واختياره غالبا ما يكون موافقا لمصاحف أهل المدينة، فقال عند قوله تعالى:
سحرن تظهرا (١) واختياري حذف الألف الأولى بين السين والحاء لروايتنا ذلك عن مصاحف المدينة، وبعض مصاحف سائر الأمصار.
وقال عند قوله تعالى: بكلّ سحر عليم (٢) بعد أن نقل فيه اختلاف المصاحف، قال: «قال نصير: وفي بعضها «سحر» بغير ألف أيضا، وهو الذي أختار، وبه أكتب موافقة لرسم أهل المدينة، وما رويناه عن بعض المصاحف التي كتب فيها ذلك كذلك».
أما إذ اختلفت المصاحف في حرف ما وظهر وجه الترجيح فلا يحسّن الوجهين، فيختار الرسم الذي يحمل القراءتين، فقال عند قوله تعالى:
واذكر عبدنا (٣): وأستحب كتب كلمة «عبدنا» بغير ألف بين الباء والدال لقراءة ابن كثير على التوحيد.
وبين أن الصحابة ﵃ اكتفوا بالفتحة عن الألف لدلالتها عليها ليجمعوا بين القراءتين بصورة واحدة.
فقال عند قوله تعالى: لما ءاتينكم من كتب (٤): «واكتفى الصحابة ﵃ بفتح النون من الألف لدلالتها عليها حسب ما تقدم وجمعها بين القراءتين بصورة واحدة حسب ما فعلوه في سائر المصاحف ﵃ أجمعين».
стр. 282
وإذا ورد اختلاف المصاحف في رسم حرف ما وتضمن هذا الحرف قراءات، رجح المؤلف الرسم الذي يحمل القراءات، مثال ذلك أن المصاحف اختلفت في رسم: «كلمت» في بعضها بالهاء، وفي بعضها بالتاء.
قال أبو داود: فما قرئ من هذا وشبهه بالجمع، فلا يجوز أن يكتب إلا بالتاء على كل حال مثل: «السموت» و «الثمرت» و «الخيرت» وشبهه (١).
وقال عند قوله تعالى: فلا يخاف ظلما (٢): «قرأها ابن كثير بجزم الفاء من غير ألف، فعلى قراءته يجب أن تكون هذه الكلمة من غير ألف وعلى قراءة أهل المدينة والعراق والشام يحتمل أن تكتب بالألف لقراءتنا ذلك كذلك لهم، ويجوز حذف الألف على الاختصار، وليس عندنا للمصاحف في هذا الحرف رواية، إلا أن الذي يجب في القياس
أن تكون في مصاحف أهل مكة بغير ألف لما ذكرناه»، فهنا استند على القراءة.
ولم أجد له إلا موضعا واحدا اختار فيه الرسم الذي يخالف القراءة المتواترة، والمؤلف نفسه نص على أن الصحابة يجمعون برسم واحد بعض القراءات.
فقال عند قوله تعالى: يسألون عن أنبائكم (٣): كتبوه في بعض المصاحف من غير صورة للهمزة، وبذلك أكتب، وهو الذي روينا عن
стр. 283
نافع عن مصاحف أهل المدينة، وكتبوا في بعضها بألف على قراءة رويس، فالمرجح هنا الرسم بالألف رعاية لقراءة يعقوب من رواية رويس، فالمؤلف في هذه الكلمة خالف أصله.
وإذا جاءت الرواية شاذة مخالفة لسائر المصاحف لا يقبلها ويختار ما جاء في سائر مصاحف الأمصار، فقال: «وحكى أيوب بن المتوكل أن في مصاحف أهل المدينة: إنّا لننصر (١) بنون واحدة ولم أرو ذلك في حروف نافع، لا من طريق قالون ولا من طريق الغازي، ولا ذكر ذلك عطاء ولا حكم في كتابيهما، ولا ابن أشتة، قال أيوب بن المتوكل:
وفي سائر المصاحف: إنّا لننصر بنونين».
قال أبو داود: «وهو الذي أختار وبه أكتب».
وما وقع رسما دون رواية أو رآه في المصحف دون رواية لا يأخذ به، فقال عند قوله تعالى: فبأيّ حديث (٢): «ووقع في مصحف الغازي ابن قيس بياءين على الأصل، وليست لي فيه رواية، وبياء واحدة أكتب».
وقال عند قوله تعالى: وإيتائ ذي القربى (٣): «ورسمه الغازي ابن قيس بياء بعد التاء من غير ألف بينهما، وبالألف أكتب».
فالمؤلف يتبع الغازي بن قيس فيما رواه لا فيما رسمه، فإذا وقع عنده حرف برسم ما دون النص على الرواية لم يتابعه عليه، فهو يتبع روايته دون رسمه؛ مثال ذلك:
стр. 284
قال: «ورسم الغازي بن قيس هنا: أرحام الانثيين (١) بغير ألف وكذا وقع عنده رسما دون ترجمة، ورسم في الأنفال: وأولوا الارحام (٢) بألف، والله أعلم كيف وقع هذا، والذي أختاره في الجميع بألف».
وعند ما وافقت الرواية ما رسمه الغازي بن قيس صححه المؤلف، وتابعه عليه. فقال عند قوله تعالى: إنّما عند الله (٣): «متصلا كذا رسمه الغازي بن قيس، ورويناه عن جماعة منهم ابن الأنباري ونصير النحوي وحمزة وأبو حفص وغيرهم، ورسمه حكم وعطاء الخراساني منفصلا مثل الذي وقع في الأنعام رسما دون ترجمة، والصحيح ما قدمناه».
وقال عند قوله تعالى: فبما رحمة مّن الله (٤): «ورسم هذه الغازي وحكم وعطاء بالتاء رسما دون ترجمة، لم يذكرها غيرهم، واختياري ما قدمته: «رحمة» بالهاء، ولا يجوز عندي أن يكتب بالتاء».
وهذا يدل دلالة قاطعة على أن كل ما ذكره في كتابه هو ما رواه عن شيوخه وإن كان ساقه مجردا من ذكر السند.
وإذا عدم الرواية تأمل المصاحف العتيقة، ولم يلجأ إلى القياس إلا إذا كان له سند يقويه من نحو قراءة أو نظير يحمل عليه. فقال عند قوله
стр. 285
تعالى: وعلمت وبالنّجم (١): «بغير ألف كذا رأيته في مصاحف قديمة، وليست لي فيه رواية، ويجب أن يكون في القياس، مثل ما رويناه من حذف ما اجتمع فيه ألفان نحو: فالصّلحت، وقنتت، وشبهه».
وأصرح من ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: اجتبيه (٢) فقال:
«بغير ألف، وأصل هذه الكلمة أن تكون بياء بين الباء والهاء، إلا أنني لم أرو ذلك عن أحد، ولا رسمها أحد في كتابه لا بالياء ولا بالألف، ثابتة ولا محذوفة فلما رأيتهم قد أضربوا عنها تأملتها في المصاحف القديمة، فوجدتها بغير ألف وفي أكثرها بالألف»، وجوّز فيها الأوجه الثلاثة. وهي أوضح من أن يلتمس لها رواية، لأنها من ذوات الياء فالمؤلف حريص على التزام الرواية.
