمية مرموقة، ومن أبرز السمات التي تجلت لي في شخصيته العلمية أمور كثيرة؛ منها:
١ - كثرة ثناء العلماء عليه.
٢ - توافد جمع كبير من طلاب العلم من أهل الأندلس عليه، والرحلة إليه للأخذ عنه كما هو واضح في كثرة تلاميذه (١).
٣ - نقل طائفة من العلماء كتب أبي داود وروايتها وقراءتها على مشايخهم وعنايتهم بها، بل نظم بعضا منها بعض العلماء.
٤ - وأبرز ما تتجلى مكانته في مؤلفاته التي خلّفها، لا سيما في كتابيه معاني القرآن، والتبيين ومختصره وغيرها (٢) كما سأوضّحه فيما يلي:
فكل من ترجم لأبي داود وصفه بأوصاف تدل على العلم والمكانة الرفيعة، فكان أبو داود من أجل تلامذة الداني وأشهرهم ذكرا، شيخ القراء وإمام الإقراء، لازم الداني وأخذ عنه مؤلفاته في القراءات وحرّرها وعلق عليها، بل عارضه في بعضها الآخر، واشتهر بحمل علوم الداني ورواية كتبه. ومن طريقه وصل إلينا ما وصل.
قال ابن خلدون ت ٨٠٨ هـ: «كثر الخلاف في الرسم في كلمات وحروف أخرى ذكرها أبو داود سليمان بن نجاح من موالي مجاهد العامري
стр. 115
في كتبه، وهو من تلامذة أبي عمرو الداني، والمشتهر بحمل علومه ورواية كتبه» (١).
«وقد جمع ابن عياد جزءا في أخبار أبي داود ومناقبه، حدثت به عنه» (٢).
قال ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك ت ٥٧٨ هـ: «وكان من جلة المقرئين وعلمائهم وفضلائهم وخيارهم، عالما بالقراءات ورواياتها وطرقها، حسن الضبط لها».
وكان دينا فاضلا ثقة فيما رواه.
وله تواليف كثيرة في معاني القرآن العظيم وغيره، وكان حسن الخط والضبط روى الناس عنه كثيرا ... ثم قال: «وأخبرنا عنه جماعة من شيوخنا، ووصفوه بالعلم والفضل والدين».
وقال أيضا: «روى عن أبي عمرو، وأكثر عنه، وهو أثبت الناس به» (٣).
قال الشيخ أحمد بن يحيى بن عميرة (ت ٥٩٩ هـ): «له تواليف كثيرة تدل على سعة علمه، ومعرفته بالإقراء» ثم قال: «روى عنه جماعة من الأعلام فيهم كثرة، ولم يزل يقرئ كتاب الله ، وحديث رسول الله ﷺ إلى أن توفي وكانت جنازته مشهودة» (٤).
стр. 116
ومن فضائله وغرر مناقبه ما ذكره ابن عياد، فقال: «سمعت شيخنا أبا الحسن بن هذيل يقول: كان أبو داود من أهل العلم والعمل مجاب الدعوة، وسمعته يقول: ما رأيت أفضل منه، وسمعته يقول: كان أبو داود يكتب من ليلته عشرين ورقة كبارا ثم يقوم حزبه (١) من الليل» (٢).
قال حسين بن علي الرجراجي ٨٩٩ هـ: «وأما حاله، فهو رجل عالم بعلوم القرآن، وغيره، وله تواليف كثيرة في القرآن وغيره، وأخذ عنه العلم ناس كثير، وعدد عظيم» (٣).
وقال: «وكان رجلا فاضلا صالحا مجاب الدعوة، وكان ﵁ يكتب في كل ليلة عشرين ورقة كبارا، ثم يقوم إلى حزبه من الليل، وكان حسن الخط جيد الضبط، وهو مشهور بالفضل والصلاح والعلم» (٤).
ونوه ابن عاشر بمكانة أبي داود في فن هجاء المصاحف، فقال: «لولا مكانة أبي داود في هذا الفن لكان كلامه محل نظر» (٥).
قال ابن عياد: «ولقي أبو داود ﵀ ببلنسية ودانية وشاطبة وغيرها من بلاد الشرق جماعة من العلماء وجلة الفقهاء» (٦).
стр. 117
ومن غرر مناقبه ما قاله ابن عياد: فقال: «أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسن، قال: كنا يوما بدانية مع أبي داود بداره قال: فدق عليه الباب رجل، فأمر بدخوله عليه، فإذا هو رجل أسود طويل من مشاوري الأمير يوسف بن تاشفين قال: فسلّم عليه، وقال: أشخصني إليك أمير المسلمين يوسف، لتدعو له، وليس لي في الأندلس حاجة سوى هذه، قال: فبكى الشيخ ﵀ حتى أخضل لحيته، ثم دعا له، وودّعه وانصرف القهقرى راجعا إلى الأمير».
قال: «وهذه القصة من غرر مناقب الشيخ» (١).
ووصفه الحافظ الذهبي بقوله: «الشيخ الإمام العلامة شيخ القراء ذو الفنون». وذكر ما ذكره ابن بشكوال، ثم قال: «وكان من بحور العلم، ومن أئمة الأندلس في عصره» (٢) ووصفه في موضع آخر، فقال:
«شيخ الإقراء، مسند القراء، وعمدة أهل الأداء» (٣).
