← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المرأة ولم يرضعني الرجل! ، فعلمها النبي ﷺ أنه عمها، وأنه لا مانع من ولوجه عليها (١)؛ مقررًا ﵊ في ذلك سريان التحريم إلى من نزل اللبن من مائه بفعل وطئه أصولًا وفروعًا وحواشيَ، وقد طرح هذه القضية بتوسع ووضوح أبو محمد ابن حزم، وذلك بعدما قرر أن "لبن الفحل يحرم، وهو: أن ترضع امرأةُ رجلٍ ذكرًا، وترضع امرأته الأخرى أنثى؛ فتحرم إحداهما على الأخرى" (٢)، ثم قال بعد ذلك: وقد رأى قوم من السلف هذا لا يحرم شيئًا ا. هـ، وهذا الرأي مروي عن عائشة (٣)، وابن عمر (٤) وابن الزبير (٥)، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة (٦)، وغيرهم (٧)؛ ﵃.

стр. 107

كما قد روي عن سالم بن عبد الله بن عمر (١)، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة (٢)، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وعطاء بن يسار، وسليمان بن يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة وإياس بن معاوية (٣)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر (٤)، وطاوس (٥)، ونسب إلى ربيعة الرأي، وإبراهيم بن علية (٦).

стр. 108

وغاية ما يستندون إليه عمومات (١)، وعقليات (٢)؛ لا تصمد أمام ما اتُّفق على صحته من السنة المبينة المصرحة، ولذلك قال أبو محمد ابن قدامة بعدما ساق حديث عائشة مع أفلح أخي أبي القعيس - عمها من الرضاعة الذي أمرت بالإذن له في الدخول عليها -: وهذا نص قاطع في محل النزاع، فلا يعول على ما خالفه ا. هـ (٣)، وهذه العبارة الصريحة لم يجر بها قلم ابن قدامة بتمامها في أي مسألة أخرى من كتابه المغني. وما تقدم في عدم الاعتداد بلبن الفحل لو صح عن عائشة (٤) ﵂ فهو ظاهر في كونه قبل علمها بالحكم، والدليل على أنها لم تكن تعلم الحكم؛ قولها كما في صحيح مسلم: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل؟ ! (٥)، وليكن كذلك سبب ما جاء عن غيرها، وإذا رأيت لبعضهم نقلين في المسألة؛ كطاوس؛ ظهر لك أن هذا هو السبب. ويشير إلى هذا ما روى ابن حزم بسنده إلى الأعمش؛ قال: كان عمارة وإبراهيم وأصحابنا لا يرون بلبن الفحل بأسًا - أي: لا يجعلونه محرمًا من قِبَله -، حتى أتاهم الحكم بن عتيبة بخبر أبي القعيس. (٦) ثم علق أبو محمد ابن حزم بقضية منهجية هامة جدًّا، فقال: هكذا يفعل أهل العلم، لا كمن يقول: أين كان فلان وفلان عن هذا الخبر؟ ا. هـ (٧) وهذا ليس بمستغرب إذا علمت أنه تكرر في غير مسألة؛ فإنك تجد النقول عمن كان في صدر الإسلام أنه يقول بعدم تعلق التحريم فيما دون الرضعات العشر، مع ورود نسخها صريحًا صحيحًا. وعدم إدراك المسألة بهذا التسلسل قد يربك الفقيه، ولذلك توقف في حكم لبن الفحل طائفة من الفقهاء في صدر الإسلام؛ كالذي يروى عن مجاهد، وابن سيرين. (٨) وقد تأول بعضهم فعل عائشة الأول المبني على على عدم إقرار التحريم بلبن الفحل، فقال: إن للمرأة أن تحتجب ممن شاءت من ذوي محارمها (٩)، وهذا وإن كان لها أن تفعله؛ إلا أن تخصيصها ﵂ بالاحتجاب عمن أرضعته نساء أبيها، ونساء إخوتها، ونساء بني أخواتها، دون من أرضعته أخواتها، وبنات أخواتها؛ لا يمكن إلا للوجه الذي المذكور، لا سيما مع تصريح ابن الزبير المتقدم - وهو من أخص الناس بها - بأن لبن الفحل لا يحرم، وأفتى القاسم بذلك. (١٠) والظاهر أن أقوال المسلمين قد اجتمعت بعد ذلك على تحريم لبن الفحل، من دون مخالف يذكر، وإن كان ابن القيم قد قرر عدم إمكان دعوى الإجماع في هذه المسألة، وأن من ادعاه فهو كاذب، ثم نسب القول بتحريم لبن الفحل إلى جمهور أهل الإسلام (١١)، وأردف: إن لبن الفحل يحرم، وإن التحريم ينتشر منه - يريد: الفحل زوج المرضع - كما ينتشر من المرأة، وهذا

стр. 109

هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره، وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم، فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع ويترك ما خالفها لأجلها، ولا تترك هي لأجل قول أحد كائنًا من كان، ولو تركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو لتأويلها، أو غير ذلك؛ لتُرك سنن كثيرة جدًا وتركت الحجة إلى غيرها، وقولُ من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه، وقولُ المعصوم إلى قول غير المعصوم، وهذه بلية؛ نسأل الله العافية منها، وأن لا نلقاه بها يوم القيامة ا. هـ (١)، ولكن قد نسب إلى الجمهور القول بجواز اتفاق علماء العصر على حكم معين بعد اختلافهم في ذلك الحكم؛ لأنه واقع من جميع أهل العصر الذين يصنف مخالفهم متبعًا غير سبيل المؤمنين، والوقوع دليل الجواز، وإذا جاز وقوعه استلزم حجيته من عموم الأدلة، كما أجمعت الأمة على خلافة أبي بكر ﵁ بعد الاختلاف. ولا يكون الفحل أبًا بالإجماع؛ إذا قبَّل امرأةً، أو باشرها، ثم درَّت اللبن. (٢) وهذه المسألة مبنية على مسائل أخرى، منها: الإجماع؛ هل يختص بالصدر الأول؟ وهل يختص حكم الإجماع في عصر دون عصر؟ وهل يرتفع الخلاف المتقدم؟ وهل ينقرض القول بموت صاحبه؟ فمن رام قدحًا في الإجماع بعد الاختلاف، فربما تداعى ذلك إلى أصل الاحتجاج بالإجماع (٣). وهذا يقودنا إلى مسألة لصيقة، وهي: هل يحرم من الرضاع ما يحرم من الصهر والجمع؛ كأم الزوجة من الرضاع، وبنت امرأته من الرضاع مما نزل بوطء زوج غيره، وامرأة الابن من الرضاع، والجمع بين الأختين من الرضاعة، وبين المرأة وعمتها من الرضاعة، وبينها وبين خالتها من الرضاعة؟

стр. 110

من لم ير في لبن الفحل ما ينشر المحرمية إليه؛ أصولًا، وفروعًا، وحواشي؛ فمن باب أولى أن لا يحرموا على زوج المرضع امرأة الرضيع، ولا على الرضيع امرأة الفحل (١)، وسائر ما يحرم بالمصاهرة. وأما من قال بتحريم لبن الفحل، فقد حرم نظير المصاهرة بالرضاع، وهو ما اشتهر بين الأئمة الأربعة وأتباعهم (٢)، حتى حكى ابنُ حزم الاتفاقَ على "أن أم الزوجة من الرضاعة بمنزلتها من الولادة، وأن ابنتها من الرضاعة كابنتها من الولادة، ولا فرق" (٣)، والقرطبيُّ الإجماعَ على حرمة حليلة الابن من الرضاع، ونص على أن مستند الإجماع في ذلك هو الخبر المرفوع: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٤)، ولم أرَ من خالف ذلك ممن قال بتحريم لبن الفحل؛ إلا ما كان من تقي الدين ابن تيمية حين توقف، وقال: إن كان قد قال أحد بعدم التحريم؛ فهو أقوى ا. هـ (٥)، والواقع أن الفقهاء لم يذكروا في هذا قولًا آخر؛ بل حكوا عدم علمهم بالخلاف (٦)؛ لكن نسب المرداوي إلى تقي الدين أنه لا يحرِّم من الرضاع ما يحرُم من المصاهرة، وأردفها بفتوى للإمام أحمد من رواية ابن بدينا يقرر فيها التحريم بالرضاع نظير المصاهرة (٧). وقد كانت أدلة الجماهير إلى ما ذهبوا إليه ما يأتي: ١ - إن تحريم هذا داخل في قول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" (٨)؛ لأنه أجرى الرضاعة مجرى النسب، وشبَّهها به؛ فثبت تنزيل ولد الرضاعة

