← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

- الترجيح: الراجح ثبوت التحريم من الحليب الذي يصب في الجراحة إذا تغذى منه الجسم؛ بحيث يمكنه العيش معه لو لم يطعم سواه، وذلك؛ لعموم النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية، ولأن حليب الآدمية إذا وصل إلى الجوف بأي طريق فقد تحقق معنى الغذاء الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم، وهذا المعنى هو الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم؛ كما لو وصل الحليب إلى الجوف بطريق الفم. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في المسألة الآنفة أثر في الفروع الآتية: ١ - إذا استحدثت جَراحة لإيصال حليب الآدمية بأنبوب إلى معدة الرضيع أو الاثني عشر أو أمعائه الدقيقة (١)، وحصل به الغذاء؛ ثبت به التحريم على ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، ولم يثبت به التحريم فيما ذهب إليه أصحاب القول الثاني. المسألة الثالثة: حقن الحليب من طريق الدبر . ينصرف إطلاق الفقهاء إزاء الحقن في باب الرضاع إلى الألبان المحقونة من طريق الدبر، وقد اختلف الفقهاء في أثر الحقنة في ثبوت التحريم؛ على ما يأتي: القول الأول: لا تحرم الحقنة شيئًا. وبه قال الحنفية (٢)، وبعض المالكية؛ كابن القاسم (٣)، وهو المذهب عند الشافعية (٤)، ومذهب الحنابلة المنصوص عليه (٥) الذي عليه جماهير الأصحاب (٦)، وابن حزم (٧). القول الثاني: تحرم إن كانت غذاءً؛ يعني: أنها تصل إلى محل الغذاء. وبه قال المالكية (٨)، ونسب إلى الشافعي (٩).

стр. 247

القول الثالث: تنشر الحرمة. وبه قال بعض المالكية؛ كابن حبيب (١)، وحكاه الشافعي قولًا (٢)، ونسبه إليه بعض فقهاء المذاهب (٣)، وظاهر مذهب الشافعية إذا بلغ الأمعاء (٤)، واختيار البغوي (٥)، وقال به ابن حامد من الحنابلة (٦)، وحكاه رواية (٧)، واختاره ابن أبي موسى (٨)؛ بيد أن ابن حبيب قال: تحرم، ولو لم يصل إلى الجوف (٩). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن الحقنة لا تصل إلى موضع الغذاء (١٠)، وهو المعدة (١١)؛ فلم ينشر الحرمة؛ لأنه ليس رضاعًا، ولا حصل به التغذي (١٢)، كما لو قطر في إحليله. (١٣) ٢ - إنه لا تأثير له في إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم؛ إذ لا يصل إلى المعدة، وهي موضع الغذاء (١٤)، والعلة هي إنبات اللحم وإنشاز العظم، لا حصوله في الجوف. (١٥)

стр. 248

٣ - قياسًا على مرور اللبن على سطح الجسم؛ بجامع عدم تحصيل الغذاء، ولو وصل للجوف مستهلكًا. (١) ٤ - كما لو قطر في إحليله. (٢) ٥ - إنه ليس برضاع، ولا في معناه؛ فلم يجز إثبات حكمه فيه. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم تفطرون بها الصائم. (٤) وأجيب عنه: بأن الفطر للصائم لا يعتبر فيه إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم، وهذا لا يحرم فيه إلا ما أنبت اللحم، وأنشز العظم. (٥) وبأن اللبن وصل إلى الباطن من غير الحلق؛ أشبه ما لو وصل من جرح. (٦) ٦ - إن اللبن وصل إلى الباطن من غير الحلق، أشبه ما لو وصل من جرح. (٧) ٧ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (٨) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (٩)

стр. 249

وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاةٍ يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضكم في قياسكم الفاسد، وشرعكم بذلك ما لم يأذن به الله . (١) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن (٢)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٣)، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق، أو التقامًا للثدي، أو حقنًا في الدبر، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (٤) - كان هكذا. (٥) كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - حصول المقصود. (٦) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - إنها تفطر الصائم لو احتقن (٧)، وهو سبيل يحصل بالواصل منه الفطر، فتعلق به التحريم؛ كالرضاع. (٨)

стр. 250

ونوقش بما يأتي: أ- إن الحقنة لا يعتبر فيه إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم، وهذا لا يحرم فيه إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم. (١) - الترجيح: الراجح أنه لا يثبت التحريم من الحليب الذي يحقن به دبرُ الرضيع؛ لأن السبب الذي نصبه الشارع للتحريم هو الغذاء، وليس طريق الدبر مدخلًا للأغذية، ولا هو أكلًا أو شربًا، ولا في معناهما؛ لأن الأمعاء الغليظة وإن كانت تمتص سوائل الفضلات وغيرها بشكل ضعيف؛ إلا أن الوظيفة الأساسية لها هي تكوين البراز وطرده إلى الخارج، وما يدخل فيها يخرج غالبًا ولا يستقر، وإن استقر فهو لا يغني عن الأكل والشرب، وإذا كان كذلك؛ فهو مما لا يسد مجاعة الرضيع، ولا يلحقه وصف التحريم (٢). - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية ١ - إذا كوّنت أقراص بألبان الآدميات، وحقن بها الرضيع؛ لم يثبت بها التحريم في قول الجمهور، ويثبت بها التحريم في قول بعض المالكية وبعض الحنابلة. ٢ - إذا وصل حليب الآدمية إلى المستقيم بطريق الأنابيب؛ لم يثبت به التحريم في قول الجمهور، ويثبت بها التحريم في قول بعض المالكية وبعض الحنابلة. - سبب الخلاف: يرجع منشأ الخلاف في هذه المسألة إلى ما يأتي: ١ - إذا نصب الشرع سببًا - كالرضاع - لا شتماله على حكمة؛ فهل يقتصر عل عين السبب - كالالتقام من الثدي -، أو تعتبر الحكمة؟ فقالت طائفة: يقتصر على عين السبب؛ لأن الشرع لم ينصب غيره، (٣) وهؤلاء لم يروا في حقنة الحليب شيئًا ينشر المحرمية، وهو ما قال به ابن حزم (٤). وقالت طائفة: يجوز اعتبار الحِكَم؛ لأنها أصل وضع السبب، والأصل أقوى من الفرع؛ كما شرعت السرقة سببًا في القطع لحكمة صون الأموال، والزنا سببًا للحد لحكمة صون

