← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - كالنجاسة المستهلكة في الماء الكثير؛ لا أثر لها. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إن لها أثرًا، لكنه مندفع بالكثرة. (٢) ٢ - كالخمر المستهلكة في غيرها؛ لا يتعلق بها حد. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- إن الحد منوط بالشدة المزيلة للعقل. (٤) ٣ - كالمحرم يأكل طعامًا استهلك فيه طيب؛ لا فدية عليه. (٥) ونوقش بما يأتي: أ- إن المحرم ممنوع من التطيب، وليس هذا بتطيب، فعلى هذا؛ إن شرب جميع المخلوط تعلق به التحريم. (٦) ٤ - إن الحكم للأغلب. (٧) ٥ - إنه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به. (٨) ٦ - إن العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر أثرها؛ فهي كالمعدومة حكمًا. (٩) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: ١ - إننا لم نتحقق وصول اللبن. (١٠) ٢ - القياس على جب الماء؛ تقع فيه القطرة، فيشرب بعضه. (١١)

стр. 282

أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس بما يأتي: أولًا: الاستدلال على أن الحليب المخلوط بالماء يحرم مطلقًا، ولو كان مغلوبًا: ١ - وصول عين اللبن في الجوف، وذلك هو المعتبر، ولهذا يؤثر كثير اللبن وقليله. (١) ٢ - إن اللبن متى كان ظاهرًا فقد حصل شربه، ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم، فحرم، كما لو كان غالبًا. (٢) ٣ - إن ما تعلق به الحكم لم يفرق بين خالصه ومشوبه؛ كالنجاسة في الماء، والنجاسة الخالصة. (٣) ثانيًا: الاستدلال على أن التحريم إنما يتجه إذا كانت صفات اللبن باقية: ١ - إنه إذا صب في ماء كثير لم يتغير به، لم يكن لبنًا مشوبًا، ولا يحصل به التغذي، ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم، فلم يثبت به التحريم. (٤) أدلة القول السادس: استدل أصحاب القول السادس بما يأتي: ١ - عدم تأثير الحليب؛ فيما كان قلتين، فصاعدًا. (٥) أدلة القول السابع: استدل أصحاب القول السابع بما يأتي: ١ - عدم تأثير الحليب؛ فيما كان قلتين، فصاعدًا. (٦) أدلة القول الثامن: استدل أصحاب القول الثامن بما يأتي: ١ - أجزاء اللبن حصلت في بطنه، فأشبه ما لو كان لونه ظاهرًا. (٧) ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا ليس برضاع، ولا في معناه، فوجب أن لا يثبت حكمه فيه. (٨)

стр. 283

- الترجيح: الراجح هو القول الخامس؛ لأن المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم - وهو الاغتذاء، ومن أماراته: سد الجوعة، ونبات اللحم، واشتداد العظم - متحقق فيما خلط من المحلوبات بالماء، ولو سمي بغير الحليب؛ لأن العبرة بالحقائقِ والمعاني لا الألفاظِ والمباني، فمتى فقد الحليب مسماه؛ بانتفاء إحدى الأوصاف الثلاثة - وهي: اللون، والطعم، والرائحة -؛ لم يعد محرِّمًا؛ لأنه ليس حليبًا. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - إذا صنع بحليب الآدمية طعام، وترتب على صنعه خلط الماء معه، وبقيت أوصاف الحليب المعتادة من لون ورائحة وطعم؛ ثبت به التحريم؛ كالحليب المجفف. ٢ - إذا خلط الحليب المجفف بالماء في قارورة الرضاعة ليتناوله الرضيع حليبًا سائلًا؛ ثبت به التحريم. - سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الخلاف في مسائل، منها: ١ - اشتراط بقاء اللبن على هيئته حال انفصاله عن الثدي لثبوت التحريم به. (١) فمن اشترط ذلك - وهو أبو حنيفة تخريجًا على بعض آرائه -؛ لم يثبِت التحريم باللبن إذا لم يبق على حالته التي انفصل عليها من الثدي؛ كما لو خلط بالماء، ومن لم يشترط ذلك - وهم الجمهور -؛ أثبت التحريم ولو طرأ تغير أو اختلاط، ولم يكن خلطه بغيره مانعًا عندهم من تعلق الحرمة. المسألة الثانية: اختلاط الحليب بالطعام . صورة المسألة: إذا اختلط بحليب المرضع طعام؛ كما لو ثرد في الحليب طعام، أو عجن به دقيق، وخبِز؛ فهل لا يزال التحريم متعلقًا بالحليب بعد خلطه بالطعام؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال: القول الأول: لا يتعلق به التحريم وإن كان اللبن غالبًا؛ إذا وجدت الشروط الآتية:

