ولما نسخ الكتاب المصاحف، أرسل منها عثمان ﵁ مصحفا إلى مكة، ومصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى الكوفة، ومصحفا إلى البصرة، وأبقى في المدينة مصحفا عاما وهو الذي ينقل عنه نافع بن أبي نعيم المدني، كما ستلاحظه في رواية المؤلف أبي داود في كتابه التنزيل (١)، واحتبس لنفسه مصحفا، وهو الذي تأمله ونقل منه، ورآه أبو عبيد القاسم بن سلام، وهو الذي يقال له: الإمام، وقيل: يقال لكل منها: إمام.
قال ملا علي قاري: «والأظهر أن المراد بالمصحف الإمام جنسه الشامل لما اتخذه لنفسه في المدينة، ولما أرسله إلى مكة والشام والكوفة والبصرة وغيرها» (٢).
أقول: وهو الصواب؛ لأن كل واحد منها أصل كتب بين يديه وتحت إشرافه، وأجمع عليه الصحابة ﵃، وأرسل مع كل مصحف قارئا يوقف الناس على هجائه ورسمه بالمشافهة والتلقي والرواية.
وكتبوا هذه المصاحف متفاوتة في الحذف، والإثبات، والنقص، والزيادة، والبدل وغير ذلك، لأنهم قصدوا اشتمالها على الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، وجعلت خالية من النقط والشكل تحقيقا لهذا الغرض.
стр. 142
فالكلمات التي اشتملت على أكثر من قراءة، وخلوّها من النقط والشكل يجعلها محتملة لما اشتملت عليه من قراءات، كتبوها برسم واحد في جميع المصاحف، وذلك كنحو قوله تعالى: فتبيّنوا (١) وردت فيها قراءتان الأولى: فتبينوا والثانية: فتثبتوا وكلاهما يحتملها الرسم الواحد المجرد من النقط والشكل (٢).
أما الكلمات التي وردت على قراءتين أو أكثر، وتجريدها من النقط لا يجعلها محتملة لما وردت فيها من قراءات، فلم يكتبوها برسم واحد في جميع المصاحف، وإنما كتبوها في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفي بعضها برسم آخر يدل على القراءة الأخرى، نحو قوله:
ووصّى وقوله: وأوصى فكتبوها في بعض المصاحف بواوين بينهما ألف كما هو الحال في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام، وكتبوها في بعضها الآخر بواوين من غير ألف كما هو الحال في مصاحف أهل مكة وأهل العراق (٣).
ووزعوا مثل هذه الحروف التي لا يحتملها الرسم الواحد على سائر المصاحف.
وإنما لم يكتبوا هذا النوع من الكلمات برسمين معا في مصحف واحد، خشية أن يتوهم أن اللفظ نزل مكررا بقراءة واحدة.
стр. 143
وكذلك لم يكتبوا هذه الكلمات برسمين، أحدهما في الأصل والثاني في الحاشية، لئلا يتوهم، أن الثاني تصحيح للأول، وأن الأول خطأ (١).
فكانت هذه الطريقة في كتابة المصاحف أدنى إلى الإحاطة بالوجوه التي نزل عليها القرآن، إيجازا واختصارا.
فاشتملت هذه المصاحف على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل ﵇ متضمنة لها لم تترك حرفا منها.
قال ابن الجزري: «وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له» (٢).
وقيل: إن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والأول قول أئمة السلف والعلماء والثاني قول طوائف من أهل الكلام والقراء وغيرهم» (٤).
وعند ما وصلت المصاحف إلى الأمصار سارع المسلمون إلى نسخ المصاحف منها حرفا بحرف، وكلمة بكلمة، ثم مقابلة مصاحفهم عليها، وأصبحت أصولا تقتدى، وحرقوا ما عداها، وترك الصحابة مصاحفهم، واتبعوا المصحف الإمام (٥) ومن ثم لاحظ علماء القرآن وحفاظه هيئة
стр. 144
هذا الرسم وما جاء فيه من حذف أو إثبات، وزيادة أو نقص أو بدل، فوصفوا هجاء كل كلمة وردت في المصحف العتيق وبخاصة تلك التي تميزت برسم معين، فوصفوها بالعدد والوزن والوصف الدقيق.
ومن ثم نشأ علم الرسم، وإن لم يعرف بالعلم كعلم مستقل، ولكن يعد ذلك أصل نشأته.
فكانت المصاحف العثمانية التي أرسلها عثمان إلى الآفاق هي المصدر الأول لهذا العلم، وصارت أصل ما يكتب بعد ذلك.
ولارتباط القراءة بخط المصاحف تتبع القراء هجاء المصاحف، قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ): «ورأوا تتبع حروف المصاحف وحفظها عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها» (١).
وأوجب الإمام العقيلي الاعتماد على المصاحف الأصول عند نسخ المصاحف فقال: «والقول الحق الذي يجب المصير إليه، أنه لا بد لكل من قصد نسخ مصحف من أصل يعتمد عليه، فإن من وكل إلى نفسه في انتحال مصنوع تعب وزلّ» (٢).
فهذا الغازي بن قيس (ت ١٩٩ هـ) عرض مصحفه وصححه على مصحف نافع بن أبي نعيم (ت ١٦٩ هـ) ثلاث عشرة مرة أو أربع عشرة مرة (٣).
فأخذ عنه الرسم عمليا وعلميا.
стр. 145
وحينئذ وجه الأئمة عنايتهم إلى رسم المصاحف وإقامتها على نحو ما جاء في المصحف الإمام الذي وجه إليهم، فقامت المصاحف المنسوخة من الأمهات مقام الأصول.
فروى الأئمة عن المصاحف العثمانية أصولا وفروعا طريقة رسم هجاء الكلمات، وما أن وصلت تلك الرواية إلى عصر انتشار تدوين العلوم، حتى سارع علماء القراءات إلى تسجيل تلك الروايات في كتب، كانت أساسا لحفظ صور هجاء المصاحف، كما فعل ذلك نافع بن أبي نعيم (ت ١٦٩ هـ)، والغازي بن قيس (ت ١٩٩ هـ)، والمؤلف أبو داود (ت ٤٩٦ هـ) في مختصر التبيين لهجاء التنزيل.
وإلى كل ذلك أشار أبو عبد الله الخراز (ت ٧١٨ هـ) في نظمه:
ووضع الناس عليه كتبا* كل يبين عنه كيف كتبا (١)
مصادر التأليف في الرسم العثماني:
وإذا تأملنا مصادر هجاء المصاحف، نجد أنها تنحصر في ثلاثة أنواع على الترتيب.
أولها المصاحف المنسوخة من الأمهات:
وهي النواة الأولى التي عليها مدار التأليف في الهجاء، فأخذ علماء الرسم مادتهم منها، ونقلوا منها وصف هجاء الكلمات القرآنية.
стр. 146
والنوع الثاني: الرواية:
دوّن علماء الرسم ما رأوه في مصاحف بلدهم أو في مصاحف مصر من الأمصار، فوصفوا هجاءها وتناقل العلماء هذه الروايات تبعا لرواية القراءة.
