← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 29988

مختصر التبيين لهجاء التنزيل

سليمان بن نجاح

Полный текст (1 911 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فهو كتاب كبير شامل، موسوعة علمية في موضوع هجاء المصاحف لا يستغني عنه طلاب العلم، لا سيما كتاب المصاحف منهم. ثم إن المنهج الذي سار عليه أبو داود في كتابه التنزيل استغرق هجاء كل مصاحف الأمصار، ولا يكاد الذين ألفوا في علم هجاء المصاحف بعد أبي داود يخرجون عن هذا المنهج، بل قد يقصرون دونه في الاقتصار على حرف، كما صنع الخراز وغيره. فكتاب: «التنزيل» من أقدم الكتب المؤلفة في علم هجاء المصاحف. فالقرن الخامس هو الذي ظهرت فيه أشهر مؤلفات هجاء المصاحف، وإن كانت بدايته ترجع إلى ما قبل ذلك. فيعد كتاب مختصر التبيين لهجاء التنزيل من الكتب المتقدمة، ولم يؤلّف قبله إلا رجال معدودون، وتعد كتبهم مفقودة لم تصل إلينا، وإن ظهرت يوما ما فهي دونه، وهذا واضح من النقول عنها، والاقتباس منها؛ ككتاب حكم وكتاب عطاء وكتاب هجاء السنة للغازي بن قيس وكتاب نصير بن يوسف النحوي وكتاب أبي عمر الطلمنكي وابن الأنباري وابن أشتة وأبي عمرو الداني، كما هو واضح في كتابه المقنع وكتاب النقط. ومما يدل على أهميته وقيمته العلمية قراءته على مؤلفه وروايته. ولقد استفاد منه العلماء، ورجعوا إليه عند الاختلاف، فهو الحجة في هذا الباب. ولما كان كذلك فقد اشتهر كتابه، وشاع ذكره، وعظم النفع به في سائر الأقطار، فاقتبسوا من نصوصه، واستشهدوا به، ونقلوا منه.

стр. 317

وقد نظمه غير واحد من علماء الرسم، كأبي الحسن البلنسي في كتابه المنصف، وأبو إسحاق التجيبي في هجاء المصاحف، والخراز في نظمه مورد الظمآن (١). وكذا نظمه الشيخ المحقق أبو عبد الله محمد بن سليمان موسى القيسي في نظمه المسمى: «الميمونة الفريدة (٢)»، ونظمه ميمون الفخار في نظمه المسمى: «الدرة الجلية (٣)»، وكذا نظمه الأستاذ المحقق محمد بن سعيد بن عمارة البينوني (٤)، وغيرهم. فضلا عن النقول الواسعة، والاقتباسات الكثيرة في شروح مورد الظمآن لا يخلو كتاب من كتب الرسم التي ألفت بعده من النقل عنه، والاقتباس منه، والاستشهاد به. بل عده بعضهم حجة، ثم إن مؤلفه أبا داود سلك فيه طريقة المفسرين، فاستوعب مسائل الرسم وحروفه استيعابا لا نظير له عند غيره، ولم يكتف بجمع النظير إلى نظيره، بل أعاد ذكره في موضعه مما يسهل الأخذ منه، والنظر في موضع الحرف من السورة، دون الرجوع إلى ما تقدم. فكان محل اهتمام العلماء وتقديرهم، فنص نساخ المصاحف في آخر كل مصحف على اعتماده، وتقديمه على غيره، وترجيح مذهبه على مذهب أبي عمرو الداني عند الاختلاف. ثم إن مؤلف هذا الكتاب إمام عظيم مشهور بين العلماء، مشهود له

стр. 318

بالفضل والعلم والدين، وكتابه إمام كتب هجاء المصاحف وإعرابها بالنقط، فكلاهما وصف بالإمام. ومن أهميته أيضا أن بعض اللغويين والنحويين- فضلا عن القراء- يتخذون رسم المصحف من وسائل الترجيح، والاحتجاج به في اللغة والإعراب والصرف. ويظهر ذلك جليا عند سيبويه وأبي إسحاق الزجاج وابن خالويه وابن جني وأبي جعفر الطبري ومكي وأبي عمرو الداني والمؤلف أبي داود وجمهور كثير من المفسرين (١) فتجاوزت أهمية الرسم المصاحف إلى اللغة العربية إعرابا، وصرفا، واشتقاقا. لذلك يذكر أن أكثر الصحابة ومن وافقهم من التابعين وأتباعهم يوافقون رسم المصحف في كل ما كتبوه، ولو لم يكن قرآنا، ولا حديثا، ويكرهون خلافه (٢). فجاء وصف هجاء رسم المصاحف في مختصر التبيين وصفا دقيقا جليا. ذكر النحويون علم الخط في كتب النحو لضرورة ما يحتاج إليه، ولأن كثيرا من الكتابة مبني على أصول نحوية، ففي بيانها بيان لتلك الأصول ككتابة الهمزة على نحو ما يسهل به، وهو باب من النحو كبير (٣). بل إن كثيرا من مسائل النحو تستفاد من الخط، ويتجلى ذلك في نحو قوله تعالى: أبناءنا فعدم تصوير صورة للهمزة دليل على أنها منصوبة، وقوله تعالى: أبناؤكم فتصوير الهمزة على الواو دليل على أنها مضمومة، وقوله تعالى: أبنائكم فتصوير الهمزة ياء دليل على أنها مكسورة. فالرسم هنا استغني به عن النحو والشكل.

стр. 319

ب: أثر «مختصر التبيين» في غيره: وممن بدا أثر «التنزيل» فيه واضحا جليا مورد الظمآن للخراز، حيث اعتمده ونظمه في مورده كما صرّح بذلك في مقدمته، فقال: وذكر الشيخ أبو داودا* رسما بتنزيل له مزيدا قال الشيخ الرجراجي: «وأكثر نقله إنما هو من: «التنزيل» ثم يليه المقنع، ثم يليه المنصف؛ لأنه ذكر منه اثني عشر موضعا، ثم يليه العقيلة؛ لأنه لم يذكر منها إلا ما زاد على المقنع، وهي ستة مواضع» (١). وقال في موضع آخر: «المعتمد عليه عند الناظم المقنع والتنزيل، إذ هما أصول وغيرهما فروع، لأن العقيلة تابع للمقنع، وكتاب المصنف تابع للتنزيل» (٢). وقال: «لأن كل ما في المنصف هو في التنزيل، إلا تلك الزيادات المشار إليها». وقال أيضا: «اعتمد الناظم كثيرا على التنزيل، ويستغني به عن المنصف» (٣). وبين المحقق ابن عاشر سبب عدم اعتماد الخراز على نظم البلنسي في المنصف إلا في أحرف قليلة، لأن كتاب المنصف تضمن أكثر المسائل التي

стр. 320

وردت في التنزيل، فقال: «سأل منه طلبته تأليفا في الرسم فنظمه في أيام قليلة، ولم يهذبه، على أن أكثر مسائله مطابقة للتنزيل» (١). ولقد بدا أثر: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» واضحا جليا عند علماء الرسم. قال المقرئ الحسن بن علي المنبهي الشهير بالشباني، وهو يتحدث عن مصادره في شرح الضبط المسمى «كشف الغمام»: «وربما استغنيت عن كلام أبي إسحاق التجيبي بنقل كلام أبي داود، إذ لم تكن فيه زيادة معنى، لأن أبا إسحاق في غالب أمره ناقل لكلام أبي داود» (٢). وقال في موضع آخر: «ونص التجيبي في ذلك كنص أبي داود نفسه، فلا زيادة فيه، لأنه في أكثر أحواله ناقل لكلام أبي داود، فلا فائدة في نقل كلامه، إذ لا زيادة فيه» (٣). فأنت ترى كيف أن الشيخ الحسن الشباني استبعد كلام التجيبي واستغنى عنه بكلام أبي داود. وكذا ظهر أثر «مختصر التبيين» واضحا في كلام المقرئ سيدي محمد ابن أبي سعيد بن عمارة البينوني، فقلده في المنهج والطريقة. فقال: طريقة التنزيل قد سلكت* على العقيلة على ما قلت (٤) ولقد بدا أثر «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» في الكتب اللاحقة له بينا واضحا، حيث إن الشيخ أبا عبد الله محمد بن أحمد بن حامد الجريني