стр. 251

الأنساب، وهاهنا شرع الرضاع سببًا للتحريم؛ حكمةَ كونه يغذي حتى يصير جزء المرأة الذي هو لبنها جزء المرضع؛ كما صار منيُّها وطمثها جزءًا من الولد في النسب، فإذا حصلت المشاركة؛ حصلت البنوة (١)، وهؤلاء لم يروا في انتفاء مادة التقام الثدي موجبًا لنفي التحريم في حُقَن الحليب الدُّبُريَّة، وهو ما انتهى إليه رأي الجمهور. (٢) المسألة الرابعة: اشتراط وصول اللبن على صفة واحدة . صورة المسألة: إذا اختلفت طرق تناول المرتضع من حليب مرضعته؛ فالتقم من ثديها في بعض المرات، وأوجرته أو أسعطته أو حقنته في مرات أخرى؛ فهل يثبت بهذه الرضعات مختلفةِ الهيئات تحريم عند من يقيد ثبوت التحريم بعدد؟ أو يشترط لثبوت التحريم أن تكون الرضعات على صفة واحدة في جميع الدفعات؟ والجواب: هو أنه لا يشترط وصول اللبن أن يكون على صفة واحدة لإثبات التحريم به، بل لو ارتضع في بعضها بفيه من الثدي مباشرة، وأوجر في بعضها، وأسعط في بعضها حتى تم العدد - على اختلاف تقديره عند من يقول بمادة العدد -؛ ثبت التحريم؛ لأن مدار التحريم على وصول اللبن إلى الجوف؛ حيث مظنة تغذي الجسم به، وقد جعلوا السعوط وغيره كالرضاع من الثدي مباشرة في أصل التحريم، فكذلك في إكمال العدد (٣). وهو مقتضى قول الحنفية (٤)، ومذهب الشافعي (٥)، وقول الشافعية (٦)، ومذهب الحنابلة (٧).

стр. 252

ولختام هذا المطلب أبين النتائج الآتية: أولًا: إذا تغذى الصبي بأي طريق من حليب آدمية ثبت به التحريم ولو اختلفت طرق إيصاله إلى الجوف لبلوغ العدد المجزئ؛ كما لو حقن الحليب في بلعومه، أو في مريئه، أو معدته، أو الاثني عشر؛ إبان استحداث فتحة بجراحة. ثانيًا: إذا كوّنت أقراص بألبان الآدميات، وحقن بها الرضيع؛ لم يثبت بها التحريم.

стр. 253

المبحث الخامس حليب الأنابيب المطلب الأول حقيقة حليب الأنابيب قد يستدعي الأمر في بعض الحالات اللجوء إلى التغذية بالأنابيب، حين يصعب على المريض تناول القدر الكافي من الغذاء والسوائل لمختلف الأسباب، وتزداد احتياجاته من السعرات الحرارية والمغذيات. وتكون تغذية الأنابيب بإدخال أنبوب مرن ورفيع القطر عبر الأنف وصولًا إلى المعدة غالباً؛ ويكون اختيار مقاس الأنبوب ونوعه بحسب عمر الطفل، ومدة استخدامه؛ لتُدفع بعد ذلك من خلاله الأغذية المختلفة بصورة سائلة وبخلطات محددة، وتوفر هذه الطريقة في كثير من الأحيان كامل الاحتياجات الغذائية، وبما أن التغذية الأنبوبية تعتبر تغذية إجبارية؛ فلا ينظر فيها لإحساس المريض جوعاً وشبعاً، وبحسب الخطة يكون تحديد الكمية والوقت، بعكس التغذية عن طريق الفم التي يكون فيها تذوق الطعام وطلبه على حسب الرغبة، وقد يتمكن المريض في بعض الأحيان من الأكل بطريقة عادية مع وجود الأنبوب الذي يكون صغير القطر بحيث لا يعيق عملية البلع. وتجدر الإشارة إلى وجود نوع آخر من الأنابيب التي يتم تركيبها بشكل أكثر ديمومة، وهي الأنابيب التي تزرع جراحيًّا؛ سواء مباشرة إلى المعدة فيما يُعرف بعملية تفميم المعدة (gastrostomy)، أو داخل الأمعاء فيما يُعرف بالتفميم المعّي الصائم (jejunostomy)، ويمكن استخدام هذه الأنابيب دون الحاجة للإقامة بالمصحة. (١) وهو إلى جانب تسميته أنبوب المعدة، أو التغذية الأنبوبية؛ فقد يطلق عليه في الأوساط الطبية مصطلح: الإطعام القسري. (٢)

стр. 254

المطلب الثاني أنواع أنابيب الحليب تنقسم أنابيب الحليب من حيث طريقة إيصال الحليب إلى نوعين: النوع الأول: التسريب المستمر، أو التغذية بالتقتير . وهو ما يتم فيه تقطير أو تنقيط الحليب في الأنبوب بتواتر بطيء وثابت. الآخر: التغذية بالتزقيم . وهو ما يتم فيه إعطاء الكميات المحسوبة دفعة واحدة من الحليب عبر الأنبوب؛ كل بضع ساعات. وفي كلا الطريقتين عادةً ما تكون الكميات صغيرة جداً في البداية، وتتم زيادتها تدريجياً. (١) كما تنقسم أنابيب حليب الطفل من حيث نوعُ الأنبوب وغذاؤُه، إلى قسمين: النوع الأول: أنبوب المعدة، أو التغذية الأنبوبية . تستعمل التغذية الأنبوبية في حالة عدم تمكن المريض من التغذية الطبعية بالفم؛ كما لو فقد المريض الوعي الكامل أو الجزئي، أو فقد الشهية فقدًا عصبيًّا مستمرًّا، أو كان مصابًا بشلل العضلات الخاصة بالمضغ أو البلع، أو فشل الكلى الوظيفي،

стр. 255

أو قرحة المعدة المقاومة للعلاج الروتيني (١)، أو عند وجود كسر في الرقبة أو الرأس، أو في حالات السرطان في أحد أجزاء الجهاز الهضمي، وحالات جراحة الدماغ، وحالات انسداد البلعوم، والحالات التي تكون فيها جراحات في القناة الهضمية، وحالات الحروق الشديدة، وحالات الاضطرابات العصبية الشديدة المصحوبة بالأعراض المانعة من الطعام مناولةً، وحالات الإغماءات الناتجة عن ارتفاع حموضة الدم لزيادة الكيتونات، أو عندوجود أمراض نفسية معينة، إلى غير ذلك من الأمراض الأخرى التي تمنع من تناول الطعام، وتعد أفضل طريقة للتغذية في الحالات التي يعجز فيها المريض عن تناول طعامه بالصورة الطبَعية. وهنا أشير إلى طرق التغذية الأنبوبية، وهي: ١ - عن طريق الأنف إلى البلعوم، ثم المعدة، ويصل إلى الاثني عشر أحيانًا. ٢ - عن طريق المعدة؛ بثقب يوازي المعدة، وتفضل هذه الطريقة إذا كانت المشكلة الصحية مزمنة ٣ - عن طريق الرقبة؛ بثقب يصل إلى الاثني عشر. ٤ - عن طريق الأمعاء الدقيقة، ويكون الثقب بجوارها مباشرة، وتفضل هذه الطريقة إذا كانت المشكلة الصحية مزمنة. ٥ - عن طريق المستقيم. وتتميز التغذية الأنبوبية بما يأتي: ١ - تمر الأنبوبة بدون أي خطر أو احتياطات. ٢ - يمكن إدخال الأنبوبة وإخراجها عدة مرات في اليوم. ٣ - لا يشترط تعقيم الغذاء.

