← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 29988

مختصر التبيين لهجاء التنزيل

سليمان بن نجاح

Полный текст (1 911 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

«والكتابة عبارة عن الرسوم المخصوصة التي وضعها الصحابة ﵃ في مصحف الإمام المجمع عليه، والمكتوب كلام الله القديم المدلول عليه بصور تلك الرسوم المجمع عليها، وهي محدثة، ولما كانت كذلك توفرت الدواعي إلى نقلها، فنقلها الناس تواترا لقراءاتهم وكتاباتهم، فلا يجوز لهم أن يقرءوا قراءة تخالف صورة الخط، ولا أن يكتبوا كتابة مخالفة للرسوم التي وضعها الصحابة ﵃ في المصاحف المجمع عليها، فالمكتوب متواتر بنقل دليله المتحد» (١). ونص ابن القاضي- وهو إمام الأئمة في علم هجاء المصاحف- على وجوب اتباع خط المصاحف، فقال: «اعلم رحمنا الله وإياك أن متابعة مرسوم الإمام أمر واجب محتم على الأنام كما نص عليه الأئمة الأعلام، فمن حاد عنه فقد خالف الإجماع، ومن خالفه فحكمه معلوم في الشرع الشريف بلا نزاع» (٢)، ثم نقل كلام أئمة هذا الشأن، وقال: «ولا يجوز غير ذلك، ولا يلتفت إلى اعتلال من خالفه بقوله: إن العامة لا تعرف مرسوم المصحف، ويدخل عليهم الخلل في قراءتهم في المصحف، إذا كتب على المرسوم أي العثماني، إلى آخر ما عللوا به، فهذا ليس بشيء، لأن من لا يعرف المرسوم من الأمة، يجب عليه أن

стр. 212

لا يقرأ في المصحف حتّى يتعلم القراءة على وجهها، ويتعلم مرسوم المصحف، فإن فعل غير ذلك فقد خالف ما أجمعت عليه الأمة، وحكمه معلوم في الشرع الشريف. ومن علل بشيء فهو مردود عليه لمخالفته للإجماع المتقدم وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق كثير من الناس في هذا الزمن، فليتحفظ من ذلك في حق نفسه وحق غيره» (١). ولقد تأملت رأي من قال: تكتب مصاحف بالرسم العثماني خاصة للعلماء والعارفين، وتكتب مصاحف بالرسم القياسي لعامة الناس، فظهر لي أن فيه تقسيما وتشتيتا للأمة الإسلامية، ومما يزيد في ضعف هذا القول، أنه يؤدي إلى اختلاف المصاحف، وتعددها بين قديم مأثور وحديث، ووحدة المصاحف خير من اختلافها، وتعددها يلزم منه اختلاف القلوب. ثم إن هذا التعدد في المصاحف الذي دعوا إليه هو الذي حدا بسيدنا عثمان ﵁ إلى نسخ المصاحف وإرسالها إلى الآفاق، وأتلف ما عداها بالحرق والمحو وغيرهما، فهؤلاء يريدون تفريق جمع سيدنا عثمان، وما أحرقها إلا لمخالفة رسمها رسم صحف أبي بكر، وكان إحراقها منه إعلاما بأن كل ما يخالف هذا الرسم باطل مردود (٢).

стр. 213

قال الدكتور فهد الرومي: «ولو كان المراد صحة التلاوة، لأبقوا مصاحفهم، وتلوا كما جاء في مصحف عثمان، ولكنهم لما علموا أن الأمر يشمل القراءة والكتابة، بادروا من فورهم إلى التخلص مما بأيديهم (١)، ولذلك نجد أن بعض الصحابة كانت لهم مصاحف يقرءون فيها، فلما نسخ سيدنا عثمان المصاحف تركوا مصاحفهم، واتبعوا المصحف الإمام» (٢). قال مكي: «وهذا الاختلاف الذي يخالف خط المصحف، وما جاء منه مما هو زيادة على خط المصحف، أو نقصان من خط المصحف، أو تبديل لخط المصحف ... هو الذي سمع حذيفة في المغازي وسمع ردّ الناس بعضهم على بعض، ونكير بعضهم على بعض، فحداه ذلك على إعلام عثمان ﵁، وهو الذي حداه على جمع الناس على مصحف واحد، ليزول ذلك الاختلاف فافهمه» (٣). ومما اعترضوا به على عدم وجوب اتباع رسم المصحف العثماني اختلاف خطوط المصاحف. وهذا الاعتراض مردود باطل من وجوه: إن أرادوا أشكال الحروف وصورها، فهذا لا خلاف فيه بين علماء الأمة قاطبة، وينحصر الخلاف في الزيادة، والنقص، والبدل. وإن أرادوا اختلاف المصاحف في حروف معينة، فذلك من الحروف

стр. 214

التي لا يحتملها الرسم فوزعها الصحابة ﵃ في سائر مصاحف الأمصار، لأنها من الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن مثل قوله تعالى: سارعوا، وقوله: وسارعوا. وإن أرادوا اختلاف مصاحف الصحابة والتابعين، فذلك يكون مما نسخ في العرضة الأخيرة، أو يكون مما ألحقه بعض الصحابة والتابعين، كالتفسير، والبيان. ومما اعترضوا به على القول بإجماع العلماء على وجوب اتباع رسم المصحف قولهم: «وإجماع الأمة عليه بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين غير مسلم، فقد أحدثوا النقط والشكل». فهذا الاعتراض باطل مردود، فإن ما أحدثه التابعون ومن بعدهم من النقط والشكل، لا يخرق الإجماع ولا يؤثر فيه، لأنهم وضعوا نقط الإعجام ونقط الإعراب والهمزات بعيدا عن الرسم، فلا يلتبس بالرسم، فإن نقط الإعجام ليست له صورة فيتوهم من أجلها دخوله في الرسم. وأما نقط الإعراب فكرهه جماعة كابن عمر، ومحمد بن سيرين، والنخعي، والحسن، وجوّزه مالك في الألواح للصبيان. ثم وفقهم الله فجعلوه بالألوان، ومنعوا أن يكتب بالسواد منعا لالتباس الرسم بالشكل، فجعلوا الهمزة المحققة بالصفرة، والمسهلة والحركات بالحمرة، وعلامة الابتداء بالخضرة. قال أبو عمرو الداني: «لا أستجيز النقط بالسواد لما فيه من التغيير لصورة الرسم» ثم قال: «وأرى أن تكون الحركات والتنوين والتشديد

