← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهناك آثار جانبية محتملة لمتعاطيها؛ منها: انخفاض ضغط الدم أو ارتفاعه فترة النفاس، والتليف الرئوي، واعتلال الصمامات (١)، وارتفاع سرعة ترسيب كريات الدم الحمراء، ونوبات من النوم المفاجئ، والنعاس، ومتلازمة المقامرة المرضية، وزيادة الشبق الجنسي، وفرط الرغبة الجنسية، وعيوب الحمل الخلقية، والإجهاض، ونوبات النوم المفاجئة (٢)، والغثيان، والإسهال. ويوجه متعاطيها ببعض الإرشادات؛ مثل: تجنب أي حمل محتمل لمدة شهر واحد بعد العلاج؛ لمنع تعرض الجنين للدواء، وإذا حدث الحمل أثناء العلاج فيجب التوقف عنه. وأما عن فعالية الدواء في منع در الحليب، فقد يفشل في بعض الحالات في تثبيط الرضاعة الطبعية، وحينئذ يجب التوقف عن ممارسة الرضاعة؛ لأنه المواد التي في الدواء ربما أفرزت في الحليب، ففي تجربة على الفئران وجد أنه يتم إفراز ما تعوطي أو مستقلاباته في لبن الأم؛ إلا أنه لا توجد معلومات عن إفرازه في لبن الأم خاصة بالبشر. وينكر صناع موانع در الحليب أن يكون لها تأثير في تعويق النكوص النفاسي للرحم، أو زيادة مخاطر الانصمام الخثاري (٣). (٤)

стр. 142

المطلب الثاني أنواع موانع درِّ الحليب تتنوع موانع در الحليب ومضعفاته إلى ما يأتي: النوع الأول: الموانع الطبعية ؛ كالإرهاق والتعب العام، والتوتر، والحمل، وتناول بعض الأطعمة بكميات كبيرة؛ مثل: الكرفس، والزعتر، والنعناع، والبقدونس، والميرمية، والكافيين. النوع الثاني: الموانع الصناعية ؛ كالعقاقير التثبيطية الآنفة، وسجائر الدخان، والكحول، وبعض الأدوية والوصفات الطبية الأخرى. (١) المطلب الثالث أحكام موانع درِّ الحليب الفرع الأول حكم تصنيع موانع درِّ الحليب إن حكم التصنيع مبني على حكم تعاطيها، وحكم تعاطيها فيه تفصيل سيأتي مبيَّنًا في ختام الفرع الآتي إن شاء الله تعالى؛ فمن النساء من يحرم عليها ذلك؛ كمن يجب عليها إرضاع مولودها، ومنهن من لا يحرم عليها؛ كمن مات رضيعها، مع تقرير كون الأصل في تصنيعها الإباحة؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩]، وما أخبر الله بذلك إلا لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع سوى ما ورد في الشرع المنع منه لضرره (٢)، وموانع در الحليب من خلقه.

стр. 143

الفرع الثاني حكم تعاطي موانع درِّ الحليب بيان الحكم الشرعي لتعاطي تلك الموانع يتطلب دراسة المسائل الآتية: المسألة الأولى: حكم رضاع الصبي على أمه . - تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن الحرَّ الذي يقدر على المال، البالغَ العاقل غير المحجورِ عليه؛ فعليه القيام برضاع ولده؛ إن لم يكن للرضيع أم، أو لم يكن لأمه لبن، ولم يكن للرضيع مال (١)، وحكى بعض المتأخرين اتفاق الفقهاء على عدم وجوب الرضاع على من كانت بائنًا من أبي مولودها، وجعل مستند الاتفاق قول الله تعالى: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾ [سورة الطلاق: ٦] (٢)، وفي هذا إطلاق هذا الاتفاق نظر ظاهر إذا تبينْت أقوال الأئمة، على ما يأتي: القول الأول: واجب مطلقًا؛ كما لو كانت مطلَّقة، أو منعها زوجُها غيرُ أبي الرضيع . وهو قول عطاء (٣)، وابن زيد (٤)، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وأبي ثور (٥)، ومالك في رواية (٦)، والظاهرية (٧)، واختاره أبو العباس ابن تيمية (٨). القول الثاني: واجب؛ إلا أن بتراضي الوالدين كليهما على الفطام، وإذا اختلفا؛ لم يفطماه قبل الحولين . وهو قول مجاهد (٩)، والثوري (١٠).

стр. 144

القول الثالث: هي أحق به ؛ إذا قام الرضاع على شيء - يعني: من المال - ليس لها ترك رضاع ولدها بعد الاصطلاح عليه، فإن تعاسروا بطلاق؛ لم تكره على رضاعه بلا أجر؛ إلا أن يعرض على الصبي المراضعُ، ولا يقبل مرضعًا، ولا يكون له مال أو لعصبته؛ فتجبر على إرضاعه. وبه قال الضحاك (١)، والنخعي (٢)، وقرر المعنى الأول - أنها أحق برضاع ولدها وأحق بأن تأخذ ما راد والده أن يسترضع به غيرها -: قتادة (٣). القول الرابع: يجب ديانةً لا قضاءً ، ويجب قضاءً إذا تعينت؛ بأن لم يجد الأب من ترضعه، أو كان الولد لا يأخذ ثدي غيرها. ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح حتى يبِنَّ، ولو استأجر امرأته على إرضاع ولده منها؛ فلا أجر لها، وإن أبت الإرضاع؛ كان لها النفقة. وبه قال الحنفية على الأصح عندهم في ظاهر الرواية وما عليه الفتوى (٤). القول الخامس: يلزمها رضاع ابنها أحبت أو كرهت بلا أجر ، وتجبر عليه؛ إن كانت ممن ترضع في العادة، ويلزمها إن مات الأب ولا مال للصبي، ولا يجوز لها طرح الصبي حينئذ؛ فإن لم يكن لها لبن، ولها مال؛ فالإرضاع عليها في مالها؛ دون النفقة، مع استحباب أن تبذلها، وإن كان للصبي مال حين مات الأب؛ جاز لها أن لا ترضع إذا استُأجر للصبي من ترضعه من ماله؛ إلا أن يُخاف على الصبي أن لا يقبل غيرها؛ فتجبر على رضاعه، وتعطى أجر رضاعها. ولا تجبر إن كانت شريفة ذات يسار كثير وغنى لم تجر عادة مثلها أن تكلَّف إرضاع ولدها، أو مطلقة طلقة لا يملك الرجعة فيها، أو انقضت عدتها من طلقة رجعية، أو انقطعت نفقة الزوج عنها؛ إلا أن تشاء هي بأجرة المثل مع يسر الزوج؛ فهي أحق برضاعه من غيرها، ولم يكن للأب حينئذ أن يفرق بينها وبين مولودهما ولو وجد من ترضعه باطلًا أو بأقل من

стр. 145

أجرة المثل؛ إلا أن لا يكون عنده ما يفي بأجرة المثل؛ فيخيرها، وإن كان معدمًا؛ لم يلزمها؛ إلا أن لا يقبل المولود غيرها، فتجبر حينئذ على الرضاع، أو أبت أن ترضع بما ترضع به غيرها؛ فلا حق لها، وكل من لا يلزمها الإرضاع فرضاع المولود على أبيه؛ كما لو أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب؛ من انقطاع درٍّ، أو شُغُل بمرض، أو إصابة بعلة. وهو المشهور من قول مالك (١) وإن كانت الرواية عنه مضطربة (٢)، وعليه مذهب المالكية (٣)، واستثنى بعض أصحابه لزوم الرضاع على الأم إن مات الأب ولا مال للصبي، وجعل رضاعه في بيت المال (٤). القول السادس: يجب أن ترضعه اللبأ بأجرة وبدونها ، ويجب أن ترضعه ما بعد اللبأ إن انفردت، أو لم يوجد إلا أجنبية، ولها طلب الأجرة على أبي الرضيع في اللبأ إن كان لمثله أجرة وفيما بعد اللبأ ولو كانت في عصمته، واللبأ هو اللبن أول الولادة ومدته يسيرة (٥) , ولو وجد أب الرضيع متبرعة بإرضاعه أو ترضى بدون أجرة المثل نزعه من أمه ودفعه إلى المتبرعة لترضعه؛ إن لم تتبرع أمه بإرضاعه، أو طلبت فوق أجرة المثل. ولا تجبر هي على إرضاعه إذا امتنعت وإن كانت في نكاح أبيه أو بائنةً إن وُجدت مرضعة أجنبية، وسواء كانت ممن يرضع الولد مثلها في العادة أم لا، فإن تبرعت المفارَقة بالرضاع لم يكن للأب المنع، أو طلبت أجرة المثل فهي أولى من الأجنبية بأجرة المثل، وإن طلبت أكثر من أجرة المثل لم يلزمه الإجابة، وإن رغبت الأم في الإرضاع بأجرة المثل وهي في نكاح أبي الرضيع؛ فليس له منعها، ثم إن لم يكن له مال فتجب على الأب كالنفقة، ولا يزاد في نفقة الزوجة للإرضاع وإن احتاجت فيه إلى زيادة الغذاء، وإذا أخذت الأم الأجرة سقطت نفقتها إن منع من الاستمتاع.

стр. 146

وهو أحد الوجهين عند الشافعية (١)؛ صححه النووي (٢). القول السابع: يجب عليها أن ترضع ولدها اللبأ ولا أجرة لها ، وتزاد نفقتها للإرضاع بما يجتهد به الحاكم في تقدير الزيادة، وإن رغبت في إرضاعه فلأبي الرضيع التي هي في عصمته منعها إرضاعه مع الكراهة. وهو وجه عند الشافعية. (٣) القول الثامن: يلزم الحرة - ولو كانت متزوجة بأجنبي عن الولد - إرضاعُ ولدها مع خوف تلفه؛ بأن لا يقبل ثدي غيرها، أو لا يوجد غيرها، ونحوه، ولها أجرةُ مثلِها، فإن لم يخف تلفه؛ لم تجبر؛ دنِية كانت أو شريفة، في حباله أو مطلقة؛ إلا اللبأ - وهو أول اللبن - فيجب عليها أن تسقيه إياه، ومن أرضعت ولدها وهي في حبال أبيه، فاحتاجت لزيادة نفقة؛ لزمه. وهي - أي: الأم في حال الزوجية أو بعدها - أحق برضاع ولدها بأجرة مثلها حتى مع مرضعة متبرعة أو مع زوج ثان راضٍ؛ فإن طلبت الأم أكثر من أجرة مثلها، ووجد الأب من يرضعه بأجرة مثله أو متبرعة؛ فللأب أخذه منها، وإن لم يجد مرضعة إلا بما طلبته الأم؛ فالأم أحق، وإن وإن منع الأمَّ زوجُها غير أبي الطفل من رضاعه؛ سقط حقها. ويلزم أمَّ ولد إرضاعُ ولدها مطلقًا - أي: خيف على الولد أم لا، من سيدها أو غيره - مجانًا بلا أجرة، ومتى عتقت لم تجبر على إرضاعه؛ فإن فعلت؛ فلها أجرة مثلها، وإن باعها أو وهبها أو زوجها؛ سقط حقها من الرضاع. وبه قال الحنابلة (٤)، ونسب نحوه إلى الثوري (٥)، وقرر بعضه - وهو: أن الحرة لا تجبر على الرضاع، وتجبر أم الولد - الحسنُ (٦).