ثم إن المؤلف يرد على من خالف الإجماع، فذكر أن أبا حاتم السجستاني ذكر أن في بعض المصاحف: وهيّئ لنا (٣)، ويهيّئ لكم (٤) بألف صورة للهمزة، فرد ذلك المؤلف، وقال: «وذلك خلاف للإجماع، والذي قدمته هو الصحيح».
ونقد المؤلف بعض من يكتب المصاحف ولا يعرف العربية، فقال عند
стр. 286
قوله تعالى: وإن تدعوهم (١): «وكتبوا في الكهف: وإن تدعهم (٢) بغير واو، لأنه مجزوم بطرح الواو، لأنه هناك للواحد، وهنا للجماعة، فسقطت النون للجزم، وإنما قيدت ذلك لأني رأيت بعض من يكتب المصاحف ولا يبصر العربية قد غلط فيها».
وقال عند قوله تعالى: وألّف بين قلوبهم (٣) «ألف» بلام واحدة ولا يجوز غير ذلك، إذ هو فعل، وإنما قيدته لأني رأيت كثيرا من كتاب المصاحف وغيرهم قد رسموها بلامين جعلوها مثل الألف واللام اللتين يدخلان للتعريف».
وقد اعتنى المؤلف بالقراءات وتوجيهها، وقد يذكر لها شواهد من الشعر. فاستشهد لقراءة ابن عامر عند قوله تعالى: وكذلك زيّن لكثير (٤)، واستشهد لقراءة ابن كثير عند قوله تعالى: إنّه من يتّق ويصبر (٥).
واستشهد لقراءة الحرميّين عند قوله تعالى: فاسر (٦).
والمؤلف ﵀ تابع شيخه أبا عمرو الداني في تجزئة رمضان حيث جزّأ القرآن على سبعة وعشرين على عدد الحروف ليوافق ختم القرآن في صلاة التراويح ليلة السابع والعشرين من رمضان، وكلما مرّ بجزء منه
стр. 287
ذكره، إلا أنه لم يراع هذه التجزئة، لأن معظمها ليس بمحل للوقف لتعلق الكلام بعضه ببعض، فقال:
«وأنا أذكر كل جزء منها في موضعه كلما مررت به، وفيها مواضع يكره القطع عليها لتعلق الكلام بعضه ببعض، وارتباطه به، وأستحب الوقوف على ما قبل ذلك بيسير أو بعده بقليل، في كل موضع لم يكن الوقف عليه ليتم» وسأنبه على ذلك كله في موضعه إن شاء الله (١).
وقال أيضا عند قوله تعالى: ما يوحى (٢): «وأستحب أنا أن يوقف قبل ذلك بثلاث آيات عند قوله تعالى: بصيرا لأنه آخر سؤال موسى ربه، وهنا عند قوله تعالى: ما يوحى كلام متعلق لا يصلح الوقف عليه، ولا الابتداء بما بعده». وقال أيضا: «وأختار للمصلي بالناس أن يقطع على قوله : وهم صاغرون (٣) ثم يبتدئ بقوله: قال يا أيّها الملؤا فهو أحسن عندي».
لكن بعضها لا يسلم له فيها كما هنا، فالأحسن منه أن يقطع على قوله : لله ربّ العالمين لأنها نهاية القصة وابتداء أخرى، فيبتدئ في اليوم التالي بقوله تعالى: ولقد
أرسلنا إلى ثمود (٤).
وإذا مرّ بالجزء من أجزاء الستين- وهو المسمى عند علماء المغرب
стр. 288
بالحزب- نبه على موضعه قائلا: «رأس الجزء الأول من أجزاء ستين» متبعا في ذلك مذهب أبي عمرو الداني.
وكثيرا ما يخالف هذه المواضع. فذكر رأس الحزب في نهاية سورة الأنعام، وقيل: عند قوله تعالى: أو هم قائلون (١)، واختار رأس الحزب آخر سورة الأنعام وذكر قولين لرأس الحزب: الأول في نهاية سورة يونس، والثاني عند قوله تعالى: بذات الصّدور (٢)، وقال: «وكلاهما حسن والأول أختار». وذكر في هود ثلاثة أقوال، واختار رأس الحزب عند قوله: ببعيد (٣)، فقال: «والذي أختار هذا لكونه أول قصة، ولكون الثاني متعلقا بالقصة الأولى وهو قوله: الرّشيد (٤) وودود (٥).
واختار قوله تعالى: العزيز الرّحيم (٦) نهاية قصة إبراهيم ﵇، فقال: «رأس الجزء السابع والثلاثين باختلاف يأتي بعد، وهذا الذي أختار، لأنه تمام قصة وابتداء أخرى».
وكلما مر بالآيات المتشابهات التي تكررت في القرآن وألفاظها متفقة، لكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف ذكرها وبينها لتقوية الحفظ وسهولة الاستذكار، إلا أنه ليس
стр. 289
على سبيل الاستقصاء والحصر، ولم يتتبع كل الآيات المتشابهة كما فعل ابن المنادي في كتابه متشابه القرآن، ولم يتعرض للتوجيه والتعليل كما صنع أحمد بن الزبير الغرناطي في ملاك التأويل، ومحمود الكرماني في البرهان، فهو يكتفي ببيان الفرق، وقد تعرض لموضع واحد بالتوجيه فقال: «ووقع في الأعراف: فانبجست (١) مكان: فانفجرت (٢) هنا، ومعناهما واحد، وقيل: الانفجار: خروج الماء الكثير، والانبجاس:
خروج الماء قليلا قليلا، فكأنه كان الانبجاس ابتداؤه ثم الانفجار بعده».
ويحصر بعضه بعدد معين مثل قوله: إنّنا (٣) بنونين، وذكر:
«اللعب» قبل: ولهو (٤) أو العكس، وذكر فيه رجزا من نظمه.
ومثله: حكيم عليم (٥) بين جميع مواضعه، وسائرها عليم حكيم.
وإذا مرّ بقراءة شاذة خالفت خط المصحف أنكرها وشدد في النكير.
فقال: «وقد جاء عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ما لا يصح عنهما، ولا تجوز القراءة به، لورود ذلك عنهما من طريق الآحاد، ومخالفة ما جاء عنهما وعن غيرهما من طريق الأئمة الثقات الذين نقلوا القرآن إلينا عنهما، وهم جماعة عدول رواية وتلاوة مع مخالفة هذه
стр. 290
الرواية الشاذة المنكرة خط المصحف المجتمع عليه، وهي قراءة: «ما ءاتيتم به» مكان ما جئتم به (١).
وقال أيضا: «وجاء عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب ويحيى بن وثاب، وإبراهيم النخعي والأعمش أنهم قرءوا: «يقضي بالحق» بياء بعد الضاد، وزيادة باء الجر في كلمة: «الحق» وهذه القراءة شاذة لا تصح عنهم».
فالمؤلف إمام في القراءة لم يمر على قراءة شاذة إلا ردّها وأنكرها، ولم يثبت في كتابه هذا قراءة شاذة.
وإذا مر المؤلف بالياء المتطرفة ذكر الوقص والعقص، فقال عند قوله تعالى: فاذكروني أذكركم (٢): «في بعض المصاحف بياء عقصي، أعني مردودة إلى خلف، وفي بعضها بياء وقصي، أعني معرفة إلى أمام».
ثم قال: «وأنا أستحب كتبها للمكيين لمن أراد أن يضبط المصحف بياء وقصي، ولسائر المصاحف والأئمة بياء عقصي».