وقال: «قرأت بالروايات من طريقه عن أبي عمرو الداني».
وقال: «وأكثر عنه وتخرّج به وهو أنبل أصحابه وأثبتهم (٤).
وصفه ابن الجزري بقوله: «شيخ القراء وإمام الإقراء» (٥).
стр. 118
ونعته الإمام المقرئ أبو عبد الله محمد بن موسى القيسي بقوله: «قال نجل نجاح الحبر الإمام العدل» (١).
وكان علماء الرسم وهجاء المصاحف يعدّون أبا داود حجة في الرسم لأنه تأمل واطلع على المصاحف العتق القديمة، وكانوا يردّون المصاحف التي لم يطلع عليها الشيخان أبو عمرو وأبو داود.
قال حسين الرجراجي ٨٩٩ هـ: «إذ لا حجة بالمصاحف الموجودة بين أيدينا اليوم، وإنما الحجة بالمصاحف القديمة، التي كتبها الصحابة، ﵃، وهي التي اطلع عليها أبو عمرو الداني، وأبو داود، وغيرهما من الشيوخ المقتدى بهم في هذا الشأن» (٢).
فهو يرى أن أبا داود حجة في هجاء المصاحف.
وقال الشيخ المقرئ محمد بن سعيد بن عمارة البينوني: «وابن نجاح شيخ هذا الشأن» (٣) يقصد به هجاء المصاحف ونقطها وشكلها.
ومما يدل على اهتمامه بعلم الحديث أنه قرأ على أبي الوليد الباجي وأبي عمر يوسف بن عبد البر وأبي العباس العذري وأبي عمرو الداني، وناهيك بهم علما وفضلا في علم الحديث (٤).
ثم إنه ﵁ قد كتب بخط يده الجامع الصحيح للبخاري في عشرة أسفار، وكتب بخط يده صحيح مسلم في ستة أسفار، وقرأهما
стр. 119
على الباجي والعذري، واحتفل في تقييدهما حتى صار كل واحد منهما أصلا يقتدى به.
قال أحمد بن عميرة الضبي: «محدث فاضل زاهد» وقال: «رحلت إلى بلنسية في عام ستة وتسعين وقابلت بهما كتابي، وانتفعت بهما».
وحتى إن بعض شيوخ أبي داود الذين روى عنهم قابل أصليه بأصول أبي داود.
قال الضبي: «وأخبرت أن أبا علي بن سكرة الحافظ ت ٥١٤ هـ قابل أصليه بالكتابين المذكورين وناهيك بهما صحة وتقييدا وضبطا».
ثم قال: «محدث فاضل زاهد، كان إمام وقته في الإقراء رواية ومعرفة مجاب الدعوة» (١).
فكان أبو داود يجمع بين القراءات والحديث، وتتلمذ عليه عدد كبير من الطلاب البلنسيين، إضافة إلى الأندلسيين، وروى عنه جماعة من الأعلام، ولم يزل يقرئ كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ إلى أن توفي ﵀، فجمع الله له بين التأليف والإقراء والتدريس.
أما كونه مقرئا، فلا يحتاج الأمر إلى بيان، فهذا الجانب أحد أبرز الجوانب التي تفوق فيها.
ومما يدل على إمامته في علوم القرآن والتفسير أنه صنف كتابين كبيرين: «البيان في علوم القرآن» في ثلاثمائة جزء، وكتابه «التبيين» وما
стр. 120
تضمنه هذان الكتابان من مواضيع في علوم القرآن كالتفسير والبيان والقراءات والأصول والناسخ والمنسوخ والرد على الملحدين والوقف والابتداء، والتوجيه والتعليل والحجج.
وكان سريع البديهة في النظم فيعلم ذلك من كتابه الاعتماد، وهو أرجوزة عارض بها شيخه كما يعلم ذلك مما ذكره في سورة الأنعام (١) في التنزيل حيث كان ينظم بعض الآيات المتشابهات، وكذا في كتابه المنظوم وقد ذكرته في مؤلفاته (٢)، بل حتى وهو على فراش الموت أنشد أبياتا يرجو الله فيها العفو والغفران (٣).
أما كونه فقيها فيظهر ذلك جليا في كتابه التنزيل في سورة الفاتحة حيث لاحظت عليه النزوع إلى مذهب الإمام مالك.
ومما يلاحظ على المؤلف أبي داود نزوعه الشديد إلى مذهب المالكية، ولقد تأثر بهذا المذهب تأثرا كبيرا. ولقد سرى له هذا التأثر من كثرة ملازمته لشيوخه كأبي عمر بن عبد البر، وأبي عمرو الداني، وأبي الوليد الباجي، وأبي العباس العذري، وغيرهم. ولأن المذهب المالكي ساد في الأندلس في عصر المؤلف.
ويتجلى نزوعه إلى المذهب المالكي في كلامه على البسملة في أول فاتحة الكتاب في مقدمة «مختصر التبيين (٤)»، فذهب يجمع الأدلة ليرجح
стр. 121
أن بسم الله الرّحمن الرّحيم ليست آية من فاتحة الكتاب.
