← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ج - ينبغي أن تذكر أدلة خاصة بمحل النزاع؛ لأن الذرائع الخاصة لا يفيد في الحكم بسدها الاستدلال بالأدلة العامة؛ لأن مفادها محل إجماع؛ فلا يستصحب إلى محل النزاع. (١) وأجيب عنه: بأن الشك والجهالة لا يبرران إنشاء بنوك الحليب، ولا يبيحان الاسترضاع منها؛ لأنها جاءت لا عن صدفة، بل بقصد، وثَمَّ فرق بين الأمرين؛ فالتقصير في ضبط الأمور والتهاون في التثبت والاحتياط مع القدرة، واقتحام الشبهات في أمر لا ضرورة تدعو إليه مع إمكان التحرز؛ لا يصح في نفسه، ولا أن يبنى عليه - إن فعل - حكم شرعي في مسألة ما؛ لأن ما بني على باطل، فهو باطل. (٢) ٢ - إن بنوك الحليب تساهم في قتل عاطفة الأمومة بين المرأة وطفلها. (٣) ٣ - إن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج، أو ناقص الوزن، أو المحتاج للبن البشري في الحالات الخاصة؛ ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبَعي؛ الأمر الذي أغنى عن بنوك الحليب. (٤) ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن ظروف الناس تغيرت في كثير من المجتمعات الإسلامية في ظل الحياة المدنية الحديثة، وإلى جانبه فقِلة وفيات الرُّضَّع بالنسبة إلى ما مضى هو السبب الآخر لندرة المراضع. ٤ - القاعدة الفقهية: الضرر لا يزال بالضرر؛ فحيث وجد الضرر بالأطفال المحتاجين للحليب الطبَعي، فلا ينبغي أن يزال بإيقاع ضرر آخر، وهو الكائن في محاذير هذه البنوك، والتي منها إلى جانب ما ذكر: الاطلاع على عورات النساء بلا ضرورة بكشف أثدائهن للرجال غالبًا عند حلبها، وحصول العدوى، وإهدار كرامة المرضعات، وفساد الأخلاق، والأضرار الاجتماعية الأخرى. (٥)

стр. 212

ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن الشريعة المحمدية جارية في أحكامها على ارتكاب أخف الضررين، ودفع أكبر المفسدتين، والقاعدة المذكورة محلها تساوي الضررين، أو كون الضرر البدل أعظم ضررًا من المبدل منه. (١) ٥ - القاعدة الفقهية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ فدرء المفاسد المترتبة على إنشاء هذه البنوك مقدم على جلب المصالح المظنونة. (٢) ونوقش بما يأتي: أ- إن المحذور المتوهم دائر بين أمرين: الأول: كونه منتفيًا. الثاني: كونه متلافًا؛ بأخذ التدابير اللازمة. ولو وجد المحذور، فهو مغتفر في سبيل المصالح المجتلبة؛ إلا أن يتساوى الجانبان فدرؤ المفاسد مقدم. (٣) ٦ - إنه لا ضرورة ملجئة إلى إنشاء هذه البنوك؛ لوجود الحليب المجفف الذي يستطيع الاستغناء به عن أمه. (٤) ونوقش بما يأتي: أ- لا يمكن في بعض الحالات أن يعطى الطفل شيئًا غير الحليب الطبعي، كما أن فوائد الحليب الطبعي لا يصل إليها الحليب المجفف مهما كانت جودته. (٥) كما يمكن أن يناقش بما يأتي: ب- إذا كان الأصل في الأشياء الإباحة، فدعوى تقييد الإباحة بالضرورة؛ تشبيه له بالمحرم الذي يحل للضرورة، وتبديل لحكم الله. ٧ - إن بيع الحليب المخزن في البنوك محرم؛ لأن جزء آدمي مكرم، ومقتضى ذلك صيانته عن الابتذال بالبيع، إلى جانب كونه ليس بمال. (٦)

стр. 213

ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن الإجماع منعقد على جواز استئجار الظئر (١)، وإذا كان المعقود عليه هو اللبن (٢)؛ فإن الإجارة لا تختلف عن البيع في معنى المعاوضة (٣)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَ الله البَيْعَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥]، ولبن الآدمية داخل في عموم الإباحة، وقد فصل الله تعالى لنا ما حرم علينا، ولم يأتِ تدليل صحيح أو يَقْوَ تعليل صريح على إلغاء الأصل المبيح. ٨ - كون الحليب المجموع في البنك من نساء شتى لا تعرف أخلاقهن؛ بل قد تكون منهن الكافرة، وبخاصة عندالاستيراد، ومثلها لا يحتمي من الأشياء الضارة للولد. (٤) ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن لأولياء الرضيع أن يسترضعوا من شاؤوا؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦]؛ لأن منفعة حليب الآدمية مقدمة على أي مضرة جانبية محتملة، وإذا ثبت كون الرضاع يغير الطباع؛ فالأولى للمولود له أن يتخير الأفضل؛ بطلب السيرة الذاتية للمتبرعة، وعلى البنك توفير ذلك. ٩ - إن الاعتماد على بنوك الحليب يفقد الأم فوائد الرضاعة، ويفقد الطفل أيضًا فوائد المص من الثدي على الفك وغيره، والفوائد النفسية. (٥) ١٠ إن حليب المرأة المحفوظ في بنوك الحليب معرض للتلوث؛ إما عند جمعه بسبب عملية التعقيم - في الغالب - التي لا تكون مجدية أو كافية، أو عند تخزينه؛ إذا كان يحفظ في بنوك لا تتوافر فيها المقاييس المطلوبة للحفظ طيلة فترة التخزين مما يعرضه للفساد، أو عند تناوله؛ إذ يعطى في قوارير قد تحتاج إلى تعقيم شديد، وهذا أمر قد يهمل فيه من يعطي الطفل الحليب. (٦)

стр. 214

١١ - إن إنشاء هذه البنوك في البلاد النامية قد يتحول مع الوقت إلى تجارة، وتضطر المعدمات الفقيرات إلى بيع لبنهن وترك أولادهن للمسغبة أو لمستحضرات الألبان الصناعية؛ بل إن واقع بنوك الحليب في بلاد الغرب قائم على شراء الحليب من الأمهات. (١) ١٢ - إذا انتشرت هذه البنوك فيحتمل أن تتقاعس الأمهات المترفات السليمات والقادرات على الرضاعة عنها لأسباب تافهة؛ كالمحافظة على الجمال أو العمل، واستبدال ذلك بالحليب الإنساني المأخوذ من بنوك الحليب؛ على اعتبار أنه يمثل اللبن الإنساني المطلوب، والأفضل بكثير من لبن الأبقار والجواميس والغنم. (٢) ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن ذلك في المقابل قد يفتح لمن مات ولدها بابًا لنفع أطفال المسلمين، مع التخلص من أضرار بقاء الحليب في الثدي، وكذلك من فاض حليب ثديها على أطفالها. ب - إن الكلام هنا ينبغي أن يكون جاريًا على الأصل في حكم المسألة، وأما ما يعرض لها من صور وجزئيات ومستثنيات فخارج عن التقرير الحُكمي الأصلي؛ لأن أصل تقرير الفقهاء لأحكام المسائل مبني على الأحوال الظاهرة والمعتادة، وأمّا ما ينتابها من العوارض؛ فلا يلزم الفقيه أن يقيَّد بها تصريحًا؛ لأنها غير متناهية، وتفصيلكم هذا يشابه قول بعض أنصاف المتعلمين في حكم القيام على المصلي: الصحيح أنَّ القيام ركنٌ إن قدر عليه، وليس بركن إن لم يقدر عليه! ولو أجري الخلاف بهذه الطريقة لقلبت المسألة تقليبًا لا وجه له ولا معنى، وإذا ذكر الفقهاء في فتاويهم بعض العوارض في المسائل فربما تُوُهِّم أنها قولٌ جديد في المسألة، وليس الأمر كذلك، وإنما يحوج إليها لأنه يذكرها غالبًا في الفتوى لعوام المسلمين، وقد يخفى عليهم مثل ذلك، وهذا هو المعنى الذي نبه عليه تقي الدين ابن تيمية في قوله: مِن فصيح الكلامِ وجيِّدِه الإطلاقُ والتعميمُ عند ظهور قصد التخصيص والتقييد، وعلى هذه الطريقة الخطابُ الواردُ في الكتاب والسنة وكلام العلماء؛ بل وكلِّ كلامٍ فصيح، بل وجميع كلام الأمم؛ فإن التعرُّضَ عند كلِّ مسألةٍ لقيودها وشروطها تَعَجْرُف وتكلُّف، وخروج عن سَنَن البيان، وإضاعةٌ للمقصود، وهو يُعَكِّر على مقصود البيان بالعكس؛ فإنه إذا

