المطلب الرابع
آلية العمل في بنوك الحليب
تقوم هذه البنوك على تجميع حليب المرضعات اللائي يَودْنَ المساهمة ببعض لبنها؛ إما تبرعًا أو شراءً، إما بأخذه من الأمهات في المنازل أو بمجيء المرضع إلى البنك، ويؤخذ بطريقة معقمة، ثم يحفظ في قوارير بعد التأكد من خلوه من الأمراض؛ بفحصه، ثم تعقيمه، وتجميده دون تجفيفه؛ حتى يحافظ على خصائصه، ولا يفقد فوائده؛ من مضادات، وبروتينات، وفيتامينات؛ تلك التي لا يمكن الحصول على مثيلها في حليب الحيوانات.
وثم يستفاد من هذا الحليب في تغذية الأطفال، وإسعاف المواليد الخدج، أو ضعيفي النمو وناقصي الوزن عند الولادة، أو المصابين بالالتهابات الحادة والإنتانات؛ لحاجتهم الماسة للحليب الطَّبَعي أكثر من أي نوع من أنواع الحليب الحيوانية أو المصنعة، والتي لا توفي باحتياجاتهم، فضلًا عن تحسس أجسامهم منها.
ويستمر حفظ الحليب مبرداً في الثلاجات لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، ويفحص بعد تجميده، ثم يعالج بالحرارة والبسْترة (١)، وقد يجفف ليعطى الأطفال المحتاجين إلى الرضاعة الطبَعية.
стр. 177
ويمكن تلخيص طرق حفظ حليب الأمهات في بنوك الحليب - بشكل واضح - كما يأتي:
تجفيف الحليب عن طريق تبخير الماء وغيره؛ حتى يصبح الحليب مسحوقًا، ويعود هذا المسحوق سائلًا بإضافة الماء إليه، ويمكن القول بأن هذه الطريقة هجرت؛ لما يكتنفها من فقد الكائنات المضادة للأجسام، ولذلك فقد لجؤوا إلى معالجة الحليب بالتبريد بعد وضعه في أوان معقمة، ثم يترك في درجة حرارة منخفضة لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر؛ لكن هذا أسلوب يعتبر قديمًا أيضًا، ولذلك؛ فإن الطريقة المثلى تتمثل في أحد الأسلوبين الآتيين:
الأول: حفظ الحليب في ثلاجات تحت درجة حرارة ٤ مئوية، ولمدة تتراوح ما بين ٢٤ - ٤٨ ساعة، وهي المدة المناسبة لحفظ مكونات اللبن الحيوية.
الثاني: تجميد الحليب لمدة تزيد على ٤٨ ساعة، وهذا الحليب - من الناحية العلمية - يحتوي على أغلب المكونات المهمة والعناصر الواقية للمولود؛ بيد أنه لا يصح تجميده مرة أخرى في حال تذويبه. والطريقتان الأخيرتان هما المشتهرتان الآن. (١)
стр. 178
المطلب الخامس
حكم بنوك الحليب
الفرع الأول
حكم إنشاء بنوك الحليب
بحث الفقهاء المعاصرون حول إنشاء بنوك الحليب؛ فمنهم من انتهى إلى الجواز، ومنهم من قيد ذلك بشروط، وفي المقابل هناك من منع من إنشائها، وبينهم الفريقين من توقف، ولم يتبين له القول الصواب في المسألة.
ولكون حكم التعامل مع بنوك الحليب مما يبنى على حكم إنشائها؛ فإني أرجئ الكلام هنا عن الحكم بعد هذه النبذة اليسيرة لحين بحث بعض ما يلزم من المسائل لتقرير الحكم الشرعي، وذلك في الفرع الآتي إن شاء الله تعالى.
الفرع الثاني
حكم التعامل مع بنوك الحليب
يستلزم بيان حكم التعامل مع بنوك الحليب الوقوف على المسائل الآتية، وهي:
المسألة الأولى: حكم بيع حليب الآدميات .
- تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء أن للمرأة أن تحلب لبنها في إناء وتعطيه لمن يسقيه صبيًّا (١)، واختلفوا في حكم بيع لبن الآدمية، على ما يأتي:
القول الأول: لا يجوز بيعه .
وهو مذهب الحنفية (٢)، ووجه شاذ عند الشافعية (٣)، وقول لبعض الحنابلة (٤).
القول الثاني: يجوز بيع لبن الأمة دون لبن الحرة .
وبه قال أبو يوسف (٥).
стр. 179
القول الثالث: يجوز بيعه - أي: منفصلًا منها - بلا كراهة، ولو كانت حرة.
وهو مذهب الجمهور (١)؛ من المالكية (٢)، الشافعية (٣)، والظاهرية (٤)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٥)، ولا نص للشافعي في المسألة (٦).
القول الرابع: يكره، ويصح .
وبه قال أحمد، ونصه: أكرهه (٧)، وتبعه بعض الحنابلة على ما تقرر من معنى الكراهة في اصطلاح الأصوليين (٨).
- الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي على ما يأتي:
أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
١ - إن اللبن جزء متولد من عين الآدمي تثبت به حرمة الرضاع؛ كالماء الذي هو أصل الآدمي، وتثبت به حرمة المصاهرة، والمتولد من الأصل يكون له حرمة الأصل؛ فإذا لم يكن الآدمي مالًا، فكذلك ما يتولد منه من اللبن؛ كالولد. (٩)
٢ - إنه جزء حيوان منفصل عنه في حياته؛ فيحرم أكله وبيعه، كلحمه. (١٠)
стр. 180
ونوقش بما يأتي: أ- إن سائر أجزاء الآدمي يجوز بيعها؛ فإنه يجوز بيع العبد والأمة، وإنما حُرِّم بيع الحر؛ لأنه ليس بمملوك، وحرم بيع العضو المقطوع؛ لأنه لا نفع فيه. (١)
ب - القياس على لبن الأنعام. (٢)
وأجيب: بأن ثمة فرقًا، وهو شرف الآدمي (٣)، وبأنه إنما أبيح منه الرضاع للضرورة (٤)، وبأن الامتهان والابتذال لو كان لازمًا للبيع لصدق ذلك على من يزاوله، وقد علم أن الأنبياء ﵈ قد اشتغلوا بالبيع والشراء. (٥)
ج - إن الانفصال هنا ليس كانفصال عضو من أعضاء الحيوان، ولو صح هذا الدليل لنهي عن تناول لبن بهيمة الأنعام؛ لأنه انفصل عنها في حياته، ولا قائل بذلك؛ بل هذا الانفصال كانفصال شعر الحيوان؛ فإذا كان الشعر من الحيوان يجوز بيعه والانتفاع به؛ جاز بيع اللبن والانتفاع به. (٦)
٣ - إنه نجس لا يجوز بيعه، وإنما يربى به الصغير للحاجة. (٧)
ونوقش بما يأتي: أ- كيف يكون نجسًا عندكم، وأنتم لا ترون بأسًا في استعاطة الرجل بلبن المرأة وشربه للدواء، ولا تحكمون بنجاسة الثوب إذا أصابه لبن آدمي؛ لأن الآدمي طاهر في الأصل، فما تولد منه يكون طاهرًا من لبن وعرق وبزاق وغيره إلا ما قام الدليل الشرعي على نجاسته، هكذا تعللون، وأنتم ترون أن المنفصل من أجزاء الآدمي إنما يتنجس باعتبار الموت، ولا حياة في اللبن، ولا يحِله الموت (٨)، وقد قال النبي ﷺ : "المؤمن لا ينجس" متفق عليه (٩).
