← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 29988

مختصر التبيين لهجاء التنزيل

سليمان بن نجاح

Полный текст (1 911 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ونسب يحيى بن زياد الفراء هذا الحذف إلى لغة هوازن وعليا قيس، وأنشد على ذلك أبياتا من الشعر استشهادا لهذه اللغة، فقال: إذا ما شاء ضرّوا من أرادوا* ولا يألوهم أحد ضرارا (١) وكتب الصحابة ﵃: أن لّا في بعض المواضع مقطوعة وفي بعضها الآخر موصولة (٢). فالمواضع التي كتبت فيها مقطوعة كتبت على الأصل، لأن الأصل فيها: «أن لا»، والمواضع التي كتبت فيها موصولة بني الخط فيها على الوصل والإدغام (٣). ويبدو لي أن الرسم بالقطع جاء على لغة من يبقي الغنة عند اللام، وأن الرسم بالوصل جاء على لغة من يدغم النون في اللام إدغاما محضا. وبعد هذا العرض تبين لي أن الرسم العثماني ليس غريبا على لغة العرب، فكما أن الرسم العثماني اشتمل على حروف زائدة، فكذلك اللغة العربية اشتملت على حروف زائدة، وكما أن الرسم العثماني اشتمل على حروف محذوفة، فكذلك اللغة العربية اشتملت على حروف محذوفة.

стр. 247

فوافق الرسم العثماني لغة العرب، وطابق فصاحة القرآن وبلاغته، فكما أنهم كانوا يراعون في الألفاظ الفصيح والأفصح كانوا يراعون في الخط الفصيح والأفصح، ويكرهون في الخط ما يكرهون في اللفظ. وحينئذ لا وجه للعجب والاستغراب، ولا جفوة ولا قطيعة بين الرسم واللغة العربية وكتابتها، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 248

الفصل الثاني دراسة الكتاب وتحليله وتقويمه

стр. 249

دراسة الكتاب وتحليله إثبات اسم الكتاب الكبير الأصل: لبيان اسم كتاب المؤلف أبي داود الذي نحن بصدد تحقيقه وإخراجه، يجب قبل كل شيء معرفة اسم الكتاب الأصلي الذي اختصر منه أبو داود هذا، لأن الفرع تابع للأصل. فالأصل صرّح المؤلف في مقدمة كتابه المختصر باسمه، فقال: «كتابي المسمى بالتبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁» (١) واتفقت على ذلك جميع النسخ في مقدماتها. وسماه في موضع آخر، فقال: «وكان هو- الأخفش- السبب لتأليفي «كتاب التبيين لعلم التنزيل» ﵀» (٢). فنص المؤلف على هذين العنوانين، والثاني هو أنسب وأكمل وأكثر مطابقة لموضوع الكتاب، لأنه اشتمل على موضوعات كثيرة، كالتفسير والشرح والأصول والقراءات والأحكام، والناسخ والمنسوخ، والوقف والابتداء، والحجج والردّ على الملحدين، والتوجيه والتعليل، إلا أن الذي أجمعت عليه النسخ هو الأول. وكان يشير إليه: ب «الكتاب الكبير» في مواضع كثيرة في المختصر، وأشار إليه في موضع بقوله: «مما جاء مشروحا في كتابنا الكبير في الهجاء» (٣) فأضاف هنا: «الهجاء» تمييزا له عن كتابه الكبير الذي هو في موضوع النقط والشكل.

стр. 250

وتارة يطلق عليه «التنزيل الكبير»، وسماه كذلك ابن القاضي في بيانه، فقال: «أرأيت» مطلقا العمل بالحذف واختاره في التنزيل الكبير» (١). وبالرجوع إلى كتاب «التنزيل» - وهو «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» - لم أجد هذا الاختيار، إذن فما هو المراد بالتنزيل الكبير؟ المراد به هو كتابه الكبير المسمى ب: «التبيين لهجاء التنزيل»؛ لأن الاختيار المذكور يوجد فيه كما نص عليه أبو بكر اللبيب، حيث طالعه، ونقل في شرحه على العقيلة كلام أبي داود واختياره، فقال: «وقال أبو داود في التبيين: وأنا أستحب كتب ذلك لمذهب أهل المدينة بغير ألف» (٢). فثبت أن التنزيل الكبير هو كتابه الكبير المسمى ب: «التبيين لهجاء التنزيل». وأحيانا كان يشير إليه بالأصل، فيقول: «وقد أشبعنا القول في ذلك في أصلنا (٣)» إلا أن الإمام الذهبي والحافظ ابن الجزري ذكراه باسم: «كتاب التبيين لهجاء التنزيل» وهو اسمه الكامل، فجاءت كلمة: «التنزيل» في موضع: «مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان» تخفيفا واختصارا، لأن كلمة: «التنزيل» تعني القرآن، وهي أخف على اللسان وأوقع على السمع من قوله: «مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁». قال الذهبي: قرأت بخط بعض تلامذة أبي داود قال: «تسمية الكتب التي صنفها أبو داود» (٤) وذكر بعضا منها.

стр. 251

أقول: وهي فهرسة الشيخ أبي داود رواها أبو بكر محمد الإشبيلي عن أبي الحسن بن هذيل ربيبه بخطه (١). ثم ذكر الذهبي تسمية تآليفه كما هي موجودة في فهرسة الشيخ، فقال: «وكتاب: «التبيين لهجاء التنزيل» في ستة مجلدات فيكون أبو الحسن ابن هذيل سماه كما سماه مؤلفه في فهرسته وثبت هذا بخط تلميذ أبي داود وهو الحق الثابت الذي يجب تقديمه وقبوله، وهو أقعد بالحال، وأعرف بمؤلفات شيخه أبي داود، وأوثق الناس صلة بكتب أبي داود ومعرفة بأسمائها»، قال ابن الأبّار: «لأن روايته، إنما هى عن أبي داود، عليه اقتصر وعنه أكثر، وهو آخر من حدّث عن أبي داود بالأندلس، منفردا بلقائه، والسماع منه أزيد من عشرين سنة» (٢). وقال الذهبي: «وهو أجلّ أصحابه وأثبتهم، صارت إليه أصول أبي داود العتيقة» (٣). فيكون اسم الكتاب: «التبيين لهجاء التنزيل». وقرأه وسماه الذهبي بخط تلميذه.

стр. 252

إثبات اسم الكتاب المختصر: يبدو أن المؤلف أبا داود لم يضع لكتابه المختصر اسما معينا كما فعل لأغلب مصنفاته حيث صرّح باسمها في المقدمة كما فعل في كتابه الأصل المختصر هذا منه. ثم إن مصادر ترجمته لم تتحدث في شيء عن هذا المختصر، إلا أن المؤلف أشار في مقدمته أنه جرّده من كتابه التبيين، فقال: «سألني سائلون من بلاد شتى أن أجرد لهم من كتابي المسمى بالتبيين». وأشار إليه بالمختصر في قوله: «وقد بينا ذلك كله في الكتاب الكبير فأغنى عن إعادته هنا، إذ هو مختصر لئلا يطول الكتاب» (١) وإن كان هذا في معرض الوصف. بل ورد عن المؤلف ما يدلّ على أن اسمه المختصر، فقال: «وذيلته [يعني أصول الضبط] بكتابنا المختصر في الهجاء» (٢)، بل نجد المؤلف ﵀ صرّح في أكثر من موضع باسمه ب: «المختصر» فقال: «وشبهه مما قد ذكر في هذا المختصر في مواضعه من الرسم»، وقال في موضع آخر: «مما قد ذكر جميعه في الكتاب الكبير، ورسمناه هنا في هذا المختصر» لم يثبت عن المؤلف أنه سماه بغير ما ذكرت. إلا أنه جاء في الفهارس بعناوين مختلفة. فجاء فهرس الخزانة الحسنية باسم: «مختصر كتاب التبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁» (٣).

стр. 253

وجاء على نسخة ب في الهامش: «كتاب التنزيل لهجاء التنزيل» لأبي داود، ثم وضع عليها تشطيب، علامة الخطأ وكتب تحتها ما يلي: «مختصر التبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان لأبي داود سليمان». وفي آخر سورة الناس آخر الكتاب: «تم كتاب التنزيل». وورد اسمه في فهارس الخزانة الحسنية مختلفا، ففي فهرس الجزء السادس صفحة ٦٢ جاء اسمه بعنوان: «التنزيل في هجاء المصاحف» (١). وورد اسمه في فهرس الجزء الأول ص ٢١ بعنوان: «مختصر كتاب التبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفّان» (٢). وسماه بعضهم ب: «التنزيل في هجاء المصاحف» كما ورد في فهرس المكتبة الظاهرية، وفهرس الخزانة الحسنية (٣). وسماه بعضهم ب: «التنزيل في هجاء المصاحف ورسمها» (٤) كما ورد في فهرس خزانة القرويين، وسمي في موضع آخر منها ب: «تأليف في رسم الهجاء الواقع في القرآن» (٥).

стр. 254

واكتفى بعضهم بالإخبار عنه كونه في الرسم، ومنهم من اقتصر على بعض عنوان الكتاب تخفيفا واختصارا. إلا أن الذي ثبت بخط يد المؤلف هو «مختصر» كما تقدم. وما دام معرفة الأصل قد ثبتت باسم «التبيين لهجاء التنزيل» أو باسم «التبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان»، وما دام قد ثبت عن المؤلف اسم «المختصر» على كتابه هذا، فنضيف كلمة المؤلف: «مختصر» على عنوان كتابه الأصل فيصير اسم الكتاب: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» وهو الثابت في فهرس الخزانة الحسنية، والثابت على نسخة ب كما تقدم (١). فعنوان الأصل والمختصر كلاهما من صنع أبي داود، هذا هو الأنسب، والأولى في الاستعمال، وما جاء خلاف ذلك فهو من باب الاختصار أو الاقتصار، أو من باب تسمية الكتاب بموضوعه. إلا أنه اشتهر عند الناس، ونساخ المصاحف ب: «التنزيل» وصار لا يعرف إلا به، والله أعلم. ولقد توهم كثير من الناس أن كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» هو كتاب آخر غير كتاب: «التنزيل» ولقد وقع هذا للأستاذ محمد المنوني فذكر أنهما كتابان في بحث عنون له: «مخطوطات مغربية في علوم القرآن والحديث» (٢).

стр. 255

وقد رفع هذا الوهم الأستاذ الشيخ عبد الهادي حميتو، فقال: «وعمل الأستاذ المنوني هذا يوقع في لبس، لأنه يوهم أن «مختصر التبيين» هو كتاب آخر غير «كتاب التنزيل» ولو أنه زاد في التعريف فكتب مقدمة كل من الكتابين، لكان قد رفع هذا اللبس عن طريق المقارنة بينهما، ولهذا يبقى الأرجح أنهما اسمان لمسمى واحد، فمرة سمي الكتاب «بمختصر كتاب التبيين» ومرة سمي: «بالتنزيل» ولعل هذا هو السبب في ورود الاسمين معا» (١)، إلا أن الذي اشتهر عند الناس هو: «التنزيل» اقتصارا واختصارا. إيهام يجب رفعه: وفي إثبات هذا العنوان: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» إيهام يجب رفعه، فالاختصار هنا يختلف تماما عما هو معروف وشائع في الاختصار والمختصرات في اصطلاح المؤلفين. فالمؤلف أبو داود لم يختصر كتابه قط، كما يفهم من إثبات هذا العنوان، ومن كلامه أنه جرّده من كتابه الكبير، أنه اختصر فيه الرّسم اختصارا. فمقصود المؤلف أنه جرّد منه التفسير والأحكام، والإعراب والوقف والابتداء، والتوجيه والتعليل، وغير ذلك، وأبقى على الرسم ولم يختصره، وإنما خلّصه وهذبه مما كان فيه من علوم القرآن، بل إنه استوعب فيه الرسم واستوفاه، بما لا مزيد عليه، وتكرر ذلك، بل جعله إماما يقتدي به الجاهل، ويستعين به الحافظ الماهر.

стр. 256

ومما يدل على ذلك أن المسائل التي لا تعلق لها بوجه من وجوه الرسم، يحيلها على كتابه الأصل المسمى ب: «التبيين». وقد تتبعت هذه الإحالات من أول الكتاب إلى آخره، فلم أجد فيه أنه أحال الرسم على كتابه الأصل، بل يحيل ما يتعلق بغير الرسم من الإعراب والشرح والأحكام وغيرها مما يدلّ على أنه لم يختصر الكتاب، وإنما أراد الإبقاء على ما يتعلق بهجاء المصاحف فقط دون بقية مواضع الكتاب، فلا يدخل في الاختصار المعروف عند الناس كما أشرت آنفا، وهذا واضح من كلام المؤلف نفسه في المقدمة، حيث قال: «سألني سائلون من بلاد شتى أن أجرد لهم من كتابي المسمّى بالتبيين»، ولم يقل: «أن أختصر لهم». وواضح من قوله أيضا: «دون سائر ما تضمنه الكتاب المذكور» فكأنه فصل الرسم وخلّصه في كتاب مستقل، أفرده في هجاء المصاحف. وحصر المؤلف سبب تجريده، فقال: «ليخف نسخه على من أراده ويسهل نسخ المصحف منه لمن رغبه»، وذلك لأن كتابه الأصل ضخم يقع في ستة مجلدات، ويظهر أن ضخامته قد حدّت من تناوله، فجرد منه هجاء المصاحف، ليسهل نسخه ونسخ المصحف منه تشجيعا لطلاب العلم ونساخ المصاحف، وأفرد لهم هجاء المصاحف. فالكتاب: «مختصر التبيين» لا يزال من الموسوعات العلمية المطولة النادرة في هجاء المصاحف، فسرد فيه القرآن آية آية، وحرفا حرفا، من أوله إلى آخره، وجعله إماما فيه غناء عن غيره.

стр. 257

قال: «وأسرد لهم القرآن فيه آية آية، وحرفا حرفا من أوله إلى آخره فيستغني به من لا يحفظ القرآن من الناسخين للمصحف، والدارسين له من المريدين والمتعلمين عن مصحف ينظر فيه، ونجعله إماما يقتدي به الجاهل، ويستعين به الحافظ الماهر، ويزيل عنهم الالتباس في الحروف والكلم والآي ... » (١). فالمؤلف استوعب فيه هجاء المصاحف واستوفاها بما لا مزيد عليه، وتكرر ذلك منه تأكيدا للبيان، وخوف النسيان على ناسخ المصحف. ولذلك لم تجده في كتب التراجم باسم المختصر، وإنما عرف ب: «التنزيل» واشتهر به، وصار لا يعرف إلا به، وقيده بعضهم بقوله: «في هجاء المصاحف» أضيف إليه موضوعه، فصار: «التنزيل في هجاء المصاحف». ثم إنني لم ألحظ أثر الاختصار في كتابه: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل»، بل لاحظت فيه التفصيل والتطويل والتكرار، والمؤلف نفسه لفتت انتباهه صفة الحشد والتكرار، فاعتذر عن ذلك بقوله: «وإنما تكرر للبيان وخوف النسيان على ناسخ المصحف فيكون تذكرة للحافظ الفاهم، غير ضارّ له، وتنبيها وتعليما لغيره» (٢). وبهذا يمكن أن يعدّ تأليفا مستقلا بل يحسن ذلك ولا ينسب إلى الاختصار، ولا تشمله سلبياته، ويدل له قوله: «ونجعله إماما» وقوله: «أسرد لهم القرآن فيه آية آية» وقوله: «أن أجرد لهم»، فهذا السياق كله لا يتناسب مع الاختصار، والله أعلم.

