ومن المؤلفين في هجاء المصاحف علي بن ريست الطبري أبو الحسن.
صنف كتابا في هجاء المصاحف، واكتفى ابن الجزري في ترجمته بقوله:
«مؤلف كتاب هجاء المصاحف» (١).
ثم تطور التأليف في هجاء المصاحف في هذه المرحلة، فتركزت جهود العلماء على نظمين تعلق بهما الناس، وهجروا بهما الكتب الأخرى.
فنظم الإمام الشاطبي الرائية، وسماها: «عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد» نظم فيها كتاب المقنع للداني، وزاد عليه ست كلمات، وأشار إليها بقوله:
وهاك نظم الذي في مقنع عن أبي* عمرو، وفيه زيادات فطب عمرا وعدة أبياتها مائتان وثمانية وتسعون بيتا، كما أشار إلى ذلك الناظم بقوله:
تمت عقيلة أتراب القصائد في* أسنى المقاصد للرسم الذي بهرا تسعون مع مائتين مع ثمانية* أبياتها ينتظمن الدر والدررا وحظيت العقيلة باهتمام العلماء، فأقبلوا عليها حفظا ودراسة وتوالت عليها الشروح ما بين مختصر ومطول وما بينهما. وأول من شرحها تلميذ ناظمها علم الدين السخاوي، ت ٦٤٣ هـ، وسماها الوسيلة في شرح العقيلة، وشرحها أبو بكر بن أبي محمد المشهور باللبيب، وسمّى شرحه:
«الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة» وشرحها الحصاري تلميذ السخاوي
стр. 177
وابن جبارة الحنبلي، وأحسن هذه الشروح شرح العلامة برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم الجعبري المتوفى ٧٣٢ هـ سماه: «جميلة أرباب المراصد في شرح عقيلة أتراب المقاصد». فنالت إعجاب علماء المشرق فشرحها جم غفير منهم (١).
والنظم الثاني الذي نال اهتمام العلماء فحفظوه ودرسوه وشرحوه هو نظم الإمام محمد بن محمد بن إبراهيم الخراز، المتوفى ٧١٨ هـ بفاس، المسمى «مورد الظمآن في رسم أحرف القرآن» وله نظم آخر قبله سماه:
«عمدة البيان» وتأليف آخر في الرسم نثرا لا نظما.
إلا أن الذي اشتهر بين الناس هو: «مورد الظمآن» وذيله في الضبط الذي كان متصلا «بعمدة البيان»، لأن الناظم عثر على مواضع وهم فيها، ولم يعز الأحكام إلى أصحابها ولم يعين فيه ما انفرد به أبو داود، ولا ما انفرد به أبو عمرو، ولا ما انفرد به الشاطبي والبلنسي، فرأى ذلك نقصا فيه، وعيب عليه، فبدل أكثره، وبين ما لكل كتاب منها من الأحكام، وترك قسم الضبط ذيل عمدة البيان على حاله، لأن أحكامه متفق عليها في الأكثر فنظم ذلك في مورد الظمآن، وأوصل به الضبط الذي كان ذيلا لعمدة البيان، واعتمد في ذلك على أربعة كتب: اثنين منظومين واثنين منثورين: المقنع لأبي عمرو الداني، والعقيلة للشاطبي، والتنزيل لأبي داود وزاد أحرفا قليلة من نظم أبي الحسن
البلنسي المسمى بالمنصف.
стр. 178
والحقيقة أنه اعتمد على التنزيل والمقنع وهما الأصلان، وغيرهما فرع عنهما، لأن العقيلة نظم للمقنع، والمنصف نظم للتنزيل (١).
وجعل الخرّاز نظمه وفقا لحرف نافع دون غيره من الأحرف، فاهتم به علماء المغرب، وتعلقوا به، ويصور ابن خلدون منزلة نظم الخراز فيقول:
«فنظم الخراز من المتأخرين بالمغرب أرجوزة أخرى زاد فيها على المقنع خلافا كثيرا عزاه لناقله، واشتهرت بالمغرب، واقتصر الناس على حفظها، وهجروا بها كتب أبي داود وأبي عمرو والشاطبي في الرسم (٢)» وبلغت منزلة عظيمة في نفوس المغاربة، فأقبلوا عليها بالشروح والتعليق والحواشي.
وأول من شرحها أبو محمد عبد الله بن عمر الصنهاجي توفي بعد ٧٩٤ هـ تلميذ ناظمها وسماه: «التبيان في شرح مورد الظمآن»، وشرحها الشيخ حسين بن طلحة الرجراجي (ت ٨٩٩ هـ) وسماه: «تنبيه العطشان على مورد الظمآن»، وشرحها عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر الأنصاري المتوفى ١٠٤٠ هـ.
ولما كانت أرجوزة مورد الظمآن لا تشتمل إلا على قراءة نافع من وجوه الخلاف دون بقية القراءات الأخرى، حاول ابن عاشر أن يكمل بقية هجاء القراءات الأخرى، فذيل مورد الظمآن بنظم سماه: «الإعلان بتكميل مورد الظمآن».
стр. 179
فقال: «وهذا تذييل سميته الإعلان بتكميل مورد الظمآن ضمنته بقايا خلافيات المصاحف في الحذف وغيره مما يحتاج إليه من تخطى قراءة نافع إلى غيرها من سائر قراءات الأئمة السبعة» (١).
ثم شرحه بنفسه ضمن شرحه للمورد، وقسمه على أرباع القرآن وأدرج كلّ ربع ضمن مورد الظمآن.
ثم شرحه أيضا الإمام إبراهيم بن أحمد المارغني التونسي سماه: «تنبيه الخلان إلى شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن»، وجعله ذيلا لشرحه على المورد المسمى «دليل الحيران شرح مورد الظمآن في رسم وضبط القرآن» (٢).
ولقد استقصيت شروحه فزادت على الخمسين شرحا بينتها في مقدمة «الطراز في شرح ضبط الخراز» للإمام التنسي.
ثم إن اهتمام العلماء بالشروح والاختصارات في هذه المرحلة لا يعني أن الجهود المثمرة قد توقفت، بل إن بعض هذه الشروح حفظت لنا نصوصا من كتب الأقدمين المفقودة، ولولاها ما وصلت إلينا، كما نلمس ذلك في شرح ابن آجطا والرجراجي وابن عاشر.
وتوالى التأليف في موضوع هجاء المصاحف، وتركز بعضه في صورة نظم قام بشرحه آخرون، تقيدوا بألفاظ النظم واعتمدوا على المصادر المتقدمة، وتخلل ذلك محاولات لتعليل بعض هجاء المصاحف المخالفة لما هو الشائع من القواعد التي قعدها علماء المصرين: الكوفة والبصرة
стр. 180
في فترات لاحقة لتاريخ نسخ المصاحف، بينما نجد أن مؤلفات القرون الأولى في الهجاء تقوم على الوصف غالبا، وتحدد طريقة رسم الكلمات فحسب.