стр. 256

ولهذه التغذية الأنبوبية خصائص تتمثل فيما يأتي: ١ - تقديم كفاية غذائية. ٢ - أن يتقبلها المريض ولا يصاب بقيء. ٣ - أن تكون سهلة الهضم. ٤ - أن تكون الوجبة الغذائية سهلة الهضم. ٥ - تلاؤم نسبة البروتين مع الدهون والكربوهيدرات؛ لئلا يتعرض المريض لعواقب صحية. ٦ - حصول المريض على قدر كاف من السوائل. كما أن للتغذية الأنبوبية أنوعًا، وهي: ١ - غذاء أساسية الحليب. ٢ - غذاء طبَعي؛ محضر بالخلاط. ٣ - تحضيرات مركبة من المستحضرات الغذائية الجاهزة. ويكون اختيار النوع بتقدير الأخصائي، والذي يعتمد غالبًا في معاييره على عمر المريض، وحالته الطبية، ونوع الأنبوب المستخدم، واحتياجه من السعرات والمغذيات والسوائل، ومدى مقدرة الجهاز الهضمي على الهضم والامتصاص. ولكن لا تخلو الأغذية الأنبوبية من إشكالات، حين تتكون بعض المشاكل المصاحبة للتغذية الأنبوبية، وغالبًا ما تكون في بداية الخطة المتبعة؛ مثل: الارتجاع، والغثيان، والإسهال، والإمساك، وانتفاخ البطن، وانسداد الأنبوب، وفي الجملة يمكن التحكم فيها بشكل جيد مع التقييم المستمر للمريض. وأخيرًا؛ هناك شروط وضعها أهل الاختصاص لاستعمال الأغذية الأنبوبية، وعلى رأسها: ١ - أن يكون الجهاز الهضمي في حالة جيدة؛ بحيث يعمل بكفاءة. (١)

стр. 257

النوع الآخر: أنبوب المكملات الغذائية . يتم إدخال أنبوب المكملات الغذائية الدقيق في فم الرضيع موضوعًا بجوار حلمة الثدي، وذلك حين يحتاج الطفل إلى مكملات غذائية أخرى إزاءَ حليب الأم. ويسمى هذا الأنبوب: أنبوب الإرضاع؛ لمصاحبته عملية الرضاعة الطبَعي من الأم. ويفضل دائمًا أن يحصل الطفل على المكملات الغذائية من خلال أنبوب الإرضاع إلى جانب حلمة الثدي وهو يرتضع؛ للأسباب الآتية: ١ - إن حليب الأم هو مصدر الغذاء الرئيس. ٢ - تعويد الطفل على ممارسة الرضاعة الطبَعية. ٣ - ممارسة الأم للرضاعة الطبَعية. ٤ - زيادة إنتاج حليب الأم. ٥ - عدم رفض الطفل حليب الأم مستقبلاً؛ بخلاف ما لو كان تعاطي تلك المكملات الغذائية عن طريق زجاجة الرضاعة، أو أي وسيلة أخرى غير الثدي. ٦ - تهيئة الاحتكاك الجسدي المباشر بين الأم وطفلها، وما يلحقه من آثار إيجابية نفسية، وغيرها. ويذكر الفنيون طريقتين لإعطاء الطفل هذا الأنبوب: الطريقة الأولى: إيلاجه في فم الرضيع عندما يكون الرضيع يرضع من ثدي أمه. الطريقة الأخرى: وضع الأنبوب بموازاة الحلمة؛ ليلتقم الطفل الحلمة مع الأنبوب في الوقت نفسه. (١)

стр. 258

المطلب الثالث حكم استخدام حليب الأنابيب حكم استخدام أنابيب الحليب جارٍ على الإباحة؛ كما هي في أصل الأشياء؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩]، وما أخبر الله بذلك إلا لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع سوى ما ورد في الشرع المنع منه لضرره (١)، وأنابيب الحليب من خلقه. المطلب الرابع أثر استخدام حليب الأنابيب في انتشار المحرمية ينبغي لبيان أثر استخدام حليب الأنابيب في انتشار المحرمية الإتيان على المسائل الآتية: المسألة الأولى: أثر السعوط (٢) والوجور (٣) في الرضاع . صورة المسألة: إذا أرضع الصبي بحليب الآدمية بصبه في أنفه أو فمه، فقد اختلف الفقهاء في أثر هذا السَّعُوط والوَجُور على ثبوت التحريم به، وجملة أقوالهم هي: القول الأول: السعوط والوجور يحرمان كما يحرم الرضاع. وبه قال الشعبي (٤)، والثوري (٥)، والحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية على المذهب (٨)، وأصح الروايتين عن أحمد (٩) وعليها أكثر الأصحاب (١٠)، على أنَّ بعض المالكية - كابن

стр. 259

حبيب - صرح بأن السعوط يحرِّم ولو لم يُعلم وصوله إلى الجوف (١)، في حين إن النووي اشترط وصول الوجور إلى المعدة إذا أوجر في حلقه، ووصول السعوط إلى الدماغ إذا صب في أنفه. (٢) القول الثاني: الوجور يحرم، دون السعوط؛ فلا يحرم. وهو ما نسب إلى عطاء (٣)، ومالك (٤)، وبه قال بعض المالكية؛ كابن القاسم (٥)، وهو قول عند الشافعية (٦). القول الثالث: السعوط والوجور لا يثبت بهما التحريم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٧)، واختيار أبي بكر (٨)، ومذهب داود (٩)، وابن حزم (١٠)

стр. 260

- الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - قول النبي ﷺ : "الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (١)، وقوله في حديث ابن مسعود: "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم" (٢)، وهذا المعنى يحصل بالسعوط والوجور؛ لأن السعوط يحصل إلى الدماغ وينزل إلى الجوف؛ فيغذي ويسد الجوعة، ومدار الحكم على وصول اللبن إلى الجوف، والوجور يصل إلى الجوف فيغذي (٣). ٢ - إن هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع ويطرد الجوع، ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع، فيجب أن يساويه في التحريم، والأنف سبيل الفطر للصائم، فكان سبيلًا للتحريم؛ كالرضاع بالفم. (٤) ونوقش بما يأتي: أ- إن المعنى الذي ذكرتم لا يوجد في السعوط؛ لأنه لا يرفع به شيء من الجوع. (٥) وأجيب عنه: بعدم التسليم؛ بل هو يدفع الجوع. (٦)