стр. 215

قيل: تجب الزكاة في الحُليِّ، فقال: إن كان لامرأةٍ مسلمة ليس عليها دين حالٌّ لآدمي يُنْقِصُ زكاةَ المال عن أن يكون نصابًا، وحالَ عليه حولٌ لم يخرج عن ملكها ويدُها ثابتةٌ عليه؛ وجَبَتْ فيه الزكاة = كان ذلك لُكْنَةً وعِيًّا ا. هـ (١) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - إن الإجراءات المذكورة تزيل عامل الجهالة في اللبن المحذور، وبذلك ينتفي المحذور. (٢) ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا الضبط وإن كان يحصل به نشر الحرمة، إلا أنه لا يبرر إنشاء هذه البنوك وسقاية الأطفال منها؛ للمحاذير الأخرى المتنوعة. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- إن الوثائق المقيدة عرضة للتلف والضياع. (٤) ويمكن أن يجاب: بأن الله تعالى ما جعل علينا في الدين من حرج؛ فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦]، وفرض مثل هذه الاحتمالات الشاذة مما يعسر الجواب عنه؛ لفسادها في موطن الاحتجاج والاستدلال، وحال المناقش لا يختلف عن حال من يحرم بيع العنب أو زراعته مطلقًا؛ خشية تعرضه للتخمير، وهذه الذريعة حكي الإجماع على فتحها (٥). - الترجيح: يتوجه كون الخلاف لفظيًّا؛ لأن الذي حمل المانع - فيما يظهر - على عدم الحكم بالجواز ليس هو أنه - مثلًا - لا يشترط التقام الثدي لثبوت التحريم بالرضاع، ولا أنهم لا يقرون بحليب الآدمية المخلوط ناشرًا للتحريم ما دام إطلاق الحليب عليه باقيًا، بل هو التطبيق الواقعي في البلاد الكافرة، ومعلوم أنه لا يمكن تأصيل الحكم على عموم فكرة البنوك الحليبية من خلال تطبيق مؤسسة أو أخرى لا تدين بالإسلام حاكمًا؛ بل ينبغي أن يكون الحكم على حدة في كل حالة عرض لها ما يخالف الحكم الأصلي، وإذا بات اختلال الشرط ظاهرة؛ فلا ينبغي أن يحكم على أصل الفكرة بذلك لمن أراد نمذجتها على نحو ما

стр. 216

جاءت به الشريعة في البلاد أو المؤسسات التي تحكم بالإسلام، ولذلك؛ لا يمكن لواحد من المانعين أن يمنع طفلًا من مائة امرأة - أو أكثر - في قرية؛ أردن إرضاعه القدر المجزئ في ثبوت التحريم (١)، وهذا ما جعل الخلاف يتجه نحو اللفظية في نوعه، والدليل على ذلك أن عامة الأدلة المؤثرة لأصحاب الأقوال في المسألة دائرة حول مصالح يراد تحقيقها، ومنافع يُبتغى فتح أسبابها وإتاحة سبلِها، أو ذرائع يُبتغى سدُّها، ومفاسد وأضرار يراد درؤها ودفعها أمام المصالح المرجوحة؛ ثابتة كانت، أو متوَهَّمة. وباستقراء بعض النوازل - على مرِّ العصور - التي تكون جديدة من نوعها غير مسبوقة بمثيل، فإنه يُلحظ أنها تواجه بالرفض والشجب من قبل القلة من الفقهاء، وخصوصًا إذا لم يكن للفقيه ملامسة لتلك النازلة أو معاينة، وإذا لم يكن ذلك مستنكرًا على بعض النفوس البشرية التي لا تستوعب غير المألوف حتى يمضي الزمن الذي يمكنها معه أن تدرك مكان النازلة من الشريعة؛ فإنه مستنكر في الشريعة؛ لأن الله تعالى لم يفرق بين إطلاق القول بالتحريم، أو بالتحليل؛ في قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [سورة النحل: ١١٦]، وليس من السائغ أن تتأثر الأحكام الشرعية بالطبائع الشخصية، وخصوصًا إذا اقترن ذلك بمفهوم محدث ما أنزل الله به من سلطان، وهو أن الانحياز إلى عُدوة الحرام وسلوك جادة المنع هو مقتضى الورع وغاية الصدق وأمارة الديانة، والتحقيق أن التحريم ليس بأولى من التحليل، بل الإباحة في ميزان الشريعة هي الأصل؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الأعراف: ٣٢]؟ ، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩]، وما أخبر الله بذلك إلا لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع سوى ما ورد في الشرع المنع منه لضرره (٢)، وبنوك الحليب من خلقه.

стр. 217

وفي المقابل؛ يفتح الله تعالى على من يشاء مَن عباده مِن التحقيقات العلمية التي يجتمع فيها من الكَلِمِ ما تُختصر به المسافات الطوال؛ مما يكون مردَّ العلماء إليه بعْدُ، وموضعًا لاتفاقهم، وانظر إلى السعدي ت ١٣٧٦ هـ حين قال: المخترعات الحديثة النافعة للناس في أمور دينهم ودنياهم؛ هي مما أمر الله تعالى به ورسوله ﷺ ، ومما يحبه الله ورسوله، ومن نِعَم الله على العباد؛ بما فيها من المنافع الضرورية والكمالية. . .، فبعضها يدخل في الواجبات، وبعضها في المستحبات، وشيء منها في المباحات؛ بحسب ما تثمره، وينتج عنها من الأعمال ا. هـ (١) وقال: العادات كلها؛ كالمآكل، والمشارب، والملابس كلها، والأعمال، والصنائع، والمعاملات، والعادات كلها؛ فالأصل فيها الإباحة والإطلاق، فمن حرَّم شيئًا منها لم يحرمه الله تعالى ولا رسوله- ﷺ ؛ فهو مبتدع، كما حرم المشركون بعض الأنعام التي أحلها الله ورسوله، وكمن يريد بجهله أن يحرم بعض أنواع اللباس، أو الصنائع، أو المخترعات الحادثة بغير دليل شرعي يحرمها، فمن سلك هذا المسلك؛ فهو ضال جاهل، والمحرمات من هذه الأمور قد فصلت في الكتاب والسنة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١١٩]، ولم يحرم الله علينا إلا كل ضار خبيث، ومن تتبع المحرمات وجدها تشتمل على الخبث والمضار القلبية، أو البدنية، أو الدينية، أو الدنيوية؛ لا تخرج عن ذلك، ولهذا من أكبر نعمة الله علينا تحريمه ومنعه لنا مما يضرنا، كما أن من نعمه إباحته لنا ما ينفعنا ا. هـ (٢) وليس ذلك مقصورًا على القضايا النازلة، بل حتى في إحياء مذاهب السلف؛ فإن تقي الدين ابن تيمية حين أفتى بقول طاوس وغيره في أن تعليق الطلاق - مثل: إن خرجت من الدار فأنت طالق - يوجبُ كفارة اليمين دون الطلاق؛ إن أراد الزوج محض الزجر والتخويف، لا إيقاع الطلاق؛ لأن التقدير حينئذ عند العربي: ولله إن خرجت. . . (٣) حورب وعودي من قبل المتعصبين من أتباع بعض المذاهب، حتى أودع السجن، وكانت

стр. 218

معاملتهم له على نحو ما يقتضيه معنى البراءة الذي جاءت به الشريعة إزاء أهل الكفر من المشركين (١)، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. والذي يجب التنبُّه له هنا هو أن من أفتى بتحريم إنشاء بنوك الحليب أو التعامل معها أفرادًا كانوا أو مجامعَ بناء على حال المحكوم عليه آنذاك؛ من إهمال تمييز حليب المرأة المؤدي إلى نكاح من حرم الله تعالى، أو كشف عورات المراضع أمام من لا تحل له، أو غير ذلك مما تمنعه الشريعة، ثم هو أفتى أو غيره فيما بعد بالجواز بناءً على معطيات لا شيء فيها يوجب الحظر؛ سواء أكانت المعطيات التي جاءت الفتيا إزاءها على صيغة مشاريعَ ورقية أو مؤسساتٍ على أرض الواقع؛ فإن فتوييه جارية على وفق مقصود الشارع؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ فبنك الحليب يكون التعامل معه محرمًا إذا استلزم ما حرَّم الله، وحلالًا إذا سلم من ذلك على الأصل، وقس على هذا كثيرًا من النوازل التي حكم الفقهاء بتحريمها حين لم يمكن تناولها على وجه مباح، ثم تغير الحكم مع انتفاء العلة المحرِّمة، تمامًا كالعنب؛ يحرم بيعه لمن يتخذه خمرًا، ويجوز لمن يتفكَّه به أكلًا، وإذا احتُمل الأمران؛ كان الحكم للغالب، ومن هنا يُعلم أن بعض الدعاوي التي تقذِف الفقهاء بالتناقض، أو التقلب بماجريات الزمن؛ واهية؛ لأنها قائمة على تشخيص سطحي خالٍ من الفحص والتمييز، وهذا بطبيعة الحال لا يمنع الفقهاء أن يكتسبوا روية وأناة قبل إطلاق الفتاوي، حتى تكون وافية الفحص، مستوفية التوصيف؛ لاتنطلق من برج عاجٍ، أو تنبثق عن ارتجال نازٍ؛ بلفظ فضفاض، غير محرر المعالم. وحيث كانت هذه النازلة من أقدم مسائل هذا البحث وقوعًا وأكثرها بحثًا؛ استدعى تراكمُ الفتاوي واختلافُ منازعها هذا التوضيحَ، والله تعالى أعلم. - سبب الخلاف: يمكن أن يعاد الخلاف إلى ما يأتي من الأسباب: ١ - مفهوم سد الذريعة، وحدود استعماله. وأختم هذا المطلب ببيان النتائج الآتية: أولًا: جواز إنشاء بنوك حليب الآدميات، وإذا توقفت حياة الرُّضَّع عليه صار فرض كفاية على المسلمين. ثانيًا: جواز التبرع بلبن الآدميات إلى بنوك الحليب أو بيعه فيها؛ إذا زاد عن حاجة مولودها، أو لم يلزمها إرضاعه أو يمكنها، ولو كان من غير مسلمة، أو فاجرة، أو حمقاء، أو عمياء، أو جذماء، أو برصاء، أو مجنونة، أو سكرى، أو ميتة (٢)، أو غير ذلك من العيوب والعلل التي لا تضر بالرضيع ضررًا متحققًا (٣)، وجواز ابتياعه منها، ولو لكبير، أو لمن لا يدين بالإسلام؛ إذا كان المبيع معلومًا معينًا، ويضمن ما تلف منه إذا اعتدي عليه، ويثبت به التحريم؛ إذا بلغ العدد المجزئ (٤)؛ في السن المجزئ، ويندب للبنوك والمتعاملين معها مؤسساتٍ وأفرادًا؛ اختيار الأصلح للرضيع والتعامل مع الأسلم. ثالثًا: طهارة لبن الآدمية؛ فلا تَنجس به أرضٌ، ولا لباسٌ، ولا شيءٌ خلط به، أو سرت إليه رائحته.