стр. 111

وأبي الرضاعة منزلة ولد النسب وأبيه؛ فما ثبت للنسب من التحريم ثبت للرضاعة؛ كامرأة الأب، والابن، وأم المرأة، وابنتها من النسب، وإذا حرم الجمع بين أختي النسب حرم بين أختي الرضاعة. (١) ونوقش بما يأتي: أ- الله سبحانه حرم سبعًا بالنسب وسبعًا بالصهر، ومعلوم أن تحريم الرضاعة لا يسمى صهرًا وإنما يحرم منه ما يحرم من النسب، ولم يقل في الحديث: ما يحرم بالمصاهرة، ولا ذكره الله سبحانه في كتابه كما ذكر تحريم الصهر من النسب، ولا ذكر تحريم الجمع في الرضاع كما ذكره في النسب، وإثباتكم له جاء من طريق القياس، وقد غفلتم عن كون الفارق بين الأصل والفرع أضعاف أضعاف الجامع، فإذ الرضاعة جعلت كالنسب في حكم لم يلزم أن تكون مثله في كل حكم؛ بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعاف ما اجتمعا فيه منها، وقد ثبت جواز الجمع بين اللتين بينهما مصاهرة محرمة، كما جمع الحسن بن الحسن بن علي بين بنتي عم في ليلة، وجمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وابنته (٢)، وإن كان بينهما تحريم يمنع جواز نكاح أحدها للآخر لو كان ذكرًا، فهذا نظير الأختين من الرضاعة سواء؛ لأن سبب تحريم النكاح بينهما في أنفسهما، وهؤلاء نساء النبي ﷺ هن أمهات المؤمنين في التحريم والحرمة فقط، لا في المحرمية؛ فليس لأحد أن يخلو بهن ولا ينظر إليهن، بل قد أمرهن الله بالاحتجاب عمن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن ومن بينهن وبينه رضاع؛ فقال تعالى: ﴿وَإذَا سَألتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسألُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابِ﴾ [سورة الأحزاب: ٥٣]، ثم هذا الحكم لا يتعدى إلى أقاربهن ألبتة، فليس بناتهن أخوات المؤمنين يحرمن على رجالهم بل هن حلال للمسلمين باتفاق المسلمين. (٣) وأجيب: بأن جابر بن زيد وغيره قد كرهوه للقطيعة، ولم يكن فيه تحريم لقول الله : ﴿وَأُحِلُّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٤]. (٤)

стр. 112

ب- إن الصهر قسيم النسب وشقيقه، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مَنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [سورة الفرقان: ٥٤]، فالعلاقة بين الناس بالنسب والصهر، وهما سببا التحريم، والرضاع فرع على النسب، ولا تعقل المصاهرة إلا بين الأنساب. (١) ج- إن الله تعالى إنما حرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها؛ لئلا يفضي إلى قطيعة الرحم المحرمة، ومعلوم أن الأختين من الرضاع ليس بينهما رحم محرمة في غير النكاح، ولا ترتب على ما بينهما من أخوة الرضاع حكم قط غير تحريم أحدهما على الآخر؛ فلا يعتق عليه بالملك، ولا يرثه، ولا يستحق النفقة عليه، ولا يثبت له عليه ولاية النكاح ولا الموت، ولا يعقل عنه، ولا يدخل في الوصية والوقف على أقاربه وذوي رحمه، ولا يحرم التفريق بين الأم وولدها الصغير من الرضاعة، ويحرم من النسب، والتفريق بينهما في الملك كالجمع بينهما في النكاح سواء، ولو ملك شيئًا من المحرمات بالرضاع لم يعتق عليه بالملك. (٢) د ــ قال الله تعالى في المحرمات: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصلَابِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع؛ فكيف إذا قيد بكونه ابنَ صلب، وقصد إخراج ابن التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع. (٣) وأجيب عنه: بأن هذا القيد إنما كان لإسقاط اعتبار التبني وإبطاله (٤)، وبأن امرأة الابن من الرضاع تحرم بالإجماع كما تحرم امرأة الابن الصلبي. (٥) وعامة ما في مناقشاتهم واستدلالاتهم لا يخرج من معقول يخالف صريح المنقول، أو منقول (٦) - وما في حكمه - يخالفه منقول أخص، فاستبان ترجُّحُ قولِ الجمهور في هذا. ولعل من أسباب الخلاف في مسألة حرمة نظير المصاهرة بالرضاع؛ ما يأتي:

стр. 113

١ - المعتبر في دليل الخطاب؛ فمن لم يحتج بمفهوم المخالفة - وهم أكثر الحنفية -؛ لم يروا في قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصلَابِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٣] ما يدل على حل نكاح زوجة الابن من الرضاع، ومن احتج به في بعض الصور دون الجميع - وهو قول طائفة؛ كتقي الدين ابن تيمية -؛ أمكنه أن لا يعَدِّي مفهوم المخالفة في الآية الكريمة إلى غير أبناء التبني، ومن احتج بعموم جميع مفاهيم المخالفة - وهم الجمهور؛ في غير مفهوم اللقب -؛ فأصوله تحمله على القول بحل حلائل الأبناء سوى أبناء الصلب. (١) ولقائل أن يقول: إذا كان الجمهور يعتبرون مفهوم المخالفة حجةً؛ فما بالهم أغفلوا مفهوم المخالفة من الآية، وحرَّموا حلائل أبنائنا الذين من أصلابنا وحلائلَ أبنائنا من الرضاعة، مع كون الآية نصت على حلائل أبناء الصلب، ومقتضى مفهوم المخالفة الذي يحتجون بعمومه حلُّ زوجاتِ الأبناء من الرضاعة؟ والجواب: إن شروط الاحتجاج بمفهوم المخالفة عندهم لم تتوافر في هذا النص، وذلك أن تخصيص الأبناء ذوي الحليلات بوصف الصلبية جرى مجرى الغالب، وحينذاك لا يحتج به؛ إذ الغالب كون الابن صلبيًّا، ومن الذي يكون له ابن من الرضاع إذا ما قورن بمن له ابن من النسب والصلب؟ . (٢) فإن قيل: فما معنى قول الحق جل ذكره: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٤]، بعد قوله سبحانه في بيان من يحرم نكاحهن: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصلَابِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، إلا أن تكون حلائل أبناء غير الصلب مما أحل بنص الآية؟ كان الجواب: إن الله ﵎ لما ذكر في الآية التي بين فيها المحرمات من ذكر؛ اقتصر على من هو محرم بكل حال؛ مثل: الأم، والأخت، والعمة، والخالة ... ، حتى ذكر حليلة ابنه الصلبي، وهي من تحرم عليه بالاتفاق ولو طلقها الابن، فأما من لم يحرم نكاحه بإطلاق؛ كأخت الزوجة، أو عمتها، أو الأجنبية الخامسة؛ فلم يكن هذا محلها؛ لأن نكاحها ليس

стр. 114

حرامًا بكل حال، وكذلك الشأن في حليلة ابن الرضاع؛ تحرم على أبيه ما لم يطلقها، ولذلك كان التقدير: وأحل لكم ما وراء ذلكم بالحال التي أحلها به. (١) وبعد ذلك، فلبيان أثر استخدام مدرات الحليب في انتشار المحرمية؛ أنتقل إلى دراسة المسائل الآتية: المسألة الأولى: رضاع البكر . صورة المسألة: إذا نزل للبكر (٢) لبن، فأرضعت به صبيًّا؛ فهل يتعلق به تحريم (٣)؟ اختلف فقهاء الإسلام في تعلق التحريم بلبن البكر، على ما يأتي: القول الأول: إذا نزل للبكر بنت تسع سنين لبن، فأرضعت به صبيًّا؛ تعلق به التحريم، وصارت أمًّا للصبي، ولو كانت صبية لا يوطأ مثلها، أو نقصت عن سن المحيض، ولا أب له. وبه قال الثوري (٤)، وهو قول للحنفية (٥)، والمذهب عند المالكية (٦)، وبه قال الشافعي (٧)، وأبو ثور (٨)، وأظهر الروايتين عند الحنابلة (٩) التي عليها جماهير الأصحاب (١٠)،

стр. 115

وصححها أبو محمد ابن قدامة (١) وشمس الدين ابن قدامة (٢)، وابن حامد (٣)؛ لكن الرواية المنصوصة غير ذلك (٤)، وهو قول كل من يحفظ عنه ابن المنذر (٥). القول الثاني: يحرم؛ إذا بلغت التاسعة عمُرًا. وهو إطلاق بعض الحنفية (٦)، ووجه للحنابلة (٧). القول الثالث: يحرم؛ إن كان يوطأ مثلها. وهو قول بعض المالكية (٨). القول الرابع: يحرم؛ إن لم تنقص عن سن المحيض؛ سواء كان يوطأ مثلها، أو لا. وهو قول عند المالكية (٩).