стр. 321

(ت ٧٨٣ هـ) صنف كتابا في هجاء المصاحف أسماه: «جامع الكلام في رسم مصحف الإمام» اقتفى فيه أثر أبي داود سليمان بن نجاح في المنهج والعرض والأسلوب، بل وستلمس نقلا واقتباسا واضحين (١). وهكذا تلمس النقل والاقتباس في كل الكتب المصنفة بعده، ولم يستغن عنه أحد من مصنفي هجاء المصاحف. ثم إن الشيخ محمد غوث الأركاني (ت ١٢٣٨ هـ) حذا حذو أبي داود في تصنيف كتابه: «نثر المرجان في رسم نظم القرآن». فتتبع ظواهر رسم حروف القرآن على ترتيب المصحف، فبدأه بسورة الفاتحة، وانتهى بسورة الناس (٢). فأثر التنزيل فيه ظهر واضحا جليا في المنهج وفي الترتيب وفي النقل، ولا يحتاج الأمر إلى أمثلة، بل يكاد يكون نسخة من التنزيل، لولا أن صاحبه ذكر بعض الوجوه الغريبة في الحذف والإثبات، لم يقل بها أحد من علماء الرسم، بل نسب بعض هذه الوجوه إلى أبي داود، ولم ترد في التنزيل ولا في غيره.

стр. 322

ج: مقارنة «مختصر التبيين» بغيره: وإذا عقدنا موازنة بين كتاب: «المقنع» لأبي عمرو الداني وكتاب: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» لا نجد «المقنع» يبلغ مبلغ «مختصر التبيين» في منهجه وشموله وطريقته وتحقيقاته في علم هجاء المصاحف. ومن الملاحظ أن الداني وأبا داود قد عاشا في عصر واحد، وهو القرن الخامس الهجري، بل إن أبا داود من أجلّ أصحاب أبي عمرو الداني وأكثرهم له ملازمة، وكلاهما عاشا في بيئة واحدة وبلد واحد وهو الأندلس في دانية وبلنسية، وكلاهما ممن له عناية بالغة في علم هجاء المصاحف، ومن المصنفين، بل لكل منهما فيه مصنفات. وكلا الكتابين وضع له مؤلفه ذيلا في علم الضبط، فأبو عمرو الداني وضع ذيلا لكتاب «المقنع» سماه: «كتاب النقط». وأبو داود وضع ذيلا لكتابه: «التنزيل» سماه: «كتاب أصول الضبط»، لكن كتاب أصول الضبط لأبي داود أوسع وأشمل وأكبر حجما من «كتاب النقط» للداني (١). وبحكم تقدم الداني على أبي داود، وملازمته له، وأخذه عنه، يتطرق إلى الأذهان أن أبا داود لا بدّ أن يكون قد اعتمد على الداني اعتمادا كلّيا أو أن يكون نسخة من شيخه أبي عمرو، ولكن عند المقارنة والموازنة تبين

стр. 323

لي بجلاء استقلال شخصية أبي داود عن الداني وعن كتابه: «المقنع»، بل ثبت لي تفوق أبي داود على شيخه الداني في علم هجاء المصاحف، وإن كان استفاد منه. ولم أجد بينهما تشابها لا في المنهج، ولا في العرض، ولا في الاختيار والترجيح، فشتان ما بين «التنزيل» و «المقنع»، إذ هناك أمور كثيرة يوجد فيها اختلاف واضح، وتباين كبير بين الكتابين. فتباينا في المنهج، وتباينا في التعليل، وتباينا في الطريقة في وصف هجاء الكلمات، وتباينا في غزارة المادة العلمية، وتباينا من حيث الشمول والاستقصاء. فالداني اعتمد على ما رواه عن شيوخه، واقتصر عليه، ولم يزد على ذلك. وأبو داود أكثر من تتبع ظواهر هجاء جميع مصاحف الأمصار بالوصف والعد والتقطيع والوزن، فكان وصفه دقيقا لم يرق إليه وصف آخر، الأمر الذي خلا منه كتاب المقنع. ولقد برزت شخصية المؤلف أبي داود في اختياراته وترجيحاته، بل خالف شيخه أبا عمرو الداني في كثير من المواضع. وإذا كان الخرّاز وصف في نظمه «مورد الظمآن» كتاب «المقنع» لأبي عمرو الداني بالأجلّ، فإن كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» أجل من الأجل. وهذا يؤخذ من صريح قوله: وذكر الشيخ أبو داودا* رسما بتنزيل له مزيدا (١)

стр. 324

لأن الشيخ أبا داود ذكر في كتابه: «التنزيل» كل ما في كتاب «المقنع» وزاد عليه حروفا كثيرة. قال الشيخ ابن عاشر: «إن جملة المرسوم التي اشتمل عليها التنزيل أكثر من جملة المرسوم التي اشتمل عليها المقنع والعقيلة» (١). ثم إن كتاب «التنزيل» وذيله يتسم بالشمول والتوسع وإضافة بعض المباحث المتعلقة بعلوم القرآن، وكل ما يحتاجه نساخ المصاحف كالقراءات وعد الآي والأجزاء والأحزاب والخمس والعشر والمكي والمدني. الأمر الذي خلا منه كتاب «المقنع» للداني. ويتسم التنزيل بمنهجه الفريد الذي رتبه على ترتيب المصحف الشريف واستقصى فيه كل حروف القرآن فضلا عن بعض التوجيهات والتعليلات. فاستوعب الرسم استيعابا لا مثيل له عند غيره، فتلقاه الناس بالرضا والقبول، ونال إعجاب كتّاب المصاحف، فجرى العمل في رسم المصاحف بما قرره واختاره في كتابه. ثم إن لأبي داود مذهبا في الرسم دافع عنه وانتصر له، وخالف فيه غيره، فهو بحق لا يدانيه أي كتاب آخر، ولا تصح مقارنته. قال الشيخ الإمام المقرئ سيدي محمد بن صالح بن ملوكة التونسي، بعد أن تعرض للمقارنة بين كتاب المقنع والعقيلة والتنزيل، قال: «وإن تنزيل أبي داود قد زاد على الجميع، فهو خلاصة الخلاصة لما اشتمل عليه من زيادة المسائل، وكمال التحرير، فكلامه [الخراز] صريح في أن كتاب

стр. 325

أبي داود، أجل من الأجل» ثم قال: «ومذهب أبي داود أرجح من مذهب أبي عمرو الداني، والخراز ما نوّه بالتعيين بلفظ الشيخ إلا في جانب أبي داود»، ثم قال: «إذ لا يلزم من كون الداني أعلم من أبي داود بالتجويد أن يكون أعلم منه بعلم الرسم، كيف وقد تبين لك أن أبا داود- ﵀ أبرع في علم الرسم من أبي عمرو الداني بشهادة الخراز- ﵀ وبما ثبت له في مسألتنا على أبي عمرو الداني» (١) ثم ذكر حججا قاطعة على براعة أبي داود في علم رسم المصاحف، وقال: «فقد ثبت أن رأي أبي داود في مسألتنا أصوب بلا شك ولا ريب» (٢). ويقول الشيخ عبد الهادي حميتو: «واعتبر ابن نجاح عميدا لمدرسته- أي الداني-، ومفرعا لمسائله، ومبينا لمقاصده، وإن كان قد تجاوزه في كثير من الاختيارات والترجيحات بحيث يكاد يشكل مدرسة ثانية إن لم يكن كذلك فعلا» (٣). أقول: لا يظهر أمام «التنزيل» أي كتاب آخر في فن الرسم بما فيه «المقنع» للداني، فالتنزيل إمام كتب هجاء المصاحف. والنتيجة، أن ليس بينهما أدنى تقارب لا في المنهج ولا في الأسلوب، ولا في الطريقة، وإن كان أبو داود استفاد من شيخه أبي عمرو الداني. فكتاب «التنزيل» يمتاز بالشمول والاستيعاب واستقصاء ظواهر الرسم كما يمتاز بالسهولة والترتيب مما يسهل الاستفادة منه، والله أعلم.