стр. 181
وأجيب: بأن شربه للدواء موضع حاجة أو ضرورة. (١)
٤ - إنه لا يباع في العادة. (٢)
ونوقش بما يأتي: أ- إنكم جعلتم العقد في استئجار المرضع واردًا على اللبن؛ بحجة أنه هو المقصود بحيث لو لم يكن فيها لبن ما استؤجرت، وما سوى ذلك من القيام بمصالحه تبع، والمعقود عليه هو منفعة الثدي (٣)، والإجارة بيع منافع؛ فكيف أجزتم بيعه هناك ولم تطلقوا الحكم هنا؟
وأجيب: إن ذلك جوِّز للحاجة؛ لأنه لا طريق إلى تحصيل المقصود إذا عجزت الأم عن الإرضاع أو أبت سوى استئجار الظئر. (٤)
٥ - إنه فضلة آدمي، فلم يجز بيعه؛ كالبزاق، الدمع، والعرق، والمخاط. (٥)
ونوقش بما يأتي: أ- إن الدمع والعرق والمخاط لا منفعة فيها، ولذلك لا يباع عرق الشاة، بخلاف اللبن. (٦)
٦ - إن ما لا يجوز بيعه متصلًا لا يجوز بيعه منفصلًا؛ كشعر الآدمي؛ إكرامًا للآدمي، بخلاف سائر الحيوانات، كما أن غائط الآدمي يدفن، وما ينفصل من سائر الحيوانات ينتفع به. (٧)
стр. 182
ونوقش بما يأتي: أ- عدم التسليم؛ لأن منافع الآدمي الحر التي لا تنفصل عنه إذا كانت جائزة البيع كما في إجارة الآدمي، وقد اشتغل أجيرًا بعضُ أولو العزم من الرسل ﵈ ولم يكن في ذلك امتهان للإنسان؛ فكيف يقال هذا في بيع ما هو منفصل عنه. (١)
٧ - إنه لا يؤكل لحمها، فلا يجوز بيع لبنها؛ كالأتان. (٢)
ونوقش بما يأتي: أ- إن لبن الأتان نجس، بخلاف الآدمية. (٣)
٨ - إن الآدمي خلق مالكًا للمال؛ لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩]، والمال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به مما هو غيرنا، وبين كون الآدمي مالًا أو مالكًا للمال منافاة. (٤)
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن هذا الدليل حجة على جوازه؛ لأن اللبن مخلوق ينتفع به.
٩ - إنه مائع خارج من آدمية؛ فلم يجز بيعه. (٥)
كما يمكن أن يستدل له بما يأتي:
١٠ - نهي النبي ﷺ أن يباع صوف على ظهر، أو سمنٌ في لبن، أو لبن في ضرع. (٦)
ويجاب: بأن محل البحث هنا بيعُ لبن الآدمية بعد حلبه، ولذلك؛ أفتى الشعبي بجواز بيع ألبان البقر إذا كان يدًا بيد (١)، فأما ما قبل ذلك؛ فهو في الآدمية من قبيل الإجارة الجائزة بالنص والإجماع (٢)، إذ كانت الإجارة ترد على الأعيان كما هي واردة على المنافع، ولا مخالف في ذلك بين الصحابة (٣)، وفي بهيمة الأنعام لم يجوزه الجمهور درءًا للغرر مع عدم الحاجة الداعية، ولذلك بوب عليه عبد الرزاق في كتاب البيوع من مصنفه: باب بيع الغرر المجهول (٤)، وكان الفقهاء الأوائل يبينون معنى الغرر المنهي عنه في الشريعة ببيان أمثلته، ويذكرون منها: بيع ما في ضروع الأنعام إلا بكيل (٥)، ولذلك تتابع الفقهاء على إقرانه ببيوع الغرر الأخرى التي يتردد فيها المبيع بين الحصول والفوات، أو التي تطوى معرفتها، وتجهل عينها، وذلك مثل: بيع النوى في التمر، والبيض في الدجاج، واللبن في الضرع،
стр. 185
والسمن في الوعاء (١)، قال تقي الدين ابن تيمية ت ٧٥٢ هـ: لو كان لرجل غنم، فاستأجر غنم رجل ليرضِعها؛ لم يكن هذا ممتنعًا إلا أن يكون المستأجر هو الذي يحلب اللبن، أو هو الذي يستوفيه؛ فهذا مشترٍ اللبن، ليس مستوفيًا لمنفعة، ولا مستوفيًا للعين بعمل، وهو شبيه باشتراء الثمرة، واحتلابه كقطافها، وهو الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: : "لا يباع لبن في ضرع"، بخلاف ما لو استأجرها؛ لأنه يقوم عليها ويحتلب لبنها، فهذا نظير اكتراء الأرض والشجر ا. هـ بتصرف يسير (٢)، وقال بعض أهل العلم بجواز المعاوضة في لبن بهيمة الأنعام بيعًا وإجارة (٣).
وبأن المقصود هنا لبن بهيمة الأنعام، ودليل تخصيص هذا الإطلاق العام مرسل عكرمة؛ حيث أضاف الضرع فيه إلى الشاة (٤)، حديث أبي سعيد الآتي، والعام في أدلة الشريعة يحمل على خاصها، وهذا الملحظ ظاهر عند فقهاء التابعين؛ في مثل ما يدرجونه على المرفوعات من الفهوم، وفي مثل كراهة الحسن شراء اللبن في ضروع الشاء (٥)، وكراهة النخعي أن يشترى اللبن في ضروع الشاة (٦).
١١ - ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل أو وزن. (٧)
стр. 186
ونوقش بما يأتي:
أ- إن إسناده لا تقوم به حجة. (١)
ب - إن بيع اللبن في الضرع لا يخلو؛ فإن كان معينًا؛ لم يمكن تسليم المبيع بعينه، وإن كان بيع لبن موصوف في الذمة؛ فهو نظير بيع عشرة أقفزة مطلقة من هذه الصبرة، وهذا النوع له جهتان: جهة إطلاق وجهة تعيين، ولا تنافي بينهما، وقد دل على جوازه نهي النبي ﷺ أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه، رواه الإمام أحمد (٢)، فإذا أسلم إليه وكان لبن هذه الشاة معلومًا لا يختلف بالعادة جاز بيعه أيامًا،
стр. 187
وجرى حكمه بالعادة مجرى كيله أو وزنه؛ جاز، وإن كان مختلفا فمرة يزيد، ومرة ينقص، أو ينقطع فهذا غرر لا يجوز، وكذلك فليكن لبن الآدمية، ولو كان التعيين شرطا لذكره. (١)
ويمكن أن يناقش بما يأتي:
ج - إن هذا الحديث في بيع اللبن قبل خروجه من الثدي، وأوردت هذه المسألة هنا لتخريج حكم بيع لبن الآدمية في نوك الحليب عليها، وهم لا يشترونه إلا بعد حلبه.
أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
١ - كما جاز بيع ولد الأمة، وكلاهما متولد منها. (٢)
ونوقش بما يأتي: أ- إن جواز بيع الولد؛ بصفة الرق، ولا رق في اللبن؛ لأن الرق عبارة عن ضعف فيما تحله الحياة، ولا حياة في اللبن، ولذلك لم يكن الصحابة ﵃ يوجبون قيمة ما تلف من اللبن على يد المغرور بالأمة. (٣)
أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي:
١ - إنه لبن طاهر منتفع به، فجاز بيعه؛ كلبن الشاة. (٤)
٢ - إنه غذاء للآدمي، فجاز بيعه؛ كالخبز. (٥)
ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا منتقض بدم الحيض؛ لأنه غذاء لآدمي - وهو الجنين -، ولا يجوز بيعه. (٦)
وأجيب: بأن هذا ليس بصحيح، ولا يتغذى الجنين بدم الحيض؛ بل يولد وفمه مسدود لا طريق فيه لجريان الدم، وعلى وجهه المشيمة، ولهذا تعيش أجنة البهائم في البطون ولا حيض لها. (٧)
стр. 188
٣ - إنه مائع يحل شربه، فجاز بيعه؛ كلبن الشاة. (١)
ونوقش بما يأتي: أ- إن العرق مائع ولم يحل شربه، ولا يجوز بيعه؛ فانتقض به. (٢)
وأجيب: بعدم التسليم؛ لأنه يحل شربه، ولا يلزم من كون العادة لم تجر ببيعه أن لا يصح بيعه، كما أن العادة لم تجر ببيع الطحال، وبيض العصافير، مع أن البيع جائز وصحيح. (٣)
ويمكن أن يجاب: بأن العَرق تخلف فيه وصف مؤثر، وهو المنفعة؛ فلم يصح القياس عليه.
٤ - ... إنه جاز استحقاقه وأخذ العوض عنه بعقد الإجارة في الظئر؛ فأشبه المنافع، وجاز بيعه. (٤)
- الترجيح: جواز بيع لبن الآدمية ما كان معلومًا معيَّنًا؛ لأن الإجماع منعقد على جواز استئجار الظئر (٥)، والإجارة لا تختلف عن البيع في معنى المعاوضة (٦)، كما أنه لا خلاف في أن للمرأة أن تحلب لبنها في إناء وتعطيه لمن يسقيه صبيًّا، وهذا تمليك منها له، وكل ما صح ملكه وانتقال الأملاك فيه حل بيعه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥] (٧)، ولبن الآدمية داخل في عموم الإباحة، وقد فصل لنا الله تعالى ما حرم علينا، ولم يأتِ تدليل صحيح أو يَقْوَ تعليل صريح على إلغاء الأصل المبيح.
- ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية:
стр. 189
١ - ضمان ما تلف من حليب الآدمي؛ فمن حرم بيعه وهم الحنفية -؛ لم يضمن ما تلف منه؛ لأنه ليس بمال متقوم (١)، ومن أجاز بيعه - وهم المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية بقيد -؛ حكم بضمان متلفه؛ لأنه مال متقوم، والتقوم بكون العين منتفعًا به شرعًا وعرفًا. (٢).
٢ - المعقود عليه في الرضاع؛ فمن حرم بيعه - وهم الحنفية - وجعل المعقود عليه هو اللبن؛ أشكل عليه ذلك، حتى تأول ذلك بدعيان الحاجة أو جريان العمل أو غير ذلك مما تقدم عند مسألة حكم الرضاع على الأم في المحبث السابق، ومن أجاز بيعه - وهم الجمهور -؛ لم يشكل عليه أن يكون المعقود عليه مع الظئر المستأجرة للإرضاع هو اللبن، لا خدمة الصبي وحمله ووضع الثدي في فيه واللبن تبع؛ لأن اللبن هو المقصود، ولذلك لو خدمته بدون الرضاع لم تستحق شيئًا، ولأن الله تعالى يقول: ﴿فِإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوْهُنَّ أُجُوْرَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٦]؛ فجعل الأجر مرتبًا الإرضاع. (٣)
٣ - التبرع بلبن الآدميات؛ فمن لم يجز بيعه؛ فالتخريج يقتضي أنه لا يجيز التبرع به في عقد جائز؛ كالهبة؛ لأنه لم يجعل صاحبه مالكًا لما يتصرف فيه (٤)، ومن أجاز بيعه؛ أجاز التبرع به تخريجًا؛ لأن كل ما صح بيعه جازت هبته (٥).
٤ - إذا اعتدي على الحليب في بنوكه المعاصرة؛ فلا يضمن بعد تلفه عند الحنفية، ويضمن عند الجمهور.
٥ - جواز بيع اللبن وابتياعه من بنوك الحليب المعاصرة؛ إذا كان المبيع - وهو: اللبن هنا - معلومًا معينًا؛ كما لو وضع في قارورة.
стр. 190
المسألة الثانية: حكم بيع لبن الرجل .
أشار بعض فقهاء الحنابلة إلى هذه المسألة، وقرر عدم صحة بيع لبن الرجل، وما يتأثر عن ذلك من عدم ضمان ما يتلف منه، وقرنه بالخمر، والكلب؛ في الحكم الوضعي القاضي ببطلان البيع. (١)
وهذا الحكم منهم متفرع عن اشتراط كون المبيع مالًا، والمال شرعًا عندهم: ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة (٢)، ولبن الرجل لا نفع فيه؛ لأنه ليس كلبن المرأة غالبًا.
وقد أثمر ذلك في أن لبن الرجل لا يجوز بيعه على بنوك الحليب ولا ابتياعه منهم؛ في مذهب الحنابلة تخريجًا.
المسألة الثالثة: طهارة حليب الآدمي .
مع اعتبار كون الأصل في الأشياء الطهارة؛ إلا أن فقهاء المذاهب نصوا أيضًا على طهارة حليب الآدمية (٣)، واستدلوا على طهارة لبن الآدمي بما يأتي:
١ - إن الآدمي طاهر في الأصل، فما تولد منه من اللبن يكون طاهرًا؛ كالعرق، والبزاق؛ إلا ما قام الدليل الشرعي على نجاسته. (٤)
٢ - إن المنفصل من أجزاء الآدمي إنما يتنجس باعتبار الموت، واللبن لا حياة فيه، ولا يحله الموت. (٥)
٣ - قول الله تعالى: ﴿لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلَّشَّارِبِينَ﴾ [سورة النحل: ٦٦] (٦)، وهذا فليكن لبن الآدمية؛ بجامع الحيوانية في كل.
стр. 191
٤ - إنه لا يليق بكرامة الإنسان أن يكون حليب الأنثى نجسًا. (١)
وثمرة هذه المسألة في فروع، منها:
١ - إذا نزل على ثوب المرضع حليبها؛ جازت لها الصلاة فيه. (٢)
٢ - جواز على الصلاة على الأرض التي أصابها حليب الآدمي.
٣ - جواز استعمال لبن الآدمية بعد موتها.
٤ - جواز بيع لبن الآدمية.
٥ - جواز هبة لبن الآدمية.
٦ - إذا حفظ الحليب في مكان ما، فسرت رائحته إلى ما بجواره حتى تغير ريحه؛ لم يكن من موجبات تنجيسه.
٧ - إذا أضيف حليب الآدمية إلى غيره، فغلبه؛ لم ينجسه.
المسألة الرابعة: استعاطة الرجل بلبن المرأة .
صورة المسألة: إذا احتاج رجل كبير إلى التداوي بلبن الآدمية، فقد بحث طائفة من الفقهاء هذه المسألة، وقالوا: لا بأس بأن يستعط الرجل بلبن المرأة ويشربه للدواء؛ لأنه موضع الحاجة والضرورة. (٣)
وقد أثمر ذلك في جواز بيع حليب الآدمي من قبل بنك الحليب إلى الرجل الكبير أو من يبتاعه له من أفراد أو مؤسسات لهذه الحاجة ونظائرها، ولو تقاطر شيء على ثوبه لم ينجس، وأن ذلك لا ينشر التحريم، كما سيأتي مبينًا في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.