واتسم العمل في بعض الشروح للنظم بتحصيل الحاصل، فالناظم مثلا نظم كتابا ما فيقوم الشارح بتحليل النظم إلى الكتاب المنظوم، وفي أغلب الأحيان يقصر عن الوفاء بردّ الكتاب المنظوم، ويتمثل ذلك في شرح المجاصي والجزولي فيجيء الشرح أقل وفاء بالكتاب المنظوم.
وهناك من الشراح من بالغ في الشرح والتحليل والبيان والنقل وخير من يمثل هذا الاتجاه الرجراجي وابن آجطا في شرحيهما «تنبيه العطشان على مورد الظمآن» و «التبيان في شرح مورد الظمآن».
وحاكى برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري (ت ٧٣٢ هـ) الشاطبي، فنظم قصيدة لامية في الرسم عدد أبياتها مائتان وسبعة عشر بيتا سماها في شرحه على العقيلة، فقال: «روضة الطرائف في رسم المصاحف من نظمي» (١) نظم فيها العقيلة، وزاد عليها بعض المسائل، وإلى ذلك أشار بقوله:
لامية عذبت في عقدها نظمت* رائية وربت مسائلا مثلا (٢) وفعل العلامة محمد بن خليل بن عمر القشيري الأربلي ما فعل
стр. 181
الجعبري، فنظم قصيدة في الرسم سماها: «واضحة المبهوم في علم المرسوم» عدد أبياتها ثلاثمائة واثنان وثلاثون بيتا، وبين فيها ما زادته على العقيلة بقوله:
زادت رسوما على ما في عقيلة أتراب ولم ينل فضلا لها الكبرا (١) ولم تتوقف حركة التأليف في موضوع الرسم عند حد نظم العقيلة ونظم المورد، فقد ألف أبو العباس أحمد بن محمد المراكشي الشهير بابن البناء المتوفى ٧٢١ هـ كتابا سمّاه: «عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل» (٢) صنفه في توجيه ما جاء مخالفا لقواعد الخط من رسم المصحف، إلا أن توجيهاته يشوبها الغموض بناها على التخييل والاستنباط الذاتي.
ومن المصنفين لهجاء المصاحف أبو إسحاق التجيبي إبراهيم بن أحمد بن علي الجزيري، صنف كتابا في هجاء المصاحف اسمه: «التبيان» نقل منه ابن عاشر في فتح المنان (٣).
كما نقل منه الحسن بن علي بن أبي بكر المنبهي الشهير بالشباني، فقال: «ونص التجيبي في ذلك كنص أبي داود نفسه، فلا زيادة فيه، لأنه في أكثر أحواله ناقل لكلام أبي داود بعينه فلا فائدة في نقل كلامه، إذ لا زيادة فيه» (٤).
стр. 182
وصنّف في رسم القرآن الشيخ محمد بن محمود بن محمد بن أحمد السمرقندي المتوفى ٧٨٠ هـ كتابا في هجاء المصاحف سمي ب: «كشف الأسرار في رسم مصاحف الأمصار» (١) وعنوانه يوهم بأنه في تعليل رسم المصاحف، وليس الأمر كذلك، فإنه اقتصر على وصف هجاء المصاحف مجردة من التعليل والتوجيه واختصره اختصارا شديدا (٢).
وصنّف أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد الجريني المتوفى ٧٨٣ هـ كتابا في هجاء المصاحف اسمه: «جامع الكلام في رسم المصحف الإمام» (٣).
وألف أبو عبد الله محمد بن جابر الغساني المكناسي الناظم الناثر المتوفى سنة ٨٢٧ هـ تأليفا في رسم القرآن (٤)، وله أيضا تقييد سمي ب: «إصلاحات ابن جابر على مورد الظمآن» نقلها بعض النبلاء من شرحه على مورد الظمآن، وجعلها مرتبة على أبواب النظم (٥).
وألف الإمام محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري الدمشقي المتوفى سنة ٨٣٣ هـ كتابا في رسم المصاحف المسمى «الظرائف
стр. 183
في رسم المصاحف» (١)، وكتابا آخر سماه: «البيان في خط عثمان» (٢).
وألف عبد الواحد بن الحسين الرجراجي أرجوزة في رسم القرآن. أولها:
الحمد لله على النعماء* حمدا بلا عدّ ولا انتهاء نسخت سنة ٨٦٠ هـ (٣).
وألف جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى ٩١١ هـ مصنفات في هجاء المصاحف، منها رسالة في علم الخط طبعت مع التحفة البهية والطرفة الشهية (٤)، ومنها: كبت الأقران في كتب القرآن، فقال:
«ولا يقاس خط المصحف، لأنه يتبع فيه ما وجد في المصحف الإمام» ثم قال: وقد عقدت له في التحبير بابا حررته، وهذبته بما لم أسبق إليه، ثم جردته في كراسة سميتها: «كبت الأقران في كتب القرآن» (٥).
ومنها: رسالة في أقسام القرآن ومرسوم خطه وكتابته (٦).
ومن مؤلفات هجاء المصاحف: «الفوائد اللطيفة والطريفة في رسوم المصاحف العثمانية» تأليف حسين بن علي الأماسي إمام جامع السلطان محمد الفاتح أتمها سنة ١٠٦٤ هـ (٧).
стр. 184
ويوجد باسم: «فوائد الطريقة الطريفة في رسم المصاحف العثمانية» للمؤلف نفسه (١). ويوجد باسم: «الطارف والطريفة في رسم المصاحف العثمانية الشريفة» للمؤلف نفسه (٢). ولعله كتاب واحد، ويحتاج البت في الأمر إلى الوقوف على النسخ والمقارنة بينها، والظاهر أن الخلاف في العنوان فقط، ومن المستبعد أن يكون المؤلف صنف ثلاثة كتب.
رسالة في رسم المصحف تأليف لطف الله بن محمد الظفيري المتوفى ١٠٣٥ هـ (٣). أولها:
«الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين غلّط شخص من علماء المغرب رسوم المصاحف التي يتداولها أهالي قطر الشرق مستدلا أنها غير موافقة للرسوم العثمانية» (٤).
رسم قراءات الأئمة السبعة المشهورين: لمؤلفها محمد الرضي بن عبد الرحمن كان حيا ١٠٨٢ هـ (٥).
ومن المؤلفات في هجاء المصاحف «الجواهر اليمانية في رسم المصاحف العثمانية» لمؤلفه الشيخ محمد بن أحمد العوفي المتوفى ١٠٤٩ هـ (٦).