стр. 219

المطلب السادس أثر بنوك الحليب في انتشار المحرمية دل كتاب الله تعالى على تحريم نكاح المرضعة بإطلاق؛ أيًّا كان طريق الإرضاع، وذلك في قول الحق جلَّ ذكره: ﴿حُرِّمَّتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُّكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وإلى جانب أدلة الكتاب العزيز، فقد كان هذا المبدأَ ظاهرًا في أقوال النبيِّ ﷺ ، واضحًا في أفعاله، فحين استأذن عمٌّ لحفصة من الرضاعة ليدخل في بيتها؛ استنكرت عائشة ﵃، فقال: "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" متفق عليه (١)، وقال في بنت أبي سلمة ﵃: "إنها لابنة - ولفظ مسلم: ابنة - أخي من الرضاعة؛ أرضعتني وأبا سلمة ثويبةُ, فلا تعرِضْنَ علي بناتِكن ولا أخواتِكن" متفق عليه (٢)، ولما عرضت عليه ابنة حمزة ﵁ للزواج منها؛ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة" متفق عليه (٣)، ولما جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن على عائشة - وهو عمها من الرضاعة - بعد أن نزل الحجاب؛ أبت عائشة أن تأذن له، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت، فأمرها أن تأذن له. متفق عليه (٤) وفي رواية لمسلم في المتابعات: أن عائشة قالت بعد ذلك: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل؟ ! فقال رسول الله: "إنه عمك؛ فليلج عليك" (٥)، وجاء في ذلك من الأخبار ما يبلغ مبلغ التواتر، حتى انعقد إجماع الأمة على أن الرضاع يثبِت من الحرمة ما يثبته النسب. (٦) وتقريرات فقهاء المسلمين من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم في هذا متوافرة ومتكاثرة. (٧) ولبيان أثر بنوك الحليب في انتشار المحرمية، أنتقل إلى دراسة المسائل الآتية: المسألة الأولى: اختلاط الحليب بالدواء . اختلف الفقهاء في تعلق التحريم بحليب الأم المخلوط بدواءٍ على أقوال، هي: القول الأول: إذا كان الحليب هو الغالب؛ تعلق به التحريم، وكذا إذا استويا. وبه قال الحنفية (٨).

стр. 220

القول الثاني: إذا كان الحليب هو الغالب تعلق به التحريم، فإن صار مغلوبًا لم يحرم، ولم ينص أصحاب هذ القول - فيما اطلعت عليه - على حالة الاستواء. وبه قال المالكية (١)، والشافعية في قول عندهم، ولو كان الدواء المخلوط نجسًا (٢)، وابن حامد من الحنابلة (٣)، وأبو الخطاب (٤)، وأبو ثور، والمزني (٥). القول الثالث: يحرم مطلقًا، ولو كان مغلوبًا. وبه قال بعض المالكية؛ كمطرف (٦)، وهو وجه عند الشافعية، ولو شرب بعض المخلوط فيما كان الحليب فيه مغلوبًا (٧)؛ اختاره الصميري (٨)، والقاضي أبي الطيب (٩)، وبه قال النووي؛ إذا تحقق انتشاره في الخليط، وحصول بعضه في المشروب (١٠)، وعزاه للشافعي (١١)، وهو الأصح من مذهب الحنابلة؛ إذا كانت صفات اللبن باقية (١٢) - وهي: اللون، والطعم، والريح - (١٣)، فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به؛ لم يثبت به التحريم عندهم (١٤).

стр. 221

القول الرابع: يحرِّم ولو كان الدواء المخلوط نجسًا؛ إلا إذا كان الحليب مغلوبًا، فلا يقع التحريم؛ إلا أن يشرب جميع المخلوط. وهو وجه للشافعية (١)؛ اختاره ابن سريج (٢)، وأبو إسحاق (٣)، والماوردي (٤). القول الخامس: يثبت به التحريم، ولو كان من القلة بحيث لا تكون صفات اللبن باقية؛ بشرط شربه كله ولو في دفعات، وتكون رضعة واحدة. وهو محكي عن الشافعي (٥)، والقاضي من الحنابلة (٦). القول السادس: لا يحرم شيئًا. وهو رواية للحنابلة (٧)، ووجه مخرج عندهم على منصوص أحمد (٨)؛ قال بها من الأصحاب أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال (٩)، ومذهب داود وأصحابه (١٠)؛ كابن حزم (١١). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: الاستدلال على تعلق التحريم بالحليب المخلوط بالدواء إذا غلب الحليب: ١ - إن الحليب يبقى مقصوداً فيه؛ إذ الدواء لتقويته على الوصول إلى ما لا يصل بانفراده. (١٢)

стр. 222

٢ - إن الحَكَم في الحكم للغالب. (١) ثانيًا: الاستدلال على تعلق التحريم بالحليب المخلوط بالدواء عند استوائهما كثرةً: ١ - لأن لبنها غير مغلوب فلم يكن مستهلكاً. (٢) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: أولًا: الاستدلال على وقوع التحريم بالحليب المخلوط بالدواء إذا كان الأخير مغلوبًا: ١ - شرع الرضاع سببًا للتحريم؛ حكمةَ كونه يغذي حتى يصير جزءُ المرأة الذي هو لبنها جزءَ المرضع؛ كما صار منيُّها وطمثها جزءًا من الولد في النسب، فإذا حصلت المشاركة حصلت البنوة. (٣) ٢ - إن الحكم للأغلب. (٤) ثانيًا: الاستدلال على عدم تعلق التحريم بالحليب المخلوط بالدواء إذا كان الحليب مغلوبًا: ١ - إن اللبن المستهلك لا يغذي. (٥) ونوقش بما يأتي: أ- عدم التسليم؛ لأن اللبن يحصُل به الغذاء مع ما خالطه في جوفه، وإن قلَّ، وكثر المخالط؛ كما قد كان قبُلًا في ثدي المرأة حين خرج من بين فرث ودم. (٦) وأجيب عنه: بأن الحرمة لا تقع بدمها، ولا لحمها، وإن أغذيا الولد؛ إجماعًا، وأن الكبير يغذى باللبن، ولا يحرمه. (٧) ٢ - إن النقطة من الخمر لا يحد عليها إذا استهلكت مطلقًا، فكذا كل ما يستهلك في غيره. (٨)

стр. 223

ونوقش بما يأتي: أ- إن النقطة من الخمر إذا اختلطت لا تسكر، ولا تصلح للإسكار مع أمثالها؛ فظهر الفرق (١) في أن عدم الإسكار لا يمنع حصول الاغتذاء. ب - إن الحد منوط بالشدة المزيلة للعقل. (٢) ويمكن أن يناقش بما يأتي: ج- إن البحث هنا في الخلط الذي يبقى معه عين المخلوط معه، فأما أن يستهلك المخلوط معه، فتلك صورة أخرى. ٣ - كالنجاسة المستهلكة في الماء الكثير؛ لا أثر لها. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- إن النجاسة تجنيب للاستقذار، وهو مندفع بالكثرة. (٤) ٤ - كالمحرم يأكل طعامًا استهلك فيه طيب؛ لا فدية عليه. (٥) ونوقش بما يأتي: أ- إن المحرم ممنوع من التطيب، وليس هذا بتطيب؛ فعلى هذا إن شرب جميع المخلوط تعلق به التحريم. (٦) كما يمكن أن يناقش بما يأتي: ب- إن هذا الطيب ذهب أثره بدليل أنه سمي طعامًا، كما لو استهلكت نقطة حليب في ماء كثير (٧)، والبحث هنا فيما لا يزال مسمى الحليب باقيًا إطلاقه عليه. ٥ - إنه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به. (٨) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - حصول الاغتذاء بتلك الأجزاء من الحليب، وإن اختلطت بغيرها. (٩) ٢ - وصول عين اللبن في الجوف، وذلك هو المعتبر، ولهذا يؤثر كثير اللبن وقليله. (١٠)