стр. 116

القول الخامس: يحرم إن كانت محتملة الولادة؛ بأن تبلغ تسع سنين، ولا يكون المرتضع ابنًا لرجل، وإنما هو ابن للمرأة التي أرضعته، أما إن لم يحكم ببلوغها، فلو ظهر لصغيرة دون تسع سنين لبن؛ لم يحرم. وهو مذهب الشافعية (١). القول السادس: لا يحرم لبن البكر. وهو قول عند الشافعية (٢)، والرواية المنصوصة عند الحنابلة (٣)؛ استظهرها في المذهب صاحب الفروع (٤)، وصححها بعض الأصحاب (٥). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إطلاق النص في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٣]؛ حيث لم يفصل فيه بين بكر وثيب. (٦) ٢ - قول النبي ﷺ : "الرضاعة من المجاعة" (٧)، وقوله: "الرضاعة ما أنبت اللحم" (٨)، وذلك عام، وهو موجود في لبن البكر. (٩)

стр. 117

٣ - إن لبنها يغذي، فيثبت به شبهة البعضية، وألبان النساء إنما خلقت لغذاء الأطفال. (١) ونوقش بما يلي: أ- ندرته (٢)، والحكم في الشريعة للغالب. وأجيب عنه: بأن جنسه معتاد. (٣) ٤ - إنه في غير معنى ولد الزنا - وإن كانت له أم ولا أب له -؛ لأن لبنه الذي أرضع به لم ينزل من جماع. (٤) ٥ - إنه لبن امرأة فتعلق به التحريم؛ كما لو ثاب بوطء. (٥) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه سبب النشوؤ - يعني: العمر -؛ فتثبت به شبهة البعضية. (٦) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - قياسًا على الولادة (٧)، وهي سبب ثوبانه، فكذلك الوطء هو الآخر سببًا لثيابة اللبن. أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس بما يأتي: أولًا: الاستدلال على نصب البلوغ علامة للبن المحرم: ١ - إن احتمال البلوغ قائم، والرضاع كالنسب، فكفى فيه الاحتمال. (٨) ثانيًا: الاستدلال على أن المرتضع لا يكون ابنًا لرجل، وإنما هو ابن للمرأة التي أرضعته: (٩)

стр. 118

١ - ... إن الحرمة إنما تثبت بين الرضيع والفحل إذا كان منسوبًا إلى الفحل؛ بأن ينتسب إليه الولد الذي نزل عليه اللبن (١). أدلة القول السادس: استدل أصحاب القول السادس بما يأتي: ١ - إنه نادر، لم تجر العادة به لتغذية الأطفال؛ فأشبه لبن الرجال والبهيمة. (٢) ٢ - إنه ليس بلبن حقيقة، بل رطوبة متولدة؛ لأن الرضاع ما أنشر (٣) العظم وأنبت اللحم، وهذا ليس كذلك. (٤) ونوقش بما يأتي: أ- إن جنسه معتاد. (٥) كما يمكن أن يناقش بما يأتي: ب- إن معنى التغذية الموجود في حليب مَن ثاب لبنها عن حمل من انفتاق الأمعاء وسد المجاعة ثم نشوز العظم ونبات اللحم؛ قد تحقق بلبن البكر، فلا معنى للتفريق بين المتماثلين في أحكام الشريعة، ولا دليل على ما يخصص نصوص ثبوت التحريم العامة. ج- إنه مقتضى الاحتياط. - الترجيح: تعود الأقوال الستة في الجملة إلى قولين؛ التحريم بلبن البكر، وعدم التحريم. وعامة قيودات أرباب التحريم ترجع إلى أمور ظنية، غلب على الظن معها عندهم أن الحليب يكون معها شبيهًا بالحليب الثائب عن الحمل أو الوطء في خصائصه وصفاته. ومن لم ير التحريم؛ يفهم مما استدل به أن ما خرج من ثدي البكر لو كان يشبه ما ثاب عن الحمل أو الوطء من الألبان في صفاته ومكوناته؛ أنه يثبت به التحريم. وإذا كان ذلك كذلك؛ لم يعد بدٌّ من القول بتحريم لبن البكر إن سمي حليبًا؛ بحيث يشبه الحليب الثائب عن الحمل، وهذا مقتضى حمل نصوص الشريعة في الباب على ما تسعه من المعاني وتقتضيه من المقاصد؛ فإنها - أي: البكر التي ثاب لبنها - سدت جوعة الرضيع بلبنها ففتقت به

стр. 119

أمعاءه وشدَّت عظامه، ولها عليه حقٌّ بإرضاعه من لبنها؛ حيث صار جزء من بدنها فيه، وتقدم قريبًا من المرفوعات المتفق عليها: "الرضاعة من المجاعة"، والمقصود من هذا الحديث: أنه لا يحرم من حليب المرضع إلا ما كان يسد جوعة الرضيع من دون أن يجتمع معه غيره من الطعام. (١) قال ابن باز ت ١٤٢٠ هـ: كل امرأة ثاب لها لبن، فأرضعت به طفلًا خمس رضعات في الحولين؛ فإنه يحرِّم؛ سواء كان اللبن من امرأة حامل، أو ثيب، أو بكر متزوجة أو غير متزوجة، أو كبيرة السن؛ فإنه محرم، وكلام الفقهاء أن اللبن المحرم هو ما ثاب عن حمل لا دليل عليه؛ لأن الحديث عَمم، ولم يخصص ا. هـ (٢) - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - إذا أراد زوج البكر التي أرضعت في بكارتها أن يتزوج ممن أرضعتها فلا مانع؛ إذا طلقها قبل الدخول؛ لأن الحرمة لا تتعدى إلى زوجها. أما لو طلقها بعد الدخول؛ فليس له التزوج بالرضيعة؛ لأنها صارت من الربائب التي دخل بأمها (٣)، وهذا عند من يرى في لبن البكر ما يحرم، ومن لم فيه شيئًا لم يكن له مدخل في القول بالمنع. ٢ - إذا نزل للبكر ماء أصفر؛ لم يحرِّم، حتى تجري عليه أوصاف اللبن، فيحكم بها (٤)، وهذا مبني على قول من يقول بتحريم لبن البكر - وهو الراجح -، وأما من لم ير فيه ما يحرم مطلقًا، فلا ترد عليه هذه المسألة. ٣ - لو أن بكرًا نزل لها لبن، فحلب - وهي لم تمسس بنكاح ولا غيره، ولم يعلم لها حمل -، فأُرضع به مولود خمس رضعات؛ كان ابنها - على المترجح -، ولا أب له (٥)؛ خلافًا للقول المرجوح الذي قال فيه أصحابه بعدم تحريم لبن البكر مطلقًا، وهم نفر من الشافعية والحنابلة (٦).

стр. 120

٤ - إذا نزل لثيِّب - لم يعلم لها حمل - لبنٌ، فحلب، فخرج لبن فأرضعت به مولودًا خمس رضعات؛ كان ابنها - على ما ترجح -، ولا أب له. (١) ٥ - إذا تعاطت حائلٌ عقارًا مدرًّا للحليب، فعاد ثوبان الحليب إليها، أو تضاعف، أو نشأ؛ فأرضعت به صبيًّا، أو تبرعت به لبنك؛ انتشرت به الحرمة؛ على ما ترجح من قول الجمهور. - سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ما يأتي: ١ - القياسالخفي؛ هل يقاس لبن البكر الثائب بلا حمل أو وطء على اللبن الثائب عن حمل؟ أو هو أقرب في معناه إلى لبن البهيمة واللبن الثائب من رجل فيقاس عليهما؟ من قال بالأول - وهم الجمهور - أثبتوا التحريم بلبن البكر، ومن رأى القياس الثاني - وهم نفر من الشافعية والحنابلة -؛ لم ير في لبن البكر ما يحرِّم. المسألة الثانية: رضاع البكر إذا تزوجت . صورة المسألة: بكر نزل لها لبنٌ، فنكحت ولها لبن؛ فهل يكون الزوج أبًا للرضيع إلى جانب أمومة المرضعة؟ اختلف في ذلك الفقهاء على ما يأتي: القول الأول: هو هنا للمرأة وحدها ولا أب للرضيع. وبه قال الحنفية بقيد عدم الدخول (٢)، وبعض الشافعية؛ إلا أن تحمل من زوجها ولا يكون للرضيع أب حتى ينفصل المولود (٣). القول الثاني: يكون الزوج أبًا إزاء كون المرضع أمًّا. وبه قال المالكية (٤)، وهو ظاهر مذهب الشافعي (٥)، وقول للشافعية (٦)، واختاره ابن باز (٧).

стр. 121

القول الثالث: يكون الزوج أبًا إذا حملت منه. وهو قول للشافعية (١)، والحنابلة (٢). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن نسبته إليه إنما تكون بسبب الولادة منه، وإذا انتفت انتفت النسبة. (٣) ٢ - قياسًا على البكر. (٤) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - كون اللبن بسبب وطء الزوج. (٥) ٢ - إنه لم يحدث لها زوج غيره. (٦) ٣ - إن اللبن يكون للفحل بثلاثة أسباب: أن يوجده، أو يكثره، أو يباشر منيه الولدَ في البطن، وهو هنا قد أوجده أو كثره بوطئه؛ لأن الوطء يكثر الحليب، وهو من أسباب إدراره. (٧) كما يمكن أن يستدل لهم بما يأتي: ٤ - إطلاق الله سبحانه الحكم بالتحريم في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، مع قول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" (٨)، وقوله في عم عائشة ﵂ من الرضاعة: "ائذني له؛ فإنه عمك" (٩).