стр. 147

وقبل الانتقال إلى الأدلة أشير إلى أن المقصود في هذه المسألة حكم الرضاع التكليفي على الأم فحسب، وليس ما يترتب عليه؛ كحكم إجبارها، وما يجب لها إزاء الرضاع، ونحو ذلك، أو ما يقع من العوارض؛ كخشية تلف المولود أو عدم قبوله للمراضع غيره؛ غير أن من تأول ظاهر الكتاب اضطر إلى الخوض في تفاصيل لزم الإشارة إليها وبسط ما ارتأوه فيها وقول من يقابلهم - عند الاقتضاء - من أصحاب الأقوال الأخرى إزاء تلك القضايا، وبيان أدلتهم فيها، حتى صار بين الأقوال عموم وخصوص مطلق أورثها تشابهًا. - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: الاستدلال على وجوب الإرضاع على كل من أنجب الله لها ولدًا ودرَّ في ضرعها لبنًا: ١ - قول الحق جل ذكره: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] (١)، وهو خبر يراد به الأمر المؤكد، والأصل في الأوامر الوجوب، وهو عام في كل والدة (٢)، ولو مطلقة؛ لأن الرضاع لو كان على أبي الرضيع المطلقة أمه لذكر الله تعالى هذا الواجب عليه مع ما ذكره من رزقهن وكسوتهن في قوله: ﴿وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] (٣)، وهذا العموم لا يحل لأحد أن يخص منه شيئًا إلا ما خصه نص ثابت، وإلا فهو كذبٌ على الله تعالى (٤)، نظيره قول الله ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨] (٥)؛ إذ كان عامًّا في كل مطلقة تحيض، فوجب على الوالدة إرضاع مولودها بنص كتاب الله حولين بتمامهما متى استطاعت إلى ذلك

стр. 148

سبيلًا؛ لقول الله سبحانه في تأكيد ذلك بوصف الحولين بالكمال، فقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ لأن العربي قد يقول: أقمت عند فلان حولين، وهو يريد حولًا وبعض حول آخر (١)، كقوله تعالى لمن لم يجد الهدي من الآفاقيين: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦] (٢)، وما جاء الأمر فيه بصيغة الإخبار كان معنى الإيجاب فيه ظاهر، والحتمية فيه أقوى. ونوقش بما يأتي: أ- إن مراعاة سياق الآية قبيلًا وبُعيدًا يقتضي كون المقصود من الوالدات هنا: النساء اللواتي بِنَّ من أزواجهن ولهن أولاد قد ولدنهم من أزواجهن قبل بينونتهن منهم بطلاق أو ولدنهم منهم بعد فراقهم إياهن من وطء كان منهم لهن قبل البينونة. ومقصود الآية أنهن أحق برضاعهم من غيرهن، وليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم، إذا كان للمولود والد حي وموسر؛ لأن الله تعالى ذكره قال في سورة النساء القصرى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦]، فأخبر أن الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها؛ أن أخرى سواها ترضعه، فلم يوجب عليها فرضًا رضاع ولدها، فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] دلالة على مبلغ غاية الرضاع التي متى اختلف الولدان في رضاع المولود بعدها، جعل حدًّا يفصل به بينهما، لا دلالة على أن فرضًا على الوالدات رضاع أولادهن. (٣) وأجيب عنه: بأن هذا خبر يراد به أمر، وهو عام في كل والدة، ولا يصح من أصحاب الشافعي حمله على المطلقات؛ لأن الله جعل لهن رزقهن وكسوتهن، وهم لا يجيزون جعل ذلك أجر الرضاع ولا غيره (٤)، والدليل على كون الآية تخاطب المتزوجات أن المطلقة لا تستحق الكسوة إذا لم تكن رجعية، وقد قال الله تعالى بعد فرض الرضاعة عليهن: ﴿وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] (٥)، إلى جانب كون الأصل في الألفاظ العموم. وبأن الله لما ذكر النكاح والطلاق ناسب أن يذكر ما قد يثمر عن ذلك من الولد (٦)، ليذكر بعد ذلك أحكام المهر والمتعة والعدة وميقات الخطبة بعد ذلك. ويمكن أن يجاب عنه أيضًا: بعدم التسليم؛ لأن الأصل في الواو الاستئناف كما في بداية الآية، ومفهومكم المستند إلى الدلالة السياقية تأويل بلا تدليل، وصرف للفظ عن ظاهره بغير موجب. وبأنه لو سلم بأن الوالدات هنا هن البائنات؛ فإن الله ذكر في مقابلهن أزواجهن، وقرر ما عليهم من الأرزاق والكسوة، فقال: ﴿وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ فهل ذلك على المولود له على سبيل الوجوب؟ إن قلتم: نعم؛ خصمتم ولزمكم التسوية بين المعطوفين، وإن قلتم: لا؛ أعوزكم الدليل الصارف لأمر الله تعالى عن مقتضاه، ولا دليل. ب - إن الرضاعة كانت فرضًا، ثم خفف الله الحكم بقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ فجعل الخيار في ذلك إلى الآباء والأمهات في الفطام قبل الحولين؛ إذا أرادوا الإتمام أكملوا حولين، وإن أرادوا قبل ذلك فطم المولود كان ذلك إليهم على النظر منهم للمولود (٧)، ولذلك قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]. وأجيب عنه: بأن المقصود فيمن لا يريد إتمام الرضاعة: أن يستغني المولود عن لبن أمه بغيره من الأقوات دون تمام الحولين، فلا يشبعه الحليب حالتئذ، وخصوصًا إذا ولد لأكثر من ستة أشهر، ويكون ذلك عن تراض ومشورة، كما قال الله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وذلك عند عدم الإضرار بالمولود؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا وَلَا مَوْلُوْدٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، مع رضى الوالدين معًا؛ فأما إن أراد الفصال أحد الأبوين دون الآخر، أو كان في الفصال ضرر على الرضيع؛ من مرض، أو ضعف بنية، أو كونه لا يقبل الطعام؛ وجب إتمام الرضاعة (٨)، فتلخص من

стр. 149

ذلك: أن قول الله ﵎: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] مفاده جواز الاجتهاد فيما يؤدي إلى صلاح الصغير ولو بتقليل مدة الرضاع إلى ما دون الحولين، وذلك موقوف على غالب ظنونهما حيث محط الشارع في أحكامه، لا على الحقيقة واليقين، وهذا المصلحة المقتضية للتخفيف بالشروط المذكورة لا تعود على الحكم الأصلي بالإبطال. (١) وبأن هذه الجملة اتصلت بما قبلها بيانًا لمن توجه إليه الحكم؛ كقوله تعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [سورة يوسف: ٢٣]. (٢) ويمكن أن يجاب: بأن "مَن" لا تقتضي التخيير على الدوام، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ [سورة الكهف: ٢٩]، وقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [سورة التكوير: ٢٨]. وبأن التقدير يحتمل أن يكون: ولمن أراد أن يتم الرضاعة بعد الحولين فله ذلك، ومع الاحتمال بطل الاستدلال. ٢ - قول الله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [سورة لقمان: ١٤]، وقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف: ١٥]؛ أي: وفطامه في انقضاء عامين، وترك ذكر الانقضاء اكتفاءً بدلالة الكلام عليه، وإذا انضم إليه أقل الحمل - وهو: ستة أشهر - كان حمل أمه إياه جنينًا في بطنها وفصالها إياه من الرضاع وفطمها إياه شربَ اللبن ثلاثون شهرًا (٣)، فذلك جرى مجرى الأخبار المقررة. ٣ - قول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ قال مجاهد: لا تأبى أن ترضعه ا. هـ (٤)، كما لا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك. (٥) ٤ - قول الله تعالى ذكره: ﴿وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ قال غير واحد من السلف: الرضاع (٦)، فكان ذلك أمر إيجاب على وارث والدة الرضيع، كما أن

стр. 150

نفقة الرضاع واجب على وارث المولود له إن لم يكن للمولود مال (١)، وأن تحريم الإضرار - وهو أقرب مذكور - بالأم ومولودها على وارث الأب كذلك (٢)، ولا يختلف أهل العلم باللغة العربية أن "ذلك" إشارة إلى الأبعد (٣)، فصحت في كل ما تقدمها. ونوقش بما يأتي: أ- إن قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] منسوخ. (٤) وأجيب عنه: بأن هذا كلام تشمئز منه قلوب الغافلين، وتحتار فيه ألباب الشاذين، وذلك أن العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يسمون التخصيص نسخًا؛ لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم مسامحة، وجرى ذلك في ألسنتهم حتى أشكل ذلك على من بعدهم. (٥) ٥ - قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦]؛ فأوجب الله النفقة للمبتوتة التي لا نفقة لها إذا كانت حاملًا، فإذا وضعت وأرضعت كان لها نفقتها في ذلك أيضًا كما يكون لغيرها من المراضع من الأجر؛ فإن تعاسر الرجل والمرأة في رضاع ولدها منه، فامتنعت من رضاعه؛ فلا سبيل له عليها، وليس له إكراهها على رضاعه، ولكنه يستأجر للصبي مرضعة غير أمه البائنة منه (٦)، ولو لم يكن الرضاع واجبًا على أم المولود ما ذُكر الحكم في حال الاختلاف والتعاسر في أن أخرى ترضع له عندئذ، ولو كان ثمَّ أجرٌ لكل مرضعٍ بعقد إجارة إزاء ما ولد لها - وهي في عصمة أبي الرضيع - إضافة إلى النفقة المعتادة التي تستحقها في رضاعها؛ ما نص على إيتاء المطلقات ما لهن من أجور إزاء رضاع أولاد من طلقهن؛ قال ابن زيد في تفسير هذه الآية: وهذا بعد