وقد لاحظت في كتب التراجم والتاريخ لأهل الأندلس أن المترجم إذا ذكر علما عاش في عصر أبي داود، ولم يجلس إليه، ولم يرو عنه يصفه بقوله: «ولا رواية له عن أبي داود» (١).
وكأني به يشير من طرف خفي إلى نقص أو تقصير حصل منه، كما أن المترجم يمدح ويثني على الإسناد الذي أحد رجاله أبو داود، فيقول:
«وهذا في نهاية العلو، وجلالة الرجال» (٢).
وأثنى ابن الجزري على الإسناد الذي أحد رجاله أبو داود، وشهد له بالعلم والإمامة والضبط، فقال: «وهذا أعلى إسناد يوجد اليوم متصلا، واختص هذا الإسناد بتسلسل التلاوة والقراءة والسماع، ومنّي إلى المؤلف كلهم علماء أئمة ضابطون» (٣).
وإذا بلغ الرجل درجة من العلم يكنى: «بأبي داود الصغير» (٤)، وما ذلك إلا لإكبارهم وتعظيمهم لأبي داود سليمان بن نجاح، وكان طلاب العلم يرحلون إليه ويأخذون عنه.
قال ابن آجطا عن ابن عياد: «وكانت الرحلة إليه في زمانه لفضله وعلو روايته ومعرفته» (٥). والله أعلم.
стр. 122
الباب الثاني نشأة علم هجاء المصاحف وتطوره
الفصل الأول: ظهور علم هجاء المصاحف وتطور التأليف فيه الفصل الثاني: دراسة الكتاب وتحليله وتقويمه
стр. 123
الفصل الأول ظهور علم هجاء المصاحف وتطور التأليف فيه
стр. 124
تعريف رسم المصاحف العثماني
عرفت اللغة العربية عددا كبيرا من الكلمات الدالة على مرسوم الخط منها: «الكتاب» و «الهجاء» و «الخط» و «الرسم»، وتطور استعمال هذه الكلمات عبر القرون.
فأولها استخداما «الكتاب» الذي هو أحد مصادر «كتب» (١)، استخدم علما على الكتابة والرسم، وقد استعمل هذا المصطلح للتعبير عن معنى الكتابة من المتقدمين مثل نافع بن أبي نعيم ت ١٦٩ هـ، ويحيى بن زياد الفراء ت ٢٠٧ هـ، وأبي عبيد القاسم بن سلام ت ٢٢٤ هـ، وأبي بكر محمد ابن يحيى الصولي ت ٣٣٦ هـ، وعبد الله بن درستويه ت ٣٤٧ هـ، وغيرهم، فكان هؤلاء يكثرون من استعمال «الكتاب» في معنى الرسم والكتابة (٢).
والدليل على استخدامهم «الكتاب» في معنى الرسم والكتابة ما رواه الخطيب البغدادي ت ٤٦٢ هـ بسنده عن إبراهيم النخعي والأعمش، قال:
«كانوا يكرهون كتاب الحديث» (٣).
стр. 125
ومن أكثر الكلمات استعمالا، وأكثرها استخداما بعد: «الكتاب» في القرون المتقدمة كلمة: «الهجاء»، ومن يستقرئ الكتب المؤلفة في الرسم والخط لدى المتقدمين يجد أن غالب تسمية كتبهم تحمل هذا الاسم وتعنون به كما يظهر ذلك جليا عند ذكر مؤلفات هجاء المصاحف (١).
وذكر علماء اللغة لمادة «الهجاء» معنيين:
الأول: يدل على الذم، وتعديد العيوب؛ كأن يهجو الشاعر شاعرا آخر، فيعدد معايبه، وهو خلاف المديح (٢).
والثاني: هجاء الحروف، وتقطيع اللفظة بحروفها، وهو تعلم هجاء الحروف يهجّيها ... ، ويتهجاها، أو التلفظ بأسماء الحروف، لا مسمياتها، وتعداد حروف الكلمة المكتوبة (٣).
والمراد به بيان كيفية رسم الألفاظ اللغوية، وهو المقصود هنا.
ومما يلاحظ أن معظم المصادر الأولى التي ألفت في موضوع الخط والكتابة كانت تعرف بكتب الهجاء، أو هجاء المصاحف، ثم ظهر مصطلح الخط، فصار يطلق على الكتابة بعامة، وقد ألف السيوطي رسالة في علم الخط (٤). وقد يقيد بالمصحف، فيقال: خط المصحف، فتخصص بالإضافة.
стр. 126
وظهر هذا المصطلح عند علماء المصرين: البصرة والكوفة، فأسسوا لعلم الخط ضوابط وروابط بنوها على أقيستهم النحوية، وأصولهم الصرفية، وسموها علم الخط القياسي، أو الاصطلاحي المخترع (١).
ثم ظهر استعمال مصطلح الرسم أو رسم المصحف، أو الرسم العثماني. وعلى ما يبدو ظهر استعماله للدلالة على علم هجاء المصحف في وقت متأخر، لأن المؤلفات في القرون الأولى لم تستخدم هذه الكلمة للدلالة على خط المصحف، بل إن المعاجم اللغوية لم تكن تذكر أي معنى لها يتعلق بالكتابة في مادة «رسم».
قال ابن دريد ت ٣٢١ هـ: «رسم كل شيء: أثره، والجمع رسوم» (٢).