стр. 326

وقد ألف في موضوع هجاء المصاحف من المعاصرين للمؤلف أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي (٤٣٠ هـ)، ومحمد بن يوسف بن أحمد بن معاذ الجهني (٤٤٢ هـ). فالمهدوي صنف رسالة في موضوع هجاء المصاحف تقع في نحو ١٨ ورقة إلى ٢٦ ورقة. وقد جاء في أولها: «جزء فيه هجاء مصاحف الأمصار على غاية التقريب والاختصار» مما عني بتأليفه أبو العباس المهدوي (١). وابن معاذ الجهني صنف رسالة في الموضوع نفسه تقع في نحو ٢٨ ورقة بعنوان: «كتاب البديع في معرفة ما رسم في مصحف عثمان بن عفان» (٢). وعند ما تأملت الكتابين المذكورين، وجدت أنهما بلغا في الإيجاز والاختصار الشديد منتهاه، ولم يدنوا من «التنزيل»، ولا تصح مقارنتهما به بحال من الأحوال. وإذا انتقلنا إلى ما بعد عصر أبي داود نجد أبا إسحاق إبراهيم بن وثيق الأندلسي المتوفى ٦٥٤ هـ يؤلف رسالة في هجاء المصاحف، تقع في نحو ٣٧ ورقة إلى ٥٠ ورقة، اسمها: «الجامع لما يحتاج إليه من رسم المصاحف» (٣)، والمتأمل فيها يجد أن مؤلفها حذا فيها حذو أبي داود في «التنزيل»، وأثر «التنزيل» فيها والاستفادة منه واضحان جدا، إلا أنها تمتاز بالإيجاز والاختصار. وحينئذ سيبقى كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» متميزا على غيره في طريقته، وفي شموله وفي منهجه وفي قيمته العلمية، والله أعلم.

стр. 327

د: الدراسة النقدية لكتاب «مختصر التبيين» إن الدراسة النقدية للكتاب، وإبراز ما فيه من جوانب مهمة، وأخرى سلبية، أو مآخذ على المؤلف هو من صنيع العلماء النقاد الذين جمعوا بين العلم والعمل الصالح، والذين هم في مستوى المؤلف أو فوقه، والذين لهم النظر البعيد في موضوع الكتاب، وليس من شأني. إلا أن الذي جعلني أبدي بعض الملاحظات أن الإنسان مهما أحرز من تقدم في ميادين العلم والمعرفة، فلن يبلغ درجة الكمال الذي هو لله وحده، ويسعفني في هذا الأمر الرجوع إلى كلام العلماء في مثل هذه الملاحظات على بعض ما فرط من المؤلف في كتابه، وأبني على كلامهم. فأقول- والله المستعان-: من خلال دراستي للكتاب ومعايشتي له حينا من الدهر تبينت لي بعض الملاحظات على المؤلف ويمكن إرجاع هذه المآخذ إلى قسمين: قسم يتعلق بالناحية المنهجية. وقسم يتعلق بالناحية العلمية. أما فيما يتعلق بالقسم الأول، وهو المنهج الذي سار عليه في كتابه، وهو تتبع وصف هجاء المصاحف من أول القرآن إلى آخره، فاضطره ذلك إلى التكرار وحشد الأمثلة، وإعادتها دون الاكتفاء بالموضع الأول منها، والاستغناء بالمتقدم عن المتأخر وإحالته على المتقدم. بل جاء التكرار ظاهرة لافتة للانتباه، وهذه الملاحظة تعزى للمنهج، لا للمؤلف، لكن المؤلف أفرط فيها. وقد لاحظ المؤلف نفسه ظاهرة التكرار، فبين وجه الحاجة إليه، فقال

стр. 328

عند قوله: والله ذو فضل (١): «وقد ذكرت ذلك كله وإنما تكرر للبيان، وخوف النسيان على ناسخ المصحف، فيكون تذكرة للحافظ الفاهم غير ضار له، وتنبيها وتعليما لغيره». إلا أنه أكثر من التكرار؛ مثل ما ذكره في إسقاط الياء من الفعل المضارع لدخول الجازم عليه، فكررها ثلاث مرات ضمن مجموعة، ثم أعاد ذكر كل حرف في موضعه من السورة وقد وجدت في هذا التكرار صعوبة ومشقة في العزو والربط والإحالة. إن المؤلف يذكر بعض الكلمات في أول مواضعها بحكم ما، ويحيل ما تأخر منها على ما تقدم أو يعيد ذكرها، وهذا هو المنهج الذي اتبعه، لكنني لاحظت بعض ما يخالف هذا فيذكر بعض الحروف في أول مواضعها، ويسكت عن البعض الآخر، ثم ينص على صيغة التعميم بعد أن يمر على مواضع ذكرها أو لم يذكرها، فلذلك يجب التنبه إلى مثل هذا المنهج ليكون النقل والاقتباس صحيحا، وحتى لا يحصل خلاف في كلمات متناظرة، والأمثلة على هذا كثيرة: منها: نص المؤلف على حذف الألف في قوله تعالى: والأنعم (٢)، ولم يصرح بصيغة التعميم، وذكر الموضع الثاني في قوله تعالى: فليبتّكنّ ءاذان الانعم (٣)، وسكت عن قوله تعالى: أحلّت لكم بهيمة الانعم (٤)، ولم يصرح بصيغة التعميم إلا في موضعه الرابع عند قوله: والانعم نصيبا (٥) فقال: «بحذف الألف بين العين والميم

стр. 329

حيثما أتى»، فالذي لم يلاحظ هذا الموضع يأخذ بعض الحروف بالحذف، وبعضها بالإثبات. ومنها قوله تعالى: عقبة لم يصرح بصيغة التعميم إلا في موضعه الثالث عند قوله: عقبة الدّار (١)، فقال: «بحذف الألف بين العين والقاف حيثما وقع»، ولقد مر على كلمة السّلطن في مواضع كثيرة، ولم ينص إلا على الحرف الأول بدون تعميم وسكت عن جميع مواضعه إلا عند قوله: مّا أنزل الله بها من سلطن (٢) فصرّح بحذف الألف في جميع مواضعه. وكذلك فعل في قوله تعالى: شهدة (٣) فلم يصرّح بحذف الألف بصيغة التعميم إلا في الموضع الثاني (٤)، ولم يذكر ذلك في الموضع الأول. بل إنه في بعض الأحيان يسكت عن الموضع الأول ويصرّح بالحذف بصيغة التعميم في الموضع الذي يليه، ويتضح ذلك في قوله تعالى: فصيام ثلثة أيّام (٥) صرّح بالحذف بصيغة التعميم في موضعه الثاني عند قوله تعالى: ثلثة قروء (٦)، فقال: «حيث وقع».