стр. 215

والسكون بالحمرة، والهمزات بالصفرة» (١). واستمر الحال على ذلك حتى ظهرت المطابع الحديثة فتعسر ذلك، فجعلوا نقط الإعراب وجميع الملحقات بحروف صغيرة تمييزا لها عن الرسم، فهي من الضبط، وبالغ علماء الرسم في المحافظة على هجاء المصاحف فمنعوا أن تقطع خط المصحف أو تتصل به. وأصبح الآن إلحاق هذه الحروف المحذوفة بالحمرة والألوان متيسرا وممكنا، وحينئذ لم يلتبس رسم الصحابة بشكل التابعين. إن هؤلاء الذين ينادون بتغيير الرسم العثماني (٢)، ارتكبوا أخطاء جمّة في مناداتهم تلك: الأول: اعتقادهم أن القرآن يتلقى من المصاحف والصحف، وهذا أمر لم يقل به أحد من أئمة القراء، وهو خطأ في التصور. فالأساس الذي انطلق منه هؤلاء، وبنوا عليه دعوتهم فاسد، وما بني على فاسد فهو فاسد باطل. فإن حفظ القرآن وتلاوته لم يعتمد على المصاحف وحدها، بل على التلقي، والمشافهة، والسماع، والرواية. وكان أبو داود- ﵀ كثيرا ما يحث على الأخذ بالسماع والمشافهة

стр. 216

فقال: «إذ لا غنى لقارئ هذا الحرف من مشافهة العالم فيه إذ لا يقدر على اللفظ به من الكتاب» (١). وأثر عن بعضهم القول: «لا تأخذوا القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفي» (٢). وهذا واضح من السنة، فهذا معلم الأمة ﷺ كان يتعلم القرآن من جبريل ﵇، ويشافهه به، ويعارضه القرآن في كل عام في شهر رمضان، وعارضه عام وفاته بالقرآن مرتين كما جاء في الصحيح (٣). واتبع سنته صحابته ﵃ في الحفظ عن طريق السماع والتلقي فهذا عبد الله بن مسعود يقول: «حفظت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة» (٤). ويبين عمن أخذ باقيه فيقول في رواية أخرى: «وأخذت بقية القرآن عن أصحابه» (٥). ويتجلى ذلك في المصاحف التي نسخها عثمان ﵁، فأرسل مع كل مصحف قارئا، فهذا دليل قاطع على أن من أحكام القراءة ما لا يمكن إتقانه، إلا بالتلقي والسماع والمشافهة.

стр. 217

القراءة رواية وسند وتلق، وليس خط المصاحف إلا كالتذكرة (١). ولو كتبناه بالرسم القياسي- كما يقولون- لا يزول اللبس الذي ادعوه، لأن في القراءات كيفيات خاصة ثابتة بالرواية والنقل، وهي لا تعرف إلا بالمشافهة والتلقي والتعليم، إذ لا يوجد في الرسم ما يرشد إليها، كالمدّ، والإمالة، والإظهار، والإدغام، والغنة، والإشمام، والروم، وغيرها. وإن أبا داود ﵀ خالف شيخه في ضبط الإخفاء والاختلاس، فقال: «وأنا أخالفه في هذا الباب، وأختار ترك ضبط العشر الكلمات المذكورات لمن أخفاها واختلسها ممن تقدم ذكره، إذ لا يقدر أحد أن يلفظ بهن مخفاة ولا مختلسة من الكتاب حتى يأخذ ذلك مشافهة من العالم مع رياضة، وتفهم، وتعلم» (٢). وعلل ذلك بقوله: «لأنه لا يتوصل إلى حقيقة اللفظ بها إلا بالمشافهة من فم المقرئ دون الضبط والخط» (٣). الثاني: اعتقادهم أن الصحابة ﵃ اصطلحوا على هذا الرسم، وحينئذ لا يوجب ذلك اتباعهم وهذا قصور في التصور، وخطأ في الاعتقاد. وهذا الزعم أيضا فاسد، وكل ما بني على فاسد فهو فاسد بل يكون آكد في حقنا اتباعه والعمل به، فتأكد من جهتين:

стр. 218

الأولى: إقرار الرسول ﷺ لهذا الرسم. والثانية: عمل الصحابة ﵃، وهذا أيضا وحده كاف في وجوب الاقتداء بهم، والعمل على الاتباع لهم فهؤلاء القوم يزعمون أن عمل الصحابة غير واجب الاتباع وهذا خطأ جسيم. إنّ الصحابة ﵃ نقلوا لنا القرآن والسنة وما تفرع عنهما بما في ذلك هجاء المصاحف، فيجب عدم مخالفتهم، لأننا مأمورون باتباع الصحابة ﵃ والاقتداء بهم. فإن كان الرسم توقيفيا كان اتباعنا له ألزم، وإن كان اصطلاحا من الصحابة كان عملنا به أحق واتباعنا له ألزم، فعلى كلا القولين يلزمنا اتباعه. فاتباع الصحابة واجب، وبخاصة الخلفاء الراشدين، وذلك لحديث العرباض بن سارية، ومما جاء فيه، قال رسول الله ﷺ : « ... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (١). وجمع هذين القولين الشيخ محمد بن العاقب، فقال:

стр. 219

رسم الكتاب سنة متبعة* كما نحا أهل المناحي الأربعة لأنه إما بأمر المصطفى* أو باجتماع الراشدين الخلفا وكل من بدّل منه حرفا* باء بكفر أو عليه أشفى (١) قال اللبيب في شرح العقيلة: «فيلزمنا اتباعهم- الصحابة ﵃ إذ هم الأئمة، والصحابة، والعمدة، فما فعله صحابي واحد، وأمر به، فلنا الأخذ به، والاقتداء بفعله، والاتباع لأمره، فكيف وقد اجتمعت الصحابة على كتب المصحف حين كتبوه، نحو اثني عشر ألفا من الصحابة ﵃، ونحن مأجورون على اتباعهم، ومأثومون على مخالفتهم. فينبغي لكل مسلم عاقل أن يقتدي بهم، وبفعلهم، فما كتبوه بغير ألف فواجب أن يكتب بغير ألف، وما كتبوه متصلا فواجب أن يكتب متصلا، وما كتبوه منفصلا فواجب أن يكتب منفصلا، وما كتبوه من هاء التأنيث بالتاء فواجب أن يكتب بالتاء، وما كتبوه بالهاء فواجب أن يكتب بالهاء» (٢). ثم قال: «لأنهم لم يرسموا شيئا، إلا على أصل، وعلم، ومعرفة، وقصد، وذلك لمعان جمة علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (٣). الثالث: جهلهم بالصلة الوثيقة التي بين هذا الرسم ووجوه القراءات وأصواتها وأدائها.

