← Тафсир

Тафсир · id 29

تيسير التفسير للقطان

إبراهيم القطان

Полный текст (1 460 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ان الذي وسوس الى أعوانه ان يقولوا: ان الناس قد جمعوا لكم، لهو الشيطان. لقد أراد أن يخوّفكم بأوليائه وأنصاره المشركين ويوهمكم ان المشركين أولو قوة وبأس شديد، فمن مصلحتكم ان تقعدوا عن لقائهم. لا تخافوا أيها المؤمنون من أبي سفيان وأنصاره، ولا ترهبوا جمعهم، بل خافوني وأطيعوا أوامري لأنكم أوليائي وأنا وليُّكم، متكفل لكم بالنصر والظفَر ما ظَلَلْتم صادقين في ايمانكم قائمين بما يفرضه عليكم هذا الايمان.

стр. 247

يتجه الخطاب الى الرسول الكريم بهذه الآية ليسلّيه، كما سلاّه في كثير من الآيات، عما يُحزنه من إعراض الكافرين عن الايمان. ذلك ان بعض المنافقين أظهروا كفرهم وصاروا يخوّفون المؤمنين ويقولون لهم: ان محمداً طالب مُلك، فتارة يكون الأمر له وتارة عليه، ولو كان رسولا من عند الله ما غُلب. ومن شأن هذه المقالة ان تنفِّر الناس من الاسلام. فقال الله: لا تحزن أيها النبي الكريم من مسارعة المنافقين وبعض اليهود الى نصرة الكافرين بكل ما أُوتوا من الوسائل، انهم لن يضرّوك والمؤمنين معك شيئاً. اما عاقبة هذه المسارعة الى الكفر فهي وبال عليهم: فالله يريد الا يجعل لهم نصيباً من ثواب الآخرة بل ان يذيقهم عذاباً عظيماً.

стр. 248

نُملي لهم: نُمهلهم. اثما: ذنبا. ولا يحسبنّ هؤلاء الكفارون ان إمهالَنا لهم حين نمد في أعمارهم ونهيّىء لهم أسباب النعيم في حياتهم الدنيا هو خير لهم، كلا، ان اطالة العمر وسعة الرزق دون إيمان ولا عمل صالح يُفْضِيان بهم الى الاستمرار في المعاصي. . ومن ثَم استحقاق ما أعد الله لهم من عذاب مهين مقابلَ ما كنوا فيه من مقام ومكانة ونعمة.

стр. 249

يميز ويُمييٍِّز معناهما واحد وقرىء بهما، يجتبي: يختار. يبين الله تعالى هنا ان الشدائد هي محكّ صدق الايمان، ولذلك يقول: ما كان الله ليترككم يا معشر المؤمنين على ما أنتم من اختلاط المؤمن بالمنافق حتى يميز بينكم بالمحنة والتكاليف والشدائد. بذلك يَظهر المنافق الخبيث والمؤمن الطيب الصادق الايمان. ولم يكن من شأنه تعالى أن يُطلع الناس على الغيب، فلو فعل ذلك لأخرج الانسان من طبيعته. لذا جرت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب بالامتحان بالشدائد، كما تم أُحد، حيث ابتلى المؤمنين بظهور العدو عليهم، جزاء ما فعلوا من المخالفة. وقد قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ . ولكن الله يصطفي من رسُله من يشاء، فيطلعه على ما يشاء من الغيب، فيعلم ذلك الرسول المؤمنَ من المنافق. أما أنتم يا أصحاب محمد ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ الذين ذكرهم في كتابه. وإن تؤمنوا بما جاؤوا به من أخبار الغيب وتتقوا الله بترك ما نهى عنه، وفعل ما أمر به، لفكم أجر عظيم لا يقدَّر ولا يوصف. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: «يُمَيِّز» بضم الياء الأولى وفتح الميم وكسر الياء الثانية وتشديدها والباقون: «يَمِيز» بفتح الياء وكسر الميم.

стр. 250

سيطوَّوقون ما بخلوا: سيُلزمون به لزوم الطوق للأعناق. كان الكلام فيما مضى في التحريض على بذل النفس في الجهاد، وهنا شرع يحثُّ على بذل المال في سبيل ذلك. ولمال بطبعه عزيز جدًّا على الناس، حتى ان بعضهم لَيفدي نفسه من أجل ماله. لذلك ذكر أشد أنواع الوعيد لمن يبخل بماله على الجهاد، واللهُ يرث الأرض والسماوات، ويبقى الملك له وحده. قراءات: قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ بالتاء كما هو هنا، والباقون «يعملون» بالياء.

стр. 251

عهد الينا: أوصانا. بقربان: هو ما يذبح من الأنعام تقربا الى الله. بالبينات: الآيات والواضحة. أبو بكر وفنحاص «روى الطبري عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر بيت المدارس فوجدَ من يهودَ ناساً كثيرا، قد اجتمعوا الى رجل منهم يقال له فنحاص، كان من علمائهم وأحبارهم. فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص، إتَّق الله وأسلم، فوالله إنك لَتعلم ان محمداً رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والانجيل. قال فنحاص: واللهِ يا أبا بكر ما بنا الى الله من فقر، وإنه إلينا لَفقير. وما تضرع اليه كما يتضرع الينا. وإنّا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، يشير الى قوله تعالى ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ . فغضب ابو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، قوال والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربتُ عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص الى رسول الله، فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبُك. فقال رسول الله لأبي بكر: ما حَمَلَكَ على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيما. . زعم ان الله فقير، وانهم عنه أغنياء. فلما قال ذلك غضبُ لله مما قال، فضربت وجهه. فجحد ذلك فنحاص، وقال: ما قلت ذلك» فأنزل الله تعالى ردّاً عليه وتصديقاً لأبي بكر ﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين. . .﴾ الآية. المدارس: ما كان الدرس، وبَيْعة اليهود، وهم يلفظونها مدارش. قد سمع الله من قالوا هذه المقالة المنكرة ولم يَخْفَ عليه شيء. وسيجزيهم على ذلك أشد الجزاء ولقد سجّل عليهم ذلك القولَ الشنيع كما سجل عليهم قتلهم الأنبياء ظلماً وعدوانا، وسينتقم منهم يوم القيامة ويقول لهم: ذوقوا عذاب النار المحرقة جزاء أعمالكم في الدنيا: كقتل الانبياء، ووصف الله بالفقر، وتكبركم وتبجحكم. ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فلا يكون عاقبة الا عدلاً ولا يعاقب غير المستحق للعقاب. قراءات: قرأ حمزة: «سيكتب ما قالوا» بالياء المضمومة، و «قتلهم» بضم اللام، و «يقول» بالياء. ان من يدّعون فقر الله وغناهم هم الذين قالوا ان الله أوصانا في التوراة الا نؤمن لرسولٍ إلا اذا دلّل على صدقه بأن يأتينا بشيء يقرّبه لوجه الله وتنزل نار من السماء فتأكله، فقل لهم يا محمد: لقد بعث الله رسلاً جاؤا بما اقترحتم، ومع ذلك كذّبتموهم وقتلتموهم! فِلَم فعلتم ذلك ان كنتم صادقين في وعدكم بأن تؤمنوا عندما يتحقق ما تريدون؟ رويَ عن ابن عباس ان كعب بن الأشرف، ومالك من الصيف، وفنحاص، وجماعة من أحبار اليهود أتوا رسول الله فقالوا: يا محمد، تزعم انك رسول الله، وأنه أوحى اليك كتاباً، وقد عهد إلينا في التوراة الا نؤمن لرَسولٍ حتى يأتينا بقربان تأكله. . . . الخ. وفي الآية رد صريح ومجابهة قوية تكشف عن كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر.

стр. 252

الزبر: جمع زبور وهو الكتاب. فإن كذّبوك أيها النبي بعد ان جئتهم بالبينات الساطعة، والكتاب الهادي الى سواء السبيل، فلا تأسَ عليهم ولا تحزن لعنادهم وكفرهم. لقد جاء قبلك رسل كثيرون كذّبهم أقوامهم، ومع انهم جاؤوهم بالأدلة الساطعة والكتب السماوية الدالة على صدق رسالتهم، فليس بالعجيب منهم ان يقاوموا دعوتك. ذلك ان نفوسهم منصرفة عن طلب الحق وتحرّي سبل الخير. قراءات: قرأ ابن عامر «وبالزبر» باعادة حرف العطف. وقرأ هشام «وبالكتاب» .