стр. 185
قال في مقدمته: «هذا مختصر أذكر فيه رسم المصاحف العثمانية بما صح عن ذوي الهمم، وسميته بالجواهر اليراعية في رسم المصاحف العثمانية» وفيه: «اليراعية» بدلا من: «اليمانية»، والله أعلم بالصواب ويظهر لي أن الصواب ما ذكره في مقدمته (١).
ومن المؤلفات في هجاء المصاحف أرجوزة رسم المكي في القرآن لمؤلفه عبد الرحمن بن أبي القاسم بن القاضي (ت ١٠٨٢ هـ) أوله:
الحمد لله الكريم المنان* المانح الفضل لأهل القرآن وآخرها:
والحمد لله على التمام* نشكره دأبا على الإنعام ....... .... * .... ..... ....
وآله وصحبه الأخيار* ما كور الليل على النهار وبعدها تعليقات وتقييدات في الرسم (٢) وهي في رسم قراءة ابن كثير (٣).
ومن المؤلفات في هجاء المصاحف أرجوزة في رسم القرآن لناظمها الشيخ محمد بن العربي السباعي، أولها:
باسم الإله الحمد له به ابتدأ* ثم الصلاة والسلام أبدا
стр. 186
نسخها أحمد بن الحاج إبراهيم بن عبد الله الهوزالي ثم التنزرتي عام ١٢١٢ هـ (١).
ومن المصنفين في هجاء المصاحف أبو العلاء إدريس بن عبد الله الودغيري البكراوي المتوفى عام ١٢٥٧ هـ.
نظم أرجوزة في الألفات التي وردت محذوفة في المصحف كما رواها نافع سماها: «عمدة البيان» (٢).
وله كتاب آخر في هجاء المصاحف للقراء الستة غير نافع اسمه «درر المنافع في أصل رسم الستة السمادع غير نافع» (٣) وله أيضا أرجوزة في الرسم القرآني، مطلعها:
حمدا لربنا العظيم الأكرم* من علم الإنسان ما لم يعلم خاتمتها:
والله حسبي وبه اعتصامي* والحمد لله على الختام (٤) ومن المؤلفات في هجاء المصاحف: «أحكام الهمزات في رسم القرآن» لمؤلفه علي بن العربي الدرقاوي الحسني العلمي المتوفى عام ١٢٧٤ هـ.
أوله: «الحمد لله، قال مؤلفه- غفر الله له- عن شيخه سيدي الحاج أحمد
стр. 187
المؤذن ... ». وآخره: «وهذا ما أخذنا مشافهة عن المؤلف، من غير زيادة ولا نقصان، والعلم الله» (١).
ومن المؤلفات في هجاء المصاحف: «الجوهر الفريد في رسم القرآن المجيد» للشيخ سيد بركات بن يوسف عريشة الهوريني ألفه سنة ١٢٨٦ هـ (٢).
ومن المؤلفات في هجاء المصاحف: «إرشاد القراء والكاتبين إلى معرفة رسم الكتاب المبين» (٣) لمؤلفه أبي عيد رضوان بن محمد بن سليمان المعروف بالمخللاتي (ت ١٣١١ هـ)، وله أيضا: مقدمة في رسم الكلمات القرآنية وضبطها، وعد آي القرآن الكريم (٤)، ووردت باسم آخر: مقدمة في كتبة المصاحف، وعددها ورسم القرآن (٥)» فلعلها رسالة واحدة، وفي كتابه الأول تقليد واضح لطريقة التنزيل.
ومن المؤلفات في هجاء المصاحف: أرجوزة المتولي محمد بن أحمد ابن الحسن المتوفى ١٣١٣ هـ ١٨٩٥ م، سماها مؤلفها: «اللؤلؤ المنظوم في ذكر جملة من المرسوم» وعدد أبياتها ستة وسبعون بيتا، وشرحها الشيخ
стр. 188
حسن بن خلف الحسيني، وسمى هذا الشرح: «الرحيق المختوم في نثر اللؤلؤ المنظوم» (١).
ومن المؤلفين في هجاء المصاحف الشيخ محمد أبو زيد المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ سماه: «فتح الرحمن وراحة الكسلان في رسم القرآن» (٢).
ومن العلماء الذين شاركوا في التأليف في هجاء المصاحف العالم إدريس بن محفوظ بن الحاج أحمد الشريف (ت ١٣٥٤ هـ). (٣) له مؤلفات من أهمها: «الدرر الحسان في الرسم والتعليم وتلاوة القرآن»، والتأليف الثاني وهو بيت القصيد: «إتحاف الإخوان في رسم وضبط القرآن» (٤).
ومن المؤلفات في هجاء المصاحف: أرجوزة في الحذف والإثبات في القرآن لناظم مجهول، أولها:
وهاك ما جاء عن الأسلاف* من اختيارهم من الخلاف وآخرها:
فهذا جملة من الترجيح* فاسمع وخذ قولا من الفصيح (٥) ومن المؤلفين في هجاء المصاحف الشيخ عبد الرحمن الشهير بهواش سماه: «كتاب تشحيذ الأذهان في رسم آيات القرآن» (٦).
стр. 189
ومنها مصباح الرسم، أرجوزة في رسم القرآن على رواية ورش لمؤلف لم يذكر اسمه في المخطوط. وناسخها عبد الله بن محمد البعقيلي (١).
ومنها: هداية من أراد الكفاية على ضبط أواخر الكلم مما صحّ بالرواية، وانضبط عليه أهل الصلاح والرواية في الرسم والضبط والقراءات، لمؤلفه محمد بن إبراهيم بن عبد الله أعجلي الولتيتي البعقيلي، أوله: «الحمد لله مفصل الآيات والذكر الحكيم» (٢).
ومنها: «تحفة العروس في تحقيق الرسم مع القياس» أرجوزة في ضبط الرسم القرآني من نظم ابن عياش الصنهاجي، مطلعها:
يقول نجل العيش الصنهاجي وآخرها:
سميتها بتحفة العروس* بتحقيق الرسم مع القياس (٣) ومن المؤلفات في هجاء المصاحف على البدور السبعة تقييد الشيخ المحقق محمد الراضي بن عبد الرحمن السوسي أصلا التادلي منشأ. قال في مقدمتها: «لما كثر في زماننا هذا الجمع بين قراءة الأئمة المشهورين قصدا من بعض الطلبة لسرعة الترقي». ثم قال: «قام بعض الطلبة من تلاميذنا، وأكرمهم لدينا يطلب منا أن أقيد له الرسم على مقرأ البدور السبعة سوى مقرأ نافع لاستيفاء المورد برسمه ليكون على بصيرة في
стр. 190
ذلك». وقال أيضا: «إذ لا يجوز التصدير للقراءة، وأخذها عمن حقق الرواية وحصّل الدراية دون الرسم» (١).