стр. 220

وقد لا يكون الواحد منهم يحسن رواية واحدة من طريق واحد، فكيف بالقراءات العشر المتواترة بالروايات والطرق المتعددة، فأي تغيير في بعض الحروف يلزم منه تغيير في بعض وجوه هذه القراءات، وإن لم يظهر لنا ذلك في بعضها الآخر. من المعلوم لدى علماء القراءات أن تغيير حرف من رسم القرآن غالبا ما يؤدي إلى تغيير في نص القرآن، إما بتغيير في بنية الكلمة يترتب عليه تحريفها، أو تغيير في الوقف، أو ربّما أدّى إلى إسقاط قراءة منزلة. فكتابة «ملك» بألف بعد الميم يسقط القراءة بحذف الألف وهي متواترة. كما أنه لو كتبت: «امرأت» و «رحمت» و «نعمت» في مواضعها المفتوحة بالهاء لتغير حكم الوقف عليها. ومثلها لو حذفت الألف في الخط من قوله : الظنونا (الأحزاب: ١٠) والرّسولا (الأحزاب: ٦٦) والسبيلا (الأحزاب: ٦٧) لسقطت القراءة بالألف، وهي متواترة، فأي تغيير في الرسم في هذه المواضع وأمثالها يؤدي إلى تغيير في القراءة، أو إخلال فيها، أو إسقاط لها. ولقد عبّر عن هذه الصلة الوثيقة بين القراءة والرسم أبو العباس المهدوي، فقال: «كانت الحاجة إليه كالحاجة إلى سائر علوم القرآن بل أهم، ووجوب تعليمه أشمل وأعم، إذ لا يصح معرفة بعض ما اختلف القرّاء فيه دون معرفته» (١) أي الرسم.

стр. 221

قال الدكتور عبد الحي الفرماوي: «فربما كان الترخيص في رسم المصحف المأثور قريبا- على نحو ما- من أسلوب التحريف» (١). ولو أهملنا هذا الرسم لضاع، وبضياعه يضيع كثير من هذه اللغات، والقراءات، والأوجه، التي لا يمكن الاستدلال عليها حينئذ بالمصاحف التي هي أوثق وأصدق الحديث، فهجاء المصاحف له تعلق كبير بالقراءات، وأصواتها، وأدائها، فيجب الاحتياط الشديد لبقاء القرآن على أصله لفظا وكتابة، سدا للذرائع، ومنعا من فتح باب الاستحسان في كتابة القرآن. الرابع: التناقض العجيب الذي وقعوا فيه، وهو إذا كان السبب الدافع إلى كتابة المصاحف بالرسم القياسي على حد دعواهم هي هذه الحروف المحذوفة والزائدة في المصحف، فإن الكتابة بالرسم القياسي في غير المصحف لا تخلو من هذه الحروف الزائدة والناقصة، من ذلك مثلا: «هذا» و «ذلك» و «لكن» و «أولئك» و «قالوا» و «الشمس» و «النّهار». فيتفقون مع مرسوم المصاحف، ولكثرة استعمالهم لها لا يشعرون بذلك (٢). قال الشيخ محمد رجب فرجاني: «وليس هذا الحال قاصرا على اللغة العربية وحدها، ولا على رسم المصحف وحده، بل عمّ ذلك جميع اللغات التي يتكلم بها البشر» (٣).

стр. 222

ثم إن رسم المصحف لا يخالف قواعد الرسم القياسي إلا في كلمات معينة معدودة لأغراض بلاغية، ومن السهل معرفتها، ووضعت عليها علامات من الشكل والضبط تدل على الحروف المحذوفة التي ينطق بها، وأمارات معينة تدل على الحروف الزائدة التي لا ينطق بها، ونص على ذلك نساخ المصاحف في ذيل آخر كل مصحف إرشادا وتيسيرا للقارئ، بعد التلقي والسماع من المقرئ، لأنه لكل علم أدواته ومبادئه واصطلاحاته التي يجب أن تعلم قبل الإقدام عليه. ثم إن المبتدئ في أول مراحل التعليم الذي عرف زيادة الألف بعد واو الجمع في نحو: «قالوا»، وحذفها في نحو قوله: «هذا» وشبهه في الرسم القياسي يعرف زيادة ذلك وحذفه في الرسم العثماني، لا فرق بين هذا وذاك. بل إن علامة الفتحة، والضمة، والكسرة، لا تدل في نفسها على كيفية النطق بها في أول مراحل التعليم، وإنما لما اقترن وضع الحركة على الحرف بكيفية النطق بها تعلمها الصغار، فهي علامة على الكيفية، ولا تدل على الكيفية. وهذا واضح وجلي من طريقة أبي الأسود الدؤلي في تنقيط المصحف حيث قال لكاتبه: «إذا فتحت فمي فانقط فوق الحرف، وإذا ضممت شفتي فانقط أمامه، وإذا كسرتهما فانقط تحته (١)» فاقترن الخط بالمشافهة بالكيفيات.

стр. 223

وبمثل ذلك يقال في الحروف المثبتة والمحذوفة والمبدلة في الرسم العثماني لا فرق بين هذا وذاك. وحينئذ الطريقة واحدة في التعليم والتلقي، لا فرق بين تعلم الرسم العثماني والرسم القياسي، بل هناك ما يدعو إلى أن الرسم في بعض الحالات يكون أسهل، إذا علمت بعض مزايا الرسم العثماني وفصاحته وبلاغته. وإن أهل المغرب (١) كانوا، ولا يزالون، لا يفصلون بين حفظ القرآن ورسمه، ودرج على ذلك سلفهم وخلفهم فيعتقدون أن الحفظ لن يتم، ولا يسمى الحافظ حافظا، حتى يتقن حفظ القرآن مع حفظ رسمه حرفا حرفا وكلمة كلمة، فتقرر عندهم أن المكتوب والمحفوظ شيء واحد، لا يمكن الفصل بينهما، ولا يخطر ببالهم غير ذلك، فهذا معتقدهم، ويبالغ الشيخ المقرئ في المحافظة على الرسم في اللوح من أول الحفظ مع تلاميذه المبتدئين. فهذه طريقة المغاربة في الحفظ، التي حفظنا القرآن بها، ولم نسمع أحدا منهم شكا من أمر صعوبة الرسم، بل يأخذونه مسلّما لأنه رسم زيد بن ثابت. ولا يجاز الطالب إلا على حفظ القرآن عرضا وسماعا مع رسمه وإعرابه بالنقط والشكل (٢).