وقال الأزهري ت ٣٧٠ هـ: «الرسم هو الأثر» (٣).
قال ابن منظور ت ٧١١ هـ: «الرسم هو الأثر، وقيل بقية الأثر، وقيل ما ليس له شخص من الآثار» (٤). وقال: «ورسم على كذا ورشم إذا كتب» (٥).
وهذا المعنى ينطبق على مرسوم خط المصحف، فهو أثر من آثار
стр. 127
الصحابة ﵃، وهو خط وكتابة، ويزيد ذلك وضوحا إضافته إلى «المصحف» أو وصفه ب «العثماني» فيقال: «رسم المصحف» أو «الرسم العثماني».
فالعلاقة واضحة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لمرسوم خط المصحف، ومن ثم صحت تسميته ب: «رسم المصحف»، فهو أثر وخط وكتابة.
وإذا كانت المصنفات الأولى في الرسم يغلب عليها مصطلح هجاء المصاحف، فإن المؤلفات المتأخرة غلب عليها إطلاق مصطلح الرسم والمرسوم، وصار علما على هجاء المصاحف وكتابتها، فتخصص بخط المصحف. ومن ثم أضيف إلى ما يعرفه ويخصصه، فقيل: رسم المصحف، أو أضيف له الوصف فقيل: «الرسم العثماني»، ثم شاع استعماله دلالة على خط المصحف ولو كان مقطوعا عن الإضافة، فشاع استخدامه للتعبير عن هجاء المصاحف، وتحددت دلالته.
فتبين لي أن علم الرسم من حيث الاصطلاح تردد في كتب القوم بأكثر من اسم، حتى اشتهر بين المتأخرين باسم «الرسم العثماني» والله أعلم.
أنواع الخط العربي:
وقد قسم علماء العربية الخط إلى ثلاثة أقسام: الخط القياسي، والخط العروضي، وخط المصحف.
стр. 128
أولا: الخط القياسي ،
أو الاصطلاحي المخترع، ويسمى الإملاء، وهو الرسم الذي وضع علماء البصرة والكوفة قواعده، مستمدين ذلك من المصاحف العثمانية ومن علم النحو والصرف.
وتعريفه: تصوير اللفظ بحروف هجائه بتقدير الابتداء به والوقف عليه (١)، وهذا الرسم وإن كان فصل وبوب، إلا أنه لم يتفق عليه واضعوه، وهو عرضة للتغيير، والتبديل، والتطوير، وهو المستعمل في كتابتنا العادية.
وهذا الرسم لم تراع فيه الموافقة التامة بين المكتوب والمنطوق.
ثانيا: خط العروض:
وهو ما اصطلح عليه أهل العروض في تقطيع أبيات الشعر، ويعتمدون فيه على ما يقع في السمع واللفظ دون المعنى فيكتبون التنوين نونا ساكنة، ويكتبون الحرف المدغم بحرفين، فتراعى فيه المطابقة التامة بين المنطوق والمكتوب (٢).
ثالثا: خط المصحف وهجاؤه:
وهو موضوع هذا الكتاب.
وهو الذي كتب به زيد بن ثابت حروف القرآن وكلماته في جميع مراحل جمع القرآن التي آخرها كتابته في عهد عثمان ﵁، وهو علم تعرف به مخالفة المصاحف العثمانية للرسم القياسي (٣)، وسمي الرسم العثماني نسبة إلى سيدنا عثمان، لأنه أمر بنسخ إمام للناس
стр. 129
بعد ما اختلف الصحابة في بعض حروف القرآن فقال: «يا أصحاب محمد اجتمعوا، فاكتبوا للناس إماما» (١) فنسخ الصحابة ﵃ من صحف أبي بكر مصحفا إماما ثم نسخوا منه مصاحف لسائر الأمصار، فنسب إليه من هذه الجهة، لا أنه اخترعه وابتكره.
ولم تراع الموافقة التامة بين المكتوب والمنطوق، لأن رسمه يحتمل أكثر من صورة منطوقة لعلل وحكم، بل كتب في بعض المواضع على الفرع دون الأصل ليدل الفرع على الأصل، وسيتجلى ذلك في موضعه.
وسموا رسم المصحف بالخط المتبع، وقالوا: إن رسمه سنة متبعة مقصورة عليه، فلا يقاس ولا يقاس عليه (٢)، ويقال: «خطان لا يقاس عليهما: خط المصحف، وخط العروض» (٣).
وموافقة الرسم العثماني للمنطوق تكون تحقيقا كما هو الحال في الخط القياسي، وفي أكثر المواضع في هجاء المصاحف، ويكون تقديرا كما هو الشأن في بعض المواضع في هجاء المصاحف. وذلك لأن الاختلاف يكون اختلاف تغاير وتنوع، وهو في حكم الموافق، فلا يلزم من صحة أحدهما بطلان الآخر. ويكون اختلاف تضاد أو تناقض، ويلزم من صحة أحدهما بطلان الآخر، وهذا لا يوجد في المصاحف.
ولذلك وزّع الصحابة ﵃ الأحرف التي لا يحتملها الرسم
стр. 130
الواحد على مختلف مصاحف الأمصار، لأن الخط هنا في هذه الحروف يحصر جهة اللفظ، فمخالفه مناقض، وتارة لا يحصرها، بل يرسم على أحد التقادير، فاللافظ به موافق تحقيقا، ولغيره موافق تقديرا لتعدد الجهة.