стр. 192
المسألة الخامسة: حليب الفاجرة وغير المسلمة .
اختلف الفقهاء في حكم إرضاع الصبي من أولاد المسلمين من الفاجرة أو غير المسلمة؛ من حيث الجواز، ومن حيث انتشار التحريم، وهذا بيان لأقوال الفقهاء في المسألة:
القول الأول: لا بأس بأن يستأجر المسلم الظئر الكافرة، أو الفاجرة - وهي: التي ولدت من الفجور -.
وبه قال الحسن (١)، والنخعي - ولم ينُصّ على الفاجرة - (٢)، والحنفية (٣)، والشافعي - ولم ينص على غير الذمية - (٤).
القول الثاني: يكره لبن المجوسية والكتابية والفاجرة من غير تحريم - يعني: أن الكراهة مع عدم تعلق التحريم بلبن غير مسلمة، وإن كانت عبارتهم محتملة لإرادة التحريم قرينِ الكراهة -.
وبه قال المالكية (٥).
القول الثالث: يكره الارتضاع من عموم المشركات وأهل الذمة والفاجرات .
وبه قال الحنابلة (٦)، وأبو جعفر الباقر - في خصوص اليهودية والنصرانية - (٧)، ومجاهد - في خصوص لبن الفجور - (٨).
القول الرابع: لا يجوز استرضاع كافرةٍ غير الكتابية .
وبه قال ابن حزم (٩).
القول الخامس: لا يجوز مطلقًا في غير المسلمة .
وهو ظاهر قول علي بن عبد الله بن عباس (١٠).
стр. 193
- الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي:
أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
١ - إن خبث الكفر في اعتقادها دون لبنها، وكذلك فجورها لم يؤثر في لبنها؛ لأن لبنها لا يضر بالصبي. (١)
٢ - إن في الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - من أرضع بلبن الكوافر. (٢)
٣ - كما تحرم الحرة لا فرق بينهن. (٣)
أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
١ - قول ابن عمر: "اللبن يشبه عليه" (٤)، وهن يشربن الخمر ويأكلن الخنزير، فيتولد لبنها على الخنزير والخمر، وقد يطعمنه ما يأكلنه خفية. (٥)
ويمكن أن يستدل لهم يما يأتي:
١ - قول النبي: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" متفق عليه (٦)، وقد حرم نكاح الكوافر من غير أهل الكتاب، وإذا كان ذلك في الاستيلاد منهم واتصال النسب بهم، فليكن في حكم الارتضاع منهم.
ولم أجد لهم دليلًا على أن إرضاع الفاجرة أو غير المسلمة لا يحرم، لكن يمكن أن يستدل لهم على ذلك بما يأتي:
стр. 194
١ - إن النهي عن استرضاع الفاجرة أو غير المسلمة يقتضي فساد ما ترتب عليه من الحكم بثبوت الأمومة الرضاعية.
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن النهي للكراهة لا التحريم، والنهي لا يتناول الكراهة.
ويمكن أن يجاب: بأن مقاصد الشريعة وأصولها شاهدة لهذا المعنى؛ حيث الأمرُ بالظفر بذات الدين، والتخيُّرُ للنطف، وذلك في الأم النسبية، وكذلك فليكن في الأم الرضاعية.
ب - إن ما جاء في ذلك من الأحاديث والآثار لا تخلو أسانيده من مقال أو ضعف ظاهر.
ج - إن النهي - على التسليم به - ورد هنا لوصف ملازم للمنهي عنه - الذي هو الاسترضاع من غير المسلمة أو الفاجرة -، والوصف الملازم هو الكفر أو الفجور، وما كان كذلك لم يثبت أثره الفسادي في غير العبادات على أقل تقدير؛ لأن فساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه، وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغةً؛ قطعًا، ولا شرعًا؛ لتغاير المتعلِّقَين. (١)
أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي:
١ - قول العمرين ابنِ الخطاب (٢) وابنِ عبد العزيز (٣): اللبن يُشبِه؛ فلا تسق من يهودية، ولا نصرانية، ولا زانية.
стр. 195
٢ - إنها تشرب الخمر. (١)
٣ - الارتضاع من المشركة يجعلها أمًّا؛ لها حرمة الأم مع شِركها، وربما مال إليها في محبة دينها (٢)، أو أفسدت خلقه (٣).
٢ - إن لبن الفاجرة ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور (٤)، فقد حكي أن من ارتضع من أمة حمقاء؛ خرج الولد أحمق، ومن ارتضع من سيئة الخلق؛ تعدَّى إليه. (٥)
٣ - نهي الرسول ﷺ عن استرضاع الفاجرة (٦)؛ فربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور (٧).
٤ - إنه إذا جعلها أمًّا لولده؛ تعير بها، وتضرر طبعًا وتعيرًا (٨)، والضرر يزال.
أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي:
أولًا: الاستدلال على جواز إرضاع أولاد المسلمين من الكتابية:
١ - إن الله تعالى أباح لنا نكاح الكتابية، وأوجب على الأم رضاع ولدها، وقد علم الله تعالى أنه سيكون لنا أولاد منهن، ﴿وما كان ربك نسيًّا﴾ [سورة مريم: ٦٤].
стр. 196
ثانيًا: الاستدلال على عدم جواز إرضاع الكوافرِ أولادَ المسلمين:
١ - قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [سورة التوبة: ٢٨]، وبعض النجس نجس بلا شك. (١)
ونوقش بما يأتي: أ- إنما وصفوا بالنجاسة؛ لأنهم يجنبون، فلا يغسلون، ولا ينبغي لمن كان كذلك أن يدخل مسجدًا، وقد جاء تفسير النجاسة في الآية بالجنابة عن قتادة (٢)، وهذا لا علاقة له بالإرضاع.
ب - إن نجاسة الكافرة نجاسة معنوية، ولذلك نلبس ثيابهم التي صنعوها، وقد أدخلهم الرسول ﷺ مجلسَه وبيته، ولم يكن الصحابة يتوقون ملامستهم. (٣)
٢ - إنها ليست مما أبيح لنا اتخاذُهن أزواجًا وطلبُ الولد منهن، فبقي لبنها على النجاسة جملة. (٤)
- الترجيح: يتبين مما تقدم رجحان القول بثبوت التحريم في الرضاع من الفاجرة أو غير المسلمة؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، من دون مخصص صحيح، وله أن يسترضع من شاء؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦]، وإذا ثبت كون الرضاع يغير الطباع؛ فالأولى للمولود له أن يتخير الأفضل؛ فيراعي العقل في المرضع، والعفة، والسلامة من العيوب؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة: ٢]، وقول النبي ﷺ : "كلكم راع، ومسؤول عن رعيته، ... والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته" رواه البخاري (٥)، وتفضيله بعض
стр. 197
المراضع على بعض؛ في مثل قوله ﷺ : "نعم المرضعون أهل عمان" (١)، وقول أبي بكر ﵁: إن خير مراضعٍ أثقلن رقاب الإبل؛ نساء هذيل ا. هـ (٢)، ولا يحرم عليه الاسترضاع من الفاجرة، أو غير المسلمة؛ لأن منفعة حليبهن للمولود - وهي المقصود - متحققة وغيرها مظنون، ولأنها - أي: منفعة حليبهن - هي المصلحة الراجحة، فتغتفر في جانبها المفسدة المرجوحة، كما اغتفر الميسر في مسابقة الخيل والإبل والسهام أمام المصحلة الراجحة، وهي الإعانة على الجهاد الذي به قوام الدين (٣).
- سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الخلاف في مسائل، منها:
стр. 198
١ - نكاح الكتابيات؛ فمن كرهه تخلفًا لشرط أو سدًّا لذريعة - كمالك (١) -؛ كان ذلك سببًا في كراهته لألبانهن، ومن أجرى حكم الله تعالى في كتابه على ظاهره في قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [سورة المائدة: ٥]- وهم الجمهور (٢) -؛ لم يلتفِت إلى العوارض الأخرى أمام العمومات القاضية بإثبات التحريم من الرضاع على غرار ما يثبت من الولادة.
المسألة السادسة: رضاع الحمقاء أو سيئة الخلق أو الزنجية .
نص فقهاء الحنفية (٣) الحنابلة (٤) على كراهية الارتضاع بلبن الحمقاء أو سيئة الخلق أو الزنجية، ويستدلون على ذلك بما يأتي:
١ - ما روي أن رسول الله ﷺ -نهى أن تسترضع الحمقاء؛ فإن اللبن يشبه. (٥)
стр. 199
٢ - قوله ﵊: "اتقوا إرضاع الحمقاء؛ فإنه يغذي"، وفي لفظ: "يعدي" (١)؛ فربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور (٢).
стр. 200
٣ - قول النبي ﷺ : "لا ترضع لكم الحمقاء؛ فإن اللبن يفسد"، وهو كما قال رسول الله ﷺ ؛ فإن اللبن في حكم جزء من عينها؛ لأنه يتولد منها فتؤثر فيه حماقتها، ويظهر أثر في ذلك الرضيع لما للغذاء من الأثر (١)، ويحتمل أن النهي عن ذلك لئلا يتعود الصبي بعادة الحمقى؛ لأن الصبي يتعود بعادة ظئره. (٢)
٤ - ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ترضع لكم سيئة الخلق". (٣)
٥ - قول النبي ﷺ : "لا تزوجوا الحمقاء؛ فإن صحبتها بلاء، وفي ولدها ضياع (٤)، ولا تسترضعوها فإن لبنها يغير الطباع". (٥)(٦)
стр. 201
٦ - ما روي عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "نهى عن رضاع الحمقى". (١)
٧ - إن حمقها لمرض بها، ولبن المريضة يضر بالصبي. (٢)
٨ - كيلا يشبهها الولد في الحمق، فإنه يقال: إن الرضاع يغير الطباع. (٣)
٩ - يمكن أن يستدل بالنهي عن استرضاع الحمقى (يراجع البلوغ)
١٠ - إن الزنجية وسيئة الخلق في معنى الحمقاء. (٤)
المسألة السابعة: رضاع العمياء والجذماء والبرصاء .
نص بعض فقهاء الحنابلة على كراهة الارتضاع من هذه الأصناف الثلاثة (٥)، وصوب ذلك المرداوي من الحنابلة (٦)؛ خشية وصول ذلك إلى الرضيع (٧).
стр. 202
المسألة الثامنة: رضاع المجنونة والسكْرى .
نص ابن حزم على أن التحريم يقع بالارتضاع من المجنونة والسكرى؛ لأنه رضاع صحيح. (١)
- ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في المسائل الأربع الآنفة أثر في الفروع الآتية:
١ - جعل بعض فقهاء الحنفية (٢) تلك الأوصاف من دواعي الفسخ في عقد الإجارة من ظئر، فقالوا: إذا ظهر كون الظئر كافرة، أو زانية، أو مجنونة، أو حمقاء؛ كان لهم الفسخ، وكذا إذا كانت سيئةً بذيَّةَ اللسان.
٢ - يثبت التحريم في الرضاع من بنوك الحليب إذا كان الحليب مأخوذًا من فاجرة، أو غير مسلمة، أو حمقاء، أو عمياء، أو جذماء، أو برصاء، أو مجنونة، أو سكرى، أو غير ذلك من الأوصاف والعلل إذا لم تكن تضر الرضيع بشكل مباشر بعد ارتضاعه إبان تركزها فيه، ويندب للبنوك والمتعاملين معها مؤسساتٍ وأفرادًا؛ اختيار الأصلح للرضيع وانتقاء الأسلم.
المسألة التاسعة: إرضاع المسلمةِ الكافرةَ .
صورة المسألة: إذا أرادت كافرة استئجار مسلمة لإرضاع ولدها؛ فهل يجوز للمسلمة أن تؤجر نفسها لإرضاع ولد الكافر؟ بحث بعض الفقهاء هذه المسألة، واختلفوا فيها على ما يأتي:
القول الأول: لا بأس للمسلمة أن ترضع ولد الكافر بأجر.
وبه قال الحنفية (٣)، وظاهر اختيار البخاري (٤).
القول الثاني: يجوز إذا كان الكافر كتابيًّا.
وبه قال الحنابلة (٥).
стр. 203
القول الثالث: لا يجوز مطلقًا.
وبه قال بعض الحنابلة (١)، واختاره من المعاصرين الدبيان (٢).
- الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة على ما يأتي:
أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي:
١ - إن الكتابي كغيره إلا ما خصه الدليل؛ كالذبح، والنكاح. (٣)
٢ - إن الإجارة لا تختلف عن البيع. (٤)
٣ - إن أهل الكتاب كفار مشركون بالله، حتى كادت السماوات أن تنفطر والأرض أن تنشق والجبال أن تخر لقبح قولهم، كما قال الله سبحانه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [سورة مريم: ٩٠ - ٩١]، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [سورة المائدة: ٧٢]، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة: ١٧]. (٥)
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إذا تقرر عند أصحاب الأقوال أن أهل الكتاب كفار غير مسلمين؛ فالدخول في تفاصيل كفرهم - هم أو غيرهم - مبحث لا علاقة له في حدود التعامل معهم، والمتمثل هنا في هذا البحث بأن تؤاجر المسلمة منفعة نفسها المتجددة من كافرة لإرضاع.
ب - إن المعقود عليه هو اللبنٌ؛ لإرضاع صبي مولود على الفطرة بنص الشارع لم يميز أو يعقل، فضلًا عن بلوغه الحلم.
٤ - إن كفر أهل الكتاب وشركهم معلوم من الدين بالضرورة؛ لا ينكره إلا جاهل، أو كافر بالإسلام. (٦)
ويمكن أن يستدل لهم بما يأتي:
стр. 204
٥ - إن مفهوم وصف الله تعالى لمن آمن به يقتضي أن لا تؤاجر المؤمنة نفسها من كافرة لإرضاع ولدها، وذلك في مثل قول الله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة: ٥٤]؛ من قول القائل من العرب: قد عزَّني فلان؛ إذا أظهر له العزة من نفسه، وأبدى له الجفوة والغلظة (١)، وقوله سبحانه: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [سورة الفتح: ٢٩].
- الترجيح: جواز إرضاع ولد الكافر (٢) على سبيل التبرع أو المعاوضة إذا لم يكن حربيًّا، ولم يكن في ذلك استعلاء من الكافر على المسلم؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الممتحنة: ٨ - ٩]، وفي المتفق عليه (٣) أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل، ورهنه درعًا من حديد، ولا يزال المسلمون يتعاملون مع من لا يدين بالإسلام في الأمور الدنيوية (٤)، والمعاوضة في الإجارة فرع عن ذلك؛ كالمعاوضة بالبيع.