стр. 122

- الترجيح: يظهر مما تقدم من الأدلة والمناقشات وجاهة القول الثاني؛ لأن الابن الصلبي ينسب بمحض العقد مع الإمكان؛ لأن العقد مظنة حصول موجب الحمل، وليكن كذلك ما قيس عليه في الشريعة، وهو الابن من الرضاع؛ فإن الزوج مظنة حصول ما ينشئه أو يكثره. والأصل في البكر التي در لها لبن ثم تزوجت أنها توطأ إذا دخل بها زوجها، والوطء يكثر اللبن فيما قرره الفقهاء قديمًا وأشارت إليه الدراسات الطبية حديثًا (١). وإلى جانبه؛ فإن لزوج المرضعة على من أرضعته وهي في عصمته حقًّا؛ لأن الرضاع أخذ نصيبًا من بدنها ووقتها وعموم منفعتها، فإذِ الشريعة وضعت المرضعة منزلة الأم لمن أرضعت، فلأن يكون زوجُها أبًا من الرضاعة فعلى ذلك القانون جرى. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر فيما يأتي: ١ - لو ولدت الزوجة للزوج فنزل لها لبن فأرضعت به، ثم جف لبنها، ثم در فأرضعته صبية؛ فإن لابن زوج المرضعة التزوج بهذه الصبية، ولو كان صبيًّا حل له نكاح بنات هذا الرجل من غير المرضعة، وهذا عند الحنفية (٢) ومن رأى رأيهم، ومن لا؛ فلا. ٢ - إن طلق رجل امرأته ولها لبن من ولد كانت ولدته منه، ثم هي تزوجت آخر ولبنها في ضرعها من دون أن تلد؛ لم يزد ولم ينقص، فأرضعت به صبيًّا قبل أن تحمل من الزوج الثاني؛ فلمن يكون هذا الصبي؟ يكون اللبن من الزوج الأول، ومن أرضعت فهو ابنها وابن الزوج الأول، ولا يكون ابن الآخر ولو أصابها أو حملت منه أو زاد اللبن بوطئه، ولو أن لبنها جف ثم لم يثب حتى أصابها

стр. 123

الزوج الآخر؛ لم يتغير الحكم؛ في مذهب الحنفية (١)، وبعض المالكية بشرط عدم انقطاعه (٢)، والشافعي (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة إلا أن يزيد اللبن بحمل من الآخر (٥)، وابن حزم (٦). وينقطع بوطء زوج ثان، وإن دام الحليب؛ كما يسقط حكم الثاني إن طلقها الثاني وطالت المدة؛ في قول بعض المالكية؛ كاللخمي (٧). وتكون أمًّا له، ولا يصير واحد من الزوجين أبًا له إن انقطع اللبن، ويحرم على الرجلين بكونها ربيبته؛ في مذهب الحنابلة (٨). فأما إن حملت من الزوج الآخر؛ فهو ابن للأول دون الثاني حتى تضع وتلد فيكون اللبن من الثاني؛ في مذهب أبي حنيفة (٩) وأتباعه (١٠)، وبعض المالكية (١١)، وما نسب إلى الشافعي في قوله الثالث (١٢). وهو ابن للثاني؛ إذا عرف أن هذا اللبن الذي أرضعت به الصبي من الزوج الثاني؛ في مذهب أبي يوسف (١٣).

стр. 124

وهو منهما جميعًا، وابنٌ لهما؛ في مذهب محمد بن الحسن (١)، وبعض المالكية بقيد عدم الانقطاع (٢)، والحنابلة بقيد أن يزيد لبن من الحمل الثاني أو يثوب بالحمل بعد انقطاع (٣)؛ فإن حملت منه ولم تلد أو يزد لبنها فهو للأول (٤) وتنقطع أبوة الزوج الأول بوطء زوج ثانٍ وإن دام الحليب؛ في قولٍ لبعض المالكية؛ كاللخمي (٥)، وقال آخرون منهم: تنقطع أبوة الزوج الأول بمحض الحمل. (٦) ويكون اللبن للأول إذا سئل النساء عن الوقت الذي يثوب فيه اللبن ويبين الحمل؛ فإن قلن: الحمل لو كان من امرأة بكر أو ثيب ولم تلد قط، أو امرأة قد ولدت؛ لم يأت لها لبن في هذا الوقت؛ إنما يأتي لبنها في الثامن من شهورها أو التاسع؛ فاللبن للأول، فإن دام فهو ابن للأول؛ ما بينه وبين أن يبلغ الوقت الذي يكون لها فيه لبن من حملها الآخر؛ في مذهب الشافعي (٧). وفصل آخرون بشكل الأوسع؛ ففي قول للشافعية أن الأمر لا يخلو: أأن لا يدخل وقت حدوث اللبن للحمل (٨)؛ فاللبن للأول؛ سواء زاد على ما كان أو لا، وسواء انقطع ثم عاد أو لا. ب أن يدخل وقت حدوث اللبن للحمل، وهنا لا يخلو: ١ - إما أن ينقطع اللبن مدة طويلة؛ فاللبن للأول، وللثاني في قول آخر عندهم، ولهما في قول ثالث لهم أيضًا. ٢ - وإما أن لا يكون كذلك؛ بأن لم ينقطع، أو انقطع مدة يسيرة؛ فاللبن للأول، ولهما في قول آخر عندهم، ولهما بقيد زيادة اللبن وإلا فللأول في قول ثالث لهم. (٩) وقال الحنابلة: لا يخلو: أ- إن لم يزد أو ينقطع فهو ابن الأول، وهو لهما في قول ثانٍ عندهم. ب ــ إن زاد أو انقطع صار ابنًا لهما، وفي احتمال عندهم أنه إن زاد فلهما أو انقطع فللثاني وحده. (١٠) وقال ابن حزم: إن تمادى اللبن؛ فهو للأول؛ إلا أن يتغير ثم يعتدل، فإنه إذا تغير؛ فقد بطل حكم الأول، وصار للثاني (١١). ٣ - إذا نزل لبكر لبن، فتزوجت وحملت ولها لبن، ثم تعاطت ما يدر الحليب من المصنعات الحديث، فكثره أو در بعد جفافه؛ لم يؤثر ذلك في انتشار المحرمية إليها، وإلى زوجها أيضًا على ما ترجح. - سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى المسائل الآتية: ١ - ما تتحقق به أبوة زوج المرضع؛ فمن أناطه بانفصال الولد من الحمل ولم ير في غيره موجبًا لثيابة اللبن - وهم بعض الشافعية (١٢) -؛ لم ير في الوطء ما يثيب اللبن ولا في عقد النكاح ناسبًا للزوج، ومن رأى في الحمل ما يحقق نسبة اللبن إلى أبي الحمل - وهو مذهب الشافعي (١٣) وبعض أتباعه (١٤) والحنابلة (١٥) -؛ أثبت الحرمة بين الرضيع والزوج إلى جانب المرضع

стр. 125

- وهي الزوجة -، ومن رأى في الوطء مثيبًا للبن - وهم المالكية (١) -؛ ألحق بالزوج كل مرضع وطئها من زوجاته. المسألة الثالثة: إذا نزل للرجل حليب، فأرضع به صبياً . يطلق بعض الفقهاء هذه المسألة: إرضاع الذكور (٢)، وقد اختُلف في تصوّر هذه المسألة وقوعًا، فقال الشافعي: ولا أحسبه ينزل للرجل لبن ا. هـ (٣)، ثم بين حكم المسألة إذا نزل. القول الأول: إذا نزل للرجل لبن، فأرضع به صبياً؛ لم يتعلق به التحريم. وهو قول عامة أهل العلم (٤)؛ من الحنفية (٥)، وأحد قولي مالك (٦)، وقول الشافعي (٧)، والصحيح عند الشافعية (٨)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٩). على أن الشافعي كره للرجل وولده نكاح الصبية إذا ارتضعت منه، وتبعه المنتسبون إلى مذهبه. (١٠) القول الثاني: تقع الحرمة به. وبه قال المالكية، (١١) وبعض الشافعية؛ كالكرابيسي (١٢).