وقال عند قوله: يوصي بها (٣) «وأنا أستحب كتابها مردودة إلى خلف على قراءة الأخوين ونافع وأبي عمرو، وعلى قراءة أبي بكر والابنين بياء معرفة إلى أمام.
وقال في موضع آخر: «وأستحب لمن كتب مصحفا ونيته أن يضبطه
стр. 291
لأبي عمرو أن يكتب الياء من: نجزي كلّ كفور (١) معرقة إلى أمام، ولمن ضبطه لسائر القراء كتبها مردودة».
وقال عند قوله تعالى: ماذا ترى (٢): «قرأ الأخوان: ترى بضم التاء وكسر الراء كسرة محضة، يجعلانه فعلا رباعيا، واختياري على قراءتهما أن تكتب الياء مردودة إلى خلف لمن ضبط لهما أو لأحدهما».
واقتصر على العقص في قوله تعالى: ادخلي الصّرح (٣) لإجماع القراء على قراءته بكسر اللام ولسكون الياء. ثم أطلق للناسخ أن يختار ما يشاء، فقال: «ومن لم يراع ذلك في هذه الحروف وشبهها فهو في سعة إن شاء الله».
وإذا مرّ المؤلف ﵀ على الحروف الموصولة والمفصولة ذكرها عند أول موضع ترد فيه، ويضم لها جميع نظائرها من باقي السور، وإذا كان فيها اختلاف ذكره. ثم إذا مرّ على هذه الحروف في موضعها من السورة ذكرها واقتصر على الوجه المختار عنده إذا كان فيها خلاف. فذكر المقطوع والموصول في قوله: أين ما عند قوله تعالى: فأينما تولّوا (٤).
وفي قوله: كل ما عند قوله تعالى: كلّ ما ردّوا إلى الفتنة (٥).
стр. 292
وفي قوله تعالى: إنما عند قوله تعالى: إنّ ما توعدون (١)، وذكر المقطوع والموصول من أن لا عند قوله تعالى: حقيق علىّ أن لّا أقول (٢).
وإذا مرّ على ما يرسم بالتاء المفتوحة ذكره في أول موضع يرد فيه، ويحصره بعدد، ويضم إليه جميع ما يماثله من باقي السور، ويعيد ذكره في موقعه من السورة، وستلاحظ ذلك عند قوله تعالى: أولئك يرجون رحمت الله (٣)، والله أعلم.
стр. 293
مصادر المؤلف في كتابه:
إن علم القراءات- بما فيه الرسم مبناه على الرواية والسماع والتلقي في كل عصر ومصر وخاصة في القرون الأولى.
وقد اهتم علماء السلف بالأسانيد، وكانت كل علومهم تتلقى بالرواية أو بالإجازة. والمتتبع لعلماء القراءات حتى نهاية القرن الخامس؛ آخر حياة المؤلف، قل أن يجد منهم من يعتمد فيما يرويه من قراءات وروايات وما يتصل بها على الكتب أو الصحف بأن يقول قرأت في كتاب فلان أو في كتاب كذا، ثم يورد الرواية أو القراءة، فذلك عندهم من العجز والتقصير، بل لا يصح الأخذ عنه لاعتماده على صحف يعتريها التحريف والخطأ.
فالطريقة المتبعة عندهم في رواية الكتب هي قراءتها على مؤلفيها، أو على شيوخ اتصلت أسانيدهم بمؤلفي تلك الكتب أو بإجازة شيوخ لهم مرويات تلك الكتب، وحينئذ يصرحون بتلقيهم لما في تلك الكتب بالإجازة (١).
والمؤلف أبو داود ﵀ في كتابه التنزيل معتمد في كل ما يرويه من حروف في هجاء المصاحف على شيوخه وإن لم يذكرهم صراحة.
وهو ممن روى المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار فصرح في مقدمته بأنه قرأه على مؤلفه أبي عمرو عثمان بن سعيد.
стр. 294
فكان هو المصدر الذي اعتمد عليه المؤلف، وكان- كما تقدم- يكرر عبارة: «روينا» أو «هذه روايتنا» ولم يذكر المقنع باسمه الصريح إلا في موضع واحد، وذلك لبيان موضع الكلمة في المقنع، بل قرنها بالرواية، فقال عند قوله : لئن أنجيتنا (١): «وروى لنا أستاذنا أبو عمرو ﵁ في كتابه المقنع في آخر باب منه».
ما عدا هذا الموضع، فإنه يذكر الرواية عن أبي عمرو دون التصريح بذكر كتبه. فقال عند قوله تعالى: هى أربى من أمّة (٢): «وكذا روينا عن أستاذنا أبي عمرو، وعلى ذلك نعتمد».
والمؤلف ﵀ له استقلاله العلمي وبراعته في الرسم فكان يخالفه، فقال عند قوله تعالى: النّبيين (٣) «وأنا أخالف أبا عمرو في هذا».
والواقع الذي لا مرية فيه أن كلّ ما ذكره في وصف هجاء المصاحف في كتابه التنزيل هو مما تلقاه وحفظه ورواه عن شيوخه مسندا، وما تأمله عن المصاحف العتيقة، وإن كان لم يذكر سنده المتصل للتخفيف والاختصار.
فأهل الأندلس والمغرب كانوا ولا يزالون لا يفرقون بين حفظ القرآن وحفظ رسمه، فالأساس الذي عندهم أن رسم القرآن لا ينفصل البتة عن
стр. 295
حفظ القرآن، فهما متلازمان، فالجزء الذي يكتب في اللوح، وهو ثمن الحزب عندهم، لا ينتقل الطالب منه إلى الثمن الذي يليه إلا إذا حفظه رسما ولفظا، فيقترن الخط باللفظ، ولا يمنح الإجازة إلا إذا حفظ القرآن لفظا ورسما، ولا يسمى حافظا إلا إذا أتقن لفظه ورسمه، ولم تعهد هذه الطريقة عند أهل المشرق، فهم يفصلون بين الحفظ والرسم، والأولى أحكم وأتقن وأسلم.
لذا أقول: إن مصدر المؤلف في هذا الكتاب هو حفظه وروايته عن شيوخه. وأستدل على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن المؤلف- ﵀ حينما ذكر وصف هجاء بعض الحروف التي ورد فيها الخلاف، أو لم يجد فيها رواية، نص على أنه لم يجد فيها رواية فقال عند قوله تعالى: وعلمت وبالنّجم (١):
«بغير ألف، كذا رأيته في مصاحف قديمة، وليست لي فيه رواية».
وقد تقدم له ذكر حذف ألف الجمع ذي الألف والألفين في فاتحة الكتاب عند قوله تعالى: ربّ العالمين ولم يذكر أنه رواه.
وقال هنا: «ويجب أن يكون في القياس، مثل ما رويناه من حذف ما اجتمع فيه ألفان، نحو: صلحت، وقنتت».
فهذا يدل على أن كلّ ما ذكره في كتابه مروي ومسند طبقة عن طبقة، بل هناك كلمات متناظرة صرح في كلمة منها بأنه لم يرو فيها شيئا. مثل
стр. 296
قوله تعالى: مّن ديارهم (١) فذكر جملة ما وقع منه في القرآن خمسة عشر موضعا ونص على حذف الألف بين الراء والياء حيث وقع، وصرّح في قوله تعالى: الدّيار (٢) بأنه لم يرو فيه شيئا، فقال: «فليست لي رواية فيه».