وذلك لأن البدل في حكم المبدل منه، وما زيد في حكم العدم، وما حذف في حكم الثابت، وما وصل في حكم الفصل، وما فصل في حكم الوصل (١). وسوّغ ذلك كله تجريد المصحف من النقط الشكل.
وتنحصر مخالفة الرسم العثماني للرسم القياسي في ست قواعد، وهي: الحذف، والزيادة، والهمزة، والإبدال، والوصل، والفصل، وما فيه قراءتان فكتب على إحداهما، تغليبا لها في جميع المصاحف مما يحتمله الرسم.
وقسم علماء الرسم الحذف إلى ثلاثة أقسام:
١ - حذف إشارة يكون المقصود منه الإشارة إلى قراءة أخرى في الكلمة، وذلك مثل حذف الألف من كلمتي: أسارى تفادوهم (٢) فحذف الألف من كلمة: «أسارى» إشارة إلى قراءة حمزة حيث قرأ بفتح الهمزة وإسكان السين، وحذف الألف بعدها.
وأما حذف الألف في كلمة: تفادوهم فهي إشارة إلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة وخلف؛ حيث قرءوا بفتح التاء
стр. 131
وسكون الفاء وحذف الألف (١).
٢ - وحذف اختصار، وهو الذي يكون مطردا في جميع الكلمات المتناظرة كحذف الألف في كل جمع مذكر سالم وشبهه، إذا لم يقع بعد الألف تشديد أو همز مباشرين مثل قوله تعالى: العلمين (٢) والحفظين والصّدقين.
٣ - وحذف اقتصار، وذلك كأن يرد الحذف في كلمة بعينها دون نظائرها في كل القرآن الكريم مثل حذف ألف: الميعد في قوله تعالى: ولو تواعدتّم لاختلفتم في الميعد (٣) في الأنفال لا غير، وإثبات الألف في بقية المواضع في القرآن الكريم وغيره.
وقد يجتمع حذف الاقتصار والإشارة معا في الكلمة الواحدة كقوله تعالى: إذا مسّهم طئف من الشّيطن تذكّروا (٤) ففيها حذف اقتصار دون نظيرها في سورة نون: فطاف
عليها طائف (٥)، وفيها حذف إشارة لأنه ورد فيها خلاف القراء دون موضع القلم (٦).
стр. 132
نشأة علم الرسم العثماني:
لم تعرف البشرية كتابا حظي بالعناية والاهتمام على مدى الأزمان بمثل ما حظي به القرآن الكريم، سواء من حيث كتابته ورسمه وإعرابه بالنقط، أو من حيث تلاوته وتحقيق قراءاته أو من حيث معرفة أحكامه وحكمه وبيان معانيه. فمن حيث كتابته ورسمه كان ذلك بقلم زيد بن ثابت ﵁ كاتب الوحي في حياة الرسول ﷺ .
فكانت عناية الرسول ﷺ فائقة بكتابة القرآن، ومنع أصحابه من كتابة شيء غير القرآن، فروى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» (١).
وروى الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يأتي عليه الزمن، وهو ينزل عليه السور ذات العدد ... فكان إذا نزل الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» (٢).
وفي رواية البخاري عن البراء بن عازب ﵁: «قال النبي ﷺ ادع لي زيدا وليجيء باللوح والدواة والكتف، أو الكتف والدواة. ثم قال: اكتب: لا يستوي القعدون (٣).
стр. 133
وقال الشيخ محمد طاهر الكردي: «فقد ورد عن زيد بن ثابت المتخصص في كتابة القرآن أنه قال: «كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ ، وهو يملي عليّ، فإذا فرغت قال: اقرأه، فأقرؤه فإذا كان فيه سقط أقامه» (١).
وكانت هذه الكتابة منثورة ومتفرقة في اللخاف، والعسب والأكتاف والرقاع.
ثم لما استحر القتل في موقعة اليمامة بقراء القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، أمر أبو بكر، بإشارة من عمر بن الخطاب، زيد بن ثابت أن يجمع القرآن في صحف، فكانت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر في حياته، ثم عند حفصة بنت عمر، وهو المسمى بالجمع الثاني (٢).
ثم لما اختلف القراء في قراءته في عهد عثمان بن عفان ﵁، كما لاحظ ذلك حذيفة بن اليمان عند أهل الشام، أمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث، فنسخوا ما في الصحف الأولى في مصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم» ثم أتلف ما عداه (٣).
وسموه بالمصحف الإمام أخذا من قول عثمان: «يا أصحاب محمد اجتمعوا، فاكتبوا للناس إماما يجمعهم» (٤).
стр. 134
عدد المصاحف التي نسخها الخليفة عثمان ﵁:
واختلف العلماء في عدد النسخ التي جمع فيها عثمان القرآن؛ قيل:
أربع نسخ، وقيل: سبع نسخ.
قال الرجراجي (ت ٨٩٩ هـ): والمشهور الذي عليه الجمهور أربع نسخ، إحداها إلى المدينة، وأخرى إلى البصرة، وأخرى إلى الكوفة، وأخرى إلى الشام. (١)
ومن قال: هي سبع نسخ، قال: الخامسة إلى اليمن، والسادسة إلى البحرين، والسابعة إلى مكة.