стр. 258

سبب تأليفه «مختصر التبيين لهجاء التنزيل»: لقد بين المؤلف ﵀ في مقدمته سبب اختصاره لكتابه: «التبيين لهجاء التنزيل» حيث تواردت عليه أسئلة من بلاد شتى، يلتمس فيها أصحابها أن يجرد لهم هجاء المصاحف ويفصله في مؤلّف دون سائر ما تضمنه الكتاب المذكور؛ لأن الكتاب الكبير اشتمل على جملة من علوم القرآن فضمنه الأصول، والقراءات، والمعنى والشرح، والأحكام، والتبيين والردّ على الملحدين، والتقديم، والتأخير، والوقف، والناسخ والمنسوخ، والغريب والمشكل، والتعليل. فكان كتابه الكبير ضخما، يصعب الرجوع إليه والاستفادة من بعض جزئياته، وقد وصفه، وأطلق عليه في: «التنزيل» «بالكتاب الكبير» في مواضع كثيرة متعددة. ولم يكتب له الذيوع والانتشار لضخامته، وصعوبة نسخه، قال الذهبي:- كما تقدم- إنه يقع في ستة مجلدات، وضخامته حدت من انتشاره ولم أجد له نسخا في وقتنا هذا فيما أعلم. قال ابن عاشر (١): «وأخبرني الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن القاسم القصار (٢)، أن كتاب: «التبيين» لم يدخل هذه العدوة» (٣). إلا أن أبا محمد بن عبد الغني المعروف باللبيب، أقام بمدينة تلمسان

стр. 259

ودرس بها على أبي عبد الله بن خميس المتوفى ٧٠٨ هـ شرح العقيلة، وذكر في مقدمة شرحه مصادره، ومن بينها كتاب: «التبيين» وقال: إنه طالعه ونقل منه مباشرة، مما يدل على أن «التبيين» كان موجودا في وقته ودخل بلاد المغرب وتلمسان (١). فجرّد المؤلف منه الرسم العثماني ليسهل نسخه ونسخ المصحف منه. فقال: «سألني سائلون من بلاد شتى أن أجرد لهم من كتابي المسمّى «التبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ المجتمع عليه، وعلى سائر النسخ معه». وصرح باسم السائل في موضع آخر، فقال: «والسائل لنا تأليفه أخي أبو محمد بن شرباط» (٢). وقال في موضع آخر: «فجمعناه حسبما سألنا صاحبنا، ورفيقنا أبو محمد بن شرباط، وكتب إلينا في ذلك من المرّية، ورغبنا في تأليفه» (٣). إثبات نسبة الكتاب لمؤلفه: لقد حظي «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» المشهور «بالتنزيل» بعناية العلماء، فنقلوا عنه، واستشهدوا به، ونظمه غير واحد من العلماء، إذ وجدته منسوبا إليه في جميع المصادر والمراجع وشراح المورد، كما وجدته ثابتا له على جميع النسخ المخطوطة وفهارس المكتبات. ومع ذلك، فإنني أشير إلى بعض ما يؤكد نسبته إليه تقليدا لما جرى به العرف، ودرج عليه البحث العلمي.

стр. 260

مما يؤكد نسبة الاختصار إلى مؤلف الأصل أبي داود سليمان بن نجاح ما صرّح به المؤلف نفسه بصيغة لا تحتمل اللبس والشك في مقدمته، فقال: «سألني سائلون من بلاد شتى أن أجرد لهم من كتابي المسمى بالتبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ المجتمع عليه على سائر النسخ معه بالزيادة في بعضها والنقصان من بعضها»، إلى أن قال: «دون سائر ما تضمنه الكتاب المذكور» ثم قال: «ونجعله إماما يقتدي به الجاهل، ويستعين به الحافظ الماهر» ثم قال: «فأجبتهم إلى ذلك ابتغاء ما وعد الله من جزيل الثواب وخوف الدخول في الوعيد لمن سئل عن علم فكتمه». فكلامه في مقدمته يدل دلالة قطعية على أن أبا داود اختصر كتابه «التبيين لهجاء التنزيل» بنفسه. وبين سبب اختصاره بقوله: «ليخف نسخ على من أراده ويسهل نسخ المصحف منه لمن رغبه» (١). فكلامه في المقدمة فيه دلالة قطعية على أنّ هذا المختصر من صنع أبي داود. فالأصل والمختصر كلاهما من صنع أبي داود. ثم إن تلميذه إبراهيم بن سهل العبدري روى الكتاب، وقرأه على مؤلفه أبي داود سليمان بن نجاح، وسمعه المؤلف منه، فقال: «قال إبراهيم ابن سهل العبدري: قرأت على الفقيه المقرئ أبي داود سليمان بن نجاح الأموي في سنة تسع وستين وأربعمائة، قلت له: قلت رضي الله عنك» (٢) وذكر متن الكتاب. ومما يفيد أن أبا داود اختصر «كتاب التبيين»

стр. 261

بنفسه ما جاء في ذيل المختصر فقال: «وإعرابه بالنقط وكيفية ذلك على وجه الاختصار مما عني بتهذيبه وتلخيصه أبو داود سليمان بن نجاح». وقال في موضع آخر: «وقصدنا هنا إلى الاختصار ... ». ثم قال: «فأغنى عن تكراره هنا عن الاختصار الذي بنينا عليه هذا الكتاب» (١). وقال في ذيل مختصر التبيين: «قال أبو داود فهذا ما اختصرنا ذكره على حسب توفيق الله إيانا، وهدايته لنا، وهو حسبنا وعليه التكلان» (٢). وقال في سورة قريش: «واحتججنا له في الكتاب الكبير، فأغنى عن إعادته هنا، إذ هو مختصر لئلا يطول الكتاب» (٣). بل جاء أصرح من ذلك في قوله: «وذيلته [أصول الضبط] بكتابنا المختصر في الهجاء» (٤). فهذا يدل دلالة قطعية على أن المؤلف اختصر بنفسه كتاب «التبيين لهجاء التنزيل». ثم إنني قابلت بين النصوص المنقولة في شراح المورد المنسوبة إلى أبي داود، فإذا هي بعينها في الكتاب. من ذلك ما ذكره ابن عاشر حيث نقل جملة من كلام أبي داود، ثم قال: «وهكذا وجدته في عدة نسخ من مختصره» (٥) وهذه الجملة بعينها في جميع نسخ المخطوطة.