стр. 284

١ - أن يطبخ بالنار، فإن لم يطبخ بها؛ ثبت به التحريم؛ إن غلب. ٢ - أن يكون الطعام ثخينًا، فإن كان رقيقاً يشرب؛ اعتبرت الغلبة. ٣ - أن لا يكون اللبن متقاطرًا عند رفع اللقمة، أما معه؛ فيحرم، واستصح ابن عابدين عدم اشتراطه. (١) وبه قال أبوحنيفة، وهو المشهور عند أتباع مذهبه (٢). القول الثاني: يتعلق به التحريم؛ إذا لم تصبه النار أو يطبخ بها. وبه قال صاحبا أبي حنيفة (٣). القول الثالث: يتعلق به التحريم إذا لم يُغلب. وبه قال المالكية (٤)، واختاره المزني (٥)، وابن حامد من الحنابلة (٦) وأبو الخطاب (٧)، وأبوثور (٨). القول الرابع: يتعلق به التحريم، ولو كان مغلوبًا. وبه قال بعض المالكية؛ كمطرف (٩)، وهو قول الشافعي بشرط الوصول إلى الجوف (١٠)! ، والصحيح في مذهب الشافعية (١١)، والأصح من مذهب الحنابلة؛ إذا كانت صفات

стр. 285

اللبن باقية (١) - وهي: اللون والطعم والريح - (٢)، فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به؛ لم يثبت به التحريم عندهم (٣). القول الخامس: يحرم مطلقًا ولو لم تكن صفات اللبن باقيةً؛ بشرط شربه كله ولو في دفعات، وتكون رضعة واحدة. وهو محكي عن الشافعي (٤)، والقاضي أبي يعلى من الحنابلة (٥). وقبل سوق الأدلة، فإن هذه المسألة لا ترد على أصل داود وابن حزم في اشتراط امتصاص الراضع من ثدي المرضعة لثبوت التحريم باللبن (٦)؛ لأن سقي الصبيِّ الحليبَ بعد خلطه بالماء لا يكون إلا بعد حلبه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٧)، واختيار أبي بكر من الحنابلة (٨). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: أولًا: الاستدلال على وقوع التحريم بالحليب المخلوط بالدواء إذا كان الأخير مغلوبًا:

стр. 286

١ - شرع الرضاع سببًا للتحريم؛ حكمةَ كونه يغذي حتى يصير جزءُ المرأة الذي هو لبنها جزءَ المرضع؛ كما صار منيُّها وطمثها جزءًا من الولد في النسب، فإذا حصلت المشاركة حصلت البنوة. (١) ثانيًا: الاستدلال على عدم تعلق التحريم بالحليب المخلوط بالدواء إذا كان الحليب مغلوبًا: ١ - إن الحكم للأغلب، واللبن المستهلك التابع للأصل لا يغذي. (٢) ٢ - إن النقطة من الخمر لا يحد عليها إذا استهلكت مطلقًا، فكذا كل ما يستهلك في غيره. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- إن النقطة من الخمر إذا اختلطت لا تسكر، ولا تصلح للإسكار مع أمثالها؛ فظهر الفرق (٤)، والمعنى أن عدم الإسكار لا يمنع حصول الاغتذاء. ب - عدم التسليم؛ لأن لبن الحيوان يحصل آخر الغذاء مما خالطه من الفرث والدم، وإن كثر المخالط. (٥) وأجيب عنه: بأن الحرمة لا تقع بدمها، ولا لحمها، وإن أغذيا الولد إجماعًا، وأن الكبير يغذى باللبن، ولا يحرمه. (٦) ٣ - إنه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به. (٧) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: أولًا: الاستدلال على أن الحليب المخلوط بالطعام يحرِّم غالبًا كان أو مغلوبًا: ١ - وصول اللبن إلى الجوف، وحصول الاغتذاء بتلك الأجزاء من الحليب، وإن اختلطت بغيرها. (٨)