والنوع الثالث: الكتب المؤلفة في الرسم
بعد عصر التدوين من باب الحرص على كتاب الله، فحفظت لنا هذه المؤلفات صور الكلمات القرآنية ووصف هجائها، وبخاصة تلك التي تميزت بزيادة أو نقص أو بدل، أو حذف أو إثبات.
ولسوف نتابع الكلام على الأنواع الثلاثة إن شاء الله.
أولا: المصاحف:
وقد ظلت المصاحف الأمهات المادة الأولى إلى جانب روايات الأئمة للتأليف في الرسم، فكان العلماء يحملون روايات الرسم ويضيفون إليها ما رأوه في مصاحف أهل بلدهم، أو ربما صححوا بعض الروايات على ما جاء في المصاحف العتق القديمة فيعاضدون الرواية بما تأملوه في المصاحف العتيقة، وقد لاحظت ذلك عند عاصم الجحدري (ت ١٢٨ هـ) ويحيى بن الحارث الذماري (ت ١٤٥ هـ) وأبي عبيد القاسم (ت ٢٢٤ هـ)، وأبي حاتم سهل بن محمد (ت ٢٥٥ هـ) وأبي عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ) (١) وأبي داود سليمان بن نجاح (ت ٤٩٦ هـ) وغيرهم (٢). فكان هؤلاء إذا عدموا الرواية أو وجدوا خلافا رجعوا إلى المصاحف الأمهات المظنون بها الصحة.
стр. 147
وخير من يمثل هذا الاتجاه أبو عمرو الداني في كتابه «المقنع» وأبو داود في كتابه: «مختصر التبيين». قال الداني: «وتأملت مصاحف أهل العراق» وقال: «تتبعت مصاحف أهل المدينة والعراق العتق القديمة».
بل ذكر أنه تتبع المصاحف كلها، فقال: «في المصاحف كلها الجدد والعتق» وقال: «تتبعت ذلك في المصاحف فوجدته على ما أثبته» (١).
ويشير الداني إلى تتبعه بعض الحركات في المصاحف العتيقة، فيقول:
إنه رأى مصحفا جامعا عتيقا، كتب في أول خلافة هشام بن عبد الملك سنة عشر ومائة، كان تاريخه في آخره (٢).
ويقول أيضا: «ورأيت في مصحف كتبه ونقطه حكم بن عمران الناقط ناقط أهل الأندلس في سنة ٢٢٧ هـ، الحركات نقطا بالحمراء» (٣).
وكذلك أبو داود كان يتتبع بعض الحروف في المصاحف القديمة عند ما يفقد الرواية يتأمل المصاحف، فقال: «تأملتها في المصاحف القديمة» ذكر ذلك عند قوله تعالى: اجتبه (٤)، فالشيخان حجة في هجاء المصاحف.
قال حسين علي الرجراجي (ت ٨٩٩ هـ): «وإنما الحجة بالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة ﵃ وهي التي اطلع عليها أبو عمرو الداني وأبو داود، وغيرهما من الشيوخ المقتدى بهم في هذا الشأن» (٥).
стр. 148
وقد لاحظت أن من أكثر علماء الرسم رجوعا إلى المصاحف العتق المظنون بها متابعة المصاحف العثمانية علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ)، فيؤكد روايته للرسم برؤيته وتأملاته للمصاحف القديمة العتيقة.
روى أبو عمرو الداني بسنده عن أبي الدرداء أن الباء زيدت في الموضعين في قوله تعالى: والزّبر والكتاب المنير (١).
وذكر عن الأخفش هارون بن موسى (ت ٢٩٢ هـ) في كتابه أن الباء زيدت في الإمام الذي وجه به إلى الشام: وبالزبر وحدها، قال الداني: «والأول عندي أثبت، لأنه عن أبي الدرداء» (٢).
قال علم الدين السخاوي: «والذي قاله الأخفش هو الصحيح إن شاء الله، لأني كذلك رأيته في مصحف أهل الشام عتيق يغلب على الظن أنه مصحف عثمان، أو هو منقول منه» ثم قال: «وقد كشفته، وتتبعت الرسم الذي اختص به مصحف الشام، فوجدته كله فيه» (٣).
بل إن السخاوي أنكر على من لم يتأمل المصاحف، ويتساهل في إطلاق إجماع المصاحف على حرف ما.
فذكر الداني والشاطبي وأبو داود أن قوله تعالى: فخراج ربّك (٤) في جميع المصاحف بالألف (٥).
стр. 149
قال علم الدين السخاوي: «وقد رأيت أنا في المصحف العتيق الشامي الذي ذكرته فيما تقدم: «فخرج بغير ألف، ولقد كنت قبل ذلك أعجب من ابن عامر، كيف تكون الألف ثابتة في مصحفهم، ويسقطها في قراءته، حتى رأيتها في هذا المصحف، فعلمت أن إطلاق القول بأنها في جميع المصاحف بألف ليس بجيد، ولا ينبغي لمن لم يطلع على جميعها دعوى ذلك» (١).
بل إنه توسع في الرجوع إلى المصاحف، وشملت تأملاته ورؤيته المصاحف المكية والمدنية والعراقية والمصحف الإمام، ولم يقتصر على المصحف الشامي (٢).
فالإمام السخاوي وغيره، لا يكتفى برواية الرسم، وما تلقاه من شيوخه بالرواية، بل يؤكد ذلك برؤيته ومشاهدته للمصحف الإمام العتيق.
وأحيانا يتأمل المصاحف ولا يقتصر على البعض كما نص على ذلك بقوله: «فإني قد كشفت جملة من المصاحف» (٣) ومن ذلك مثلا أن أبا عمرو الداني ذكر أن الألف مرسومة بعد الواو في قوله تعالى:
سبع سموات (٤).
قال علم الدين السخاوي: «وهذا الذي ذكره أبو عمرو الداني فيه نظر، فإني كشفت المصاحف القديمة التي يوثق برسمها وتشهد الحال بصرف
стр. 150
العناية إليها، فإذا هم قد حذفوا فيها الألفين من: سموت في فصلت كسائر السور، وكذلك رأيتها في المصحف الشامي ... » (١).
وهذا المصحف الذي ينقل منه الإمام السخاوي ذكره الإمام أبو شامة الدمشقي (ت ٦٦٥ هـ) أنه رآه، فقال: «وكذا رأيته أنا في مصحف عندنا بدمشق، هو الآن بجامعها بمشهد علي بن الحسين، يغلب على الظن أنه المصحف الذي وجهه عثمان ﵁ إلى الشام، ورأيته كذلك في غيره من مصاحف الشام العتيقة» (٢) وكذا رآه الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) وحدد مكانه، فقال: «وأما المصاحف العثمانية، فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديما بمدينة طبرية، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما، بخط حسن مبين قوي، بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم زاده الله تشريفا وتعظيما وتكريما» (٣).