стр. 253

زحزح عن النار: أُبعد عنها. متاع الغرور: المتاع كل ما يُنتفع به ويتمتع به. الغرور: الخداع والغفلة وكل زخرف باطل. بعد كل ما تقدم يتجه الخطاب الى المسلمين، يحدثهم عن القيم التي ينبغي لهم ان يحرصوا عليها، ويضحّوا من أجلها. وهو يخبرهم ان هناك متاعب وآلاما، فيجب ان يتجمّلوا بالصبر والتقوى. كما يذكّرهم بحقيقة مقررة، وهي ان الحياة في هذه الأرض محددة بأجل موقوت ثم تأتي نهايتها فيموت الصالحون والطالحون، المجاهدون والقاعدون، الشجعان والجبناء، العلماء والأنبياء. كل نفس ذائقة الموت لا محالة والبقاءُ للهِ وحده. . يومذاك يعطى العباد جزاء أعمالهم وافيا، فمن خلَص من العذاب وأُبعد عن النار فقد فاز فوزاً عظيما. روى الامام أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله «من أحبّ ان يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركْه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت الى الناس ما يحبّ ان يؤتى اليه» . وما حياتنا هذه التي نتمتع بلذاتها، من مأكل ومشرب أو جاه ومنصب وسيادة، الا متاع الغرور، لأنها تخدع صابحها وتشغله كل حين بجلْبِ لذاتها ورفع آلامها ومهما عاش الانسان وجمع من مالٍ أو حصل على منصب فانه مفارق هذا كله في نهاية الأم. وما الحياة الدنيا الا كما قال الشاعر. «فما قضى أحد مها لُبانتَه ... ولا انتهى أربٌ إلا الى أرب»

стр. 254

لتبلون: لتمتحَنُنَّ. من عزم الأمور: من صواب الرأي والتدبير. ستُختبرون أيها المؤمنون في أموالكم: بالنقص والنفاق والانفاق والبذل في جميع وجوه البر، وفي أنفسكم: بالجهاد، وبالقتل في سبيل الله، والأمراض والآلام. وسوف تسمعون من اليهود والنصارى والمشركون كثيرا مما يؤذيكم من السب والطعن، فإن قابلتم ذلك كله بالصبر والتقوى، كان ذلك من صواب الرأي وحسن التصرفن، وهو ما يجب العزم على التمسّك به.

стр. 255

الميثاق: العهد المؤكد. فنبذوه: فرموه. واشتروا به ثمنا قليلا: وأخذوا بدله شيئاً قليلا من مطامع الدنيا. بعد ان بين الله تعالى شُبهة اليهود ومطامعهم في نبوة سيدنا محمد جاء هنا يفضح موقف أهل الكتاب جميعاً في مخالفتهم عهد الله معهم يوم آتاهم الكتاب. وقد تضمّن سياق السورة الكثير من أباطيل أهل الكتاب وأقاويلهم وبخاصة اليهود. ومن أبرزِها كتمانهم للحق الذي يعلمونه حق العلم، بغية إحداث البلبلة والاضطراب في الدين الاسلامي، وإنكاراً لوحدة المبادىء بينه وبين الأديان التي قبله. هذا مع ان التوراة بين ايديهم، ومنها يعلمون أن ما جاء به محمد هو الحق من عند الله. إذنْ، لماذا يكتمون الحق ولا يبالون به؟ طمعاً في حطام تافه من عرض الدنيا! هنا يكشف الله ألا عيبهم ثم يخاطل رسوله والمؤمنين: اذكروا حين أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب بلسان أنبيائهم أن يوضحوا معاينه ولا يحرّفوه عن مواضعه، أو يحفوا شيئا من آياته عن الناس. . لكنهم ألقوه وراء ظهورهنم واستبدلوا به حطام الدنيا ليتمتعوا بلذاتها الفانية، ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ . وينطبق هذا المسلمين اليوم، فهم قد اتبعوا أهواءهم وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم. من ثم أصبحوا حيارى، لا يدرون ماذا يعملون، فيما تتخطفهم الأمم من كل جانب. قال الزمخشري ﵀: كفى بهذه الآية دليلاً على انه مأخوذ على العلماء ان يبيّنوا الحق للنار وما علموه، وان لا يكتموا منه شيئا. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ: ما أخذ الله على أَهل الجهل ان يتعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلِّموا. وها نحن نرى كلتا الطائفتين مقصرة أشد التقصير. وعذاب الجهّال منصبٌّ على رؤوس العالمِين. وقد ألهى الطمعُ في المال والجاه.

стр. 256

«روى الامام أحمد والبخاري مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم ان رسول الله سأل بعض احبار اليهود عن شيء فكتموا حقيقته، وأخبروه بغير الحقيقة، وخرجوا وقد أروه ان قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك اليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه» وروى البخاري ايضا عن ابي سعيد الخدري أن رجالاص من المنافقين كانوا اذا خرج رسول الله الى الغزو تخلّفوا عنه وفرحوا بمقعدهم ذاك. فاذا قدم من الغزو واعتذروا اليه وحلفوا، وأحبوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا. فنزلت هذه الآية. ولا منافاة بين الروايتين، لأ، الآية عامة في جميع ما ذُكر. وهي وان كانت في اليهود والمنافقين ففيها ترهيب للمؤمنين، وتنسحب على كل ما يجب أن يُحمد بما لم يفعل. وقد جاء عن النبي في الصحيحين: «من أدّعى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله الا قلة» . ومعنى الآية: لا تظننّ أيها النبي ان الذين يفرحون دائما بما يأتون من أفعال قبيحة، ويحبون الثناء بما لم يفعلوه سيكونون في نجوة من العذاب، فقد أعدّ الله لهم عذاباً عظيما يوم القيامة لا مفر منه. ولله ملك السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير، يؤاخذ المذنبين بذنوبهم ويثيب المسحنين على احسانهم. قراءات قرأ ابن كثير وأبو عمرو «لا يحسبن الذين يفرحون. . .» بفتح الياء وضم الباء.

стр. 257

الخلق: التقدير والترتيب الدال على الاتقان. اختلاف الليل والنهار: تعاقبهما. الألباب: العقول. وعلى جنوبهم: مضطجعين. الأبرار: المحسنون، واحدُها بار أو بَر. على رسُلك: على أَلسنة رسلك. من أسلوب القرآن الكريم انه يجذب النفوس والعقول من الاشتغال بالخلق الى الاستغراق في معرفة الحق، فيأتي بين الآيات وفي أواخر السور بآيات مشوّقة تريح الأعصاب وتشوق القلوب. فقد اشتملت هذه الآيات الحكيمة على ثلاثة أمور: الأول: لما طال الكلام في تقرير الأخذ والرد والجواب عن شبهات المبطلين، عاد التنزيل الى إثارة القلوب بِذِكر ما يدل على التوحيد والالوهية. فقال: ان هذا الكون بذاته كتابٌ مفتوح، يحمل دالائل الايمان وآياته، ويشير الى أن وراء هذا الكون يداً تدبره بحكمة، ويوحي بأن وراء هذه الحياة الدنيا حياةً أخرة، وحساباً وجزاء. هذا ما اتفقت على وجوده الأديان الكتابيّة، وان اختلفت في تمثيل الحياة الأخرى. وقد آمن الفلاسفة بالحياة الاخرى قبل الاديان الكتابية جميعاً وبعد مجيئها أيضا. فمن أشهر المؤمنين بها قبل الأديان «أفلاطون» ، ومن أشهرهم بعدها «عمانويل كانت» ، وهما يجمعان أطراف الآراء الفلسفية في سبب الإيمان ببقاء النفس بعد الموت. . . . ونريد من الاشارة الموجزة الى رأي هذين الفيلسوفين، ان يذكر الناظرون في مسألة الحياة بعد الموت انها مسألة بحث وتفكير، لا قضية اعتقاد وايمان فحسب. . ان العقل لا يرخجها من تناول بحثه، فلا بد من توضيح الحقيقة الاعتقادية بالمحسوسات في كثير من الأحوال. وعلى هذا، ينبغي ان يروض فكره كلُّ من ينظر الى عقيدة الحياة الأخرى في القرآن الكريم. وانما يدرك هذه الدلائل، ويرى هذه الحكمة «أُولو الألباب» من الناس، لا الذين يمرون بهذا الكتاب المفتوح وأعينهم مغمضة، وعقولهم مغلقة غير واعين. والثاني: مدحٌ لأولي الألباب الذين يذكرون الله على كل حال، فهم يتفكرون في عظمة هذا الكون ثم يبتهلون الى الله بهذه الدعوات الصادقة، المنبعثة من قلوب صافية مؤمنة. والأمر الثالث: استجابة الخالق العظيم لهم، بأنه لا يضيع أجر أحد، وأنهم سيرجعون الى رب رحيم، عادل، قد أعدّ لهم أحسن الثواب وأجمل الاقامة. وها هو التفسير باقتضاب: ان في خلق الله للسماوات والأرض، بما فيهما من ابداع، وإحكام نظام، وبديع تقدير، وفي اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما بنظام دقيق نحسّ آثاره في أجسامنا بفعل حرارة الشمس وبرد الليل لدلائل بيناتٍ لأصحاب العقول المدركة على وحدانية الله، وكمال قدرته. وفي هذه الآية اشارة الى حقائق مذهلة في هذا الكون العجيب، ذلك ان السماء ما هي الا آية من آيات الله تبدو لنا بتأثير الاشعة الشمسية على الغلاف الجوي المحيط بالأرض.