ومن العلماء الذين شاركوا في التأليف في هجاء المصاحف الشيخ الطالب عبد الله بن محمد الأمين بن فال بن عبد الله الجاكاني؛ له نظم جامع في الرسم والضبط سماه: «المحتوي الجامع رسم الصحابة وضبط التابع».
قال في مقدمته:
وأستعين الله في نظم اختصار* للرسم والضبط بصدق وانحصار يكون للمبتدئين تبصرة* وللشيوخ الحافظين تذكرة سميته بالمحتويّ الجامع* رسم الصحابة وضبط التابع وقد قام بشرح هذا النظم الشيخ أحمد مالك حماد سماه: «مفتاح الأمان في رسم القرآن شرح المحتوي الجامع رسم الصحابة وضبط التابع». انتهى منه في ٢٤ صفر ١٣٨٣ هـ (٢).
ومن المؤلفات في هجاء المصاحف منظومة في رسم السبعة للشيخ علي ابن الشرقي السجدالي (٣). أولها:
يقول راجي عفو ذي الجلال* علي الضعيف المذنب السجدالي الحمد لله الذي علمنا* كتابه وبالنبي فضلنا
стр. 191
ثم الصلاة والسلام أبدا* على محمد، ومن به اقتدى وهاك رسم السبعة الأخيار* وضبطهم خذه على المختار المدني والمكي والبصري* وبعده الشامي والكوفي وقال في آخرها:
أبياته يمن وعام شاف حل* عن غيره يكفى الذي به استقل (١) ومن المؤلفات في رسم هجاء المصاحف: «رسمية البدور السبعة» لم يذكر المؤلف اسم كتابه. فبين المؤلف في مقدمته سبب تأليفه، فقال:
وبعد: «فقد سألني بعض الأحبة أن أضع لهم رسم القراءات السبع، وبالله أستعين مشيرا فيه بصورة «س» إلى بعض المسائل من نصوص وتوجيه من كلام أئمتنا الأعلام، ومصابيح الظلام، ومشيرا فيه بصورة: «ش» إلى شيخنا بواسطة مولاي عبد الرحمن بن إدريس الشريف الحسني المجدد لهذه الأمة علم القراءة، وبصورة «غ» لابن غازي، وبصورة «د» لمولاي إدريس، وبصورة «ق» لابن القاضي، وبصورة «خ» لميمون الفخار، وبصورة «جز» لابن الجزري، وما خلا: مما ذكر لغيرهم».
وختمها بقوله: «فقد منّ عليّ بإكمال ما رمته من إتمام جميع رسم البدور السبعة كما أخذته عن أشياخي ﵃» (٢).
стр. 192
ومن المؤلفات في هجاء المصاحف نظم الإمام شيخ الجماعة في تحقيق رسم البدور السبعة سماها: «كفاية الطلاب» (١) قال في مقدمتها:
وبعد خذ تحقيق رسم عن خبير* البصر كوف شامهم وابن كثير على الذي صح لدينا عن ثقات* ذوي علوم وصلاح وهداة فكل ما خالف فيه نافع* أذكره في النظم لا لنافع وإن بجمعهم في اللفظ اتحدوا* في حكمه حقا يراعى المورد فذكر المؤلف رسم القراءات السبع، وجاء في آخرها:
والحمد لله على التمام* سبحانه أعلم بالختام انتهى نظم الإمام شيخ الجماعة في تحقيق رسم البدور السبعة بحول الله وتوفيقه وهو شيخ شيخ شيخنا إدريس بن محمد بن أحمد الشريف الحسني الفاسي.
ومن المؤلفات في هجاء المصاحف نظم الفقيه الأستاذ المحقق محمد بن سعيد بن عمارة البينوني بواد النون وهي أرجوزة في رسم القرآن، مطلعها:
الحمد لله الذي علمنا* من العلوم ما به فضلنا وتناول فيها رسم وضبط قراءة الشامي والبصري والمكي والكوفيين، وأشار إلى ذلك بقوله:
وهاك رسما فاستفده عن خبير* للشامي والبصري معا وابن كثير والكوفي أيضا بنصوص تامة* كما أتانا عن خيار الأمة
стр. 193
وسلك فيها المؤلف طريقة التنزيل والعقيلة، فقال:
طريقة التنزيل قد سلكت* على العقيلة على ما قلت وربما ذكرت فيه أحرفا* بلا انتسابها لشيخ عرفا معتمدا على اشتهارها لدى* أئمة الوقت على ما عهدا وختمها بقوله:
وكل ما تركت يا خليلي* كرسم نافع بلا تفضيل والحمد لله على الختام* ثم صلاته مع السلام على النبي العربي أحمدا* وآله وصحبه ذوي الهدى وتحتوي على تسعة وخمسين ومائة بيت (١).
وألف الشيخ المقرئ محمد بن علي بن خلف الحسيني ت ١٣٥٧ هـ المعروف بالحداد كتابا في اختلاف المصاحف سماه: «الكواكب الدرية فيما يتعلق بالمصاحف العثمانية».
وكان ﵀ عين شيخا للقراءة سنة ١٣٢٣ هـ (٢). ومنه نسخة في مكتبة جامعة الرياض بعنوان مختلف: «المواهب الربانية فيما يتعلق بالمصاحف العثمانية» (٣).
стр. 194
وصنف الشيخ محمد بن يوسف التونسي المتوفى سنة ١٣٨٠ هـ كتابا في هجاء المصاحف سماه: «الفرائد الحسان في بيان رسم القرآن» (١).
وألف الشيخ على محمد الضباع شيخ القراء تصنيفا في رسم القرآن وضبطه سماه: «سمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين» (٢).
هذا ما تيسر لي جمعه في هذا الباب، والله أعلم.
стр. 195
أقوال العلماء في وجوب اتباع الرسم العثماني
أولا: موقف السلف من الرسم العثماني:
وهو مذهب أئمة الأمة وعلمائها، وهم الجمهور، فقالوا: إن كتابة المصحف بالرسم العثماني أمر واجب، لا يجوز العدول عنه، وهؤلاء أهل القرون المفضلة ومن بعدهم.
واستدلوا بأن هذا الرسم كتب به كتاب الوحي بين يدي الرسول ﷺ ، وعلى رأسهم زيد بن ثابت، وأقرهم على كتابتهم، وكان يملي على كتاب الوحي ويرشدهم في كتابته، واستدلوا بأنه ﷺ كان يضع لهم القواعد، من ذلك قوله لمعاوية ﵁: «ألق الدواة، وحرف القلم، وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومدّ الرحمن الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنه أذكر لك» (١).
وقال الشيخ محمد طاهر الكردي: «فقد ورد عن زيد بن ثابت أنه قال: كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ ، وهو يملي عليّ، فإذا فرغت، قال: اقرأه، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه» (٢).
