← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المطلب الثالث أحكام مدرات الحليب الفرع الأول حكم تصنيع مدرات الحليب طلب الشارع الحكيم تحقيق مصلحة الإنسان في كل أحكامه, فشرع له ما فيه النفع, ودفع عنه ما فيه الضرر؛ لكي يتحقق له ما خلق من أجله من الخلافة في الأرض, وإخلاص العبادة فيها لله رب العالمين. وشريعة الله تعالى ما تركت شيئًا من أمور الدين والدنيا إلا وعالجتها, ووضعت لها من الحلول التي ترفع الحرج عن كل الناس، وذلك بالنص عليها صراحة, أو بالنص عليها من خلال القواعد العامة التي يندرج تحتها كل حكم يشترك مع أخيه في علة واحدة, وذلك كقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٧]. وقد جاءت نصوص الشريعة باعتبار المصالح الحقيقية؛ فأذنت أو أمرت بتحصيل أسبابها, وبإلغاء المصالح الوهمية أو المرجوحة؛ فمنعت من فعل أسبابها, وبقي بعد ذلك ما يجِدُّ للناس دون بيان صريح, واكتفت في ذلك بالبيان الجملوي؛ قال الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلُّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيبَاتُ﴾ [سورة المائدة: ٤]. وبهذا كانت المصالح ثلاثة أنواع: أولها: نوع اعتبره الشارع. ثانيها: نوع ألغاه الشارع. ثالثها: نوع سكت عنه الشارع, فلم ينص على اعتباره, أو إلغائه. (١) وبناء على ذلك؛ فإن الأصل في تصنيع مدرات الحليب المعاصرة الحل والإباحة؛ ما لم يغلب ضررها على نفعها، فإن الحكم حالتئذ يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وإذا احتاج إليها فئام من المسلمين، أو توقفت عليها حياة بعض الرُّضَّع في ظل هيمنة الحياة المدنية الحديثة؛ صار تصنيعها وتوفيرها من الواجبات الكفائية.

стр. 72

الفرع الثاني حكم تعاطي مدرات الحليب إذا لم يوجد للأم لبن، فقد أجاز بعض الباحثين تناول مدرات نزول اللبن لإرضاعه (٢)، وكان المستند في ذلك أن في تركها إرضاعَه وحضانته هلاكًا محقَّقًا للطفل، وما يخشى من تبعة الهرمونات التي تتضمنها المدرات غير محقق الهلاك، فيدفع أكبر الضررين. (٣) فإن ثبت أن لنوعٍ ما من المدرات الصناعية للحليب ضررًا في بعض مكوناته؛ بسبب زيادة نسبة الهرمونات الصناعية مثلًا عن القدر المعتدل، وكان هذا الضرر أعظم فسادًا من الفساد المترتب على تخلف المصلحة المظنونة؛ فإنه لا يحل تعاطي مدرات الحليب حينئذ، ولا يحل للطبيب أو الصيدلي صرفها أو وصفها للمُعالِج (٤)؛ لما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٥]، فنهى الله تعالى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة. (٥) ٢ - قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [سورة طه: ١١]، وقال سبحانه وبحمده في الحديث القدسي: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي؛ فلا تظالموا" (٦)،

стр. 73

وأصل الظلم وضع الشيء غيرَ موضعه، وأخذُه من غير وجهه، ومن أضر بنفسه أو بأخيه المسلم، أو بمن له ذمة؛ فقد ظلمه. (١) ٣ - قول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، فأمر الله سبحانه أن لا تمنع الأم من إرضاع المولود لمجرد إحزانها وإدخال الضرر عليها. (٢) ٤ - قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارِ﴾ [سورة النساء: ١٢]؛ قال قتادة: إن الله ﵎ كره الضرار في الحياة وعند الموت، ونهى عنه، وقدَّم فيه؛ فلا تصلح مضارة في حياة ولا موت ا. هـ (٣) ٥ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٦]، فنهى الله تعالى الرجل عن ضرار مطلقته بالتضييق عليها في المسكن الذي يسكنها فيه؛ إذا وجد سعة (٤)، وبدرء الضرر والضرار عن الطرفين جاءت شريعة الله تعالى في عباده. ٦ - ما روي من قول الرسول ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٥)،

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 76

وقد حكي إجماع الأمة على صحة معنى الحديث (١)، ومعلوم أن المشاقَّة والمضارَّة مبناها على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر لا يحتاج إليه في قصد الإضرار، ولو بالمباح، أو فعل

стр. 77

الإضرار من غير استحقاق، فهو مضار، وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به، لا لقصد الإضرار، فليس بمضار (١). ٧ - حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات -، بحسب امرئ من الشر؛ أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه". (٢) ٨ - قول النبي ﷺ : "إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم". (٣)

стр. 78

٩ - ما روي عن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ملعون من ضارَّ مؤمنًا أو مكر به" (١)؛ فقوله: "ضار"؛ من المضرة، وهو إيقاع المكروه به، وقوله: "أو مكر به"؛ يعني: خداعَه بغير حق، وفي هذا الحديث تعظيم حرمة المؤمن، وأن الإضرار به