стр. 258

فعندما تسقط هذه الأشعة على ذريرات العناصر الكيماوية التي يتألف منها الجو، وما يحمله من دقائق عالقة به تنعكس هذه الأشعة وتتشتت، فنرى نحن الضوء الأبض الذي يتألف من جميع الألوان المرئية. وصفوة القول، ان ضور النهار يتطلب الاشعاع الشمسي، وكميةً متناسية من الغبار الجوي. فقد حدث في سنة ١٩٤٤ أن أظلمت السماء فجأة في وضح النهار، ولشدة ظلمتها صار النهار كأنه الليل. وقد ظل الأمر كذلك زمناً وجيزاً، ثم تحولت السماء الى لون أحمر، تدرّج الى لون برتقالي، فأصفر، حتى عادت الى حالتها الطبيعية، بعد نحو ساعة أو أكثر. وقد تبين فيما بعد ان هذه الظاهرة نشأت من تفتُّت نيزك في السماء، استحال الى رماد، وحملته الرياح الى مسافات بعيدة من أواسط افريقية الى شمالها، ثم الى غربي آسيا، حيث شوهدت هذه الظاهرة في سورية. وتفسير ذلك ان الغبار المعلق في الفضاء قد حجب نور الشمس، فلما قلّت كثافته أخذ الضوءُ في الاحمرار والاصفرار الى ان عاد طبيعيا. أما ما نراه في هذه السماء من نجوم وأجرام سمايوة ومجرّات وكائنات، فهي أمور كُتب فيها مجلدات وموسوعات يتطلب التعرف على أنظمتها دراسة واسعة وتخصصا كبيرا، وهي مظهر من مظاهر قدرة الله التي تتجلى في خلقه كلَّ ذلك. والأرض أهم عالم عرفناه، وفيها أحوال لا تُوجد مثلها في شيء من هذا الكون الواسع. هي على ضخامتها في نظرنا لا تساوي في الحقيقة ذرة في هذا الكون العجيب. ولو ان حجمها كان أقل أو أكثر مما هي عليه الآن، لاستحالت الحياة فوقها. وهي تدور بسرعة مقدراها ألف ميل في الساعة، وفيها جاذبية غير عادية، وهي تشد كل شيء اليها بفعل تلك الجاذبية. وتُكلم الأرض دورة واحدة حول محورها كل أربع وعشرين ساعة، ولو فرضنا ان انخفضت هذه السرعة الى مائتي ميل في الساعة، لطالت أوقات لَيلِنا ونهارنا عشرات المرات، عما هي عليه الآن. ويترتب على ذلك ان تحرق الشمس كل شيء فوق الارض، فإن بقي بعد ذلك شيء قضت عليه البرودة الشديدة في الليل. ثم ان هذه الارض دائرة في الفضاء حول الشمس، وعلى زواية محددة، الأمر الذي تنشأ عنه فصول السنة، وصلاحية البقاع للزراعة والسكن، فلو لم تَسِر الأرض على هذه الزاوية لغمر الظلام القطبين طوال السنة، ولسار بخار البحار شمالاً وجنوبا، ولما بقي على الأرض غير جبال الثلج وفيافي الصحراوات. . اذ ذاك تغدو الحياة على هذه الأرض مستحيلة تماماً. ولو ك انت قشرة الارض أكثر سُمكاً مما هي الآن بمقدار عشرة أقدام لما وجد الأكسجين، لأن القشرة الارضية ستمتص الاوكسجين في تلك الحال. وبدونه تستحيل الحياة الحيوانية. وكذلك لو كانت البحار أعمق مما هي الآن بضعة أقدام، لا نجذبَ إليها غاز ثاني اوكسيد الكربون، والاوكسجين، ولاستحال وجود النباتات عند ذلك.

стр. 259

ويحيط بالأرض غلاف جوي خليط من الغازات التي تحتفظ بخاصائصها، وأقربُ طبقات الارض الى سحطها تسمى تروبوسفير، وهي تمتد الى ارتفاع ثمانية كليو مترات عند القطبين والى ١١ كم في خطوط العرض الوسطى، و١٢ كم عند خط الاستواء. وفي هذه الطبقة يحدث خلط مستمر للهواء نتيجة للتيارات الصاعدة والهابطة. . . . وتتركب الغلاف الجوي من الأزوت والأوكسجين، والأرغون، وثاني أوكسيد الكربون، وكميات ضئيلة من غازات النيون والكريتون والهيليوم والأيدروجين والكسينون والأوزون، بالاضافة الى كميات متغيرة من بخار الماء والغبار. ولكل هذه المواد نسب معينة محددة لا تزيد ولا تنقص. ولو كان الغلاف الجوي للأرض ألطف مما عليه الآن، لاخترقت النيازك الغلاف الخارجي منه كل يوم، ولرأينا هذه النيازك مضيئة في الليل، ولقسطت على كل بقعة من الارض وأحرقتها. فولا ان غلاف الارض الهوائي يقينا من هذه الشهب لأحرقتنا. ذلك ان سرعتها أكبر من سرعة طلقة البندقية بتسعين مرة، كما ان حرارتها الشديدة كافية لإهلاك كل ما على سطح الأرض. والآن. ألا يدل على التوازن الدقيق العجيب جداً على قدرة الخالق وبديع صنعه! الحق أنه لم يكن صدفة، ولا وُجد عفوا كما يقول المبطلون الجاهلون. لكن، من يدرك ذلك؟ إنهم أولوا الألباب، فهم الذين ينظرون إليه ثم يستحضرون في نفوسهم عظمة الله وجلاله. ومن ثم تجدهم لا يغفلون عنه تعالى في جميع أحوالهم: قائمين، وقاعدين، وعلى جنوبهم. وهم يتفكرون في خلق السماوات والارض، وما فيها من عجائب ثم يقولون: ربنا ما خلقتَ كل هذا الكون العجيب عبثا، بل وِفق حكمة قدّرتَها، إنك أنت العزيز الحكيم. وفي هذا تعليم للمؤمنين كيف يخاطبون ربهم عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه في بدائع خلقه، فوفّقنا يا ربُّ بعنايتك الى العمل الصالح حتى يكن ذلك وقاية لنا من عذاب النار. ثم إنهم يضرعون الى ربهم قائلين: يا ربنا وخالقنا، إن من يستحق النار باعماله السيئة سيلقاها، وبذلك تكون قد أخزيته وأظهرتَ فضيحته. وليس للظالمين الذين استحقوا النار أنصار يحمونهم يوم القيامة من دخول النار. ثم يتّجهون بقلوب خاشعة تطلب المغفرة الواسعمة، والوفاةَ مع الأبرار فيبتهلون: يا ربنا، إننا سمعنا رسولك الكريم يدعو الى الإيمان بك، فأطعناه وآمنّا، فاغفر بنا ذنوبنا كبيرها وصغيرها، وكفّر عنا سيئاتنا واجعلنا في الآخرة من عبادك الأخيار. أعطنا يا ربُّ ما وعدتنا على ألسنة رُسلك الكرام من حسن الجزاء في الدنيا كالنصر والتأييد، ومن النعيم في الآخرة. لا تفضحنا يا ربّ ولا تهتك سترنا يوم القيامة، انك لاتخلِف ما وعد به جزاء الإيمان وصالح الأعمال. ولقد استجاب لهم ربهم طلبهم بعد تلك المناجاة اللطيفة، والدعاء الخالص، فطمأنهم الى انه لا يُضيع ثواب عامل، ذكراً ك ان أم أنثى، فكلّهم سواء في الانسانية. وفي هذه الآية نصٌّ على ان الذكر والأثنى متساويان عند الله ولا تفاضل بينهما الا بالأعمال. بعد ذلك ينتقل البحث الى المهاجرين من مكّة، فالذين هاجروا يريدون وجه الله، أو أُخرجوا من ديارهم وناهلم الأذى في سبيل الله، وقاتلوا وتعرضوا للقتل قد كتب الله على نفسه ان سيمحو عنهم سيئاتهم، ويُدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار. والله وحده عنده الثواب الجميل. قراءات: قرأ حمزة والكسائي «وقتلوا واقاتلوا» ، وقرأ ابن كثير وابن عامرم «وقتلوا» بتشديد التاء.