стр. 224

والدليل على ما للمغاربة من تفوق في حفظ القرآن، وإتقان رسمه معا، ما ذكره عبد الرحمن بن خلدون، إذ قال: «فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان، الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله» إلى أن قال: «وهذا مذهب أهل الأمصار من المغرب في ولدانهم إلى أن يجاوزوا البلوغ إلى الشبيبة، وكذا في الكبير، إذا رجع إلى مدارسة القرآن الكريم بعد طائفة من عمره، فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه ممن سواهم» (١). فابن خلدون يقرر أن الأولاد يتعلمون الرسم مع تعليم القرآن ويحفظون رسمه كما يحفظون القرآن عرضا فهم فيه متفوقون. ولعل هذه هي الحكمة من إطلاق تسميتين مشهورتين على القرآن الكريم، من بين التسميات الكثيرة، فسمي «بالقرآن» وسمي «بالكتاب» (٢). وبين ذلك العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز، فقال: «روعي في تسميته: «قرآنا» كونه متلوا بالألسن، كما روعي في تسميته: «كتابا» كونه مدوّنا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين، لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور، والسطور جميعا ... فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب المنقول إلينا، جيلا بعد جيل، على

стр. 225

هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر. وبهذه العناية المزدوجة ... بقي القرآن محفوظا» (١). فتوافرت العناية من جهتين مختلفتين من جهة حفظه وعرضه، ومن جهة رسمه وإعرابه بالنقط، وهذا واضح من فعل الرسول ﷺ حيث دعا من يكتب الوحي إلى جانب العرض والتلقي والرواية ومعارضته على جبريل. وواضح أيضا من المصاحف التي أرسلها سيدنا عثمان إلى الآفاق حيث أنفذ مع كل مصحف قارئا، فتلازمت الكتابة في الخط مع الحفظ والعرض منذ بداية النزول، ومضت على ذلك الأجيال في كل الأعصار والأمصار، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. والخامس: أن العرب الخلص اتسمت لغتهم العربية بالإيجاز، وهو واد من أودية البلاغة والفصاحة، حتى قالوا: البلاغة الإيجاز، فجاء خط المصحف على سنن لغة العرب من الإيجاز في الرسم، فوافق خطهم لغتهم العربية، وبهذا تتجلى فصاحة الرسم القرآني وبلاغته. من فصاحة الرسم وبلاغته: ومما لا شك فيه أن فضل العلم بقدر شرف المعلوم، وموضوع هذا العلم هو المصحف الشريف، وإن شئت قلت: القرآن الكريم، لوجوده

стр. 226

فيه، ففضله على العلوم، كفضل المصحف أو القرآن على غيره، وناهيك به فضيلة. ومن أهم فوائد الرسم القرآني: - المطابقة اللفظية للقارئ، والمتابعة الخطية للكاتب، وتمييز أنواع المخالفة المغتفرة من غيرها (١). - حفظ اللسان من الخطأ، واللحن، ومعرفة الأفصح في الكتابة، وذلك لأنها نائبة عن التكلم، فالخطأ فيها يعد لحنا كالخطإ فيه، وكما أنهم عدوّا في الألفاظ فصيحا وأفصح، فكذلك عدوّا في الكتابة مثله، فقد قالوا: «الأفصح في كتابة ذوات الياء كذا، والأفصح في كتابة ذوات الواو كذا». ومن كلام العرب: الخط أحد اللسانين، وحسن الخط أحد الفصاحتين (٢). وكما هو معلوم أن لغة قريش أفصح اللغات، فلذا كانت الكتابة على لغتهم أولى، لا سيما وقد جرى عليها رسم المصحف (٣). قال المؤلف أبو داود: «إلا أن الخط مبني على لغة أهل الحجاز من قريش، وكنانة، ومن جاورهم» (٤). وكان ﵀ يفضل الكتابة بلغة أهل الحجاز على لغة غيرها مثل هذيل وسليم.

стр. 227

فقال عند قوله: فمن تبع هداي (١): «وأنا أستحب كتب ذلك بألف موافقة للغة أهل الحجاز، وللمصاحف المرسوم فيها ذلك كذلك، وهروبا من لغة هذيل وبعض سليم». وأكثر خط المصاحف موافق لقواعد الرسم القياسي، وأقله خالف الخط القياسي، منه ما ظهرت فائدته وتجلت حكمته، ومنه ما غاب عن العلماء علمه، ولم يكن ذلك من الصحابة كيف اتفق، بل لأمر عندهم قد تحقق. يقول ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): «إن كتابة الصحابة للمصحف الكريم ممّا يدل على عظيم فضلهم في علم الهجاء، وثقوب فهمهم في تحقيق كل علم» (٢). وقال علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ): «وقد كتب منهم جماعة، وكانوا الغاية القصوى في المعرفة، والذكاء، والفطنة» (٣). وقال النيسابوري (ت ٧٢٨ هـ): «فما كتب- زيد بن ثابت- شيئا من ذلك إلا لعلة لطيفة وحكمة بليغة، وإن قصر عنها رأينا» (٤). وقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): «ولم يكن ذلك منهم كيف اتفق، بل على أمر عندهم قد تحقق» (٥).

стр. 228

واستدل أبو الحسن أحمد بن فارس (ت ٣٩٥ هـ) على قدم علم العربية بما فيه كتابة المصحف، على الوجه الذي يعلله النحاة، فقال: «ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم ذلك كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو، والياء والهمز، والمدّ، والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنا، نحو الخبء (النمل: ٢٥) ودفء (النحل: ٥) وملء (آل عمران: ٩٠) فصار ذلك كلّه حجة وحتى كره بعض العلماء ترك اتباع المصحف» (١). قال الإمام الألوسي (ت ١٢٧٠ هـ): «والظاهر أن الصحابة- ﵃ كانوا متقنين رسم المصحف، عارفين ما يقتضي أن يكتب، وما يقتضي ألا يكتب، وما يقتضي أن يوصل، وما يقتضي ألا يوصل، إلى غير ذلك، لكن خالفوا القواعد في بعض المواضع لحكمة» (٢). قال الشيخ موسى جار الله الروسي، واصفا عمل زيد بن ثابت: «رجل كتب مصاحف عديدة، وجرى فيها على أصول له سديدة لم ينحرف عنها قط، وقد بقي عمله العظيم أزمانا مديدة، وكان لا يذهل أصلا في المواضع المناسبة عن نكات دقيقة مفيدة» (٣).