стр. 262

ومما يؤكد نسبة الكتاب لمؤلفه أبي داود ما صرح به الشيخ المقرئ المنتوري (١) في سنده، فقال: «كتاب التنزيل في الرسم» للمقرئ أبي داود سليمان بن نجاح، قرأت بعضه تفقها على شيخنا الأستاذ أبي عبد الله محمد بن محمد القيجاطي (٢)، وأجاز لي جميعه، وحدثني به عن القاضي أبي البركات محمد بن محمد بن الحاج» (٣)، إلى أن وصل سنده بكتاب التنزيل لمؤلفه أبي داود (٤). وكذا نظمه أبو عبد الله القيسي المقرئ في نظمه المسمى ب: «الميمونة الفريدة» (٥) وأدرجه في نظمه الشيخ المقرئ ميمون الفخار المسمى ب: «الدرة الجليلة» (٦). ومثلهما الشيخ الخراز، فنظمه في عمدة البيان المسمى اليوم: «مورد الظمآن في رسم أحرف القرآن».

стр. 263

وغير هؤلاء ممن يطول ذكرهم، وكلهم أثبت نسبة الكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» لمؤلفه أبي داود سليمان بن نجاح، إلا أن المحقق ابن عاشر ذكره، فقال: «وأشهر كتبه: «التنزيل» فهو مشتمل على جميع القرآن، وأما مختصره فيقتصر فيه على رءوس الآي، ويقول: إلى كذا، ثم يتكلم على ما يتعلق بذلك المحل من الرسم. ومن كتبه: «التبيين»، وهو الذي يشير إليه في: «التنزيل» بالكتاب الكبير نقل اللبيب عنه في مواضع من شرحه على العقيلة (١). وأخبرني الشيخ الفقيه أبو عبد الله القصارى أن كتاب «التبيين» لم يدخل هذه العدوة، ولم أتحقق أن اختصار «التنزيل» من صنعه» (٢). وفي كلام ابن عاشر إشكال مما جعلني أتوقف، وأعيد النظر والتأمل، والواقع الذي لا شك فيه أن الذي يشتمل على جميع القرآن هو كتابه «التبيين» لا كما ذكر ابن عاشر، والذي يقتصر فيه على رءوس الآي ويقول: إلى كذا هو مختصره وهو التنزيل. ومن الجائز أن يكون في كلام ابن عاشر تصحيف، فيريد بكلمة: «التنزيل» في أول كلامه: «التبيين» لأن الوصف الذي جاء بعده ينطبق عليه، وحينئذ يستقيم الكلام، ويتفق مع الواقع، إلا أن الذي يعكر هذا التوجيه أن ابن عاشر صرّح بذكر اسم كتاب «التبيين» بعده، فقال: «ومن

стр. 264

كتبه التبيين»، وما وصفه به صحيح، فعلى ما ذكرت من التوجيه يكون تكرارا لا مسوغ له. إلا أنه بعد طول نظر وتأمل ومعاناة، لاح لي ما قد يتضح به مقصود ابن عاشر، فأخرج كلامه على النحو التالي. فإن المؤلف أبا داود ألف كتاب «التبيين لهجاء التنزيل» وجرّد منه كتابا آخر اقتصر فيه على هجاء المصاحف، وهو المسمى ب: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل»، واشتهر بين الناس ب: «التنزيل»، وهو الذي قام باختصاره بنفسه كما تقدم، واقتصر فيه على رءوس الآي، فيقول مثلا: «ثم قال تعالى: قالوا يصلح قد كنت فينا مرجوّا إلى قوله: القويّ العزيز، ثم يتكلم على ما يتعلق بذلك الموضع من الرسم، فهذا ثابت لأبي داود. إلا أن ابن عاشر كما نقل عن شيخه، قال: «ولم أتحقق أن اختصار التنزيل من صنعه». ولعل ابن عاشر يريد «بالتنزيل» مختصر «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» لأنني فعلا ظفرت بنسخة من «مختصر التبيين» (١) مختصرة، اقتصر مؤلفها على ذكر رءوس الآي، ولم يزد على ذلك، ثم أبقى على كلام أبي داود، بلفظه ومعناه، بدون زيادة ولا نقص، وأضاف لها ناسخها أو مختصرها رسالة في عد الآي لأبي العباس أحمد بن قاسم بن عيسى المتوفى ٤١٠ هـ (٢)، ثم أضاف إليها بابا في حروف المعجم من كتاب المحكم لأبي عمرو الداني (٣).

стр. 265

ومن أوضح الأدلة على أنها مختصرة من كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» ما جاء في ذيلها، أصول الضبط، فقال ناسخها: «وأقدم أولا من كلام الحافظ أبي عمرو الداني»، ثم قال: «ثم أرجع إلى كلام الشيخ أبي داود». وقال في موضع آخر: «ونرجع الآن إلى كلام أبي داود ﵀» وكدت أن أجعلها نسخة من نسخ التنزيل، لولا هذا الكلام المتقدم، فهذا يدل على أنها كتاب ثان مختصر من كتاب: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» من ناسخ أو مختصر غير أبي داود قطعا. أما مختصر التبيين فأجزم أنه من صنع أبي داود مؤلف الأصل، فالأصل والمختصر كلاهما من صنع أبي داود، والله أعلم. منهج المؤلف في تصنيف كتابه: سلك المؤلف في كتابه هذا منهجا بين بعضا منه في مقدمة كتابه، واستنبطت البعض الآخر من خلال الاستقراء والتتبع. استهل المؤلف بمقدمة بين فيها بعض الملامح لمنهجه في كتابه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ . ثم ذكر سبب تأليفه، وهو أن جماعة من العلماء وطلبة العلم سألوه أن يجرد لهم من كتابه الكبير المسمى «بالتبيين» هجاء المصاحف دون بقية مواضعه رغبة منهم في اتباع الصحابة ﵃، واقتفاء آثارهم فأجابهم إلى ذلك ابتغاء ما وعد الله من جزيل الثواب، وخوف الدخول في الوعيد لمن سئل عن علم فكتمه.

стр. 266

فذكر المؤلف أنه يبين زيادة بعض الحروف في بعض المصاحف والنقصان من بعضها الآخر، كقوله تعالى: سارعوا، وقوله: وسارعوا كما نبّه أنه يذكر في أول كل سورة إن كانت مكية أو مدنية وعدد آي كل سورة في أولها، وذكر سبب تجريده فقال: «ليخف نسخه على من أراده، ويسهل نسخ المصحف منه لمن رغبه». وقال: «وأسرد لهم القرآن آية آية، وحرفا حرفا من أوله إلى آخره، فيستغني به من لا يحفظ القرآن من الناسخين للمصاحف والدارسين له من المريدين والمتعلمين عن مصحف ينظر فيه، ونجعله إماما يقتدي به الجاهل ويستعين به الحافظ الماهر، ويزيل عنهم الالتباس في الحروف والكلم والآي» (١). وذكر المؤلف أنه يجعل في آخره أصولا من الضبط على قراءة نافع بن أبي نعيم المدني، واعتمد في ذلك على مصاحف أهل المدينة في الهجاء وعدد الآي والخمس والعشر مع بيان المخالفين لهم في الهجاء من سائر مصاحف الأمصار. ثم أجمل الكلام على السور المكية والمدنية فقال: «وأنا أجعل ذلك على الأصح من الروايات حسب ما انتقدته ورضيت سنده، وقيدته عن الإمام الحافظ أبي عمرو الداني». فحصر السور المختلف فيها في تسع عشرة سورة وسردها سورة سورة، وحصر السور المدنية في إحدى وعشرين سورة وسردها سورة سورة، ثم قال فيما بقي: «وسائرهن مكيات» وهي