стр. 261

ونوقش الجواب: بأن حظ السعوط من ذلك كحظ الكحل والتقطير في العين باللبن سواء بسواء؛ لأن كل ذلك واصل إلى الحلق ثم إلى الجوف؛ فلم فرقتم بين الكَحل به وبين السعوط به؟ هذا وأنتم تقولون (١): إن من قطر شيئًا من الأدهان في أذنه وهو صائم فإنه يفطر، وكذلك إن احتقن؛ فإن كان ذلك يصل إلى الجوف؛ فهم لَا يحرمون بما يصل إليه من اللبن بالحقن أو الاكتحال شيئًا، وإن كان لا يصل إلى الجوف فلم فطرتم به الصائم؟ وهذا تلاعب لا خفاء به. (٢) ولم قلتم (٣): إن جُعل لبن المرأة في طعام وطبخ، وغاب اللبن أو صب في ماء، فكان الماء هو الغالب، فسقي الصغير ذلك الماء أو أطعم ذلك الطعام؛ لم يقع به التحريم. وأيضًا فإنهم (٤) يحرمون بالنقطة تصل إلى جوفه، وهي لا تدفع عندهم شيئًا من المجاعة؛ فظهر خلافهم للخبر الذي موّهوا بأنهم يحتجون به. (٥) ب - إنكم قلتم (٦): لا يحرم الكحل للصبي باللبن، ولا صبُّه في العين أو الأذن، ولا الحقنة به، ولا مداواة الجائفة به، ولا المأمومة به، ولا تقطيره في الإحليل. وقلتم: لو طبخ طعام بلبن امرأة حتى صار مرقة نضجة، وكان اللبن ظاهرًا فيها غالبًا عليها بلونه وطعمه، فأُطعمه صغير لم يحرم ذلك عليه نكاح التي اللبن منها، ولا نكاح بناتها، وكذلك لو ثرد له خبز في لبن امرأة، فأكله كله؛ لم يقع بذلك تحريم أصلًا، فقولكم: السعوط والوجور يحرمان كتحريم الرضاع؛ تناقض منكم في هذا. (٧) ج - إن هذا الخبر حجة لنا؛ لأنه ﵊ إنما حرم بالرضاعة التي تقابل بها المجاعة، ولم يحرم بغيرها شيئًا؛ فلا يقع تحريم بما قوبلت به المجاعة من أكل أو

стр. 262

شرب أو وجور أو غير ذلك؛ إلا أن يكون رضاعة كما قال رسول الله ﷺ ، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩]. (١) ٣ - ما روى سالم بن أبي الجعد مولى الأشجعي؛ أن أباه أخبره أنه سأل علي بن أبي طالب ﵁؛ فقال: إني أردت أن أتزوج امرأة؛ قد سقتني من لبنها وأنا كبير؛ تداويت؟ فقال له علي: لا تنكحها، ونهاه عنها. وكان علي بن أبي طالب يقول: إن سقته امرأته من لبن سريته، أو سقته سريته من لبن امرأته لتحرمها عليه؛ فلا يحرمها ذلك. (٢) ونوقش بما يأتي: أ- هذا عليهم لا لهم؛ لأن فيه رضاع الكبير والتحريم به، وهم لا يقولون بذلك، وفيه أن رضاع الضرائر لا يحرم عند علي، وهم لا يقولون بهذا. (٣) أدلة القول الثاني: تقدم الاستدلال على تعلق التحريم باللبن وجورًا أثناء إيراد أدلة القول الأول، واستدلوا على أن السعوط لا ينشر المحرمية بما يأتي: ١ - إن مرور اللبن في الدماغ كمروره على سطح الجسم؛ لا يحصل غذاء، ولو وصل للجوف وكان مستهلكًا. (٤) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - إن هذا ليس برضاع، وإنما حرم الله تعالى ورسوله ﷺ بالرضاع (٥)، وهو ما مص من الثدي. (٦) ٢ - إنه حصل من غير ارتضاع، فأشبه ما لو دخل من جرح في بدنه. (٧)

стр. 263

٣ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (٢) وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاة يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد، وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله . (٣) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن (٤)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٥)، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق أو الأنف، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (٦) - كان هكذا. (٧)

стр. 264

كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه. - الترجيح: الراجح ثبوت التحريم من الحليب الذي يوجر به الرضيع أو يسعط، وذلك؛ لعموم النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية، ولأن حليب الآدمية إذا وصل إلى الجوف بأي طريق فقد تحقق معنى الغذاء الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم، وهذا المعنى هو الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، وكما يصل الحليب بطريق الفم فهو يصل بطريق الأنف؛ لأن الأنف منفذ من منافذ الجهاز الهضمي، وأما الاعتقاد باتصال الأنف بالدماغ؛ فقد ثبت في الطب الحديث أنه لا علاقة بين الأنف والدماغ، وأن جدارًا يحول دون ذلك (١). - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - لو أرضعت امرأة صبيًّا أربع رضعات، ثم حلب منها لبن، ثم ماتت، فأوجره الصبي بعد موتها؛ كان ابنها، وهو ماصرح به الشافعي (٢)، ومقتضى قول الجمهور، خلافًا لابن حزم. ٢ - إذا تغذى الرضيع من حليب الآدمية بطريق الأنابيب التي تدخل من طريق الأنف أو الفم؛ ثبت بها التحريم في قول الجمهور، ولم يثبت بها التحريم مطلقًا؛ في قول ابن حزم، ولم يثبت التحريم بما كان من طريق الأنف فيما نسب إلى عطاء ومالك، وبعض المالكية والشافعية. - سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ما يأتي: ١ - الاحتجاج بالقياس الخفي. فمن احتج به - وهم الجمهور -؛ عدَّى الحرمة إلى كل لبن آدمية يتوافق مع التقام الثدي في تقوية العظم وإنبات اللحم، ومنه التوجير والتسعيط. ومن خالف في هذا من الظاهرية؛ لم يعتبر في الحرمة بغير التقام الثدي والمص المباشر. (٣)

стр. 265

قال أ. د. عبدالكريم النملة ت ١٤٣٥ هـ: لو لم نعمل بالقياس لأدى ذلك إلى خلو أكثر الحوادث بدون أحكام؛ لقلة النصوص، وكثرة الحوادث والصور التي لا نهاية لها، وبناءً على ذلك: إذا دخل اللبن إلى جوف الصبي - دون السنتين - عن طريق الأنف، أو صب اللبن في الحلق ودخل الجوف؛ فإنه يثبت الرضاع؛ قياسًا على التقام الثدي، والجامع: أن كلًّا منهما يقوي العظم وينبت اللحم، هذا على الراجح، وقيل: إن هذا لا يثبت الرضاع؛ فلا يثبت الرضاع ولا يحرم إلا ما وصل إلى الجوف عن طريق التقام الثدي ا. هـ (١) المسألة الثانية: أنبوب الأذن . صورة المسألة: إذا صُبَّ حليبُ الآدميةِ في أذن المرتضع؛ فهل يكون للحليب حينئذ أثر في ثبوت التحريم؟ وقع اختلاف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: يثبت به التحريم. وبه قال بعض الشافعية (٢). القول الثاني: لا يثبت به التحريم. وبه قال بعض الشافعية (٣)، ومال إليه النووي (٤)، وعليه مذهب ابن حزم (٥). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ. (٦) ٢ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع

стр. 266

بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (٢) وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاة يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد، وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله . (٣) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن (٤)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٥)، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق أو الأنف، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (٦) - كان هكذا. (٧) كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه.