стр. 229

وذهب جمهور القراء وأهل الأداء إلى أن الرسم العثماني كتب بهذه الكيفية، ليشمل الأحرف السبعة، وعللوا ذلك الاختلاف بعلل لغوية ونحوية. قال الدكتور غانم قدوري الحمد: «وهذا الاتجاه أقرب إلى الحق والواقع» (١). وخير من يمثل هذا المذهب إمام الإقراء أبو عمرو عثمان بن سعيد (ت ٤٤٤ هـ)، فقال: «وليس شيء من الرسم، ولا من النقط، اصطلح عليه السلف، رضوان الله عليهم، إلا وقد حاولوا به وجها من الصحة والصواب، وقصدوا فيه طريقا من اللغة والقياس، لموضعهم من العلم، ومكانهم من الفصاحة، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (٢). ثم قال في موضع آخر: «وعلة هذه الحروف وغيرها من الحروف المرسومة على خلاف ما يجري به رسم الكتاب من الهجاء في المصحف، الانتقال من وجه معروف مستفيض إلى وجه آخر مثله في الجواز، والاستعمال، وإن كان المنتقل عنه أظهر معنى، وأكثر استعمالا» (٣). وقال المؤلف أبو داود عند قوله تعالى: فمال هؤلاء (٤):

стр. 230

«كتبوا المواضع الأربعة في جميع المصاحف على الانفصال، وكتبوا سائر ما يرد من مثلها على الاتصال، ليروا جواز الوجهين عندهم، واستعمال المذهبين في عصرهم». وهكذا اتفقت كلمة العلماء على أن كتبة المصاحف كتبوه على هذه الصفة لعلل وحكم، ولم يبينوا وجوه هذه الحكم. فتأملت هذا الموضوع كثيرا، وأعملت الفكر عنده طويلا، وسألت الله العون والتوفيق والسداد، فلاح لي بعد طول نظر وتأمل ما عساه أن يكون أوفق للصواب. من المعروف أن الإيجاز في اللغة العربية، كنز من كنوزها، بل قال بعضهم: «البلاغة الإيجاز» أو «الإيجاز هو البلاغة» (١). إن الحذف في الرسم العثماني ليس غريبا في لغة العرب، بل إنه سمة من سمات اللغة العربية وخصائصها. وإذا راجعنا كتاب سيبويه (ت ١٨٠ هـ) نجد أنه نص في مواضع كثيرة على ضرورة الحذف، ويبين السبب الذي ألجأ العرب إليه من طلب الخفة على اللسان، وذكر في كتابه صورا كثيرة للحذف إيجازا واختصارا مع وجود القرينة (٢). ومثله يحيى بن زياد الفراء (ت ٢٠٧ هـ) في كتابه معاني القرآن (٣)، ومثله أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) وغيرهم.

стр. 231

وعلل ذلك بقوله: «لأن فيما بقي دليلا على ما ذهب» (١)، هذا إذا كان الإيجاز في اللغة العربية يراد به الاختصار، والتخفيف، وعدم التطويل، فحسب، فما بالك بهذا الإيجاز في الرسم العثماني الذي ظهر فيه سمو البلاغة، وحسن الفصاحة، في تأدية وجوه القراءات وأصواتها. فكما أن القرآن معجز مخالف لنظم كلام المخلوقين، كتبوه على ما يخالف خطهم رعاية لتأدية هذه الأحرف المنزلة من عند الله (٢)، فبلاغة الرسم وفصاحته لا تقل أهمية عن بلاغة اللغة العربية وفصاحتها التي نزل بها القرآن الكريم. فالعرب لغتهم اختصت بأنها نالت شرف القرآن الكريم، ومن ثم لاحظ العرب في كتابتهم للقرآن، وبالأخص منهم كتبة المصاحف وزيد بن ثابت في رسم حروف القرآن، ذات الوجه والوجهين بطريقة خاصة وهجاء متميز لاستيعاب الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. فالقرآن معجز في مبناه ومعناه، وبليغ فصيح في لفظه ومحتواه، فروعي في كتابته ورسمه بهجاء يحمل هذه المعاني المتعددة والأغراض البلاغية. فحفظ لنا الرسم العثماني وجوه القراءات المتواترة، فرسمه لا ينفك عن قراءاته وأداء وجوهه المنزلة. فكل تغيير في رسمه يلزم منه تغيير في بعض وجوهه، فلتنوع أغراضه، اختلفت رسومه في الخط، ومن ثم عدّه

стр. 232

أئمة القراءة ركنا من أركان قبول القراءة. قال أبو العباس المهدوي المتوفى بعد ٤٣٠ هـ: «لما كانت المصاحف التي هي الأئمة قد اجتمعت عليها الأمة تلزم موافقتها، ولا تسوغ مخالفتها، وكان كثير من الخط المثبت فيها يخرج عن المعهود عند الناس، مع حاجتهم إلى معرفته، لتكتب المصاحف على رسمه، وتجري في الوقف على كثير منه، لكل قارئ من القراء على مذهبه وحكمه كانت الحاجة إليه كالحاجة إلى سائر علوم القرآن، بل أهم، ووجوب تعليمه أشمل وأعم، إذ لا يصح معرفة بعض ما اختلف القراء فيه دون معرفته، ولا يسع أحدا اكتتاب مصحف على خلاف خط المصحف الإمام ورتبته» (١). فجاءت بلاغة الرسم وفصاحته مطابقة لبلاغة القرآن وفصاحته، ويظهر ذلك من عدة وجوه: أهمها أن الصحابة ﵃ لما كتبوا المصاحف أخلوها من النقط والشكل، ليؤدي الرسم الواحد عدة أوجه، وقراءات، ودلالات لفظية وصوتية، وإفادة بعض اللغات الفصيحة. منها: أن هاء التأنيث كتبت في بعض المواضع بالتاء، وفي بعضها الآخر بالهاء، فزعم بعضهم أن ذلك من المملي والكاتب، فإن المملي كان إذا وصل الكلمة كتبها الكاتب بالتاء على الوصل وإذا قطع الكلمة كان لفظه بالهاء، فكتب الكاتب بالهاء على لفظه.

стр. 233

إلا أن الأنباري والمهدوي ذكرا أن لغة طيّئ ترسم بالتاء المفتوحة فيصلون بالتاء ويقفون بالتاء. وروي أنهم نادوا يوم اليمامة: يا أصحاب سورة البقرة، فقال طائي منهم: أحمد الله ما معي منها آيت» (١). ونقل سيبويه عن أبي الخطاب «أن ناسا من العرب يقولون في الوقف «طلحت» كما قالوا في تاء الجمع قولا واحدا في الوصل والوقف» (٢) فجاء الرسم على اللغتين. ومن بلاغة الرسم وفصاحته أنه إذا كان الحرف الواحد المرسوم لا يحتمل أكثر من وجه رسم على خلاف الأصل ليعلم جواز القراءة به، وبالحرف الذي هو الأصل. ويتجلى ذلك في نحو قوله تعالى: الصّراط أجمعت المصاحف على رسمها بالصاد، وإن كانت السين هي الأصل، ليدل الأصل على قراءة السين، ويدلّ الرسم والخط على قراءة الصاد. فرسم بالصاد، وهي لغة قريش، وقرئ بالسين وهي لغة عامة العرب، وكلاهما صحت به القراءة (٣). ولو كتبت بالسين لفات ذلك، ولاعتبرت القراءة بالصاد مخالفة للأصل والرسم، ولهذا اختلف القراء في قوله تعالى: بصطة في

стр. 234

الأعراف (١) قرئت بالسين والصاد، ولم يقع اختلاف في قوله تعالى: بسطة في البقرة (٢) لكونها كتبت بالسين (٣). ومن بلاغة الرسم وفصاحته ما لاحظه كتاب المصاحف في رسم هجاء المصاحف أن الكلمة إذا وردت فيها قراءات رسموها بصورة تؤدي جميع الأوجه المنزلة، وذلك بتجريدها من النقط والشكل. قال ابن الجزري: «إن الصحابة ﵃ لما كتبوا تلك المصاحف جرّدوها من النقط والشكل، ليحتمله ما كان في العرضة الأخيرة مما صحّ عن النبي ﷺ ». وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين» (٤). والأمثلة على هذا النمط كثيرة؛ منها قوله تعالى: إن هذن لسحرن (٥) رسمت في المصحف العثماني دون نقط، ولا شكل، ولا تشديد، ولا تخفيف، ولا ألف ولا ياء. فرسمها بهذه الكيفية، ومجيئها على هذه الحال أدى جميع القراءات المتواترة التي رويت بأسانيد صحيحة.