стр. 260

يغُرنَّك: يخدعنَّك. تقلب الذين كفروا: تصرُّفهم في التجارة والمكاسب. مأواهم: مصيرهم ونُزُلهم. . المهاد: المكان الممهد. النزل: المنزل، أو ما يقدَّم للضيف من طعام وشراب. الابرار: جمع بارّ وبَرٍّ: كل متصف بالخير ومتوسع فيه. بعد تلك المناجاة الروحية وما فيها من ابتهالات ودعوات، وما تلاها من تبشير من الله تعالى للمؤمنين بالثواب العظيم، جاء التبصير للمؤمنين. وكانوا في غاية الفقر، لا سيما المهاجرون، فيما كان مشركو قريش في رخاء وعيس لين. لذا ذكر الله تعالى هنا ما يسلّي المسلمين ويصبّرهم على تلك الشدة، فبيَّن هنا أن رخاء المشركين متاع زائل، فلا ينبغي للعاقل ان يوازنه بالنعيم الخالد المقيم. فقال تعالى: لا يغرَّنك يا محمد، انت والمؤمنين، ما ترى الذين كفروا يتقلّبون فيهن من النعيم، ذلك كلّه متاع قليل زائل ثم ينتهون الى جنهم. وبعد أن بين حال الكافرين ومآل أمرهم، شرح عاقبة المؤمنين فقال: أما الذين آمنوا بالله ورسوله واتقوا ربهم بفعل الطاعات وترك المنهّات فإن لهم جنات تجري من تحتها الأنار، مخلَّدين فيها، في نعيم من كرم الله وضيافته. ولا شك ان ما عند الله من الكرامة أفضل على التحقيق مما يتقلب فيه الذين كفروا من المتاع القليل.

стр. 261

لقد روي في سبب نزول هذه الآية عدة روايات: النجاشي، أو جماعة من نجران، أو بعْض أفراد من الروم. وهي على كال حال تعم كل كتابيٍّ آمن بالله ورسوله ولا عبرة بخصوص السبب. والمعنى: ان بعض اهل الكتاب يؤمنون بالله، وبما أُنزل على محمد، وما أنزل على الرسل من قبله، وانت تراهم يا محمد خاشعين لله مبتهلين اليه، لا يستبدلون بآيات الله وايمانهم الصحيح عَرَضاً من أعراض الدنيا مهما عظم. فلهؤلاء القوم الجزاءُ الأوفى عند ربهم في دار الرضوان، والله لا يعجزه إحصاء اعمالهم ومحاسبتهم عليها، وهو قادر على كل شيء. ثم يختم الله تعالى هذه السورة العظيمة بوصية للمؤمنين اذا عملوا بها كانوا أهلاً لاستجابة الدعاء، وأحق بالنصر في الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

стр. 262

يا أيها المؤمنون اصبروا على شدائد الدنيا وآلامها، وألجِموا شهواتم النفس وأطماعها، واصبروا على انحراف الناس ونقصهم وسوء أعمالهم، فالصبر شيء عظيم. ولقد حث الله تعالى عليه في نيِّفٍ ومائة آية من القرآن الكريم، وما ذلك الا لعلو منزلته، وكونه من أكبر علائم النجاح في الدارين. أما ﴿وَصَابِرُواْ﴾ فتعني تحمَّلوا الماكره التي تلحقكم من سواكم، وصابِروا الأعداء دون أن ينفذ صبركم على طول المجاهدة، وسيكون لكم النصر بإذن الله. ﴿وَرَابِطُواْ﴾ في سبيل الله، وأصلُ المرابطة الإقامة في الثغور على حدود الأعداء ومواقع الجهاد، اما الآن فقد بات معناها الجهاد في جميع ألوانه والاستعدادُ له بكل ما ولّده هذا العصر من وسائل الدفاع والاسلحة الحديثة. ما ترك الجهادَ قومٌ الا وَقَرَنهم الله بالذل، فلننظر الى ما نحنن عليه الآن من فرقة ونزاع واختلاف بين زعمائنا وحكامنا، وما يصدر من بعضهم من تبجح وتصريحات، فهل نحن في مستوى قضيتنا؟؟ ﴿واتقوا الله﴾ والتقوى تصابح ل ما سبق، فهي الحارس اليقظ في الضمير تحرسه من أن يغفل، أو يضعف، أو يحيد عن الطريق القويم. فالصبر والمصابرة والجهاد بدون تقوى الله لا قيمة لها ولا فائدة منها. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ في الدنيا والآخرة، نسأل الله تعالى ان يوفقنا لنكون من هؤلاء، فنفوز مع الفائزين برضاه في الدارين، وصدق الله العيظم.

стр. 263

الزوج: يطلق على الذكر والأنثى. بث: خلق ونشر. تساءلون به: يسأل بعضكم بعضا به، كأن يقول: سألتك بالله ان تفعل كذا. الأرحام: جمع رحم وهي القرابة. اليتيم: من مات أبوه وهو صغير قاصر. حوباً كبيراً: اثما عظيما. يا أيها الناس احذروا عصيان خالقكم، الذي انشأكم من العدم، واذكروا انه أوجدكم من نفس واحدة خلق منها زوجها، ثم نشر منها رجالاً ونساء كثيرين. فاتقوا الله الذي تستعينون به في كل ما تحتاجون، ويسأل بعضكم بعضا باسمه فيما تتبادلون من أمور. كذلك تذكَّروا حقوق الرحم والقرابةِ عليكم فلا تفّرطوا فيها ولا تقطعوا وشائجها. وقد قرن الله الرحم باسمه الكريم لأن صلتها أمر عظيم عنده. وقد ورد في الحديث الصحيح «ان الرحم تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» وكذلك قال رسول الله «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصِل رحمه» . ظهرت العناية باليتامى في القرآن الكريم منذ اول نزول الوحي، واستمر يوصي بهم الى أواخر نزول القرآن. وقد وردت آيات كثير توصي باليتيم والمحافظة على ماله حتى جعل بعضُها من يظلم اليتيم ويقصّر في حقه كأنه يكفر بالله ويكذّب بيوم الدين. في هذه السورة العظيمة جاءت الآيات تأمر بالمحافظة على أموال اليتامى والقيام بحقوقهم، ثم تشدّد في التحذير من اهمال ذلك. وقد مهدت لهذه الأحكام في آيتها الاولى، فطلبت تقوى الله، والتقوى في الرحم، وأشعرت الناس أنهم جميعا من نفس واحدة، فاليتيم رحمُهم وان كان من غير أسرتهم. وبعد هذا التمهيد الجميل أمرَهم الله بحفظ أموال اليتامى حتى يتسملوها كاملة عندما يبلغون سنّ الرشد، كما حذّرهم من الاحتيال في مبادلة الطيب المختار من مال اليتيم بالرديء الخبيث من أموال الوصي عليه، أو خلط أموالكم باموال اليتماى. وقد عبر عن هذا بالأكل ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ . فإن لجأتم الى التحايل بالمبادلة، أو الأكل تحت شعار الخلط، فاعلموا ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ اي ذنْباً عظيماً، فاجتنبوه. قراءات: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: «تساءلون» بفتح السين المخففة، وقرأ الباقون «تساءلون» بفتح السين المشددة، وقربأ حمزة «والارحام» بجر الميم.

стр. 264

تقسطوا: تعدلوا. تعولوا: تميلوا عن الحق، وقيل يكثُر عيالكم. يسأل كثير من الناس قديماً وحديثا: ماوجه الربط بين العدل في معاملة اليتامى، ونكاح النساء! وقد سأل عروة بن الزبير خالته عائشة أم المؤمنين، ففسرت ذلك بأن بعض أولياء اليتامى كان يتزوج بمن عنده من اليتيمات اللاتي يحل له زواجهن، أو يزوّجها بعض أبنائه، ويتخذ ذلك ذريعة الى أكل مالها أو أكل مهرها الذي تستحقه بعقد الزواج. فأنزل الله تعالى هذه الآية مرشدة لهم بأن من كان عنده يتيمة وأراد ان يتزوج بها أو يزوّجها من بعض أبنائه، لا لغاية أكل مالها أو أكل مهرها فلا مانع من ذلك. اما اذا اراد ان يتزوجها ليأكل مالها أو مهرها، فان الله يأمره أن يتركها تتزوج غيره، وله ان يتزوج غيرها. ولقد أباح له الزواج بأكثر من واحدة الى اربع نساء. ثم وضع شرطاً مهماً جداً فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ بين الزوجات فعليكم ان تكتفوا بواحدة فقط، لكم ان تتمتّعوا بمن تشاؤون من السراري. واختيار الواحدة اقرب من عدم الجور والظلم، اذا ان العدل بين النساء من الأمور الصعبة جدا. لذلك قال تعالى في آية أخرى ﴿وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ والمقصود بالعدل هنا هو المعاملة الطيبة، والنفقة، والمعاشرة الحسنة للزوجات على السواء. اما العدل في مشاعر الرجل وميله القلبي فإنه غير ممكن وليس هو المقصود. فان النبي ﵊ كان يقول: «اللهم هذا قَسمي فيما امِلكَ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» . وموضوع تعدد الزوجات أمرٌ كثر فيه الكلام قديماً وحديثا، واتخذه أعداء الاسلام سبيلاً للطعن فيه، ولا سيما المشترقون والمبشرون. ولو ان هؤلاء المتعصبين بحثوا الموضوع بتجرد عن الهوى لرأوا ان الاسلام لم يبتدع تعدد الزوجات بل حدّده ووضع قيوداً تقلله بقدر الامكان. فقد كان التعدد معروفاً ومعمولاً به عند جميع الأمم، فجاء الاسلام ورخّص فيه وقيّده بقيود صارمة. وذلك لمواجهة واقع الحياة البشرية، وضرورات الفطرة الانسانية. إن الناس ليسوا سواء، فمنهم من لا تكفيه زوجة واحدة ومنهم المضطرُّ الى الجمع، لأمور عديدة والدين الاسلامي ليس ديناً جامداً، بل هو واقعيٌّ ايجابي، يتوافق مع افطرة الانسان وتكوينه كما ينظر الى واقعه وضروراته ولهذا أباح تعدد الزوجات بذلك التحفظ الشديد، فحيسن ان يؤخذ هذا الموضوع بيسر ووضوح، وان تُعرف الملابسات التي تحيط به، فلا ينبغي لمسلم ان يقدم على الزواج بأكثر من واحدة الا لضرورة، ومع مراعاة ما أوجبه الله من العدل. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ تمتعوا بما شئتم من السراري، وهذا غير موجود في عصرنا. ﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ اي ان الاقتصار على زوجة واحدة أقرب الى عدم الوقوع في الظلم والجور، كما أنه أدعى إلى ألاّ كثر عيالكم فتعجزوا عن الانفاق عليهم.