стр. 267

أربع وسبعون سورة مكية. ثم ذكر أنه يعيد ذكرها في أول كل سورة، وقال: «فإن كانت السورة من التسع عشرة سورة المذكورات المختلف فيهن أضربت عن ذكرها، فإذا لم ير في أولها مكي ولا مدني علم أنها من المختلف فيها» وقال إنه يذكر في أول كل سورة عدد آياتها، وكلما مر برأس الخمس والعشر، ورأس الجزء، ذكر موضعه وقيده وبينه. ثم بين المؤلف في مقدمته اصطلاحات جرى عليها، فجمع بين قارئين أو أكثر بكلمة اصطلح عليها جريا إلى الاختصار، ولم يلتزم بذلك في بعض الأحيان، حيث يتبع الكلمة المصطلح عليها بما تدل عليه، فيذكرها، ويذكر المراد منها. فيجمع بين حمزة والكسائي بالأخوين، ويجمع بين ابن كثير وأبي عمرو بالصاحبين، ويجمع بين قراء الكوفة: عاصم وحمزة والكسائي بالكوفيين، ويجمع بين أبي بكر شعبة وأبي عمرو بالأبوين، ويجمع بين ابن كثير ونافع بالحرميين، ويجمع بين الكسائي وأبي عمرو بالنحويين، ويجمع بين ابن عامر وأبي عمرو بالعربيين، ويجمع بين ابن كثير وابن عامر بالابنين. وذكر أنه إذا أتى حرف ما، له أصل يكثر دوره ويطّرد، ذكره في أول حرف منه، وينبه على كثرة دورانه واطراده، وحصره بعدد ثم يأتي به في كل موضع، ورد فيه في سورته حسب نسق التلاوة، خوف النسيان على ناسخ القرآن.

стр. 268

ثم ختم مقدمة كتابه بسؤال الله أن يمده بعونه ويعصمه من الزلل في القول والعمل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم استهل حديثه عن البسملة، واستدل على أنها ليست آية من الفاتحة، مما يدل على أنه يتبع مذهب الإمام مالك وأهل المدينة في العدد. ويلاحظ أن المسائل والتوجيهات التي تعترضه، ولم يكن لها وجه في هجاء المصاحف، يحيلها على كتابه الأصل المسمى بالتبيين، ولم أجده أحال الرسم على كتابه. وإذا أتى حرف في أول مواضعه يذكره ويضم إليه نظائره ويحصره بعدد ويشرحه كما تلاحظ ذلك عند الكلام على هجاء: إيّاك نعبد (١) فذكر عندها أحكام الهمز وأقسامها، وكل ما يتصل بها، ثم لما مرّ على حرف منها، في موضعه من السور أعاد وصف هجائه وأحال على ما تقدم. ومثله ما فعله عند قوله: هدى لّلمتّقين (٢) فوصف هجاءها، ثم استطرد في ذكر كل ذوات الياء وجمع نظائرها ثم أعاد ذكر كل ما يرد منها في موضعه من السور. يسرد المؤلف في التنزيل وصف هجاء الكلمات القرآنية على ترتيبها في المصحف، من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس، ولكنه يخالف هذا المنهج في بعض الأحوال، فإذا اشتركت الكلمة مع كلمة أخرى متأخرة

стр. 269

عنها ضمها إلى نظيرتها، فيجمع النظير إلى نظيره، ثم يعيد الكلام عليه في موضعه. انظر ما فعله في قوله تعالى: وإذا قيل لهم (١) ضم إليها قوله تعالى: سىء بهم، وسيئت، وسيق، وجىء، وحيل. وانظر ما صنعه في قوله تعالى: سبع سموت (٢) فضم إليها: سموت فصلت، وجمع معها: ثمنى، وثمنين، وثمنية أيام، واليتمى، واستطرد إلى حذف الألف من الأسماء الأعجمية وإن لم ترد في هذا الخمس من الهجاء. والملابسة هي وجود الألف في اللفظ قبل الميم أو بعدها، والمؤلف نفسه صرّح في مقدمته بأنه يفعل ذلك، إذا كان له أصل يكثر دورانه ويطرد، يحصره بعدد، ثم يأتي به في كل موضع ورد فيه، وما ذكرته ليس من هذا القبيل. وفعل ذلك عند قوله: مستهزءون (٣) فذكر حذف صورة الهمزة ثم ضم إليها كل ما كان مثلها مما اجتمع فيه واوان ثم لما مرّ على حرف منها في سورته أعاد الكلام عليه. ومثل ذلك ما ذكره في زيادة الألف بعد واو الجمع عند قوله: إنّ الّذين كفروا (٤) فضم إليه جميع ما يماثله. وما يستثنى منها، ثم لما مرّ على حرف منها في موضعه من السورة أعاد ذكره.

стр. 270

ومثله ما فعله في حذف ألف ياء النداء عند قوله: يأيّها النّاس (١) وجمع معه نظائرها ثم أعاد ذكرها في موضعها من السورة. فترتب على هذا المنهج حشد الأمثلة، فجاء التكرار ظاهرة لافتة للنظر، وقد لاحظه المؤلف، فقال: «وقد ذكر ذلك كله، وإنما تكرر للبيان وخوف النسيان على ناسخ المصحف، فيكون تذكرة للحافظ الفاهم غير ضار له وتنبيها وتعليما لغيره»، فبين المؤلف وجه الحاجة إليه فهذا المنهج يسهل على نساخ المصاحف الرجوع إلى الكلمة في موضعها من السورة دون البحث والرجوع إلى ما تقدم. وأخذ هذا المنهج من جاء بعده من المؤلفين، مثل عيد رضوان المخللاتي في كتابه إرشاد القراء والكاتبين (٢). وهذا منهج القرآن الكريم، لأن الله ، وصف كتابه بقوله: كتبا متشبها مّثاني (٣)، تثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام، وجميع المواضع النافعة لحكم عظيمة وأمرنا بتدبر جميعه، ولا يكتفي منهج القرآن بذكر ما يتعلق بالمواضع السابقة عن ذكر ما يتعلق بالمواضع اللاحقة. ثم استرسل المؤلف في موضوعه مرتبا الكلام في ذلك على السور والآيات، على نسق التلاوة وترتيب المصحف من أول فاتحة الكتاب إلى آخر سورة الناس متبعا في ذلك منهج المفسرين في تناولهم لتفسير القرآن.

стр. 271

وقسم السورة إلى خمس آيات خمس آيات، فيذكر كل ما فيها من هجاء ويصفه وصفا دقيقا، وإذا كانت الخمس تتضمن هجاء كثيرا اقتصر على الآية والآيتين بدل الخمس، ثم يذكر الآية التي تليها إلى نهاية الخمس. ويكثر هذا في مقدمات الكتاب لكثرة الهجاء فيها، وكلما تقدم المؤلف، فإنه يقتصر على الخمس لقلة الهجاء فيه، ولكونه تقدم له نظير. وكلما مر برأس الخمس ذكره، وقال: «رأس الخمس الأول» وهكذا في الثاني والثالث، إلخ. ويقصد بالخمس: خمس آيات، وبالخمس الثاني: خمس آيات بعد العشر، وبالخمس الثالث: خمس آيات بعد العشرين وهكذا. وإذا مر على رأس العشر من الآيات ذكره، وقال: «رأس العشر الأول» وهكذا يفعل كما فعل في الخمس، وهي طريقة الصحابة في الحفظ؛ إذ كانوا لا يتجاوزون الخمس أو العشر آيات حتى يعلموا ما فيهن من العلم والعمل. وسلك المؤلف أبو داود في حديثه عن وصف هجاء الكلمة طريقة إحصائية لم نعهدها عند غيره، إما بعدّ حروف الكلمة أو بتقطيعها أو بذكرها بالوزن الصرفي وهذا كثير. وتارة يجمع بين العدّ والتقطيع كما فعل ذلك في وصف هجاء قوله تعالى: فنادته المليكة (١)، فقال: فنادته على ستة أحرف، وقطعها حرفا حرفا، فحصره لهجاء الكلمة بالعدّ لضمان عدم الزيادة فيها أو النقص منها مثل ما قال: أنّك (٢) على ثلاثة أحرف ويقطعها:

стр. 272

«أ، نّ، ك» نفيا لتوهم رسم صورة الهمزة ومثل قوله تعالى: وإن مّا نرينّك (١) كتبوه في جميع المصاحف بالنون على الأصل ليس في القرآن غيره على أربعة أحرف: «إ- ن- م- ا» وكتبوا سائرها فيما مضى قبل أو يأتي بعد بغير نون على الإدغام على ثلاثة أحرف: «إ- م- ا». أما استعماله للوزن الصرفي لبيان أصل الكلمة، وما حصل فيها من إعلال وإبدال، فأكثر من أن يحصر. وكثيرا ما يهتم بالترجمة والرسم العملي لوصف هجاء الكلمات. ترجم أبو داود للحذف، إذ هو المخالف لقاعدة الرسم القياسي المحتاج إلى البيان، أما الإثبات فلا حاجة إلى التنصيص عليه لمعرفته من قاعدة الخط، وتصوير الكلمة بحروف هجائها، بتقدير الابتداء بها، والوقف عليها، ولذلك لم يتعرض لشيء منه استقلالا، بل لداع وأمر يقتضي ذلك كالاستثناء، أو ما جاء فيه الخلاف، فتعرض مثلا إلى إثبات ألف: النهار، والحساب، والعقاب، والجبار (٢). وتعرض للفعل المضارع المجزوم بحذف حرف العلة، ولم يقتصر على الرسم الاصطلاحي بل ذكر أيضا الرسم القياسي ويتضح ذلك في باب الهمز عند قوله تعالى: إيّاك نعبد (٣). وبين المؤلف لناسخ المصحف أن يترك فسحة بين الحروف لإلحاق

стр. 273

الشكل وحروف المدّ، وعدّه المؤلف من كمال الناسخ، ومن مؤكد ما يحتاج إليه الضابط أن يترك موضعا لإلحاق الألف والواو والياء المحذوفات من الرسم فوصفه بقوله: «فهو من كمال الناسخ، ومن مؤكد ما يحتاج إليه الضابط وإلا لم يتم له المراد ولا استبان». وقال: «وأن لا يقع في حرج، ويوقع غيره في أعظم من ذلك، إذا كان جاهلا بالخط، أو مستهزئا بالأمر وغير مراع لما يجب عليه من ذلك». وهذا فيه حرص على المحافظة على الرسم، وفيه الحرص على تجريد المصحف، وعدم خلط إلحاق المحذوف باللون، كما شاع ذلك في القرون الأولى، أو بإلحاق المحذوف بالصغر والدقة تمييزا له عن الرسم كما هو الحال في زماننا هذا، ونظرا لإدماج الحروف بعضها في بعض في بعض مصاحفنا الحالية، رأيت بعض الحركات ليست على حرفها المتحرك بها. فيجب ترك الفسحة وعدم إدماج الحروف لإلحاق المحذوف والحركات. وبين- ﵀ أن خط المصاحف رسم على لغة أهل الحجاز واختارها المؤلف على غيرها من اللغات، فقال عند قوله تعالى: وإذا قيل لهم (١) كتبوه بياء بعد القاف وفيها لغتان: «الضم والكسر، إلا أن الخط مبني على لغة أهل الحجاز ومن وافقهم من قريش وكنانة ومن جاورهم وهي الكسر لا غير»، ثم إنه اختار هذه اللغة فقال عند قوله تعالى: فمن تبع هداي (٢): «وأنا أستحب كتب ذلك بألف موافقة

стр. 274

للغة أهل الحجاز وللمصاحف المرسومة فيها ذلك كذلك، وهروبا من لغة هذيل، وبعض سليم الذين يقولون: «هديّ» مثل: «عليّ» و «لديّ» و «هويّ» و «قفيّ». أقول: وهو الموافق لقول عثمان ﵁ لنفر القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش. قال الشيخ نصر الهوريني: «ومعلوم أن لغة قريش أفصح اللغات، فلذا كان الكتب على لغتهم أولى، لا سيما وقد جرى عليها رسم المصحف» (١). ومما يجب معرفته: منهج المؤلف وطريقته في بعض الحروف؛ لأن الناقل عن التنزيل دون معرفة لمنهجه يقع في أخطاء؛ من ذلك مثلا: أن المؤلف إذا ذكر قاعدة ذات وجهين ثم أعاد فردا من أفرادها، مقتصرا على أحدهما، فمحمل الاقتصار عنده على الترجيح للمذكور، والاكتفاء عن الآخر بما قدمه، وتتضح هذه القاعدة في كلام المؤلف عن ألف المثنى، فقال عند قوله تعالى: وما يعلّمان (٢): «فكتبوه بألف وبغير ألف أيضا، وبالألف أختار لمعنيين: أحدهما موافقة لبعض المصاحف والثاني إعلاما بالتثنية». ثم إذا ما جاء بعد ألف التثنية تراه قد يقتصر فيه على أحد وجهي الخلاف بعد أن قرره اختيارا منه لهذا الوجه.

стр. 275

من ذلك مثلا ذكر اختلاف المصاحف في إثبات الألف وحذفها في قوله: إسرائيل (١) واختار حذف الألف، ثم اقتصر عليه، عند قوله تعالى: ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل (٢). ومثل ذلك ما ذكره عند قوله: قل أرأيتكم (٣) ذكر فيه اختلاف المصاحف ثم اقتصر على الحذف في قوله: أفرايت (٤) ترجيحا منه للحذف. منهج المؤلف واختياره في بعض الحروف غير واضح، حيث إنه قرّر اختلاف المصاحف في قوله تعالى: بآيتنا في البقرة (٥) ولم يعين اختياره كعادته، إلا أنه في بعض الكلمات التي تليها كقوله تعالى: بأيت في الأنفال (٦) اقتصر على رسمها بياءين على أحد الوجهين. وقد يدل اقتصاره عليه ترجيح الرسم بالياءين، وتقدم في البقرة (٧). وإذا ذكر حرفا بحكم ما وعمّ فيه كقوله: «كيف أتى» أو: «حيث جاء» أو «كيف وقع» و «كيف ما تصرف» فهو عام لجميع حروفه ونظائره سواء فيها ما تقدم ذلك الموضع، أو ما تأخر عنه. وقد يكتفي المؤلف بالسابق عن اللاحق، وسواء أشار في الألفاظ التي بعد المذكور إلى الإحالة عليه أم لا، كأن يقول: «تقدم» أو «هجاؤه مذكور».