стр. 79

موجب للَّعنة والإبعاد من الرحمة (١)، وهذا الحديث وإن كان في إسناده رجال معروفون بالضعف، ولكنه مما يُخاف عقوبة ما جاء فيه (٢). ١٠ - إن درء المفسدة إذا ربت على المصلحة مقدم، والضرر لا يزال بالضرر. (٣) وقبل ختام هذا الفرع أشير إلى مسألة تعاطي مدرات الحليب للمرضع في نهار رمضان، وجملة الكلام فيها أن ابن عباسٍ وعطاءً وسعيد بن المسيب ومجاهدًا والزهري والأوزاعي والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي وعكرمة وسفيان الثوري ومالكًا وأحمد (٤) ومَن خلَفهم من فقهاء الحنفية (٥) والمالكية (٦) والشافعية (٧) والحنابلة (٨) والظاهرية (٩) نصوا على الرخصة للمرضع (١٠) إذا خافت على ولدها (١١) أن تفطر في نهار رمضان، وأدرجوه مبيحًا

стр. 80

أو عذرًا للفطر، وقرروا عليها القضاء حين تأمن على ولدها (١) (٢)، وعدى بعضهم الرخصة إلى الظئر أيضًا؛ لأن الإرضاع واجب عليها بالعقد (٣)، وإلى من أرادت أن ترضع صبيًّا تقربًا إلى الله تعالى (٤).

стр. 81

وليست هذه الرخصة من جميعهم بإطلاق؛ بل أطلقتها طائفة، وقيدتها طائفة أخرى بما إذا لم يكن للرضيع مرضع غيرها، أو لم يقبل ثدي غيرها، أو لم تقتدر أن تستأجر له، أو ليس له مال يستأجر منه؛ كمالك وبعض فقهاء المالكية والحنابلة (١)، وابن حزم (٢) الذي جعل فطرها واجبًا؛ استنادًا منه إلى قول الحق جل ذكره: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٠]، وقول النبي ﷺ : "من لا يَرحم لا يُرحم" (٣)؛ فإذْ رحمةُ الجنين فرض؛ فقد سقط عنها الصوم (٤)، وهذا من دقيق فقهه، وسعة نظره في أصول الشريعة، على حينٍ اكتفى فيه آخرون بمحض كراهة الصوم (٥). غير أن عطاء (٦) ومجاهدًا وسفيان (٧) والمالكية (٨) والشافعي (٩) والشافعية في وجه (١٠) وأحمد في رواية (١١) والحنابلة (١٢) أوجبوا عليها الفدية؛ أن تطعم لكل يوم مسكينًا ما يجزئ في

стр. 82

الكفارة (١)؛ إن كان الباعث على الفطر: الخوف على ولدها لا نفسها، وأشار بعض المالكية إلى أنه على سبيل الاستحباب؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] (٢). وكان مستندهم في رخصة الفطر الآتي: ١ - (٣) ما يروى مرفوعًا من حديث أنس بن مالك الكعبي: "إن الله تعالى وضع شطر الصلاة - زاد أبو داود: أو نصف الصلاة -، والصوم؛ عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى"، والله لقد قالهما كلتاهما - يريد والله أعلم: المرضع والحبلى - أو أحدهما (٤)

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 86

٢ - إنه يلحقها الحرج في ولدها، والحرج عذر في الفطر؛ كالمريض، والمسافر. (١)

стр. 87

٣ - إن خوفها خوف على آدمي، فأشبه خوفها على نفسها. (١) كما أن من اكتفى بإيجاب القضاء ولم يوجب الكفارة عليها، استدل بما يأتي: ١ - ما روي عن الضحاك بن مزاحم، قال: كان النبي ﷺ -يرخص للحبلى والمرضع أن يفطرا في رمضان، فإذا فطمت المرضع، ووضعت الحبلى؛ جددتا صومهما. (٢) ونوقش بما يأتي: أ- إن في إسناده ثلاث بلايا: جويبرًا، وهو ساقط، والضحاك مثله، والإرسال مع ذلك. (٣) ويمكن أن يجاب عن تضعيف الضحاك: بأن أحمد وأبا زرعة وابن معين وثقوه؛ خلافًا ليحيى بن سعيد. (٤) وهذا الجواب غير مفيد؛ لأن ضعف جويبر، وعلة الإرسال الموجبة للضعف - مع اتحاد المخرج - عند الأئمة الأوائل من النقاد لا تزال قائمة. ٢ - ما يروى مرفوعًا: "إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم، وعن الحامل والمرضع الصوم" (٥)؛ فلم يأمر بكفارة (٦). ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا الحديث ساكت عن القضاء؛ فكل من يقول بقضائه لا بد له من دليل. (٧) ويمكن الجواب بعموم ما جاء في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، وبما جاء في إثبات ذلك من فتاوي الصحابة، ولها حكم الرفع؛ لأنه حكم شرعي لا يكون من قبلهم ارتجالًا، وتقدم ويأتي طائفة منها. ٣ - إنها ليست بجانية في الفطر؛ إذ كان مباحًا للعذر. (٨)

стр. 88

٤ - إنه مذهب ابن عباس ﵄. (١) ٥ - إنها معذورة في الإفطار، ويرجى لها القضاء؛ فأشبهت المريض، والمسافر؛ في وجوب القضاء، وسقوط الإطعام. (٢) ٦ - إن الفدية مشروعة خلفًا عن الصوم، والجمع بين الخلف والأصل وبين البدل والمبدل منه لا يكون؛ لأنه خُلْفٌ غير معقول. (٣) ٧ - إن الثابت بالنص إيجاب الفدية في حق من لا يطيق الصوم، فلم يجز إيجابه في حق من يطيق الصوم. (٤) ٨ - قياسًا على المريض؛ بجامع الإباحة. ونوقش بما يأتي: أ- إن المرض أخف حالًا؛ فإنه يفطر بسبب نفسه. (٥) ويمكن أن يستدل أيضًا لهم بما يأتي: ٩ - استقراء أحكام القضاء في باب الصيام يفيد أن الأصل عدم الزيادة على صيام البدل إزاء المحل المبدل منه؛ كالحائض، والمسافر، والمرتد، والمجاهد، وغيرهم ممن يمكنهم الصيام عقلًا، ومع ذلك لم يجب عليهم مع القضاء إطعام. وأما من أوجب الفدية على المرضع إن حملها على الفطر الخوف على ولدها لا نفسها، فقد استدل على ذلك بما يأتي: ١ - ... قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين﴾ [سورة البقرة: ١٨٤]؛ حيث فسرت فيما فسرت به بالمرضع (٦).