ثم استمرت كتابة القرآن على هذا النحو في عهد أبي بكر ﵁ ثم حذا حذوه عثمان بن عفان في خلافته، فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف، وأقر الصحابة عمله.
стр. 196
ومن حكمة الله وتدبيره أن جعل زيد بن ثابت هو الكاتب في المرات الثلاث، مما يدل على أن الرسم الذي كتب به المصاحف في المرات الثلاث واحد، ولم يعلم في ذلك مخالف، ومضى على ذلك كتاب المصاحف في عهد التابعين وتابعيهم، ولم يفكر أحد أن يستبدل بالرسم العثماني رسما آخر من الرسوم التي حدثت في عهد ازدهار التأليف.
فالرسم قد فاز بإقرار النبي ﷺ ، وإجماع الصحابة ﵃، ثم إجماع الأمة عليه بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين (١).
ومن أشهر القائلين بهذا المذهب والمنتصرين له الشيخ عبد العزيز الدباغ (ت ١١٣٢ هـ)، فقد نقل عنه تلميذه أحمد بن المبارك (ت ١١٥٥ هـ) في كتاب الذهب الإبريز، فقال:
«ما للصحابة، ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو بتوقيف من النبي ﷺ ، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها، لأسرار لا تهتدي إليها العقول».
ثم قال: «وهو سرّ من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية». ثم قال: «وكما أن نظم القرآن معجز، فرسمه أيضا معجز» إلى أن قال: «وللقرآن أسرار، لا تستفاد إلا بهذا الرسم، فمن كتب بالرسم التوقيفي، فقد أداه بجميع أسراره، ومن كتبه بغير ذلك فقد أداه ناقصا، ويكون ما كتبه إنما هو من عند نفسه لا من عند الله» (٢).
стр. 197
وهذا المذهب يجعل إعجاز القرآن متناولا لرسمه، فكما أن نظم القرآن معجز، فرسم القرآن معجز (١).
يرد على هذا المذهب أن الأخبار التي احتجوا بها ضعيفة، يضاف إلى ذلك أن النبي ﷺ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب كما تقدم (٢).
ومن قال: إن إعجاز القرآن متناول لخطه فقوله لا يصحبه دليل. ثم إنه لم يرد عن المتقدمين القول بالتوقيف، وإنما ورد عنهم القول بوجوب اتباع الرسم العثماني، كما سيأتي في موضعه.
إلا أن الذي يحظى به هذا المذهب تقرير النبي ﷺ لكتاب الوحي على هذا الرسم، فظفر بالسنة التقريرية، وإجماع الصحابة ﵃، كما سيأتي في موضعه (٣).
ثانيا: موقف الخلف من الرسم العثماني، وفيه رأيان:
الرأي الأول:
أن رسم المصحف اجتهادي اصطلح عليه الصحابة، لا توقيفي، وعليه فتجوز مخالفته بأي رسم سهل.
ومن القائلين بهذا الرأي القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ وعبد الرحمن بن خلدون المتوفى ٨٠٨ هـ.
стр. 198
قال الباقلاني في الانتصار:
«وأما الكتابة، فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم، وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحدّ محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية.
بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجها معينا، ولا نهى أحدا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال.
ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية، والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوج الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك» (١).
стр. 199
أما عبد الرحمن بن خلدون، فيقول في مقدمته:
«فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان، والإجادة، ولا إلى التوسط، لمكان العرب من البداوة، والتوحش وبعدهم عن الصنائع، وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف فيها تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله ﷺ وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه» (١).
فابن خلدون يعزو اصطلاحية الرسم إلى عدم إجادة الصحابة للرسم بالكتابة، وفي زعمه أن هذه الأحرف الزائدة جاءت نتيجة لعدم معرفتهم لقواعد الكتابة، وأن التابعين ومن بعدهم اتبعوا رسم الصحابة للتبرك فقط.
وأثبت الشيخ محمد طاهر الكردي أن الرسم العثماني اصطلح عليه الصحابة ﵃، وليس توقيفيا، واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ لا يقرأ ولا يكتب.
ثم إنه لما اختلف زيد بن ثابت ومن معه في كلمة: «التابوت» أيكتبونه بالتاء أم بالهاء رفعوا الأمر إلى عثمان بن عفان ﵁ فأمرهم أن يكتبوها بالتاء، فلو كان الرسم توقيفيا بإملاء النبي ﷺ ، لأمرهم أن يكتبوها بالكيفية التي أملاها رسول الله ولو كان الرسم توقيفيا لنعتوه
стр. 200
بالرسم التوقيفي أو النبوي، وما كانوا نعتوه بالرسم العثماني، ولو كان الرسم توقيفيا لما اختلف الرسم في المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الأمصار ثم قال: «إن رسم المصحف ليس توقيفيا، وإنما هو من وضع الصحابة واصطلاحهم لحكمة لم ندركها» (١).
الرأي الثاني:
وهو أنه يجوز كتابة المصحف الآن لعامة الناس على الرسم القياسي، ويجب في الوقت نفسه المحافظة على الرسم العثماني كأثر من الآثار الإسلامية، فلا يهمل مراعاة لجهل الجاهلين، بل يجب أن يبقى في أيدي العلماء العارفين.
وإلى هذا ذهب الإمام العز بن عبد السلام (ت ٦٠٦ هـ)، وتابعه الزركشي ورجحه الزرقاني، والدكتور صبحي الصالح، والدكتور محمد أبو شهبة.
قال العز بن عبد السلام: «لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة لئلا يوقع في تغيير من الجهال».
وقال الزركشي بعد أن ذكر رأي مالك وموافقيه القائلين بتحريم مخالفة خط المصحف: «وكان هذا في الصدر الأول والعلم حيّ غض، وأما الآن فقد يخشى الالتباس».
وعقب على كلام العز بن عبد السلام، قائلا: «ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء أحكمته القدماء لا يترك
стр. 201
مراعاة لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة» (١).
ورجح هذا التفصيل الشيخ الزرقاني، فقال: «وهذا الرأي يقوم على رعاية الاحتياط للقرآن من ناحيتين: ناحية كتابته في كل عصر بالرسم المعروف فيه ... وناحية إبقاء رسمه الأول المأثور» (٢).
وتبعه الدكتور صبحي الصالح فقال: «بل نأخذ برأي العز بن عبد السلام» وذكر رأيه، ثم قال:
«وملخص هذا الرأي الأخير، أن العامة لا يستطيعون أن يقرءوا القرآن في رسمه القديم، فيحسن- بل يجب- أن يكتب لهم بالاصطلاحات الشائعة في عصرهم، ولكن هذا لا يعني إلغاء الرسم العثماني القديم» (٣) إلا أن الدكتور محمدا أبا شهبة خص الالتزام بالرسم العثماني على المصاحف الكاملة، التي هي الحجة والمرجع، ورجّح أن يكتب القرآن بالرسم القياسي في الأجزاء والصحف والمجلات وغيرها (٤).