стр. 151

الفراق، فأما وهي زوجته؛ فهي ترضع له؛ طائعة ومكرهة؛ إن شاءت وإن أبت ا. هـ (١)، فلما لم يكن له عليها أمر بعد فراقها ولا حق له في استيفاء منافعها، بل ربما كان الحق في ذلك لغيره؛ أمرها الله تعالى أن ترضع كما لو كانت في عصمة أبي الرضيع، وسماها بالوالدة استعطافًا، فقال: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ لأن الفراق مظنة الإضرار والإيذاء الذي قد يتعدى إلى الولد بحرمانه من الرضاعة، ثم وصف الحولين للتأكيد بقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ غير أن أجرًا استحقته بذلك أن تؤتاه. ٦ - قول الله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوْا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوْفٍ﴾ [سورة الطلاق: ٦]، وهو خطاب للأزواج والزوجات في إرضاع الولد حتى لا يلحقه إضرار (٢)، وإذا كانت هذه الآية في البائنة المستأجرة التي لا نفقة لها ولا كسوة، فهو في الزوجة من باب أولى ووجه أحرى. ٧ - قول النبي ﷺ في شأن الغامدية من الأزد بعدما تأكد عليها حد الزنى من المحصنات: "اذهبي، فأرضعيه حتى تفطميه"، وقوله: "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله؛ قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. رواه مسلم (٣)، ولولا وجوب إرضاع الوليد على أمه حتى الفطام؛ ما حكم ﵊ بتأخير إقامة حد الله في المرضع حتى الفطام، ولا نهى عن رجمها؛ في قوله: "لا نرجمها". (٤) ونوقش بما يأتي: أ- إن النبي ﷺ رجمها قبل أن تفطمه بعدما كفل رضاعه رجل من الأنصار. (٥)

стр. 152

وأجيب: بأن حق الولد إذا كان قد روعي وهو جنين؛ فلم ترجم لأجله بالإجماع، فمراعاته إذا خرج للوجود أولى. (١) وبأن الرواية التي ذكر فيها عدم رجمها حتى فطمت ولدها = أولى؛ لإثباتها حكمًا زائدًا على الرواية الأخرى التي ليس فيها الإنظار لحين الفطام. (٢) والتحقيق أن الرواية التي أوردها مسلم في الأصول - وهي التي كان فيها قول النبي ﷺ : "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله؛ قال: فرجمها - وإن كانت أصح مما توبعت به؛ إلا أن الدلالة هي هي؛ فإن حق الله تعالى لما أمكن المبادرة بإقامته، مع ما في ذلك من تحقيق مصلحة الغامدية والرفق بها ومساعدتها في تعجيل طهارتها بالحد، على وجه لا يخل بحق الصغير في الرضاع؛ أذن به النبي ﷺ (٣)، ولولا كفالة الأنصاري ما رجمها ﵊ حتى ترضعه كما قضى في الحكم الأولي، وذلك مناط بالسياسة الشرعية على ما يقدره الحاكم في إطار سلطته التقديرية. ٨ - إن إيجاب الإرضاع على المولود لها هو مقتضى العرف (٤)، والعادة محكمة. ثانيًا: الاستدلال على عدم ثبوت الأجرة إزاء الرضاع الواجب على الأم: ١ - إن المنافع حق للزوج وملك له؛ فلا يجوز أن يستأجر منها ما هو أو بعضه حقٌّ له (٥). ونوقش بما يأتي: أ- عدم التسليم بملك الزوج للمنافع؛ فإنه لو ملك منفعة الحضانة؛ لملك إجبارها عليها، ولم تجز إجارة نفسها لغيره بإذنه، ولكانت الأجرة له. وإنما امتنعت إجارة نفسها لأجنبي بغير إذنه؛ لما فيه من تفويت الاستمتاع في بعض الأوقات، ولهذا جازت بإذنه، وإذا استأجرها؛ فقد أذن لها في إجارة نفسها، فصح؛ كما يصح من الأجنبي. (٦)

стр. 153

٢ - قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وذلك بمقتضى الزوجية (١)، ولم يذكر أجرًا. أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: أولًا: الاستدلال على وجوب الرضاع على الأم ديانة: ١ - إن الإرضاع مستحق عليها ديانة بقول الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]. (٢) ثانيًا: الاستدلال على عدم جواز استئجار الأم ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح: ١ - إن استئجار الزوجة على عمل واجب عليها - ككنس البيت، والتقبيل، واللمس، والجماع، وسائر أعمال البيت؛ من الطبخ، والخبز، والغسل، وما يرجع منفعته إليهما - لا يجوز، ولما كان الولد مقصودًا بالنكاح؛ وجب على أم المولود الإرضاع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ معناه: ليرضعن، فهو بصيغة الخبر، والأمر يفيد الوجوب؛ فظاهره يقتضي أن يكون الإرضاع واجبًا عليها شرعًا، وإذا كان ذلك كذلك؛ لم يجز أخذ الأجرة على الواجبات الشرعية؛ فكيف إذا كان الله تعالى قال بعد ذلك: ﴿وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، والمراد: النفقة؟، ففي هذا العطف إشارة إلى أن النفقة لها بمقابلة الإرضاع؛ فإذا استوجب الإرضاع عوضًا؛ لم يستوجب عوضًا آخر بالشرط والنكاح باق بينهما بعد الطلاق الرجعي. (٣) ثالثًا: الاستدلال على صحة استئجار أب المولود أمَّ المولود بعد انقضاء العدة، أو في عدتها من طلاق بائن: ١ - إنها صارت أجنبية منه، وإرضاع الولد على الأب كنفقته بعد الفطام. (٤) ٢ - إنه كان قائمًا برزقها في حال الزوجية والعدة، بخلاف ما بعدهما؛ فيقوم الأجر مقامه. (٥)

стр. 154

٣ - إجماع أهل العلم على جواز استئجار الظئر، مع دعَيان الحاجة إلى إرضاع الطفل فوق دعائها إلى غيره؛ حيث لا يعيش في العادة إلا به. (١) ونوقش أصحاب هذا القول بما يأتي: أ- إن قولكم يفضي إلى تفويت حق الولد من لبن أمه، وتفويت حق الأم في إرضاعه لبنها؛ فلم يجز ذلك، كما لو تبرعت برضاعه. (٢) ويمكن أن يجاب: بأنهم لم يمنعوا على أبي المولود استئجار أم المولود ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح حتى يبِنَّ = هملًا، بل أوجبوا على المولود لها الرضاع ديانةً بموجب ما فرض الله تعالى لها من الرزق والكسوة بالمعروف. أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس بما يأتي: أولًا: الاستدلال على أن الشريفة لا تجبر على الرضاع إذا لم تجر عادة مثلها بذلك: ١ - إنه هو الذي جرى عليه العمل والعادة، والعمل والعادة أصل من أصول الفقه، فخصصت به الآية (٣). وعلى هذا كان أمر الجاهلية في ذوي الأحساب، وجاء الإسلام فلم يغيره، وطفق ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمتعة؛ بدفع الرضعاء للمراضع. (٤) ونوقش بما يأتي: أ- هذا قول في غاية الفساد؛ لأن الشرف هو التقوى. (٥) كما يمكن أن يناقش بما يأتي: ب- إن ذلك كان في الجاهلية، فلما جاء الإسلام بأمر الوالدات أن يرضعن أولادهن؛ لم يكن في عمل الجاهلية معتبر؛ لأن هذا الكتاب مهيمن على ما قبله من الكتب المنزلة، فضلًا عن العوائد الاجتماعية أو الأعراف القومية؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: ١٠٥]؛ أي: بما أنزل الله إليك من كتابه، لا بما كان عليه أمر الجاهلية، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ

стр. 155

عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة: ٤٨]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [سورة المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [سورة المائدة: ٥٠] (١)، وإلى جانب إيجاب الرضاعة على الزوجة المولود لها؛ فقد حرمت شِرعة الإسلام نشوزها على زوجها، فلو وقعت بين واجبين لا يمكنها الجمع بينهما؛ كان ذلك محل اجتهاد، ودفع الرضعاء إلى المراضع إبان المصير إلى أحد الواجبين لا يصيِّر الواجب الآخر مفضولًا مطلقًا، على أن المحظور - وهو النشوز - مقدم في الشريعة على المأمور به - وهو الرضاع هنا -؛ لقول النبي ﷺ : "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" متفق عليه (٢)، وعلى أن الواجب الآخر المصاحب لواجب الرضاع قد يكون لحق الله - كحد الزنا - فيستوفى حق الآدمي الرضيع فيما وضعه الله له في صدر أمه، ويقدم على حق الله؛ كما فعل النبي ﷺ مع الغامدية (٣)، حتى أمكن استيفاء حق الله على وجه لا يخل بحق المخلوق حين وجد الكفيل الأمين. ولا يمنع ما تقدم أن تجوز الشريعة استئجار الظئر للحاجة مع كون أم المولود في عصمة أبيه؛ لأن الصغار لا يتربون إلا بلبن الآدمية، والأم قد تعجز عن الإرضاع؛ لمرض، أو موت، أو تأبى الإرضاع؛ فلا طريق إلى تحصيل المقصود - مع حرمة فعلها - سوى ذلك. (٤)

стр. 156

ج - إن الشريفة والحسيبة قد خلق الله في أثدائهم اللبن كما خلقه في الفقيرة والوضيعة؛ حقًّا لهذا المولود بتسخير من المولى تعالى، وهذا مما يستوي فيه عامة الناس باختلاف منازلهم؛ كالولادة، والنفاس، والحيض، والبول؛ فلا يقال: إن الشريفة والحسيبة لا تلد، أو لا تنفس، أو لا تحيض، أو لا تتبول؛ لشرفها! ؛ لأن ذلك أمرٌ خلْقي فطري لا تصرُّف للمخلوق فيه، وقياسه بما يحكمُه العرف والعادة خلط، قال ابن حزم ت ٤٥٦ هـ: والواجب على كل والدة؛ حرة كانت أو أمة، في عصمة زوج أو في ملك سيد أو كانت خلُوًّا منهما، لحِقَ ولدها بالذي تولد من مائه أو لم يلحق؛ أن ترضع ولدها؛ أحبت أم كرهت، ولو أنها بنت الخليفة ا. هـ (١) ثانيًا: الاستدلال على أن المطلقة لا تجبر على الرضاع إلا أن تشاء هي بأجرة المثل مع يسر الزوج: ١ - قول الله تعالى: ﴿فِإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوْهُنَّ أُجُوْرَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٦]. (٢) ٢ - ما روي عن عمر ﵁ أنه جبر رجلًا على رضاع ابن أخيه (٣)، فأب الرضيع أولى إن كان حيًّا. ثالثًا: الاستدلال على أن الشريفة والمطلقة تجبران على الرضاع إن لم يقبل المولود غيرها: ١ - قول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]. (٤) أدلة القول السادس: استدل أصحاب القول السادس بما يأتي: أولًا: الاستدلال على وجوب إرضاع الأم صبيها من اللبأ بدون أجرة ، وأن لها طلب الأجرة عليه إن كان لمثله أجرة: ١ - إنه لا يعيش غالبًا إلا به (٥).