стр. 267

- الترجيح: الراجح أن الحليب الذي يدخل إلى الجسم من طريق الأذن لا يثبت به التحريم؛ لأن النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية لم تُجْرِ حكمَ التحريم حتى يتحقق معنى الغذاء الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم، وهذا المعنى هو الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، وقد ثبت أن الطبلة إذا كانت سليمة؛ فلا منفذ من خلال الأذن الخارجية إلى البلعوم الأنفي. غير أن الطبلة إذا تعرضت لإشكال؛ كما لو ثقبت، فنفذ الحليب إلى الجهاز الهضمي؛ من خلال ثقبِ الطبلة، فالأذنِ الوسطى، ثم البلعوم الأنفي مرورًا بقناة استاكيوس، ثم إلى المريء (١)؛ فقد تحقق المعنى الذي يجب معه إثبات حكم التحريم. المسألة الثالثة: أنبوب الإحليل . تحدث بعض الفقهاء عن تقطير الحليب في الإحليل أو المثانة، وأثره في انتشار المحرمية، وقد وقع في ذلك خلافهم على ما يأتي بيانه: القول الأول: يثبت به التحريم. وهو قول الشافعية (٢)، واستظهره النووي (٣). القول الثاني: لا يثبت به التحريم. وهو قول الحنفية (٤)، الحنابلة (٥) وابن حزم (٦). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي على ما يأتي: أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه لا أثر للواصل إلى الجوف الذي لا يغذي، ومنه الذكر والمثانة. (٧)

стр. 268

٢ - إن هذا ليس برضاع، ولا يحصل به التغذي؛ فلم ينشر الحرمة، كما لو وصل من جرح. (١) ٣ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (٢) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (٣) وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاة يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد، وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله . (٤) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن (٥)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٦)، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى

стр. 269

الجوف؛ صبًّا في الحلق أو الأنف، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (١) - كان هكذا. (٢) كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه. - الترجيح: الراجح أن الحليب الذي يدخل إلى الجسم من طريق الإحليل أو المثانة بأنبوب ونحوه لا يثبت به التحريم؛ لأن النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية لم تُجْرِ حكمَ التحريم حتى يتحقق المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، وهو معنى الغذاء الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم، والجهاز البولي المتمثل في الكليتين والمثانة والحالبين والإحليل لا منفذ له إلى الجهاز الهضمي، وكذلك الشأن في الرحم والمهبل؛ لأنهما منفصلان كليًّا عن الجهاز الهضمي (٣)، وليس الجهاز البولي بمحل للاغتذاء، ولا يتعيش الجسم بما يُقطَّر في الإحليل، والأصل المتيقن منه عدم ثبوت التحريم بالرضاع؛ فلا يُنتقل منه بمشكوك. المسألة الرابعة: نفاذ الحليب من العين . صورة المسألة: إذا خلط حليب الآدمية بكحل نفّاد؛ كالمر، والصبر، والعنزروت، ثم كحل به صبي في عينه؛ فهل يثبت في ذلك تحريم؟ بحث طائفة من الفقهاء هذه المسألة، وانتهوا فيها إلى ما يأتي من الأقوال: القول الأول: يقع التحريم من الحليب المستعمل في الكحل وبه قال المالكية (٤). القول الثاني: لا يقع به تحريم. وبه قال عطاء (٥) وابن حزم (٦).

стр. 270

- الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه ليس برضاع، إنما الرضاع ما مص من الثدي. (١) - الترجيح: لا يقع تحريم بحليب الآدمية إذا نفذ إلى عين الصبي مع مواد الاكتحال وغيرها؛ لأن القنوات الدمعية وإن كان لها علاقة بالجهاز الهضمي عن طريق التجويف الأنفي الموصل إلى الحلق (٢)؛ إلا أن قدْر الحليب الذي يصل بالاكتحال يسير جدًّا؛ لا يورث شبعًا، ولم تكن العين يومًا محلًا للاغتذاء ومنفذًا للطعام. فإن قيل: إن هناك طعمًا للحليب في الحلق. أجيب: بأن ذلك من حلمات التذوق في آخر اللسان، وليس التذوق في الحلق (٣). وبأن كمية الحليب ضئيلة لا يزيد قدرها عما يعفى عنه من بقايا ما يتمضمض به المتوضئ الصائم؛ إن لم يكن أقل (٤)؛ كما لو مج الطفل ما وضعه في فمه، فإنه لا يثبت به التحريم، وإن بقي إبان الامتجاج ما بقي (٥)؛ فكيف يمكن لمثل هذا أن ينفذ إلى الجهاز الهضمي ليتحقق غذاء الجسم منه؟ المسألة الخامسة: ارتجاع الحليب . صورة المسألة: قد يرتضع الطفل، ثم يرتجع ما ارتضعه، ويكثر ذلك إذا كان الارتضاع بطريق الأنابيب ونحوها؛ فهل يثبت التحريم بحليب الآدمية إذا تقيأه المرتضع؟ اختلف من بحث هذه المسألة من الفقهاء في حكم ذلك على ما يأتي: القول الأول: يحصل به التحريم.

стр. 271

وهو مذهب الشافعي (١)، وبه قال الشافعية (٢)، واختيار النووي (٣). القول الثاني: لا يحصل به التحريم. وهو قول عند الشافعية (٤)، ومذهب الحنابلة (٥). القول الثالث: إن تقيَّأ وقد تغير اللبن؛ ثبت التحريم، وإلا؛ فلا. وهو قول عند الشافعية (٦). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن هذا ليس برضاع، ولا يحصل به التغذي؛ فلم ينشر الحرمة، كما لو وصل من جرح. (٧) - الترجيح: لا يثبت بالحليب المرتجع تحريم؛ لأن امتصاص الغذاء إلى الدم يحصل في الأمعاء الدقيقة، وليس في المعدة التي هي بمثابة محط تخزين وهضم. فإن قيل: إن مكثه في الجوف فترةً مظنة تغذي البدن منه، ومن أمارات ذلك: ارتجاعه وقد تغير لونه. أجيب: بأن ذلك من آثار الهضم وإفرازاته؛ بدليل أنه لو مكث يرتجع طوال يومه هزل بدنه وضعف. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر فيما يأتي: ١ - إذا مج الطفل ما وضعه في فمه؛ لم يثبت به التحريم، وهو ما صرح به الحنابلة. (٨) ٢ - إذا أرضع الطفل الحليب بطريق الأنابيب، فارتجع ما ارتضعه مباشرة؛ لم يثبت به التحريم، وإذا تباعد وقت ارتجاعه، بحيث يغلب على الظن انتفاع الجسم من الحليب؛ ثبت به التحريم، وكل ذلك على ما ظهر رجحانه.

стр. 272

المسألة السادسة: ارتضاع الطفل قبل أن ينفصل من والدته تمام الانفصال . صورة المسألة: إذا أرضع الصبي قبل انفصال جميعه؛ فهل تجري أحكام التحريم بالر ضاع والحالة كذلك؟ طرح بعض الفقهاء هذه المسألة، وكان لهم من الأقوال ما هو آتٍ: القول الأول: يثبت به التحريم. وهو وجه عند الشافعية (١). القول الثاني: يثبت به التحريم. وهو وجه عند الشافعية (٢). والراجح أنه يثبت به التحريم؛ لأنه حي يتغذى. وقد أثمر ذلك في الصبي إذا ارتضع عن طريق الأنابيب قبل انفصال جميعه؛ كما لو خشي هلاكه؛ ثبت به التحريم. المسألة السابعة: إرضاع الميت . صورة المسألة: إذا أرضع الصبي من طريق الأنابيب وهو في غير وعيه ظنًّا أنه مغمى عليه، فبان ميتًا؛ فهل يتعلق بذلك الرضاع تحريم؟ بحث بعض فقهاء المسلمين هذه المسألة، وقرروا أنه لا أثر لوصول الحليب إلى معدة الميت (٣). وقد أثمر ذلك في الصبي؛ يكون مريضًا، أو متشنِّجًا، أو على وشك الهلاك؛ فيعطى أنبوبًا لتغذيته بحليب أمه، فيبين ميتًا؛ فلا يكون لذلك الحليب الأنبوبي حال الوفاة متعلَّقًا في ثبوت التحريم.