стр. 224

٣ - إن اللبن متى كان ظاهرًا فقد حصل شربه، ويحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم؛ فحرّم، كما لو كان غالبًا. (١) ٤ - إن ما تعلق به الحكم لم يفرق بين خالصه ومشوبه؛ كالنجاسة في الماء، والنجاسة الخالصة. (٢) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: ١ - إننا لم نتحقق وصول اللبن إذا كان مغلوبًا. (٣) ٢ - قياس الحليب المغلوب على جب الماء؛ تقع فيه القطرة، فيشرب بعضه. (٤) أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس بما يأتي: ١ - إن أجزاء اللبن حصلت في بطنه، أشبه ما لو كان لونه ظاهرًا. (٥) ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا ليس برضاع، ولا في معناه؛ فوجب ألا يثبت حكمه فيه. (٦) أدلة القول السادس: استدل أصحاب القول السادس بما يأتي: ١ - إنه وجور (٧)، والوجور - عندهم - لا يحرم شيئًا. ٢ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (٨)

стр. 225

ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (١) وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاة يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد، وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله . (٢) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن (٣)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٤)، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (٥) - كان هكذا. (٦) كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه. - الترجيح: الراجح ثبوت التحريم من الحليب المخلوط بالدواء غالبًا كان أو مغلوبًا؛ إذا بقي مسمى الحليب بعد الخلط؛ لعموم النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية، ولأن الحليب المخلوط إذا وصل إلى الجوف فقد تحقق معنى الغذاء الذي يقع معه نشوز العظم

стр. 226

ونبات اللحم، وهذا المعنى هو الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم؛ كما لو فصل هذا الحليب المخلوط بالدواء وشرب لوحده. فإن قيل: إن العبرة بالحقائق والمعاني لا بمحض مسمى الحليب؛ لأن الألفاظ والمباني لا تغير من الحقيقة، أو تغني من الحق؛ شيئًا. أجيب: بأن وجود الحليب في المخلوط حقيقةٌ، ولما كان يستدل على المسميات بأسمائها؛ ألحق الترجيح بما يظن معه وجود الحليب وأنه لم يستهلك في الدواء إذا غلبه، وذلك بالأمارة الآتية، وهي أن يبقى إطلاق اسم الحليب عليه؛ ممن ينظر إليه، أو يتذوقه، أو يفحصه، ونحو ذلك. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر فيما يأتي: ١ - إذا خلط مع حليب الآدمية أدوية حافظة أو علاجية في بعض المؤسسات العلاجية أو المعنية بجمع الحليب؛ لم يكن ذلك سببًا في إزالة وصف التحريم عنه حتى يزول مسمى الحليب. - سبب الخلاف: يرجع منشأ الخلاف في هذه المسألة إلى الاختلاف في مسائل، منها: ١ - اشتراط التقام الثدي لثبوت التحريم؛ فمن اعتبر وصول الحليب إلى المعدة دون الوسيلة - وهم الجمهور (١) -؛ أثبت تعلق التحريم بالحليب المخلوط بالدواء، على اختلاف قيوداتهم، ومن اشترط امتصاص الراضع من ثدي المرضعة بفيه ليكون الرضاع محرمًا - وهو ابن حزم (٢) -؛ منع من تعلق التحريم باللبن المخلوط بالدواء. المسألة الثانية: اختلاط حليب الآدمية بغيرها من الآدميات . اختلف الفقهاء فيما يتعلق به التحريم من ألبان الآدميات المخلوطة ببعضها، والخلاف في هذه المسألة جارٍ عند من لا يشترط التقام الثدي لثبوت التحريم، وأقوالهم في ذلك هي: القول الأول: إذا اختلط لبن امرأتين تعلق التحريم بأكثرهما وأغلبهما . وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف (٣)، وهو مذهب المالكية (٤)، ووجه عند الشافعية (٥). القول الثاني: إذا اختلط لبن امرأتين تعلق بهما التحريم مطلقاً ؛ يعني: تساويا، أو تغالبا؛ كما لو ارتضع من كل واحدة منهن. وهو مروي عن أبي حنيفة (٦)، وبه قال محمد بن الحسن (٧)، ورجحه الطحاوي وجماعة من الحنفية، وصححوه مذهباً (٨)، واستظهره بعضهم احتياطاً (٩)، وهو قول عند الشافعية (١٠)، ومذهب الحنابلة (١١). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن الكل صار شيئًا واحدًا؛ فيجعل الأقل تبعاً للأكثر في بناء الحكم عليه. (١٢) ٢ - قياسًا على الماء والطعام؛ إذا غلبا على اللبن، أو غلب اللبن عليهما. (١٣)

стр. 227

ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن هذا مسلم فيما إذا استهلك أحد المخلوطين في الآخر، ولا يُسَلَّم بأن حليب الآدمية تتلاشى عينه أو تستهلك فيما خلط معه من ألبان الآدميات الأخريات، ولو كان مغلوبًا؛ إذا كان يكفي أن يكون رضعة مشبعة لو كان منفردًا. ٣ - إن النقطة من الخمر لا يحد عليها إذا استهلكت مطلقًا، فكذا كل ما يستهلك في غيره؛ كالحليب المغلوب خلطًا بغيره. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إن النقطة من الخمر إذا اختلطت لا تسكر، ولا تصلح للإسكار مع أمثالها؛ فظهر الفرق (٢)، والمعنى: أن عدم الإسكار لا يمنع حصول الاغتذاء. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني: ١ - إن الجنس لا يغلب الجنس؛ فإن الشيء لا يصير مستهلكاً في جنسه؛ لأن كل واحد منهما لا تأثير له في سلب قوة الآخر؛ لاتحاد المقصود. والدليل على ذلك: أن رجلاً لو غصب من رجل زيتًا، فخلطه بزيت آخر؛ اشتركا فيه، ولو خلطه بشيرج أو دهن من غير جنسه؛ اعتبر الغالب؛ فإن كان الغالب هو المغصوب كان لصاحبه أن يأخذه، ويعطيه بقسط ما اختلط بزيته، وإن كان الغالب غير المغصوب؛ صار المغصوب مستهلكاً فيه، ولم يكن له أن يشاركه، ولكن الغاصب يغرم له مثل ما غصبه؛ فدل ذلك عل اختلاف حكم الجنس الواحد، والجنسين. (٣) ٢ - إنه لو شيب بماء أو عسل؛ لم يخرج عن كونه رضاعًا محرمًا، فكذلك إذا شيب بلبن آخر. (٤) - الترجيح: سبق قريبًا حكاية الإجماع على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والأدلة في ذلك لا تفرق في ثبوت التحريم بين حليب الآدمية إذا تناوله الرضيع منفردًا أو مختلطًا بغيره، ولذلك كان الراجح مما تقدم القول بتعلق التحريم بجميع الآدميات اللائي خلط لبنهن، ولو كان بعضها مغلوبًا؛ مع مراعاة شروط الإجزاء في عدد الرضعات وسن الرضيع، ويشترط لذلك أن يكون حليب الآدمية الواحدة يصلح أن يكون رضعة واحدة مشبعة لو انفرد عما خلط معه من ألبان الآدميات. وهذا ما يفهم من تقريرات كثير الفقهاء، وجريان كثير من تحقيقاتهم على اعتباره؛ فانظر إلى محمد بن الحسن الشيباني حين استدل على كون الرضاع واقعًا من كلا الزوجين في مسألة حمل المرأة من زوج ثان وإرضاعها في أثنائه من لبن كان مبدأ ثيابته من ولد ولدته من زوجها الأول؛ حيث جعله بمنزلة لبن امرأتين امتزجا في قدح واحد؛ فأوقع الرضاع منهما (٥)، ومن ذلك: ما صرح به أبو محمد ابن قدامة ت ٦٢٠ هـ في قوله: وإن حلب من نسوة، وسُقيه الصبي؛ فهو كما لو ارتضع من كل واحدة منهن؛ لأنه لو شيب بماء أو عسل، لم يخرج عن كونه رضاعًا محرمًا، فكذلك، إذا شيب بلبن آخر ا. هـ (٦)، وبنحوه قال شمس الدين ابن قدامة ت ٦٨٢ هـ (٧)، وقال الحجاوي ت ٩٦٨ هـ: "فإن حلب اللبن من نسوة، وسقي الطفل؛ فهو كما لو ارتضع من كل واحدة منهن" (٨)؛ قال البهوتي ت ١٠٥١ هـ: "لاختلاط لبنهن" (٩). - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في فروع، منها: ١ - أثر اعتبار المغلوب لبنها إذا خلط بلبن غيرها من الآدميات على ثبوت التحريم للزوج إذا كان له زوجتان. فمن جعل التحريم لأكثر الحليبين المخلوطين دون أقلِّهما - وهو قول للحنفية والشافعية، ومذهب المالكية -؛ لم يثبِت للزوج أربع رضعات إذا حلبت كل واحدة من زوجتيه لبنها دفعة، ثم خلطا، فشربه الرضيع مرتين، وهو ما صرح به الشافعية في وجه عندهم (١٠)، ومقتضى التخريج على أصحاب القول الأول عند من يشترط عددًا.