стр. 89

ونوقش بما يأتي: أـ إن الجميع قد اتفقوا على أن فيه إضمارًا؛ لأن إطاقة الصوم لا توجب الفدية بحال؛ ألا ترى أنه إذا لم يفطر لم تجب عليه الفدية؟ ! وإذا ثبت أن في الآية ضميرًا؛ احتيج إلى دلالة من غيرها في إثبات حكمها؛ لأنه ليس أحد الخصمين أولى بدعوى مراد الضمير من صاحبه، وعندنا أن الضمير فيها: وعلى الذين يطيقون ثم يعجزون، وروي نحوه عن ابن عباس وسلمة بن الأكوع، ومعلوم أن ذلك لا يقال من طريق الرأي؛ لأنه حكاية حكم كان عليهم فنسخ، فصار ذلك توقيفًا. (١) ب - إن الآثار والمقطوعات المروية في تفسيرها بالمرضع لا تخلو من علة تبطل حكمها؛ كالإرسال (٢)، والاضطراب، والنكارة، وضعف رواة الإسناد، والإدراج، ومعارضتها بغيرها من الراوي نفسه؛ فيتساقطان، ويُرجع إلى الأصل وهو عدم الفدية. (٣) ج - إن الثابت المسند في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع، وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵃؛ أن هذه الآية منسوخة نسخًا مطلقًا بلا استثناء المرضع. (٤) د - إن العجب كل العجب من اضطراب هؤلاء القوم؛ فإنهم يصرفون هذه الآية تصريف الأفعال، في غير ما أنزلت فيه؛ فمرة يحتجون بها في أن الصوم في السفر أفضل، ومرة يصرفونها في الحامل والمرضع والشيخ الكبير، وكل هذا إحالة لكلام الله تعالى،

стр. 90

وتحريف للكلم عن مواضعه، وما ندري كيف يستجيز - من يعلم أن وعد الله حق - مثل هذا في القرآن وفي دين الله تعالى؟ ونعوذ بالله من الضلال. (١) هـ - إن أدلة القرآن لا تؤخذ بحسب ما يعطيه العقل فيها؛ لما في ذلك من الفساد الكبير، والخروج عن مقصود الشارع؛ بل تؤخذ بحسب ما يفهم من طريق الوضع. (٢) ٢ - إن هذا مذهب ابن عمر وابن عباس المروي عنهم ﵃ (٣)، ولا مخالف لهما في الصحابة (٤)، ومثل هذا الحكم لا يكون من تلقاء أنفسهم. ونوقش بما يأتي: أ- إن من أوجب الفدية من السلف على الحامل والمرضع؛ لم يوجب عليهما القضاء؛ لأن إيجاب القضاء مع الفدية مخالف لمقتضى الآية وموجَبها؛ إذ الفدية ما قام مقام الشيء؛ كقوله تعالى: ﴿وَفَدْيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمِ﴾ [سورة الصافات: ١٠٧]؛ يعني: أقمناه مقامه في الذبح، وقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]؛ أي: قائم مقام الحلق حتى يصير كأنه لم يكن، والإطعام فدية قائمة مقام الصوم، ولما كان هذا مقتضى استقراء الفداء في نصوص الشريعة امتنع الجمع بين القضاء والكفارة؛ لأننا متى أوجبنا القضاء لم يكن الإطعام فدية، ويؤيده أن الجمع بينهما لم يشتهر عن واحد من الصحابة. (٥) ب - إن من غير الجائز أن تكون الآية في المرضع؛ لما في سياقها من أنها لم تُرَدْ بها، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤]، والمرضع لا تخلو من أن يضر صومهما بالولد أو لا يضر؛ فإن لم يضر؛ لم يجز لها الإفطار، وإن كان يضر بالولد؛ لم يكن الصيام خيرًا لها، والآية وردت فيمن إذا صام كان الصوم خيرًا له من تركه، فعلمنا أنه لم يرد بها المرضع. (٦)

стр. 91

كما يمكن أن يناقش بما يأتي: ج - إنه لا يبعد - لو صح - أن يكون فهمًا منه، أو استنباطًا رآه، والحجة فيما أوحى به الله تعالى، لا في قول قائل من البشر غير الرسل - عليهم الصلاة والسلام -. ويجاب: بأن فهم فقهاء الصحابة واستنباطهم خير من فهم فقهاء التابعين، فضلًا عمن بعدهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِكَ هُوَ الحَقَّ﴾ [سورة سبأ: ٦]، ويقول: ﴿قُلِ الحَمْدُ لله وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [سورة النمل: ٥٩]، إلى غير من ذلك من النصوص التي قدَّرت لهم سبقهم وتكلمت بفضلهم في شهودهم التنزيل وعلمهم التأويل. (١) د - إن من رأى الفدية دون القضاء من الصحابة - لو صح عن أحدهم -؛ فلعله أراد من لا يستطيع الصيام بإطلاق؛ حتى تجتمع بذلك الأدلة، والروايات المروية عنهم بما يظهر معه التعارض. هـ - إن الوارد في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر ابن عباس ﵃ خلاف ذلك. (٢) ٣ - إن الفطر منفعة حصلت بسبب نفس عاجزة عن الصوم خلقة لا علة، فيوجب الفدية؛ كفطر الشيخ الفاني. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- لا يجوز أن يجب الفداء باعتبار الولد؛ لأنه لا صوم عليه؛ فكيف وجب ما هو خلف عنه؟ (٤) ب - إن الفداء لم يجب في مال الولد، ولو كان باعتباره لوجب في ماله كنفقته. (٥) ٤ - إنه يمكن للمرضع أن تسترضع لولدها. (٦)