مفهوم كلامه أن الأربعة عشر حرفا الباقية كلها مروية.
وقال في قوله تعالى: الرّياح مبشّرات (٣): «وليست لي فيه رواية كيف كتبه الصحابة ﵃». واختار الحذف ثم قال: «ولا أمنع من الإثبات على اللفظ، إذ لم تأت رواية بخلاف ذلك». وقال في موضعه: «ولم أرو في هجاء هذا الحرف شيئا». مفهوم كلامه أن مجموع بقية مواضعه رواها وبلغته هذه الرواية.
بل إن المؤلف كما عرفنا في منهجه أنه كان يعتمد في بعض الأحيان على رواية نافع بن أبي نعيم المدني، ومثله الغازي بن قيس، فإذا وقع عنده حرف برسم ما دون النص على الرواية لم يتابعه عليه فهو يتبع روايته دون رسمه.
فقال: «ورسم الغازي بن قيس هنا: أرحام الأنثيين (٤) بغير ألف.
وكذا وقع عنده رسما دون ترجمة، ورسم في الأنفال: وأولوا الارحام (٥) بألف والله أعلم كيف وقع هذا، والذي أختاره في الجميع بألف».
стр. 297
وقال: «ووقع في مصحف الغازي بن قيس: فبأيّ (١) بياءين على الأصل، وليست لي فيه رواية، وبياء واحدة أكتب».
بل إن هناك ما يؤكد أنه يتبع الرواية في رسم المصحف، وإن كانت تخالف قراءته وقراءة المروي عنه. فذكر عند قوله تعالى: إذا مسّهم طئف (٢) اختلاف المصاحف في حذف الألف وإثباتها، ثم قال: «وأنا أستحب كتابته بغير ألف على حسب روايتنا في ذلك عن نافع بن أبي نعيم المدني، وإن كانت قراءته بألف لروايتنا عنه ذلك في الهجاء، ولتتابع الرواية في الخط واللفظ».
الوجه الثاني: أن هذه الحروف التي ذكرها المؤلف ﵀ ووصف هجاءها بالحذف والإثبات أو بالزيادة أو النقص أو بالبدل هي نفسها وجدناها عند أبي عمرو الداني مسندة ومروية بالسند (٣).
فدلّ هذا على أن مصدر المؤلف في وصف هجاء المصاحف في كتابه هو ما حفظه وتلقاه من شيوخه. فكل ما ذكره المؤلف في هذا الكتاب من هجاء المصاحف مروي أو محفوظ أو منقول عن العلماء، وإن كان هذا النقل مجردا من السند، لأن هذه المصاحف حفظت لنا هذه الصور الهجائية، ثم القراءة هي الأخرى حفظت لنا ذلك.
من مصادر المؤلف المصاحف العتيقة، وأعتقد أن المصاحف هي التي
стр. 298
حفظت لنا الهجاء والرسم بطريقة عملية، مما يعطي الثقة الكاملة بكل ما رواه الأئمة.
والمؤلف ﵀ أحيانا كان يلجأ إلى المصاحف ويتأمل فيها وصف الهجاء الذي فقد فيه الرواية. فقال عند قوله : اجتبيه وهديه (١): اجتبيه بغير ألف، وأصل هذه الكلمة أن تكون بياء، بين الباء والهاء، إلا أنني لم أرو ذلك عن أحد، ولا رسمها أحد في كتابه لا بالياء، ولا بالألف، ثابتة ولا محذوفة، فلما رأيتهم قد أضربوا عنها، تأملتها في المصاحف القديمة، فوجدتها بغير ألف، وفي أكثرها بالألف».
وقال أيضا: «وعلمت (٢) بغير ألف، كذا رأيته في مصاحف قديمة، وليست لي فيه رواية».
فالمؤلف ﵀ عند ما يعدم الرواية يتأمل المصاحف القديمة المظنون بها الصحة.
قال الشيخ حسين الرجراجي: «وإنما الحجة بالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة ﵃ وهي التي اطلع عليها أبو عمرو الداني، وأبو داود، وغيرهما، من الشيوخ المقتدى بهم في هذا الشأن» (٣).
كما هو معروف في موضعه أن المؤلف وصف بأنه من أكثر الملازمين لأبي عمرو الداني، ومن أثبتهم فيه.
стр. 299
وعلم أن جميع كتب الداني رواها عن شيخه أبي عمرو الداني، وأجازه بها، بل ثبت أنه كان يدرسها ويعلق عليها ووضع على بعضها حواشي. وقد خالفه في بعضها، ومن طريقه وروايته وصل ما وصل منها إلينا.
ومن ثم أقول: إن مصادر المؤلف هي كتب الداني، وقد صنع المؤلف ﵀ فهرسة لما رواه عن شيوخه وتلقاه. قال ابن خلدون في مقدمته: «واشتهر أبو داود بحمل علوم الداني ورواية كتبه» (١).
ومن مصادر المؤلف: البيان في عد آي القرآن لأبي عمرو الداني (٢)، ولم يصرح المؤلف باسم الكتاب، ولكن صرح باسم مؤلفه أبي عمرو، واستفاد منه المؤلف في موضوع السور المكية والمدنية حيث قال: «وقد اختلف في بعض سور القرآن، فقيل: مكية وقيل: مدنية، وأنا أجعل ذلك على الأصحّ من الروايات إن شاء الله حسبما ألفيته ورضيت سنده وقيدته عن الإمام الحافظ أبي عمرو» (٣).
واستفاد منه في موضوع تجزئة القرآن على أجزائه الثلاثين والستين، وفي موضوع تجزئة القرآن على سبعة وعشرين لقيام رمضان على عدد الحروف، إلا أن المؤلف- ﵀ أظهر استقلاله العلمي، فخالف شيخه الداني في كثير من المواضع التي يكره القطع عليها، واختار مواضع يتم الوقف عليها والابتداء بما بعدها كما تلاحظ في منهجه.
стр. 300
ومن المؤلفات التي يمكن أن يكون قد استفاد منها: الموضح في الفتح والإمالة وما بين اللفظين، ولم يصرّح باسم الكتاب، إلا أنني لاحظت بعض التشابه عند المؤلف وخاصة فيما يذكره في ذوات الياء مما يرسم بالياء على الأصل والإمالة (١).
ومن المؤلفات التي قد يكون استفاد منها: المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني، ولم يصرح باسم الكتاب، ولكن صرّح باسم مؤلفه، والنص الذي نقله ونسبه إلى الداني هو نفسه في كتاب المحكم، إلا أن استفادته من هذا الكتاب لا تعدّ في موضوع هجاء المصاحف، وإنما تظهر استفادته جلية في موضوع نقط المصاحف في كتاب أصول الضبط وما نقله إلا للرد عليه، فذكر حذف إحدى الياءين في قوله :
النّبيّين، ونقل عن الداني اختياره حذف الياء الأولى وإثبات الثانية.
فقال: «قال أبو داود: وأنا أخالف أبا عمرو في هذا، وأقول: إن المذهب الثاني أحسن عندي من أجل أن البناء يختل بحذف الأولى» واستفاد منه في حذف إحدى الواوين من قوله: يلوون (٢) وشبهه، وقوله: مستهزءون وشبهه، وقوله: أفإين (٣) وشبهه في زيادة الألف وزيادة الياء وما أشبهه.