стр. 228

ومن جعل التحريم لكلٍّ من الغالب والمغلوب من ألبان الآدميات المختلطة - وهم الجمهور -، وحسب لكل زوجة رضعتين اعتبارًا بوصول اللبن؛ أثبت للزوج أربع رضعات، وإن حسب لكل واحدة رضعة اعتبارًا بالحلب؛ ثبت للزوج رضعتان، ولكل من الحسابين وجه مصرَّحٌ به عند الشافعية (١)، والحساب الأول هو مفهوم تصريح الحنابلة (٢)، وابن حزم (٣)، وهذه المسألة لا ترد على أصل أبي حنيفة (٤)، ومالك (٥)، وغيرهما (٦)؛ ممن يكون عنده قليل الرضاع ككثيره في التحريم. ٢ - إذا حلب خمس نسوة في إناء، وأوجره الصبي دفعة واحدة؛ جرعةً بعد أخرى متتابعةً. فمن جعل التحريم لأكثر الحليبين المخلوطين دون أقلهما - وهو قول للحنفية والشافعية، ومذهب المالكية -؛ اعتبره رضعةً واحدة من أكثرهن حليبًا في الإناء؛ فيما يقتضيه التخريج، وهو ظاهر قول الخرقي من الحنابلة (٧). ومن جعل التحريم لكلٍّ من الغالب والمغلوب من ألبان الآدميات المختلطة - وهم الجمهور -؛ قال: يحسب من كل واحدة رضعة، وهو ما صرح به الشافعية (٨)، والحنابلة في وجه عندهم (٩).

стр. 229

وهذه المسألة لا ترد على أصل داود وابن حزم في اشتراط امتصاص الراضع من ثدي المرضعة لثبوت التحريم باللبن (١)؛ لأن الوجور صب اللبن في الفم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٢)، واختيار أبي بكر من الحنابلة (٣). ٣ - إذا حلب خمس نسوة في إناء، وأوجره الصبي في خمس دفعات. فمن جعل التحريم لأكثر الحليبين المخلوطين دون أقلهما - وهو قول للحنفية والشافعية، ومذهب المالكية -؛ اعتبره من أكثرهن حليبًا في الإناء دون غيرها؛ فيما يقتضيه التخريج، وهو ظاهر قول الخرقي من الحنابلة (٤). ومن جعل التحريم لكلٍّ من الغالب والمغلوب من ألبان الآدميات المختلطة - وهم الجمهور -؛ قال باعتبار الرضعات (٥)، ولكنهم اختلفوا في عددها من كل واحدة؛ فقالت طائفة: يحسب من كل واحدة رضعة، وهو ما نسب إلى الشافعي (٦)، وصرح به الشافعية في وجه عندهم (٧)؛ صححه النووي (٨)، وقالت الطائفة الأخرى: يحسب من كل واحدة خمس رضعات، وهو وجه مصرح به عند الشافعية أيضًا (٩)، ومذهب الحنابلة (١٠).

стр. 230

وهذه المسألة لا ترد على أصل داود وابن حزم في اشتراط امتصاص الراضع من ثدي المرضعة لثبوت التحريم باللبن (١)؛ لأن الوجور صب اللبن في الفم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٢)، واختيار أبي بكر من الحنابلة (٣)؛ قال ابن حزم ت ٤٥٦ هـ: ولو كان ذلك غذاءه دهره كله ا. هـ (٤) ٤ - يثبت التحريم لجميع الآدميات اللائي يخلط حليبهن في قوارير حليب بنوك الحليب عند إتمامه العدد المجزئ؛ إذا كان حليب الآدمية الواحدة يصلح أن يكون رضعة واحدة مشبعة لو انفرد؛ في قول الجمهور؛ على أنه إذا أُرضع الصبي من بنك الحليب ما حلب دفعة في خمسة أوقات؛ فإنه يحسب عند بعض الجمهور - وهو مذهب الحنابلة، وقول بعض الشافعية - خمسَ رضعاتٍ، ويعتبر الأغلب فقط من المخلوط فيما ذهب إليه بعض الحنفية والشافعية، ومذهب المالكية. المسألة الثالثة: رضاع أهل الأرض . صورة المسألة: إذا كان تحت رجل صغيرة، فأرضعنها أهل الأرض؛ فهل تثبت أمومتهن لها بحيث يحرمن عليه؟ نص على هذه المسألة بعض فقهاء المالكية، وكذلك تطرق إليها الحنفية بعنوان: رضاع أكثر أهل القرية. وقد قرر المالكية أن أهل الأرض يحرمن على زوج الصغيرة (٥)؛ لأنهن أمهات نسائه. (٦)

стр. 231

كما قد قرر الحنفية أن صبيةً لو أرضعها أكثر أهل قرية، ثم لم يُدر من أرضعها، فأراد أحد أهل القرية أن يتزوجها؛ جاز له بشرطين: الأول: أن لا تظهر علامة، ومثال العلامة: أن تتردد امرأة ذات لبن على محل فيه صبية، أو كونها ساكنة فيه. الثاني: أن لا يشهد بذلك. (١) ويمكن أن يستدل لهم بأن الأصل عدم ثبوت التحريم بالرضاع؛ فلا يُنْتَقل عن الأصل بشك. وقد أثمر ذلك في عدم ثبوت التحريم من ألبان البنوك التي لا تثبت نسبة الحليب إلى صاحبته. المسألة الرابعة: قطرة الحليب . صورة المسألة: لو وقعت قطرة في فم المرتضع، واختلطت بريقه، ثم وصل إلى جوفه؛ فهل يثبت تحريم معها؟ تطرق بعض فقهاء الشافعية إلى هذه المسألة، وكان لهم فيها مسلكان: المسلك الأول: إذا غلب الحليبُ الريقَ اعتبر محرمًا (٢)، وهو ما ذهب إليه سعيد ابن المسيب (٣). المسلك الثاني: يحرِّم مطلقًا. (٤) والظاهر أن قطرة حليب الآدمية وما جرى مجراها لاتؤثر في ثبوت التحريم، ولا يعتبر بها عدد؛ لأنها ليست غذاءً للرضيع؛ كالعفافة، ويؤيد ذلك ما روي عن عن عمر بن الخطاب؛ أنه سئل: ما يحرم من الرضاع؟ فكتب: إنه لا يحرم منها: الضرار، والعفافة، والملجة؛ فالضرار:

стр. 232

أن ترضع المرأة الولدين كي تحرم بينهما، والعفافة: الشيء اليسير الذي يبقى في الثدي، والملجة: اختلاس المرأة ولد غيرها فتلقمه ثديها. (١) وقد أثمر ذلك في: بنوك الحليب؛ إذا أُرضع طفل عيِّنةً يسيرة بغرض الاختبار، أو أضيفت قطرة ونحوها مع حليب آدمية أخرى؛ فإن كل ذلك لا يحرِّم شيئًا. المسألة الخامسة: الرضاع بعد الفطام . صورة المسألة: إذا أرضعت امرأةٌ صبيَّها ثم فطمته؛ فهل يحرِّمُ لبنها شيئًا بعد فطام ولدها الذي ثاب اللبن عن ولادته؟ تطرق بعض المالكية إلى هذه المسألة، وأثبتوا له التحريم، وقالوا: هو من زوجها. (٢) واستدلوا لذلك بأن اللبن بسبب وطء الزوج. (٣) وقد تقدم في مسألة رضاع البكر وغيرها ممن لا يثوب اللبن فيه عن حمل (٤)؛ أن مقتضى حمل نصوص الشريعة في الباب على ما تسعه من المعاني وتقتضيه من المقاصد اعتبار كل لبن آدمية تُسَدُّ به جوعة الرضيع، وتفتق به أمعاءه، وتشدُّ عظامه، وفي المرفوعات المتفق عليها: "الرضاعة من المجاعة" (٥)، فما سد جوعة الرضيع من ألبان الآدميات من دون أن يجتمع معه غيره من الطعام؛ كان موجبًا للتحريم، ولو كان الحليب من بكر أو آيس؛ فضلًا عمن ثاب لبنها عن حمل. وقد أثمر ذلك في إثبات التحريم من ألبان بنوك الحليب، ولو كان من بكر، أو آيسة؛ فضلًا عمن كان ثوبان لبنها عن حمل، ثم أعطته بنك الحليب إبان فطام ولدها.