ومن القائلين بمذهب العز بن عبد السلام الشيخ أحمد مصطفى المراغي، قال في مقدمة تفسيره: «وقد جرينا على الرأي الذي أوجبه العز بن عبد السلام في كتابة الآيات أثناء التفسير للعلة التي ذكرها، وهي في عصرنا أشد حاجة إليها من تلك العصور» (٥).
стр. 202
مناقشة وتعقيب:
عامة من تحدث عن الرسم العثماني من المعاصرين، قالوا: اختلف العلماء فيه على قولين، فمنهم من يقول بالتوقيف، ومنهم من يقول بالاصطلاح، فيجعلون رأي المتأخرين قسيم مذهب علماء الأمة (١).
إن هذا التقسيم الذي وضعه المتأخرون، لا يقوم على أسس علمية، وهو غير صحيح في نظري، لأن العلماء الأوائل لم يختلفوا في وجوب اتباع الرسم العثماني، فأجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على ذلك، إلى أن جاء محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ، ثم جاء بعده العز بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، وجاء بعدهما عبد الرحمن بن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ هـ في القرن الثامن، فقالوا بتغيير الرسم، وكتابة المصاحف على ما أحدثه الناس من الهجاء.
ومن ثم رأيت من الإجحاف وعدم الإنصاف أن يقولوا: «اختلف العلماء على قولين»، فهذا فيه إيهام بأنهما متساويان، وفيه إجحاف بأحد القولين، لأن الذين قالوا بعدم الوجوب متأخرون وبعد قرون من الزمن، ويعد هذا القول محدثا طارئا ولا يرقى أن يكون مذهبا يساوي مذهب علماء الأمة، لأن الذين ذهبوا إلى وجوب اتباع الرسم العثماني هم أئمة الأمة وعلماؤها وخيارها كما سيتضح ذلك في نصوصهم ورواياتهم الآتية:
стр. 203
روى الداني بسنده قال: قال أشهب: سئل مالك عن الحروف تكون في القرآن مثل الواو والألف: أترى أن تغيّر من المصحف، إذا وجدت فيه كذلك، فقال: لا. قال أبو عمرو الداني: يعني الواو، والألف المزيدتين في الرسم لمعنى المعدومتين في اللفظ» (١).
بل جاء أصرح من ذلك في موضع آخر عن الإمام مالك؛ روى أبو عمرو الداني بسنده عن عبد الله بن عبد الحكم، قال: «قال أشهب:
سئل مالك، فقيل له: أرأيت من استكتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى» (٢). وعقب على كلامه أبو عمرو فقال: «ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة» (٣).
وقال الجعبري معقبا على قول مالك ﵁: «وهذا مذهب الأئمة الأربعة ﵃، وخص مالكا لأنه حكى فتياه، ومستندهم مستند الخلفاء الأربعة» (٤).
ومعنى الكتابة الأولى في قول مالك: تجريدها من نحو النقط والشكل (٥)، ووضعها على مصطلح الرسم من البدل والزيادة والحذف (٦).
стр. 204
فمعنى كلام أبي عمرو الداني، وهو من كبار العلماء الحفاظ المتقنين أنه لم يعرف مخالفا لوجوب اتباع الرسم العثماني إلى منتصف القرن الخامس، وحتى بعد ذلك لا نعلم أحدا خالف في ذلك ممن يعتد بقوله، إلا العز بن عبد السلام ولا عبرة بخلافه، ولا خلاف غيره إن وجد، وقد ردّ عليه قوم من علماء هذا الشأن كما سنذكره.
وبعد هذا فلا معنى لتسوية القول الحادث الطارئ بقول علماء الأمة وخيارها.
فأخطئوا في المنهج وأخطئوا فيما ذهبوا إليه من عدم وجوب اتباع الرسم العثماني.
فإن المتقدمين لم يختلفوا فيه، وإنّما هو عندهم سنة متبعة، وعقب علم الدين السخاوي على قول مالك، فقال:
«والذي ذهب إليه مالك هو الحق، إذ فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى، بعد الأخرى، ولا شك أن هذا هو الأحرى، إذ في خلاف ذلك تجهيل بأولية ما في الطبقة الأولى» (١).
أورد الزركشي عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: «وترى القراء لم يلتفتوا إلى مذهب العربية في القراءة، إذا خالف ذلك خط المصحف، واتباع حروف المصاحف عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها» (٢).
стр. 205
وقال الفراء (ت ٢٠٢ هـ): «اتباع المصحف إذا وجدت له وجها من كلام العرب وقراءة القراء أحب إليّ من خلافه» (١).
وقال البيهقي أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨ هـ): «من كتب مصحفا، فينبغي أن يحافظ على حروف الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئا، فإنهم أكثر علما، وأصدق قلبا ولسانا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم» (٢).
وقال الإمام أحمد ﵀: «تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك» (٣).
وفي شرح الطحاوي: ينبغي لمن أراد كتابة القرآن أن ينظم الكلمات كما هي في مصحف عثمان- ﵁ لإجماع الأمة على ذلك» (٤).
وجاء في المحيط البرهاني- في فقه الحنفية- ما نصه: «أنه ينبغي أن لا يكتب المصحف بغير الرسم العثماني» (٥).
وجاء في حواشي المنهج- في فقه الشافعية- ما نصه: «كلمة:
الربوا تكتب بالواو والألف كما جاء في الرسم العثماني، ولا تكتب في القرآن بالياء أو الألف لأن رسمه سنة متبعة» (٦).
стр. 206
فاتفق الجمهور على وجوب التمسك والعمل بالرسم العثماني، ونقل الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع مرسوم المصحف العثماني (١) كما تقدم.
وقال محيي السنة أبو محمد الحسين البغوي (ت ٥١٦ هـ):
«ثم إن الناس كما أنهم متعبّدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدوده، فهم متعبّدون بتلاوته، وحفظ حروفه على خط المصحف الإمام، الذي اتفقت الصحابة عليه» (٢).
ويرى القاضي عياض المتوفى ٥٤٤ هـ أن اتباع رسم المصحف واجب، فقال: «من نقص من القرآن حرفا، قاصدا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا، أنه كافر» (٣).
قال علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ):
«وما كتبوا- الصحابة- شيئا عن ضعف معرفة، وعدم تحصيل. فإياك وما تراه من قول: لم تكن العرب أهل كتاب وأقلام، ففي هجائهم ضعف ونقص، ويحتج بقول الرسول ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» ويحتج أيضا بأن رسول الله ﷺ كان لا يكتب، فإنما ذلك كله لعدم التحصيل.