стр. 287

٢ - إن اللبن متى كان ظاهرًا فقد حصل شربه، ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم؛ فحرَّم، كما لو كان غالبًا. (١) ٣ - إن ما تعلق به الحكم لم يفرق بين خالصه ومشوبه؛ كالنجاسة في الماء، والنجاسة الخالصة. (٢) ثانيًا: الاستدلال على أن التحريم إنما يتجه إذا كانت صفات اللبن باقية: ١ - إنه إذا صب في ماء كثير لا يتغير به؛ لم يكن لبنًا مشوبًا، ولا يحصل به التغذي، ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم؛ فلم يثبت به التحريم. (٣) أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس بما يأتي: ١ - إن أجزاء اللبن حصلت في بطنه، فأشبه ما لو كان لونه ظاهرًا. (٤) ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا ليس برضاع، ولا في معناه؛ فوجب أن لا يثبت حكمه فيه. (٥) - الترجيح: الراجح هو أن التحريم يتعلق بالحليب إذا كانت صفات اللبن باقية - وهي: اللون والطعم والريح -؛ لأن المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم - وهو الاغتذاء، ومن أماراته: سد الجوعة، ونبات اللحم، واشتداد العظم - متحقق فيما خلط من الألبان بالأطعمة، فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به، أو استهلك فيما خلط به، أو استحال خبزًا ونحوه؛ بحيث لا تبقى صفاته؛ فلا يثبت به التحريم؛ لأن التحريم في الشريعة متجه نحو مادة الحليب، والحليب إنما يعرف بأوصافه. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية:

стр. 288

١ - إذا خلط حليب الآدمية بطعام، حتى استهلك فيه، بحيث لم يبق للحليب أثر ولا وصف من لون ورائحة وطعم؛ لم ثبت به التحريم على الراجح؛ كما لو استهلك في خبز، أو سليق، أو جريش. ٢ - إذا خلط مع حليب الآدمية حليب للبهائم أو مكملات غذائية ونحوها؛ مما يبقى معها مسمى الحليب، ووصفه؛ ثبت به التحريم. المسألة الثالثة: ضابط الغلبة . لإتمام المسألتين السابقتين؛ فلا بد من بيان معنى الغلبة عند من أتى بها في قوله، وجملة الأقوال فيها كما يأتي: القول الأول: بتغير اللون والطعم، لا أحدهما. وبه قال بعض الحنفية (١)، وأطلق التغيُّرَ محمد بن الحسن. (٢) القول الثاني: تعتبر الغلبة بالإجزاء في الجنس، وفي غيره بتغير طعم أو لون أو ريح. وهو مروي عن أبي يوسف. (٣) القول الثالث: الغلبة لمن بقيت معه صفة الغذاء. وهو قول عند الشافعية (٤). القول الرابع: الاعتبار بصفات اللبن: الطعم، واللون، والرائحة؛ فإن ظهر منها شيء في المخلوط؛ فاللبن غالب، وإلا؛ فمغلوب. وبه قال أكثر الشافعية، وصححه النووي (٥). المسألة الرابعة: جعل لبن الآدمية جبنًا . صورة المسألة: إذا جُبِّن لبن امرأة، وأطعمه صبيٌّ؛ فهل يتعلق به تحريم؟