فإن قيل: إنما نزلت الآية الثامنة من سورة الممتحنة في غير المشركين من المؤمنين الذين بمكة ولم يهاجروا، فأذن الله للمؤمنين ببرهم والإحسان إليهم. (٥)
стр. 205
أجيب: بأن الله عمَّ بقوله: ﴿الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [سورة الممتحنة: ٩]، جميع من كان ذلك صفتَه، ولم يخص به ملة دون أخرى (١)، وبأن ما روي في هذه الآية من أسباب النزول لا يشهد لتلك الدعوى المخصصة، ولو كان سبب النزول دالًّا على ذلك لصار الاعتبار بعموم اللفظ من دون قصره على خصوص سببه أو محل وروده آنذاك فحسب؛ لأن أحكامَ الإسلامِ في النصوص شريعة.
وإن قيل: إن الآية الثامنة من سورة الممتحنة منسوخة بالأمر بقتال غير المسلمين حين أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف ويجاهدوهم بها. (٢)
أجيب: بأنه لا معنى لقول من يقول بنسخ الآية؛ لأن برَّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب؛ غير محرم، ولا منهيٍّ عنه؛ إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورةٍ لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح (٣). وبأن دعوى النسخ لا دليل عليها، لا سيما وقد أمكن الجمع والتوفيق فيما بين الناسخ والمنسوخ - زعمًا -.
- ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية:
١ - يجوز لبنوك الحليب بيعُ حليب المسلمة على غير المسلمة؛ تخريجًا على قول الحنفية، ويحرم؛ تخريجًا على قول بعض الحنابلة، ويحرم بيعه لغير الكتابية تخريجًا على مذهب الحنابلة.
- سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الآتي:
١ - هل إجارة المسلم نفسه من الكافر داخلة في معنى التولي أو الموالاة المنهي عنها، أو مخالفة لمعنى البراء من الكافرين؟
فمن قال: إن ذلك من تَولِّيهم؛ لأنه صار له بالإجارة نصيرًا ووليًّا، والله سبحانه نهى أن يتخذ المؤمنون الكفارين أعوانًا وظهورًا وأوِدَّاء في مثل قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [سورة آل عمران: ٢٨]، وإن مقتضى البراءة من الشرك البعدُ عن أهله وبغضُهم وعداوتُهم، ولو كان قريبًا؛ كما قال
стр. 206
إبراهيم ﵊ لقومه: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا﴾ [سورة الممتحنة: ٤]، ؛ لم يجوِّز أن يؤجِّر المسلم نفسه من غير المسلم، ومن قصر مفهوم الموالاة المحرمة على المظاهرة والمناصرة في الدين، وكشف عورات المسلمين؛ دون أن يتعدى ذلك إلى المصانعة في الدنيا والمخالقة (١)؛ لم ير بأسًا في أن يؤاجرَ المسلمُ عملَ نفسه لغير المسلم؛ وفق مقتضى التخريج.
٢ - هل قبول المؤمنة استرضاع الكافرة لولدها منها على سبيل الإجارة من السبيل الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: ٩]؟
فمن قصر محل الحكم المنفي في الآية المجيدة على يوم القيامة (٢)؛ لم ير بأسًا في استرضاع الكافرةِ المسلمةَ لولدها إجارةً، ومن عدى الحكم إلى الحياة الدنيا؛ لم يجوز ذلك إن اقتضاه معنى السبيل عنده، وهذا على ما اقضاه التخريج الفقهي.
المسألة العاشرة: الرضاع في دار الحرب .
تطرق بعض فقهاء الحنفية إلى الرضاع في دار الحرب، وقرروا أن الرضاع في دار الإسلام ودار الحرب سواء (٣).
وقد أثمر ذلك فيما يأتي:
١ - لو أسلم مرتضع في بلاد الكفر المحاربين، وخرج إلى دارنا - أي: دار الإسلام -؛ ثبتت له أحكام الرضاع فيما بينهم. (٤)
٢ - إذا كان بنك الحليب في بلاد الكفار الحربيين؛ لم يمنع ذلك من ثبوت التحريم فيما بين من يرتضع فيه من أطفال المسلمين وأمهاتهم المرضعات هناك، ويستوي في ذلك إرتضاع أطفال المسلمين من هناك مباشرةً، أو بطريق استيراد الحليب بطلب من البنوك المحلية للمسلمين.
стр. 207
وبعد ذلك، فإن العلماء المعاصرين قد بحثوا حكم إنشاء بنوك الحليب، وحكم ما يترتب على إنشائها من حيث التعامل معها والانتفاع بها، وكانت آراؤهم في ذلك على وفق ما يأتي:
القول الأول: الجواز.
وهو قول أحمد هريدي (١)، ود. يوسف القرضاوي (٢)، وغيرهم (٣).
القول الثاني: المنع.
وهو قول ابن عثيمين (٤)، ومختار السلامي (٥)، ود. بكر أبو زيد (٦)، وغيرهم (٧)، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي (٨).
القول الثالث: يجوز بشرطين:
الأول: مسيس الحاجة.
الثاني: عدم الإخلال بالاحتياطات والضوابط؛ ككتابة اسم المتبرعة على كل قارورة، وتقييد ذلك في سجل.
وهو رأي د. عمر الأشقر (٩)، وغيره (١٠).
القول الرابع: التوقف.
وهذا القيل إن لم يكن قولًا في حقيقته؛ إلا أنه قال به عبد العزيز عيسى (١١)، وعبد الحليم جندي (١٢).
- الأدلة:
أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
١ - قول الحق جل ذكره: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]؛ فحيث عني بالأمومة هنا محض إلقام الثدي وامتصاصه، لا مجرد الاغتذاء به بأي وسيلة؛ فلا أثر لبنوك الحليب في نشر الحرمة. (١٣)
ونوقش بما يأتي: أ- عدم التسليم؛ إذ العبرة بغذاء الجسم من اللبن في سن المجاعة الذي ينشز فيه العظم ويشد اللحم. (١٤).
٢ - إن إنشاء بنوك الحليب لا يوقع في المحذور الشرعي إذا كان الرضاع منها لا يتحقق فيه نشر الحرمة؛ لعدم المص من الثدي، إلى جانب اختلاطها بغيرها، وعدم العلم بالمرضع، وعليه؛ فلا بأس من إنشائها. (١٥)
ونوقش بما يأتي: أ- إنه لا تأثير لخلط الحليب على ثبوت التحريم به. (١٦)
ب - إن أكثر الفقهاء على حصول لبن المرأة في جوف الصغير رضاعًا. (١٧)
كما يمكن أن يناقش هذا الدليل بما يأتي:
ج - إن فيه مصادرة وهروبًا عن محل النزاع.