فقد لاحظت تشابها في مثل هذه المواضع عند المؤلف كما هي عند أبي عمرو الداني في كتابه: المحكم، وكتابه في النقط الذي جعله ذيلا لكتاب المقنع.
стр. 301
ومن المؤلفات التي استفاد منها المؤلف: كتاب إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري، ولم يعين اسم الكتاب، وصرّح باسم مؤلفه أبي بكر محمد بن الأنباري، وظهرت استفادته واضحة في فصل رسم التاءات المفتوحة عند قوله تعالى: أولئك يرجون رحمت الله (١) فجمع جميع التاءات المفتوحة في هذا الموضع، ثم قال: «وهذا الباب رويناه عن ابن الأنباري وغيره بالزيادة والنقصان فأثبتناه على لفظنا وبالله التوفيق». وكل ما ذكره في هذا الباب موافق لكلام ابن الأنباري في كتابه: «إيضاح الوقف والابتداء».
ومما يدل على الاعتماد عليه قوله: «ورسم الغازي وحكم وعطاء:
فبما رحمة مّن الله (٢) بالتاء إلا أنه وقع في كتبهم رسما بغير تقييد، واعتمادي على ما قدمته ولا أكتب هذا الذي في آل عمران إلا بالهاء».
ويعني به ما رواه عن ابن الأنباري في كتابه إيضاح الوقف والابتداء وقال أيضا: إنّما عند الله (٣) متصلا، كذا رسمه الغازي ورويناه عن جماعة منهم ابن الأنباري». وهو موافق لما في كتاب إيضاح الوقف والابتداء.
ومن المؤلفات التي ظهر أثرها واضحا في كتاب التنزيل واعتمد مؤلفه عليها في أكثر الأحوال: كتاب هجاء السنة للغازي بن قيس، الذي روى هجاء مصاحف أهل المدينة.
صرّح المؤلف باسم كتابه في كثير من المواضع،
стр. 302
فقال عند قوله تعالى: بكلّ ساحر (١) بغير ألف، وكذا رسمه الغازي ابن قيس في كتاب هجاء السنة له الذي أخذه من مصحف نافع بن أبي نعيم المدني.
وبين سبب اعتماده عليه عند قوله تعالى: وتمّت كلمة ربّك الحسنى (٢)، فقال: «ورسمه الغازي بن قيس في كتابه كذلك»، أي بالهاء ثم قال:
«يدل هذا وما قدمناه من قول عاصم، ورسم الغازي بن قيس لذلك بالهاء، أن مصاحف أهل المدينة على الهاء لرواية الغازي بن قيس عن نافع بن أبي نعيم المدني، وأخذه الهجاء عنه ومن مصنفه، وأنه عرض مصحفه بمصحف نافع ثلاث عشرة مرة، وقيل: أربع عشرة مرة، وهو الصحيح في القياس، إذ لم يقرأ أحد هذا الموضع بالجمع».
وصرّح المؤلف باعتماده عليه، فقال: «ورسم حكم وعطاء: لا أرى الهدهد (٣) بألف بعد الراء، ورسمها الغازي بالياء على الأصل، كما قدمنا، وعليه الاعتماد في الخط».
لكن المؤلف اعتمد عليه فيما رواه، لا فيما يرسمه ولا رواية له فيه، فقال: «ووقع في مصحف الغازي بن قيس بياءين على الأصل، وليست لي فيه رواية، وبياء واحدة أكتب» ذكر ذلك عند قوله تعالى: فبأيّ (٤).
стр. 303
وقال عند قوله تعالى: وإيتائ ذى القربى (١): «ورسمه الغازي ابن قيس بياء بعد التاء من غير ألف بينهما، وبالألف أكتب». ومثله عند قوله تعالى: أربى من أمّة (٢): «رسمها الغازي بألف، ورسمها عطاء بالألف والياء معا، قال: والألف أجود وأنا أقول: وبالياء أجود لما أصلناه قبل».
ومن مصادر المؤلف التي اعتمد عليها: مصاحف أهل المدينة، وما نقل منها نافع بن أبي نعيم المدني أو الغازي بن قيس، فذكر زيادة الواو في قوله تعالى: لأصلّبنّكم (٣) ثم اختار عدم زيادتها، وقال: «لأنها لم تزد في شيء من مصاحف أهل المدينة التي بنينا كتابنا عليها في الخط والعدد والخمس والعشر».
وقال عند قوله تعالى: وأوصى بها (٤): «إنهم كتبوا في مصاحف أهل المدينة التي بنينا هجاء كتابنا عليها ... ».
بل إن المؤلف صرّح في مقدمته بذلك، ولم يهمل بقية المصاحف فقال: «وعلى مصحف أهل المدينة يكون تعويلنا في الهجاء، وعدد الآي والخمس والعشر مع تنبيها على من خالفهم في الهجاء من سائر المصاحف الموجهة إليهم» (٥).
стр. 304
وقال عند قوله تعالى: لّكيلا تحزنوا (١): «موصولة في مصاحف أهل المدينة التي بنينا كتابنا عليها، واجتمعت عليها مصاحفهم، فلم تختلف، وكذلك في مصاحف أهل الكوفة والبصرة والشام، وبعض مصاحف أهل بغداد». وقال عند قوله تعالى: كلمت ربّك (٢):
«وكتابنا مبني على هجاء مصحف أهل المدينة ومن وافقهم من سائر الأمصار، وتنبيها على الخلاف لهم».
ومن الشيوخ الذين نقل المؤلف عنهم في التنزيل حكم بن عمران الناقط الأندلسي القرطبي، ومثله عطاء بن يزيد الخراساني، وغالبا ما يذكرهما المؤلف في نسق واحد مقترنين، وفي الأقل يقتصر على أحدهما عند ما يختلفان.
وقد صرح في غير ما موضع أن لهما كتابين، ولم يسم الكتابين، فقال عند قوله تعالى: إنّا لننصر رسلنا (٣) ردا على من ذكر أنه رسم بنون واحدة: «ولا ذكر ذلك عطاء ولا حكم في كتابيهما».
وقال أيضا: «ورسم الغازي وحكم وعطاء رحمت (٤) بالتاء في آل عمران إلا أنه وقع في كتبهم رسما بغير تقييد».
وتارة يفرد عطاء بالذكر مع كتابه.
فقال عند قوله تعالى: كلّ ما ردّوا (٥): «وقال عطاء في
стр. 305
كتابه ... »، وتارة أخرى يفرد حكما بالذكر مع كتابه مصحوبا بذكر الغازي، فقال عند قوله تعالى: فالق الحبّ (١): وكذا رويناه عن الغازي وحكم، وكذا رسماه في كتابيهما».
وكثيرا ما يخالفهما المؤلف ولا يأخذ بمذهبهما، فذكر المؤلف أن قوله تعالى: إنّما عند الله (٢) «متصلا، كذا رسمه الغازي ورويناه عن جماعة، ثم قال: ورسمه حكم وعطاء منفصلا رسما دون ترجمة، والصحيح ما قدمناه».
وقال عند قوله تعالى: جزاء من تزكّى (٣): «ووقع في كتاب الغازي بن قيس وحكم وعطاء: «جزاء» بألف قبل الواو من غير ألف بعدها رسما دون ترجمة، والذي قدمناه هو المعروف».