стр. 276

وسأبين في ملاحظاتي على الكتاب بعض الكلمات التي لم يظهر فيها منهج أبي داود. فالمؤلف- ﵀ اعتمد في عد آي القرآن على مذهب أهل المدينة، وأطلق القول في ذلك، فقال: «وعلى مصحف أهل المدينة يكون تعويلنا إن شاء الله في الهجاء وعدد الآي»، وحدّده بعدد المدني الأخير، فقال عند قوله: لعلّكم تتفكّرون (١) رأس الآية عند المدني الأخير الذي بنينا كتابنا عليه، في التعشير والتخميس، وعدد الآي» ولذلك التزمت في عزو الآيات إلى سورها على المدني الأخير موافقة لمذهب المؤلف. وعند بداية كل سورة يذكر عدد آياتها على المذهب المذكور دون بقية المذاهب، ومن حين لآخر يذكر بعض رءوس الآي على بقية مذاهب علماء العدد. فقال عند قوله: وأولئك هم المفلحون (٢) رأس الخمس عند الكوفيين لأنهم عدّوا: ألمّ ولم يعدّها الباقون. وقال عند قوله: لا يؤمنون (٣) «رأس الخمس عند المدني والمكي، والبصري والشامي». وقال عند قوله: مصلحون (٤) رأس العشر عند الجميع حاشا الشامي وحده. لكن هذا المنهج لم يطرد ولم يتناول جميع الكتاب. بين المؤلف بعض رءوس الآي على مذهب من عدّه، ومن لم يعدّه، إلا أنه لم يشمل جميع الكتاب بل في بعض المواضع، كقوله تعالى:

стр. 277

يأولى الألبب (١)، وقوله تعالى: لعلّكم تتفكّرون (٢)، وقوله تعالى: الحيّ القيّوم (٣)، وقوله تعالى: إلى النّور (٤)، وقوله تعالى: من خلق (٥) وقوله تعالى: خائفين (٦)، وفي آل عمران في قوله تعالى: والإنجيل (٧) وقوله تعالى: والفرقان (٨)، وفي قوله تعالى: والإنجيل في موضعه الثاني (٩). ومن حين لآخر كان ينبه على ما يشبه رأس الآية ولا يعدّه أحد من العادين. فقال عند قوله تعالى: عذاب أليم (١٠): يشبه بفاصلة، وليس كذلك وقال عند قوله تعالى: جبّارين (١١)، وليس: جبّارين برأس آية عند أحد من العادين. وقال عند قوله تعالى: يوصي بها أو دين (١٢)، وليس هذا برأس آية. لمست في منهج المؤلف ميزة لم تعهد عند غيره ولم يذكرها غيره، وبسبب خلو الكتب منها أثار المناقشون للرسائل العلمية اختلافا فيما بينهم. فالمؤلف ﵀ كلما ذكر تعليلا للقراءة أو توجيها للرسم، فإنه يردفه ويعقب عليه بقوله: «هذا مع اتباعه من قرأ عليه» إشعارا منه بأن التعليل

стр. 278

والتوجيه تابع للقراءة وللتلقي وللسماع، وإن كان يوافق ذلك وجها في العربية فصيحا أو أفصح، فالتماس التعليل والتوجيه بعد متابعة الرواية. فقال عند قوله تعالى: فلم تقتلون (١) بعد أن بين الوقف على «فلم» قال: «هذا مع اتباعه من قرأ عليه لقوله ﷺ : «اقرءوا كما علمتم». وقال عند قوله تعالى: وما أنت بهد العمي (٢) «اتباعا للمرسوم، ولمن أخذنا ذلك عنه، إذ ليس للقياس طريق في كتاب الله وإنما هو سماع وتلقين لقوله ﷺ : «اقرءوا كما علمتم»، فلا يجوز أن يقرأ أحد إلا بما أقرئ وسمع تلاوة من القارئ على العالم أو من العالم على المتعلم عن قصد منهما لذلك». ويكاد هذا التعقيب والمتابعة يكون عاما في كتابه، فقال عند قوله تعالى: وقد هدان (٣): «وحذف الياء أبو عمرو ومن وافقه في الوقف موافقة للخط، واتباعا لمن قرأ عليه من أئمته، وقرأ الباقون بحذفها في الحالين موافقة للخط، واتباعا للرسم وحسب ما قرءوا به على أئمتهم». وقال في موضع آخر: «موافقة للرسم واتباعا لمن قرأ عليه»، وقال: «اتباعا للرسم، ولمن قرأ عليه». لمست في كتابه روح السهولة واليسر، وعدم التكلف والتعصب، سواء أكان ذلك فيما يتعلق بالشكل أم بالمحتوى أم بما ذهب إليه واختاره، فعباراته ولغته سهلة، كما ظهرت هذه السهولة واليسر في اختياراته

стр. 279

وترجيحاته، ويتجلى ذلك في بعض الكلمات حيث يروي رواية مخالفة لما رواه غيره، فلا يردها بل يحترمها ويحسّن العمل بها. فقال عند قوله تعالى: ولولا نعمة ربّي (١): «بالهاء هذه روايتنا، ورأيت الغازي بن قيس وحكما وعطاء قد رسموها بالتاء، وكلاهما حسن، فليكتب الكاتب ما أحب من ذلك، فهو في سعة لمجيء الروايتين عنهم بذلك». بل إنه إذا اختلفت المصاحف في حرف ما ولم يجد فيه رواية يختار وجها ويصرح بعدم المنع من الوجه الآخر. فقال عند قوله تعالى: وجعل اللّيل سكنا (٢): «وأنا أستحب كتاب ذلك بغير ألف لجميع القراء ... وإن كتبه الناسخ للعربيين والحرميين بألف على قراءتهم، وللكوفيين بغير ألف على قراءتهم أيضا فحسن، إذ لم تبلغنا رواية أنه كتب في مصحف من مصاحف الأمصار بوجه ما وإنما جاءت الرواية مبهمة، أن ذلك في بعض المصاحف كذا وفي بعضها كذا من غير تسمية مصر بعينه مخصوص به، فبذلك أوجب إطلاق الناسخ». وإذا تعادل عنده الرأيان حسّن الوجهين، وخيّر ناسخ المصحف أن يختار ما يشاء. فقال عند قوله تعالى: فنظرة بم يرجع المرسلون (٣): «كتبوه في بعض المصاحف بألف، وفي بعضها بغير ألف، ولا رسمها الغازي، وأما حكم وعطاء فرسماها بألف، والكاتب مخيّر فيها، فليكتب

стр. 280

كيف يشاء لمجيء ذلك عن الصحابة ﵃ بالوجهين». وكذلك إذا لم يرو في الحرف شيئا يخيّر الكاتب في الإثبات والحذف، فنص على ذلك عند قوله تعالى: ومن آياته أن يرسل الرّياح مبشّرات (١). فالمؤلف لا يتشدد ويتمسك بقبول وجه وردّ الآخر إذا اختلفت المصاحف ولم يظهر له وجه الترجيح، فيطلق لناسخ المصحف أن يختار ما يشاء، ويضبط بما يريد، ويحسّن الوجهين، فيقول: «وكلاهما حسن» ويقول: «وكلاهما حسن، فليكتب الكاتب ما أحب من ذلك»، ويقول: «وهو في سعة من ذلك». وحتى عند ما يختار وجها ما، فإنه ينص على عدم منعه من الوجه الثاني، فيقول: «فأختار كذا ولا أمنع من الثاني». ونرى المؤلف يتمسك بالرواية الثابتة والأثر والنقل ولو كان يخالف قراءته، فقال عند قوله تعالى: إذا مسّهم طيف (٢): اختلفت المصاحف فيه ... وأنا أستحب كتبه بغير ألف على حسب روايتنا ذلك عن نافع بن أبي نعيم المدني، وإن كانت قراءته بألف لروايتنا عنه ذلك في الهجاء، ولتتابع الرواية في الخط واللفظ، ولا أمنع من إثبات الألف للغير لما قدمناه من الرواية أيضا لذلك.