стр. 233

المسألة السادسة: تعدد الرضعات في أحد الطرفين . صورة المسألة: إذا حلبت مرضعة حليبها في إناء خمس حلبات في خمسة أوقات، ثم سقته الرضيع دفعة واحدة، أو حلبته دفعة واحدة، ثم سقته غلامًا في خمسة أوقات؛ فقد اختلف الفقهاء فيما يثبت في ذلك من الرضعات، على ما يأتي: القول الأول: الاعتبار بخروج اللبن من المرض ع؛ فما خرج دفعة واحدة؛ فهو رضعة، ولو سقيه الصبي على دفعات، وما خرج دفعات؛ فهو رضعات بعددها، ولو جمعت عدة رضعات، فسقي بها الصبي؛ مرةً واحدة. وهو منسوب إلى الشافعي (١)، ووجه عند الشافعية في الصورة الأولى؛ استظهره النووي (٢)، وعلى الصورة الثانية مذهب الشافعية (٣)، وبه قطع النووي (٤). القول الثاني: الاعتبار بوصول اللبن للرضيع ؛ فما يرتضعه الطفل في الوجبة الواحدة؛ فهو رضعة واحدة، ولو حلب على دفعات، وما يرتضعه الطفل عدة مرات حتى يسد جوعته عدة مرات؛ فهو عدة رضعات بعدد ما يرتضع حتى يمسك بنفسه ويسكن جوعه، ولو كان قد حلب دفعة واحدة. وهو مذهب الحنابلة (٥)، ووجه للشافعية (٦). وقبل الانتقال إلى الأدلة أشير إلى أن هذه المسألة لا ترد على أصل أبي حنيفة (٧)، ومالك (٨)، وغيرهما (٩)؛ ممن يكون عنده قليل الرضاع ككثيره في التحريم، من دون اشتراط عدد. ولا ترد أيضًا على أصل داود وابن حزم في اشتراط امتصاص الراضع من ثدي المرضعة لثبوت التحريم باللبن (١٠)؛ لأن الحلب أو السقي على دفعات، يقتضي الإيجار، والوجور هو صب اللبن في الفم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (١١)، واختيار أبي بكر من الحنابلة (١٢). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن الاعتبار بالرضاع، والوجور فرعه. (١٣) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - كما لو جعل الطعام في إناء واحد في خمسة أوقات، ثم أكله دفعة واحدة؛ كان أكلة واحدة. (١٤). ٢ - إن شرب الصبي هو المحرِّم، ولذلك كان الاعتبار به في ألبان الآدميات، من دون رضاع مباشر من الثدي. (١٥) ٣ - إنه لو ارتضع بحيث يصل الحليب إلى فيه، ثم مجه؛ لم يثبت التحريم، فكان الاعتبار بشرب الصبي؛ فإذا سقته المرضع في أوقات، فقد وجد في خمسة أوقات، ولو لم يحلب إلا دفعة واحدة. - الترجيح: الراجح مراعاة حال الرضيع، وتقدير الرضعة بما يشبعه من الألبان أيًّا كانت طريقة الورود وعدد مرات حلبه؛ لأن خطاب الشارع في إثبات التحريم مناط بالمرتضع، وذلك في مثل ضمير الغائب الذي جاء في قول النبي ﷺ للزانية: "اذهبي، فأرضعيه حتى تفطميه" (١٦)، وقوله لسهلة بنت سهيل ﵂: "أرضعيه "

стр. 234

(١) رواهما مسلم، ولما كان العرف عند النساء أن الرضيع لا يسمى مرتضعًا إذا شرب من حليب الآدمية حتى يرتوي منه ويسكن جوعه؛ حمل الحكم الشرعي على الحال العرفي، ولذلك؛ فلو حلبته مرة واحدة فسقته خمس مرات؛ تشبعه كل مرة؛ فهي رضعة معتبرة في كل مرة تشبعه؛ لأنها وجبة سدَّت جوعته. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في فروع، منها: ١ - سقي المرضعِ الصبيَّ لبنًا مجموعًا جرعةً بعد جرعة؛ متتابعةً. ظاهر قول الخرقي أنه رضعة واحدة (٢)، ويحتمل عند الحنابلة أيضًا أن يخرَّج على الخلاف فيما إذا قطعت عليه المرضعة الرضاع، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى عند الكلام على ضابط الرضعة (٣). ٢ - إذا حلبت المرضع من صدرها دفعة واحدة أو دفعتين، ثم سقت رضيعها منه خمس رضعات مشبعات؛ ثبت بينهما التحريم؛ فيما ترجح من الأقوال، وهو مذهب الحنابلة، ولم يثبت التحريم؛ في القول المرجوح، وهو مذهب الشافعية. ٣ - لا يلتفت في بنوك الحليب إلى مرات سحب الحليب من المرضعة لتقدير عدد رضعات المستفيد، بل يقدر ذلك بما يتناوله الرضيع حتى يشبع، فتكون رضعة، وهذا على القول المترجح، وهو مذهب الحنابلة وقول للشافعية، واعتبر الشافعي فيما نسب إليه وعامة أتباعه مراتِ خروج اللبن من المرضع في حساب عدد رضعات الرضيع. وقبل بيان النتائج المتصلة بعنوان هذا المطلب، أشير إلى أنه وقع من بين الباحثين المعاصرين من أطلق الحكم نافيًا انتشار حرمة النكاح من ألبان بنوك الحليب الحالية. (٤)

стр. 235

وإذا ما أردنا استقصاء دليل من أطلق هذا الحكم، فإن استدلاله يتمثل فيما يأتي: ١ - توافر عامل الشك فيه والجهالة؛ لأن النساء المساهمات فيه غير معلومات، وكذا عدد الرضعات الحاصلات من كل امرأة، وإذا وجد الشرك رُجع إلى الأصل، - وهو عدم استكمال الرضعات المجزئات في التحريم -، وعليه؛ فلا ينشر لبن هذه البنوك الحرمة. (١) وإذا كان الاستدلال كذلك؛ فقد أفاد في أمرين: الأول: كونه متوجهًا إلى موضع تحقيق المناط لا أصل الحكم؛ حيث إن العلم بالنساء المرضعات لما تعذر؛ لم تنتشر الحرمة ضرورةً؛ لعدم تمام الأركان اللازمة شرعًا وعقلًا لبناء الحكم. الثاني: القول بثبوت التحريم من الألبان البنكية إذا علمت المراضِع. وهذان الاستنتاجان مما لا ينبغي أن يخالف فيه فقيه؛ لأن الإجماع انعقد على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٢)، والأدلة التي استند عليها الإجماع لم تفرق بين طريقةٍ أو أخرى. وأختم نهاية هذا المطلب بما توصلت إليه في النتائج الآتية: أولًا: يثبت التحريم بألبان الآدميات في بنوك الحليب ولو كان من غير مسلمة، أو من فاجرة، أو حمقاء، أو عمياء، أو جذماء، أو برصاء، أو فاطمةٍ ولدَها، أو مجنونة، أو سكرى، أو ميْتة (٣)، أو مخلوطًا بما يحفظه، ونحو ذلك مما يبقى معه إطلاق مسمى الحليب عليه، أو

стр. 236

مخلوطًا بحليب امرأة ثانية أو أكثر؛ حلب بواسطة آلات امتصاص الحليب وضخه (١) أو بغيرها، ولو كان منشأه أو عودان ثوبانه بفعل المدرات الصناعية (٢)، ولو كان إيصاله إلى جوف الرضيع بغير الالتقام المباشر من الثدي (٣)؛ كما لو تناوله سعوطًا أو وجورًا (٤)، أو بطريق البلعوم أو الرقبة أو المريء أو المعدة أو الاثني عشر أو الأمعاء الدقيقة؛ إبان استحداث فتحة بجراحة، أو بأنبوب، أو غير ذلك (٥)، ولو خلط مع الحليب ألبان البهائم أو مكملات غذائية مما يبقى معه مسمى الحليب ووصفه (٦)، أو كان قبل تمام انفصال الرضيع حيًّا (٧)، لا إن أُرضع مغمًى عليه فبان ميتًا، أو مجه من فمه، أو ارتجعه فور شربه (٨)، أو أعطي عيِّنةً يسيرة بغرض الاختبار وغيره، أو أضيفت قطرة ونحوها مع حليب آدمية أخرى، أو كان حقنًا بطريق الدبر (٩) أو الجهاز البولي أو العين أو الأذن (١٠)، ولا يشترط لبلوغ العدد المجزئ من الرضعات (١١) اتحاد طريقة إيصال الحليب إلى جوف الرضيع (١٢)، ولا فرق في ثبوت المحرمية بين المرتضعين من بنوك الحليب من امرأة واحدة بين أن يتفقا في الزمن أو يختلفا (١٣)، ولو ارتضع أحدهما بعد موت صاحبة اللبن بمدة طويلة. ثانيًا: لا يلتفت في بنوك الحليب إلى مرات سحب الحليب من المرضعة لتقدير عدد رضعات المستفيد، بل يقدر ذلك بما يتناوله الرضيع حتى يشبع، فتكون رضعة.