وكذا ذكر الحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) أنه رآه وحدد مكانه، فقال:
«هو بالمشهد الشرقي الشمالي، الذي يقال له مشهد علي بالجامع الأموي من دمشق المحروسة، وأخبرنا شيوخنا الموثوق بهم، أن هذا المصحف كان أولا بالمسجد المعروف ب: «الكوشك» داخل دمشق الذي جدد عمارته
стр. 151
الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ﵀، وأن السخاوي ﵀ كان سبب مجيئه إلى هذا المكان من الجامع» (١)، وكذلك الحافظ ابن الجزري كان يتأمل بعض الحروف في المصاحف الأمهات فقال: «ثم رأيتها- يبنؤمّ (٢) - بالمصحف الكبير الشامي الكائن بمقصورة الجامع الأموي المعروف بالمصحف العثماني، ثم رأيتها بالمصحف الذي يقال له الإمام بالديار المصرية، وهو الموضوع بالمدرسة الفاضلية داخل القاهرة» (٣).
فهذه المصاحف حظيت بالرعاية والتقدير، ونسخ الناس عنها مصاحفهم، فالنظر في المصاحف، وتأمل هجاء حروفها هو أصل الرواية، لأن المصاحف سابقة على الرواية.
فالمصاحف الأمهات ظلت ولا تزال مصدرا لكتابة المصاحف ومصدرا للتأليف والتصنيف، فحفظت لنا وصفا دقيقا لهجاء الكلمات القرآنية عمليا في النسخ التي كتبت نقلا عن المصاحف العثمانية، ومطابقة لها، وعلميا برواية صفة تلك الهيئة الإملائية التي كتبت بها المصاحف العثمانية وصفا دقيقا، وهذا ما سيتجلى في المبحث الآتي.
стр. 152
ثانيا: الرواية:
إن المؤلفات المتقدمة في رسم المصحف لم يصل إلينا منها شيء، إلا أن بعض المؤلفات في هجاء المصاحف التي تأتي متأخرة، قد نقلت ما جاء في تلك الكتب رواية، فنجد المؤلف يسند ما يذكره في كتابه إلى الأئمة المتقدمين، إضافة إلى ما قد يدونه من رؤيته وملاحظته، ونقله عن مصاحف عصره.
وإني قد لاحظت أن رواية الرسم سارت جنبا إلى جنب مع رواية القراءة، بل إن الرسم عده علماء القراءات ركنا من أركان قبول القراءة، لذلك نجد أن المؤلفين في القراءات لم تخل كتبهم من الكلام على الرسم، فعقدوا له بابا، وما ذلك إلا لبيان أن الرسم له تعلق كبير بالقراءة.
قال أبو العباس المهدوي (ت ٤٣٠ هـ): «إذ لا يصح بعض ما اختلف القراءة فيه دون معرفته» (١) أي رسم المصاحف فقد ظهر في كل مصر من الأمصار إمام روى ما في مصحف بلده، وكان يومها لا يفصل بين رواية القراءة ورواية الرسم، فقد روى أئمة القراءات وصف هجاء الكلمات إلى جانب روايتهم للقراءات، لشدة الصلة الوثيقة بين الرسم والقراءة.
وكما كانت المدينة النبوية دارا للسنة، كانت قبل ذلك ومعه دارا للقرآن، قراءاته ورسمه. فكان من أهل المدينة ممن روى الرسم عبد الرحمن بن هرمز
стр. 153
الأعرج المدني (ت ١١٧ هـ)، تابعي جليل روى الرسم عن نافع وعن مصاحف أهل المدينة (١).
إلا أن إمام المدينة في الرسم هو نافع بن أبي نعيم المدني (ت ١٦٩ هـ)، قرأ على سبعين من التابعين، فكان أكثر من غيره في رواية رسم هجاء أهل المدينة.
قال أبو بكر اللبيب: «فكان المصحف الذي أعطاه عثمان ﵁ لأهل المدينة لا يزال عنده، فبكثرة مطالعته له، ومواظبته إياه، تصوره في خلده، فلم تؤخذ حقيقة الرسم إلا عن نافع» (٢).
ونقل عنه تلاميذه ما رواه في هجاء المصاحف، فكانوا أئمة في ذلك برواية أستاذهم الأول. قال اللبيب: «وعنه [أي نافع] أخذ الغازي بن قيس وعطاء بن يسار وحكم الناقط وغيرهم» (٣).
إضافة إلى ما نقلوه بأنفسهم عن مصاحف المدينة مما شاهدوه ورأوه.
ومنهم سليمان بن مسلم بن جماز، المتوفى بعد ١٧٠ هـ، قرأ مصحف عثمان وروى منه (٤).
ومنهم خالد بن إياس بن صخر بن أبي الجهم (ت ٢٢٤ هـ)، ذكر أنه قرأ مصحف عثمان بن عفان ﵁، فوجد فيه مما يخالف
стр. 154
مصاحف أهل المدينة اثني عشر حرفا (١).
ومنهم إسماعيل بن جعفر المدني (ت ١٨٠ هـ)، روى عن مصاحف أهل الحجاز وأهل العراق (٢).
ومنهم عيسى بن مينا قالون (ت ٢٢٠ هـ)، أكثر من رواية الرسم والقراءة، فقال: «قرأت على نافع قراءته غير مرة، وكتبتها في كتابي» (٣).
أقول: وقد ضمن أبو عمرو الداني هذه الروايات في كتابه المقنع (٤)، إلا أن الغازي بن قيس (ت ١٩٩ هـ) أكثر منه رواية في الرسم عن نافع.
ومن الملازمين له. روى الرسم عن مصاحف أهل المدينة، وهو المعتمد في النقل عنها، وضمن هذه الروايات في كتابه: «هجاء السنة»، وقد سبق أن ذكرنا أنه صحح مصحفه على مصحف نافع ثلاث عشرة مرة أو أربع عشرة مرة (٥).
واعتمد عليه أبو داود في الرواية والنقل عند الاختلاف كما يتبين ذلك في منهجه ومصادره.
وظهر في مدينة البصرة عاصم بن أبي الصباح الجحدري (ت ١٢٨ هـ)، وهو من المكثرين لرواية الرسم، روى عن المصحف الإمام وقرأه، وتأمل
стр. 155
ما فيه من الهجاء، ونقل عنه الداني، وكان يقول: «رأيت في مصحف عثمان»، ويقول: «كل شيء في الإمام مصحف عثمان»، وأكثر إحالاته التي وردت في المقنع على المصحف الإمام (١).
وروى عنه المعلى بن عيسى الوراق، وكان يسأله عن هجاء بعض الحروف.
وكان ممن روى عنهما هجاء المصاحف من أهل البصرة إمام القراءة فيها أبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) روى عن مصاحف أهل المدينة والحجاز وغيرها.
ومن البصريين أيضا أيوب بن المتوكل (ت ٢٠٠ هـ)، روى عن مصاحف أهل المدينة، وأهل الكوفة وأهل مكة وعتق مصاحف أهل البصرة (٢).
ومنهم يحيى بن المبارك اليزيدي، (ت ٢٠٢ هـ)، روى عن مصاحف أهل المدينة، ومكة والحجاز.
ومنهم: خالد بن خداش، (ت ٢٢٤ هـ)، نقل عن المصحف الإمام ورآه، وروى منه (٣).