стр. 289

أثار الفقهاء هذه المسألة من القدم؛ حيث كان التجبين بطريقته البدائية، وكان اختلافهم في تعلق التحريم به مجبَّنًا على أقوال، هي: القول الأول: إذا جبن لبن امرأة ، وأطعمه الصبي جبنًا؛ ثبت به التحريم. وبه قال بعض الحنفية (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (٣). القول الثاني: لا يحرم الحليب إذا جبن . وبه قال أبوحنيفة (٤)، وبعض الحنفية (٥)، ووجه للحنابلة (٦)، وهو قول ابن حزم (٧). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - وصول اللبن إلى الحلق فالجوف، وحصول إنبات اللحم وإنشاز العظم بحصول التغذية؛ فحصل به التحريم، كما لو شربه. (٨) ٢ - إن ما تعلق به الحكم لم يفرق بين خالصه ومشوبه؛ كالنجاسة في الماء، والنجاسة الخالصة. (٩) ٣ - قول النبي ﷺ : "قاتل الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم، فجملوها ثم باعوه فأكلوا ثمنه" متفق عليه (١٠)، فحيث لم يتغير أصل الحكم بتغير وصف المحكوم عليه حين جملوه وأذابوه؛ فكذا حليب الآدمية؛ لا يتغير حكم تعلق المحرمية به إذا جمِّد أو جفف أو خلط بغيره أو جبِّن. (١١) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إن اسم الرضاع لا يقع عليه. (١٢) ٢ - إنه لا ينبت لحمًا، ولا ينشز عظمًا. (١٣) ٣ - إن الصبي لا يكتفي به في الغذاء. (١٤) ٤ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا

стр. 290

يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (٢) وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاة يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد، وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله . (٣) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن (٤)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٥)، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف أيًّا كان المخلوط معه؛ صبًّا في الحلق أو الأنف، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (٦) - كان هكذا. (٧) كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه.

стр. 291

- الترجيح: الراجح هو القول الأول؛ لحصول الغذاء مما بقي فيه وصف الحليب لونًا وطعمًا ورائحة. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسأل أثر في الفروع الآتية: ١ - إذا ارتضع الصبي من الجبن المعمول من الحليب مرتين، ثم مرتين؛ إحداهما سعوطًا والأخرى وجورًا، وكمل الخامسة رضاعًا من الثدي؛ ثبت التحريم فيما صرح به الحنابلة (١)؛ لوجود الخمس؛ إذا الوجور والسعوط والجبن المعمول من الحليب فرع عن الرضاع فيأخذ حكمه. (٢) المسألة الخامسة: جعل اللبن أقطًا أو روبًا أو زبدًا أو مخيضًا أو مصلًا (٣). صورة المسألة: إذا صيِّر اللبن أقطًا أو روبًا أو زبدًا أو مخيضًا أو مصلًا، وأطعم به صبي؛ فهل يثبت التحريم بوصول المطعوم إلى الجوف؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: لا يحرم. وبه قال الحنفية (٤)، وظاهر قول ابن حزم (٥). القول الثاني: يحرم. وبه قال الشافعية (٦)، وهو مفهوم قول الحنابلة إذا كانت صفاته باقية - وهي: اللون والطعم والريح - (٧).

стр. 292

- الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن اسم الرضاع لا يقع عليه. (١) ٢ - إنه لا ينبت لحمًا، ولا ينشز عظمًا. (٢) ٣ - إن الصبي لا يكتفي به في الغذاء. (٣) ٤ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (٤) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (٥) وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاة يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد، وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله . (٦) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب

стр. 293

السنن (١)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٢)، وهذا يوجد في اللبن وما يصنع منه مما يصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (٣) - كان هكذا. (٤) كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - وصول اللبن إلى الجوف، وحصول التغذية من الحليب (٥)؛ إلا أنه إذا صب في ماء كثير لم يتغير به، لم يكن لبنًا مشوبًا، ولا يحصل به التغذي، ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم، فلم يثبت به التحريم. (٦) ٢ - إن ما تعلق به الحكم لم يفرق بين خالصه ومشوبه؛ كالنجاسة في الماء، والنجاسة الخالصة. (٧) - الترجيح: الراجح هو القول الثاني؛ لبقاء الصفات المؤثرة في اللبن المحرِّم شرعًا. المسألة السادسة: استهلاك الحليب . صورة المسألة: إذا استهلك الحليب في مادة أخرى بعد خروجه من ثدي المرأة وقبل أن يرتضعه الصبي؛ فهل يستمر بعد استهلاكه حكم التحريم؟ أقوالٌ للفقهاء: القول الأول: لا يحرم. وهو قول المالكية (٨)، ومفهوم قول الحنابلة (٩) وابنِ حزم (١٠).