стр. 92

ويمكن أن يناقش هذا الدليل بما يأتي: أ- إن مقتضى حفظ المروؤة الذي جاءت به الشريعة جار على صيانة كرامة المسلم عن ابتذالها بالطلب من الغير، ولذلك شرعت مثل هذه الرخصة، وأباحوا التيمم إذا ترتب على حصول الماء منة تلحقه من صاحبه، وكذلك الشأن في الصلاة عريانًا مع ووجود من يعيره، وعدم وجوب الحج للفقير ولو وجد من يبذل له المال، ولم يبطلوا حق الشفعة لمن كان بعيدًا، فتأخر بقدومه مع علمه وإشهاده وإمكانه التوكيل؛ كل ذلك درءًا للمنة التابعة من الباذل أو الوكيل، وليس المقصود اتفاق الفقهاء على ما تقدم، بل دَرك مناط من قال بذلك، وقد كوَّن الله سبحانه الإنسانَ قتورًا، بحيث لو أملكَه خزائن رحمته لبخل ولم يجُد بها على غيره، وأمسك خشية الإنفاق (١). وبهذا يظهر تقررُ الرخصة للمرضع في الفطر بمحض الخوف على الرضيع، ولو كانت تطيق الصيام، كما تبين قوة قول القائلين بالقضاء والفدية مع وجاهته، وإن كانت الأدلة الشرعية وما تشهد له الأصول المرعية ليست مع إيجاب الفدية بمنزلتها مع وجوب القضاء، وعلى رأس ذلك قول الحق جل ذكره: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، مع عدم القائل بالنسخ فيها. ولقائل أن يقول: إذا أوجبتم الفدية على المرضع إذا خافت على ولدها؛ فلماذا لا يُطرد هذا على المريض والمسافر الذي لا يجب عليه غير القضاء إذا أفطر في نهار رمضان، وقد اشتركوا مع المرضع في خاصية العذر؟ ولماذا يفرق بين المتماثلين والشريعة لا تفعل ذلك؟ فالجواب: إن المرضع لم يكن الداعي إلى فطرها عذر مختص بشخصها؛ بل بغيرها، وهو الرضيع، فافترقا، وإلى هذا يشير مالك ت ١٧٩ هـ في جوابه على من طلب الفرق بين المرضع والحامل: إن الحامل هي مريضة، والمرضع ليست بمريضة ا. هـ (٢)، كما فعل الشافعي ت ٢٠٥ هـ حين قرر أن المرضع التي لا تقدر على الصوم تقضي بلا كفارة، وأن الكفارة وجبت على المرضع الخائفة على رضيعها حين كانت مطيقة للصوم، فأفطرت لغيرها، ثم أردف: فذلك

стр. 93

فرقٌ بينَها وبين المريض ا. هـ (١)، ومن هنا يُعلم أن مأخذ قول الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] (٢)؛ هو هذا التفصيل، وفي روضة الطالبين للنووي (٣) أن المرضع لو أفطرت بنية الترخص بالمرض أو السفر، فلا فدية عليها، كما قد جاء في المغني لابن قدامة الحنبلي (٤) أن للمرضع إذا خافت على نفسها الفطرَ، وعليها القضاء فحسب، وإن خافت على ولدها؛ أفطرت، وعليها القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم. وأيًّا كان المترجِّح، فإني أحسب أن ما تقدم كاف في إجمال المسألة، لأتفرع بعد ذلك إلى المقصود هنا، وهو أن الأم المرضع؛ هل لها أن تترخص بالفطر في نهار رمضان لأكل المدرات المعاصرة مع وجود الألبان الصناعية؟ الذي يظهر أن لها الترخص بالفطر لأكل مدرات الحليب الصناعية الموثوقة بإشراف الطبيب؛ لما تقدم من الأدلة التي تخص هذه المسألة، ولما يأتي من الاعتبارات: ١ - إن الرخصة قد ثبتت مطلقًا (٥)؛ فلأي اعتبار تقيد بما لا يتوافق مع مصلحة الرضيع؟ ٢ - كون البدل - وهو: الحليب الصناعي - لا يقوم مقام حليب الأم؛ عضويًّا، ونفسيًّا؛ فمصلحة الطفل إنما تكون في رضاعه من ثدي أمه حيث أمكن ذلك، ومراعاة مصلحة الطفل أولى من عدم مراعاتها، وقد كان هذا المعنى حاضرًا عند الفقهاء، ومن ذلك قول النووي ت ٦٧٦ هـ: ولو كان هناك مراضع، فأرادت أن ترضع صبيًّا؛ تقربًا إلى الله تعالى؛ جاز الفطر لها ا. هـ (٦)

стр. 94

٣ - عموم قول النبي ﷺ : "إن الله يحب أن تؤتى رخصه" (١)، والفضل في اتباع السنة والأخذ بالرخصة التي أباح الله بمقتضى حاجة العباد إليها، والمؤمنون يستعينون بها