وذكر المؤلف عند قوله : من يرتدّ منكم (٤) رواية عن أبي عبيد القاسم بن سلام، فقال: «وكذلك روينا عن أبي عبيد أنه رآها في الإمام بدالين» ومثلها عند قوله تعالى: لننظر (٥). فقال: «وروينا أيضا عن أبي عبيد أنه قال: رأيت في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁».
стр. 306
ونقل عنه المؤلف أيضا عند قوله : إنّ هذن لساحرن (١).
فقال: «وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام أنه رأى ذلك في الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁ استخرج له من بعض خزائن الأمراء».
ونقل عنه أيضا في قوله تعالى: والحبّ ذو العصف (٢)، فقال: «قال أبو عبيد: وكذا رأيتها في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁».
ونقل عنه المؤلف أيضا فيما رواه في بقية المصاحف، ولم يقتصر على المصحف الإمام فيها، فذكر عن ذلك عند قوله تعالى: لّئن أنجيتنا (٣) قال: «وروينا عن أبي عبيد القاسم بن سلام، قال: اختلفت مصاحف أهل العراق والكوفة والبصرة».
فالمصحف الإمام روى منه بالرؤية والمشاهدة أبو عبيد القاسم بن سلام.
ومثله يحيى بن الحارث الذماري الذي ذكره المؤلف عند قوله تعالى:
لننظر (٤). قال: «وروينا أيضا عن يحيى بن الحارث الذماري أنه وجدها في الإمام بنون واحدة».
وكذلك الإمام عاصم الجحدري روى عن المصحف الإمام، ونقل عنه المؤلف عند قوله تعالى: ولؤلؤا ولباسهم (٥). قال: «وقال عاصم
стр. 307
الجحدري: كل شيء في الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁ من «اللؤلؤ» فيها الألف إلا التي في الملائكة».
وكذلك روى أسيد بن أسيد عن المصحف الإمام، ذكره المؤلف عند قوله: وأن يظهر (١)، فقال: «وكذلك روى هارون عن صخر بن جويرية وبشار الناقط عن أسيد أن ذلك كذلك في مصحف عثمان بن عفان ﵁».
ومن الروايات التي اعتمد عليها المؤلف: رواية نافع بن أبي نعيم المدني القارئ سواء من طريق قالون أو من طريق الغازي بن قيس. فالمؤلف اعتمد على رواية نافع، وقدمها على غيرها، ولو كانت مخالفة لقراءته، فذكر ذلك عند قوله تعالى: طائف (٢)، فقال: «وأنا أستحب كتابه بغير ألف حسب روايتنا في ذلك عن نافع بن أبي نعيم المدني، وإن كانت قراءته بألف لروايتنا عنه ذلك في الهجاء، ولتتابع الرواية في الخط واللفظ».
فالملاحظ أن المؤلف اختار حذف الألف، وإن كان يخالف قراءته وقراءة نافع.
وقال في موضع آخر عند قوله تعالى: ولا تقولنّ لشايء (٣):
«ولم يذكره الغازي في كتابه ولا عطاء ولا حكم، ولا ذكره قالون في
стр. 308
الحروف التي روينا عن نافع». وذكره أيضا عند قوله تعالى: زكية (١) بغير ألف. قال: «وهذا الذي أختار لروايتنا ذلك عن نافع بن أبي نعيم المدني».
وأشار المؤلف كما ذكرت إلى الطريقين عند قوله تعالى: إنّا لننصر (٢)، فقال: «ولم أرو ذلك في حروف نافع لا من طريق قالون ولا من طريق الغازي، ولا ذكر ذلك عطاء ولا حكم في كتابيهما، ولا ابن أشتة».
ويستفاد ممّا تقدم أنه نقل عن ابن أشتة، بل صرّح في موضع بكتابه ولم يسمه، فقال عند قوله تعالى: تبوّءو الدّار (٣) «بواوين من غير ألف حكاه ابن أشتة في كتابه عن نصير بن يوسف النحوي في باب اتفاق المصاحف».
ولابن أشتة كتابان في هجاء المصاحف: الأول «المحبّر»، والثاني «علم المصاحف».
ومما يجب التنبيه عليه أن رواية نافع بن أبي نعيم المدني تنصب على ما رآه في مصاحف أهل المدينة، وأن رواية أبي عبيد القاسم بن سلام تنصب على ما رآه في المصحف الإمام.
فإذا قلنا: روى نافع، فمن قبيل ما رآه في المصحف المدني، وإذا قلنا: روى أبو عبيد، فمن قبيل ما رآه في المصحف الإمام.
стр. 309
ومن الروايات التي وردت في التنزيل ما رواه المؤلف عن محمد بن عيسى الأصبهاني، فقال: «وروينا عن محمد بن عيسى الأصبهاني حرفا سادسا: وأرسلنا الرّيح لوقح (١)»، وذكر روايته أيضا عند قوله:
كلّ ما ردّوا إلى الفتنة (٢)، وقال عند قوله: سحر مّبين (٣): «وقال أبو حفص الخراز من روايتنا عن محمد بن عيسى الأصبهاني عنه».
وذكر عنه في قوله تعالى: لا يخلف الميعاد (٤) ونقل عنه في مواضع كثيرة.
وكذلك روى حروفا كثيرة عن شيخه نصير بن يوسف النحوي صاحب الكسائي، ذكر ذلك عند قوله: أنبؤا (٥). فقال: «وروينا عن محمد ابن عيسى الأصبهاني، عن نصير بن يوسف النحوي صاحب الكسائي».
وقال عند قوله تعالى: فأينما تولّوا (٦): «وقياس ما رويناه عن نصير ابن يوسف النحوي». وقال عند قوله تعالى: سراجا وقمرا (٧):
«وروينا عن نصير بن يوسف النحوي عن محمد بن عيسى الأصبهاني».
وكلاهما من علماء الرسم الذين وردت عنهما روايات في هجاء المصاحف.
стр. 310
واستفاد المؤلف ﵀ في موضوع الآيات المتشابهات من كتاب متشابه القرآن لأبي الحسن أحمد بن المنادي ولم يصرح به، ولا باسم كتابه، إلا أنني لاحظت تشابها كبيرا بين ما ذكره المؤلف وما جاء في كتاب ابن المنادي (١)، ولم يرو عنه في هجاء المصاحف بالتصريح إلا في موضع واحد، فقال: «وحكى ابن المنادي أنه رأى في المصاحف العتق إن أولياؤه إلّا المتّقون (٢) بغير ألف ولا صورة للهمزة ولم أروه عن غيره» ولم يتابعه المؤلف واختار رسمه بالألف والواو.
وممن روى المؤلف عنهم أيوب بن المتوكل، فذكره عند قوله تعالى:
لننظر (٣) فقال: «وروينا عن أيوب بن المتوكل أن في مصاحف أهل المدينة ... ».
وقال عند قوله تعالى: إنّا لننصر (٤): «وحكى أيوب بن المتوكل من روايتنا عنه أن في مصاحف أهل المدينة ... ».
وروى أيضا عن اليزيدي في قوله : وسيعلم الكفّر (٥) فقال: «وروينا عن اليزيدي أنه قال: في مصاحف أهل المدينة ومكة:
وسيعلم الكفر على واحد».