стр. 330

فبمثل هذا المنهج يجعل الناظر في موضع واحد- غير عارف بمنهج المؤلف- يقع في الخطأ، ربما يأخذ بعض الحروف بالحذف وبعضها بالإثبات، وهناك من الحروف المتقدمة التي سكت عنها ولم يذكر صيغة التعميم إلا في موضعها الثاني، فإن المؤلف سكت عن قوله تعالى: وأسرّوه بضعة (١) فحمل سكوت المؤلف عنها بعض الناس على إثبات الألف فيها ممن لم يطلع على الموضع الثاني عند قوله: اجعلوا بضعتهم (٢) لأنه صرّح هنا بصيغة التعميم، فقال: «وبضعتهم» بغير ألف حيث ما أتى». فبمثل هذا المنهج أوقع كثيرا من نساخ المصاحف في اللبس والاضطراب ممن لم يطلع على جميع مواضعه. قال ابن القاضي: بضاعة بالحذف في التنزيل* من غير تقييد فخذ تفصيلي وقول من يخص بالإضافة* فردّ قوله وخذ خلافه (٣) ومثلها قوله تعالى: على ءاثرهم (٤) لم يصرح بصيغة التعميم إلا عند قوله: على ءاثرهم (٥) في موضعه الثاني، فقال: حيثما وقع بغير ألف». ومثلها: خزائن (٦) سكت عن الموضع الأول وصرّح في موضع

стр. 331

سبحان (١) بإثبات ألفه في سائر القرآن، وقال «كما قدمناه» ولم يتقدم له ذكر. بعض الحروف لم يتضح فيها مذهب المؤلف، مثل قوله: صلاتي وحياتي المضافة إلى الضمير ذكر الخلاف في صدر البقرة دون ترجيح عند قوله: ويقيمون الصّلوة (٢) فقال: إذا أضيفت إلى الضمير، اختلفت المصاحف في إثبات ألف مكان الواو وفي حذفها، ولم يذكر ترجيحا. وكذلك حين ذكر تلك الكلمات في مواضعها من السور، واقتصر في بعضها كقوله تعالى: في حياتكم الدّنيا (٣)، وقوله: قدّمت لحياتي (٤)، وقوله: عن صلاتهم (٥) على الحذف فتارة يطلق فيها الخلاف بدون ترجيح، وتارة يقتصر على الحذف، ولعل اقتصاره عليه يعد ترجيحا منه، إلا أن المؤلف لم يصرح بمذهبه فيها. وكذا لم يظهر مذهب المؤلف في قوله: بئايتنا فقال: «كتب في بعض المصاحف بياءين على الأصل قبل الاعتلال من غير ألف، وفي بعضها بياء واحدة» وكذا حين ذكرها في مواضعها من السور، واقتصر في بعضها كقوله تعالى: بئايت في الأنفال (٦) على الياءين ولم يتضح فيها مذهبه.

стр. 332

وأما ما يتعلق بالقسم الثاني، أي الناحية العلمية، ويتمثل ذلك في أن المؤلف- ﵀ فاته عدد كثير من الحروف والكلمات، أغفل ذكرها في مواضعها الأولى، وذكرها في المواضع التي تليها، أو في مواضعها المتأخرة بعد أن يمر على حروف منها. ولم يصرح لا في المتقدم ولا في المتأخر بصيغ تشعر بالتعميم، فأدى ذلك إلى اضطراب وخلط عند نساخ المصاحف والناقلين عنه، فأخذ له بعضهم بالإثبات فيها، لسكوته عنها، وقالوا: إن الأصل الإثبات، وهي من ذوات النظير. وبناء على ذلك وضع المتأخرون ونساخ المصاحف تقسيما جرى عليه العمل في مصاحف أهل المشرق، وآخر جرى عليه العمل في مصاحف أهل المغرب. وقد وضع ذلك في مذكرة بعض مشايخ هذا العلم بين فيها ما اختلف فيه بين مصاحف المشارقة والمغاربة رسما باعتبار عمل اليوم. وركّز على ما جرى به العمل في مصاحف أهل المشرق، وفي مصاحف أهل المغرب. أقول: هذا التقسيم في رسم المصاحف لا يستند على أساس وليس له سند، فقالوا: جرى عمل المشارقة على كذا، وجرى عمل المغاربة على كذا. هذا التقسيم يجب أن يمحى، ويزال العمل به، إنه حادث لم يكن في القرون التي خلت، فالعمل به مخالف للنص، ويوسع من هوة الخلاف بين المسلمين في مصاحفهم. ويكون عمل المشارقة أو المغاربة مقبولا إلى حد ما إذا وجد أصل الخلاف، ولم يظهر وجه الترجيح، كأن تختلف المصاحف الأمهات

стр. 333

العتيقة المظنون بها الصحة في حرف ما، فيرسم في بعضها بالحذف، ويرسم في بعضها الآخر بالإثبات، وجاءت الرواية مبهمة من غير تسمية مصر بعينه، فبهذه الصفة وبهذه الكيفية، قد يسوغ للمشارقة أو المغاربة أن يختاروا أحد الوجهين. أما أن يختار المشارقة أو المغاربة الإثبات في بعض الحروف التي سكت عنها أبو داود بحجة أن الأصل الإثبات، فهذه حجة واهية، لأن غيره نص على حذفها، وكذا الحروف التي سكت عنها الداني. وقد يكون الحرف المسكوت عنه من الحروف التي اتفقت عليها المصاحف بالحذف، فسكوت أحد الشيخين عنها لا يلزم منه الإثبات. من ذلك مثلا قوله تعالى: من تفوت (١) جاءت ثابتة في المصحف برسم الداني في الوقت الذي نقل فيه أبو داود حذف الألف في جميع المصاحف، ويؤيد الحذف قراءة الأخوين بحذف الألف وتشديد الواو. والأمثلة على هذا النمط كثيرة، بل هناك كلمات متناظرة حذفت في موضع وأثبتت في موضع آخر، وهذا اضطراب وفساد يجب الرجوع عنه، فتبين لي من خلال استقراء منهج المؤلف وكلام العلماء فيها أن الحذف فيها أرجح، حملا على نظائرها، ولنص غيره عليها ويكون سكوته عليها من قبيل السهو والنسيان، فجل من لا يسهو، والله أعلم.