стр. 157

ثانيًا: الاستدلال على أن للأم طلبَ الأجرة من زوجها إذا أرضعت صبيها منه اللبأَ: ١ - قول الله تعالى: ﴿فِإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوْهُنَّ أُجُوْرَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٦]. (١) ويمكن أن يناقش: بأن الآية في سورة الطلاق، وهي صريحة في المطلقة. ٢ - إنها أشفق على ولدها من غيرها فلبنها أصلح له وأوفق، وتعين الإرضاع عليها لا يوجب التبرع به، كما لزم على مالك الطعام بذله للمضطر ببدله. (٢) ٣ - إن مقتضى القياس أنها لو تركته بلا إرضاع، ومات؛ لا ضمان عليها. (٣) ثالثًا: الاستدلال على أن الأم لا تجبر على إرضاع ابنها إذا امتنعت وإن كانت في نكاح أبيه إن وجدت أجنبية: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦]. (٤) ويمكن أن يجاب: بأن الآية في شأن المبانة، وقد وردت في سياق أحكام المطلقات. رابعًا: الاستدلال على أنه ليس للأب منع أم الرضيع إن رغبت في إرضاعه بأجرة مثل: ١ - إن فيه إضرارًا بالولد، لأن أمه أشفق عليه من الأجنبية، ولبنها أصلح له وأوفق. (٥) خامسًا: الاستدلال على أن للأب نزع الرضيع من أمه ودفعه إلى متبرعة؛ إن لم تتبرع أمه بإرضاعه، أو طلبت فوق أجرة المثل: ١ - إن في تكليفه الأجرة مع المتبرعة إضرارًا به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]. ونوقش بما يأتي: أ- إن المقصود من الآية: إن أردتم أن تسترضعوا أولادكم مراضع غير أمهاتهم؛ إذا أبت أمهاتهم المطلقات أن يرضعنهم بالذي يرضعنهم به غيرهن من الأجر، أو

стр. 158

انقطع لبنها، أو كان ثم مصلحة راجحة؛ كإقامة حد، ونحو ذلك من الأسباب (١)؛ فقد قال مجاهد في تفسير الآية: خِيفة الضيعة على الصبي؛ فلا جناح عليكم ا. هـ، وقال السدي: إن قالت المرأة: لا طاقة لي به؛ فقد ذهب لبني، فسترضع له أخرى ا. هـ، وقال سفيان: إذا أبت الأم أن ترضعه؛ فلا جناح على الأب أن يسترضع غيرها ا. هـ (٢). ب - إن معنى الآية: تسترضعوا أولادكم من أمهاتهم المطلقات. (٣) خامسًا: الاستدلال على أنه لا يزاد في نفقة الزوجة للإرضاع، وإن احتاجت فيه إلى زيادة الغذاء: ١ - إن قدر النفقة لا يختلف بحال المرأة وحاجتها. (٤) أدلة القول السابع: استدل أصحاب القول السابع بما يأتي: أولًا: الاستدلال على وجوب إرضاع الأم ولدها من اللبأ بلا أجرة: ١ - إنه متعين عليها. (٥) ثانيًا: الاستدلال على أن لأبي الرضيع منع أم الرضيع من الإرضاع إن كانت في عصمته: ١ - إنه يستحق الاستمتاع بها في أوقات الإرضاع. (٦) ثالثًا: الاستدلال على أن المرضع تزاد في نفقتها: ١ - إنها تحتاج في الإرضاع إلى زيادة غذاء. (٧) أدلة القول الثامن: استدل أصحاب القول الثامن بما يأتي: أولًا: الاستدلال على لزوم الرضاع على الحرة إذا خيف على ولدها التلف: ١ - حفظًا له عن الهلاك (٨)، وقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٠] (٩). ٢ - إن هذا حال ضرورة. (١٠)

стр. 159

ثانيًا: الاستدلال على عدم لزوم الرضاع على الحرة إذا لم يُخف التلف على ولدها: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦] (٢)، وإذا اختلفا فقد تعاسرا. (٣) ٢ - إن الإجبار على الرضاع لا يخلو؛ إما أن يكون لحق الولد، أو لحق الزوج، أو لهما؛ فلا يجوز أن يكون لحق الزوج؛ لأنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها، ولا على خدمته فيما يختص به، ولا يجوز أن يكون لحق الولد؛ لأنه لو كان له للزمها إرضاعه بعد الفرقة، ولا نعلم في عدم إجبارها على الرضاع إذا كانت مفارقة خلافًا، ولأنه مما يلزم الوالد لولده، فلزم الأب على الخصوص؛ كالنفقة، أو كما بعد الفرقة، ولا يجوز أن يكون لهما؛ لأن ما لا مناسبة فيه، لا يثبت الحكم بانضمام بعضه إلى بعض، ولأنه لو كان لهما لثبت الحكم به بعد الفرقة، والآية محمولة على حال الإنفاق وعدم التعاسر. (٤) ٣ - إن النبي ﷺ استرضع لولده إبراهيم (٥). (٦) ثالثًا: الاستدلال على أن الأم أحق برضاع ولدها بأجرة مثلها حتى مع مرضعة متبرعة أو مع زوج ثان راضٍ ، وبأجرة أكثر من أجرة مثلها إن لم يوجد مرضعة إلا بما طلبته الأم: ١ - عموم قول الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]،

стр. 160

وقوله: ﴿فِإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوْهُنَّ أُجُوْرَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٦]، وهو عام في جميع الأحوال. (١) ٢ - إن أمه أحنى وأشفق، ولبنها أمرأ عليه من غيرها؛ فكانت أحق به من غيرها، كما لو طلبت الأجنبية رضاعه بأجر مثلها. (٢) ٣ - إن في رضاع غيرها تفويتًا لحق الأم من الحضانة، وإضرارًا بالولد، ولا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب، والإضرارُ بالولد لغرض إسقاط حق أوجبه الله تعالى على الأب. (٣) ٤ - إن أم الرضيع المتزوجة من أجنبي عنه يثبت حقها إذا طلب إرضاع ولدها بإذن زوجها؛ لأن الأم إنما منعت من الإرضاع لحق الزوج، فإذا أذن فيه؛ زال المانع. (٤) ٥ - إنهما إذا تساوتا في الأجر؛ تكون الأم أحق، كما لو طلبت كل واحدة منهما أجر مثلها. (٥) رابعًا: الاستدلال على لزوم زيادة النفقة على الأب لمن أرضعت ولدها وهي في حبال أبيه فاحتاجت لزيادة نفقة: ١ - إن عليه كفايتها بحق الزوجية ورضاع ولده (٦)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ فإذا زادت حاجتها؛ زاد مقدار كفايتها. (٧)

стр. 161

خامسًا: الاستدلال على أن للأب انتزاع الرضيع من أمه إذا طلبت أكثر من أجرة مثلها ووجد الأب من يرضعه بأجرة مثله أو متبرعةً مع وجوب سقياه اللبأ من أمه: ١ - إنها أسقطت حقها باشتطاطها وطلبها ما ليس لها، فدخلت في عموم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦] (١)، ولما كان يتضرر بعدم اللبأ، ولا يقوم بدنه إلا به، وقد لا يعيش إلا به؛ وجب عليها مطلقًا. (٢) ٢ - إنه لا يلزمه التزام المؤنة مع دفع حاجة الولد بدونها. (٣) سادسًا: الدليل على سقوط حق الأم في الرضاع إن منعها زوجها غير أبي الطفل من رضاعه: ١ - تعذر وصولها إليه. (٤) سابعًا: الاستدلال على لزوم الرضاع على أمَّ ولد لولدها مطلقًا: ١ - إن نفعها لسيدها. (٥) ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن إبراهيم ابن رسول الله ﷺ كان مسترضَعًا له في عوالي المدينة؛ عند أم سيف، امرأة قينٍ - أي: حداد أو صانع - يقال له: أبو سيف. متفق عليه (٦) ويمكن أن يجاب: بأن قول النبي ﷺ في مثل حديث الغامدية مقدم على فعله؛ لأن الفعل ربما احتف به من العوارض الغير متناعية أو المصالح الراجحة أو الأعذار المقبولة التي يرفع معها الحرج على المولود لها في إيجاب الإرضاع عليها.

стр. 162

ثامنًا: الاستدلال على سقوط حق أم الولد في رضاع ولدها متى باعها سيُّدها أو وهبَها أو زوجها: ١ - إن حضانتها سقطت، وعلى هذا سقط حقها من الرضاع. (١) - الترجيح: قد تبين مما تقدم أن عامة العلماء يوجبون إرضاع الطفل؛ لكن يختلفون فيمن يعلق عليه حكم الوجوب؛ هل هو أبو (٢) المولود أو أمه؟ ومن أوجبها على الأم اختلفوا في القدر الواجب؛ هل هو مقصور على اللبأ أو إذا خشي هلاكه أو امتنع عن المراضع وما عدا ذلك فوجوب الرضاع مناط بأبي المولود؟ أو حتى يستغني عن الرضاع بتمام الحولين أو قبيلهما إن كان الفطام عن مشورة وثم تراضٍ من أم المولود وأبيه؟ واختلفوا فيما يقابل ذلك على أبي الرضيع؛ هل هو النفقة المعتادة أو أجرة بعقد؟ والحق الذي يجب المصير إليه من الأقوال: إيجاب رضاع المولود على المولود لها ما قدرت على ذلك، ولو قصَّر أبو المولود في النفقة؛ لأن التقصير في النفقة على المرضع ممن أسندت إليه، لا يبيح لها التقصير فيما أوجب الله عليها، ولأن "المرأة في بيت زوجها راعية، ومسؤولة عن رعيتها" رواه البخاري (٣)، ولو لم يكن الرضاع واجبًا على المولود لها ما هم النبي ﷺ بالنهي عن الغيلة - يعني: مجامعة المرضع - لولا ما رأى من الدليل الواقعي المحسوس عند الروم وفارس أنها - أي: الغيلة - لا تضر أولادهم في الرضاع من أمهاتهم (٤)، ولأنه إذا تقرر أنه ليس للمتربصة في عدتها بطلاق رجعي تركُ الاعتداد إذا لم يلتزم زوجها بالنفقة، بل يجب عليها المضي في ذلك حتى يقضي الكتاب أجله، فهكذا ليكن على المرضعة إرضاع صبيها ولو لم تكن ثم نفقة.