стр. 294

القول الثاني: يحرم. وبه قال بعض المالكية؛ كابن مطرف، وابن يونس (١) - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي على ما يأتي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن اللبن المستهلك لا يغذي (٢)؛ فلا هو بالمنبِت لحمًا، أو المنشز عظمًا. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- عدم التسليم؛ لأن لبن الحيوان يحصل آخر الغذاء مما خالطهما، وإن كثر المخالط. (٤) وأجيب عنه: بأن الحرمة لا تقع بدمها، ولا لحمها، وإن أغذيا الولد إجماعا، وأن الكبير يغذى باللبن، ولا يحرمه. (٥) ويمكن أن يجاب عنه أيضًا: بأنه قياس مع الفارق. - الترجيح: الراجح هو القول الأول؛ لأن الهالك لا حكم له. المسألة السابعة: تغير الحليب . صورة المسألة: إذا تغير الحليب عن هيئته التي كانت حال انفصاله عن الثدي؛ كما لو تغير بحموضة، أو انعقاد، أو إغلاء؛ فهل يثبت به تحريم؟ تطرق بعض فقهاء الشافعية إلى هذه المسألة، وقرروا ثبوت التحريم به (٦)؛ لوصول اللبن إلى الجوف، وحصول التغذية به. (٧) وقد أثمر ذلك في حليب الآدمية إذا غُلِيَ ليكون لبنًا رائبًا، أو جبنًا، أو بغرض تجفيفه ليكون حليبًا مسحوقًا، أو ليزبد ثم يصير سمنًا، أو ليُتخذ أقطًا؛ فلا يعارض كل ذلك الأصل الشرعي في ثبوت التحريم بألبان الآدميات. ويتبين مما تقدم النتيجة الآتية: إذا صنع بحليب الآدمية طعام، وترتب على صنعه أن يخلط معه ماء، أو طعام، أو أن يترك حتى يتخمر، أو غلي بالنار، وبقيت أوصاف الحليب المعتادة من لون ورائحة وطعم؛ ثبت به التحريم؛ كاللبن، والزبادي، والسمن، والزبدة، والحليب المجفف، والجبن، والأقط، أما إذا لم تبق أوصاف الحليب؛ فلا يثبت به التحريم؛ كما لو استهلك الحليب في ماء كثير، أو خبز، أو سليق، أو جريش.

стр. 295

المبحث السابع آلات امتصاص الحليب من الثدي إن الحالة الطبَعية المثلى لإخراج الحليب من الثدي هي إرضاع الطفل من الصدر، ولكن حين لا تكون المرأة قادرة على إرضاع طفلها من ثديها مباشرة، وترغب مع ذلك في إرضاعه، وخصوصًا أن الأطفال الذين يحصلون على الرضاعة الطبَعية وحدها خلال الأشهر الستة الأولى هم أقل عرضة للحساسيات والأمراض المعدية. (١) فهذا ما دعى إلى استحداث آلات امتصاص الحليب، أو ما يسمى: مضخة الثدي؛ حيث يمكن معها مواصلة إرضاع الطفل ولو بعدت عنه المرضع على نحو ناجح؛ بتهيئة مخزون من الحليب عبر آلات الامتصاص ومضخات الشفط التي تعمل إلى جانب سحب الحليب على استثارة ما يسمى بمنعكس طرد الحليب، وذلك بتبريد الحليب أو تجميده لبقاء صلاحيته إذا كانت المدة ستطول، وهو الأمر الذي يساعد على استيفاء الاحتياجات الغذائية للطفل في جميع مراحل النمو، واستعادة الرحم لحالته الطبَعية قبل الحمل. على أن عصر حليب الثدي باليد له فوائد أخرى ومميزات، وهي: ١ - كونه طريقة مجانية. ٢ - توافره الدائم؛ الأمر الذي يجعله فعالًا وسريعًا مع التدرب. ٣ - عدم الحاجة إلى التعقيم. ٤ - ملامسة البشرة بدلًا من البلاستيك. ٥ - كونه ألطف من المضخة، وهذا مفيد جدًّا إذا كانت الأمُّ مصابةً بتقرحات. ٦ - أكثر أمنًا وسلامة من العدوى بالمعدات المستعملة والمتعرضة للمس. ٧ - أكثر مساعدة في إدرار الحليب. ٨ - تقلل من الوقت المطلوب لعصر الحليب. ٩ - الضغط على قنوات الحليب بعد استجلابها. وينصح المختصون بالتوزان في استخدام تلك المضخات؛ إذ إن الاستخدام الزائد قد يسبب تلفاً في أنسجة الثدي. وإذا حلب حليب الآدمية بآلات امتصاص الحليب، فيمكن المحافظة عليه طازجًا من أجل استخدامه مستقبلًا، وذلك بإحكام الغطاء على زجاجة الإرضاع، ثم تخزين الزجاجة في الثلاجة.