стр. 334

ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: عليكم الغمم الموضع الأول (١)، وقوله تعالى: ظلل مّن الغمم الموضع الثاني (٢)، ولم يأت في «التنزيل» في الألفاظ التي بعدهما بما يشعر بتعميم الحذف، واقتصر أهل المشرق عليهما بالإثبات. وعمّم الحذف البلنسي صاحب المنصف في جميع ألفاظه، وتابعه المغاربة في رسم مصاحفهم. ومن الكلمات التي سكت عنها قوله تعالى: وبالولدين إحسنا (٣) الألف التي بين السين والنون، ونص على الألفاظ التي تليها بالحذف، ولم يرد فيها ما يشعر بتعميم الحذف. فرسمها أهل المشرق بإثبات الألف وحذفوها في بقية المواضع وذهب أهل المغرب إلى الحذف في جميع مواضعه وعليه مصاحفهم موافقة لنظيره ولنص صاحب «المنصف» على الحذف في الجميع. ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: من شعيئر الله (٤) وذكر الموضع الثاني وما يليه ولم يرد فيه ما يشعر بتعميم الحذف في جميع مواضعه. ونظرا لسكوت أبي داود عليه أثبته أهل المشرق في

стр. 335

مصاحفهم وحذفوا بقية مواضعه. ونص على الحذف في الجميع صاحب المنصف، وجرى عليه العمل في مصاحف أهل المغرب. بل إن هناك كلمات لم يذكرها البتة في جميع مواضعها وفي جميع النسخ المخطوطة الست التي طالعتها، فذكر له الخرّاز حذف ألف قوله تعالى: الاسبب ما عدا موضع البقرة (١) فإنه ثابت لأبي داود، فقال: «وابن نجاح ما سوى البكر نقل» وتبعه على ذلك شراح مورده، ولقد راجعت جميع نسخه المخطوطة وفي جميع مواضعه، ولم أجد أبا داود تعرض له لا بحذف ولا بإثبات. ونص على حذفه صاحب المنصف. وقالوا: وجرى العمل بإثبات ألف: الاسبب في موضعه الأول في مصاحف المشرق، وبحذف الألف في الجميع في مصاحف أهل المغرب. وهذا من الغرائب لأن أبا داود لم يذكرها البتة، وإنما ذكرها بالحذف صاحب المنصف البلنسي. إن المنهج الذي استقرأته من تأملاتي لكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل»، لاحظت فيه أن المؤلف إذا لم تبلغه رواية في حرف ما يصرح بذلك، ويقول: «ليس لي في هذا الحرف رواية» ويطلق للناسخ أن يختار ما يشاء، إذا لم يكن هناك ما يقتضي الترجيح كالقراءة.

стр. 336

ولو أراد إثبات الألف في بعض الحروف ذوات النظائر لصرّح بذلك كما فعل عند قوله تعالى: عظامه (١) قال: بألف ثابتة، مع أنه ذكر في الحروف المتقدمة الحذف في قوله تعالى: عظما فكسونا العظم (٢). وكما فعل عند قوله تعالى: عامل (٣) قال: هنا بألف، بعد أن تقدم له النص على الحذف في نظيره في قوله تعالى: عمل عمل (٤). فلم يبق سكوته عنها إلا من قبيل السهو، أو النسيان لكثرة حروف القرآن، ولكثرة التشابه، فجل من لا يسهو، أو لعله لم يراجع تأليفه. فحينئذ لا ينبغي أن تستثنى له هذه الكلمات، وترسم بالإثبات اعتمادا على سكوته. ثم إن غيره نص على حذفها، ولم يعلم له مخالف. فكلمة العظم سكت عن موضعها الأول (٥)، ونص على الحذف في بقية مواضعها، ونص على إثبات الألف في الحرف الأخير. فلا ينبغي إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بالإثبات. وهناك كلمات تجاوزها المؤلف وسكت عنها وهي ذات نظير، ونص على الحذف في موضعها الثاني دون صيغة التعميم، فاضطرب الناس فيها، فأخذ له بعض نساخ المصاحف فيها بالإثبات معتمدين في ذلك على سكوت المؤلف، وقالوا: الأصل الإثبات، وعدّوا هذه الحروف في جملة المستثنيات لأبي داود.

стр. 337

ومن هؤلاء العلماء الخرّاز، وتبعه على ذلك شراح «المورد»، وجرى العمل بها عند نساخ مصاحف أهل المشرق، وتمسكوا بسكوت أبي داود عنها. وهي الألف المعانقة للام، أي الواقعة بعد اللام في ثلاث عشرة كلمة أولها قوله تعالى: قل إصلح (١) وعبّروا عنها بالمستثنيات. أقول: إن المؤلف أبا داود لم ينص على الاستثناء، ولم يرد عنه ذلك البتة، وإنما سكت عنها وأغفل ذكرها سهوا أو نسيانا. بل إن المؤلف في موضعه الثاني في قوله تعالى: إصلحا (٢) ألمح إلى الحذف، فقال: «بحذف الألف بين اللام والحاء، وقد ذكر». قوله: «وقد ذكر» فيه إيماء إلى الحذف، ونحن نعلم أنه لا يذكر إلا الحذف في الغالب، وهو كالنص على الحذف، بل إن المؤلف نفسه لم يرض من غيره أن ينص على حرف بالحذف ويسكت عن نظيره. فذكر أن الغازي بن قيس نص على حذف ألف والإبكر في آل عمران (٣)، وسكت عن موضع غافر فقال: «وأحسبه اكتفى بذكر هذا عن ذلك». وفعل مثل ذلك مع نافع بن أبي نعيم المدني حيث نص على الحذف في حرف دون نظيره، فقال: «وروينا عن نافع في قوله في المائدة: بلغ الكعبة (٤) بغير ألف وأحسبه اكتفى بذكر ذلك هنا لك عن هذا»، يعني قوله تعالى: ببلغيه في غافر (٥).

стр. 338

ومن جملة الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: أنّى يكون لي غلم موضع آل عمران (١)، ونص على الحذف في بقية مواضعه. ونص الخراز على استثنائه لأبي داود، وتبعه شراح مورده. أقول: إن أبا داود لم يرد عنه الاستثناء، بل سكت عنه في موضعه، وأغفل ذكره، وقال في الخمس الذي جاء فيه: «وهجاؤه مذكور» وهو لم يتقدم، فلعله أحال على ما يشبهه. وقد ألمح إلى حذف ألفه عند موضعي سورة مريم، فقال: «وبغلم، وبغلم (٢) بحذف الألف، وقد تقدم ذكره كله». فهذا منه كالنص في أن الحذف يشمل كل ما تقدم، دون استثناء ويدخل فيه موضع آل عمران. ولمجرد سكوت أبي داود ذهب المشارقة إلى إثبات ألفه، فقال الشيخ الضباع- ﵀: «فجرى العمل على إثباته» (٣). وكيف يصح إثبات ما نص أبو عمرو الداني في فصل ما أجمع عليه كتاب المصاحف والبلنسي صاحب المنصف على حذفه؟ بل إن صاحب «نثر المرجان» حكى الإجماع على حذفه، فقال: «أجمع أرباب الرسم على حذف الألف بعد اللام منه في القرآن للاختصار حيثما وقع، وكيفما وقع». وقال ابن القاضي ردّا على من أثبته: «والحق خلافه، لأن الداني صرّح بحذفه» (٤)، ونص ابن وثيق الأندلسي على الحذف في جميع مواضعه، فقال: «بحذف الألف حيث وقع».

стр. 339

أقول: ولو سئل عنه أبو داود لقال بحذفه موافقة لنظيره، وقد تقرر أن السكوت لا يقتضي حكما أصلا، والله أعلم. ومن هذه الكلمات التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: سبل السّلم (١) ونقل في قوله تعالى: إليكم السّلم (٢) إجماع المصاحف على الحذف، فلعله اكتفى بهذا عن ذلك كما قال هو للغازي بن قيس فيما تقدم ولم يرد عن المؤلف ما يشعر بالتعميم. ونص أبو عمرو الداني على حذف الألف فيه في فصل ما أجمع عليه كتاب المصاحف ونص على حذفه البلنسي، بل حكى اللبيب إجماع المصاحف على حذف ألف: سبل السّلم. وقال علم الدين السخاوي: «السّلم في جميع القرآن مرسوم بالحذف». ثم إن أبا عمرو الداني رواه بالخصوص بالحذف بسنده عن قالون عن نافع بن أبي نعيم (٣). وهذه الرواية عن نافع هي عمدة أبي داود، وعليها يعول وهو ملاحظ في منهجه ومصادره كما بينته. وبعد هذا فلا ينبغي أن نجعل سكوت أبي داود عنها دليلا على الإثبات. ثم إن أبا الحسن البلنسي تلميذ المؤلف وقد نظم «التنزيل»، وهو أعرف بحال شيخه أبي داود، نصّ على الحذف في جميع الألفات الواقعة بعد اللام دون استثناء. ونص في مقدمة كتابه «المنصف» أن كل ما ذكره