стр. 163

ولا ينقضي إيجاب الرضاعة على أم المولود حتى يبلغ الرضيع الحولين أو يستغني بالطعام عن الرضاع، فإذا استغنى بالطعام عن الرضاع يحيث لا يشبعه الحليب وحده؛ لم يجب الإرضاع عل الأم، ولا رضاع يحرِّم حالتئذ بعد فصال. وحيث كان مقصود الشريعة طلب نفع الرضيع المولود وتحقيق مصلحته؛ جاز فطامه دون الحولين إذا كان ثم تراضٍ من الوالدين وتشاور مع انتفاء إرادة الإضرار؛ لأن تلك الشروط مظنة تحقيق المصلحة الراجحة للرضيع ودرء ما يضر به، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، ودليل مراعاة ضرر الرضيع قول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا وَلَا مَوْلُوْدٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]. (١) فإن تواطأ الوالدان على رأي يرضون به، مع ما يكون في ذلك من السؤال والمشورة والنظر في حال الطفل؛ يغلب معه تحقق مصلحة المولود، من دون أن تزيغ نفس أحد الوالدين بهوى نفساني أو وسواس شيطاني، ومن دون أن يكون ذلك ارتجالًا منهما من دون إعمال فكر أو اسخبار بشورى. فأما إن أراد أحد الأبوين الفصال - أي: الفطام - دون الآخر، أو كان في الفصال ضرر على الرضيع؛ من مرض، أو ضعف بنية، أو كونه لا يقبل الطعام؛ وجب إتمام الرضاعة. (٢) وللمولود لها على المولود له النفقة الواجبة المعتادة في حال الرضاع وغيره؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] (٣)، ولو نقص الاستمتاع بها؛ لأن هذا أمر جِبِلِّي؛ فهل تسقط النفقة إذا كانت حائضًا لنقص الاستمتاع بها حينئذ؟ ، ولو كانت لها أجرة زائدة على نفقتها مقابل الرضاع لبينت الشريعة دليل هذه الدعوى، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [سورة مريم: ٦٤]، اللهم إلا أن تكون مطلقةً ثلاثًا، أو أتمت عدة الطلاق الرجعي بوضع المولود؛ فلها أجرها على رضاعها ما وُلد له

стр. 164

منها؛ لقول الله تعالى: ﴿فِإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوْهُنَّ أُجُوْرَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٦] (١)، وذلك مقتضى الحاجة الداعية إلى الاسترضاع حين كان الطفل لا يعيش في العادة إلا بالرضاع، مع عدم النفقة اللازمة لأم المولود؛ لأنها لم تعد زوجة له، والإجماع منعقد على جواز استئجار الظئر (٢)، ومن هنا كان عامة كلام الفقهاء في المسألة فيما إذا كانت مطلقة، وربما أغفلوا التصريح بحكمه عليها في حال عصمتها، وكأن رضاعها أبناءَها من زوجها أمر مسلم وظاهر، فلما كانت المرضع المطلقة مظنة الإضرار بمطلقها في ابنه، جاءت فريضة الله في ذلك بإناطة الرضاع بالوالدات بعد آيات المطلقات تذكيرًا بأداء هذه الأمانة، ثم بين الله تعالى في سورة الطلاق ما يجب في مقابل ذلك على أب الرضيع من الأجر، كما لو كانت في عصمته وله عليها النفقة. والواقع أنه لو قيل بوجوب النفقة على زوجته المرضعة بقدر ما تحتاجه المرضعة وما تزيد به عن غيرها من زيادة الغذاء إزاء إرضاعها؛ لم يكن هناك فرق عملي فيما ستتقاضاه من الزوج فترة رضاعها؛ لأن من يقول بأجرة الرضاع للزوجة أمِّ المولود يرى أنه لا يزاد في نفقة الزوجة للإرضاع، وإن احتاجت فيه إلى زيادة الغذاء، وأنها إذا أخذت الأجرة سقطت نفقتها إن نقص الاستمتاع. وكتاب الله تعالى في هذا صريح، وسنة نبيه ﷺ على هذا شاهدة، ولو لم يكن الأمر كذلك؛ لكانت قواعد الشريعة وعموماته قاضية بذلك وكافية في إلزام الوالدة بإرضاع مولودها؛ في مثل قول البارئ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: ٢] (٣)، والأمر بالرحمة في قول النبي ﷺ : "من لا يَرحم لا يُرحم" متفق عليه (٤)، حتى سقطت عن المرضع فريضة الصوم وهي ركن في الإسلام إذا خافت على رضيعها، ومن ذلك: الحكم على من قتل ولده سفهًا بالخسران ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٠] (٥)، وحرمانه من الرضاع مع حاجته قتل له، ومن ذلك قول الله تعالى عمن سلكوا سقرَ: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [سورة المدثر: ٤٤]، وفيمن أوتي كتابه بشماله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [سورة الحاقة: ٣٤]، وفيما ذم به الإنسان: ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [سورة الفجر: ١٨]، وفي المقابل وصف عباده الأبرار بأنهم ﴿يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [سورة الإنسان: ٨] (٦)، والرضيع مسكين مستضعف، وجعل النبي ﷺ ذلك من تمام الإيمان، فقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه (٧)، وعدم إرضاع المولود بما خلق الله في الثدي من الحليب لؤم ظاهر وشح مذموم، على ما في حبسه من أضرار تتعدى إلى أم المولود؛ كتأخر انقباض رحمها وعودته سريعًا إلى حجمه الطبعي، وتعرضها للإصابة بسرطان الثدي والمبيض، وغير ذلك (٨)؛ مما يوجب عليها أن تدفعه عن نفسها بإرضاع مولودها؛ لأن الضرر يزال (٩). فإذا كان الله خلق في المولود لها لبنًا؛ فأي حكمة من إيجاده، وأي معنى من تكوينه؛ إن حرمت مولودها منه ولم تحفظ عليه نفسه بما أودع الله في صدرها؟ ، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنين: ١٤].

стр. 165

وأما من لم يوجب على الأم الرضاع مطلقًا، أو لا يوجبه إلا بقيد أو بأجرة تزيد على النفقة وهي في عصمته؛ فيقال لهم: لماذا حرمتم امتناع أم المولود على الحمل وموجِبِه؟ ولماذا لم تساووا تعب الرضاعة بالحمل فيكون للحمل أجرة وهي عصمته كالرضاعة؟ ولماذا لم تبيحوا لها أن تجهض الجنين الحي إذا لم يكن لها نفقة؟ فإن قلتم: إن الرضاعة ممكنة من غيرها؛ فلم يتعين عليها، بخلاف الحمل. أجيب: بأن الحضانة ممكنة من غيرها؛ فهل يجوز شرعًا أن تتركه لغيرها مع استيفائها الشروط؟ وإن قيل: أفإن جاء من يرضع ابنها من المراضع لتكون له أمًّا وما أشبه ذلك؛ أفتأثم الأم؟ أجيب: بأن شأن الأم مع صبيها في الرضاع كشأنها مع زوجها في النفقة؛ أفإن طعمت عند جارتها أثِم زوجها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [سورة الطلاق: ٧]؟ فالجواب: لا؛ لكن يلزمه نفقتها في الأصل، ويجبر على ذلك عند النزاع، وعليه أن لا يحوجها إلى غيره، فأما ما جاء اتفاقًا، أو كان لمصحلة راجحة، أو عذر معتبر؛ فإنه لا ينبغي أن ينتظم منه كلي يعود على الأصل الكلي بالنقض أو الإبطال. فحيث أراد الشارع أن لا يترك الرضيع خليًّا أسند الحكم إلى أصل وجعله على عاتقه، ولا يضر بعد ذلك ما تفرع منه؛ لأن المقصود لذاته هو الحليب المرتضَع، ثم أسند إلى زوجها وولي رضيعها ما يعين على ذلك ويكمله، وهو النفقة بالمعروف. وقد أذن الله في الفطام إذا كان ذلك عن نظر وتشاور ورضى؛ لأنه مظنة مصلحة المولود، وكذلك فليكن استرضاعه من غير والدته، بل هو من باب أولى؛ كما إذا ماتت والدته، أو مرضت، أو أضر به لبنها، أو كانت لا لبن لها. (١) ثم إن الكلام هنا جارٍ على الأصل في حكم المسألة، وأما ما يعرض لها من صور وجزئيات ومستثنيات فخارج عن التقرير الحُكمي الأصلي؛ لأن أصل تقرير الفقهاء لأحكام المسائل مبني على الأحوال الظاهرة والمعتادة، وأمّا ما ينتابها من العوارض؛ فلا يلزم الفقيه أن يقيد بها تصريحًا؛ لأنها غير متناهية، والانخراط في مثل هذا آل بقوم أن قالوا حكم القيام على المصلي: الصحيح أنَّ القيام ركنٌ إن قدر عليه، وليس بركن إن لم يقدر عليه! ولو أجري الخلاف بهذه