стр. 281

واختياره غالبا ما يكون موافقا لمصاحف أهل المدينة، فقال عند قوله تعالى: سحرن تظهرا (١) واختياري حذف الألف الأولى بين السين والحاء لروايتنا ذلك عن مصاحف المدينة، وبعض مصاحف سائر الأمصار. وقال عند قوله تعالى: بكلّ سحر عليم (٢) بعد أن نقل فيه اختلاف المصاحف، قال: «قال نصير: وفي بعضها «سحر» بغير ألف أيضا، وهو الذي أختار، وبه أكتب موافقة لرسم أهل المدينة، وما رويناه عن بعض المصاحف التي كتب فيها ذلك كذلك». أما إذ اختلفت المصاحف في حرف ما وظهر وجه الترجيح فلا يحسّن الوجهين، فيختار الرسم الذي يحمل القراءتين، فقال عند قوله تعالى: واذكر عبدنا (٣): وأستحب كتب كلمة «عبدنا» بغير ألف بين الباء والدال لقراءة ابن كثير على التوحيد. وبين أن الصحابة ﵃ اكتفوا بالفتحة عن الألف لدلالتها عليها ليجمعوا بين القراءتين بصورة واحدة. فقال عند قوله تعالى: لما ءاتينكم من كتب (٤): «واكتفى الصحابة ﵃ بفتح النون من الألف لدلالتها عليها حسب ما تقدم وجمعها بين القراءتين بصورة واحدة حسب ما فعلوه في سائر المصاحف ﵃ أجمعين».

стр. 282

وإذا ورد اختلاف المصاحف في رسم حرف ما وتضمن هذا الحرف قراءات، رجح المؤلف الرسم الذي يحمل القراءات، مثال ذلك أن المصاحف اختلفت في رسم: «كلمت» في بعضها بالهاء، وفي بعضها بالتاء. قال أبو داود: فما قرئ من هذا وشبهه بالجمع، فلا يجوز أن يكتب إلا بالتاء على كل حال مثل: «السموت» و «الثمرت» و «الخيرت» وشبهه (١). وقال عند قوله تعالى: فلا يخاف ظلما (٢): «قرأها ابن كثير بجزم الفاء من غير ألف، فعلى قراءته يجب أن تكون هذه الكلمة من غير ألف وعلى قراءة أهل المدينة والعراق والشام يحتمل أن تكتب بالألف لقراءتنا ذلك كذلك لهم، ويجوز حذف الألف على الاختصار، وليس عندنا للمصاحف في هذا الحرف رواية، إلا أن الذي يجب في القياس أن تكون في مصاحف أهل مكة بغير ألف لما ذكرناه»، فهنا استند على القراءة. ولم أجد له إلا موضعا واحدا اختار فيه الرسم الذي يخالف القراءة المتواترة، والمؤلف نفسه نص على أن الصحابة يجمعون برسم واحد بعض القراءات. فقال عند قوله تعالى: يسألون عن أنبائكم (٣): كتبوه في بعض المصاحف من غير صورة للهمزة، وبذلك أكتب، وهو الذي روينا عن

стр. 283

نافع عن مصاحف أهل المدينة، وكتبوا في بعضها بألف على قراءة رويس، فالمرجح هنا الرسم بالألف رعاية لقراءة يعقوب من رواية رويس، فالمؤلف في هذه الكلمة خالف أصله. وإذا جاءت الرواية شاذة مخالفة لسائر المصاحف لا يقبلها ويختار ما جاء في سائر مصاحف الأمصار، فقال: «وحكى أيوب بن المتوكل أن في مصاحف أهل المدينة: إنّا لننصر (١) بنون واحدة ولم أرو ذلك في حروف نافع، لا من طريق قالون ولا من طريق الغازي، ولا ذكر ذلك عطاء ولا حكم في كتابيهما، ولا ابن أشتة، قال أيوب بن المتوكل: وفي سائر المصاحف: إنّا لننصر بنونين». قال أبو داود: «وهو الذي أختار وبه أكتب». وما وقع رسما دون رواية أو رآه في المصحف دون رواية لا يأخذ به، فقال عند قوله تعالى: فبأيّ حديث (٢): «ووقع في مصحف الغازي ابن قيس بياءين على الأصل، وليست لي فيه رواية، وبياء واحدة أكتب». وقال عند قوله تعالى: وإيتائ ذي القربى (٣): «ورسمه الغازي ابن قيس بياء بعد التاء من غير ألف بينهما، وبالألف أكتب». فالمؤلف يتبع الغازي بن قيس فيما رواه لا فيما رسمه، فإذا وقع عنده حرف برسم ما دون النص على الرواية لم يتابعه عليه، فهو يتبع روايته دون رسمه؛ مثال ذلك:

стр. 284

قال: «ورسم الغازي بن قيس هنا: أرحام الانثيين (١) بغير ألف وكذا وقع عنده رسما دون ترجمة، ورسم في الأنفال: وأولوا الارحام (٢) بألف، والله أعلم كيف وقع هذا، والذي أختاره في الجميع بألف». وعند ما وافقت الرواية ما رسمه الغازي بن قيس صححه المؤلف، وتابعه عليه. فقال عند قوله تعالى: إنّما عند الله (٣): «متصلا كذا رسمه الغازي بن قيس، ورويناه عن جماعة منهم ابن الأنباري ونصير النحوي وحمزة وأبو حفص وغيرهم، ورسمه حكم وعطاء الخراساني منفصلا مثل الذي وقع في الأنعام رسما دون ترجمة، والصحيح ما قدمناه». وقال عند قوله تعالى: فبما رحمة مّن الله (٤): «ورسم هذه الغازي وحكم وعطاء بالتاء رسما دون ترجمة، لم يذكرها غيرهم، واختياري ما قدمته: «رحمة» بالهاء، ولا يجوز عندي أن يكتب بالتاء». وهذا يدل دلالة قاطعة على أن كل ما ذكره في كتابه هو ما رواه عن شيوخه وإن كان ساقه مجردا من ذكر السند. وإذا عدم الرواية تأمل المصاحف العتيقة، ولم يلجأ إلى القياس إلا إذا كان له سند يقويه من نحو قراءة أو نظير يحمل عليه. فقال عند قوله

стр. 285

تعالى: وعلمت وبالنّجم (١): «بغير ألف كذا رأيته في مصاحف قديمة، وليست لي فيه رواية، ويجب أن يكون في القياس، مثل ما رويناه من حذف ما اجتمع فيه ألفان نحو: فالصّلحت، وقنتت، وشبهه». وأصرح من ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: اجتبيه (٢) فقال: «بغير ألف، وأصل هذه الكلمة أن تكون بياء بين الباء والهاء، إلا أنني لم أرو ذلك عن أحد، ولا رسمها أحد في كتابه لا بالياء ولا بالألف، ثابتة ولا محذوفة فلما رأيتهم قد أضربوا عنها تأملتها في المصاحف القديمة، فوجدتها بغير ألف وفي أكثرها بالألف»، وجوّز فيها الأوجه الثلاثة. وهي أوضح من أن يلتمس لها رواية، لأنها من ذوات الياء فالمؤلف حريص على التزام الرواية. ثم إن المؤلف يرد على من خالف الإجماع، فذكر أن أبا حاتم السجستاني ذكر أن في بعض المصاحف: وهيّئ لنا (٣)، ويهيّئ لكم (٤) بألف صورة للهمزة، فرد ذلك المؤلف، وقال: «وذلك خلاف للإجماع، والذي قدمته هو الصحيح». ونقد المؤلف بعض من يكتب المصاحف ولا يعرف العربية، فقال عند
следующие страницы →