стр. 296

ويبقى صالحًا في درجة حرارة الغرفة لمدة تصل إلى ست ساعات، ويبقى صالحاً إذا تم تبريده في الثلاجة ٢٤ ساعة - ٣ أيام، وبتجميده ٣ أسابيع - ٦ أشهر، ولمعدل النسبة المئوية أثر في المدة، وإذا ذوّب فإنه يبقى صالحاً لمدة ٢٤ ساعة. (١) وفيما يلي مزيد تفصيل حسب الجدول الآتي: (٢) المكان درجة الحرارة المدة معلومات هامة في الغرفة في درجة حرارة الغرفة لحد أقصى ٢٥ درجة مئوية. يمكن تخزين اللبأ في درجة حرارة الغرفة لمدة ١٢ ساعة ٦ - ٨ ساعات يجب حفظ الزجاجات مغلقة وباردة بقدر الإمكان، وتغطية الزجاجات بمناشف باردة حتى يحفظ الحليب باردًا. في حقيبة حفظ الثلج بين ٥ - ٢٩ درجة فهرنهايت -١٥ إلى ٣.٩ درجة مئوية ٢٤ ساعة يجعل الثلج بملامسة زجاجات الحليب في كل الأوقات. في الثلاجة ٣٩ درجة فهرنهايت ٣.٩ - درجة مئوية ٥ - ٨ أيام يحفظ الحليب المعصور في داخل جسم الثلاجة. في المجمد العميق الموجود في داخل الثلاجة ٥ فهرنهايت -١٥ درجة مئوية أسبوعان يحفظ الحليب المعصور في مؤخرة الثلاجة؛ حيث درجة الحرارة ثابتة. المجمد أعلى الثلاجة بباب منفصل صفر فهرنهايت -١٧.٨ درجة مئوية ٣ - ٦ أشهر الإرشادات السابقة. المجمد العميق -٤ درجة فهرنهايت -٢٠ درجة مئوية ٦ - ١٢ شهر الإرشادات السابقة.

стр. 297

وتعود أسباب استخدام آلات امتصاص الحليب إلى ما يأتي: ١ - تحفيز عملية الرضاعة عند النساء اللاتي يعانين من نقص في تدفق الحليب، أو اللائي لم يضعن مولودهن بعد. ٢ - رغبة المرضع في مواصلة الرضاعة الطبَعية حين تذهب إلى العمل، أو الدراسة، أو أي التزام آخر، أو حين تترك الرضيعَ لدى الحاضنة. ٣ - تخفيف الاحتقان عن الثدي الممتلئ أو المتورم المحتقن (١)، والذي يزامنه الشعور بعدم الراحة. ٤ - ... إذا كانت الأم بحاجة إلى تناول أدوية من شأنها أن تؤثر على حليب الثدي، أو أن تلحق ضررًا بالرضيع، وذلك حتى تستطيع استئناف الإرضاع بعد انتهاء فترة علاجها. ٥ - منع انغلاق قنوات الحليب. ٦ - التعافي من آثار الحمل. ٧ - إذا ولد الطفل قبل استكمال مدة الحمل، ولم يتمكن بعد من مص الثدي. ٨ - إذا كان الطفل في المستشفى، ولم تتمكن الأم من البقاء معه لمدة ٢٤ ساعة، والعكس صحيح. (٢)