стр. 166

الطريقة لقلّبنا المسألة تقليبًا لا وجه له ولا معنى، وإذا ذكر الفقهاء في فتاويهم بعض العوارض في المسائل فربما تُوُهِّم أنها قولٌ جديد في المسألة، وليس الأمر كذلك، وإنما يحوج إليها لأنه يذكرها غالبًا في الفتوى لعوام المسلمين وقد يخفى عليهم مثل ذلك. (١) وقد نبه إليه تقي الدين ابن تيمية في قوله: مِن فصيح الكلامِ وجيِّدِه الإطلاقُ والتعميمُ عند ظهور قصد التخصيص والتقييد، وعلى هذه الطريقة الخطابُ الواردُ في الكتاب والسنة وكلام العلماء؛ بل وكلِّ كلامٍ فصيح، بل وجميع كلام الأمم؛ فإن التعرُّضَ عند كلِّ مسألةٍ لقيودها وشروطها تَعَجْرُف وتكلُّف، وخروج عن سَنَن البيان، وإضاعةٌ للمقصود، وهو يُعَكِّر على مقصود البيان بالعكس؛ فإنه إذا قيل: تجب الزكاة في الحُليِّ، فقال: إن كان لامرأةٍ مسلمة ليس عليها دين حالٌّ لآدمي يُنْقِصُ زكاةَ المال عن أن يكون نصابًا، وحالَ عليه حولٌ لم يخرج عن ملكها ويدُها ثابتةٌ عليه؛ وجَبَتْ فيه الزكاة = كان ذلك لُكْنَةً وعِيًّا ا. هـ (٢) وإن من العجب تصريح بعض من ينتمي إلى الفقه في الدين أن الأم لو تركت رضيعها حتى يموت مع قدرتها على إرضاعه ما ضمنت، لكن من المعلوم أن الأقوال الشاذة يكفي ظهور سقوطها عن إسقاطها؛ فكيف إذا أنبأ ظاهر التنزيل عن فسادها؟ ، والكلام إذا تناهى في الفساد كان الاعتراض عليه أعسر. (٣) - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - نزع الرضيع من أمه؛ فمن أوجب الرضاع على الأم؛ لم ير للزوج أو غيره أن ينزع الرضيع من أمه على ما يقتضيه التخريج، ومن لم يوجبه على الأم مطلقًا أو أوجبه بأجرة أو بقيد؛ لم ير مانعًا من نزع الزوجِ الرضيعَ عن أمه إذا كان ثم متبرعة، وعلى ذلك نص بعض فقهاء الشافعية (٤)، وهو مقتضى قول من وافقهم. ٢ - ميقات حد الرجم والقصاص للمرضع، فإن الإجماع وإن حكي في الحامل أنه لا يقتص منها حتى تضع (٥)؛ إلا أنهم اختلفوا في إمهالها حتى تفطمه؛ فمن رأى الرضاع على

стр. 167

الأم واجبًا مطلقًا؛ فالتخريج يقتضي أن يراعى حق الآدمي في الإرضاع أوَّلًا، ومن رآه واجبًا بقيد - وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، مع اختلاف قيوداتهم -؛ راعى حق الله في الحد عند اندفاع الضرر عن الرضيع بأقرب وسيلة؛ فقال الحنفية: إن كان حدها الرجم رجمت من حين وضعت؛ إلا إذا لم يكن للمولود من يربيه، حتى يستغني (١)، وقال مالك: إن أصابوا للصبي من يرضعه؛ أقيم عليها الحد ولم تؤخر، وإن لم يصيبوا للصبي من يرضعه؛ لم يعجل عليها حتى ترضع ولدها؛ لأنه لم يكف عنها في إقامة الحد وهي حامل إلا لمكان الصبي، وتركه بلا رضاع بعد الولادة قتل له (٢)، وقال الشافعية: لا يقتص منها بعد وضعها حتى تسقي ولدها اللبأ ويستغني عنه بلبن غيرها، ولا ترجم حتى تجد من ترضعه؛ فإن لم تجد؛ أرضعته حتى تفطمه، ثم رجمت (٣)، وقال الحنابلة: إن كان الحد رجمًا، أو وجب القود؛ لم ترجم ولم تُقَد حتى تسقيه اللبأ، ثم ترجم أو تستقاد؛ إن كان له من يرضعه ولو من لبن شاة، أو تكفل أحد برضاعه؛ لأنه لا ضرر على المولود حينئذ، وإلا؛ تركت حتى تفطمه؛ ليزول عنه الضرر (٤)، وهذا يوافق مآل من قال بالوجوب المطلق، وهو مما يضعف قول من أوجبه بقيد، أو لم يوجبه؛ حيث الاضطراب فيما يتأثر عن قولهم من الأحكام. ٣ - التبرع إلى بنوك الحليب؛ فمن أوجب الرضاع على المولود لها مطلقًا؛ فمقتضى قوله أنه لا يجوز لها دفع لبنها إلى بنوك الحليب وهو لا يكفي حاجة مولودها، ومن لم يوجب الرضاع على المولود لها أو أوجبه بقيد أو بأجرة؛ فالتخريج يقتضى جواز دفع لبنها إلى البنوك إذا اختل شرط الوجوب أو لم يتوافر قيده - عند من أوجبه بقيد أو أجره -، ونص بعضهم على صور مستثناة؛ كما لو خشي تلف الرضيع، أو لم يقبل غيرها.

стр. 168

٤ - تناول موانع در الحليب؛ فمن أوجب الرضاع على المولود لها؛ لم يجز لها أن تتناول ما يمنعه؛ لأنه في مقام الامتناع عن الإرضاع، وما لا يتم أداء الواجب إلا بتركه؛ فهو محرم (١)، ومن لم يوجب الرضاع؛ لم يمانع في تناولها تخريجًا على قوله؛ ومن أوجبه بقيد؛ ليتخرج من قوله أنه لا يمانع بتناولها إذا لم يتحقق قيد الإيجاب عنده. - سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف هنا إلى الخلاف في مسائل أخرى، منها: ١ - التلازم بين الإرضاع والحضانة؛ هل يلزم أحدُهما الآخر منهما؟ فمن أدخل الرضاع في الحضانة عند إطلاقها بحيث يلزم المستأجرةَ للحضانةِ الرضاعُ - وهم الحنفية (٢) والحنابلة في وجه (٣) -؛ أوجب على أم الرضيع إرضاعه ولو لم تكن ثمَّ أجرة؛ لأنه ليس للحضانة أجرة خاصة، وإنما هي النفقة العامة، المقدرة بقدرها العرفي في كل حين، ومن رأى أنه لا تلازم بين المفهومين - الإرضاع والحضانة - بحيث لا يدخل الرضاع في مفهوم الحضانة عند إطلاقه - وهو ما صرح به الشافعية (٤) والحنابلة (٥) -؛ لم يروا من الرضاع واجبًا على الأم كسائر ما يدخل في الحضانة؛ من تربية الصبي وحفظه، وجعله في سريره وربطه، ودهنه وكحله، وتنظيفه، وغسل خرقه، وأشباه ذلك، بل عدوه منفصلًا، ولذلك نص طائفة منهم على أن لا مانع من نزع المولود من والدته إذا وجد الزوج من يتبرع بإرضاعه، ويعاد إليها للحضانة. والتحقيق أن الرضاع يدخل في مفهوم الحضانة دخولًا أوليًا؛ إذا كان المحضون رضيعًا؛ لأنه إذا أمكنه الاستغناء عن الربط والدهن وجعله في السرير وغير ذلك من معاني الحضن، فإنه لا يعيش إلا بالرضاع في العادة، والحضانة مشتقة من الحضن، وهو ما تحت الإبط وما يليه، وسميت التربية حضانة تجوُّزًا؛ من حضانة الطير لبيضِه وفراخه حين يجعلها تحت جناحيه (٦)؛ هذا في العرف الشرعي الموافق للوضع اللغوي، فأما إن تعذر الرضاع على الأم ووقع عقد

стр. 169

الإجارة مع حاضنة، واقتضى العرف عند إطلاق الحضانة عدم دخول الرضاع؛ حكِّم العرف، ووجب على الأب استرضاعه؛ قال المرداوي ت ٨٨٥ هـ: الصواب في ذلك - يعني: عقد الإجارة إذا وقع على الرضاع أو على الحضانة؛ هل يقتضي أحدهما الآخر -: الرجوع إلى العرف والعادة؛ فيعمل بها ا. هـ (١) ٢ - استئجار الزوجة؛ هل للزوج أن يستأجر زوجته لإرضاع ولده؟ فمن قال بالجواز - وهم الشافعية في وجه؛ صححه النووي (٢)، والحنابلة على الصحيح من مذهب أحمد (٣) -؛ ساوى من في عصمة زوجها بالبائن في جواز الاستئجار على الرضاعة؛ لأن عقد الإجارة يجوز مع غير الزوج إذا أذن فيه، فجاز مع الزوج؛ كإجارة نفسها للخياطة أو الخدمة (٤)، وقد ذلك منهم اعتبارًا بأن الرضاعة منفعة متقومة يستحق في مقابلتها المال، فصححوا أن يكون بدل الخلع إرضاع الطفل مدة الرضاعة؛ كأن يقول لها أب الرضيع: خالعتك على أن ترضعي ابني منك مدة السنتين بلا أجر، فتقول: قبلت، وحتى لو لم ترضع الطفل؛ لوفاته، أو هربها، أو وفاتها؛ كان له الرجوع بقيمة الرضاعة عن المدة أو ما بقي منها (٥)، ومن قال: لا يجوز - وهو مذهب الحنفية (٦)، والوجه الآخر للشافعية، وبه قال عِراقِيُّوهم (٧) -؛ فرق في حكم الإجارة بين منكوحة أبي الرضيع ومبانته؛ فأباح الإجارة من المبانة دون المنكوحة التي جعل لها ما هو مفروض من النفقة، وتزاد نفقتها للإرضاع بما يجتهد به الحاكم في تقدير الزيادة (٨)؛ لأن المنافع حق له، فلا يجوز أن يستأجر منها ما ما هو أو بعضه حقٌّ له (٩).