стр. 208
٣ - إن مبنى الشريعة على جلب المصالح ودفع المضار، وفي إقامة هذه البنوك تحقيقٌ لمصالح الأطفال ممن يعوز أمهاتهن الحليب، ودفع مضار الحليب الصناعي؛ كالإصابة بفقر الدم، وأمراض الجهاز التنفسي، والإسهال، وأمراض المسالك البولية، وعسر الهضم، ونقص المناعة، والتخمة، والربو، والأمراض الجلدية، والسكري، والأضرار والأمراض الأخرى الناشئة من المعادن الموجودة بكميات مضاعفة؛ مثل: الكالسيوم، والفسفور، والصوديوم، والماغنسيوم، والبوتاسيوم؛ إلى جانب الآثار النفسية والخُلُقية الأخرى (١)، وعلى هذا المنوال كا تقرير طائفة من القواعد الشرعية؛ مثل: المشقة تجلب التيسير، الضرورات تبيح المحظورات، الحاجة تنزل منزلة الضرورة، الحرج مرفوع. (٢)
ونوقش بما يأتي: أ- إنه معارض بقاعدتي: الضرر لا يزال بالضرر، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. (٣)
ب - إنه لا ضرورة ولا مشقة ولا حرج يدعو لإنشاء بنوك الحليب واسترضاع الأطفال منها؛ إذ الألبان الصناعية اليوم تقو مقام حليب الأم في تغذية الطفل، وهي آمَن من الحليب المجموع في البنوك. (٤)
стр. 209
٤ - إذا جاز الرضاع من النساء الأخريات غير الأم، فليكن جائزًا إقامةُ البنوك التي غاية ما فيها الرضاع من غير الأم. (١)
ونوقش بما يأتي: أ- عدم التسليم؛ لأن المحذورات المترتبة على الرضاع من البنوك غير موجودة في الرضاع من النساء المرضعات. (٢)
٥ - قول النبي ﷺ فيما رواه غير واحد من الصحابة ﵃: "يسروا ولا تعسروا" متفق عليه (٣)، وهذه البنوك ضرب من التيسير على المسلمين. (٤)
٦ - إن المعاصرين اتفقوا على جواز إقامة بنوك الدم مع نجاسته، وسرعة الفساد إليه والجراثيم والفيروسات والإنتانات (٥)، وخباثة كسبه للحجام، واقترانه بالفرث في كتاب الله تعالى، وذلك على عكس اللبن؛ فكان أولى بالإباحة، وأحرى للانتفاع. (٦)
٧ - إن مقدار اللبن من كل امرأة غير معلوم؛ فحيث وجد الشك في تمام الرضعات الخمس، لم تنتشر الحرمة. (٧)
٨ - إن جاز استئجار المرضع؛ جاز بيع لبنها. (٨)
ونوقش بما يأتي: أ- إن جواز المعاوضة بالكل؛ لا يلزم منه جواز المعاوضة بالبعض. (٩)
стр. 210
٩ - إن ضابط الرضعة التامة المشبعة لا يتصور تحققه من لبن امرأة واحدة في هذه البنوك؛ لأنه خليط من لبن نساء لا يدرى أي لبن منهن غلب على الآخر حتى تنتشر به الحرمة. (١)
ونوقش بما يأتي: أ- إن من أهل العلم من يرى مطلق التحريم بالرضاع، واتقاء الشبهات أصل شرعي. (٢)
١٠ - إن من طرق حفظ اللبن في هذه البنوك تعريضه للنار - فيما يعرف بنظام البسترة -، والمعروف عند الفقهاء أن لبن الرضاع إذا مسته النار؛ فإنه يفقد صفته، ولا يحرم. (٣)
أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
١ - إن الإسلام يعتبر الرضاع لحمة كلحمة النسب؛ يحرم به ما يحرم من النسب؛ بإجماع المسلمين، ومن مقاصد الشريعة الكلية المحافظة على النسب، وبنوك الحليب مؤدية إلى الاختلاط والريبة والفتنة؛ فتسد الذريعة أخذًا للحيطة والحذر، وبخاصة أن البلوى لم تعم بها في الأمة الإسلامية (٤)، وإلى ذلك يشير السرخسي في قوله: وفي تجويز ما يحلب بالقوارير فساد؛ لأنه يوجر به الصبيان فتثبت به حرمة الرضاع بينهم وبين من كان اللبن منها، ولا يعلم ذلك ا. هـ بتصرف يسير (٥).
ونوقش بما يأتي: أ- لا وجه لاعتبار سد الذريعة، ولا الحيطة والحذر؛ إذا كان المحذور الشرعي عندنا منتفيًا. (٦)
ب - إذا وجد الشك والريبة رجع إلى الأصل، وهو عدم ثبوت التحريم بالرضاع، وهو يقين؛ فلا يزول بالشك. (٧)
стр. 211
ج - ينبغي أن تذكر أدلة خاصة بمحل النزاع؛ لأن الذرائع الخاصة لا يفيد في الحكم بسدها الاستدلال بالأدلة العامة؛ لأن مفادها محل إجماع؛ فلا يستصحب إلى محل النزاع. (١)
وأجيب عنه: بأن الشك والجهالة لا يبرران إنشاء بنوك الحليب، ولا يبيحان الاسترضاع منها؛ لأنها جاءت لا عن صدفة، بل بقصد، وثَمَّ فرق بين الأمرين؛ فالتقصير في ضبط الأمور والتهاون في التثبت والاحتياط مع القدرة، واقتحام الشبهات في أمر لا ضرورة تدعو إليه مع إمكان التحرز؛ لا يصح في نفسه، ولا أن يبنى عليه - إن فعل - حكم شرعي في مسألة ما؛ لأن ما بني على باطل، فهو باطل. (٢)
٢ - إن بنوك الحليب تساهم في قتل عاطفة الأمومة بين المرأة وطفلها. (٣)
٣ - إن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج، أو ناقص الوزن، أو المحتاج للبن البشري في الحالات الخاصة؛ ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبَعي؛ الأمر الذي أغنى عن بنوك الحليب. (٤)
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن ظروف الناس تغيرت في كثير من المجتمعات الإسلامية في ظل الحياة المدنية الحديثة، وإلى جانبه فقِلة وفيات الرُّضَّع بالنسبة إلى ما مضى هو السبب الآخر لندرة المراضع.
٤ - القاعدة الفقهية: الضرر لا يزال بالضرر؛ فحيث وجد الضرر بالأطفال المحتاجين للحليب الطبَعي، فلا ينبغي أن يزال بإيقاع ضرر آخر، وهو الكائن في محاذير هذه البنوك، والتي منها إلى جانب ما ذكر: الاطلاع على عورات النساء بلا ضرورة بكشف أثدائهن للرجال غالبًا عند حلبها، وحصول العدوى، وإهدار كرامة المرضعات، وفساد الأخلاق، والأضرار الاجتماعية الأخرى. (٥)
стр. 212
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن الشريعة المحمدية جارية في أحكامها على ارتكاب أخف الضررين، ودفع أكبر المفسدتين، والقاعدة المذكورة محلها تساوي الضررين، أو كون الضرر البدل أعظم ضررًا من المبدل منه. (١)
٥ - القاعدة الفقهية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ فدرء المفاسد المترتبة على إنشاء هذه البنوك مقدم على جلب المصالح المظنونة. (٢)
ونوقش بما يأتي: أ- إن المحذور المتوهم دائر بين أمرين:
الأول: كونه منتفيًا.
الثاني: كونه متلافًا؛ بأخذ التدابير اللازمة.
ولو وجد المحذور، فهو مغتفر في سبيل المصالح المجتلبة؛ إلا أن يتساوى الجانبان فدرؤ المفاسد مقدم. (٣)
٦ - إنه لا ضرورة ملجئة إلى إنشاء هذه البنوك؛ لوجود الحليب المجفف الذي يستطيع الاستغناء به عن أمه. (٤)
ونوقش بما يأتي: أ- لا يمكن في بعض الحالات أن يعطى الطفل شيئًا غير الحليب الطبعي، كما أن فوائد الحليب الطبعي لا يصل إليها الحليب المجفف مهما كانت جودته. (٥)
كما يمكن أن يناقش بما يأتي: ب- إذا كان الأصل في الأشياء الإباحة، فدعوى تقييد الإباحة بالضرورة؛ تشبيه له بالمحرم الذي يحل للضرورة، وتبديل لحكم الله.