стр. 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 98

على عبادته، فهو تعالى يحب الأخذ بها؛ لأن الكريم يحب قبول إحسانه وفضله، ولأنه بها تتم عبادته وطاعته، وهذا المعنى مستقر في الشريعة من حيث وضع الآصار والأغلال، وكراهة مشابهة أهل الكتابين في ذلك، حتى تفرع عن هذا المبدأ: الزجر عن التبتل، والأمر بالسحور، والنهي عن المواصلة، ولا يعني هذا أن من لم يأخذ بالرخصة فقد أتى بابًا من الإثم والحرج مطلقًا، بل قد رفع الله الإثم عن المقيم إلى النفر الآخر تاركًا رخصة الله جل وعلا، فقال: ﴿وَمَنْ تَّأخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْه﴾ [سورة البقرة: ٢٠٣]. (١) ولقائل أن يقول: هذا الاختلاف يورث شبهة، والتورع في الأخذ بالعزيمة. فالجواب: ما قرره تقي الدين ابن تيمية ٧٢٨ هـ في قوله: الاختلاف إنما يورث شبهة إذا لم تتبين سنة رسول الله ﷺ ، فأما إذا بينا أن النبي ﷺ أرخص في شيء، وقد كره أن نتنزه عما ترخص فيه ... ؛ فإن تنزهنا عنه عصينا رسول الله ﷺ ، والله ورسوله أحق أن نرضيه. وليس لنا أن نغضِب رسول الله ﷺ لشبهة وقعت لبعض العلماء؛ كما كان عام الحديبية، ولو فتحنا هذا الباب؛ لكنا نكره لمن أرسل هديًا أن يستبيح ما يستبيحه الحلال لخلاف ابن عباس ﵄، ولكُنا نستحب للجنب إذا صام أن يغتسل لخلاف أبي هريرة ﵁، ولكُنا نكره تطيب المحرم قبل الطواف لخلاف عمر وابنه ﵄ ومالك، ولكُنا نكره له أن يلبي إلى أن يرمي الجمرة بعد التعريف لخلاف مالك وغيره، ومثل هذا واسع لا ينضبط. وأما من خالف في شيء من هذا من السلف والأئمة ﵃؛ فهم مجتهدون قالوا بمبلغ علمهم واجتهادهم، وهم إذا أصابوا فلهم أجران، وإذا أخطؤوا فلهم أجر، والخطأ محطوط عنهم، فهم معذورون لاجتهادهم، ولأن السنة البينة لم تبلغهم، ومن انتهى إلى ما علم

стр. 99

فقد أحسن. فأما من تبلغه السنة من العلماء وغيرهم، وتبين له حقيقة الحال؛ فلم يبق له عذر في أن يتنزه عما ترخص فيه النبي ﷺ ولا يرغب عن سنته لأجل اجتهاد غيره ا. هـ (١) لكن الذي ينبغي الإشارة إليه هو أن يكون الدافع للفطر هو الخوف على الرضيع، وليس وهمًا آخر أو هوى متبعًا، فقد ذم الله من جعل عذره في الترخص هوى نفسه، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِّي وَلَا تَفْتِنِّي؛ أَلَا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [سورة التوبة: ٤٩]، وقال: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ الله وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِم فِي سَبِيلِ الله، وَقَالُوا: لَا تَنْفِرُوا فِيْ الْحَرِّ؛ قُلْ: نَارُ جَهَنَّمَّ أَشَدُّ حَرًا، لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة التوبة: ٨١]، وذلك؛ لأن تتبع الإنسان للهوى يرمي به في مهاوٍ بعيدة، ويبطل عليه أعمالًا كثيرة، وهذا مطرد في العادات والعبادات وسائر التصرفات، والشريعة جاءت بإخراج الإنسان من داعية هواه، فمشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها البتة، وإنما المعتبر الحقيقي من المشاق (٢). ولا ينبغي أن يقودنا ما تقدم إلى وضع ضابط يبيح الرخصة أو حد للخوف على الولد؛ لأن أسباب الرخص لا تدخل تحت قانون أصلي، ولا ضابط مأخوذ باليد؛ بل هو إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب في نفسه، وهذا ما جعل الشارع ينيط في جملة من التخفيفات السبب مقام العلة؛ كاعتبار السفر دون المشقة؛ لأنه لا حد للمشقة يطرد عند جميع الناس وفي مختلف الأحوال والظروف. (٣) ومراسم الشريعة كما أنها مخالفة للهوى، فإنها أيضًا إنما أتت لمصالح العباد في دنياهم ودينهم، والهوى ليس بمذموم إلا إذا كان مخالفًا لمراسم الشريعة، وحيث نصبت الشريعة لنا ما هو سبب لرخصة، وغلب عل الظن ذلك، فأعملنا مقتضاه وعملنا بالرخصة؛ لم يكن في ذلك اتباع للهوى، وكما أن اتباع الرخص يحدث بسببه الخروج عن مقتضى الأمر والنهي، كذلك اتباع التشديدات وترك الأخذ بالرخص يحدث بسببه الخروج عن مقتضى الأمر والنهي، وليس أحدهما بأولى من الآخر. (٤) - سبب الخلاف: يعود الخلاف في هذه المسألة إلى الخلاف في قضايا أخرى، منها: ١ - هل الرضاع واجب تكليفًا على الأم أو غير واجب؟ (٥) ٢ - هل الحليب الصناعي المعاصر لا يضر بالطفل؟ وإذا لم يثبت ضرره؛ فهل هو يقوم مقام حليب الأم بخصوص احتياجات الرضيع إذا لم يثبت ضرره؟ (٦)