وكان في الكوفة من أئمة الرواية في الرسم المقرئ الإمام حمزة بن حبيب الزيات، (ت ١٥٦ هـ)، وردت عنه روايات في الرسم نقلها الداني في المقنع، وكذا وردت روايات في الرسم عن علي بن حمزة الكسائي
стр. 156
أجل أصحابه، وذكر أنه رأى بعض مصاحف الصحابة كأبي بن كعب ﵃، وروى عن مصاحف أهل الكوفة، وأهل المدينة، وأهل البصرة (١).
ومن أهل الكوفة أيضا خلف بن هشام البزار أبو محمد، (ت ٢٢٩ هـ)، وهو من المكثرين في رواية الرسم، ومن المتوسعين في الرواية، وردت عنه روايات عن مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، بل ذكر أنه طالع في عصره المصاحف كلها الجدد والعتق (٢).
ومنهم علي بن زيد بن كيسة (ت ٢٠٢ هـ)، ويحيى بن زياد الفراء الكوفي (ت ٢٠٧ هـ)، وأبو جعفر محمد بن سعدان الداني الضرير (ت ٢٨١ هـ)، وردت عن هؤلاء روايات في الرسم في المقنع (٣).
ونجد في الشام أن الصحابي الجليل أبا الدرداء عويمر بن زيد الأنصاري (ت ٣٢ هـ) وردت عنه روايات في الرسم عن مصحف أهل الشام، نقل عنه الداني بسنده في المقنع (٤)، ولا شك أنه تلقى المصحف الذي أرسله عثمان إلى الشام، وأخذ عنه عبد الله بن عامر الشامي، إضافة إلى ما روي عنه من روايات في رسم مصحف بلده، وروى عنه يحيى بن الحارث الذماري (ت ١٤٥ هـ)، وروى عن المصحف الإمام (٥).
стр. 157
وممن روى عنه في الرسم من أهل الشام هشام بن عمار ت ٢٤٥ هـ (١).
وظهر في بغداد إمام الأئمة أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ)، وغالب ما يرويه في الهجاء عن المصحف الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁، فنص على ذلك بقوله: «رأيت في الإمام، مصحف عثمان ابن عفان، استخرج لي من بعض خزائن الأمراء».
وكان يكثر من قوله في وصف هجاء بعض الحروف: «ثم تأملتها في الإمام فوجدتها» ثم يذكر ما رآه وشاهدوه، فهذا يدل على أنه اطلع على المصحف الإمام ورآه، وتأمل وصف هجاء بعض الحروف فيه.
ونقل أبو عمرو الداني وأبو داود هذه الروايات في كتابيهما: «المقنع في معرفة مرسوم مصاحف الأمصار»، و «مختصر التبيين لهجاء التنزيل (٢)».
وذكر أبو بكر اللبيب أن أبا عبيد رأى المصحف الإمام، وذكر في كتابه المعروف بفضائل القرآن (٣) أنه تصفحه كله، ورقة ورقة (٤).
إلا أن نافع بن أبي نعيم يروي عن مصحف أهل المدينة، وأبو عبيد يروي عن الإمام مصحف عثمان بن عفان، فإن المصحف الذي رآه أحدهما ونقل منه غير المصحف الذي رآه الآخر ونقل منه.
وبتقدم الزمن، وزيادة الاتصال عن طريق الرحلة لطلب العلم وأداء
стр. 158
الحج، توسع علماء الرسم في الرواية، فشمل ما يرويه العالم من مصحف أهل بلده جميع مصاحف الأمصار.
فهذا أبو عبيد القاسم يروي عن جميع مصاحف الأمصار، فعقد فصلا في كتابه فضائل القرآن عن اختلاف مصاحف أهل الحجاز، وأهل العراق، وأهل الشام، وأهل الكوفة والبصرة (١). وهذا نصير بن يوسف النحوي يروي أيضا عن جميع المصاحف المدنية والبصرية والكوفية، وما يكتب بالشام وما يكتب بمدينة السلام (٢).
فتوفرت روايات عن هجاء مصاحف الأمصار لدى العلماء، وحينئذ أفرده بالتأليف جماعة، اهتماما بشأنه، فصنفوا فيه كتبا ومؤلفات، حفظت لنا رسمه وهجاءه.
وننتقل الآن إلى تتبع هذه المؤلفات وذكرها حسب التسلسل التاريخي، وحسب ما تيسر لي، والله الموفق.
стр. 159
ثالثا: الكتب المؤلفة في هجاء المصاحف:
ومن المؤلفين في اختلاف المصاحف والهجاء عبد الله بن عامر اليحصبي المتوفى ١١٨ هـ أحد القراء السبعة.
صنف كتابا في مقطوع القرآن وموصوله، وكتابا في اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق، ذكر ذلك ابن النديم (١) وروى أبو عمرو الداني بسنده عن عبد الله بن عامر حروفا عن مصاحف أهل الشام (٢).
وذكر ابن النديم كتبا في هجاء المصاحف، فقال:
الكتب المؤلفة في هجاء المصاحف، ونسب كتابا منها إلى يحيى بن الحارث الذماري (٣) راوي ابن عامر المتوفى ١٤٥ هـ (٤)، وفعلا وردت عنه روايات في الرسم من الأمهات رواها أبو عمرو (٥).
وألف أبو عمرو بن العلاء البصري المتوفى ١٥٤ هـ كتابا في مرسوم المصحف (٦).
وألف أبو الحسن الكسائي (ت ١٨٠ هـ) كتابا في الهجاء ذكره إسماعيل باشا (٧).
стр. 160
وذكر له ابن النديم كتابا في مقطوع القرآن وموصوله (١).
ومن البارزين في علم هجاء المصاحف الغازي بن قيس أبو محمد الأندلسي، المتوفي ١٩٩ هـ، صنف كتابا في هجاء المصاحف سماه" هجاء السنة" روى فيه الهجاء عن مصاحف أهل المدينة، ذكره أبو عمرو الداني ونقل منه في مواضع كثيرة، ورآه فقال: «ورأيت هذه المواضع في كتاب هجاء السنة» واعتمد عليه المؤلف أبو داود ونقل عنه، وذكر اللبيب «أنه طالع بعضا منه قبل أن يشرع في شرحه على العقيلة» (٢) ومن المؤلفين في هجاء المصاحف حكم بن عمران الأندلسي القرطبي (٣) نقل عنه أبو داود ونسب له كتابا في الرسم ولم يسمه، إلا أنني من خلال التتبع للناقلين عنه وجدت أبا بكر اللبيب في شرحه على العقيلة سمّى كتابه فقال «وقال حكم الناقط في سبيل الأعراف إلى ضبط المصحف» (٤) ولقد عثرت على نص يقرب بيان عصر المؤلف، سيأتي بعد، وفيه أن حكما الناقط أخذ عن نافع الرسم.
ولعطاء بن يسار الأندلسي (٥) كتاب في هجاء المصاحف نص عليه أبو بكر اللبيب في شرحه على العقيلة وذكر أنه طالعه وسماه: «الدر المنظوم في معرفة المرسوم» (٦)، ثم ذكر له كتابا آخر، فقال: «وقال عطاء بن يسار في كتاب اللطائف في علم رسم المصاحف».