стр. 265

صدقاتهن: مهروهن. نحلة: عطية عن طيب نفس. الخطاب للأزواج، وأعطوا النساء مهورهن عطية خالصة، ليس لكم فيها شيء. فإن طابت نفوسهن بأعطائكم شيئا منها دون اجبار ولا خديعة فكلوا هنيئا طيبا، محمود العاقبة. وعلى هذا لا يجوز للرجل ان يأخذ لنفسه أو ينقص شيئاً من مهر زوجته الا اذا علم ان نفسها طيبة به، لأن العلاقات بين الزوجين ينبغي ان تقوم على السماحة النابعة من القلب، والود الذي لا يبقى معه حرج.

стр. 266

السفهاء: ضعاف العقول الذي لا يحسنون تدبير أنفهسم. قياما: تقوم بها أمور معايشكم وتمنع عنكم الفقر. وارزقوهم فيها: اعطوهم رزقهم من أموالهم، ولا تجمّدوها بل اتَّجروا بها حتى لا تنفد. ولا تعطوا ضعاف العقول ممن لا يحسنون التصرف في المال أموالهم التي هي أموالكم كمجتمع. ذلك ان مال اليتيم وضعيف القعل هو مالُكم كمسلمين، فاذا ضاع أو تلف خسرتم أنتم. لذلك عليكم ان تثمِّروه وتحافظوا عليه حتى لا يضيع. ﴿التي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً﴾ الّتي بها تقوم الحياة وتثبت. وفي هذا حيٌّ على حفظ الأموال وعدم تضييعها. وقد كان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن. ولأَن أَترك مالاً يحاسبني الله عليه خيرٌ من أن احتاج الناس. (وأعطوهم رزقهم) اي أعطوهم من ثمراتها النصيب الذي يحتاجون اليه للطعام، واكسوهم وعاملوهم بالحسنى. ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً﴾ يرضيهم ولا يؤذيهم. قراءات: قرأ نافع وابن عامر «التي جعل الله لكم قيما» والمعنى واحد.

стр. 267

آنستم منهم رشدا: أبصرتم منهم حسن التصرف في الأموال. اسرافا وبدارا ان يكبروا: لا تأكلوا اموالهم مسرفين ومسرعين في تبذيرها قبل ان يكبروا. والبدار والمبادرة: المسارعة. بعد أن أمرنا الله في الآيات السابقة بإتياء الايتام أموالهم وبأعطاء النساء مهورهن بيّن في هذا الآية الكريمة شرطام مهما، وهو: لا يعطى اليتيم أو القاصر ماله الا اذا كان بالغاً راشدا. فاختبروا عقول اليتامى وتبينوا حسن تصرفهم بالمال، حتى اذا أصبحوا صالحين للزواج وعرفتم فيهم الرشد والسداد فادفعوا اليهم أموالهم. وإياكم ان تأكلوها، لا مسرفين فيها بالانفاق منها (ولو على اليتيم نفسه) ، ولا مستعجلين في الانفاق قبل ان يكبر اليتيم. ومن كان من الأوصياء غنياً فليتعفف عن أموال اليتامى، ومن كان فقيرا فليكتفِ بقدر مايكفيه بحسب الصرف الجاري في بلده ووقته. فاذا سلّمتموهم أموالهم فأشهدوا عليهم انهم قبضوها، (والاشهاد واجب عند الشافعية والمالكية ومندوب عند الحنفية) ، والله من ورائكم هو المحاسب والمراقب. وقد ورد في الحديث: «ان رجلا سأل النبي ﷺ قال: لي مال وإني وليُّ يتمي، فقال:» كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تَقِيَ مالَك بماله «» .

стр. 268

في هذه الآية الكريمة بدء لذكر الميراث، فقد كان العرب في الجاهلية لا يوّرثون النساء والأولاد الصغار، ويقولون: لا يرث الا من طاعَن بالرماح وحاز الغنيمة. وقد روي في سبب نزول هذه الآية ان أوس بن الصامت الأنصاري توفي وترك زوجة تدعى أم كحة، فحاز انبا عمه، سويد وعرفطة، ميراثه ولم يعطيا الزوجه والبنات شيئا. فجاءت أم كحة الى الرسول فشكت اليه أمرها. فدعاهما رسول الله، فقالا: ان الميراث لمن يقاتل العدو ويكسب. فنزلت هذه الآية، ثم نزل تفصيل الميراث في الآيات التي بعدها. والمعنى انه: اذا ترك الولدان أو الأقربون مالاً فانه ينقسم، للرجال نصيب منه، وللنساء نصيب، سواء أكان الوارث صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو انثى، ومهما كان المال الموروث قليلا أو كثيرا. وهذا الآية عامة فصّلتها الآيتان ١١ و١٢ بعد قليل.

стр. 269

واذا حضر قسمة التركة بعضُ الاقارب الذين لا يرثون كالأخ لأبٍ مع وجود الأخ الشقيق، أو حضرها اليتامى والمساكين فأكرموهم. وذلك تطييباً لنفوسهم، ونزعاً للحسد من قلوبهم وجمِّلوا عطاءكم لهم بقول حسن. ورى عبد الرزاق في مصنفه ان عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشةُ حية، فمل يدعْ مسكيناً ولا ذا قرابة الا أعطاه من ميراث أبيه. وتلا هذه الآية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى. . . .﴾

стр. 270

القول السديد: الحق الصواب. السعير: النار الحامية الملتهبة. تذكّروا أيها الأوصياء ذريتكم الضعاف من بعدكم، وكيف يكون حالهم بعد موتكم فعامِلوا اليتامى تحت وصياتكم بمثل ما تريدون ان يعامَل أبناؤكم. واتقوا الله في اليتامى وكلِّموهم برفق ولين كما تكلِّمون أولادكم. كذلك ليخشَ الذين يوصون من أموالهم للفقراء ان يتركوا شيئاً لأولادهم، وعلى من يحضرون عند مريض يريد ان يوصي بشيء من أمواله ان ينصحوه بأن يوصي بقسم قليل ويترك لورثته الباقي خشية حاجتهم من بعده. ورى البخاري ان سعد بن أبي وقاص أراد ان يوصي بنصف مالهمن بعده للفقراء، فنصحه النبي أن يوصي بالثلث وقال له: «ان الثلث ايضا كثير. وانك إن تذر ورثتك أغنياء خير من تذرهم عالةً يتكففون الناس» . الحديث. ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ. . . .﴾ هنا عاد الى التحذير بشدة من أكل أموال اليتامى فقال: ان الذين يظلمون اليتامى بأخذ أموالهم في غير حق، انما يأكلون في بطونهم النار التي سوف يتعذبون بها يوم القيامة. قراءات: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: «وسيصلون» بضم الياء، والباقون بفتحها.