стр. 273

ولختام هذا المطلب أبين النتائج الآتية: أولًا: إذا حلبت المرضع من صدرها دفعة واحدة أو دفعتين، ثم سقت رضيعها منه خمس رضعات مشبعات (١)؛ وجورًا في فمه، أو سعوطًا في أنفه، أو بأنبوب ينفذ إلى مكان يمكن للجسم أن يتغذى من خلاله؛ كالبلعوم، والرقبة، والمريء، والمعدة، والاثني عشر، والأمعاء الدقيقة لا الغليظة (٢)؛ ثبت بينهما التحريم، ولو خلط مع الحليب ألبان البهائم أو مكملات غذائية مما يبقى معه مسمى الحليب ووصفه (٣)، أو لم ينفصل كلُّه من أمه حيًّا. ثانيًا. إذا وصل حليب الآدمية بالأنابيب أو غيرها إلى مكان لا يتغذى منه الجسم على سبيل الكفاية؛ لم يثبت به التحريم؛ كالمستقيم (٤)، والإحليل، والمهبل، والمثانة، والرحم، والعين، والأذن، أو وصل الحليب إلى مكان يتغذى منه الجسم، ولكن لم يتحقق معنى الغذاء المشبع؛ لم يثبت به التحريم؛ كما لو مجه من فمه، أو ارتجعه، أو بان ميتًا. ثالثًا: إنْ وُضِع إزاء حلمة الثدي أنبوب فيه أغذية مكملة للطفل، وقصد من وضعه إلى جوار الحلمة تعويدُ الرضيع على المص من الثدي، ونحو ذلك، ولم يكن في الثدي حليب أثناء الالتقام؛ لم تثبت المحرمية الرضاعية، ولو شك في ذلك (٥).

стр. 274

المبحث السادس تحويل الحليب إلى أشكال أخرى المطلب الأول أنواع الأشكال التي يحوَّل إليها الحليب منذ أن خلق الله تعالى الإنسان هداه لشرب الحليب؛ كغذاء مكمل للأغذية الأخرى التي هيأها الله تعالى له، وبعد فترة من الزمن بدأ الإنسان يفكر في طرق متعددة لتناوله؛ فصنع اللبن، والروب، بل إنه صنع الإقط، الجبن، والزبدة، والسمن، وأطعمة أخرى أطلقت عليها أسماء متعددة في البلاد المختلفة؛ حينما توافرت لدى الإنسان الألبان بكميات كبيرة تفيض عن حاجته في بعض الأوقات. (١) الفرع الأول تحويل الحليب إلى مسحوق مجفف راجت صناعة الحليب المجفف في بلدان كثيرة على رأس القرن العشرين الميلادي، وساعد وقوع الحرب العالمية على ازدهارها وتطورها؛ حيث عوَّض الحليب المجفف كثيراً من النقص الذي عانت منه ثلة من الدول في المواد الغذائية في فترة ما بعد الحرب؛ لأنه سهل النقل،

стр. 275

واقتصادي؛ حتى آل الأمر إلى ما صار إليه الحليب المجفف في هذا عصر كثرةً في الاستعمال وانتشاراً. (١) وتتم عملية تحويل الحليب إلى مسحوق مجفف (بودرة) بعدة طرق؛ إلا أن أكثرها نجاحًا واستخدامًا في الوقت الراهن هي طريقة التجفيف بالرش؛ حيث يتم تركيز الحليب بالتبخير قبل دخوله مرحلة التجفيف، ومن ثم يرش الحليب بواسطة رشاش علوي مثبت، وفي الوقت ذاته يوجه تيارُ هواء ذو جفاف وحرارة باتجاه قطرات الحليب المتطايرة؛ العملية التي تتشكل معها بودرة الحليب لتتساقط وتجتمع في الأسفل؛ نتيجة تلاقي قطرات الحليب مع الهواء الجاف؛ حيث تعطي قطرات الحليب الرطوبة للهواء الجاف والحار، وتأخذ منه الحرارة؛ مما يؤدي إلى تشكيل البودرة على الوجه المذكور، إلى أن تنتهي العملية بالتعقيم وصيرورة الحليب السائل مسحوقاً. (٢) وتشير الدراسات أن لِغَلْي اللبن أو بسترته تأثيرًا طفيفًا على قيمته الغذائية؛ من حيث فقد فيتامين ج، واللبن لا يحتوي في الجملة على الكثير من فيتامين ج، لكن الجدير بالذكر أن هذه القيمة المفقودة لا تقارن بالفائدة العظيمة حين يغلى اللبن أو يبستر، وهذه الفائدة هي: قتل الميكروبات الضارة، إلى جانب ما يترسب من الكالسيوم في أثناء الغليان. (٣) وإلى جانب ما تقدم؛ فقد تعدت فكرة تجفيف الحليب من الألبان الحيوانية إلى الألبان الآدمية؛ كما جاء في طلب إدارة الشؤون العامة في وزارة الصحة المصرية الموجه إلى دار الإفتاء المصرية (برقم ١٢٥٩/ ١٤١٢)، وفيه (٤): إن وزارة الصحة تفكر حاليًّا في إنشاء بنك اللبن، وذلك بالحصول على لبن الأمهات الطبَعي، وتجفيفه صناعيًّا؛ حتى تستعين به الأمهات العاجزات عن الرضاعة الطبَعية؛ مما يحمي الأطفال من كثير من الأمراض نتيجة لنقص لبن الأم أو انعدامه، وإن عملية التجفيف ما هي إلا تبخير للماء الموجود في سيولة اللبن حتى يصبح اللبن مسحوقًا، وإن نسب المواد الغذائية تبقى كما كانت في اللبن السائل، وبإضافة الماء إلى المسحوق يمكن الحصول على لبن سائل يحتوي على نفس النسب من المواد التي في اللبن الطبعي ا. هـ، ثم ذكروا طريقة أخرى لحفظ اللبن وهي التبريد، ولكن ذلك لا يعنينا. الفرع الثاني تجبين الحليب تمر صناعة الجبن - بمختلف أنواعه - على ثلاث مراحل: (٥) أولًا: تخثير اللبن؛ بإضافة المواد المخثرة، وهي: أالإنفحة، وتستخرج في الوقت الحاضر من معدة الحيوانات الصغيرة. ب الببسين، ويستخرج كذلك من المعدة. ت الإنزيمات، وتكون من النباتات، أو الجراثيم. ثانيًا: مصل اللبن، ويكون ذلك بفصل السائل الذي يطلق عليه مصطلح مصل الحليب، والذي يجب أن يفصل قبل مرحلة التصنيع. ثالثًا: إنضاج الجبن، وذلك في غرف تخزين يمكن التحكم في درجة حرارتها، وتحتاج هذه المرحلة إلى وقت طويل.