стр. 161
وذكر أبو عمر أحمد الطلمنكي صاحب كتاب علم المصاحف أنه رآه فقال: «رأيت في كتاب اللطائف في علم رسم المصاحف لعطاء بن يسار» (١).
ولقد ظفرت بنص يقرب معرفة عصره الذي عاش فيه، قال اللبيب:
«فلم تؤخذ حقيقة الرسم إلا عن نافع، وعنه أخذ الغازي بن قيس، وعطاء بن يسار، وحكم الناقط، وغيرهم» (٢).
ومن المؤلفين في اختلاف المصاحف أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ. ذكر له ابن النديم كتاب اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام في المصاحف، وله: «آلة الكتاب» و «الوقف والابتداء» وغيرها من المؤلفات (٣).
ومن حين لآخر نجد له بعض الوصف لهجاء المصاحف في كتابه معاني القرآن (٤).
وألف أبو الحسن علي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) (٥) كتابا في هجاء المصاحف ذكره ابن النديم وسماه بقوله: «وكتابا في اختلاف المصاحف للمدائني» (٦).
стр. 162
ومن المؤلفين في اختلاف المصاحف خلف بن هشام البزار المتوفى سنة ٢٢٩ هـ (١). روى عن الكسائي، ذكر ابن النديم أنه ألف كتاب اختلاف المصاحف (٢).
ولقد رأيت له روايات في الرسم ذكرها أبو عمرو الداني (٣).
ومن العلماء الذين ألفوا في موضوع هجاء المصاحف نصير بن يوسف ابن أبي نصر أبو المنذر الرازي، ثم البغدادي النحوي المتوفى ٢٤٠ هـ.
نقل ابن الجزري عن أبي عبد الله الحافظ، فقال: «كان من الأئمة الحذاق، لا سيما في رسم المصحف، وله فيه تصنيف» ثم قال ابن الجزري: «مصنفه هذا رواه» (٤).
ونقل عنه أبو عمرو الداني مواضع كثيرة بل أبوابا في المقنع (٥)، ومثله ابن أبي داود في المصاحف (٦)، كما نقل عنه أبو داود في التنزيل.
وصنف كتاب الجامع في القراءات، وكتابا في العدد وفي الرسم.
وممن صنف وألف في هجاء المصاحف:
محمد بن عيسى بن إبراهيم بن رزين أبو عبد الله التيمي الأصبهاني المتوفى ٢٤٢ هـ.
стр. 163
ذكر له ابن الجزري كتابا في الرسم (١)، ونقل أبو عمرو الداني عنه في مواضع كثيرة في المقنع (٢)، وكذا ابن أبي داود في المصاحف (٣). كما ذكره الذهبي (٤).
كما نقل منه وسماه أبو محمد عبد الله بن عمر الصنهاجي، فقال:
«وقال محمد بن عيسى الأصبهاني في كتابه في هجاء المصاحف» (٥)، وفعل مثله ابن عاشر (٦).
بل إن علم الدين السخاوي ذكر أنه رآه، قال: «وكذلك رأيته أنا في كتاب محمد بن عيسى الأصبهاني» (٧).
ومن مصنفات هجاء المصاحف ما ذكره أبو بكر اللبيب في شرحه على العقيلة، فقال: «قال الشارح رأيت في تلمسان عند شيخي أبي عبد الله ابن خميس ﵀: الدر المنظوم في رسم القرآن العظيم ونسيت المؤلف، وأظنه الطلمنكي» (٨).
ولعل الصواب هو كتاب «الدر المنظوم في معرفة المرسوم» لعبد الله بن سهل، وسماه في بعض المواضع: «الدر المنظم في معرفة المرسوم» (٩)، وسماه صاحب التبيان أبو محمد الصنهاجي بقوله: «صاحب الدر المنظوم في علم معرفة المرسوم» (١٠).
стр. 164
وقوله: «وأظنه الطلمنكي» ليس صحيحا، لأن الطلمنكي كتابه يعرف باسم «كتاب علم المصاحف» كما سأذكره.
وألف أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني المتوفى ٢٥٥ هـ كتابا في اختلاف المصاحف (١)، وكتابا في الهجاء (٢)، ووردت عنه روايات في الرسم عن المصاحف الأمهات ونقل منها، روى عنه ابن أبي داود وأبو عمرو الداني في مواضع من كتابيهما، وذكر أنه رأى مصحف عثمان ﵁ (٣).
ومن المؤلفين في مقطوع القرآن وموصوله حمزة بن حبيب بن عمارة الكوفي التيمي أحد القراء السبعة المتوفى سنة ٢٥٦ هـ. ذكر له ابن النديم كتابا في موصول القرآن ومقطوعه تحت ترجمة الكتب المؤلفة في موصول القرآن ومقطوعه (٤).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف أبو العباس أحمد بن إبراهيم ابن عثمان الورّاق، وراق خلف مشهور، توفي في حدود ٢٧٠ هـ (٥)، ذكر له ابن النديم تأليفا في هجاء المصاحف (٦).
ومن المؤلفين في الهجاء محمد بن يزيد المبرد المتوفى ٢٨٥ هـ له كتاب في الخط والهجاء وتصانيف أخرى (٧).
стр. 165
وألف أبو العباس أحمد بن زيد ثعلب المتوفى ٢٩١ هـ كتابا في القراءات وفي الوقف والابتداء، وكتابا في الهجاء، وغيرها (١).
وصنف أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن عثمان الكسائي المتوفى ٢٩٧ هـ كتبا. منها: كتاب معاني القرآن، وكتاب القراءات، وكتاب العدد، وكتاب مقطوع القرآن وموصوله، وكتاب الهجاء، وغيرها (٢).
وكتاب اختلاف مصاحف أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة (٣).
وألف أبو عبد الله المفجع بن محمد بن عبد الله الكاتب البصري كتابا في الهجاء، ذكر ابن النديم أن له كتابا في الهجاء وغيره. لقي ثعلب (ت ٢٩١ هـ) وأخذ عنه (٤).
ومن المؤلفين في الهجاء أبو بكر محمد بن عثمان الجعد صاحب ابن كيسان المتوفى ٢٩٩ هـ، صنف كتابا في القراءات، وكتابا في معاني القرآن، وكتاب الهجاء، وغيرها (٥).
وألف أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن كيسان المتوفى ٢٩٩ هـ كتابا في الوقف والابتداء، وكتاب القراءات، وكتاب الهجاء، وغيرها (٦).
стр. 166
ومن المصنفين في هجاء المصاحف يعقوب بن أبي شيبة (١) ذكر له ابن النديم كتابا في هجاء المصاحف (٢).
ومن المؤلفين في اختلاف المصاحف أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني المتوفى ٣١٦ هـ.
ذكر له ابن النديم كتاب اختلاف المصاحف (٣) وله كتاب المصاحف (٤).