стр. 271

بعد ان ذكر حكم الميراث مجملا، بين هذه الآية والتي بعدها والأخرى التي في آخر السورة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة. . .﴾ أحكام الميراث الكبرى، وبقي هناك بعض الفرائض تكفّلت بها السنَّة واجتهاد الأئمة. كانت أسباب الميراث في الجاهلية ثلاثة: (١) النسب: وهو الا يكون الا للرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون العدو، وليس للمرأة والأطفال ميراث. (٢) التبني: كان الرجل يتبنى ولدا من الأولاد فيكون له الميراث كاملا. (٣) الحلف والعهد: فقد كان الرجل يحالف رجلاً آخر ويقول له: دمي دمُك، وهدمي هدمك، وترثني، وأرثك، وتُطلب بي وأُطلب بك. فاذا فعلا ذلك يرث الحي منهم الميت. ومعنى هدْمي هدْمك (يجوز فتح الدال) : إن طُلب دمك فقد طلب دمي. فلما جاء الاسلام أقرّ الاول والثالث فقط، وجعل الميراث للصغير والكبير على حد سواء، وورّث المرأة. وقد أقر الثالث بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ ، كما أبطل التبني بحكم ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ . فنظام الميراث الذي بينه القرآن نظام عادل مقعول، اعترف بذلك عظماء علماء القانون في أوروبا. وقد ابتع فيه الإسلام النظم الآتية: (١) جعل التوريث بتنظيم الشارع لا بإرادة المالك. وجعل للمالك حرية الوصية من ثلث مالهن، وفي ذلك عدالة عظمى، وتوزيع مستقيم. (٢) عل للشارع توزيع بقية الثلثين للأقرب فالأقرب، من غير تفرقةٍ بين صغير وكبير، فكان الأولاد أكثر حظاً من غيرهم في الميراث، لأنهم امتداد لشخص المالك. ويشاركهم في ذلك الأبوان والجدة والجد، لكن نصيبهم أقل من الأولاد. وذلك لأن الأولاد محتاجون أكثر من الأبوني والجدّين. . فهم مقبلون على الحياة، فيما الآباء والأجداد مدْبرون عنها. وتلك حكمة بالغة. (٣) جعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل، ليحفظ التوازن بين أعباء الرجل وأعباء الأنثى في التكوين العائلي. فالرجل يتزوج امرأة ويكلَّف بإعالتها هي وأبنائها منه، كما أنه مكلف ايضا باخوانه ووالدته وغيرهما من الأرحام. أما المرأة فانها تقوم بنفسها فقط. والقاعدة تقول: «الغُنم بالغرم» ، ومن ثم يبدو التناسق في التكوين العائلي والتوزيع الحكيم في النظام الاسلامي. (٤) يتجه الشرع الاسلامي في توزيعه للتركة الى التزوزيع ون التجيمع، فهو لم يجعلها للولد البكر كما في النظام الانجليزي، ولا من نصيب الأولاد دون البنات، ولم يحرم أحداً من الأقارب، فالميراث في الاسلام يمتد الى ما يقارب القبيلة. وقاعدته: الأقربُ فالأقرب. وقد كرّم المرأة فورّثها وفحظ حقوقها. ثم انه لم يمنع قرابة المرأة من الميراث، بل ورّث القرابة التي يكون من جانبها، كما ورث التي تكون من جانب الأب، فالأخوة والأخوةات لأمٍ يأخذون عندما يأخذ الاشقاء. وفي بعض الحالات يأخذ أولاد الأخ ويأخذ الإخوة والأخوات.

стр. 272

وهذا تكريم للأمومة لا شك فيه واعتراف بقرابتها. التفسير: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ. . .﴾ الآية يأمركم الله تعالى في شأن توريث أولادكم ان يكون: للذَّكر مثلُ حظ الانثَيين. واذا كان المولود انثى واحدة فنصيبها النصف، والباقي لأقارب المتوفى، واذا انعدم الأقابر رُدَّت التركة الى بيت المسلمين. واذا كانت الوارثات بنتَين فأكثر فمن حقهن ان يأخذن ثلثي التركة، ويكون الباقي للأقارب أو بيت المال. ولا يرث الكافر، ولا القاتل عمدا، ولا العبد الرقيق. وعند الشيعة الامامية: تأخذ البنت أو البنتان فأكثر جميع التركة، ونصيب كل من الأبوين السدس اذا كان الميت له ولد. واذا كان لم يخلّف الميت أولادا وورثه أبواه أخذت الأم الثلث وكان الباقي للأب. واذا مات الميت وترك أباً وأماً وعددا من الاخوة فلأُمه السدس والباقي للأب، اذ ان الاخوة يحجبون الأم وينقصون ميراثها ولا يرثون. وقال ابن عباس: يأخذون السدس، ولكن هذا مخالف للجمهور. وكل هذه القسمة من بعد تنفيذ الوصية اذا أوصى الفقيد، ومن بعد سداد الدَّين اذا وُجد، والدَّين مقدَّم على الوصية بإجماع العلماء. هذه فريضة من الله يجب اتباعها، اما أنتم فلا تدرون اي الفريقين أقرب لكم نفعاً: آباؤكم أو أبناؤكم، فلا تجرموا أحدا ممن له نصيب من التركة. فالله هو العليم بمصالحكم الحكيم فيما فرض عليكم. قراءات: قرأ حمزة والسكائي «فلإمه» بكسر الهمزة. وهي الآن لغة بعض البلاد الشامية. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر «يوصى» بفتح الصاد.

стр. 273

ونصيب الزوج من زوجته نصف الميراث ان لم يكن لها ولد منه أو من غيره، فان كان لها ولد فللزوج الربع. ونصيب الزوجة أو الزوجات، من زوجهنّ الرُّبع اذا لم يكن له ولد، فان كان له منهم او من غيرهن ولد فللزوجة أو الزوجات الثمن. وولد الولد كالولد فيما تقدم. وكل هذه القسمة من بعد تنفيذ الوصية وقضاء الدَّين. وبعد ان بيّن حكم ميراث الأولاد والوالدين والأزواج ممن يتصل بالميت مباشرة شرع يبين من يصتل به بالواسطة، وهو الكلالة، فقال: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً. . .﴾ وان كان الميت رجلا أو أمراة يورَث كلالة، اي ليس له ولد ولا والد ولا أم، وترك أخاً لأم أو اختا لأم فنصيب كل واحد منهما السدس. فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث للذَّكر مثل الانثى، من بعد تنفيذ الوصية وقضاء الدَّين ان وُجد. وفي كل ما تقدم يجب ان تكون الوصية من ثلث الميراث فقطن لا تزيد عليه، حتى لاتضر الورثة. وقلنا هنا إن الأخ والأخوات لأم، لأن الإخوة الاشقاء سيأتي حكمهم في آخر السورة. والوصية مستحسنة، وقد قال علي بن أبي طالب: لأن أُوصي بالخمس أحبّ الي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبُّ الي من أن أوصي بالثلث. فالزموا ايها المؤمنون ما وصاكم الله به، فانه عليم بما ينفعكم، حليم لا يعاجل الجائر بالعقوبة. قراءات: قرأ ابن كثير وابن عامر وابن عباس عن عاصم «يوصى» بفتح الصاد.

стр. 274

تلك الأحكام المذكورة في بيان المواريث وما سبقها، وهي شرائع الله تعالى التي حددها لعباده ليعلموا بها ولا يعتدّوها، فمن استقام وأطاع الله والرسول وابتع هذه الشرائع كان جزاؤه الجنة التي تجري فيها الأنهار خالدا فيها، منعماً راضياً مرضياً، وذلك هو الفوز العظيم. ومن لم يتقيد بها فانه يكون عاصيا لله والرسول، فجزاؤه نار جهنم مخلداً فيها معذباً مهانا. قراءات: قرأ نافع وابن عامر «ندخله» بالنون.

стр. 275

الفاحشة والفحش والفحشاء: ما عظُم قبحه من الافعال والأقوال. والمراد بها هنا الزنا. كانت الآيات السابقة تعالج تنظيم حياة المجتمع الاسلامي، فعُنيتْ بحقوق اليتامى والسفهاء المالية، كما عنيت بحقوق النساء وشؤون الميراث، فأبطلتْ ما كان عليه أهل الجاهلية في توزيع الميراث وبينت القسمة العادلة بياناً شافيا. أما هذه الآية فإنها تعالج حياة المجتمع المسلم، وتطهيره من الفاحشة التي كانت متفشية في أهل الجاهلية. وكان الحم في ابتداء الاسلام ان المرأة اذا ثبت زناها بشهادة أربعة رجال حُبست في بيتها فلا تخرج منه حتى تموت. وهو ما تحكم به هذه الآية. لكنه لم يستمر فقد جاء تفصيل الحكم لاحقا في سورة النور وفي الاحاديث الصحيحة. واللاتي يأتين الزنا من نسائكم، بعد ثبوته عليهن بحق، فاحبسوهن أيها المؤمنون في البيوت وامنعهن من الخروج الى ان يتوفاهن الله ﴿أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ اي يفتح لهن طريقاً مستقيما للحياة، بالزواج أو التوبة. قال ابن عباس: هذا كان الحكم لهذه الفاحشة ثم أبدله الله في سورة النور وجعله الجَلْد.