стр. 235

فمثل هذا الإيجاز في الفصاحة والبلاغة، يقصر دونه أي رسم آخر، فلو رسمت الألف أو الياء في الخط على حد زعمهم لسقطت جميع القراءات الأخرى المتواترة، فرسم واحد أدّى وجوها كثيرة. قال المؤلف أبو داود وهو يتحدث عن قوله تعالى: لما ءاتينكم (١): «واكتفى الصحابة بفتح النون من الألف لدلالتها عليها حسب ما تقدم، وجمعها بين القراءتين بصورة واحدة حسب ما فعلوه في سائر المصاحف ﵃». وهذا الحذف حذف الألف لم يكن مقصورا على الرسم العثماني، وليس غريبا على لغة العرب، بل ورد الحذف في لغة العرب، ذكر ذلك أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) في معرض حديثه عن قوله تعالى: زكية (٢) واختلاف المصاحف فيها بالحذف والإثبات، قال: قال الكسائي إنهما لغتان بمعنى واحد، والعرب قد تفعل مثل هذا فتقول: القاصي، والقصي. وأنشدني بعض أهل العربية من أهل العرب لبعض الأعراب في خطابه لزوجته في ولد ولدته فأنكره: لتقعدن مقعد القصيّ* وتحلفي بربك العليّ قال الطحاوي: يريد بالقصي: القاصي، وبالعلي: العالي (٣).

стр. 236

أما القراءات المختلفة المتواترة بزيادة لا يحتملها الرسم نحو قوله تعالى: ووصّى وو أوصى (١)، وقوله تعالى: تجري تحتها وتجري من تحتها (٢)، وقوله تعالى: وفيها ما تشتهيه وو فيها ما تشتهي (٣)، كل ذلك وجد في المصحف الإمام، فوزعوا هذه الأحرف، التي لا يحتملها الرسم الواحد، على جميع المصاحف (٤). فتجريد المصاحف من النقط والشكل أدّى إلى الإيجاز، والاقتصاد في عدد الحروف والكلمات. ومن فصاحة الرسم وبلاغته زيادة الألف في نحو قوله تعالى: الظّنونا (٥)، والرّسولا (٦)، والسّبيلا (٧)، وغيرها، فكتب بالألف في المصاحف على لغة من يقول: «لقيت الرجلا». وروى أحمد بن يحيى عن جماعة من أهل اللغة أنهم رووا عن العرب: «قام الرجلو» بواو، و «مررت بالرجلي» بياء في الوصل والوقف، و «لقيت الرجلا» بألف في الحالين. قال الشاعر: إذا الجوزاء أردفت الثريا* ظننت بآل فاطمة الظنونا (٨) هذا إذا كان رسم الألف يراد به إقامة الوزن، أو يراد به لغة من اللغات، فما بالك إذا كان رسم هذه الألف في هذه الكلمات وغيرها

стр. 237

جاء لرعاية القراءات التي وردت فيه، فهذا من فصاحة الرسم وبلاغته. قال الفراء: «وأهل الحجاز يقفون بالألف، وقولهم أحبّ إلينا لاتباع الكتاب، ولو وصلت بالألف لكان صوابا، لأن العرب تفعل ذلك، وقد قرأ بعضهم بالألف في الوصل والقطع» (١). وحينئذ فلا وجه لقول من قال إن هذه الألف زائدة، ولا ينبغي أن توصف بالزيادة. ومثلها قوله تعالى: ولا تايئسوا (٢)، وإنّه لا يايئس (٣)، وقوله تعالى: إذا استيئس (٤)، وقوله تعالى: أفلم يايئس (٥). فوجه علماء الرسم زيادة الألف بأوجه: منها: أن تكون الألف تقوية للهمزة، وبيانا لها لخفائها. ومنها: أن تكون للفرق بينها وبين ما يشبهها في الصورة، لأن قوله تعالى: تيئسوا يشبه: «يتبينوا» قبل حدوث النقط والشكل. إلا أن الذي يبدو وجيها أن الألف زيدت تنبيها لقراءة ابن كثير من رواية البزي، بتقديم الهمزة إلى موضع الياء، وتأخير الياء إلى موضع الهمزة، ثم تبدل الهمزة ألفا لأنها ساكنة بعد فتحة (٦).

стр. 238

وحينئذ، فلا وجه لقول من قال بزيادتها، فرسمها جاء رعاية لقراءة البزي (١). ومن بلاغة الرسم وفصاحته الدلالة على القراءات المختلفة، ويتجلى ذلك في مواضع كثيرة، منها: قوله تعالى: مستهزءون (٢) وشبهها، فلم يرسموا للهمزة صورة بحركة نفسها، وهي الواو، ولم يرسموها بحركة ما قبلها وهي الياء كما رسموها في قوله تعالى: ولا ينبئك (٣) وبابه بحركة ما قبلها. لقد بين وجه ذلك حسين الرجراجي، فقال: «فعلت الصحابة ﵃ ذلك جمعا بين اللغتين؛ إذ هاهنا لغتان فصيحتان في الهمزة المضمومة بعد الكسرة: إحداهما: تسهيلها بالياء، اعتبارا بحركة ما قبلها، وهو مذهب الأخفش. والثانية: تسهيلها بالواو، اعتبارا بحركة الهمزة، وهو مذهب سيبويه. فرسموا الهمزة في المفرد ياء على لغة، ورسموا الهمزة في الجمع واوا على لغة أخرى جمعا بين اللغتين» (٤). إلا أنهم حذفوا الواو التي هي صورة الهمزة كراهة اجتماع واوين، ولو أمعنا النظر في رسمها لوجدنا فيها نواحي من سموّ البلاغة والفصاحة.