стр. 298

المطلب الأول أنواع آلات امتصاص الحليب يوجد من آلات امتصاص الحليب نوعان رئيسان: أ - النوع الأول: مضخة الثدي، وهي صنفان: مضخة الثدي اليدوية. تتميز مضخة الثدي اليدوية بأنها صغيرة وغير مكلفة، وبكونها تعمل يدوياً، وتتكون من: أنبوب، ووصلة، وزر الشفط، وحلقة من السليكون، ومحفز مهايئ للحلمة، وغطاء للثدي، وحشوة، وزجاجة تجميع الحليب مع غطائها، ومضخة، وصمام للغطاء، وحلمة من السليكون، وغطاء لولبي، وفرشاة، وحامل الزجاجة. وينصح المختصون قبل عملية إدرار الحليب من الثدي بما يأتي: ١ - تنظيف حلمتي الثدي، والمنطقة الداكنة المحيطة بها؛ بقطعة قطنية نظيفة، أو بمناديل ورقية مبللة. ٢ - تدفئة الثديين؛ باستخدام منشفة ساخنة.

стр. 299

٣ - تدليك الثديين. ٤ - التناوب في الإرضاع من كلا الثديين. ٥ - اتخاذ وضعية مريحة ومسترخية. ٦ - الراحة والهدوء. ٧ - تأمل الطفل، والنظر إليه. كما يحذّر المختصون من: إعادة تجميد الحليب إذا تمت إذابته، أو تسخين الحليب في المايكرويف؛ حيث تضيع نسبة كبيرة من القيمة الغذائية، أو ترك الحليب موضوعًا في درجة حرارة الغرفة. (١) ومن مساوئ هذه المضخة: إيواء البكتيريا بين ثنايا الجزء المطاطي المستخدم في الشفط، وتلف نسيج الثدي، وكونها تتطلب جهدًا كبيرًا في تشغيلها، ويحتمل أن يرهق تشغيلها المستخدم؛ لأنها تعتمد على قوته العضلية؛ بالضغط على البالون، أو سحب مقبض جهاز الضخ بطريقة متكررة. (٢)

стр. 300

ب - مضخة الثدي الآلية . وتسمى بالمضخة الكهربائية، وهي تعمل من خلال أنبوب بلاستيكي متصل بما يسمى بالبوق - وهو: الجزء الذي يثبت فوق حلمة الثدي -، ويجب لاستعمال هذه المضخة أيضًا تعقيم كافة أجزاء المضخة التي تلامس الحليب بشكل مباشر؛ لمنع تلوثه. ويمتاز هذا النوع من المضخات بكونه: ١ - يحقق سحباً أكثر، ويسمح بضخ الثديين في وقت واحد. ٢ - يقع في حجم أكبر من المضخات اليدوية. ٣ - يتوافر في شكل حقيبة تحمل على الظهر أو على الكتف. ٤ - يمكن تشغيلها في أي مكان خارجي إذا كانت تعمل على بطاريات محمولة. ٥ - يقع الجزء الخاص بالتخزين - عند بعض المصنعين - في هيأة زجاجة الإرضاع التي تستخدم لإطعام الرضيع؛ الأمر الذي يلغي الحاجة إلى نقل الحليب من وعاء الحفظ. ويمكن تصنيف مضخة الحليب الآلية إلى نوعين: الأول: مضخات خاصة بالمستشفيات. وتكون أكبر في حجمها، ومعدة للاستخدام المتعدد. الآخر: مضخات معدة للاستعمال الشخصي. (١)