стр. 100

المطلب الرابع أثر استخدام مدرات الحليب في انتشار المحرمية من المناسب في مستهل هذا المطلب بيان أدلة الكتاب والسنة وما انعقد عليه إجماع الأمة في التحريم بالرضاع، وكونه مانعًا من موانع النكاح. فمن الكتاب قول الحق ﵎: ﴿حُرِّمَّتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُّكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، فهذه الآية صريحة في أن المحرم بسبب الرضاع اثنان, وهما: الأم, والأخت, ومع كون المحرمات بالرضاع سبعًا نظير المحرمات بالنسب (١)، إلا أن الله اقتصر منهن على الأم والأخت؛ لدلالتهما على البقية, وذلك؛ لأنه إذا تقررت المحرمية في الرضاع بنحو ما يحرم من النسب - كما تقدم في الحديث (٢) -، فإن المحرمات بالنسب قسمان؛ قسم بالولادة, والآخر بالأخوة؛ أما الأول فيدخل تحته الأم والبنت, وأما الآخر فخمسة أصناف, وهي: الأخت, والخالة, والعمة، وبنت الأخ, وبنت الأخت؛ فاقتصر من الأول على الأم, وهي تدل على البنت, وحيث حرمت الأم بالوالدية فلْتحرم البنت بالمولودية, واقتصر من الصنف الثاني على الأخت؛ لأنها عنوان باقيه؛ إذ العمة أخت الأب,

стр. 101

والخالة أخت الأم, وبنات الأخت وبنات الأخ فروع الأخوة، والآية وإن لم تكن نصًا في غير الأم والأخت إلا أن النبي ﷺ بين المراد منها بقوله: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" متفق عليه (١)، وليس المراد تحريمَ ذواتهن, بل تحريمَ نكاحهن, وما يقصد به من التمتع بهن؛ لأن الذوات لا تحرم، بل التحريم للأفعال, وهذا من قبيل دلالة الاقتضاء، كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَّتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: ٣]؛ أي: أكلها, ومن هذا علم أن للرضاع مدخلًا في التحريم كالنسب. ولو قال قائل: إن الآية مجملة, وليست صالحة للاستدلال؛ لأنه وإن كان ليس المقصود تحريم الذوات بل الأفعال؛ إلا أن الأفعال كثيرة, وليس أحدها بأولى من الآخر. فالجواب: إن هذه الدعوى مدفوعة, وذلك لما يأتي: (٢) ١ - عدم التسليم بكون الآية مجملة تدل على تحريم جميع الأفعال، بل هي تدل على تحريم النكاح, والدليل على صحة هذا التقدير: الآية السابقة لها، وهي قول الله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِسَاءِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة النساء: ٢٢]. ٢ - إن كل ما ورد في مثل هذا يحمل على المقصود منه عرفًا، كما حملت الميتة في قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَّتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [سورة المائدة: ٣] على الأكل, والدم على تناوله. وعودًا على ذي بدئ، فإلى جانب أدلة الكتاب العزيز، فقد بين مبدأَ التحريم الرضاعي النبيُّ ﷺ ، وذلك حين استأذن عمٌّ لحفصة من الرضاعة أن يدخل في بيتها، فقال حين استنكرت عائشة ﵃: "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" متفق عليه (٣)، وقال في بنت أبي سلمة ﵃: "إنها لابنة - ولفظ مسلم: ابنة - أخي من الرضاعة؛ أرضعتني وأبا سلمة ثويبةُ, فلا تعرِضْنَ علي بناتِكن ولا أخواتِكن" متفق عليه (٤)، ولما

стр. 102

عرضت عليه ابنة حمزة ﵁ للزواج منها، قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة" متفق عليه (١)، ولما جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن على عائشة - وهو عمها من الرضاعة (٢) - بعد أن نزل الحجاب؛ أبت عائشة أن تأذن له، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت، فأمرها أن تأذن له. متفق عليه (٣) وفي رواية لمسلم في المتابعات: أن عائشة قالت بعد ذلك: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل؟ ! فقال رسول الله ﵊: "إنه عمك؛ فليلج عليك" (٤). فما تقدم من الأحاديث دال على أن الرضاع يحرِّم من النساء ما حرُم بالنسب, وهذا المعنى يشبه أن يبلغ حد التواتر. وأما الإجماع فهو أن الأمة قد اجتمع قولها واتفقت كلمتها على أن الرضاع يُثبِت من الحرمة ما يثبته النسب (٥)، كما قد حكي الإجماع على عدم وقوع الحرمة بدم المرضع، ولا بلحمها، وإن أغذيا الولد. (٦)

стр. 103

وتقريرات فقهاء المسلمين من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم في هذا متوافرة وحاضرة؛ فمن ذلك ما روي عن عائشة قالت: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ا. هـ (١)، وبنحوه روي عن ابن عباس (٢)، وابن مسعود (٣)، وسويد بن غَفَلة (٤)،

стр. 104

وعن علي: لا تنكح من أرضعته امرأة أخيك، ولا امرأة أبيك، ولا امرأة ابنك ا. هـ (١)، وهو المذهب العملي المحكي عن الزبير بن العوام (٢)، وما كان يفتي به عروة بن الزبير (٣)، والمنقول عن ابن عمر (٤)، وجابر (٥)؛ ﵃ جميعًا. وكذلك جاء عن إبراهيم النخعي أنه قال: يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ا. هـ (٦)، وبنحوه قال عطاء (٧)، وهو المنقول عن مجاهد، والشعبي، وابن جريج، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وجابر بن زيد، وطاوس، ومجاهد، والزهري، والحسن البصري، وسفيان الثوري، والنعمان، وأبي الشعثاء، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة وأصحاب الرأي، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وأبي سليمان داود الظاهري، وأصحابهم،