стр. 126

- الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إنه ليس بلبن على الحقيقة؛ لأن اللبن إنما يتصور ممن تتصور منه الولادة. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إن ذلك محمول على الغالب. (٢) ٢ - إن الله تعالى ذكر رضاع الوالدات، والوالدات إناث، والوالدون غير الوالدات، وذكر الوالد بأن عليه مؤنة الرضاع، فقال سبحانه: ﴿وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ فلم يجز أن يكون حكم الآباء حكم الأمهات، ولا حكم الأمهات حكم الآباء؛ وقد فرق الله بين أحكامهم. (٣) ٣ - قول الحق تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٣]. (٤) ٤ - إن تحريم الأخوّة فرع على تحريم الأمومة, ولا يثبت تحريم الأمومة بهذا الرضاع, فالأخوّة أولى. (٥) ٥ - إنه لم يخلق لغذاء المولود الآدمي, أشبه العظام. (٦) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إن الحرمة إذا وقعت باللبن عن وطئه، فبِلَبنه أولى. (٧)

стр. 127

٢ - إنه لبن آدمي؛ فأشبه لبن الآدمية. (١) - الترجيح: قد ظهر مما تقدم أن الراجح هو القول الأول، فإن قيل: قد حرمتم لبن البكر والغالب في مثلها عدم اللبن بحجة تحقق معنى التغذية؛ فكيف اضطرب ميزانكم هنا؟ قيل: إنه لما كان الغالب في النساء ظهور اللبن المغذي من أثدائهن عند سببه اعتبر جنسهن، وعلى العكس من ذلك الرجل في الغالب، والنادر لا حكم له. - ثمرة الخلاف: ترتب على هذه المسألة أثر في فروع فقهية؛ منها: ١ - توريث شبهة في نكاح من أرضعه الرجال من قبل المرضع أو ولده؛ حيث كرهه مالك (٢)، والشافعي (٣). ٢ - إن نزل لرجل لبن فأرضع به مولودة، ثم نكحها؛ لم يفسخ النكاح؛ فيما صرح به الشافعي (٤)، وهو مقتضى قول الجمهور في عدم اعتبار ما يثوب من الرجال محرمًا. ٣ - لو ارتضع اثنان من رجل؛ لم يصيرا أخوين، ولم تنتشر الحرمة فيما بينه وبينهما (٥) في قول عامة أهل العلم (٦)، خلافًا للكرابيسي (٧) ومن معه، وتقدم خلافه. ٤ - إذا أقيمت عمليات على ذكر لمسخ جنسه إلى أنثى؛ بإخصائه، ثم إجراء عملية جراحية لإيجاد فرج ومهبل، ثم إعطائه هرمونات الأنوثة كي تنمو أثداؤه وينعم صوته، ويتوزع الدهن في جسمه على هيئة الأنثى (٨)؛ فحيث كان الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن العبرة بالحقائق والمعاني؛ يخرج القولان الآنفان في رضاع الرجل على المتخنث في هذه المسألة المعاصرة، وقد تقدم أن عامة العلماء على عدم اعتبار حليب الرجل سببًا في

стр. 128

التحريم، خلافًا للمالكية، وبعض الشافعية، ولذلك لم يكن في رضاع هذا الممسوخ ما يورث تحريمًا؛ على الراجح. ٥ - إذا تعاطى رجلٌ المدراتِ الصناعية للحليب، فدرت له لبنًا، أو كثرته، أو أوجدته بعد جفافه؛ لم يكن الحليب ناشرًا للتحريم؛ فيما ترجح، وفق قول عامة أهل العلم. - سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الآتي: ١ - هل الاعتبار بالألقاب والمسميات أو الاعتبار بالمعاني؟ فمن اعتبر الألفاظ والتسمية؛ قال بوجوب التحريم؛ لمشاركة الاسم التحريم، ومن اعتبر المعاني قال: لا يوجب التحريم، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، والرجل ليس بأم. (١) المسألة الرابعة: إدرار الآيسة . صورة المسألة: إذا درت يائسة من المحيض أو عجوز لا تلد لبنًا، فأرضعت صبيًّا؛ فهل تكون أمًّا له؟ طرح بعض الفقهاء هذه المسألة، وكانت الأقوال فيها على ما يأتي: القول الأول: تكون أمًّا له، وإن كانت اليائسة لا توطأ -يريد: ولو لم يكن الحليب ثائبًا من وطء-. وبه قال المالكية (٢)، ونسب للحنفية (٣)، وهو ظاهر اختيار ابن إبراهيم (٤)، واختيار ابن باز، وابن عثيمين، وجماعة من المعاصرين (٥). القول الثاني: إذا كان يوطأ مثلها؛ يحرِّم. وهو قول بعض المالكية؛ كابن عبدالبر (٦).

стр. 129

تنبيه: قد ضربت صفحًا في هذه المسألة وغيرها عن بعض الشروط التي يذكرها بعض الفقهاء ضمن أقوالهم، وهي داخلة في مسائل أخرى؛ حررتها في مواضعها؛ كاشتراط المالكية كون اللبن ليس ماءً أصفرَ، أو إنه في الحولين؛ درءًا للإطالة، وتوحيدًا للمبحوث. (١) واستدل أصحاب القول الأول بأن لبنها يغذي فيصدق عليه تعريف الرضاع شرعًا، وبأنها أم مرضعة يشملها عموم قول الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [سورة النساء: ٢٣]. (٢) والراجحالقول الأول إن سمي حليبًا؛ لتحقق خاصية الغذاء التي تنبت لحم الرضيع وتشد عظمه، وهو المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم الرضاعي. ومن ثمرة ذلك وفق المترجح: ١ - ما لو در ليائس حليبًا بفعل عقار طبي، فأرضعت منه صبيًّا؛ ثبت به التحريم ولزوجها، ولو لم يكن يطؤها. ٢ - إذا خرج من ثدي الآيسة إفرازات ملونة ولزجة قبيل سن الإياس؛ لم ينتشر بها التحريم. المسألة الخامسة: رضاع المطلقة . صورة المسألة: إن يطلق رجل زوجته التي دخل بها، ويكون لها لبن منه، فترضعت به طفلًا قبل أن تنكح زوجًا غيره؛ فهل يصير الرضيع ابنًا للمطلق؟ أو أن نسبة اللبن له تنقطع بطلاقه؟ تناول الفقهاء هذه المسألة، واختلفوا فيها على ما يأتي: القول الأول: لا تنقطع نسبة اللبن بطلاقه؛ فالمولود ابنها، وابن الزوج الذي طلقها؛ في العدة، أو بعدها.

стр. 130

وهو ظاهر مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ومذهب الشافعي (٣)، ومذهب أتباعِه الشافعيةِ (٤)، وأردفوا: وسواء قصرت المدة أم طالت كعشر سنين وأكثر، وسواء انقطع اللبن ثم عاد، أم لم ينقطع، وصححه النووي (٥). القول الثاني: كالقول الأول؛ غير أنه إن انقطع اللبن وعاد بعد مضي أربع سنين من وقت الطلاق لم يكن منسوبًا إليه. وهو قول عند الشافعية (٦)؛ اختاره البغوي (٧). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إنه لم يحدث لها زوج غيره. (٨) ٢ - إنه لم يحدث ما يُحال اللبن عليه. (٩) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني على ثبوت التحريم للمطلق بما استدل به أصحاب القول الأول (١٠)، ثم استدلوا على أن اللبن إن انقطع من المطلقة وعاد بعد مضي أربع سنين من وقت الطلاق لم يكن منسوبًا إلى المطلِّق بما يأتي: ١ - كما لو أتت بولد بعد هذه المدة؛ لا يلحقه. (١١) - الترجيح: الراجح أن الرضيع ابن للمرضعة المطلَّقة ولم تتزوج بعد، وابن لمن كان ثوبان اللبن بسببه، وهو الزوج المطلق، ولا يعود الانقطاع أو الضعف الذي يتخلل

стр. 131

الثوبان على أصل الحكم - وهو انتشار التحريم - بالنقض، أو سبب الثوبان - وهو الزوج - بالإبطال. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - لو كانت تحت رجلٍ كبيرةٌ فطلقها، فنكحت صغيرًا دون الحولين بولاية أبيه، وأرضعته بلبن المطلق؛ حرمت على المطلق أبدًا كما تحرم على الصغير؛ لأنها أم الصغير، وحليلة الابن الرضاعي لزوجها الأول، وقد صرح بذلك الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، ولبعضهم قيود ليس هذا محل ذكرها؛ لكن مقتضى التخريج أن يقيد ذلك بأربع سنين عند الشافعية في قول لهم، ويطلق عند غيرهم. ٢ - إذا تزوج رجل امرأة في العدة فأصابها قبل الحيضة الأخيرة، فحدث لها لبن؛ فلمن تصير الحرمة؟ بحث المالكية هذه المسألة، واختلفوا فيها على قولين: (٥) فقال عامتهم: تصير الحرمة للواطئ الثاني، وقال بعضهم: لا حكم للثاني؛ تغليبًا للأصل. وبهذين القولين قالوا في الرجل يصيب أمة قبل استبرائها من سيدها الأول، فيحدث لها لبن. ٣ - إذا طلقت مرضع، فضعف لبنها أو انقطع، ثم عاد ثوبانه بفعل مدرات الحليب المنشطة؛ انتشرت الحرمة الرضاعية إلى المرضع ومطلِّقها الذي ثاب اللبن بسببه. المسألة السادسة: رضاع المتوفى عنها زوجها . صورة المسألة: إذا توفي رجل عن زوجته، ولها لبن منه، فأرضعت به طفلًا قبل أن تنكح؛ فهل يصير الرضيع ابنًا للمتوفى؟ أو أن نسبة اللبن له تنقطع بموته؟ أقوال للفقهاء: القول الأول: لا تنقطع نسبة اللبن بموته؛ فالمولود ابنها، وابن الزوج الذي مات عنها؛ في العدة، أو بعدها.