стр. 340

مرويّ عن شيوخه ذوي الرواية والإتقان. فقال: وإنّني لما رأيت العمرا* منصرما بلغت نفسي عذرا في رجز قصدت فيه الكشفا* عن اتباع الرسم حرفا حرفا دون زيادة ولا نقصان* على الذي قد جاء في القرآن إذ كنت قد أخذته رواية* عن ابن لب من ذوي الدراية وكان شيخا خص بالإتقان* في عصره من أهل هذا الشأن حدثني عن شيخه المغامي* ذي العلم بالتنزيل والأحكام وكل ما ذكرته فعنه* أخذته مما استفدت منه فهذا الإمام نص على حذف الألف المعانق للام في جميع القرآن ولم يستثن من ذلك حرفا. بل إنه نسب حذف الألف المعانق للام إلى المصحف الإمام الذي هو إمام المصاحف المنسوخة منه سواء وقعت الألف بعد اللام المفردة أو بين اللامين. فقال: وحذفوا الألف بعد اللّام* في أءله ثم في السلم إلى أن قال: من كل ما قد أثبتوا بلام* أو اثنتين الحذف في الإمام قال أبو عبد الله الصنهاجي مبينا كلامه: «فذكر أن الحذف مع اللام مفردة، مثل الحذف في الألف بين لامين، ونقلوا الحذف في ذلك كله عن مصحف عثمان بن عفان ﵁ ... ونسب ذلك إلى الإمام» (١).

стр. 341

قال ابن عاشر: «كيف يخير في رسمها مع أنه لا مخالف لهذا العدل نصا، وزيادة العدل مقبولة» (١). وقال: «وقد تقرر أن السكوت من شيخ لا يقتضي حكما». وقد جمع الخراز في نظمه هذه الكلمات التي سكت عنها المؤلف- ﵀ فقال: ... سوى قل اصلاح وأولى ظلام تلاوة وسبل السلام* ومثله الأول من غلام وكل حلّاف غلاظ لاهية* ومثله التلاقي مع علانية ثم فلانا لائم ولازب* .... وقد اكتفيت ببيان بعضها (٢). وقال ابن القاضي: «اعلم أن ما ذكره الإمام الخراز في «مورده» عن أبي الحسن البلنسي في كتابه «المنصف»، لأنه جرى بها العمل في زمانه على الحذف، واشتهرت، وصار الناس يعتمدون عليها، وإلا فلا فائدة لذكرها بالخصوص دون غيرها ... » ثم قال: «كيف وهو إمام قدوة عدل مرضي، وأتى الخرّاز بسنده ونقله عن أئمة أجلة أعلام، فلا يرد قوله، ولا وجه لخموله وعدم اعتباره» (٣). ومضى ابن القاضي يواصل حديثه في الدفاع عن أقوال صاحب «المنصف».

стр. 342

ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف أبو داود قوله تعالى: أن يّتمّ الرّضعة في موضعه الأول (١)، ونص على الحذف في الموضع الثاني (٢)، ولم يذكر فيه ما يشعر بتعميم الحذف. ولسكوت أبي داود عنه أخذ له أهل المشرق بالإثبات دون بقية مواضعه. ونص البلنسي صاحب «المنصف» على الحذف في الجميع، وتابعه أهل المغرب في رسم مصاحفهم موافقة لنظيره، ولنص «المنصف» عليه، وسكوت أبي داود لا يقتضي الإثبات. ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: إلى العظم في الموضع الأول (٣)، ونص على الحذف في بقية مواضعه إلا موضع القيامة (٤)، وليس فيها ما يشعر بتعميم الحذف. قال الشيخ الضباع: «وأطلق أبو داود الحذف في سائر ما جاء من لفظه سوى حرفي البقرة والقيامة». أقول: لا ينبغي التسوية بين حرفي البقرة والقيامة، لأن حرف البقرة سكت عنه، وحرف القيامة نص على إثبات ألفه على الخصوص، وبهذه التفرقة جرى العمل في مصاحف أهل المشرق. ونص صاحب «المنصف» على الحذف في الجميع سوى القيامة، وعليه مصاحف أهل المغرب.

стр. 343

ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: مّن نّخيل وأعنب في البقرة (١)، وقوله تعالى: وجنّت مّن أعنب في الأنعام (٢)، ونص على الحذف في المواضع التي تلي الموضعين السابقين، ولم يأت فيها ما يشعر بتعميم الحذف فيهن، وبه جرى عمل أهل المشرق بإثبات الألف فيهما نظرا لسكوت أبي داود عنهما. ونص صاحب المنصف على الحذف في الجميع دون استثناء، وعليه عمل أهل المغرب في مصاحفهم. وسكت المؤلف عن قوله تعالى: ضعفا خافوا عليهم (٣)، وسكوته عنها لا يقتضي الإثبات البتة، لأن هذه الكلمة رواها أبو عمرو الداني بسنده عن قالون عن نافع بالحذف، وهذه الرواية نفسها هي عمدة أبي داود، وعليها يعول كما هو ملحوظ في كتابه «التنزيل» وقد بينته في منهجه وطريقته. ثم إن هؤلاء الذين يأخذون بالإثبات لكل ما سكت عنه أبو داود في «التنزيل»، لم يخالفون في هذه الكلمة، ويأخذونها بالحذف؟! فهذا اضطراب وفساد، ومنهج متباين. ولهذا المعنى أشار صاحب كشف العمى والرين عن ناظري مصحف ذي النورين:

стр. 344

واحذف بقوة ضعفا خافوا ولا تخف إذ ضعف الخلاف (١) ومن الكلمات التي سكت عنها المؤلف: العدوة في موضعه الأول في قوله تعالى: فأغرينا بينهم العدوة (٢)، ولم يأت في الألفاظ التي أتت بعد في «التنزيل» بما يشعر بتعميم الحذف. فرسمه أهل المشرق في مصاحفهم بإثبات الألف، وحذفوها في بقية مواضعه. ونص صاحب «المنصف» على الحذف في جميع ألفاظه. وقال ابن القاضي: «والعمل بالإثبات والحذف أولى لنص المنصف كنظائره». ومن الكلمات التي سكت عنها المؤلف: مبرك، ونصّ على حذف الموضع الأخير في قوله تعالى: كتاب أنزلنه إليك مبرك (٣)، وسكت عن الموضعين في الأنعام (٤)، وموضع الأنبياء (٥). ولم يرد عن المؤلف ما يشعر بتعميم الحذف، وعليه اقتصر رسم مصاحف أهل المشرق. وعمم الحذف في جميعهن أهل المغرب وهو الأولى؛ لأن الداني نص على الحذف فيهن. وكذلك سكت المؤلف عن قوله: مّبركا، ونص على الموضع الأخير في قوله تعالى: ونزّلنا من السّماء ماء مّبركا (٦)، ولم يذكر