ومن قال: هي ثمانية مصاحف، السبعة المتقدمة، والثامن هو الذي حبسه عثمان لنفسه، وهو المسمى بالمصحف الإمام الذي رآه وتأمله أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ).
وقد أشار الإمام الشاطبي (ت ٥٩٠ هـ) إلى هذه الثمانية، فقال:
وسار في نسخ منها مع المدني* كوف، وشام وبصر تملأ البصرا وقيل مكة والبحرين مع يمن* ضاعت بها نسخ في نشرها قطرا (٢) وقال مكي بن أبي طالب:
«فلما نسخوا المصحف كتبوه في سبع نسخ، وقيل: في خمس، ورواة الأول أكثر» (٣).
стр. 135
وقال أبو عمرو الداني (٤٤٤ هـ): «أكثر العلماء على أن عثمان بن عفان لما كتب المصحف جعله أربع نسخ» وقيل: إنه جعله سبع نسخ، ثم قال:
والأول أصح، وعليه الأئمة (١).
إلا أن الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ذكر أن عثمان بن عفان كتب سبعة مصاحف، وعدّ من بينها مصحفا إلى «مصر» بدل «البحرين» (٢).
قال أبو علي الأهوازي (ت ٤٤٦ هـ) عن مصحف اليمن ومصحف البحرين: «فلم نسمع لهما خبرا، ولا رأينا لهما أثرا» (٣).
وقال السيوطي (٩١١ هـ): «ولكن لم يسمع لهذين المصحفين خبر» (٤).
ومن قال: إنها ثمانية أضاف مصحف مكة واليمن والبحرين، ورده أبو بكر بن عبد الغني اللبيب، فقال: «وهذا قول ضعيف، والصحيح المشهور أنها كانت أربعة غير الإمام».
ثم قال: «قال عطاء بن يسار في كتاب علم المصاحف: مصاحف أهل مكة والبحرين واليمن عدمت، فلم يوجد لها أثر» (٥).
وقال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): «فالمشهور أنها خمسة» (٦).
стр. 136
وقال الجعبري (ت ٧٣٢ هـ): «خمسة متفق عليها، وثلاث مختلف فيها».
فأمر عثمان ﵁ زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن عبد القيس مع البصري.
وبعث مصحفا إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، فلم نسمع لهما خبرا، ولا علمنا من أنفذ معهما» (١).
وذكر علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ): أنها ستة مصاحف، فأما مصحف البحرين ومصحف اليمن فلم يعلم لهما خبر (٢).
أقول: وهذا العدد هو المتعارف عند علماء الرسم لأمرين:
أولهما: أن النقل ورد عن هذه المصاحف في المقنع والتنزيل وغيرهما.
الثاني: عرف من أرسله سيدنا عثمان مع هذه المصاحف كما تقدم.
ورجح هذا العدد الشيخ رضوان المخللاتي، فقال: «وعدة المصاحف على معتمد الأقوال فيها ستة كما يشهد له الاستقراء» (٣)، وهي المصاحف التي ورد النقل عنها، ومراجعة المصاحف عليها، وتأملها كثير من العلماء، فوصفوا هجاء حروفها بأبلغ وصف وأبينه، وهي:
стр. 137
الأول: المصحف الإمام:
وهو الذي اتخذه عثمان بن عفان ﵁ لنفسه، وحفظه عنده.
وقال الإمام مالك: غاب مصحف عثمان بن عفان ﵁ من المدينة، ولم نسمع بخبره بين العلماء الذين يقتدى بهم في النقل والرواية والدراية.
وقال ابن قتيبة: «مصحف عثمان الذي قتل وهو في حجره كان عند ولده خالد، ثم صار مع أولاده، وقد درجوا إلى رحمة الله تعالى».
وقال القاسم بن سلام في كتاب القراءات: «استخرج بعض الأمراء من خزانة مصحف عثمان ﵁ الموسوم بالإمام وكان في حجره حين أصيب، ورأيت آثار الدم في مواضع منه وأكثر ما رأيته في سورة والنجم».
ورد أبو جعفر بن النحاس قول أبي عبيد، ولم يعتمد عليه متبعا قول مالك.
وما صوب أحد من المحققين المنصفين ردّ ابن النحاس، وليس في قول مالك ما يدل على عدم المصحف بالكلية بحيث لا يوجد، لأن ما يغيب يرجى ظهوره، ويتوقع حضوره، طال زمن مغيبه أو قصر، ولا يلزم من عدم علمه به عدمه.
أقول: إن القاسم بن سلام مثبت، ومعه زيادة علم، ويؤيده قول ابن قتيبة المتقدم (١).
стр. 138
وإلى كل ذلك أشار الإمام الشاطبي (ت ٥٩٠ هـ): فقال:
وقال مصحف عثمان تغيّب لم* نجد له بين أشياخ الهدى خبرا أبو عبيد أولو بعض الخزائن لي* فاستخرجوه، فأبصرت الدّما أثرا وردّه ولد النحاس معتمدا* ما قبله، وأباه منصف نظرا إذ لم يقل مالك لاحت مهالكه* ما لا يفوت فيرجى طال أو قصرا (١) وورد النقل عن أبي عبيد عن المصحف الإمام، في مواضع كثيرة في كتاب «المقنع» لأبي عمرو الداني، وكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» لأبي داود (٢). مما يدل على أن أبا عبيد رآه وتأمله وقرأ فيه ووصف هجاءه.