стр. 105

وأبي عبيد، والترمذي، وعبيد الله بن الحسن، وابن المنذر، وهو المشتهر عند أهل المدينة ومكة الكوفة والشام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين (١). ومن ذلك: ما قال القدوري ت ٤٢٨ هـ: ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ... ، ولبن الفحل يتعلق به التحريم، وهو: أن ترضع المرأة صبية، فتحرم هذه الصبية على زوجها، وعلى آبائه وأبنائه، ويصير الزوج الذي نزل لها منه اللبن أبًا للمرضعة ا. هـ (٢) وقال خليل ت ٧٧٦ هـ في مختصره: حصول لبن امرأة وإن ميتة ... ؛ محرِّم؛ إن حصل في الحولين، أو بزيادة الشهرين؛ إلا أن يستغنين ولو فيهما = ما حرمه النسب ا. هـ (٣) وقال المزجَّد ت ٩٣٠ هـ: تحريم الرضاع يتعلق بالمرضعة والفحل الذي له اللبن على ولد منسوب إليه، ولو من وطء شبهة، ثم تنتشر إلى أصولهما وفروعهما من نسب أو رضاع، وإلى إخوتهما وأخواتهما منهما للخؤولة والعمومة، وأولاد أولادهما أولاد إخوة وأخوات، ولا حرمة بينهم وبين الرضيع ... ، وينتشر من الرضيع إلى أو لاده من نسب أو رضاع دون آبائه وأمهاته وإخوته وأخواته ... ، ولا تنقطع نسبة اللبن عن الفحل بفراق المرأة وإن طال الزمن ا. هـ (٤) وقال مرعي الكرمي ت ١٠٣٣ هـ: وتحريم الرضاع في النكاح وثبوت المحرمية كالنسب ا. هـ (٥) غير أن بعض السلف حكي عنه استثناء انتشار المحرمية من جهة الأب - زوج المرضع - في الإرضاع، واستفاضت هذه المسألة بين الفقهاء بعنوان: لبن الفحل، ورغم صراحة النصوص المرفوعة المتفق عليها والتي جاءت بتحريم عمِّ حفصة من الرضاعة وعمِّ عائشة من الرضاعة ﵄؛ إلا أن الإشكال في بادئ الأمر سبق إلى ذهن عائشة في قولها: إنما أرضعتني

стр. 106

المرأة ولم يرضعني الرجل! ، فعلمها النبي ﷺ أنه عمها، وأنه لا مانع من ولوجه عليها (١)؛ مقررًا ﵊ في ذلك سريان التحريم إلى من نزل اللبن من مائه بفعل وطئه أصولًا وفروعًا وحواشيَ، وقد طرح هذه القضية بتوسع ووضوح أبو محمد ابن حزم، وذلك بعدما قرر أن "لبن الفحل يحرم، وهو: أن ترضع امرأةُ رجلٍ ذكرًا، وترضع امرأته الأخرى أنثى؛ فتحرم إحداهما على الأخرى" (٢)، ثم قال بعد ذلك: وقد رأى قوم من السلف هذا لا يحرم شيئًا ا. هـ، وهذا الرأي مروي عن عائشة (٣)، وابن عمر (٤) وابن الزبير (٥)، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة (٦)، وغيرهم (٧)؛ ﵃.

стр. 107

كما قد روي عن سالم بن عبد الله بن عمر (١)، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة (٢)، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وعطاء بن يسار، وسليمان بن يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة وإياس بن معاوية (٣)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر (٤)، وطاوس (٥)، ونسب إلى ربيعة الرأي، وإبراهيم بن علية (٦).

стр. 108

وغاية ما يستندون إليه عمومات (١)، وعقليات (٢)؛ لا تصمد أمام ما اتُّفق على صحته من السنة المبينة المصرحة، ولذلك قال أبو محمد ابن قدامة بعدما ساق حديث عائشة مع أفلح أخي أبي القعيس - عمها من الرضاعة الذي أمرت بالإذن له في الدخول عليها -: وهذا نص قاطع في محل النزاع، فلا يعول على ما خالفه ا. هـ (٣)، وهذه العبارة الصريحة لم يجر بها قلم ابن قدامة بتمامها في أي مسألة أخرى من كتابه المغني. وما تقدم في عدم الاعتداد بلبن الفحل لو صح عن عائشة (٤) ﵂ فهو ظاهر في كونه قبل علمها بالحكم، والدليل على أنها لم تكن تعلم الحكم؛ قولها كما في صحيح مسلم: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل؟ ! (٥)، وليكن كذلك سبب ما جاء عن غيرها، وإذا رأيت لبعضهم نقلين في المسألة؛ كطاوس؛ ظهر لك أن هذا هو السبب. ويشير إلى هذا ما روى ابن حزم بسنده إلى الأعمش؛ قال: كان عمارة وإبراهيم وأصحابنا لا يرون بلبن الفحل بأسًا - أي: لا يجعلونه محرمًا من قِبَله -، حتى أتاهم الحكم بن عتيبة بخبر أبي القعيس. (٦) ثم علق أبو محمد ابن حزم بقضية منهجية هامة جدًّا، فقال: هكذا يفعل أهل العلم، لا كمن يقول: أين كان فلان وفلان عن هذا الخبر؟ ا. هـ (٧) وهذا ليس بمستغرب إذا علمت أنه تكرر في غير مسألة؛ فإنك تجد النقول عمن كان في صدر الإسلام أنه يقول بعدم تعلق التحريم فيما دون الرضعات العشر، مع ورود نسخها صريحًا صحيحًا. وعدم إدراك المسألة بهذا التسلسل قد يربك الفقيه، ولذلك توقف في حكم لبن الفحل طائفة من الفقهاء في صدر الإسلام؛ كالذي يروى عن مجاهد، وابن سيرين. (٨) وقد تأول بعضهم فعل عائشة الأول المبني على على عدم إقرار التحريم بلبن الفحل، فقال: إن للمرأة أن تحتجب ممن شاءت من ذوي محارمها (٩)، وهذا وإن كان لها أن تفعله؛ إلا أن تخصيصها ﵂ بالاحتجاب عمن أرضعته نساء أبيها، ونساء إخوتها، ونساء بني أخواتها، دون من أرضعته أخواتها، وبنات أخواتها؛ لا يمكن إلا للوجه الذي المذكور، لا سيما مع تصريح ابن الزبير المتقدم - وهو من أخص الناس بها - بأن لبن الفحل لا يحرم، وأفتى القاسم بذلك. (١٠) والظاهر أن أقوال المسلمين قد اجتمعت بعد ذلك على تحريم لبن الفحل، من دون مخالف يذكر، وإن كان ابن القيم قد قرر عدم إمكان دعوى الإجماع في هذه المسألة، وأن من ادعاه فهو كاذب، ثم نسب القول بتحريم لبن الفحل إلى جمهور أهل الإسلام (١١)، وأردف: إن لبن الفحل يحرم، وإن التحريم ينتشر منه - يريد: الفحل زوج المرضع - كما ينتشر من المرأة، وهذا