стр. 239

والأجود من هذا أن يقال: إنها رسمت بحذف صورة الهمزة رعاية لقراءة أبي جعفر بحذف الهمزة وضم الزاي وهو أحد وجوه وقف حمزة. والثاني: تسهيل الهمزة بينها وبين الواو، وهو مذهب سيبويه. والثالث: إبدال الهمزة ياء خالصة، وهذا مذهب الأخفش. فالأول يدل عليه حذف الهمزة وصورتها من الخط، والثاني يدل عليه ضم الهمزة، والثالث يدل عليه كسرة الزاي. فجاء الرسم على غاية البلاغة والفصاحة، رعاية لأوجه وأصوات مختلفة. فلو رسمت بالواو أو الياء لحصر الخط جهة اللفظ، وامتنعت بقية الأوجه. قال الشيخ محمد طاهر الكردي: «ويستحسن له اتباعه [المصحف] في الهمزات المرسومة في نحو هذه الكلمات: وسئل، والمنشئات، والظّمئان، قرءان وقد نتفق مع مرسوم المصحف في كتابة بعض الكلمات، ولكثرة استعمالنا لها لا نشعر بذلك» (١). ومن بلاغة الرسم وفصاحته: الدلالة على أصل الحرف. ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى: الصّلوة، والزّكوة، والحيوة ومثيلاتها بالواو، نسب الإمام أبو بكر الصولي (ت ٣٣٦ هـ) رسمها

стр. 240

بالواو إلى لغة أهل الحجاز (١). وقال ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ): «وقال بعض أصحاب الإعراب: إنهم كتبوا هذا بالواو على لغات الأعراب». ثم قال: «ويقال: بل كتبت على الأصل، وأصل الألف فيها واو فقلبت ألفا لما انفتحت وانفتح ما قبلها، ألا ترى أنك إذا جمعت قلت: صلوات وزكوات وحيوات» (٢). قال أبو بكر بن دريد ٣٢١ هـ: «والصلاة من الواو، وتجمع صلوات» (٣). وقال الخليل بن أحمد (ت ١٧٥ هـ): «الصلاة» ألفها واو، لأن جماعتها الصلوات» (٤)، فرسمها بالواو للدلالة على أن أصلها الواو. وكذا يقال في بقية الألفاظ، وهي: الرّبوا، والغدوة، وكمشكوة، والنّجوة ومنوة فجملتها ثمانية ألفاظ (٥). بل إن هناك حروفا في الرسم العثماني تظهر فيها فصاحة الرسم العثماني وبلاغته، أكثر من الرسم القياسي دلالة على الأصل، ودلالة

стр. 241

على قراءة الإمالة لمن أمال فيهن، وهي الكلمات التي رسمت بالياء، قال الشيخ محمد طاهر مكي: «أما بيان ما يستحسن لنا اتباعه ففي نحو هذه الكلمات: اشتريه (١)، ومثويه (١)، وإحديهما (٢)، ويغشيها (٣). فكتابة الرسم العثماني لها أصح من كتابتنا، لأن أصلها يائي، ونحن نكتبها بالألف» (٤). ورسم قوله تعالى: يويلتى (٥)، ويحسرتى (٦)، ويأسفى (٧) بالياء؛ لأن هذه الألفات منقلبة عن ياء الإضافة، والأصل: يويلتي، ويحسرتي، ويأسفي. والعرب تقلب ياء الإضافة إلى الألف لخفة الألف، فيقولون: «يا غلاما اضرب». وأنشد بعضهم: يا ابنة عمّا لا تلومي واهجعي وهي لغة مسموعة حكاها الخليل ويونس عن العرب (٨)، فرسمت بالياء على الأصل، وألحقت الألف إقامة للفظ والتلاوة.

стр. 242

ومن بلاغة الرسم وفصاحته الدلالة على أصل الحركة. وبين ذلك الكرماني فقال: «كانت صورة الفتحة في الخطوط قبل الخط العربي ألفا، وصورة الضمة واوا، وصورة الكسرة ياء، فكتبت: لأاوضعوا (١) ونحوه بالألف مكان الفتحة، وإيتايء بالياء مكان الكسرة، وأولئك ونحوه بالواو مكان الضمة، لقرب عهدهم بالخط الأول» (٢). وقال الداني: «إن العرب لم تكن أصحاب شكل ونقط، فكانت تصور الحركات حروفا، لأن الإعراب قد يكون بها كما يكون بهن، فتصور الفتحة ألفا، والكسرة ياء، والضمة واوا، فتدل هذه الأحرف الثلاثة على ما تدل عليه الحركات الثلاث من الفتح، والضم، والكسر» (٣). وهذا التعليل يشعر بأن الرسم العثماني اجتهادي اصطلح عليه الصحابة ﵃ ويوافق رأي من قال إن الرسم العثماني كتب على ما كان عليه واقع الكتابة العربية (٤)، إلا أن الرسم العثماني حفظ لنا هذا النمط من إعراب القرآن. فكما أن في الزيادة فصاحة وبلاغة، فكذلك في الحذف فصاحة وبلاغة، من ذلك قوله تعالى: أيّه المؤمنون (٥) ومثيلاتها حذفت

стр. 243

الألف بعد الهاء، استغناء بالفتحة قبلها ولسقوطها أيضا في الوصل، فجاء الخط موافقا لذلك. قال ابن الأنباري: «ومن العرب من يقول: «يأيه النبي»، و «يأيه الرّجل» وأنشد بيتا للفراء احتجاجا لهذه اللغة، فقال: يأيه القلب اللجوج النفس (١). أقول: فجاء رسم المصحف موافقا لهذه اللغة، وبها قرأ عبد الله بن عامر الشامي في مواضعها الثلاثة، وهي لغة لبعض العرب، حكاها الفراء والأصمعي وغيرهما من اللغويين. وقد نبه الشيخ الإمام البلنسي على هذه اللغة في كتابه المنصف، فقال: وحذفها هنا بعيد الهاء* على سبيل اللفظ في الأداء لأنها في الدرج دأبا تذهب* للساكنين، ولذا لا تكتب ومع ذاك قرأ ابن عامر* بضمها درجا، وقال الشاعر وساق أبياتا من الشعر احتجاجا لهذه اللغة (٢). إن المواضع التي حذفت منها الياء في مثل قوله تعالى: يقوم (٣)، ويربّ (٤) ونحوهما الحجة فيها أنهم اكتفوا بالكسرة من الياء فحذفوها، وكثر استعمالهم لهذا الجنس فقوي الحذف.