ومن المؤلفين في اختلاف المصاحف محمد بن عبد الرحمن بن محمد أبو جعفر الأصبهاني شيخ ابن مجاهد ت ٣٢٤ هـ (٥) ذكر له ابن النديم كتابا في اختلاف المصاحف (٦).
ومن أكثر المهتمين برواية الرسم والتأليف فيه أبو بكر محمد بن القاسم ابن بشار الأنباري المتوفى ٣٢٧ هـ ألف وصنف في هجاء المصاحف، فله كتاب الهجاء ذكره ابن النديم، وياقوت الحموي، والسيوطي، وكتاب الرد على من خالف مصحف عثمان ذكره ابن النديم وابن خلكان (٧).
ورأيت له كتابا مختصرا مخطوطا بعنوان: «كتاب فيه مرسوم الخط،
стр. 167
وما اختلف فيه قراء الأمصار وما اتفقوا عليه من ذلك على التمام والكمال» (١)، وله كتاب فيه مرسوم الخط (٢)، وله كتاب في المقطوع والموصول (٣)، وله كتاب اللامات، وكتاب الهاءات، وكتب أخرى تتعلق بالمصاحف والقراءات (٤).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف: أبو بكر محمد بن الحسن المشهور بابن مقسم النحوي المتوفى ٣٣٢ هـ. ألف كتابا في هجاء المصاحف اسمه:
«كتاب علم اللطائف في هجاء المصاحف»، وله أيضا كتاب المصاحف.
سمى كتابه الأول ونقل منه علم الدين السخاوي، فقال: «وقال ابن مقسم النحوي في كتابه المسمى بكتاب علم اللطائف في هجاء المصاحف»، وسمى كتابه الثاني ابن النديم (٥) وذكره إسماعيل باشا باسم:
«اللطائف في جمع همزة المصاحف» وهو تصحيف والصواب أن اسمه:
«اللطائف في جمع رسم المصاحف»، وله كتب أخرى في القراءات والعدد والوقف والابتداء وغيرها (٦).
وصنف أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه المتوفى سنة ٣٤٧ هـ كتابا في الهجاء، ذكر ذلك أبو بكر محمد الزبيدي الأندلسي (ت ٣٧٩ هـ)
стр. 168
فقال: «ومنها كتابه في الهجاء، وهو فائق في معناه غريب في مغزاه» (١).
وذكره ابن النديم وإسماعيل باشا (٢). وله كتاب الكتاب أيضا في الهجاء (٣).
وألف أبو الحسن أحمد بن سعد الكاتب الأصبهاني المتوفى في حدود ٣٥٠ هـ كتاب الهجاء، ذكره حاجي خليفة (٤).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد ابن أشتة الأصبهاني المتوفى ٣٦٠ هـ له كتابان في علم هجاء المصاحف:
الأول: كتاب علم المصاحف، والثاني: كتاب المحبّر. وصفه ابن الجزري بقوله: «وكتابه المحبّر كتاب جليل يدلّ على عظم مقداره». وذكر أبو بكر اللبيب أنه طالع الكتابين، ونقل منهما في شرحه على العقيلة، فقال:
«وذكره ابن أشتة في كتاب المحبّر، وفي كتاب علم المصاحف» (٥).
وألف أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري، المتوفى ٣٨١ هـ، صاحب كتاب الغاية في القراءات العشر، كتابا في هجاء المصاحف (٦)، نقل منه وذكر أنه اعتمد عليه صاحب كتاب في الهجاء، لم يرد اسمه في المخطوطة. ذكر في آخره خمسة عشر كتابا استخرج كتابه في الهجاء منها
стр. 169
وسردها، ومنها كتاب الهجاء لابن مهران (١).
وألف أبو الحسن علي بن عيسى الرماني المتوفى ٣٨٤ هـ كتابا في الهجاء ذكره إسماعيل باشا (٢). وذكر له ابن النديم تصنيفا في الهجاء، فقال: «له كتاب الهجاء وكتاب الألفات في القرآن» ثم عدد بقية مؤلفاته (٣).
ومن العلماء الذين لهم تصنيف في الهجاء أبو عمرو أحمد بن محمد ابن عبد الله بن لب بن يحيى الطلمنكي الأندلسي المتوفى ٤٢٩ هـ (٤) له كتاب الروضة في القراءات، وكتاب علم المصاحف، ونقل منه أبو بكر اللبيب مواضع كثيرة في شرحه على العقيلة وسماه بقوله: «قال الطلمنكي في كتاب علم المصاحف (٥)» بل ذكر أنه رآه حيث قال:
«وكذلك رأيتها أيضا في كتاب الطلمنكي» (٦).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف أبو العباس أحمد بن عمّار المهدوي المتوفى بعد ٤٣٠ هـ، ألف كتابا في هجاء مصاحف الأمصار بعنوان:
«جزء فيه هجاء مصاحف الأمصار على غاية التقريب والاختصار» (٧).
стр. 170
وصنف أبو محمد مكي بن أبي طالب حمّوش بن محمد القيسي المتوفى ٤٣٧ هـ كتابا في هجاء المصاحف ذكره ياقوت (١) وسماه القفطي:
«علل هجاء المصاحف» (٢). وله كتاب الاختلاف في الرسم من: «هؤلاء» والحجة لكل فريق (٣).
ومن المصنفين في هجاء المصاحف الشيخ إسماعيل بن ظاهر بن عبد الله أبو طاهر العقيلي، إمام في فن القراءات، ألّف كتابا في هجاء المصاحف بعنوان: «مختصر في رسم المصحف الشريف» (٤). وصفه ابن الجزري بقوله: «له كتاب في الرسم من أحسن ما ألف في ذلك» (٥).
ومن المصنفين في هجاء المصاحف الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف ابن أحمد بن معاذ الجهني القرطبي الأندلسي المتوفى ٤٤٢ هـ ألّف كتابا في هجاء المصاحف سمي ب: «كتاب البديع في معرفة ما رسم في مصحف عثمان بن عفان» (٦).
ولقد بلغ التأليف ذروته في هجاء المصاحف بما كتبه الشيخان الكبيران أبو عمرو الداني وأبو داود سليمان بن نجاح. فأبو عمرو الداني عثمان بن سعيد ألّف كتبا في هجاء المصاحف وفي القراءات وغيرها.
стр. 171
قال أبو بكر اللبيب: «رأيت لأبي عمرو الداني ﵀ في برنامج مائة وعشرين تأليفا، منها في الرسم أحد عشر كتابا، وأصغرها حجما المقنع». وهو من أشهر كتبه المطبوعة، واسمه الكامل: «المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار»، وجاء في آخره: «تمّ كتاب الهجاء في المصاحف». وأشار الداني في المقنع إلى أن له كتابا آخر بين فيه علل مرسوم المصاحف. فقال: «وعلل ذلك مبيّنة في كتابنا الكبير» (١).
وقال أبو محمد عبد الله بن عمر الصنهاجي الشارح الأول: «سمعت الناظم مرارا يقول: إنهما مقنعان لأبي عمرو أحدهما أعظم جرما من الآخر، وأظن هذا الذي بأيدي الناس هو الكبير، وهو مفيد في الرسم، عليه اعتمد كثير» وكان يقول: «إنه رآه في مقدار أربعين ورقة» (٢).