стр. 132

وهو ظاهر مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ومذهب الشافعي (٣)، ومذهب أتباعِه الشافعيةِ (٤)، وأردفوا: وسواء قصرت المدة أم طالت كعشر سنين وأكثر، وسواء انقطع اللبن ثم عاد، أم لم ينقطع، وصححه النووي (٥). القول الثاني: كالقول الأول؛ غير أنه إن انقطع اللبن وعاد بعد مضي أربع سنين من وقت الوفاة لم يكن منسوبًا إليه. وهو قول عند الشافعية (٦)؛ اختاره البغوي (٧). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إنه لم يحدث لها زوج غيره (٨)، ولا ما يحال اللبن عليه. (٩) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني على ثبوت التحريم للزوج المتوفى بما استدل به أصحاب القول الأول (١٠)، ثم استدلوا على أن اللبن إن انقطع من المتوفى وعاد بعد مضي أربع سنين من وقت الطلاق لم يكن منسوبًا إلى المطلِّق بما يأتي: ١ - كما لو أتت بولد بعد هذه المدة لا يلحقه. (١١) - الترجيح: الراجح أن الرضيع ابن للمرضعة المتوفى عنها زوجها ولم تتزوج بعد، وابن لمن كان ثوبان اللبن بسببه، وهو الزوج المتوفى، ولا يعود الانقطاع أو الضعف الذي

стр. 133

يطرأ في الحليب الثائب على أصل الحكم - وهو انتشار التحريم - بالنقض، أو سبب الثوبان - وهو الزوج - بالإبطال. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - إذا نكحت امرأة في عدتها - من وفاة زوج صحيح أو فاسد أو طلاقه - من رجل يدخل بها في عدتها، فيصبها، فتجيء بحمل، فينزل لها لبن أو تلد، فترضع بذلك اللبن مولودًا؛ فلمن يكون الابن؟ تحدث الشافعي عن هذه المسألة، وكان حكمه فيه على وفق النقاط الآتية: أـ أن يخرج الولد النسبيُّ تامًّا سويًّا؛ يكون الرضيع ابنها، وابن (١) الذي تلحق القافةُ الولدَ به من الرجلين، وتسقط أبوة الذي سقط عنه نسب الولد. ب - أن يكون حمل المرأة سِقْطًا لم يَبِنْ خلقُه، أو ولدت ولدًا فمات قبل أن يراه القافة؛ لم يكن المولود المرضَعُ ابنَ واحد منهما دون الآخر في الحكم. والورع أن لا ينكح ابنة واحد منهما، وأن لا يرى واحد منهما بناته حُسَّرًا، ولا المرضعة؛ إن كانت جارية، ولا يكون مع هذا محرمًا لهن يخلو أو يسافر بهن. ج - أن يكون المولود عاش حتى تراه القافة، فقالوا: هو ابنهما معًا؛ فأمر المولود موقوف، فينتسب إلى أيهما شاء؛ فإذا انتسب إلى أحدهما؛ انقطع عنه أبوة الذي ترك الانتساب إليه، ولا يكون له أن يترك الانتساب إلى أحدهما دون الآخر؛ يجبر أن ينتسب إلى أحدهما. د - أن يكون المولود عاش حتى تراه القافة، فقالوا: هو ابنهما معًا، ثم مات قبل أن ينتسب، أو بلغ معتوها؛ لم يلحق بواحد منهما حتى يموت وله ولد، فيقوم ولده مقامه في أن ينتسبوا إلى أحدهما. هذا هو مذهب الشافعي (٢)، غير أنه لم يجزم بالشق الثاني من الحال الأولى. ٢ - إذا توفي عن مرضع زوجها الذي ثاب اللبن بسببه، فضعف لبنها أو انقطع، ثم عاد ثوبانه بفعل مدرات الحليب المنشطة؛ فإن الحرمة الرضاعية تنتشر إلى المرضع وزوجها المتوفى عنها، ولم تنكح غيره.

стр. 134

المسألة السابعة: تناول ما يدر اللبن لمن لزمها الإرضاع . نص بعض فقهاء المذاهب من الشافعية والحنابلة على أن من وجب عليها الرضاع؛ فعليها أن تأكل وتشرب ما يَدِرُّ به لبنها ويكثره، ويَصلُحُ به، وتطالب بذلك (١)، وصرح بعضهم بتكليفها بذلك وإلزمها (٢). واستندوا في ذلك إلى ما يأتي: ١ - إنه من تمام التمكين من الرضاع. (٣) ٢ - إن في تركه إضرارًا بالصبي. (٤) ويمكن أن يستدل له بما يأتي: ٣ - إن الإرضاع إذا كان واجبًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] (٥)؛ فإن ما لا يتوصل الواجب إلا به، وهو فعل المكلف؛ فهو واجب (٦)، وهذا مما تأخذ الوسائل فيه أحكام المقاصد (٧).

стр. 135

قال الدبيان: والذي يظهر لي أن الإكراه على نوع الطعام - لكونه يكثر لبنها - ليس ممكنًا؛ لأن الإنسان لا يأكل إلا ما يشتهي، وفي الوقت الذي يشتهي، والناس مختلفون في ذلك ا. هـ (١)، وفي الحكم بعدم الإمكان نظر ظاهر، والله تعالى أعلم. وقد أثمر ذلك فيما يأتي: ١ - وجوب تناول ما يدر الحليب من الطبَعيات والمصنعات - ما لم يغلب ضررها على نفعها -؛ إذا كانت المرضع ممن يجب عليها الإرضاع. ٢ - يجب على من ولاه الله أمر المسلمين توفير ما يدر الحليب من المصنعات التي لا يغلب ضررها على نفعها إذا توقف عليها در الحليب عند طائفة ممن يجب عليهن الإرضاع. المسألة الثامنة: إذا خرج من الثدي ماء أصفر . بحث بعض فقهاء المالكية الماء الأصفر؛ يخرج من ثدي المرأة، وقرروا أنه لا يتعلق به تحريم إذا أرضعت به صبيًّا؛ لأنه لا يغذي (٢)، وعلى ذلك جاءت فتيا ابن باز (٣). وقد أثمر ذلك في الفروع الآتية: ١ - إذا خرج من ثدي المريضة بالسرطان أو المصابة بالتهابات الثدي أو الصدر: دم أحمر، أو صديد؛ لم ينتشر بالإرضاع منه التحريم. ٢ - إذا خرج من الحامل قبيل ولادتها ماء أبيض لا يحمل صفات الحليب وخصائصه؛ فإنه لا ينشر التحريم. ٣ - امرأة تتعاطى مدرًّا طبيًّا للحليب، فخرج من ضرعها ماء أصفر؛ لم يتعلق به تحريم؛ ما دام ماءً.

стр. 136

المسألة التاسعة: رضاع الخنثى المشكل (١). اختلف الفقهاء في الخنثى إذا أرضع؛ هل يتعلق به تحريم أو لا؟ ، وكانت آراؤهم كما يأتي: القول الأول: لا يتعلق به تحريم ؛ إلا إذا قال النساء: إنه لا يكون على غزارته إلا للمرأة. وبه قال الحنفية (٢). القول الثاني: لا يخلو من حالين: الأول: إذا كان الأغلب عليه أنه رجل؛ فلا يتعلق برضاعه تحريم. الثاني: إذا كان الأغلب عليه أنه امرأة؛ تعلق برضاعه التحريم. وهو مذهب الشافعي (٣). القول الثالث: لبن الخنثى لا يقتضي أنوثته ، فلو ارتضعه صغير تُوُقِّفَ في التحريم حتى ينكشف أمر الخنثى؛ فإن بان أنثى؛ حرم، وإلا؛ فلا. وهو المذهب عند الشافعية (٤)، وابن حامد من الحنابلة (٥). القول الرابع: لا ينشر الحرمة مطلقًا . وهو مذهب الحنابلة (٦). القول الخامس: يتعلق به التحريم . وهو وجه عند الحنابلة (٧)، والمالكية تخريجًا على قولهم بتحريم رضاع الرجل (٨).