стр. 170

٣ - الرضاع؛ هل هو حق للأم أو حق عليها؛ فمن قال: إنه حق لها - وهم الشافعية والحنابلة -؛ أسند الوجوب إلى أبي الرضيع ابتداءً - على استثناء وقع من بعضهم في أحوال؛ كاللبأ، وهذا من أمارات الاضطراب التي يضعف بها القول وتنحرف به إلى مسار المرجوحية -، وإذا لم يَقبل أو يوجد غيرها؛ وجب عليها؛ لأن اللفظ في الآية محتمل، ولو أراد التصريح بكونه عليها لقال: وعلى الوالدات رضاع أولادهن كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، ومن قال: إنه حق عليها - وهم طائفة من السلف، ومذهب الحنفية والمالكية -؛ أسند وجوب الرضاع إلى الأم ابتداءً - على استثناء وقع من بعضهم في أحوال؛ ككونها شريفة ذات ترفه، أو مطلقة -؛ لأن ذلك عرف قد صار كالشرط، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. (١) والتحقيق في هذا أنه حق لها من جهة، وحق عليها من جهة؛ فلها غنمه من النفقة وما يعمل الإرضاع فيها من الزيادة تبعًا للكفاية، وعليها غرمه، والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: حكم تناول ما يفسد اللبن . نص بعض فقهاء المذاهب من الحنفية والشافعية والحنابلة على أن من وجب عليها الرضاع؛ فلا تأكل شيئًا يفسد لبنها أو يضر به (٢)، وصرح بعضهم بأنها تمنع من أكل ما يضر بلبنها (٣). قال الدبيان: وهو قول وجيه جدًّا؛ لأن الإنسان ممنوع من تعاطي ما يضر بالغير، ولو كان مباحًا في نفسه ا. هـ (٤) ويمكن أن يستدل له أيضًا: بأن الرضاع إذا وجب، فإنه ينهى عن ضده؛ لأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده من طريق المعنى؛ تعيُّنًا، أو اقتضاءً؛ إذ لا يمكن الإتيان بالمأمور به إلا بترك ضده، وما لا يتم فعل الواجب إلا بتركه فهو حرام، والحرام منهي عنه. (٥) وقد أثمر ذلك في حرمة تناول موانع در الحليب على من وجب عليها الرضاع بولادة، أو عقد، أو تعيُّن؛ ومنعها إن أبت الامتناع؛ كما يمنع السفيه بالحجر عليه إذا بذر ماله على حساب من تجب عليه نفقتهم. ويتبين مما تقدم الآتي: أولًا: يحرم تعاطي موانع در الحليب من قبل المرأة إذا وجب عليها الرضاع؛ بولادة، أو عقد، أو تعيُّن، أو كانت حاملًا، وتمنع إن أصرت؛ فإن تعاطتها، وبقي لها حليب؛ لم يحل لها أن ترضع أحدًا حتى يحكم أهل الاختصاص بسلامة حليبها من إفرازات الدواء المضرة بالرضيع. ثانيًا: يجوز لمن مات مولودها أو سقط أو استغنى بالطعام أو أتم حولين، ولم يوجد من تتوقف حياته على حليب صدرها؛ أن تتعاطى موانع در الحليب؛ إذا حكم أهل الاختصاص بأنها لا تضرها، ويندب لها الكف عنها نفعًا لصبيان المسلمين بما خلق الله تعالى لها من اللبن، فإذا ترتب على الدواء المانع لدر للحليب ضرر على متعاطيه؛ ضمن الطبيب أو الصيدلي الذي صرفه له؛ إن جنى في صرفه بتعدٍّ أو تفريط (٦). ثالثًا: إذا حكم أهل الاختصاص بحظر الرضاعة الطبعية؛ كما لو ترتب عليها انتقال مرض وبائي قد يودي بحياة الرضيع، ولم تؤمن المرضع على صبيان المسلمين؛ وجب عليها تناول موانع در الحليب؛ إذا لم تغلب أضرارها على منافعها وإلا حبست في بيتها، وتجبر إذا امتنعت؛ إلا أن يترتب على ذلك هلاك محقق لصبيها (٧).

стр. 171

المبحث الثالث بنوك الحليب المطلب الأول حقيقة بنوك الحليب البنك كلمة إيطالية الأصل، ويقابلها في العربية: المصرف، ثم هي انتقلت إلى الطب، وأصبحت تطلق على المركز أو المؤسسة الطبية التي تقوم بحفظ مواد العلاج من جسم الإنسان والخلايا والأنسجة البشرية؛ تجوزاً. وأما عن بنك الحليب المعاصر، فقد قيل في تعريفه: مركز مخصص لجمع الحليب من أمهات متبرعات، أو من أمهات يعطين حليبهن مقابل ثمن معين، ومن ثم تبيع هذه البنوك الحليب المجموع إلى الأمهات اللائي يرغبن في إرضاعه أطفالَهن. (١) قامت الأمم الغربية بتجربة بنوك الحليب، ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية والعلمية؛ فانكمشت، وقل الاهتمام بها. وقد كان الداعي إلى إنشائها ما أخذ في الاعتبار من كون وظيفة الرضاعة للمرأة ذات طابع فطري وغريزي عند كل أم؛ من لدن الأم الأولى حواء، حتى ظهرت الأصناف التجارية من الحليب الاصطناعي بعد الحرب العالمية الثانية، حين تفجرت الثورة الصناعية في الغرب، وأجبرت المرأة أن تنزل إلى العمل، وتقف الساعات الطوال هناك؛ فكان في حليب البنوك بديلًا إذ كانت كليلة الجسم مرهقة الأعصاب لما كلفت بعمل يَخرج بها عن سنة الله الكونية في خلقه من النساء؛ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الملك: ١٤]؟ وكانت حينذاك - ولا تزال - قائمة على استجلاب الحليب من المرضعات مباشرة؛ تبرعًا أو معاوضة، وذلك لتغذية الأطفال الخدج، أو ضعيفي النمو، ونحوهم؛ بعد تعقيمها وحفظها. والغالب أن العاملين فيها يخلطون لبن المرأة الواحدة مع ألبان العشرات من النساء أو المئات، ولا يبقى لبن كلِّ امرأة منفردًا.

стр. 172

وتكلفة هذه البنوك عالية جدًّا، وتحتاج إلى تقنيات متطورة لتعقيم اللبن والحفاظ عليه؛ حتى بلغت في أمريكا إلى مرحلة الاحتضار. ولما كانت الرضاعة الطبعية من حليب الأم أساس التكوين السليم والنمو الناضج؛ ظهرت أهمية إنشاء بنوك الحليب البشري؛ حيث لم يتوصل - رغم التقدم في ميدان غذاء الأطفال - إلى حليب أو غذاء بديل يضارع حليب الأم. (١) وهذه البنوك، وإن كان لها ما يبررها من الناحية العلمية؛ إلا أنه يحتف بها ما يأتي بإيجاز من الإشكالات: (٢) ١ - إن هذا اللبن البشري المتجمع قد يتعرض للتلوث والإصابة بالفيروسات؛ كفيروس نقص المناعة المكتسبة، أو فيروس الكبد الوبائي، وغيرها؛ إما عند جمعه، أو حفظه، أو تعقيمه، أو استعماله. ٢ - فقدان بعض خصائص اللبن ومميزاته؛ نتيجة تحلل بعض المواد الموجودة فيه. ٣ - مساهمته في فقد كثير من مميزات الرضاعة الطبَعية؛ العائدة على الأم؛ كانقباض رحمها، وعودته سريعًا إلى حجمه الطبعي، وتقليل تعرضها لسرطان الثدي والمبيض، أو العائدة على الرضيع؛ كبناء عضلات الفم، وتفعيل عضلات اللسان والشفاه والفك؛ بحيث تحضره لتعلم الكلام فيما بعد، إلى جانب تلافي مخاطر المراضع الأخرى. ٤ - تعرضه لما يتعرض له الحليب الصناعي؛ من التجفيف، والحفظ، والنقل، والتعرض للأجواء. ٥ - نقص الإشباع العاطفي والنفسي؛ الأمر الذي يضعف الرابطة بين الأم وطفلها. ٦ - التكاليف المرتفعة التي يتطلبها تنفيذ مشروع هذا البنك. ٧ - إن للبن تأثيرًا في أخلاق الطفل، وبنوك الحليب لا تفرق بين حميدة الخلق ورديئته؛ بل تعامله كأي حليب من بهيمة الأنعام؛ يجمع لبنها، ويعامل بوسائل الحفظ المختلفة؛ من دون تمييز. ٨ - تشجيع الأمهات المعوزات على الامتناع عن إرضاع أطفالهن لأجل بيعه، وما يؤدي إليه؛ من ظهور تجارة لبن الأمهات إزاء الاتجار بالدم؛ الأمر الذي يعود على الفقراء باستغلال إمكانياتهم لصالح الأغنياء.

стр. 173

المطلب الثاني نشأة بنوك الحليب وتاريخ ظهورها ظهرت فكرة بنوك الحليب في الدول الأوربية والولايات المتحدة وغيرها في السبعينات من القرن العشرين؛ حيث قامت بتجميع حليب أي امرأة مرضع تود المساهمة ببعض لبنها؛ بآلية سيأتي بيانها خلال المطالب الآتية إن شاء الله تعالى. وقد كان لضعف العلاقات الاجتماعية لدى الأمم الغربية، وهيمنة الحياة المادية؛ الدور البارز في نشوء تلكم البنوك، وذلك على خلاف ما عليه الحال في العالم الإسلامي؛ إذ يزخر بعلاقات اجتماعية وروابط إيمانية وثيقة؛ هيأت للمولود الخداج، أو ناقص الوزن، أو المحتاج إلى اللبن البشري في الحالات الخاصة؛ ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطَّبَعي؛ الأمر الذي أغنى عن بنوك الحليب. غير أن الحياة المدنية الحديثة أثرت في كثرة خروج المسلمات من بيوتهن لمزاولة العمل؛ الأمر الذي أضعف دور المرضع في إرضاعها مولودَها، فضلًا عن غيره. ويمكن إجمال دواعي إنشاء البنوك في أمرين: أولِهما: إنقاذ مجموعة من الأطفال المحتاجين إلى حليب الأم الطبَعي؛ مثل: ١ - الأطفال الخدّج، وهم الذين ولدوا قبل إكمال مدة الحمل الطبَعية (تسعة أشهر)، مع الإشارة إلى التلازم ما بين قلة مدة الحمل وشدة الحاجة. ٢ - الأطفال ناقصوا الوزن عند الولادة. ٣ - الأطفال المصابون بالالتهابات الحادة؛ لما يتضمنه حليب الأم الطبَعي من مضادات الأجسام. الآخر: استخدام حليب الأمهات الطبَعي كوسيلة بديلة عن الحليب الصناعي، وذلك للاستفادة من حليب الأم؛ إذا لم تستطع الأم إرضاع طفلها؛ كما لو كانت تعمل، أو اعتقدت أثر الرضاعة السلبي على رشاقتها ونهدة ثدييها، أو مرضها، وكذا إذا كان الحليب ناضبًا، أو لا يكفي. (١)

стр. 174

المطلب الثالث الفرق بين بنوك الحليب وغيرها أنشئت مجموعة من البنوك إلى جانب بنك الحليب؛ مثل: بنوك الدم، وبنوك الجلد، وبنوك العيون، وبنوك القرنية، وبنوك المني، وبنوك الأجنة والبويضات الملقحة، وبنوك العظام، وبنوك الخلايا الجذعية، وبنوك الشعر، وبنوك الشحم، وبنوك زراعة سائر الأعضاء والمورثات. ويمكن إجمال الفروق بين بنوك الحليب والبنوك الأخرى من خلال المعايير الآتية: الأول: تاريخ الظهور. تأخرت بنوك الحليب نسبيًّا في ظهورها عن البنوك الأخرى؛ غير أنها تزامنت نسبيًّا مع بنوك أخرى؛ كبنوك المني التي أنشئت وراجت في أوائل الثمانينات الميلادية (١)، وبنوك الأجنة التي كانت نشأتها في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات (٢). الثاني: آلية العمل. مدة الحفظ في بنوك الحليب أقل من البنوك الأخرى في الجملة، والتي تصل في بعض الأحيان إلى سنوات طويلة؛ كبنوك المني التي تحتفظ بالمني لمدة تصل إلى عشرين سنة (٣)، وبنوك الأجنة التي تصل في تجميد البويضات الملقحة لمدة خمس إلى عشر سنوات (٤)، ويتصل بذلك تكاليف العمل، فعملية الحفظ في بنوك الحليب باهضة التكاليف، وطرق التعقيم فيها والمحافظة على الحليب معقدة. الثالث: الوقوع العملي. فشلت كثير من البنوك التي تستقطب الحليب بسبب ما يكتنف عملية التعقيم والحفظ من تكاليف وتعقيدات، مع صدور فتاوي إسلامية بتحريم إنشائه، ولذلك لا وجود له - يشكل ظاهرة - في العالم الإسلامي، وهذا على خلاف بنوك الأعضاء الأخرى التي تحتل أهمية كبرى وحاجة ماسة في العالم كله. الرابع: الحكم الشرعي.