стр. 345

موضع آل عمران (١)، ومريم (٢)، والمؤمنون (٣)، ولم يرد عنه ما يشعر بتعميم الحذف، وعليه عمل أهل المشرق، ونص الداني على الحذف في الجميع، وعليه عمل أهل المغرب في مصاحفهم. ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف: تبرك وقد وردت في تسعة مواضع، ونص على الحذف في الموضعين الأخيرين في قوله تعالى: تبرك اسم ربّك (٤)، وقوله تعالى: تبرك الّذي بيده الملك (٥)، وسكت عن موضع الأعراف (٦)، والمؤمنون (٧)، وموضعي الفرقان (٨)، وموضع غافر (٩)، والزخرف (١٠). ولم يرد في الموضعين المذكورين ما يشعر بتعميم الحذف، وعلى هذا مصاحف أهل المشرق، والصواب أن الحذف يشمل الجميع طردا للباب، قياسا على نظائرها، بل إن الداني نص على الحذف في جميعهن، فقال: «حيث وقع»، وذكر ذلك في فصل ما أجمع عليه كتاب المصاحف (١١)، فحينئذ العمل بالإثبات في المسكوت عنه مخالف للنص. ونص على

стр. 346

الحذف في جميع ألفاظه- حيث وقع- ابن وثيق الأندلسي في «جامعه» (١). ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: لا يستخرون ساعة، في الأعراف (٢)، ونص على حذف الألف بعد التاء في بقية مواضعه، ولم يرد عنه ما يشعر بتعميم الحذف، وبه جرى عمل مصاحف أهل المشرق. ونص على حذف الألف في الجميع البلنسي صاحب المنصف بلا قيد. قال ابن القاضي: «العمل بالإثبات وحذفه أولى». وعليه مصاحف أهل المغرب. ومن الغريب أن نرى في مصحف برواية قالون ألحقت فيه ألف صورة للهمزة، هذا رأي لم يقل به أحد من علماء الرسم. ومن الحروف التي سكت عنها أبو داود قوله تعالى: وإذ أنجينكم مّن ءال فرعون (٣) فرسمت في مصاحف أهل الشام بألف من غير ياء ولا نون، وفي سائر المصاحف بالياء والنون من غير ألف، ذكر ذلك أبو عمرو الداني في باب ما اختلفت فيه مصاحف أهل الحجاز والعراق والشام المنتسخة من الإمام (٤). ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف أبو داود الغاوون المعرف بالألف واللام، ولم يذكر منها إلا قوله تعالى: إنّا كنّا غوين (٥) المجرد من الألف واللام، وسكت عن قوله تعالى: من الغاوين (٦)،

стр. 347

وقوله: للغاوين (١)، وقوله: هم والغاوون (٢)، وقوله: الغاوون (٣)، فجرى العمل بإثبات الألف في هذه المواضع. ومما سكت عنه أبو داود ولم يتعرض له قوله تعالى: سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام (٤) فسقاية وعمارة سكت عنهما أبو داود، فأخذ له أهل المشرق وبعض أهل المغرب بالإثبات. والحذف هو الصواب رعاية لقراءة أبي جعفر من رواية ابن وردان بخلف عنه بضم السين وحذف الياء من: سقاية وبفتح العين وحذف الألف بعد الميم من: عمارة. وقال الحافظ ابن الجزري: «وقد رأيتهما في المصاحف القديمة محذوفتي الألف كقيامة وجمالة، ثم رأيتهما كذلك في مصحف المدينة الشريفة، ولم أعلم أحدا نص على إثبات الألف فيهما، ولا في إحداهما، وهذه الرواية تدل على حذفها منهما، إذ هي محتملة للرسم». وقال الشيخ محمد الفيلالي: سقاية عمارة بالحذف* في ألفيهما بغير خلف وقال في النشر ففي المصاحف* أعني القديمة بغير ألف ومن الكلمات التي سكت عنها المؤلف أبو داود قوله تعالى: إنّك كنت من الخطئين الموضع الأول من سورة يوسف (٥)، ولم يرد في

стр. 348

الموضع الذي يليه ما يشعر بتعميم الحذف في جميع مواضعه. ولم يذكر موضع أول القصص (١). وجرى العمل بالحذف في الجميع في المصحف برواية قالون برسم الداني وعليه مذهب أهل المغرب. وخالف أهل المشرق فأثبتوا الموضع الأول، ووافقوا المغاربة في بقية المواضع، والأول أولى. فاستثناؤه لأبي داود، ونسبة الاستثناء إليه غير سديد، فالمسكوت عنه لا يلحق بالمثبت إلا بنص، وإن أبا داود لما أراد الإثبات من كلمات متناظرة نص على ذلك مثل قوله: جهادا (٢) في الفرقان نص على إثباتها. ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: في أعنقهم في سورة الرعد (٣)، ونص على الموضع الثاني بالحذف، ولم يصرح بصيغة التعميم. وجرى العمل في مصاحف أهل المشرق بالإثبات في هذا الموضع دون بقية مواضعه تمسكا منهم بسكوت أبي داود. وأطلق صاحب «المنصف» الحذف في الجميع، وبه جرى العمل في مصاحف أهل المغرب. ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف أبو داود قوله تعالى: فاجعل أفدة (٤)، كما سكت عنها أبو عمرو الداني والشاطبي والخراز وشراح مورده، كما لم يذكرها ابن القاضي في بيانه الذي التزم

стр. 349

فيه بأنه يذكر كل ما سكت عنه المؤلف، وهذه الكلمة: أفئدة رسمت في جميع مصاحف الأمصار في وقتنا هذا بدون صورة للهمزة، وهو القياس الموافق لقراءة الجماعة، إلا أن هشاما عن ابن عامر في أحد وجهيه، قرأ بالياء الساكنة بعد الهمزة وحينئذ يجب أن تكون مرسومة هنا بالياء تنبيها لهذا الوجه، ذكر محمد غوث عن صاحب «الخزانة»، فقال: «رسمت الهمزة هنا خاصة بالياء في جميع المصاحف»، ونسب ذلك إلى «الإرشاد» وإلى «شرح الشاطبية» لملا عماد وإلى رسالة الجزري في الرسم، وقال: «نصوا على رسم الهمزة هنا خاصة بالياء»، وما جرى به العمل في مصاحف الشرق والغرب في يومنا هذا مخالف لهذه النصوص. ومن الكلمات التي سكت عنها أبو داود قوله تعالى: الارض مهدا في موضعه الأول (١)، وذكر الموضع الثاني عند قوله تعالى: الارض مهدا (٢)، وقال: «وفيه: مهدا بحذف الألف وقد ذكر» فيكون قوله: «وقد ذكر» كالنص في أنه ذكره بالحذف ولكن تركه نسيانا أو سهوا. ومن جهة أخرى فإن فيه قراءات مما يترجح بها الحذف رعاية لها، وقد رواها أبو عمرو الداني بسنده عن قالون عن نافع بالحذف في خصوصها، ثم عمم الحذف بقوله: «حيث وقع» وهذه الرواية نفسها هي عمدة المؤلف، وعليها يعول كما هو ملاحظ في منهجه وطريقته كما بينته. وحينئذ بعد هذا لا يبقى مجال للقول بأن الأصل في المسكوت عنه الإثبات كما شاع ذلك عند أهل المشرق، وكما ذكر ذلك الرجراجي حيث

стр. 350

قال: «واستثنى منه الناظم لأبي داود اللفظ الأول منه في القرآن فإنه محمول عند أبي داود على الإثبات». أقول: بل إنه محمول عند أبي داود على الحذف، والصواب تعميم الحذف في مواضعه الثلاثة (١)، والله أعلم. ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: وخشعت الأصوات (٢) ونص على حذف الألف في بقية مواضعه، ولم يرد فيها ما يشعر بتعميم الحذف، واتفقت مصاحف أهل المشرق وأهل المغرب على إثبات الألف فيه وحذفها في بقية مواضعه، والأولى الحذف في جميع مواضعه طردا للباب وموافقة لنظيره ولنص أبي إسحاق التجيبي على الحذف في الجميع، والله أعلم. ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: قل ربّ احكم (٣) وقد اجتمعت المصاحف على رسمه بغير ألف، وقرأه كذلك حفص عن عاصم خبرا عن الرسول ﷺ ، وقرأها الباقون: «قل» بصيغة الأمر (٤). ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: أو لم ير الّذين (٥) فرسمت في مصاحف أهل مكة: ألم ير بغير واو بين الهمزة واللام، وفي سائر المصاحف: أو لم بالواو. ذكرها أبو عمرو