стр. 276

أما اللذان يرتكبان الزنا أو اللواط وهما غير متزوجين، فلتكن عقوبتهما الإيذاء بالتوبيخ والتأنيب بعد ثبوت ذلك بشهادة أربعة من الرجال. فإن تابا ورجعا وأصلحا عملهما فأعرِضوا عنهما ولا تذكّروهما بما ارتكبا أو تعيِّروهما به، لأن الله يقيل التوبة من عباده ويعفو عنهم برحمته الواسعة. وقال بعض المفسرين ان المراد باللاتي في أول الآية: من يأتين المساحقة، والمراد باللذان: من يأتيان اللواطة ثم عدلت العقوبة بعد ذلك. قراءات: قرأ ابن كثير «واللذان» بتشديد النون.

стр. 277

﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله. . .﴾ انما التوبة مضمونة عند الله، أوجبَ قبولها على نفسه بوعدِه الذي هو أثر من كرمه وفضله اللذين يعملون السيئات عن حماقة فيهم، وبفعل الطيش وعدم التبصر، ثم يندمون على ما فرط منهم ويتوبون الى الله. أولئك يقبل توتبهم، لأنه عليم بشئون عباده، يعلم ضعفهم ولا يؤاخذهم عليه. ﴿وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات. . .﴾ ان التوبة غيرُ مقبولة من الذين يعملون السيئات وهم مصّرون عليها، ثم يتوبون عند حضور الموت. كذلك لا تقبل التوبة من الذين يموتون على الكفر، بل لقد أعدّ الله للفريقين عذاباً اليما.

стр. 278

العضل: التضييق والشدة. ولاتعضلوهن: لا تمنعوهن من الزواج. الفاحشة: الفعلة الشنيعة. مبينة: ظاهرة، مفضوحة. المعروف: ما تألفه الطباع. روى البخاري وابو داود والنسائي وغيرهم انه كان اذا مات الرجل في الجاهلية كان أولياؤه أحقَّ بامرأته، ان شاء بعضهم تزوجها وان شاؤوا زوّجوها لمن يشاؤون، وان شاؤوا لم يزوجوها ابداً. كانوا هم أحق بها من أهلها. . فنزلت هذه الآية. ومن بعض عادات الجاهلية الممقوتة ان كان الرجل اذا مات ابوه عن زوجة غير أُمه فرض عليها زواجها منه، من غير عقد جديد. وكان اذا طلق امرأته وقد دخل بها فإنه يسترد كلَّ ما اعطاها من مهر سابق. ومنهم من كان يطلقها ويعمل على منعها من الزواح بغيره ظلماً وعدوانا. . فجاء الاسلام ورفع عنها ظُلم العضل، وهو من المرأة من الزواج بمن تريد، او ايذاؤها لحملها على طلب الطلاق لقاءَ مال تدفعه الى الزوج. كذلك كان من الجائز عندهم ان يتزوج الرجل مطلقة أبيه، فنهى الاسلام عنه، وسماه مقتا، لأنه أمر فاحش القبح. يا أيها المؤمنون لا يحلّ لكم ان تسيروا على سنة الجاهلية فتجعلوا النساء كالمتاع، وترثونهنّ كما ترثون الأموال والعبيد، وتتصرفون فيهن كما تشاؤون، تتخذونهن زوجات من غير مهر، كرهاً. ولا تظلموهن بالتضييق عليهن حتى يفتدين أنفسهن منكم بالمال الذي دفعتُموه لهن من مهور، أو ما حصلن عليه من ميراث. ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ الا ان يرتكبن إثماً بيناً بزنىً، أو بنشوز او سوء خلق، فعند ذلك لكم ان تضيّقوا عليهن أو تأخذوا بعض ما آتيتموهن عند الفراق. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف﴾ عليكم ان تحسنوا معاشرة النساء، فتدخلوا عليهن السرور بالقول والعمل. والزواج شركة يجب ان يكون فيها كل من الزوجين مدعاة لسرور الآخر وهناءته. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً. . .﴾ الآية. فالزواج مبنيّ على المودة والرحمة في الاسلام. ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ. . .﴾ لِعَيْبٍ في اخلاقهن أو خَلْقهن، أو لتقصير في العمل والواجب علهين كخدمة البيت وغير ذلك؛ او لميل منكم الى غيرهن فاصبروا ولاتَعْجلوا بمضارتّهنّ ولا مفارقتهن، عسى ان يجعل الله في المكروه خيرا كثيرا. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: «كرها» بالضم وهما لغان كَرها وكُرها. وقرأ ابن كثير وأبو بكر «مبينة» بفتح الياء، هنا وفي سورة الأحزاب وسورة الطلاق.

стр. 279

زوج: زوجة. بهتانا: ظلما، وأصل البهتان الكذبُ الذي يبهت المذكوب عليه. افضى بعضكم الى بعض: وصل بعضكم الى بعض، وامتزج به. الميثاق: العهد. الغليظ: الشديد المؤكد. واذا رغبتم ايها الازواج في استبدال زوجة مكان أخرى وأعطيتم الأولى مالاً كثيراً، فلا يحل لكم ان تأخذوا منه شيئا. . أتأخذونه ظالمين! ان ذلك إثمٌ وبهتان عظيم. وكيف يسوغ لكم ان تستردوا ما أعطيتم من المهر، بعد أن تأكدت بينكم الرابطة الزوجية المقدسة، ولا بَسَ كل منكما الآخر حتى صار بمنزلة الجزء المتمم لوجوه! ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ بهذه العبارة الهائلة يختم الله تعالى هذا الآيات فيُفرغ على عقد الزواج صبغة كريمة جعلته فوق عقود البيع والاجارة والتمليك. فتعبير «ميثاقا غليظا» الذي يعني: شديداً مؤكداً، له قمته في الإيحاء بموجبات الحفظ والمودة. والزواج في عرف الشرع عهد شريف ترتبط به القلوب، وتختلط به المصالح: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وكلمة الميثاق لم تَرِدْ في القرآن الكريم الا تعبيرا عما بين الله وعباده من موجبات التوحيد، والتزام الاحكام، وما بين الدولة والدولة من الشئون العامة الخطيرة، ثم على عقد الزواج. ومن هذا ندرك مقدار المكانة التي سما القرآن بعقد الزواج اليها.

стр. 280

سلف: مضى. مقتا: مبغوضا. ساء سبيلا: بئس العادة. لا تتزوجوا أيها الأبناء ما تزوج آباؤكم من النساء، فإنه أمر فاحش يمقته الله والناس. وكان هذا النكاح فاشيا في الجاهلية. فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال: لما مات قيس بن الأسلت قام بانه محصن فورث نكاح امرأته، ولم ينفق عليها، ولم يورّثها من المال شيئا. فأتت النبي ﵇ فذكرت له ذلك، فنزلت آية ﴿لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً. . .﴾ الخ وهذه الآية: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ. . .﴾ وهو أسوأ سبيلٍ فتجنّبوه، لكن الله يعفو عما سلف منكم في الجاهلية. بعد ذلك بيّن الشارع انواع المحرمات فقال: حرمت عليكم أمهاتكم. . الآية: ٢٣.

стр. 281

هنا يبين أقسام المحرَّمات، بدأ بالأُمهات، وكذلك يقاس عليهن الجدّات. وهن الأصول. ثم البنات، وهو الفروع. والمراد بهنّ ما يشمل بنات أصلابنا أو بنات أولادنا ممن كنا سبباً في ولادتهن. ثم الحواشي القريبة، الأخوات الشقيقات والأخوات لأب ولأم. ثم الحواشي البعيدة من جهة الأب والأم، وهن العمات والخالات. ثم الحواشي البعيدة من جهة الاخوة، بنات الأخ وبنات الأخت. ثم يأتي القسم الثاني، وهو ما حُرم من جهة الرضاعة. وهذا النوع من خصائص الاسلام، فلا يوجد مثله في شريعة اخرى من الشرائع. وهنّ الأمهات اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة. وعند مالك وأبي حنيفة يحرم قليل الرضاعة وكثيرها، وحدد بعضُهم الرضاعة بثلاث رضعات فأكثر. ومذهب الشافعي وأحدم خمسُ رضعات مشبعات. وعند الإمامية خمس عشرة رضعة، وبعضهم يقول عشر رضعات، ويشترط ان يكون وقت الرضاعة في مدة الرضاعة، يعني في سن الحولَين. وأخيرا يأتي القسم الثالث، وهو محرّمات المصاهرة التي تعرض بسبب الزواج. وهي اربعة أنواع: أمهات نسائكم، وربائبكم اللات في حجوركم من نسائكم اللات دخلتم بهن، فان عقد عقده على امراة ولم يدخل بها لا تحرم عليه بناتها. وزوجات أولادكم وأولادِهم. وحرم عليكم الجمع بين الأُختين، وبين المرأة وعمتها وخالتها، والضابط بذلك انه يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابه بحيث لو كانت احداهما ذكراً لحرم عليه بتلك القرابة نكاح الاخرى. اما ما قد مضى في الجاهلية فان الله لا يؤاخذكم عليه ان اكلله كان غفورا رحيما.