بل هناك غيره من العلماء من ذكر أنه رآه، منهم عاصم الجحدري (ت ١٢٨ هـ)، وخالد بن خداش (ت ٢٢٤ هـ)، وغيرهما (٣).
الثاني: المصحف المدني العام:
جعله عثمان بن عفان بين أهل المدينة، وعنه يروي نافع بن أبي نعيم (ت ١٦٩ هـ).
ويشير الإمام الشاطبي (ت ٥٩٠ هـ) إلى نقل نافع عن المصحف المدني العام، وإلى نقل أبي عبيد عن المصحف الإمام، واختلافهما في بعض المرسوم، لأن كلا منهما يعتمد على مصحف غير الذي يعتمده الآخر، فقال الشاطبي:
стр. 139
وبين نافعهم في رسمهم، وأبي* عبيد الخلف في بعض الذي أثرا ولا تعارض مع حسن الظنون فطب* صدرا رحيبا بما عن كلهم صدرا (١)
والثالث: المصحف المكي:
روى عنه أيوب بن المتوكل (ت ٢٠٠ هـ)، ويحيى بن المبارك اليزيدي (ت ٢٠٢ هـ)، وأبو حاتم سهل بن محمد (ت ٢٥٥ هـ)، وخلف بن هشام البزار (ت ٢٢٩ هـ)، وغيرهم (٢).
والرابع: المصحف الشامي:
ويذكره علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ) في مواضع كثيرة في شرحه على العقيلة (٣)، ورآه الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، والحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ)، في الجامع الأموي بدمشق، وورد عنه النقل في كتاب المقنع لأبي عمرو الداني، وكتاب مختصر التبيين لهجاء التنزيل في مواضع كثيرة.
قال ابن كثير عن زيد بن ثابت: «وهو الذي كتب هذا المصحف الإمام الذي بالشام عن أمر عثمان بن عفان، وهو بخط جيد قوي جدا فيما رأيته».
وقال: «رأيت المصحف الشامي، فوجدته بخط زيد بن ثابت، وهو خط قوي جدا» (٤).
стр. 140
والخامس: المصحف الكوفي:
ورد النقل عنه في مواضع كثيرة في كتاب المقنع لأبي عمرو الداني، وفي «كتاب مختصر التبيين لهجاء التنزيل» لأبي داود، وغيرهما (١).
والسادس: المصحف البصري:
ورد النقل عنه في مواضع كثيرة في كتاب المقنع لأبي عمرو الداني، وفي كتاب مختصر التبيين لأبي داود، وغيرهما (٢).
أما مصحف اليمن، ومصحف البحرين، فلم يرد عنهما نقل، ولم أجد لهما نقولا في كتب الرسم، ولم يجر لهما ذكر عند أهل الرسم.
قال ابن عاشر (ت ١٠٤٠ هـ): «ولم يعهد منهم- كتّاب المصاحف- النقل عن مصحفي اليمن والبحرين» (٣).
وليست المصاحف بخط عثمان، بل هي بخط زيد بن ثابت ﵁، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وإمارته (٤).
ومما يجب أن يلاحظ أن الكاتب في مراحله الثلاث هو زيد بن ثابت، الذي شهد العرضة الأخيرة، وكتب القرآن في حياة النبي ﷺ (٥).
стр. 141
ولما نسخ الكتاب المصاحف، أرسل منها عثمان ﵁ مصحفا إلى مكة، ومصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى الكوفة، ومصحفا إلى البصرة، وأبقى في المدينة مصحفا عاما وهو الذي ينقل عنه نافع بن أبي نعيم المدني، كما ستلاحظه في رواية المؤلف أبي داود في كتابه التنزيل (١)، واحتبس لنفسه مصحفا، وهو الذي تأمله ونقل منه، ورآه أبو عبيد القاسم بن سلام، وهو الذي يقال له: الإمام، وقيل: يقال لكل منها: إمام.
قال ملا علي قاري: «والأظهر أن المراد بالمصحف الإمام جنسه الشامل لما اتخذه لنفسه في المدينة، ولما أرسله إلى مكة والشام والكوفة والبصرة وغيرها» (٢).
أقول: وهو الصواب؛ لأن كل واحد منها أصل كتب بين يديه وتحت إشرافه، وأجمع عليه الصحابة ﵃، وأرسل مع كل مصحف قارئا يوقف الناس على هجائه ورسمه بالمشافهة والتلقي والرواية.
وكتبوا هذه المصاحف متفاوتة في الحذف، والإثبات، والنقص، والزيادة، والبدل وغير ذلك، لأنهم قصدوا اشتمالها على الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، وجعلت خالية من النقط والشكل تحقيقا لهذا الغرض.