стр. 276

الفرع الثالث تحويل الحليب أقطًا يراد بالأقط ما كان لبنًا مخيضًا، وربما قيّد بالغنمي (١)، وذلك أنه إذا كثر الحليب في فصل الربيع؛ فإنهم يكونون قد نزعوا الزبدة منه للانتفاع منها سمنًا، ثم يطبخون اللبن بعد ذلك حتى يعقد بفقدان مائه الذي يتبخر أثناء الطبخ، ثم يضعونه على هيأة أقراص تصنعها المرأة في داخل كفها؛ الأمر الذي يبدي أثر أصابعها فيه. وقد بات هذا الطعام سائدًا عند العرب، حتى ضربت فيه الأمثلة، ومنها قولهم: أحد ياقط وأحد يتمنى الشنين؛ فالذي يأقط - يعني: يصنع الإقط - يكون لديه من اللبن ما يربو على حاجته، أما الذي يتمنى الشنين - هو: اللبن الذي شيب بماء كثير - فذاك الذي نقص عنده اللبن؛ المثل الذي يضرب لبيان تفاوت الحظوظ. (٢) المطلب الثاني حكم تحويل الحليب إلى أشكال أخرى يجري تحويل الحليب إلى أشكال أخرى في حكمه على الأصل في الأشياء، وهو الإباحة؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩]، وما أخبر الله بذلك إلا لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع سوى ما ورد في الشرع المنع منه لضرره (٣)، وما يتشكل منه الحليب من خلقه سبحانه، وقولِ الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الأعراف: ٣٢]؟ ، فأنكر سبحانه على من حرَّم ما خلق الله لعباده من المآكل، والمشارب، والملابس، وتوابعها (٤)، وقوله جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [سورة البقرة: ١٦٨].

стр. 277

المطلب الثالث أثر الأشكال التي يحوَّل إليها الحليب في انتشار المحرمية قرر فقهاء المسلمين أن من الحليب ما يكون محضًا، ومنه ما يكون مشوبًا؛ فما كان خالصًا لم يخالطه سواه؛ فهو محض، وإلا؛ فمشوب (١)، ثم بحثوا أثر اختلاط حليب الأم وامتزاجه بغيره على بقاء خاصية التحريم، وكان من بين ما درسوه في هذا الصدد المسائل الآتية: المسألة الأولى: اختلاط الحليب بالماء . صورة المسألة: إذا صُبَّ حليب في ماء، ثم أوجره صبي؛ فهل يحصل به الرضاع المحرِّم؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: إذا غلب الحليب تعلق به التحريم، وكذا إذا استويا، وإن غلب الماء لم يتعلق به تحريم، ومثل الماء كل مائع وجامد. وبه قال الحنفية (٢). القول الثاني: لا يحرِّم. وهو قول مخرج على قول أبي حنيفة في مسألة اختلاط الحليب بالطعام (٣). القول الثالث: إذا غلب الحليب تعلق به التحريم، ولم يبينوا الحكم حالة الاستواء، والظاهر أنهم لا يرون فيه تحريمًا؛ لتخلف صفة الغلبة حينئذ. وهو قول المالكية (٤)، وقول عند الشافعية (٥)؛ اختاره المزني (٦)، وابن حامد من الحنابلة (٧) وأبو الخطاب (٨)، وأبو ثور (٩)، والمزني (١٠).

стр. 278

وعمم الشافعية القول في ذلك على كل مائع؛ كالماء، ولبن الشاة، ولو نجسًا؛ كالخمر عندهم. (١) القول الرابع: يحرِّم؛ إلا إذا كان الحليب مغلوبًا، فلا يقع التحريم إلا أن يشرب جميع المخلوط. وهو وجه للشافعية (٢)، واستظهره النووي وعزاه لابن سريج وأبي إسحاق والماوردي (٣). وعمم الشافعية القول في ذلك على كل مائع، ولو نجسًا. (٤) القول الخامس: يحرِّم مطلقًا، ولو شرب بعض المخلوط فيما كان الحليب فيه مغلوبًا. وهو قول الشافعي (٥)، ووجه عند الشافعية (٦)؛ اختاره الصميري والقاضي أبو الطيب (٧)، والأصح من مذهب الحنابلة إذا كانت صفات اللبن باقية (٨) - وهي: الطعم، واللون، والريح - (٩)، فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به؛ لم يثبت به التحريم عندهم (١٠). وقيده الشافعي بشرط الوصول إلى الجوف (١١)، وبه قال النووي إذا تحقق انتشاره في الخليط، وحصول بعضه في المشروب، أو كان الباقي من المخلوط أقل من قدر اللبن؛ ثبت به

стр. 279

التحريم عنده قطعًا (١)، وعزاه للشافعي (٢)، وعمم الشافعية القول في ذلك على كل مائع، ولو نجسًا. (٣) القول السادس: إن كان الخليط غير الماء؛ فيحرم؛ إلا أن يكون الحليب مغلوبًا؛ فلا يحرم؛ إلا أن يشرب جميع المخلوط، وإن كان ماء، واللبن مغلوب، فإن امتزج بما دون القلتين، وشرب الصبي كله، فيثبت به التحريم، وإن شرب بعضه؛ لم يثبت به التحريم، وإن امتزج بقلتين فصاعدا؛ لم يثبت به التحريم. وهو قول محكي في مذهب الشافعي (٤)؛ قال النووي: وهذه الطريقة ضعيفة. (٥) القول السابع: كالقول السابق؛ إلا أن اللبن إذا كان مغلوبًا، فامتزج بما دون القلتين، وشرب الصبي كله أو بعضه؛ لم يثبت به التحريم. وهو قول محكي في مذهب الشافعي (٦)؛ قال النووي: وهذه الطريقة ضعيفة. (٧) القول الثامن: يحرم مطلقًا ولو لم تكن صفات اللبن باقيةً؛ بشرط شربه كله ولو في دفعات، وتكون رضعةً واحدة. وهو محكي عن الشافعي (٨)، والقاضي أبي يعلى من الحنابلة (٩). وقبل سوق الأدلة، فإن هذه المسألة لا ترد على أصل داود وابن حزم في اشتراط امتصاص الراضع من ثدي المرضعة لثبوت التحريم باللبن (١٠)؛ لأن سقي الصبيِّ الحليبَ بعد خلطه

стр. 280

بالماء لا يكون إلا بعد حلبه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (١)، واختيار أبي بكر من الحنابلة (٢). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: الاستدلال على تعلق التحريم بالحليب المخلوط بالماء، وكان الحليب غالبًا: ١ - إن المغلوب غير موجود حكماً؛ فتزول قوته، ولا يمكن الاقتصار عليه في تغذية الصبي. (٣) ٢ - إن قوة الغالب باقية في تغذية الصبي وسد جوعته، وقد قال النبي ﷺ : "الرضاعة من المجاعة" (٤) متفق عليه، وقال: "الرضاعة ما أنبت اللحم" رواه أهل السنن وغيرهم (٥). (٦) ثانيًا: على تعلق المحرمية بالحليب عند استوائه مع الماء إذا خلط به؛ بما يلي: ٢ - إن لبنها غير مغلوب فلم يكن مستهلكًا. (٧) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - القياس على اختلاط الطعام بالحليب؛ لأنه يسلبه قوته حتى لا يمكن الصبي الاقتصار عليه في الغذاء، ولا يقوم عليه بدنه لو دام عليه؛ فلذلك لم يحرم. (٨) ٢ - إنه وجور. (٩)