وذكر اللبيب في مقدمة شرحه أنه طالع لأبي عمرو ثلاثة كتب في الرسم: المقنع، والمحكم، والتحبير (٣). فلعل كتاب التحبير هو الكتاب الكبير والله أعلم.
وألّف أيضا كتاب الاقتصاد في رسم المصحف، وهو أرجوزة (٤) في مجلد. وله رسالة في رسم المصحف (٥).
стр. 172
والشيخ الثاني الذي له مشاركة فعلية تفوق بها على غيره في علم هجاء المصاحف، هو سليمان بن نجاح، وبخاصة كتابه «التبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁» والذي جرد منه هذا المختصر الذي نحن بصدده. وقد ذكر أبو بكر اللبيب في شرحه على العقيلة أنه طالع «التبيين» لأبي داود قبل أن يشرع في الشرح.
وقد وصفه الذهبي وابن الجزري وقالا: إنه يقع في ستة مجلدات ويتبين ذلك في مؤلفات أبي داود (١).
وألف عبد الله بن شبيب في هجاء المصاحف. ذكر ابن النديم أنه ألف كتابا في هجاء المصاحف (٢).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف المقرئ أبو طاهر إسماعيل بن خلف ابن سعيد السرقسطي، المتوفى سنة ٤٥٥ هـ، فقد صنف كتابا مختصرا في هجاء المصاحف سمي ب: «مختصر ما رسم في المصحف الشريف» (٣).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف أبو معشر عبد الكريم القطان الطبري المتوفى ٤٧٨ هـ، صنف كتابا في هجاء المصاحف سماه الداودي: «كتاب المصاحف» (٤).
ومن المصنفين في هجاء المصاحف أبو عبد الله بن سهل بن يوسف المتوفى ٤٨٠ هـ، ألف كتابا سمي ب: «كتاب سبل المعارف إلى معرفة رسم
стр. 173
المصاحف»، نص عليه أبو بكر اللبيب في شرحه على العقيلة، وذكر أنه طالعه مع كتاب آخر للمؤلف نفسه سمّاه: «درة اللافظ بحكم الناقط» (١).
ومن المصنفين في هجاء المصاحف المقرئ محمود بن حمزة بن نصر الكرماني المتوفى ٥٠٥ هـ، صنف كتاب خط المصاحف (٢)، ومما يدل على تأليفه أنه أحال عليه في البرهان، فقال: «وقد ذكرته في كتاب المصاحف. (٣)» وذكره حاجي خليفة وغيره (٤).
وممّن ألّف وصنّف في هجاء المصاحف أحمد بن محمد بن سعيد بن حرب، أبو العباس المسيلي (ت ٥٤٠ هـ)، تلميذ أبي داود، صنف كتاب التقريب في القراءات السّبع وألف كتابا في هجاء المصاحف نقل منه الخرّاز في المورد، قال أبو محمد بن آجطا: «ألف كتابا في المرسوم (٥)»، كما ذكره الرجراجي ووصفه بأنه «إمام يقتدى به في هذا الشأن (٦)» وذكره ابن عاشر (٧).
وصنف أبو الحسن علي بن محمد المرادي البلنسي المتوفى ٥٦٣ هـ أرجوزة في هجاء المصاحف سميت بالمصنف، أكمله في النصف من شعبان سنة ٥٦٣ هـ.
стр. 174
ونص في صدر النظم، فقال:
وإنني لمّا رأيت العمرا* منصرما بلغت نفسي عذرا في رجز قصدت فيه الكشفا* عن اتباع الرسم حرفا حرفا دون زيادة ولا نقصان* على الذي قد جاء في القرآن إذ كنت قد أخذته رواية* عن ابن لب من ذوي الدراية وكان شيخا خص بالإتقان* في عصره من أهل هذا الشأن حدثني عن شيخه المغامي* ذي العلم بالتنزيل والأحكام وكل ما ذكرته فعنه* أخذته مما استفدت منه وذكر الخراز منه بعض الأحرف في نظمه.
قال الرجراجي: «وكتاب المنصف تابع للتنزيل» ثم قال: «ويذكر الخرّاز: التنزيل، ويستغني به عن المنصف» (١).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن.
الهمذاني العطار، المتوفى ٥٦٩ هـ، صنف كتابا في رسم المصاحف اسمه:
«كتاب اللطائف في رسم المصاحف». ذكره الجعبري ونسبه إليه في شرحه على العقيلة (٢).
وممن ألف في هجاء المصاحف:
محمد بن إبراهيم بن سالم بن فضيلة المعافري أبو عبيد الله المتوفى
стр. 175
٦٣٤ هـ ابتلي باختصار كتب الناس، فمن ذلك مختصره المسمى: «الدرر المنظومة الموسومة في اشتقاق حروف الهجاء المرسومة» (١).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن وثيق الأندلسي الإشبيلي المقرئ، المتوفى ٦٥٤ هـ، ألف كتابا في هجاء المصاحف، ظهر أثر أبي داود فيه واضحا بعنوان: «الجامع لما يحتاج إليه من رسم المصحف» (٢).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف جمال الدين أحمد بن محمد بن الواسطي، المتوفى ٦٥٣ هـ، صنف أرجوزة في رسم المصاحف سماها حاجي خليفة «مصباح الواقف على رسوم المصاحف» (٣)، وجاء اسمها في معجم مصنفات القرآن: «المصباح»؛ أرجوزة في الرسم عدد أبياتها واحد وثلاثون ومائة بيت لأبي عبد الله محمد بن الصباح (٤)، ونسبها الجعبري في شرحه على العقيلة إلى أحمد بن دلة الواسطي، فقال: «والقصيدة المسماة بالمصباح لأحمد بن دلة الواسطي» (٥).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن المتوفى ٦٥١ هـ صنف كتابا في رسم المصحف الشريف (٦).
стр. 176
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف علي بن ريست الطبري أبو الحسن.
صنف كتابا في هجاء المصاحف، واكتفى ابن الجزري في ترجمته بقوله:
«مؤلف كتاب هجاء المصاحف» (١).
ثم تطور التأليف في هجاء المصاحف في هذه المرحلة، فتركزت جهود العلماء على نظمين تعلق بهما الناس، وهجروا بهما الكتب الأخرى.