стр. 142
فالكلمات التي اشتملت على أكثر من قراءة، وخلوّها من النقط والشكل يجعلها محتملة لما اشتملت عليه من قراءات، كتبوها برسم واحد في جميع المصاحف، وذلك كنحو قوله تعالى: فتبيّنوا (١) وردت فيها قراءتان الأولى: فتبينوا والثانية: فتثبتوا وكلاهما يحتملها الرسم الواحد المجرد من النقط والشكل (٢).
أما الكلمات التي وردت على قراءتين أو أكثر، وتجريدها من النقط لا يجعلها محتملة لما وردت فيها من قراءات، فلم يكتبوها برسم واحد في جميع المصاحف، وإنما كتبوها في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفي بعضها برسم آخر يدل على القراءة الأخرى، نحو قوله:
ووصّى وقوله: وأوصى فكتبوها في بعض المصاحف بواوين بينهما ألف كما هو الحال في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام، وكتبوها في بعضها الآخر بواوين من غير ألف كما هو الحال في مصاحف أهل مكة وأهل العراق (٣).
ووزعوا مثل هذه الحروف التي لا يحتملها الرسم الواحد على سائر المصاحف.
وإنما لم يكتبوا هذا النوع من الكلمات برسمين معا في مصحف واحد، خشية أن يتوهم أن اللفظ نزل مكررا بقراءة واحدة.
стр. 143
وكذلك لم يكتبوا هذه الكلمات برسمين، أحدهما في الأصل والثاني في الحاشية، لئلا يتوهم، أن الثاني تصحيح للأول، وأن الأول خطأ (١).
فكانت هذه الطريقة في كتابة المصاحف أدنى إلى الإحاطة بالوجوه التي نزل عليها القرآن، إيجازا واختصارا.
فاشتملت هذه المصاحف على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل ﵇ متضمنة لها لم تترك حرفا منها.
قال ابن الجزري: «وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له» (٢).
وقيل: إن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والأول قول أئمة السلف والعلماء والثاني قول طوائف من أهل الكلام والقراء وغيرهم» (٤).
وعند ما وصلت المصاحف إلى الأمصار سارع المسلمون إلى نسخ المصاحف منها حرفا بحرف، وكلمة بكلمة، ثم مقابلة مصاحفهم عليها، وأصبحت أصولا تقتدى، وحرقوا ما عداها، وترك الصحابة مصاحفهم، واتبعوا المصحف الإمام (٥) ومن ثم لاحظ علماء القرآن وحفاظه هيئة
стр. 144
هذا الرسم وما جاء فيه من حذف أو إثبات، وزيادة أو نقص أو بدل، فوصفوا هجاء كل كلمة وردت في المصحف العتيق وبخاصة تلك التي تميزت برسم معين، فوصفوها بالعدد والوزن والوصف الدقيق.
ومن ثم نشأ علم الرسم، وإن لم يعرف بالعلم كعلم مستقل، ولكن يعد ذلك أصل نشأته.
فكانت المصاحف العثمانية التي أرسلها عثمان إلى الآفاق هي المصدر الأول لهذا العلم، وصارت أصل ما يكتب بعد ذلك.
ولارتباط القراءة بخط المصاحف تتبع القراء هجاء المصاحف، قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ): «ورأوا تتبع حروف المصاحف وحفظها عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها» (١).
وأوجب الإمام العقيلي الاعتماد على المصاحف الأصول عند نسخ المصاحف فقال: «والقول الحق الذي يجب المصير إليه، أنه لا بد لكل من قصد نسخ مصحف من أصل يعتمد عليه، فإن من وكل إلى نفسه في انتحال مصنوع تعب وزلّ» (٢).
فهذا الغازي بن قيس (ت ١٩٩ هـ) عرض مصحفه وصححه على مصحف نافع بن أبي نعيم (ت ١٦٩ هـ) ثلاث عشرة مرة أو أربع عشرة مرة (٣).
فأخذ عنه الرسم عمليا وعلميا.
стр. 145
وحينئذ وجه الأئمة عنايتهم إلى رسم المصاحف وإقامتها على نحو ما جاء في المصحف الإمام الذي وجه إليهم، فقامت المصاحف المنسوخة من الأمهات مقام الأصول.
فروى الأئمة عن المصاحف العثمانية أصولا وفروعا طريقة رسم هجاء الكلمات، وما أن وصلت تلك الرواية إلى عصر انتشار تدوين العلوم، حتى سارع علماء القراءات إلى تسجيل تلك الروايات في كتب، كانت أساسا لحفظ صور هجاء المصاحف، كما فعل ذلك نافع بن أبي نعيم (ت ١٦٩ هـ)، والغازي بن قيس (ت ١٩٩ هـ)، والمؤلف أبو داود (ت ٤٩٦ هـ) في مختصر التبيين لهجاء التنزيل.
وإلى كل ذلك أشار أبو عبد الله الخراز (ت ٧١٨ هـ) في نظمه:
ووضع الناس عليه كتبا* كل يبين عنه كيف كتبا (١)
مصادر التأليف في الرسم العثماني:
وإذا تأملنا مصادر هجاء المصاحف، نجد أنها تنحصر في ثلاثة أنواع على الترتيب.
أولها المصاحف المنسوخة من الأمهات:
وهي النواة الأولى التي عليها مدار التأليف في الهجاء، فأخذ علماء الرسم مادتهم منها، ونقلوا منها وصف هجاء الكلمات القرآنية.