стр. 237

ثالثًا: يثبت التحريم في حليب بنوك الحليب إلى أصول المرضعة وأصول زوجها - إن كان ثمَّ زوجٌ - وفروعهما وحواشيهما، وإلى الرضيع وفروعه، ويستوي في ذلك كون المرضعة حائلًا أو حاملًا، بكرًا أو ثيبًا، ولو كانت آيسةً، أو خنثى، أو مطلَّقة ممن ثاب اللبن بسببه ولم تنكح غيره، أو متوفى عنها زوجها الذي ثاب اللبن بسببه ولم تنكح غيره؛ ما دام الخارج يسمى حليبًا، بأوصافه المعتادة. (١) رابعًا: إذا كان بنك الحليب في بلاد الكفار الحربيين؛ لم يمنع ذلك من ثبوت التحريم فيما بين من يرتضع فيه من أطفال المسلمين وأمهاتهم المرضعات هناك، ويستوي في ذلك ارتضاع أطفال المسلمين من هناك مباشرةً، أو بطريق استيراد الحليب بطلب من البنوك المحلية للمسلمين، ولا يثبت التحريم من ألبان البنوك التي لا تثبت نسبة الحليب إلى صاحبته. خامسًا: ثبوت التحريم في باب الرضاع يفيد جواز النظر والخلوة والمسافرة؛ دون سائر أحكام النسب؛ كالتوارث، ووجوب الإنفاق، والعتق إذا ملك رحمه المحرم بالرضاع، وسقوط القصاص، ورد الشهادة لأصله وفرعه من الرضاع، والعقل، وولاية النكاح والمال (٢).

стр. 238

المبحث الرابع حقن الحليب المطلب الأول حقيقة حقن الحليب كان مفهوم الحقن متداولاً منذ القرون الأولى، وتطرق الفقهاء منذ ذلك الحين إلى أثر الحقنة في الرضاع، غير أنهم أرادوا به غالبًا ما يتم إدخاله من طريق الدبر. (١) وأطلق مصطلح الحقن في الوقت المعاصر أيضًا على السوائل المعطاة عبر الوريد مباشرة، وذلك إذا لم تتمكن التغذية الأنبوبية من تقديم الاحتياجات الغذائية والسوائل لوجود مشاكل بالهضم، فيمكن في هذه الحال إعطاء سوائل مغذية مباشرة عن طريق الوريد حقنًا؛ في طريقة تُعرف بالتغذية غير المعوية أو التغذية الوريدية، والتي يمكن أن تغطي كامل الاحتياجات الغذائية للمريض، ودون الحاجة للإقامة بالمصحة في بعض الأحيان، وتتكون المغذيات الوريدية من خليط مركب من الجلوكوز والبروتين والدهون والفيتامينات والمعادن، ويتم تناولها بالحقن بالتسريب المتواصل لعدة ساعات على مدار اليوم، وهذا ما يسمى بالتغذية غير الهضمية. وثمة العديد من الأحوال التي تستدعي استخدام التغذية الوريدية؛ مثل: وجود انسداد بالأمعاء، أو إسهال أو تقيء حادَّين، أو عقب إجراء عمليات جراحية بالجهاز الهضمي، أو

стр. 239

عند عدم التمكن من الأكل الطبَعي، أو تعذر استخدام التغذية الأنبوبية لوجود تعقيدات ناجمة عن السرطان أو علاجاته. (١) غير أنه لا يوجد حتى الآن فيما اطلعت عليه أي نوع من الحليب يعطى عبر الوريد، ولذلك يتوجه الكلام في هذا المبحث فيما يرد عند ذكر أنواع حقن الحليب في الواقع المعاصر. المطلب الثاني أنواع حقن الحليب تتنوع طرق حقن الحليب في جسم الإنسان حسب ما وصل إليه العلم في العصر الحديث إلى طريقتين: ١ - استحداث فتحة في جسم الرضيع يتم من خلالها تغذيته بحليب الأم؛ لأي عارض صحي. (٢) ٢ - حقنه من طريق الدبر. (٣)

стр. 240

المطلب الثالث حكم استخدام حقن الحليب تحدث الفقهاء عن مسألة حقن بالحليب، وأثرها في إيقاع التحريم، من غير نكير (١)؛ الأمر الذي دل على إقرارهم بأن الأصل فيه الجواز، وإذا توقفت حياة المولود على ذلك؛ وجب فعل ما تسلم نفسه معه من الهلكة. المطلب الرابع أثر استخدام حقن الحليب في انتشار المحرمية في مستهل هذا المطلب أبتدأ بدراسة طائفة من المسائل التي نثرها الفقهاء فيما دونوه للخروج بالنتائج التي تبين أثر استخدام حقن الحليب في انتشار المحرمية. المسألة الأولى: ضابط الرضاع المحرم من حيث طريقة وصول الحليب إلى الرضيع . القول الأول: يعتبر وصول الحليب إلى المعدة ؛ سواء ارتضع الصبي أو حلب اللبن. وهو قول عامة العلماء؛ من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني: لا يشترط التقام الثدي لثبوت المحرمية في الارتضاع ؛ لكن لو التقم ثبت التحريم ولو لم يكن ثم حليب. يثبت التحريم بمحض الالتقام، ولو لم يقطع بوصوله إلى الجوف. وبه قال بعض المالكية (٦). القول الثالث: يشترط امتصاص الراضع من ثدي المرضعة بفيه ليكون الرضاع محرمًا . وبه قال الليث (٧)، ابن حزم (٨).

стр. 241

- الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - الحرمة الثابتة في الشريعة لا تتوقف على الإرضاع من الثدي، بل المدار على وصول اللبن إلى الجوف. (١) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (٢) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (٣) وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاةٍ يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضكم في قياسكم الفاسد، وشرعكم بذلك ما لم يأذن به الله . (٤) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن (٥)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٦)، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (٧) - كان هكذا. (٨) كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه. - الترجيح: الراجح ثبوت التحريم من الحليب الذي يتغذى به الرضيع إبان وصوله إلى جوفه بالقدر الذي يسد جوعته؛ لعموم النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية، ولأن الحليب إذا وصل إلى الجوف فقد تحقق معنى الغذاء الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم، وهذا المعنى هو الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، ومن ثمَّ فلا تأثير لطريق حصوله؛ لأن العبرة بالحقائق والمعاني, على أن اختلاط حليب الآدمية مع دم الرضيع بصبه في جراحته قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة, لكن المقصود هنا هو وصول الحليب إلى الجوف من دون أن يختلط بالدورة الدموية؛ كما لو أُدخل بأنبوب (٩). - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في المسألة الآنفة أثر في فروع فقهية، منها: ١ - إذا قطر الحليب في الإحليل، فوصل المثانة؛ فهل يقع به تحريم؟ من اشترط التقام الثدي لثبوت التحريم، ولم يعتبر معنى الغذاء بوصول الحليب إلى الجوف - وهو ابن حزم (١٠) -؛ لم يثبت بالتقطير في الإحليل شيئًا، ومن اعتبر معنى التغذية - وهم الجمهور (١١) -؛ اختلفوا؛ فمنهم من رأى ثبوت التحريم به، وهو قول عند الشافعية

стр. 242

(١)، ومنهم من رأى عدم ثبوت التحريم، وهو مذهب الحنفية (٢) والحنابلة (٣)، وما استظهره النووي (٤). ٢ - إذا كان على بطنه جراحة، فصب اللبن فيها حتى وصل الجوف؛ فمن اشترط التقام الثدي لثبوت التحريم؛ لم يعتبر ذلك الصبّ موجبًا للتحريم في مقتضى التخريج، ومن لم يشترطه؛ اعتبر هذا الصبّ موجبًا للتحريم إذا وصل إلى المعدة، وهو قول الشافعية (٥) ومقتضى قول الجمهور، غير أن النووي استظهر عدم ثبوت التحريم إذا وصل إلى الجوف لا المعدة (٦)، والسبب - والله أعلم - أنه لم ير مع الجراحة مجالًا للاغتذاء. ٣ - ما حلب في الفم، فابتلعه الصبي. من اشترط التقام الثدي لثبوت التحريم، ولم يعتبر معنى الغذاء بوصول الحليب إلى الجوف - وهو ابن حزم (٧) -؛ لم يثبت التحريم بما يبلعه الصبي من ألبان الآدميات بعد حلبه في فمه، ولو كان ذلك غذاءه دهره كله! ومن اعتبر معنى التغذية - وهم الجمهور (٨) -؛ أثبت التحريم به (٩). بيد أن ابن حزم لما تحدث عن هذه المسألة على واجه الخصوص؛ انتهى إلى أن ما حلب في فيِّ الصبي فبلعه؛ لا يحرم شيئًا، ٤ - إثبات التحريم بالسعوط والوجور من ألبان الآدميات. من اشترط التقام الثدي لثبوت التحريم، ولم يعتبر معنى الغذاء بوصول الحليب إلى الجوف - وهو ابن حزم (١٠) -؛ لم يثبت التحريم بما يصب في الأنف - وهو السعوط - أو الفم - وهو الوجور -