стр. 207
أما كون رسول الله ﷺ لا يكتب فذلك فضيلة في حقه وآية من آياته، على ما لا يخفى، وأما قوله: «إنا أمة أمية» فذلك غالب حالهم.
وقد كتب منهم جماعة، وكانوا الغاية القصوى في المعرفة والذكاء والفطنة» (١).
وقال نظام الدين الحسن النيسابوري المتوفى ٧٢٨ هـ:
«وقال جماعة من الأئمة: إن الواجب على القراء، والعلماء، وأهل الكتابة، أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم زيد بن ثابت، وكان أمين رسول الله ﷺ ، وكاتب وحيه، وعلم من هذا العلم- بدعوة النبي ﷺ ما لم يعلمه غيره، فما كتب شيئا من ذلك إلا لعلة لطيفة، وحكمة بليغة، وإن قصر عنها رأينا» (٢).
وقال الشيخ بدر الدين الزركشي المتوفى ٧٩٤ هـ:
«ولما كان خط المصحف هو الإمام الذي يعتمده القارئ في الوقف والتمام، ولا يعدو رسومه، ولا يتجاوز مرسومه، قد خالف الخط الإملائي في كثير من الحروف والأعلام، ولم يكن ذلك منهم كيف اتفق، بل على أمر عندهم قد تحقق، وجب الاعتناء به، والوقوف على سببه» (٣).
стр. 208
ورد كلام ابن خلدون كثير من العلماء، قال الشيخ حفني ناصف، في معاضدة بقاء الرسم العثماني للمصحف:
«ولا نعلم أن أحدا من العلماء تشكك في هذا الأمر، إلا ابن خلدون في القرن الثامن، وبعض رجال الأزهر في القرن الرابع عشر، وليس أحد منهما إماما مجتهدا والحمد لله» (١).
أقول: إن القرآن كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، والوحي لا يزال ينزل، ولو وقع فيه خطأ في الرسم لبينه الوحي ونزل فيه، كما نزلت آيات العتاب، ولم يكن الله ليدع الخطأ في كتابه الكريم، وهو الذي يقول: إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحفظون [الحجر: ٩].
لأن الخطأ في الرسم يلزم منه خطأ في بعض وجوه القراءة، وبما أن هذا لم يقع يتبين ضعف كلام ابن خلدون ومن سار على شاكلته (٢).
وأما ما يراه أبو بكر الباقلاني من أن الرسم العثماني لا يلزم أن يتبع في كتابة المصحف، فهو رأي ضعيف، لأن الأئمة في جميع العصور المختلفة درجوا على التزامه في كتابة المصاحف، ولأن سد ذرائع الفساد، مهما كانت بعيدة، أصل من أصول الشريعة (٣).
وأن ما احتج به العز بن عبد السلام لما رآه من: «عدم جواز كتابة المصاحف الآن على المرسوم الأول خشية الالتباس، ولئلا يوقع في تغيير من
стр. 209
الجهال» رده كثير من العلماء.
وعقب على رأيه الإمام محمد رشيد رضا في فتاويه، وقال: «ليس بشيء، لأن الاتباع، إذا لم يكن واجبا في الأصل وهو ما لا ينكره، فترك الناس له لا يجعله حراما أو غير جائز لما ذكره من الالتباس» (١).
وقد ذهب إلى تضعيف القول بعدم الوجوب طائفة من العلماء الأعلام.
قال الإمام أبو عبد الله بن الحاج (ت ٧٣٧ هـ) (٢):
«ويتعين عليه- ناسخ المصحف- ترك ما أحدثه بعض الناس، في هذا الزمن، وهو أن ينسخ الختمة على غير مرسوم المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة على ما وجدته بخط عثمان بن عفان ﵁. وقال مالك ﵀: القرآن يكتب بالكتابة الأولى.
ولا يجوز غير ذلك، لأن من لا يعرف الرسم من الأمة، يجب عليه أن لا يقرأ في المصحف إلا بعد أن يتعلم القراءة على وجهها، أو يتعلم مرسوم المصاحف، فإن فعل غير ذلك، فقد خالف ما اجتمعت عليه الأمة، وحكمه معلوم في الشرع الشريف، ومن علل بشيء، فهو مردود عليه لمخالفته الإجماع، وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق كثير من الناس في هذا الزمن، فليتحفظ من ذلك في حق نفسه، وفي حق
стр. 210
غيره» (١).
ونقل الشيخ محمد حبيب الله عن صاحب كتاب الفوائد المهمة إجماع أئمة القراء، وأهل الأداء على لزوم متابعة مرسوم الخط، وقال: «وقد قالوا إن خط المصاحف سنة متبعة، لا يجوز لأحد أن يخالفه في الحذف، والإثبات، والزيادة، والنقصان، والقطع، والوصل، والإبدال» (٢).
قال الإمام أبو عبد الله الجريني (ت ٧٨٣ هـ):
«فالواجب على القراء والكتاب أن يعرفوا رسم المصاحف العثمانية ويتبعوه، فإنه رسم زيد بن ثابت ﵁، فإنّه لم يكتب شيئا من ذلك إلا لعلة لطيفة، وحكمة بالغة، ولا يجوز لأحد أن يخالف ما كتبه زيد، لأنه كان أمين رسول الله ﷺ ، وكاتب وحيه، ولا يجوز أن يقيس هجاء المصحف العظيم، ولكن يتلقاه بالقبول والتسليم».
وقال: «من طعن في شيء من هجائه، فهو كالطاعن في تلاوته.
فلا بدّ من معرفة هجاء المصحف الواجب علينا اتباعه، ونميزه من هجاء الخط الذي بني على القياس» (٣).
ونقل أبو العباس الونشريسي (ت ٩١٤ هـ) في المعيار قول الإمام المقرئ أبي عبد الله الكناني (ت ٨١١ هـ)، فقال:
стр. 211
«والكتابة عبارة عن الرسوم المخصوصة التي وضعها الصحابة ﵃ في مصحف الإمام المجمع عليه، والمكتوب كلام الله القديم المدلول عليه بصور تلك الرسوم المجمع عليها، وهي محدثة، ولما كانت كذلك توفرت الدواعي إلى نقلها، فنقلها الناس تواترا لقراءاتهم وكتاباتهم، فلا يجوز لهم أن يقرءوا قراءة تخالف صورة الخط، ولا أن يكتبوا كتابة مخالفة للرسوم التي وضعها الصحابة ﵃ في المصاحف المجمع عليها، فالمكتوب متواتر بنقل دليله المتحد» (١).