стр. 109

هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره، وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم، فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع ويترك ما خالفها لأجلها، ولا تترك هي لأجل قول أحد كائنًا من كان، ولو تركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو لتأويلها، أو غير ذلك؛ لتُرك سنن كثيرة جدًا وتركت الحجة إلى غيرها، وقولُ من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه، وقولُ المعصوم إلى قول غير المعصوم، وهذه بلية؛ نسأل الله العافية منها، وأن لا نلقاه بها يوم القيامة ا. هـ (١)، ولكن قد نسب إلى الجمهور القول بجواز اتفاق علماء العصر على حكم معين بعد اختلافهم في ذلك الحكم؛ لأنه واقع من جميع أهل العصر الذين يصنف مخالفهم متبعًا غير سبيل المؤمنين، والوقوع دليل الجواز، وإذا جاز وقوعه استلزم حجيته من عموم الأدلة، كما أجمعت الأمة على خلافة أبي بكر ﵁ بعد الاختلاف. ولا يكون الفحل أبًا بالإجماع؛ إذا قبَّل امرأةً، أو باشرها، ثم درَّت اللبن. (٢) وهذه المسألة مبنية على مسائل أخرى، منها: الإجماع؛ هل يختص بالصدر الأول؟ وهل يختص حكم الإجماع في عصر دون عصر؟ وهل يرتفع الخلاف المتقدم؟ وهل ينقرض القول بموت صاحبه؟ فمن رام قدحًا في الإجماع بعد الاختلاف، فربما تداعى ذلك إلى أصل الاحتجاج بالإجماع (٣). وهذا يقودنا إلى مسألة لصيقة، وهي: هل يحرم من الرضاع ما يحرم من الصهر والجمع؛ كأم الزوجة من الرضاع، وبنت امرأته من الرضاع مما نزل بوطء زوج غيره، وامرأة الابن من الرضاع، والجمع بين الأختين من الرضاعة، وبين المرأة وعمتها من الرضاعة، وبينها وبين خالتها من الرضاعة؟

стр. 110

من لم ير في لبن الفحل ما ينشر المحرمية إليه؛ أصولًا، وفروعًا، وحواشي؛ فمن باب أولى أن لا يحرموا على زوج المرضع امرأة الرضيع، ولا على الرضيع امرأة الفحل (١)، وسائر ما يحرم بالمصاهرة. وأما من قال بتحريم لبن الفحل، فقد حرم نظير المصاهرة بالرضاع، وهو ما اشتهر بين الأئمة الأربعة وأتباعهم (٢)، حتى حكى ابنُ حزم الاتفاقَ على "أن أم الزوجة من الرضاعة بمنزلتها من الولادة، وأن ابنتها من الرضاعة كابنتها من الولادة، ولا فرق" (٣)، والقرطبيُّ الإجماعَ على حرمة حليلة الابن من الرضاع، ونص على أن مستند الإجماع في ذلك هو الخبر المرفوع: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٤)، ولم أرَ من خالف ذلك ممن قال بتحريم لبن الفحل؛ إلا ما كان من تقي الدين ابن تيمية حين توقف، وقال: إن كان قد قال أحد بعدم التحريم؛ فهو أقوى ا. هـ (٥)، والواقع أن الفقهاء لم يذكروا في هذا قولًا آخر؛ بل حكوا عدم علمهم بالخلاف (٦)؛ لكن نسب المرداوي إلى تقي الدين أنه لا يحرِّم من الرضاع ما يحرُم من المصاهرة، وأردفها بفتوى للإمام أحمد من رواية ابن بدينا يقرر فيها التحريم بالرضاع نظير المصاهرة (٧). وقد كانت أدلة الجماهير إلى ما ذهبوا إليه ما يأتي: ١ - إن تحريم هذا داخل في قول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" (٨)؛ لأنه أجرى الرضاعة مجرى النسب، وشبَّهها به؛ فثبت تنزيل ولد الرضاعة
следующие страницы →