стр. 137

- الأدلة: لم أر من استدل من أصحاب الأقوال إلا الآتي: أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه في الحالة الأولى مثل لبن الرجل، وفي الحالة الثانية يحرم كما تحرم المرأة إذا أرضعت. (١) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بقولهم: إنه لا يؤمن كونه محرمًا. (٢) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: ١ - إنه لم يثبت كونه امرأة، فلا يثبت التحريم مع الشك. (٣) ٢ - إذا كان لبن المرأة الذي حدث من غير حمل لا ينشر الحرمة، فهنا لا ينشر بطريقٍ أولى وأحرى. (٤) - الترجيح: إن الأقوال الآنفة ترجع في الجملة إلى قائل بالتحريم من رضاع الخنثى، ونافٍ له؛ غير أن مثبتي التحريم اختلفوا؛ فمنهم من أطلق، ومنهم من قيد التحريم فيه بوصف للحليب يغلب على ظنه معه كون الخنثى أنثى، وهو غزارة الحليب، ومنهم من قيد إثبات التحريم بأن تغلب علامات الأنثى على الخنثى، ومنهم من قيد ثبوت التحريم بانكشاف أمره؛ فإن بان أنثى؛ حرم، وإلا؛ فلا. والتحقيق أن مرجع الحكم في ثبوت التحريم بلبن الخنثى هو الحليب نفسه؛ فإن كانت له علامات حليب الإناث من المراضع؛ ثبت به التحريم، وما لا؛ فلا؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وثوبان الحليب علامة الأنثى؛ قال الشافعي ت ٢٠٤ هـ: لا أحسبه ينزل للرجل لبن ا. هـ (٥)

стр. 138

- ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الآتي: ١ - إذا تعاطى الخنثى مدرًّا صناعيًّا للحليب، فدر له لبن، وأرضع به صبيًّا؛ تعلق به التحريم إن لم تختلف صفته عن حليب الإناث. - سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذا المسألة إلى الآتي: ١ - الخلاف في رضاع الرجل؛ فمن لم يجعل من حليب الرجل ناشرًا للحرمة - وهم السواد الأعظم (١) -؛ لم ير في رضاع الخنثى ما يوجب التحريم؛ ما لم يدل دليل أو تشِر قرينة إلى خلاف ذلك، ومن أثبت التحريم في رضاع الرجل - وهم المالكية (٢) وبعض الشافعية (٣) -؛ لم يشكل عليه أن يثبت التحريم برضاع الخنثى بوجه أحرى. ويتبين مما تقدم الآتي: أولًا: إذا تعاطت المرأة عقارًا مدرًّا للحليب؛ فنشأ في ضرعها حليب (٤)، أو عاد ثوبان الحليب إليها إبان جفافه، أو تضاعف، فأرضعت به صبيًّا؛ انتشرت به الحرمة (٥) إلى أصول المرضعة وأصول زوجها - إن كان ثمَّ زوجٌ - وفروعهما وحواشيهما، وإلى الرضيع وفروعه، ويستوي في ذلك كون المرضعة حائلًا أو حاملًا، بكرًا أو ثيبًا، ولو كانت آيسة، أو خنثى، أو مطلَّقة ممن ثاب اللبن بسبب مطلِّقها ولم تنكح غيره، أو متوفى عنها زوجها الذي ثاب اللبن بسببه ولم تنكح غيره؛ ما دام الخارج يسمى حليبًا، بأوصافه المعتادة. أما إن خرجَ (٦) من الثدي ماءً، أو دمًا، أو صديدًا، أو إفرازًا ملونًا ولزجًا؛ فلا ينتشر من الإرضاع به تحريمٌ. ثانيًا: إذا تعاطى رجلٌ المدراتِ الصناعية للحليب؛ فدرت له لبنًا، أو كثرته، أو أوجدته بعد جفافه؛ لم يثبت برضاعه تحريم. ثالثًا: إذا وجب الرضاع على امرأة، فعليها أن تأكل وتشرب ما يَدِرُّ به لبنها، ويَصلُحُ به؛ من الطبعيات والمصنعات، وتُطالب بذلك، وعلى من ولي أمر المسلمين توفيرها. رابعًا: للأم المرضع أن تترخص بالفطر في نهار رمضان بتعاطي المدرات الحليب مع وجود الألبان الصناعية؛ إذا خافت على ولدها. خامسًا: إذا ترتب على الدواء المدر للحليب ضرر على متعاطيه؛ ضمن الطبيب أو الصيدلي الذي صرفه له؛ إن جنى في صرفه بتعدٍّ أو تفريط. (٧)

стр. 139

المبحث الثاني موانع درِّ الحليب المطلب الأول حقيقة موانع درِّ الحليب استحدث الطب أقراصًا تعرف بالمثبط أو الكابح لإدرار اللبن الطبعي؛ تقوم بتثبيط إفراز الغدة النخامية الأمامية من خلال التحفيز المباشر لمستقبلات الدوبامين بقدر لا يؤثر على المستويات الطَّبَعية للهرمونات النخامية الأخرى، وتعطى عن طريق الفم مرتين أو ثلاث مرات يوميًّا لمدة أربعة عشر يومًا، وتكون مع الطعام - غالبًا - خلال ساعات قليلة بعد الولادة أو الإجهاض بعد استقرار العلامات الحيوية بجرعة تتراوح ما بين نصف القرص إلى القرص بحسب عدد الجرعات، وكونها جرعة أولية أو لا، ومدى رغبة المتعاطي في سرعة قطع درِّ الحليب وديمومته، ومعايير أخرى تختلف باختلاف تحمل الأجسام، وتبلغ سرعة الامتصاص في بعض أنواعها مدة ساعتين إلى خمس ساعات. ومن الأوقات التي يوصى باستعماله فيها: بعد الولادة مباشرة، وليس ذلك بإطلاق؛ بل حينما تختار الأم ألا تقوم بإرضاع الطفل رضاعة طبعية، أو تحظر الرضاعة الطبعية لأسباب طبعية متعلقة بالأم أو الطفل، أو يموت الجنين أو يجهض. وإذا كانت هذه الأقراص تستعمل كمنبه لمستقبلات الدوبامين، ومثبط لإفراز البرولاكتين (١)؛ فإن له دواعي استعمالية أخرى؛ كالأمراض الناتجة عن زيادة البرولاكتين في الدم (٢)،

стр. 140

والأورام الغدية المفرزة للبرولاكتين في الغدة النخامية، والتغيرات الباثولوجية المصاحبة لبعض الحالات السريرية (١)، وقصور الغدد التناسلية، واضطرابات الدورة الشهرية، وحالات العقم، والأعراض التي تسبق الدورة الشهرية للنساء، وداء ضخامة الأطرف، والمرض الحميد في الثدي، واحتقان الثدي. وتتمثل آثار هذه الموانع في الجملة فيما يأتي: ١ - تقليل المستويات المرتفعة لهرمون النمو في مرضى ضخامة الأطراف. ٢ - إيقاف نمو الأورام الغدية النخامية المفرزة للبرولاكتين، أو التقليل من حجمها. ٣ - إفراز الهرمون اللوتيني على نمط طبَعيّ (٢)؛ الأمر الذي يحسن من الأعراض الإكلينيكية في متلازمة التكيسات المتعددة بالمبيض. ٤ - تقليل حجم التكيسات والعقيدات وعددها في المريضات بمرض حميد في الثدي، ويخفف ألمها المصاحب لها. ٥ - تقليل إفراز البرولاكتين في المريضات اللاتي لديهن مستويات مرتفعة في الدم. ٦ - ارتفاع مستويات البلازما عند المرضى ذوي الوظيفة الكبدية الضعيفة؛ إذا لم يتم تعديل الجرعة. وفي هذا السياق يقرر علماء الدواء والصيادلة حظر تعاطي هذ الدواء في الحالات الآتية: ١ - إذا كان المتعاطي يعاني من حساسية تجاه مكونات القرص. ٢ - ارتفاع ضغط الدم. ٣ - الخضوع للعلاج ذاته في فترة طويلة. ٤ - إذا كان المتعاطي يعاني من تفاعلات تليفية تؤثر على القلب. ٥ - وجود تاريخ مرضي لحدوث تليف رئوي أو حادث دماغي. ٦ - إذا كان يتعاطى المضادات الحيوية الماكروليدية (٣)، مثل: الإريثرومايسين. ٧ - إذا كان يعاني من مشاكل وراثية معينة؛ كتلك المتعلقة بعدم تحمل الجلاكتوز؛ كما لو كان إنزيم اللاكتيز ناقصًا، أو كان يعاني من سوء امتصاص الجلوكوز أو الجلاكتوز. (٤) ٨ - أعراض الاضطراب التنفسي الشديد، أو أعراض انقباضية وعائية، أو خثارية، أو الصداع المستمر، أو غيرها من علامات تسمم الجهاز العصبي. ٩ - الأعراض الإكلينيكية (٥) الحالية للأمراض التنفسية. ١٠ - الاضطرابات الناجمة عن ارتفاع البرولاكتين في الدم. ١١ - إذا رغبت المرأة في الإرضاع رضاعة طبَعية. ١٢ - الحمل.