стр. 282

المحصنات: العفيفات، والمراد الحرائر المتزوجات. ما ملكت أيمانكم: ما سبيتموهن في الحروب. ما وراء ذلك. محصنين: عفيفين. غير مسافحين: المسافحة هي الزنى. وبالاضافة الى ما سبق حُرم عليكم نكاح المتزوجات عامة الا مَن سَبيتم وملكتم منهم في حرب بينكم وبين الكفار. إن عقد زواجهن السابق ينفسح بالسبي فيصِرن حالالاً لكم بعد استبراء أرحامههن، هذا ما كتب عليكم تحريمه فرضاً مؤكداً من عند الله. وأحلّ الله لكم ما وراء ذلك من النساء، تتزوجون بأموالكم منهم من تشاؤون، محصِنين أنفسكم، بعيدين عن الزنا والمخادعة. وأيّ امرأة من النساء اللات أُحللن لكم فاستمتعتم بالزواج منها، فأعطوها مهرها الذي اتفقتم عليه عند القعد. ذلك فريضة من الله فرضها عليكم لا تسامح فيها؟ . بيد أنه لا حرج عليكم فيما اذا تراضيتم على النقص في المهر بعد تقديره، أو تركه كله، أو الزيادة فيه. إن ذلك عائد للزوجين اذا ما تفاهما وعاشا في مودة وطمأنينة. وهذا مايبغيه الشارع الحكيم. وقد تمسّك الشيعة الإمامية بقوله تعالى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وقالوا ان المراد بذلك هو المتعة، وهي الزواج المؤقت. كما قالوا: ان هذا دليل واضح. ولا تزال المتعة قائمة عندهم، معمولاً بها. يقول الطَّبَرْسي، وهو من كبار علماء الشيعة الامامية في تفسيره «مجمع البيان» عده هذه الآية: «قيل المرادُ به نكاح المتعة، وهو النكاح المنعقد بمهر معين الى أجل معلوم، عن ابن عباس والسدّي وجماعة من التابعين، وهو مذهب اصحابنا الإمامية الخ» وكذلك يقول شيخ الطائفة العلاّمة ابو جعفر محمد بن الحسن الطُّوسي في تفسيره «التبيان» . ويقول ابن رشد في «بداية المجتهد» : «وأما نكاح المتعة فإنه تواترت الاخبار عن رسول الله ﷺ بتحريمه، الا انها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم. . . وأكثرُ الصحابة وجميع فقهاء الأمصار على تحريمها، واشتهر عن ابن عباس تحليلها، وروَوا انهن كان يحتج لذلك بقوله تعالى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. . .﴾ الآية وفي قراءاة عنه ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. . .﴾ الخ. وهذا الذي روي عن ابن عباس، رواه عنه ابن جريج وعمرو بن دينار. وعن عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: تمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر ونصفٍ من خلافة عمر ثم نهى عنها عمرُ الناسَ» . قراءات: قرأ الكسائي: «المحصنات» بكسر الصاد في جميع القرآن، بمعنى أحصنّ فزوجهن. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «وأُحِلّ لكم» بضم الهمزة وكسر الحاء كما هو في المصحف هنا، والباقون قرأوا «وأحل لكم» بفتح الهمزة والحاء.

стр. 283

الطول: الغنى والفضل من مال او قدرة على تحصيل الرغائب. المحصنات: الحرائر. الفتيات: الإماء. مسافحات: مستأجَرات للبغاء، وكان ذلك فاشيا في الجاهلية. والأخدان: واحدُها خِدْن، وهو الصاحب تتخذه المرأة سراً كما كان في الجاهلية. العنت: المشقة. ومن لم يستطع منكم نكاح الحرائر المؤمنات لعدم قدرته المادية على ذلك فَلَهُ ان يتزوج أَمَة من الإماء المؤمنات. والله أعلم بحقيقة إيمانكم فلا تستنكفوا من نكاحهن. فأنتم وهنّ سواء في الدين بعضكم من بعض. فإذا رغبتم في نكاحهن فتزوجوهن بإذن أصحابهن، وأدّوا لهن مهورهن التي تفرضونها لهن، حسب المعروف بينكم في توفية الحق ومهر المثل. واختاروهن عفيفات وزوجات لكم، لا مستأجَرات للبغاء جهراً، ولا متخذاتٍ العشّاق والاصحاب سراً. فإذا اقترفن الزنا بعد زواجهن فعقوبتهن نصف عقوبة الحرة. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ. . .﴾ وما اباحة نكاح الاماء عند العجز عن الحرائر لمن خشي الضرر على نفسه إلا تسهيل من الله لكم ورفعٌ للحرج. هذا، وصبرُكم على نكاح المملوكات مع العفة خير لكم، والله كثير المغفرة عظيم الرحمة. قراءات: قرأ ابو بكر وحمزة «فاذا احصنّ» بفتح الهمزة والصاد، والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد.

стр. 284

بعد ان ذكر الشارع احكام النكاح جاء هنا يبين عللها وأحكامها كما هو دأب القرآن الكريم، ليكون في ذلك طمأنينة للقلوب، وسكون للنفوس. والمعنى إن الله، بما شرعه لكم من الأحكام، يريد ان يبين لكم مافيه مصالحكم ومنافعكم، وان يهديكم مناهج من تقدَّمكم من الأنبياء، كما يريد لكم إن تتوبوا عن جميع أعمالكم السابقة في الجاهلية، فيرجع بكم الى طريق طاعته. والله مطلع على شئونكم، مدبِّر في أحكامه لما يصلح أموركم. انه يريد ان يتوب عليكم فيطهركم ويزكّي نفوسكم، أما الذين يتبعون الشهوات من الكفار والفجرة فإنهم يريدون لكم ان تبعدوا عن طريق الحق وتُمنعوا في ذلك. لقد خلق الله الانسان ضعيفا أمام غرائزه وميوله، ولذلك فإنه بتيسيره عليه في الأحكام إنما يود ان يخفف عنه ويرفع عنه الحرج. هذا هو الشرع الاسلامي الشريف.

стр. 285

اعتنى القرآن الكريم بالمال، والمحافظة عليه، والحث على تحصيله بطرق مشروعة، في كثير من الآيات. وفي هذه السورة جاءت العناية بالأموال من أولها عندما طلبت العناية باليتامى وحفظ أموالهم، ثم حذّرت من اعطاء السفهاء أموالهم. وهنا جاء النص واضحاً على العناية بالأموال والمحافظة عليها، وذلك لأن الأموا عنصر لا بد منه في الحياة، وهناك كثير من الأمور تتوقف عليها الحياة وسعادتها، من علمٍ، وصحة، واتساع عمران، لا سبيل للحصول عليها الا بالمال. ولا ريب ان الأموال هنا تشمل أموال الافراد وأموال الأمة لأنه تعالى قال: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ﴾ بمعنى انه يحرم على الافراد ان يأكل مال بعض بالباطل. ومن ثم فإن أكل أموال الأمة أو ضعها في غير مصلحتها لهو أشد حرمة عند الله، وأكبر جرماً في نظر الإنسانية. لذلك يجب ان نحافظ على أموال الأمة والدولة كما نحافظ على أموال الافراد. يا أيها الذين آمنوا لا يأخذ بعضكم مال بعض بغير حق، وقال (أموالكم) فأضافها الى جميع الأمة تنبيهاً الى تكافل الأمة في الحقوق والمصالح كأن مال كل فرد هو مال الأمة جميعا. فاذا استباح أحدهم ان يأكل مال الآخر بالباطل: كالربا والقمار، والرشوة والسرقة، والغش والتسول، وغير ذلك فقد اباح لغيره ان يأكل ماله. لقد اباح لكم التجارة بينكم عن طريق التراضي، والعملَ الحِرفي في نواح عديدة من الكسب الحلال. ثم لما كان المال شقيق الروح، فقد نُهينا عن اتلافه بالباطل كَنهْيِنا عن قتل النفس. ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ . وهذه اشارة بليغة جداً تُبيّن انه: لمّا كان من شأن أكل أموال الناس بالباطل ان يغرس الحقد في القلوب، وكثيرا ما يؤدي ذلك الى القتل والشر فقد قرنهما الشارع وجاء بهذا التعبير العظيم. ولا ريب في ان من سلب مال انساب إنما سلبه عنصراً هاماً من عناصر الحياة وصيّره في حكم المقتول. ﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ بنهيكم عن أكل الأموال بالباطل، وعن قتل أنفسكم فتهلكون. اما من يُقدم على مفعل ما حرم الله ونها عنه، اعتداءً وتجاوزاً لحقه، فسوف يكون جزاؤه يوم القيامة ناراً حامية وعذابا أليما. وعقابه هذا أمرٌ يسير على الله.
следующие страницы →