стр. 244

واستشهد ابن الأنباري بأبيات للفراء، وحسان بن ثابت، على وقوع هذا الحذف في لغة العرب. وحذفت الياء في مثل قوله تعالى: يوم يات (١) وشبهها، استغناء بالكسرة عن الياء، وكذلك في نحو قوله تعالى: فارهبون (٢). ذكر الزمخشري أن الاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل، وأنشد الطبري بيتا من الشعر شاهدا لهذه اللغة، فقال: «وأنها لغة معروفة لهذيل» (٣). وحكى سيبويه والخليل أن العرب تحذف الياء، وتجتزئ بالكسرة. قال الزجاج: «وقد جاء مثله في كلام العرب» (٤). فالمواضع التي رسمت فيها الياء جاءت على الأصل، والمواضع التي حذفت منها الياء اكتفي بالكسرة عنها. وقد جاءت القراءة على اللغتين بالحذف والإثبات. وقد أشار البلنسي صاحب المنصف إلى هذه اللغة، فقال: كذاك جاءت عندنا مسطورة* وهي فاعلم لغة مشهورة (٥)

стр. 245

وقال ابن معاذ الجهني (ت ٤٤٢ هـ): «وهي لغة للعرب فاشية» وأنشد سيبويه لهذه اللغة أبياتا من الشعر (١). قال محمد بن يحيى الصولي (ت ٣٣٦ هـ): «ومن العرب من يسقط الياء في الخفض والرفع، فيقول: هذا القاض ومررت بالغاز» (٢). وذكر الفراء أن العرب مرة يحذفونها ومرة يثبتونها، وكل صواب مستعمل (٣). وحذفت الواو من قوله تعالى: يدع (٤) ومثيلاتها لغير جازم في الأربعة مواضع، أنهم اكتفوا بالضمة عن الواو، فأسقطوها فبني الخط على اللفظ. وحكى الكسائي عن العرب أنهم يكتفون بالضمة عن الواو. قال ابن الأنباري: «وحذف واو الجمع موجود كثير في كلام العرب»، واستشهد على ذلك بأبيات من الشعر، وقال: «لأن العرب حذفت واو الجمع، فحذف واو الجمع أغلظ من حذف لام الفعل، فإذا جاز حذف ما يدل على الجمع كان حذف ما لا يدل على معنى أسهل، ويدل له إجماع المصاحف على حذف اللام» (٥).

стр. 246

ونسب يحيى بن زياد الفراء هذا الحذف إلى لغة هوازن وعليا قيس، وأنشد على ذلك أبياتا من الشعر استشهادا لهذه اللغة، فقال: إذا ما شاء ضرّوا من أرادوا* ولا يألوهم أحد ضرارا (١) وكتب الصحابة ﵃: أن لّا في بعض المواضع مقطوعة وفي بعضها الآخر موصولة (٢). فالمواضع التي كتبت فيها مقطوعة كتبت على الأصل، لأن الأصل فيها: «أن لا»، والمواضع التي كتبت فيها موصولة بني الخط فيها على الوصل والإدغام (٣). ويبدو لي أن الرسم بالقطع جاء على لغة من يبقي الغنة عند اللام، وأن الرسم بالوصل جاء على لغة من يدغم النون في اللام إدغاما محضا. وبعد هذا العرض تبين لي أن الرسم العثماني ليس غريبا على لغة العرب، فكما أن الرسم العثماني اشتمل على حروف زائدة، فكذلك اللغة العربية اشتملت على حروف زائدة، وكما أن الرسم العثماني اشتمل على حروف محذوفة، فكذلك اللغة العربية اشتملت على حروف محذوفة.

стр. 247

فوافق الرسم العثماني لغة العرب، وطابق فصاحة القرآن وبلاغته، فكما أنهم كانوا يراعون في الألفاظ الفصيح والأفصح كانوا يراعون في الخط الفصيح والأفصح، ويكرهون في الخط ما يكرهون في اللفظ. وحينئذ لا وجه للعجب والاستغراب، ولا جفوة ولا قطيعة بين الرسم واللغة العربية وكتابتها، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 248

الفصل الثاني دراسة الكتاب وتحليله وتقويمه

стр. 249

دراسة الكتاب وتحليله إثبات اسم الكتاب الكبير الأصل: لبيان اسم كتاب المؤلف أبي داود الذي نحن بصدد تحقيقه وإخراجه، يجب قبل كل شيء معرفة اسم الكتاب الأصلي الذي اختصر منه أبو داود هذا، لأن الفرع تابع للأصل. فالأصل صرّح المؤلف في مقدمة كتابه المختصر باسمه، فقال: «كتابي المسمى بالتبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁» (١) واتفقت على ذلك جميع النسخ في مقدماتها. وسماه في موضع آخر، فقال: «وكان هو- الأخفش- السبب لتأليفي «كتاب التبيين لعلم التنزيل» ﵀» (٢). فنص المؤلف على هذين العنوانين، والثاني هو أنسب وأكمل وأكثر مطابقة لموضوع الكتاب، لأنه اشتمل على موضوعات كثيرة، كالتفسير والشرح والأصول والقراءات والأحكام، والناسخ والمنسوخ، والوقف والابتداء، والحجج والردّ على الملحدين، والتوجيه والتعليل، إلا أن الذي أجمعت عليه النسخ هو الأول. وكان يشير إليه: ب «الكتاب الكبير» في مواضع كثيرة في المختصر، وأشار إليه في موضع بقوله: «مما جاء مشروحا في كتابنا الكبير في الهجاء» (٣) فأضاف هنا: «الهجاء» تمييزا له عن كتابه الكبير الذي هو في موضوع النقط والشكل.

стр. 250

وتارة يطلق عليه «التنزيل الكبير»، وسماه كذلك ابن القاضي في بيانه، فقال: «أرأيت» مطلقا العمل بالحذف واختاره في التنزيل الكبير» (١). وبالرجوع إلى كتاب «التنزيل» - وهو «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» - لم أجد هذا الاختيار، إذن فما هو المراد بالتنزيل الكبير؟ المراد به هو كتابه الكبير المسمى ب: «التبيين لهجاء التنزيل»؛ لأن الاختيار المذكور يوجد فيه كما نص عليه أبو بكر اللبيب، حيث طالعه، ونقل في شرحه على العقيلة كلام أبي داود واختياره، فقال: «وقال أبو داود في التبيين: وأنا أستحب كتب ذلك لمذهب أهل المدينة بغير ألف» (٢). فثبت أن التنزيل الكبير هو كتابه الكبير المسمى ب: «التبيين لهجاء التنزيل». وأحيانا كان يشير إليه بالأصل، فيقول: «وقد أشبعنا القول في ذلك في أصلنا (٣)» إلا أن الإمام الذهبي والحافظ ابن الجزري ذكراه باسم: «كتاب التبيين لهجاء التنزيل» وهو اسمه الكامل، فجاءت كلمة: «التنزيل» في موضع: «مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان» تخفيفا واختصارا، لأن كلمة: «التنزيل» تعني القرآن، وهي أخف على اللسان وأوقع على السمع من قوله: «مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁». قال الذهبي: قرأت بخط بعض تلامذة أبي داود قال: «تسمية الكتب التي صنفها أبو داود» (٤) وذكر بعضا منها.
следующие страницы →