٧ - إن بيع الحليب المخزن في البنوك محرم؛ لأن جزء آدمي مكرم، ومقتضى ذلك صيانته عن الابتذال بالبيع، إلى جانب كونه ليس بمال. (٦)
стр. 213
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن الإجماع منعقد على جواز استئجار الظئر (١)، وإذا كان المعقود عليه هو اللبن (٢)؛ فإن الإجارة لا تختلف عن البيع في معنى المعاوضة (٣)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَ الله البَيْعَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥]، ولبن الآدمية داخل في عموم الإباحة، وقد فصل الله تعالى لنا ما حرم علينا، ولم يأتِ تدليل صحيح أو يَقْوَ تعليل صريح على إلغاء الأصل المبيح.
٨ - كون الحليب المجموع في البنك من نساء شتى لا تعرف أخلاقهن؛ بل قد تكون منهن الكافرة، وبخاصة عندالاستيراد، ومثلها لا يحتمي من الأشياء الضارة للولد. (٤)
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن لأولياء الرضيع أن يسترضعوا من شاؤوا؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦]؛ لأن منفعة حليب الآدمية مقدمة على أي مضرة جانبية محتملة، وإذا ثبت كون الرضاع يغير الطباع؛ فالأولى للمولود له أن يتخير الأفضل؛ بطلب السيرة الذاتية للمتبرعة، وعلى البنك توفير ذلك.
٩ - إن الاعتماد على بنوك الحليب يفقد الأم فوائد الرضاعة، ويفقد الطفل أيضًا فوائد المص من الثدي على الفك وغيره، والفوائد النفسية. (٥)
١٠ إن حليب المرأة المحفوظ في بنوك الحليب معرض للتلوث؛ إما عند جمعه بسبب عملية التعقيم - في الغالب - التي لا تكون مجدية أو كافية، أو عند تخزينه؛ إذا كان يحفظ في بنوك لا تتوافر فيها المقاييس المطلوبة للحفظ طيلة فترة التخزين مما يعرضه للفساد، أو عند تناوله؛ إذ يعطى في قوارير قد تحتاج إلى تعقيم شديد، وهذا أمر قد يهمل فيه من يعطي الطفل الحليب. (٦)
стр. 214
١١ - إن إنشاء هذه البنوك في البلاد النامية قد يتحول مع الوقت إلى تجارة، وتضطر المعدمات الفقيرات إلى بيع لبنهن وترك أولادهن للمسغبة أو لمستحضرات الألبان الصناعية؛ بل إن واقع بنوك الحليب في بلاد الغرب قائم على شراء الحليب من الأمهات. (١)
١٢ - إذا انتشرت هذه البنوك فيحتمل أن تتقاعس الأمهات المترفات السليمات والقادرات على الرضاعة عنها لأسباب تافهة؛ كالمحافظة على الجمال أو العمل، واستبدال ذلك بالحليب الإنساني المأخوذ من بنوك الحليب؛ على اعتبار أنه يمثل اللبن الإنساني المطلوب، والأفضل بكثير من لبن الأبقار والجواميس والغنم. (٢)
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن ذلك في المقابل قد يفتح لمن مات ولدها بابًا لنفع أطفال المسلمين، مع التخلص من أضرار بقاء الحليب في الثدي، وكذلك من فاض حليب ثديها على أطفالها.
ب - إن الكلام هنا ينبغي أن يكون جاريًا على الأصل في حكم المسألة، وأما ما يعرض لها من صور وجزئيات ومستثنيات فخارج عن التقرير الحُكمي الأصلي؛ لأن أصل تقرير الفقهاء لأحكام المسائل مبني على الأحوال الظاهرة والمعتادة، وأمّا ما ينتابها من العوارض؛ فلا يلزم الفقيه أن يقيَّد بها تصريحًا؛ لأنها غير متناهية، وتفصيلكم هذا يشابه قول بعض أنصاف المتعلمين في حكم القيام على المصلي: الصحيح أنَّ القيام ركنٌ إن قدر عليه، وليس بركن إن لم يقدر عليه! ولو أجري الخلاف بهذه الطريقة لقلبت المسألة تقليبًا لا وجه له ولا معنى، وإذا ذكر الفقهاء في فتاويهم بعض العوارض في المسائل فربما تُوُهِّم أنها قولٌ جديد في المسألة، وليس الأمر كذلك، وإنما يحوج إليها لأنه يذكرها غالبًا في الفتوى لعوام المسلمين، وقد يخفى عليهم مثل ذلك، وهذا هو المعنى الذي نبه عليه تقي الدين ابن تيمية في قوله: مِن فصيح الكلامِ وجيِّدِه الإطلاقُ والتعميمُ عند ظهور قصد التخصيص والتقييد، وعلى هذه الطريقة الخطابُ الواردُ في الكتاب والسنة وكلام العلماء؛ بل وكلِّ كلامٍ فصيح، بل وجميع كلام الأمم؛ فإن التعرُّضَ عند كلِّ مسألةٍ لقيودها وشروطها تَعَجْرُف وتكلُّف، وخروج عن سَنَن البيان، وإضاعةٌ للمقصود، وهو يُعَكِّر على مقصود البيان بالعكس؛ فإنه إذا
стр. 215
قيل: تجب الزكاة في الحُليِّ، فقال: إن كان لامرأةٍ مسلمة ليس عليها دين حالٌّ لآدمي يُنْقِصُ زكاةَ المال عن أن يكون نصابًا، وحالَ عليه حولٌ لم يخرج عن ملكها ويدُها ثابتةٌ عليه؛ وجَبَتْ فيه الزكاة = كان ذلك لُكْنَةً وعِيًّا ا. هـ (١)
أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي:
١ - إن الإجراءات المذكورة تزيل عامل الجهالة في اللبن المحذور، وبذلك ينتفي المحذور. (٢)
ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا الضبط وإن كان يحصل به نشر الحرمة، إلا أنه لا يبرر إنشاء هذه البنوك وسقاية الأطفال منها؛ للمحاذير الأخرى المتنوعة. (٣)
ونوقش بما يأتي: أ- إن الوثائق المقيدة عرضة للتلف والضياع. (٤)
ويمكن أن يجاب: بأن الله تعالى ما جعل علينا في الدين من حرج؛ فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦]، وفرض مثل هذه الاحتمالات الشاذة مما يعسر الجواب عنه؛ لفسادها في موطن الاحتجاج والاستدلال، وحال المناقش لا يختلف عن حال من يحرم بيع العنب أو زراعته مطلقًا؛ خشية تعرضه للتخمير، وهذه الذريعة حكي الإجماع على فتحها (٥).
- الترجيح: يتوجه كون الخلاف لفظيًّا؛ لأن الذي حمل المانع - فيما يظهر - على عدم الحكم بالجواز ليس هو أنه - مثلًا - لا يشترط التقام الثدي لثبوت التحريم بالرضاع، ولا أنهم لا يقرون بحليب الآدمية المخلوط ناشرًا للتحريم ما دام إطلاق الحليب عليه باقيًا، بل هو التطبيق الواقعي في البلاد الكافرة، ومعلوم أنه لا يمكن تأصيل الحكم على عموم فكرة البنوك الحليبية من خلال تطبيق مؤسسة أو أخرى لا تدين بالإسلام حاكمًا؛ بل ينبغي أن يكون الحكم على حدة في كل حالة عرض لها ما يخالف الحكم الأصلي، وإذا بات اختلال الشرط ظاهرة؛ فلا ينبغي أن يحكم على أصل الفكرة بذلك لمن أراد نمذجتها على نحو ما