стр. 311
وروى أيضا عن معلى الورّاق في قوله تعالى: وتمّت كلمت ربّك الحسنى (١) فقال: «وكتبوا: كلمة ربّك بالهاء وكذا رويناه عن معلى الوراق».
وممن روى عنهم المؤلف الفراء والكسائي وذكرهما في قوله تعالى:
ولؤلؤا ولباسهم (٢)، فقال: «وقال الفراء هنا في مصاحف أهل المدينة والكوفة بألفين» والله أعلم.
стр. 312
تقويم كتاب «مختصر التبيين»
أ- قيمته العلمية:
إن مؤلفات أبي داود سليمان بن نجاح تعد كلها دررا في تاريخ التراث العربي وبخاصة في القرآن وعلومه؛ لما امتاز به مؤلفها من سعة الرواية والدراية في معاني القرآن والقراءات وهجاء المصاحف وإعرابها بالنقط والشكل وكيفية ذلك.
وكتابه: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» يعد من نفائس كتب هجاء المصاحف، فلا يدانيه أي كتاب فيما أعلم. وتتجلى أهميته في أمور كثيرة منها:
أسلوب أبي داود في كتابه المتميز بالسهولة، والبعد عن التكلف والتعقيد، وظهر ذلك في شكله ومحتواه، بل تجلت في اختياراته وترجيحاته. فقد لمست روح السهولة تجري في أسلوبه واختياراته، كما بينت ذلك في منهجه وطريقته في الكتاب. فكتابه: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» يعد من نفائس هجاء المصاحف، فلا بد منه للمشتغل بعلم القراءات، ولا بد منه للمشتغل بنسخ المصاحف.
وممّا يدل على أهميته أنه اشتمل على بيان السور المكية والمدنية، والمختلف فيها، وعلى بيان عد الآي، وعلى الأجزاء والأحزاب، وعلى الخمس والعشر، وكل ما يحتاج إليه كتبة المصاحف ونساخها، فضلا عن كونه اشتمل على أصول القراءات، وعلى تجزئة رمضان، وبين محل
стр. 313
الوقوف التي يتم عليها المعنى، وينتهي عندها الكلام، مما ستقف عليه في ثنايا هذا الكتاب.
أما غزارة مادة الكتاب، فلا أعلم كتابا- حسب اطلاعي- أشمل وأوسع في هجاء المصاحف من: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل»، بل إنه من أجمعها وأوسعها وأشملها لكل ما يتصل بكتابة المصاحف وإعرابها بالنقط وكيفية ذلك. فالكتاب حوى بين طياته جميع هجاء مصاحف الأمصار على ما وضعه الصحابة ﵃، أودع فيه مؤلفه كل ما عرف عن موضوع هجاء المصاحف وما يحتاجه الناسخ للمصحف.
ولأجل هذا كله، لم يكن المؤلف- ﵀ مبالغا حين وصف كتابه بالإمام حيث قال في مقدمته: «ونجعله إماما يقتدي به الجاهل، ويستعين به الحافظ الماهر».
ومما يدلّ على أهمية الكتاب أن المؤلف- ﵀ يربط القراءة بالمصاحف، وهو الأمر الذي خلت منه جميع الكتب المؤلفة في القراءات، أو المؤلفة في هجاء المصاحف، حيث أفردت للمصاحف وهجائها، أو أفردت للقراءات ورواياتها.
والمؤلف- ﵀ جمع بين القراءة والمصاحف وقرن بينهما، فهذا الربط يدل دلالة قاطعة على أن قبول القراءة لا بد أن يكون موافقا لهجاء أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا. فهذه السمة البارزة انفرد بها في جميع الكتاب فكان يقول: «وكتبوا في مصاحف أهل المدينة والشام سارعوا (١)
стр. 314
بغير واو قبل السين وكذا قرأنا لهم، وفي سائر المصاحف: وسارعوا بواو قبل السين، وبذلك قرأنا لهم». فهذا الربط بين القراءة والمصاحف، يعد ركنا من أركان قبول القراءة، وهي «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصحّ سندها فهي القراءة الصحيحة ... » (١).
ولذا عدت القراءة التي خالفت خط المصاحف العثمانية شاذة، فهذا أبو جعفر الطبري يرد القراءة المخالفة لرسم المصحف فيقول: «ليس لأحد خلاف رسوم مصاحف المسلمين» (٢).
ومما يضفي أهمية على كتاب التنزيل أن مؤلفه أبا داود لم يقتصر في وصفه لهجاء المصاحف على قراءة معينة واحدة كما فعل الخراز في مورد الظمآن الذي اقتصر على رسم قراءة نافع، فاضطر ابن عاشر أن يكمل بقية هجاء المصاحف فنظم تكملة للمورد سماه الإعلان (٣).
وإن كتابه التنزيل ضمنه هجاء جميع مصاحف الأمصار، فشمل كتابه هجاء جميع القراءات، لنافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب وخلف. فعلى جميع الرسوم اشتمل، فبين فيه هجاء المصحف المدني والمكي والشامي والكوفي
стр. 315
والبصري، ولقد صرّح بذلك في مقدمته، فقال: «وعلى مصحف أهل المدينة يكون تعويلنا في الهجاء، وعدد الآي والخمس والعشر مع تنبيهنا على من خالفهم في الهجاء من سائر الأمصار» (١).
والأمثلة على هذا كثيرة منها: أنه استحب لمن كتب مصحفا للمكي أن يكتب الياء معقوصة في قوله تعالى: فاذكروني أذكركم (٢). وفي موضع آخر قال: «إن كان ضبط المصحف لابن كثير، فاستحب له كتب ذلك: استايس (٣) بألف لا غير موافقة للمرسوم في بعض المصاحف، ولقراءة البزي ذلك كذلك بألف من غير همز».
وقال عند قوله: وجعل (٤): «وأنا أستحب كتاب ذلك بغير ألف لجميع القراء موافقة لبعض المصاحف، ولقراءة الكوفيين، فمن ضبط لغيرهم جعل الألف بالحمراء».
وقال عند قوله: ماذا ترى (٥): «واختياري على قراءة حمزة والكسائي أن تكتب الياء مردودة إلى خلف لمن ضبط لهما، أو لأحدهما».
وقال عند قوله: إلّا قليل مّنهم (٦): «كتبوه في مصاحف الحجاز والعراق برفع اللام، وكتبوا في مصاحف أهل الشام: «إلا قليلا» بنصب اللام.
стр. 316
فهو كتاب كبير شامل، موسوعة علمية في موضوع هجاء المصاحف لا يستغني عنه طلاب العلم، لا سيما كتاب المصاحف منهم.
ثم إن المنهج الذي سار عليه أبو داود في كتابه التنزيل استغرق هجاء كل مصاحف الأمصار، ولا يكاد الذين ألفوا في علم هجاء المصاحف بعد أبي داود يخرجون عن هذا المنهج، بل قد يقصرون دونه في الاقتصار على حرف، كما صنع الخراز وغيره.
فكتاب: «التنزيل» من أقدم الكتب المؤلفة في علم هجاء المصاحف.
فالقرن الخامس هو الذي ظهرت فيه أشهر مؤلفات هجاء المصاحف، وإن كانت بدايته ترجع إلى ما قبل ذلك.