فنظم الإمام الشاطبي الرائية، وسماها: «عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد» نظم فيها كتاب المقنع للداني، وزاد عليه ست كلمات، وأشار إليها بقوله:
وهاك نظم الذي في مقنع عن أبي* عمرو، وفيه زيادات فطب عمرا وعدة أبياتها مائتان وثمانية وتسعون بيتا، كما أشار إلى ذلك الناظم بقوله:
تمت عقيلة أتراب القصائد في* أسنى المقاصد للرسم الذي بهرا تسعون مع مائتين مع ثمانية* أبياتها ينتظمن الدر والدررا وحظيت العقيلة باهتمام العلماء، فأقبلوا عليها حفظا ودراسة وتوالت عليها الشروح ما بين مختصر ومطول وما بينهما. وأول من شرحها تلميذ ناظمها علم الدين السخاوي، ت ٦٤٣ هـ، وسماها الوسيلة في شرح العقيلة، وشرحها أبو بكر بن أبي محمد المشهور باللبيب، وسمّى شرحه:
«الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة» وشرحها الحصاري تلميذ السخاوي
стр. 177
وابن جبارة الحنبلي، وأحسن هذه الشروح شرح العلامة برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم الجعبري المتوفى ٧٣٢ هـ سماه: «جميلة أرباب المراصد في شرح عقيلة أتراب المقاصد». فنالت إعجاب علماء المشرق فشرحها جم غفير منهم (١).
والنظم الثاني الذي نال اهتمام العلماء فحفظوه ودرسوه وشرحوه هو نظم الإمام محمد بن محمد بن إبراهيم الخراز، المتوفى ٧١٨ هـ بفاس، المسمى «مورد الظمآن في رسم أحرف القرآن» وله نظم آخر قبله سماه:
«عمدة البيان» وتأليف آخر في الرسم نثرا لا نظما.
إلا أن الذي اشتهر بين الناس هو: «مورد الظمآن» وذيله في الضبط الذي كان متصلا «بعمدة البيان»، لأن الناظم عثر على مواضع وهم فيها، ولم يعز الأحكام إلى أصحابها ولم يعين فيه ما انفرد به أبو داود، ولا ما انفرد به أبو عمرو، ولا ما انفرد به الشاطبي والبلنسي، فرأى ذلك نقصا فيه، وعيب عليه، فبدل أكثره، وبين ما لكل كتاب منها من الأحكام، وترك قسم الضبط ذيل عمدة البيان على حاله، لأن أحكامه متفق عليها في الأكثر فنظم ذلك في مورد الظمآن، وأوصل به الضبط الذي كان ذيلا لعمدة البيان، واعتمد في ذلك على أربعة كتب: اثنين منظومين واثنين منثورين: المقنع لأبي عمرو الداني، والعقيلة للشاطبي، والتنزيل لأبي داود وزاد أحرفا قليلة من نظم أبي الحسن
البلنسي المسمى بالمنصف.
стр. 178
والحقيقة أنه اعتمد على التنزيل والمقنع وهما الأصلان، وغيرهما فرع عنهما، لأن العقيلة نظم للمقنع، والمنصف نظم للتنزيل (١).
وجعل الخرّاز نظمه وفقا لحرف نافع دون غيره من الأحرف، فاهتم به علماء المغرب، وتعلقوا به، ويصور ابن خلدون منزلة نظم الخراز فيقول:
«فنظم الخراز من المتأخرين بالمغرب أرجوزة أخرى زاد فيها على المقنع خلافا كثيرا عزاه لناقله، واشتهرت بالمغرب، واقتصر الناس على حفظها، وهجروا بها كتب أبي داود وأبي عمرو والشاطبي في الرسم (٢)» وبلغت منزلة عظيمة في نفوس المغاربة، فأقبلوا عليها بالشروح والتعليق والحواشي.
وأول من شرحها أبو محمد عبد الله بن عمر الصنهاجي توفي بعد ٧٩٤ هـ تلميذ ناظمها وسماه: «التبيان في شرح مورد الظمآن»، وشرحها الشيخ حسين بن طلحة الرجراجي (ت ٨٩٩ هـ) وسماه: «تنبيه العطشان على مورد الظمآن»، وشرحها عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر الأنصاري المتوفى ١٠٤٠ هـ.
ولما كانت أرجوزة مورد الظمآن لا تشتمل إلا على قراءة نافع من وجوه الخلاف دون بقية القراءات الأخرى، حاول ابن عاشر أن يكمل بقية هجاء القراءات الأخرى، فذيل مورد الظمآن بنظم سماه: «الإعلان بتكميل مورد الظمآن».
стр. 179
فقال: «وهذا تذييل سميته الإعلان بتكميل مورد الظمآن ضمنته بقايا خلافيات المصاحف في الحذف وغيره مما يحتاج إليه من تخطى قراءة نافع إلى غيرها من سائر قراءات الأئمة السبعة» (١).
ثم شرحه بنفسه ضمن شرحه للمورد، وقسمه على أرباع القرآن وأدرج كلّ ربع ضمن مورد الظمآن.
ثم شرحه أيضا الإمام إبراهيم بن أحمد المارغني التونسي سماه: «تنبيه الخلان إلى شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن»، وجعله ذيلا لشرحه على المورد المسمى «دليل الحيران شرح مورد الظمآن في رسم وضبط القرآن» (٢).
ولقد استقصيت شروحه فزادت على الخمسين شرحا بينتها في مقدمة «الطراز في شرح ضبط الخراز» للإمام التنسي.
ثم إن اهتمام العلماء بالشروح والاختصارات في هذه المرحلة لا يعني أن الجهود المثمرة قد توقفت، بل إن بعض هذه الشروح حفظت لنا نصوصا من كتب الأقدمين المفقودة، ولولاها ما وصلت إلينا، كما نلمس ذلك في شرح ابن آجطا والرجراجي وابن عاشر.
وتوالى التأليف في موضوع هجاء المصاحف، وتركز بعضه في صورة نظم قام بشرحه آخرون، تقيدوا بألفاظ النظم واعتمدوا على المصادر المتقدمة، وتخلل ذلك محاولات لتعليل بعض هجاء المصاحف المخالفة لما هو الشائع من القواعد التي قعدها علماء المصرين: الكوفة والبصرة
стр. 180
في فترات لاحقة لتاريخ نسخ المصاحف، بينما نجد أن مؤلفات القرون الأولى في الهجاء تقوم على الوصف غالبا، وتحدد طريقة رسم الكلمات فحسب.
واتسم العمل في بعض الشروح للنظم بتحصيل الحاصل، فالناظم مثلا نظم كتابا ما فيقوم الشارح بتحليل النظم إلى الكتاب المنظوم، وفي أغلب الأحيان يقصر عن الوفاء بردّ الكتاب المنظوم، ويتمثل ذلك في شرح المجاصي والجزولي فيجيء الشرح أقل وفاء بالكتاب المنظوم.
وهناك من الشراح من بالغ في الشرح والتحليل والبيان والنقل وخير من يمثل هذا الاتجاه الرجراجي وابن آجطا في شرحيهما «تنبيه العطشان على مورد الظمآن» و «التبيان في شرح مورد الظمآن».
وحاكى برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري (ت ٧٣٢ هـ) الشاطبي، فنظم قصيدة لامية في الرسم عدد أبياتها مائتان وسبعة عشر بيتا سماها في شرحه على العقيلة، فقال: «روضة الطرائف في رسم المصاحف من نظمي» (١) نظم فيها العقيلة، وزاد عليها بعض المسائل، وإلى ذلك أشار بقوله:
لامية عذبت في عقدها نظمت* رائية وربت مسائلا مثلا (٢) وفعل العلامة محمد بن خليل بن عمر القشيري الأربلي ما فعل