стр. 141

وهناك آثار جانبية محتملة لمتعاطيها؛ منها: انخفاض ضغط الدم أو ارتفاعه فترة النفاس، والتليف الرئوي، واعتلال الصمامات (١)، وارتفاع سرعة ترسيب كريات الدم الحمراء، ونوبات من النوم المفاجئ، والنعاس، ومتلازمة المقامرة المرضية، وزيادة الشبق الجنسي، وفرط الرغبة الجنسية، وعيوب الحمل الخلقية، والإجهاض، ونوبات النوم المفاجئة (٢)، والغثيان، والإسهال. ويوجه متعاطيها ببعض الإرشادات؛ مثل: تجنب أي حمل محتمل لمدة شهر واحد بعد العلاج؛ لمنع تعرض الجنين للدواء، وإذا حدث الحمل أثناء العلاج فيجب التوقف عنه. وأما عن فعالية الدواء في منع در الحليب، فقد يفشل في بعض الحالات في تثبيط الرضاعة الطبعية، وحينئذ يجب التوقف عن ممارسة الرضاعة؛ لأنه المواد التي في الدواء ربما أفرزت في الحليب، ففي تجربة على الفئران وجد أنه يتم إفراز ما تعوطي أو مستقلاباته في لبن الأم؛ إلا أنه لا توجد معلومات عن إفرازه في لبن الأم خاصة بالبشر. وينكر صناع موانع در الحليب أن يكون لها تأثير في تعويق النكوص النفاسي للرحم، أو زيادة مخاطر الانصمام الخثاري (٣). (٤)

стр. 142

المطلب الثاني أنواع موانع درِّ الحليب تتنوع موانع در الحليب ومضعفاته إلى ما يأتي: النوع الأول: الموانع الطبعية ؛ كالإرهاق والتعب العام، والتوتر، والحمل، وتناول بعض الأطعمة بكميات كبيرة؛ مثل: الكرفس، والزعتر، والنعناع، والبقدونس، والميرمية، والكافيين. النوع الثاني: الموانع الصناعية ؛ كالعقاقير التثبيطية الآنفة، وسجائر الدخان، والكحول، وبعض الأدوية والوصفات الطبية الأخرى. (١) المطلب الثالث أحكام موانع درِّ الحليب الفرع الأول حكم تصنيع موانع درِّ الحليب إن حكم التصنيع مبني على حكم تعاطيها، وحكم تعاطيها فيه تفصيل سيأتي مبيَّنًا في ختام الفرع الآتي إن شاء الله تعالى؛ فمن النساء من يحرم عليها ذلك؛ كمن يجب عليها إرضاع مولودها، ومنهن من لا يحرم عليها؛ كمن مات رضيعها، مع تقرير كون الأصل في تصنيعها الإباحة؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩]، وما أخبر الله بذلك إلا لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع سوى ما ورد في الشرع المنع منه لضرره (٢)، وموانع در الحليب من خلقه.

стр. 143

الفرع الثاني حكم تعاطي موانع درِّ الحليب بيان الحكم الشرعي لتعاطي تلك الموانع يتطلب دراسة المسائل الآتية: المسألة الأولى: حكم رضاع الصبي على أمه . - تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن الحرَّ الذي يقدر على المال، البالغَ العاقل غير المحجورِ عليه؛ فعليه القيام برضاع ولده؛ إن لم يكن للرضيع أم، أو لم يكن لأمه لبن، ولم يكن للرضيع مال (١)، وحكى بعض المتأخرين اتفاق الفقهاء على عدم وجوب الرضاع على من كانت بائنًا من أبي مولودها، وجعل مستند الاتفاق قول الله تعالى: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾ [سورة الطلاق: ٦] (٢)، وفي هذا إطلاق هذا الاتفاق نظر ظاهر إذا تبينْت أقوال الأئمة، على ما يأتي: القول الأول: واجب مطلقًا؛ كما لو كانت مطلَّقة، أو منعها زوجُها غيرُ أبي الرضيع . وهو قول عطاء (٣)، وابن زيد (٤)، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وأبي ثور (٥)، ومالك في رواية (٦)، والظاهرية (٧)، واختاره أبو العباس ابن تيمية (٨). القول الثاني: واجب؛ إلا أن بتراضي الوالدين كليهما على الفطام، وإذا اختلفا؛ لم يفطماه قبل الحولين . وهو قول مجاهد (٩)، والثوري (١٠).

стр. 144

القول الثالث: هي أحق به ؛ إذا قام الرضاع على شيء - يعني: من المال - ليس لها ترك رضاع ولدها بعد الاصطلاح عليه، فإن تعاسروا بطلاق؛ لم تكره على رضاعه بلا أجر؛ إلا أن يعرض على الصبي المراضعُ، ولا يقبل مرضعًا، ولا يكون له مال أو لعصبته؛ فتجبر على إرضاعه. وبه قال الضحاك (١)، والنخعي (٢)، وقرر المعنى الأول - أنها أحق برضاع ولدها وأحق بأن تأخذ ما راد والده أن يسترضع به غيرها -: قتادة (٣). القول الرابع: يجب ديانةً لا قضاءً ، ويجب قضاءً إذا تعينت؛ بأن لم يجد الأب من ترضعه، أو كان الولد لا يأخذ ثدي غيرها. ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح حتى يبِنَّ، ولو استأجر امرأته على إرضاع ولده منها؛ فلا أجر لها، وإن أبت الإرضاع؛ كان لها النفقة. وبه قال الحنفية على الأصح عندهم في ظاهر الرواية وما عليه الفتوى (٤). القول الخامس: يلزمها رضاع ابنها أحبت أو كرهت بلا أجر ، وتجبر عليه؛ إن كانت ممن ترضع في العادة، ويلزمها إن مات الأب ولا مال للصبي، ولا يجوز لها طرح الصبي حينئذ؛ فإن لم يكن لها لبن، ولها مال؛ فالإرضاع عليها في مالها؛ دون النفقة، مع استحباب أن تبذلها، وإن كان للصبي مال حين مات الأب؛ جاز لها أن لا ترضع إذا استُأجر للصبي من ترضعه من ماله؛ إلا أن يُخاف على الصبي أن لا يقبل غيرها؛ فتجبر على رضاعه، وتعطى أجر رضاعها. ولا تجبر إن كانت شريفة ذات يسار كثير وغنى لم تجر عادة مثلها أن تكلَّف إرضاع ولدها، أو مطلقة طلقة لا يملك الرجعة فيها، أو انقضت عدتها من طلقة رجعية، أو انقطعت نفقة الزوج عنها؛ إلا أن تشاء هي بأجرة المثل مع يسر الزوج؛ فهي أحق برضاعه من غيرها، ولم يكن للأب حينئذ أن يفرق بينها وبين مولودهما ولو وجد من ترضعه باطلًا أو بأقل من

стр. 145

أجرة المثل؛ إلا أن لا يكون عنده ما يفي بأجرة المثل؛ فيخيرها، وإن كان معدمًا؛ لم يلزمها؛ إلا أن لا يقبل المولود غيرها، فتجبر حينئذ على الرضاع، أو أبت أن ترضع بما ترضع به غيرها؛ فلا حق لها، وكل من لا يلزمها الإرضاع فرضاع المولود على أبيه؛ كما لو أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب؛ من انقطاع درٍّ، أو شُغُل بمرض، أو إصابة بعلة. وهو المشهور من قول مالك (١) وإن كانت الرواية عنه مضطربة (٢)، وعليه مذهب المالكية (٣)، واستثنى بعض أصحابه لزوم الرضاع على الأم إن مات الأب ولا مال للصبي، وجعل رضاعه في بيت المال (٤). القول السادس: يجب أن ترضعه اللبأ بأجرة وبدونها ، ويجب أن ترضعه ما بعد اللبأ إن انفردت، أو لم يوجد إلا أجنبية، ولها طلب الأجرة على أبي الرضيع في اللبأ إن كان لمثله أجرة وفيما بعد اللبأ ولو كانت في عصمته، واللبأ هو اللبن أول الولادة ومدته يسيرة (٥) , ولو وجد أب الرضيع متبرعة بإرضاعه أو ترضى بدون أجرة المثل نزعه من أمه ودفعه إلى المتبرعة لترضعه؛ إن لم تتبرع أمه بإرضاعه، أو طلبت فوق أجرة المثل. ولا تجبر هي على إرضاعه إذا امتنعت وإن كانت في نكاح أبيه أو بائنةً إن وُجدت مرضعة أجنبية، وسواء كانت ممن يرضع الولد مثلها في العادة أم لا، فإن تبرعت المفارَقة بالرضاع لم يكن للأب المنع، أو طلبت أجرة المثل فهي أولى من الأجنبية بأجرة المثل، وإن طلبت أكثر من أجرة المثل لم يلزمه الإجابة، وإن رغبت الأم في الإرضاع بأجرة المثل وهي في نكاح أبي الرضيع؛ فليس له منعها، ثم إن لم يكن له مال فتجب على الأب كالنفقة، ولا يزاد في نفقة الزوجة للإرضاع وإن احتاجت فيه إلى زيادة الغذاء، وإذا أخذت الأم الأجرة سقطت نفقتها إن منع من الاستمتاع.
следующие страницы →