فيعد كتاب مختصر التبيين لهجاء التنزيل من الكتب المتقدمة، ولم يؤلّف قبله إلا رجال معدودون، وتعد كتبهم مفقودة لم تصل إلينا، وإن ظهرت يوما ما فهي دونه، وهذا واضح من النقول عنها، والاقتباس منها؛ ككتاب حكم وكتاب عطاء وكتاب هجاء السنة للغازي بن قيس وكتاب نصير بن يوسف النحوي وكتاب أبي عمر الطلمنكي وابن الأنباري وابن أشتة وأبي عمرو الداني، كما هو واضح في كتابه المقنع وكتاب النقط.
ومما يدل على أهميته وقيمته العلمية قراءته على مؤلفه وروايته. ولقد استفاد منه العلماء، ورجعوا إليه عند الاختلاف، فهو الحجة في هذا الباب. ولما كان كذلك فقد اشتهر كتابه، وشاع ذكره، وعظم النفع به في سائر الأقطار، فاقتبسوا من نصوصه، واستشهدوا به، ونقلوا منه.
стр. 317
وقد نظمه غير واحد من علماء الرسم، كأبي الحسن البلنسي في كتابه المنصف، وأبو إسحاق التجيبي في هجاء المصاحف، والخراز في نظمه مورد الظمآن (١). وكذا نظمه الشيخ المحقق أبو عبد الله محمد بن سليمان موسى القيسي في نظمه المسمى: «الميمونة الفريدة (٢)»، ونظمه ميمون الفخار في نظمه المسمى: «الدرة الجلية (٣)»، وكذا نظمه الأستاذ المحقق محمد بن سعيد بن عمارة البينوني (٤)، وغيرهم.
فضلا عن النقول الواسعة، والاقتباسات الكثيرة في شروح مورد الظمآن لا يخلو كتاب من كتب الرسم التي ألفت بعده من النقل عنه، والاقتباس منه، والاستشهاد به. بل عده بعضهم حجة، ثم إن مؤلفه أبا داود سلك فيه طريقة المفسرين، فاستوعب مسائل الرسم وحروفه استيعابا لا نظير له عند غيره، ولم يكتف بجمع النظير إلى نظيره، بل أعاد ذكره في موضعه مما يسهل الأخذ منه، والنظر في موضع الحرف من السورة، دون الرجوع إلى ما تقدم.
فكان محل اهتمام العلماء وتقديرهم، فنص نساخ المصاحف في آخر كل مصحف على اعتماده، وتقديمه على غيره، وترجيح مذهبه على مذهب أبي عمرو الداني عند الاختلاف.
ثم إن مؤلف هذا الكتاب إمام عظيم مشهور بين العلماء، مشهود له
стр. 318
بالفضل والعلم والدين، وكتابه إمام كتب هجاء المصاحف وإعرابها بالنقط، فكلاهما وصف بالإمام.
ومن أهميته أيضا أن بعض اللغويين والنحويين- فضلا عن القراء- يتخذون رسم المصحف من وسائل الترجيح، والاحتجاج به في اللغة والإعراب والصرف. ويظهر ذلك جليا عند سيبويه وأبي إسحاق الزجاج وابن خالويه وابن جني وأبي جعفر الطبري ومكي وأبي عمرو الداني والمؤلف أبي داود وجمهور كثير من المفسرين (١) فتجاوزت أهمية الرسم المصاحف إلى اللغة العربية إعرابا، وصرفا، واشتقاقا.
لذلك يذكر أن أكثر الصحابة ومن وافقهم من التابعين وأتباعهم يوافقون رسم المصحف في كل ما كتبوه، ولو لم يكن قرآنا، ولا حديثا، ويكرهون خلافه (٢).
فجاء وصف هجاء رسم المصاحف في مختصر التبيين وصفا دقيقا جليا.
ذكر النحويون علم الخط في كتب النحو لضرورة ما يحتاج إليه، ولأن كثيرا من الكتابة مبني على أصول نحوية، ففي بيانها بيان لتلك الأصول ككتابة الهمزة على نحو ما يسهل به، وهو باب من النحو كبير (٣). بل إن كثيرا من مسائل النحو تستفاد من الخط، ويتجلى ذلك في نحو قوله تعالى: أبناءنا فعدم تصوير صورة للهمزة دليل على أنها منصوبة، وقوله تعالى: أبناؤكم فتصوير الهمزة على الواو دليل على أنها مضمومة، وقوله تعالى: أبنائكم فتصوير الهمزة ياء دليل على أنها مكسورة. فالرسم هنا استغني به عن النحو والشكل.
стр. 319
ب: أثر «مختصر التبيين» في غيره:
وممن بدا أثر «التنزيل» فيه واضحا جليا مورد الظمآن للخراز، حيث اعتمده ونظمه في مورده كما صرّح بذلك في مقدمته، فقال:
وذكر الشيخ أبو داودا* رسما بتنزيل له مزيدا قال الشيخ الرجراجي:
«وأكثر نقله إنما هو من: «التنزيل» ثم يليه المقنع، ثم يليه المنصف؛ لأنه ذكر منه اثني عشر موضعا، ثم يليه العقيلة؛ لأنه لم يذكر منها إلا ما زاد على المقنع، وهي ستة مواضع» (١).
وقال في موضع آخر:
«المعتمد عليه عند الناظم المقنع والتنزيل، إذ هما أصول وغيرهما فروع، لأن العقيلة تابع للمقنع، وكتاب المصنف تابع للتنزيل» (٢).
وقال: «لأن كل ما في المنصف هو في التنزيل، إلا تلك الزيادات المشار إليها».
وقال أيضا: «اعتمد الناظم كثيرا على التنزيل، ويستغني به عن المنصف» (٣).
وبين المحقق ابن عاشر سبب عدم اعتماد الخراز على نظم البلنسي في المنصف إلا في أحرف قليلة، لأن كتاب المنصف تضمن أكثر المسائل التي
стр. 320
وردت في التنزيل، فقال: «سأل منه طلبته تأليفا في الرسم فنظمه في أيام قليلة، ولم يهذبه، على أن أكثر مسائله مطابقة للتنزيل» (١).
ولقد بدا أثر: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» واضحا جليا عند علماء الرسم. قال المقرئ الحسن بن علي المنبهي الشهير بالشباني، وهو يتحدث عن مصادره في شرح الضبط المسمى «كشف الغمام»: «وربما استغنيت عن كلام أبي إسحاق التجيبي بنقل كلام أبي داود، إذ لم تكن فيه زيادة معنى، لأن أبا إسحاق في غالب أمره ناقل لكلام أبي داود» (٢).
وقال في موضع آخر: «ونص التجيبي في ذلك كنص أبي داود نفسه، فلا زيادة فيه، لأنه في أكثر أحواله ناقل لكلام أبي داود، فلا فائدة في نقل كلامه، إذ لا زيادة فيه» (٣).
فأنت ترى كيف أن الشيخ الحسن الشباني استبعد كلام التجيبي واستغنى عنه بكلام أبي داود.
وكذا ظهر أثر «مختصر التبيين» واضحا في كلام المقرئ سيدي محمد ابن أبي سعيد بن عمارة البينوني، فقلده في المنهج والطريقة. فقال:
طريقة التنزيل قد سلكت* على العقيلة على ما قلت (٤) ولقد بدا أثر «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» في الكتب اللاحقة له بينا واضحا، حيث إن الشيخ أبا عبد الله محمد بن أحمد بن حامد الجريني