ونص ابن القاضي- وهو إمام الأئمة في علم هجاء المصاحف- على وجوب اتباع خط المصاحف، فقال:
«اعلم رحمنا الله وإياك أن متابعة مرسوم الإمام أمر واجب محتم على الأنام كما نص عليه الأئمة الأعلام، فمن حاد عنه فقد خالف الإجماع، ومن خالفه فحكمه معلوم في الشرع الشريف بلا نزاع» (٢)، ثم نقل كلام أئمة هذا الشأن، وقال:
«ولا يجوز غير ذلك، ولا يلتفت إلى اعتلال من خالفه بقوله: إن العامة لا تعرف مرسوم المصحف، ويدخل عليهم الخلل في قراءتهم في المصحف، إذا كتب على المرسوم أي العثماني، إلى آخر ما عللوا به، فهذا ليس بشيء، لأن من لا يعرف المرسوم من الأمة، يجب عليه أن
стр. 212
لا يقرأ في المصحف حتّى يتعلم القراءة على وجهها، ويتعلم مرسوم المصحف، فإن فعل غير ذلك فقد خالف ما أجمعت عليه الأمة، وحكمه معلوم في الشرع الشريف.
ومن علل بشيء فهو مردود عليه لمخالفته للإجماع المتقدم وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق كثير من الناس في هذا الزمن، فليتحفظ من ذلك في حق نفسه وحق غيره» (١).
ولقد تأملت رأي من قال: تكتب مصاحف بالرسم العثماني خاصة للعلماء والعارفين، وتكتب مصاحف بالرسم القياسي لعامة الناس، فظهر لي أن فيه تقسيما وتشتيتا للأمة الإسلامية، ومما يزيد في ضعف هذا القول، أنه يؤدي إلى اختلاف المصاحف، وتعددها بين قديم مأثور وحديث، ووحدة المصاحف خير من اختلافها، وتعددها يلزم منه اختلاف القلوب.
ثم إن هذا التعدد في المصاحف الذي دعوا إليه هو الذي حدا بسيدنا عثمان ﵁ إلى نسخ المصاحف وإرسالها إلى الآفاق، وأتلف ما عداها بالحرق والمحو وغيرهما، فهؤلاء يريدون تفريق جمع سيدنا عثمان، وما أحرقها إلا لمخالفة رسمها رسم صحف أبي بكر، وكان إحراقها منه إعلاما بأن كل ما يخالف هذا الرسم باطل مردود (٢).
стр. 213
قال الدكتور فهد الرومي:
«ولو كان المراد صحة التلاوة، لأبقوا مصاحفهم، وتلوا كما جاء في مصحف عثمان، ولكنهم لما علموا أن الأمر يشمل القراءة والكتابة، بادروا من فورهم إلى التخلص مما بأيديهم (١)، ولذلك نجد أن بعض الصحابة كانت لهم مصاحف يقرءون فيها، فلما نسخ سيدنا عثمان المصاحف تركوا مصاحفهم، واتبعوا المصحف الإمام» (٢).
قال مكي: «وهذا الاختلاف الذي يخالف خط المصحف، وما جاء منه مما هو زيادة على خط المصحف، أو نقصان من خط المصحف، أو تبديل لخط المصحف ... هو الذي سمع حذيفة في المغازي وسمع ردّ الناس بعضهم على بعض، ونكير بعضهم على بعض، فحداه ذلك على إعلام عثمان ﵁، وهو الذي حداه على جمع الناس على مصحف واحد، ليزول ذلك الاختلاف فافهمه» (٣).
ومما اعترضوا به على عدم وجوب اتباع رسم المصحف العثماني اختلاف خطوط المصاحف. وهذا الاعتراض مردود باطل من وجوه:
إن أرادوا أشكال الحروف وصورها، فهذا لا خلاف فيه بين علماء الأمة قاطبة، وينحصر الخلاف في الزيادة، والنقص، والبدل.
وإن أرادوا اختلاف المصاحف في حروف معينة، فذلك من الحروف
стр. 214
التي لا يحتملها الرسم فوزعها الصحابة ﵃ في سائر مصاحف الأمصار، لأنها من الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن مثل قوله تعالى: سارعوا، وقوله: وسارعوا.
وإن أرادوا اختلاف مصاحف الصحابة والتابعين، فذلك يكون مما نسخ في العرضة الأخيرة، أو يكون مما ألحقه بعض الصحابة والتابعين، كالتفسير، والبيان.
ومما اعترضوا به على القول بإجماع العلماء على وجوب اتباع رسم المصحف قولهم: «وإجماع الأمة عليه بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين غير مسلم، فقد أحدثوا النقط والشكل».
فهذا الاعتراض باطل مردود، فإن ما أحدثه التابعون ومن بعدهم من النقط والشكل، لا يخرق الإجماع ولا يؤثر فيه، لأنهم وضعوا نقط الإعجام ونقط الإعراب والهمزات بعيدا عن الرسم، فلا يلتبس بالرسم، فإن نقط الإعجام ليست له صورة فيتوهم من أجلها دخوله في الرسم.
وأما نقط الإعراب فكرهه جماعة كابن عمر، ومحمد بن سيرين، والنخعي، والحسن، وجوّزه مالك في الألواح للصبيان.
ثم وفقهم الله فجعلوه بالألوان، ومنعوا أن يكتب بالسواد منعا لالتباس الرسم بالشكل، فجعلوا الهمزة المحققة بالصفرة، والمسهلة والحركات بالحمرة، وعلامة الابتداء بالخضرة.
قال أبو عمرو الداني: «لا أستجيز النقط بالسواد لما فيه من التغيير لصورة الرسم» ثم قال: «وأرى أن تكون الحركات والتنوين والتشديد
стр. 215
والسكون بالحمرة، والهمزات بالصفرة» (١).
واستمر الحال على ذلك حتى ظهرت المطابع الحديثة فتعسر ذلك، فجعلوا نقط الإعراب وجميع الملحقات بحروف صغيرة تمييزا لها عن الرسم، فهي من الضبط، وبالغ علماء الرسم في المحافظة على هجاء المصاحف فمنعوا أن تقطع خط المصحف أو تتصل به.
وأصبح الآن إلحاق هذه الحروف المحذوفة بالحمرة والألوان متيسرا وممكنا، وحينئذ لم يلتبس رسم الصحابة بشكل التابعين.
إن هؤلاء الذين ينادون بتغيير الرسم العثماني (٢)، ارتكبوا أخطاء جمّة في مناداتهم تلك:
الأول: اعتقادهم أن القرآن يتلقى من المصاحف والصحف، وهذا أمر لم يقل به أحد من أئمة القراء، وهو خطأ في التصور.
فالأساس الذي انطلق منه هؤلاء، وبنوا عليه دعوتهم فاسد، وما بني على فاسد فهو فاسد باطل. فإن حفظ القرآن وتلاوته لم يعتمد على المصاحف وحدها، بل على التلقي، والمشافهة، والسماع، والرواية.
وكان أبو داود- ﵀ كثيرا ما يحث على الأخذ بالسماع والمشافهة