стр. 243

من ألبان الآدميات (١)، وعلى ذلك كان مذهب داود (٢)، وأحمد في إحدى الروايتين واختيار بعض الحنابلة (٣). ومن اعتبر معنى التغذية - وهم الجمهور (٤) -؛ اتفقوا على إثبات التحريم في الوجور (٥)، وعداه جمهورهم إلى السعوط أيضًا (٦). ٥ - إذا تغذى الصبي بأي طريق من حليب آدمية ثبت به التحريم؛ كما لو أدخل الحليبُ في فمه، أو أنفه، أو بلعومه، أو رقبته، أو مريئه، أو معدته؛ حقنًا، أو بالأنابيب؛ إبان استحداث فتحة؛ في مقتضى قول الجمهور، ولا يثبت به التحريم في قول ابن حزم. ٦ - جواز مس الأجنبي الكبير - عند ابن حزم - ثديَ الأجنبية والتقام ثديها إذا أراد أن يرتضع منها مطلقًا. (٧)

стр. 244

٧ - يثبت التحريم من ألبان بنوك الحليب التي يتناولها الرُّضَّعُ في قول الجمهور، ولا يثبت فيما ذهب إليه أبو محمد ابن حزم. ٨ - إذا أرضع الطفل من خلال ما حلب من الثدي بواسطة آلات امتصاص الثدي المعاصرة؛ ثبت به التحريم في قول الجمهور، خلافًا لا بن حزم. المسألة الثانية: صب الحليب في جراحة البطن . صورة المسألة: إذا وصل حليب الآدمية إلى معدة الرضيع أو جوفه بطريق الجراحة؛ فهل في ذلك ما يثبت التحريم؟ بحث بعض فقهاء المسلمين هذه المسألة، وكانت أقوالهم فيها كما يأتي: القول الأول: لا يثبت به التحريم؛ إلا أن يصل إلى المعدة. وهو المذهب عند الشافعية (١). القول الثاني: لا يحرم شيئًا مطلقًا. وهو مفهوم قول ابن حزم (٢)؛ حيث يرى أن ما يسقاه الصبي من لبن المرأة عن طريق لا تتحقق فيه مادة المص المباشر بفم الراضع من ثدي المرضع؛ لا يحرم شيئًا، ولو كان ذلك غذاءه دهره كله. (٣) - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - لخرق الأمعاء. (٤) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع بفيه

стр. 245

الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (٢) وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاة يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد، وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله . (٣) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن (٤)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٥)، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (٦) - كان هكذا. (٧) كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه.

стр. 246

- الترجيح: الراجح ثبوت التحريم من الحليب الذي يصب في الجراحة إذا تغذى منه الجسم؛ بحيث يمكنه العيش معه لو لم يطعم سواه، وذلك؛ لعموم النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية، ولأن حليب الآدمية إذا وصل إلى الجوف بأي طريق فقد تحقق معنى الغذاء الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم، وهذا المعنى هو الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم؛ كما لو وصل الحليب إلى الجوف بطريق الفم. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في المسألة الآنفة أثر في الفروع الآتية: ١ - إذا استحدثت جَراحة لإيصال حليب الآدمية بأنبوب إلى معدة الرضيع أو الاثني عشر أو أمعائه الدقيقة (١)، وحصل به الغذاء؛ ثبت به التحريم على ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، ولم يثبت به التحريم فيما ذهب إليه أصحاب القول الثاني. المسألة الثالثة: حقن الحليب من طريق الدبر . ينصرف إطلاق الفقهاء إزاء الحقن في باب الرضاع إلى الألبان المحقونة من طريق الدبر، وقد اختلف الفقهاء في أثر الحقنة في ثبوت التحريم؛ على ما يأتي: القول الأول: لا تحرم الحقنة شيئًا. وبه قال الحنفية (٢)، وبعض المالكية؛ كابن القاسم (٣)، وهو المذهب عند الشافعية (٤)، ومذهب الحنابلة المنصوص عليه (٥) الذي عليه جماهير الأصحاب (٦)، وابن حزم (٧). القول الثاني: تحرم إن كانت غذاءً؛ يعني: أنها تصل إلى محل الغذاء. وبه قال المالكية (٨)، ونسب إلى الشافعي (٩).

стр. 247

القول الثالث: تنشر الحرمة. وبه قال بعض المالكية؛ كابن حبيب (١)، وحكاه الشافعي قولًا (٢)، ونسبه إليه بعض فقهاء المذاهب (٣)، وظاهر مذهب الشافعية إذا بلغ الأمعاء (٤)، واختيار البغوي (٥)، وقال به ابن حامد من الحنابلة (٦)، وحكاه رواية (٧)، واختاره ابن أبي موسى (٨)؛ بيد أن ابن حبيب قال: تحرم، ولو لم يصل إلى الجوف (٩). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن الحقنة لا تصل إلى موضع الغذاء (١٠)، وهو المعدة (١١)؛ فلم ينشر الحرمة؛ لأنه ليس رضاعًا، ولا حصل به التغذي (١٢)، كما لو قطر في إحليله. (١٣) ٢ - إنه لا تأثير له في إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم؛ إذ لا يصل إلى المعدة، وهي موضع الغذاء (١٤)، والعلة هي إنبات اللحم وإنشاز العظم، لا حصوله في الجوف. (١٥)

стр. 248

٣ - قياسًا على مرور اللبن على سطح الجسم؛ بجامع عدم تحصيل الغذاء، ولو وصل للجوف مستهلكًا. (١) ٤ - كما لو قطر في إحليله. (٢) ٥ - إنه ليس برضاع، ولا في معناه؛ فلم يجز إثبات حكمه فيه. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم تفطرون بها الصائم. (٤) وأجيب عنه: بأن الفطر للصائم لا يعتبر فيه إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم، وهذا لا يحرم فيه إلا ما أنبت اللحم، وأنشز العظم. (٥) وبأن اللبن وصل إلى الباطن من غير الحلق؛ أشبه ما لو وصل من جرح. (٦) ٦ - إن اللبن وصل إلى الباطن من غير الحلق، أشبه ما لو وصل من جرح. (٧) ٧ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (٨) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (٩)

стр. 249

وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاةٍ يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضكم في قياسكم الفاسد، وشرعكم بذلك ما لم يأذن به الله . (١) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن (٢)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٣)، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق، أو التقامًا للثدي، أو حقنًا في الدبر، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (٤) - كان هكذا. (٥) كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - حصول المقصود. (٦) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - إنها تفطر الصائم لو احتقن (٧)، وهو سبيل يحصل بالواصل منه الفطر، فتعلق به التحريم؛ كالرضاع. (٨)

стр. 250

ونوقش بما يأتي: أ- إن الحقنة لا يعتبر فيه إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم، وهذا لا يحرم فيه إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم. (١) - الترجيح: الراجح أنه لا يثبت التحريم من الحليب الذي يحقن به دبرُ الرضيع؛ لأن السبب الذي نصبه الشارع للتحريم هو الغذاء، وليس طريق الدبر مدخلًا للأغذية، ولا هو أكلًا أو شربًا، ولا في معناهما؛ لأن الأمعاء الغليظة وإن كانت تمتص سوائل الفضلات وغيرها بشكل ضعيف؛ إلا أن الوظيفة الأساسية لها هي تكوين البراز وطرده إلى الخارج، وما يدخل فيها يخرج غالبًا ولا يستقر، وإن استقر فهو لا يغني عن الأكل والشرب، وإذا كان كذلك؛ فهو مما لا يسد مجاعة الرضيع، ولا يلحقه وصف التحريم (٢). - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية ١ - إذا كوّنت أقراص بألبان الآدميات، وحقن بها الرضيع؛ لم يثبت بها التحريم في قول الجمهور، ويثبت بها التحريم في قول بعض المالكية وبعض الحنابلة. ٢ - إذا وصل حليب الآدمية إلى المستقيم بطريق الأنابيب؛ لم يثبت به التحريم في قول الجمهور، ويثبت بها التحريم في قول بعض المالكية وبعض الحنابلة. - سبب الخلاف: يرجع منشأ الخلاف في هذه المسألة إلى ما يأتي: ١ - إذا نصب الشرع سببًا - كالرضاع - لا شتماله على حكمة؛ فهل يقتصر عل عين السبب - كالالتقام من الثدي -، أو تعتبر الحكمة؟ فقالت طائفة: يقتصر على عين السبب؛ لأن الشرع لم ينصب غيره، (٣) وهؤلاء لم يروا في حقنة الحليب شيئًا ينشر المحرمية، وهو ما قال به ابن حزم (٤). وقالت طائفة: يجوز اعتبار الحِكَم؛ لأنها أصل وضع السبب، والأصل أقوى من الفرع؛ كما شرعت السرقة سببًا في القطع لحكمة صون الأموال، والزنا سببًا للحد لحكمة صون
следующие страницы →