стр. 281

أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - كالنجاسة المستهلكة في الماء الكثير؛ لا أثر لها. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إن لها أثرًا، لكنه مندفع بالكثرة. (٢) ٢ - كالخمر المستهلكة في غيرها؛ لا يتعلق بها حد. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- إن الحد منوط بالشدة المزيلة للعقل. (٤) ٣ - كالمحرم يأكل طعامًا استهلك فيه طيب؛ لا فدية عليه. (٥) ونوقش بما يأتي: أ- إن المحرم ممنوع من التطيب، وليس هذا بتطيب، فعلى هذا؛ إن شرب جميع المخلوط تعلق به التحريم. (٦) ٤ - إن الحكم للأغلب. (٧) ٥ - إنه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به. (٨) ٦ - إن العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر أثرها؛ فهي كالمعدومة حكمًا. (٩) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: ١ - إننا لم نتحقق وصول اللبن. (١٠) ٢ - القياس على جب الماء؛ تقع فيه القطرة، فيشرب بعضه. (١١)

стр. 282

أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس بما يأتي: أولًا: الاستدلال على أن الحليب المخلوط بالماء يحرم مطلقًا، ولو كان مغلوبًا: ١ - وصول عين اللبن في الجوف، وذلك هو المعتبر، ولهذا يؤثر كثير اللبن وقليله. (١) ٢ - إن اللبن متى كان ظاهرًا فقد حصل شربه، ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم، فحرم، كما لو كان غالبًا. (٢) ٣ - إن ما تعلق به الحكم لم يفرق بين خالصه ومشوبه؛ كالنجاسة في الماء، والنجاسة الخالصة. (٣) ثانيًا: الاستدلال على أن التحريم إنما يتجه إذا كانت صفات اللبن باقية: ١ - إنه إذا صب في ماء كثير لم يتغير به، لم يكن لبنًا مشوبًا، ولا يحصل به التغذي، ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم، فلم يثبت به التحريم. (٤) أدلة القول السادس: استدل أصحاب القول السادس بما يأتي: ١ - عدم تأثير الحليب؛ فيما كان قلتين، فصاعدًا. (٥) أدلة القول السابع: استدل أصحاب القول السابع بما يأتي: ١ - عدم تأثير الحليب؛ فيما كان قلتين، فصاعدًا. (٦) أدلة القول الثامن: استدل أصحاب القول الثامن بما يأتي: ١ - أجزاء اللبن حصلت في بطنه، فأشبه ما لو كان لونه ظاهرًا. (٧) ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا ليس برضاع، ولا في معناه، فوجب أن لا يثبت حكمه فيه. (٨)

стр. 283

- الترجيح: الراجح هو القول الخامس؛ لأن المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم - وهو الاغتذاء، ومن أماراته: سد الجوعة، ونبات اللحم، واشتداد العظم - متحقق فيما خلط من المحلوبات بالماء، ولو سمي بغير الحليب؛ لأن العبرة بالحقائقِ والمعاني لا الألفاظِ والمباني، فمتى فقد الحليب مسماه؛ بانتفاء إحدى الأوصاف الثلاثة - وهي: اللون، والطعم، والرائحة -؛ لم يعد محرِّمًا؛ لأنه ليس حليبًا. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - إذا صنع بحليب الآدمية طعام، وترتب على صنعه خلط الماء معه، وبقيت أوصاف الحليب المعتادة من لون ورائحة وطعم؛ ثبت به التحريم؛ كالحليب المجفف. ٢ - إذا خلط الحليب المجفف بالماء في قارورة الرضاعة ليتناوله الرضيع حليبًا سائلًا؛ ثبت به التحريم. - سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الخلاف في مسائل، منها: ١ - اشتراط بقاء اللبن على هيئته حال انفصاله عن الثدي لثبوت التحريم به. (١) فمن اشترط ذلك - وهو أبو حنيفة تخريجًا على بعض آرائه -؛ لم يثبِت التحريم باللبن إذا لم يبق على حالته التي انفصل عليها من الثدي؛ كما لو خلط بالماء، ومن لم يشترط ذلك - وهم الجمهور -؛ أثبت التحريم ولو طرأ تغير أو اختلاط، ولم يكن خلطه بغيره مانعًا عندهم من تعلق الحرمة. المسألة الثانية: اختلاط الحليب بالطعام . صورة المسألة: إذا اختلط بحليب المرضع طعام؛ كما لو ثرد في الحليب طعام، أو عجن به دقيق، وخبِز؛ فهل لا يزال التحريم متعلقًا بالحليب بعد خلطه بالطعام؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال: القول الأول: لا يتعلق به التحريم وإن كان اللبن غالبًا؛ إذا وجدت الشروط الآتية:

стр. 284

١ - أن يطبخ بالنار، فإن لم يطبخ بها؛ ثبت به التحريم؛ إن غلب. ٢ - أن يكون الطعام ثخينًا، فإن كان رقيقاً يشرب؛ اعتبرت الغلبة. ٣ - أن لا يكون اللبن متقاطرًا عند رفع اللقمة، أما معه؛ فيحرم، واستصح ابن عابدين عدم اشتراطه. (١) وبه قال أبوحنيفة، وهو المشهور عند أتباع مذهبه (٢). القول الثاني: يتعلق به التحريم؛ إذا لم تصبه النار أو يطبخ بها. وبه قال صاحبا أبي حنيفة (٣). القول الثالث: يتعلق به التحريم إذا لم يُغلب. وبه قال المالكية (٤)، واختاره المزني (٥)، وابن حامد من الحنابلة (٦) وأبو الخطاب (٧)، وأبوثور (٨). القول الرابع: يتعلق به التحريم، ولو كان مغلوبًا. وبه قال بعض المالكية؛ كمطرف (٩)، وهو قول الشافعي بشرط الوصول إلى الجوف (١٠)! ، والصحيح في مذهب الشافعية (١١)، والأصح من مذهب الحنابلة؛ إذا كانت صفات

стр. 285

اللبن باقية (١) - وهي: اللون والطعم والريح - (٢)، فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به؛ لم يثبت به التحريم عندهم (٣). القول الخامس: يحرم مطلقًا ولو لم تكن صفات اللبن باقيةً؛ بشرط شربه كله ولو في دفعات، وتكون رضعة واحدة. وهو محكي عن الشافعي (٤)، والقاضي أبي يعلى من الحنابلة (٥). وقبل سوق الأدلة، فإن هذه المسألة لا ترد على أصل داود وابن حزم في اشتراط امتصاص الراضع من ثدي المرضعة لثبوت التحريم باللبن (٦)؛ لأن سقي الصبيِّ الحليبَ بعد خلطه بالماء لا يكون إلا بعد حلبه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٧)، واختيار أبي بكر من الحنابلة (٨). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: أولًا: الاستدلال على وقوع التحريم بالحليب المخلوط بالدواء إذا كان الأخير مغلوبًا:
следующие страницы →