стр. 175

أصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي قراراً عام ١٤٠٦ هـ برقم ٦ (٦/ ٢)؛ منع فيه إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي، كما قرر فيه حرمة الرضاع منها (١)، في حين إن كثيراً من البنوك الأخرى لا تعاني من إشكالات ومحاذير شرعية؛ كبنوك الدم؛ التي لا يعرف من أهل العلم المعاصرين من قال بمنع نقل الدم منها (٢). الخامس: التواجد القطري. لما كان المسلمون يتحرزون من تلكم البنوك؛ سداً لذريعة اختلاط الأنساب، وذريعة تقاعس الأمهات القادرات على الرضاعة، وغيرها من المحاذير المذكورة في مبحث الحكم الشرعي، إلى جانب قوة الروابط الاجتماعية التي لا يحتاجون معها إلى بنوك للحليب؛ فقد تركّزت تلك البنوك لدى الأمم الغربية؛ كأوربا، والولايات المتحدة، والأمم الشرقية؛ كالصين. ولا يمكن إهمال جانب كون كثير من الدولة الإسلامية نامية، مع استحضار ما تحتاجه تلك البنوك من عناية فائقة، وتكاليف باهضة. (٣) السادس: وسيلة الحفظ. يحفظ الحليب في بنك الحليب بطرق تختلف عن غيره من البنوك، ويتبين ذلك من خلال بيان الطرق الآتية لحفظ الحليب في بنوك الحليب: (٤) ١ - تجفيف الحليب عن طريق تبخير الماء وغيره، أو بقائه على هيئته سائلًا درءًا لفقد مضادات الأجسام؛ حتى يصبح الحليب مسحوقًا، ويعود هذا المسحوق سائلًا بإضافة الماء إليه. ٢ - معالجة الحليب بالتبريد بعد وضعه في أوانٍ معقمة؛ تحت درجة حرارة ٤ مئوية، ولمدة أقصاها ٤٨ ساعة، وهي المدة المناسبة لحفظ مكونات اللبن الحيوية. ٣ - تجميد الحليب لمدة أطول ٤٨ ساعة، وهذا الحليب من الناحية العلمية يحتوي على أغلب العناصر المهمة والواقية للمولود؛ إلا أنه عند تذويبه لا يصح تجميده مرة ثانية.

стр. 176

المطلب الرابع آلية العمل في بنوك الحليب تقوم هذه البنوك على تجميع حليب المرضعات اللائي يَودْنَ المساهمة ببعض لبنها؛ إما تبرعًا أو شراءً، إما بأخذه من الأمهات في المنازل أو بمجيء المرضع إلى البنك، ويؤخذ بطريقة معقمة، ثم يحفظ في قوارير بعد التأكد من خلوه من الأمراض؛ بفحصه، ثم تعقيمه، وتجميده دون تجفيفه؛ حتى يحافظ على خصائصه، ولا يفقد فوائده؛ من مضادات، وبروتينات، وفيتامينات؛ تلك التي لا يمكن الحصول على مثيلها في حليب الحيوانات. وثم يستفاد من هذا الحليب في تغذية الأطفال، وإسعاف المواليد الخدج، أو ضعيفي النمو وناقصي الوزن عند الولادة، أو المصابين بالالتهابات الحادة والإنتانات؛ لحاجتهم الماسة للحليب الطَّبَعي أكثر من أي نوع من أنواع الحليب الحيوانية أو المصنعة، والتي لا توفي باحتياجاتهم، فضلًا عن تحسس أجسامهم منها. ويستمر حفظ الحليب مبرداً في الثلاجات لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، ويفحص بعد تجميده، ثم يعالج بالحرارة والبسْترة (١)، وقد يجفف ليعطى الأطفال المحتاجين إلى الرضاعة الطبَعية.

стр. 177

ويمكن تلخيص طرق حفظ حليب الأمهات في بنوك الحليب - بشكل واضح - كما يأتي: تجفيف الحليب عن طريق تبخير الماء وغيره؛ حتى يصبح الحليب مسحوقًا، ويعود هذا المسحوق سائلًا بإضافة الماء إليه، ويمكن القول بأن هذه الطريقة هجرت؛ لما يكتنفها من فقد الكائنات المضادة للأجسام، ولذلك فقد لجؤوا إلى معالجة الحليب بالتبريد بعد وضعه في أوان معقمة، ثم يترك في درجة حرارة منخفضة لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر؛ لكن هذا أسلوب يعتبر قديمًا أيضًا، ولذلك؛ فإن الطريقة المثلى تتمثل في أحد الأسلوبين الآتيين: الأول: حفظ الحليب في ثلاجات تحت درجة حرارة ٤ مئوية، ولمدة تتراوح ما بين ٢٤ - ٤٨ ساعة، وهي المدة المناسبة لحفظ مكونات اللبن الحيوية. الثاني: تجميد الحليب لمدة تزيد على ٤٨ ساعة، وهذا الحليب - من الناحية العلمية - يحتوي على أغلب المكونات المهمة والعناصر الواقية للمولود؛ بيد أنه لا يصح تجميده مرة أخرى في حال تذويبه. والطريقتان الأخيرتان هما المشتهرتان الآن. (١)

стр. 178

المطلب الخامس حكم بنوك الحليب الفرع الأول حكم إنشاء بنوك الحليب بحث الفقهاء المعاصرون حول إنشاء بنوك الحليب؛ فمنهم من انتهى إلى الجواز، ومنهم من قيد ذلك بشروط، وفي المقابل هناك من منع من إنشائها، وبينهم الفريقين من توقف، ولم يتبين له القول الصواب في المسألة. ولكون حكم التعامل مع بنوك الحليب مما يبنى على حكم إنشائها؛ فإني أرجئ الكلام هنا عن الحكم بعد هذه النبذة اليسيرة لحين بحث بعض ما يلزم من المسائل لتقرير الحكم الشرعي، وذلك في الفرع الآتي إن شاء الله تعالى. الفرع الثاني حكم التعامل مع بنوك الحليب يستلزم بيان حكم التعامل مع بنوك الحليب الوقوف على المسائل الآتية، وهي: المسألة الأولى: حكم بيع حليب الآدميات . - تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء أن للمرأة أن تحلب لبنها في إناء وتعطيه لمن يسقيه صبيًّا (١)، واختلفوا في حكم بيع لبن الآدمية، على ما يأتي: القول الأول: لا يجوز بيعه . وهو مذهب الحنفية (٢)، ووجه شاذ عند الشافعية (٣)، وقول لبعض الحنابلة (٤). القول الثاني: يجوز بيع لبن الأمة دون لبن الحرة . وبه قال أبو يوسف (٥).

стр. 179

القول الثالث: يجوز بيعه - أي: منفصلًا منها - بلا كراهة، ولو كانت حرة. وهو مذهب الجمهور (١)؛ من المالكية (٢)، الشافعية (٣)، والظاهرية (٤)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٥)، ولا نص للشافعي في المسألة (٦). القول الرابع: يكره، ويصح . وبه قال أحمد، ونصه: أكرهه (٧)، وتبعه بعض الحنابلة على ما تقرر من معنى الكراهة في اصطلاح الأصوليين (٨). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي على ما يأتي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن اللبن جزء متولد من عين الآدمي تثبت به حرمة الرضاع؛ كالماء الذي هو أصل الآدمي، وتثبت به حرمة المصاهرة، والمتولد من الأصل يكون له حرمة الأصل؛ فإذا لم يكن الآدمي مالًا، فكذلك ما يتولد منه من اللبن؛ كالولد. (٩) ٢ - إنه جزء حيوان منفصل عنه في حياته؛ فيحرم أكله وبيعه، كلحمه. (١٠)

стр. 180

ونوقش بما يأتي: أ- إن سائر أجزاء الآدمي يجوز بيعها؛ فإنه يجوز بيع العبد والأمة، وإنما حُرِّم بيع الحر؛ لأنه ليس بمملوك، وحرم بيع العضو المقطوع؛ لأنه لا نفع فيه. (١) ب - القياس على لبن الأنعام. (٢) وأجيب: بأن ثمة فرقًا، وهو شرف الآدمي (٣)، وبأنه إنما أبيح منه الرضاع للضرورة (٤)، وبأن الامتهان والابتذال لو كان لازمًا للبيع لصدق ذلك على من يزاوله، وقد علم أن الأنبياء ﵈ قد اشتغلوا بالبيع والشراء. (٥) ج - إن الانفصال هنا ليس كانفصال عضو من أعضاء الحيوان، ولو صح هذا الدليل لنهي عن تناول لبن بهيمة الأنعام؛ لأنه انفصل عنها في حياته، ولا قائل بذلك؛ بل هذا الانفصال كانفصال شعر الحيوان؛ فإذا كان الشعر من الحيوان يجوز بيعه والانتفاع به؛ جاز بيع اللبن والانتفاع به. (٦) ٣ - إنه نجس لا يجوز بيعه، وإنما يربى به الصغير للحاجة. (٧) ونوقش بما يأتي: أ- كيف يكون نجسًا عندكم، وأنتم لا ترون بأسًا في استعاطة الرجل بلبن المرأة وشربه للدواء، ولا تحكمون بنجاسة الثوب إذا أصابه لبن آدمي؛ لأن الآدمي طاهر في الأصل، فما تولد منه يكون طاهرًا من لبن وعرق وبزاق وغيره إلا ما قام الدليل الشرعي على نجاسته، هكذا تعللون، وأنتم ترون أن المنفصل من أجزاء الآدمي إنما يتنجس باعتبار الموت، ولا حياة في اللبن، ولا يحِله الموت (٨)، وقد قال النبي ﷺ : "المؤمن لا ينجس" متفق عليه (٩).
следующие страницы →