стр. 351

الداني في باب ما اختلفت فيه مصاحف أهل الحجاز، والعراق والشام المنتسخة من الإمام (١). ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: التّماثيل (٢) ونص على الحذف في قوله تعالى: وتمثيل (٣) ولم يرد فيه ما يشعر بتعميم الحذف وعليه عمل مصاحف أهل المغرب والمشرق. ومما يؤخذ على المؤلف ما ذكره عند قوله : فخراج ربّك (٤)، قال: «ولا أعلم حرفا، اختلف القراء في حذف الألف فيه وإثباتها، واجتمع المصاحف على إثباته غير هذا» متّبعا في ذلك أبا عمرو الداني، والصواب ما ذكره علم الدين السخاوي، حيث قال: «وقد رأيت أنا في المصحف العتيق الشامي الذي ذكرته فيما تقدم «فخراج» بغير ألف، ولقد كنت قبل أن أرى ذلك أعجب من ابن عامر، كيف تكون الألف ثابتة في مصحفهم ويسقطها في قراءته، حتى رأيت هذا المصحف، فعلمت أن إطلاق القول بأنها في جميع المصاحف «فخراج» ليس بجيد، ولا ينبغي لمن لم يطلع على جميعها دعوى ذلك». لذا يجب حذف الألف رعاية للقراءة، وجرى العمل بالإثبات وهو مخالف للنص.

стр. 352

ومن المواضع التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: والقاسية قلوبهم (١)، ونص على حذف بقية مواضعه، ولم يرد فيه ما يشعر بتعميم الحذف، وجرى العمل في مصاحف أهل المشرق والمغرب بالإثبات في موضع الحج وبالحذف في بقية مواضعه. ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: وتقولون بأفوهكم (٢)، ونص على حذف الألف في قوله تعالى: ذلكم قولكم بأفوهكم (٣)، ولم يرد فيه ما يشعر بتعميم الحذف. أما المضاف إلى ضمير الغائبين نحو قوله : أفوههم (٤) فنص على حذفه في الجميع. ولا أدري لماذا أخذ له بالإثبات في موضع النور دون بقية المواضع؟ ومن الحروف التي أغفلها أبو داود قوله : ولا يأتل أولوا الفضل (٥) لم يذكر المؤلف رسمها على قراءة أبي جعفر بياء وتاء بعدها مفتوحتين وهمزة ولام مفتوحتين: ولا يتأل لأن رسمها على قراءة الجماعة يحصر جهة اللفظ بها. كما لم يذكرها ابن القاضي الذي صرّح في بيانه أن يذكر ما سكت عنه التنزيل، كما لم يذكرها عبد الواحد بن عاشر في «إعلانه» الذي

стр. 353

ضمّنه باقي خلافيات المصاحف من سائر القراءات سوى قراءة نافع. ولم أجد على كثرة التتبع والبحث من نص على هجاء هذه الكلمة على القراءة المذكورة، والله أعلم. وقياس قراءة أبي جعفر يوجب أن تكون مرسومة كذلك في بعض مصاحف أهل المدينة، إلا أنني عثرت على نص نقله ابن الجزري فقال: «وذكر الإمام المحقق أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم القرّاب في كتابه «علل القراءات» أنه كتب في المصاحف: «يتل» قال: فلذلك ساغ الاختلاف فيه على الوجهين، انتهى (١). وهذا الرسم يصلح لحمل القراءتين، ولعله الأولى، لأن الهمزة قد تستغني عن الصورة، والله أعلم. ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: الأمثال في جميع مواضعها في النصف الأول من القرآن، وجملتها سبعة مواضع، ولم يذكر الحذف فيها إلا في النصف الثاني من القرآن ابتداء من قوله تعالى: ويضرب الله الأمثل للنّاس في سورة النور (٢). ولم يأت في الألفاظ التي نص عليها ما يشعر بتعميم الحذف وحذف الجميع أبو إسحاق التجيبي. ومن الكلمات التي سكت المؤلف عن بعض مواضعها كلمة: والقواعد نص المؤلف على حذف الألف في قوله تعالى: والقواعد من النساء (٣) الواقعة بين الواو والعين، ولم يذكر الموضعين المتقدمين

стр. 354

في البقرة (١) والنحل (٢)، ولم يرد عنه ما يشعر بالتعميم، وبه جرى العمل في مصاحف أهل المشرق وأهل المغرب. ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قول الله : ورجلا سلما في سورة الزمر، لم يذكرها لا بحذف ولا بإثبات، وقياس قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب بألف بعد السين على أنه اسم فاعل، وقراءة غيرهم بحذف الألف على أنه مصدر، يوجب ذلك أن تكون محذوفة الألف جمعا للقراءتين برسم واحد. ولاحظت في منهج المؤلف أنه عند ما تختلف المصاحف في حرف ما، وقد وردت فيه قراءات، يميل ويرجح الرسم الذي يشمل القراءتين، وقد صرح به عند قوله تعالى: لما ءاتينكم في آل عمران (٣) فقال: «واكتفى الصحابة بفتح النون عن الألف لدلالتها عليها حسب ما تقدم، وجمعها بين القراءتين بصورة واحدة حسب ما فعلوه في سائر المصاحف ﵃ أجمعين». وسار على هذه الطريقة في ترجيحاته، إلا أنه خالف ذلك في قوله تعالى: يسألون عن أنبائكم في سورة الأحزاب (٤) فذكر أن المصاحف اختلفت فيه، فكتبوه في بعض المصاحف بألف بين السين واللام على قراءة رويس عن يعقوب: بالسين مفتوحة وتشديدها وألف ممدودة بعدها

стр. 355

وهمزة مفتوحة بينها وبين اللام، وكتبوا في بعضها بغير صورة للهمزة لسكون السين قبلها، وبذلك أكتب، وهو الذي روينا عن نافع عن مصاحف أهل المدينة. فهو هنا رجح رسمه دون صورة للهمزة اتباعا لرواية نافع عن مصاحف أهل المدينة، والذي يقتضيه كلامه السابق في طريقة الصحابة في كتابة القرآن أن يكون الرسم بالألف أولى وأحفظ لقراءة رويس. ومما يؤخذ على المؤلف ما ذكره عند قوله: سبع سموت (١)، قال: «فإنهم أثبتوا الألف بعد الواو خاصة هنا لك [فصلت] وحذفوها قبلها» متبعا في ذلك أبا عمرو الداني. والذي يظهر من كلام علم الدين السخاوي أن: سموت (٢) يجري فيها ما يجري في مثيلاتها، وما يجري في الجمع المؤنث ذي الألفين. قال السخاوي: «وهذا الذي ذكره أبو عمرو الداني فيه نظر، فإني كشفت المصاحف القديمة، التي يوثق برسمها، وتشهد الحال بصرف العناية إليها، فإذا هم قد حذفوا فيها الألفين من: سموت في فصلت كسائر السور، وكذلك رأيتها في المصحف الشامي». ثم قال: «فهذا يحتاج إلى تثبت ونظر، ولا ينبغي أن يحكم على البت بأن الألف ثابتة، في سورة السجدة بإجماع».
следующие страницы →