стр. 301

المطلب الثاني أحكام آلات امتصاص الحليب وفيه فرعان: الفرع الأول حكم تصنيع آلات امتصاص الحليب حكم تصنيع آلات امتصاص الحليب جارٍ على الإباحة؛ كما هي في أصل الأشياء؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩]، وما أخبر الله بذلك إلا لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع سوى ما ورد في الشرع المنع منه لضرره (١)، وآلات امتصاص الحليب من خلقه. الفرع الثاني حكم استخدام آلات امتصاص الحليب في هذا الفصل عنونت المسألة الأولى في المطلب الرابع من المبحث الرابع بضابط الرضاع المحرم من حيث طريقة وصول الحليب إلى الرضيع، وانتهى المطاف هناك بترجيح ما قال به عامة العلماء (٢)، وهو اعتبار وصول الحليب إلى المعدة؛ سواء ارتضع الصبي من الثدي التقامًا أو حلب له اللبن، خلافًا لابن حزم الذي اشترط امتصاص الراضع من ثدي المرضعة بفيه ليكون الرضاع محرمًا (٣)، وأن ما يسقاه الصبي من لبن المرأة عن طريق الإناء، أو غيره؛ مما لا تتحقق فيه مادة المص المباشر بالفم من ثدي المرضع؛ لا يحرم شيئًا، ولو كان ذلك غذاءه دهره كله (٤)، وهذا مرجوح عند عامة العلماء؛ لأن عموم النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية لا تفرق بين طريقة أو أخرى، ولأن الحليب إذا وصل إلى الجوف فقد تحقق معنى الغذاء الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم، وهذا المعنى هو الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، ومن ثمَّ فلا تأثير لطريق حصوله؛ لأن العبرة بالحقائق والمعاني. وكان من ثمار هذه المسألة المطلب الآتي، وهو: المطلب الثالث أثر آلات امتصاص الحليب في انتشار المحرمية إن الآدمية إذا أرضعت الطفل مما حلبت من ثديها بواسطة آلات امتصاص الثدي المعاصرة؛ فإنه يثبت به التحريم في قول الجمهور، خلافًا لا بن حزم، كما تقدم قريبًا.

стр. 302

المبحث الثامن الحليب الصناعي المطلب الأول حقيقة الحليب الصناعي اللبن من أجل النعم التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان؛ حتى إنه امتن عز وعلا على عباده به في الدنيا، ووعد به المتقين في جنته، فقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [سورة النحل: ٦٦]، وقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [سورة محمد: ١٥]. كما قد بين النبي ﷺ فضل اللبن على غيره من الأطعمه؛ في مثل قوله: "إذا أكل أحدكم طعامًا؛ فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه، وإذا سقي لبنًا؛ فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه؛ فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن" (١).

стр. 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 304

وحين أتي رسول الله ﷺ بقدح من خمر ليلة الإسراء وقدح من لبن؛ نظر إليهما، ثم أخذ اللبن، فقال جبريل ﵇: "الحمد لله الذي هداك للفطرة؛ لو أخذت الخمر غوت أمتك" (١). ففي قول رسول الله ﷺ : "فإنه ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن"؛ إعجاز علمي؛ إذ كان العلم الحديث قد أثبت فوائد اللبن وكونه أكملَ الأغذية من دون أن يكون له نظير في خصائصه وصفاته لمَّا كان محتويًا على العناصر الغذائية الأساسية والضرورية التي لا يستغني عنها جسم الإنسان في جميع مراحل حياته؛ كالبروتينات، والكربوهيدرات (٢)، والدهون، والمعادن، والفيتامينات (٣). (٤)

стр. 305

ذلك، وإن حليب الثدي يعتبر أفضل أنواع الحليب الذي يتناوله الرضيع؛ إذ يودع الله فيه كل ما يحتاجه الرضيع من الفيتامينات والمعادن والبروتين وما يكسبه المناعة والصحة؛ حيث أثبتت الدراسات أنه لا تتحقق أفضل المستويات الصحية لكل من الأم والطفل إلا من خلال توفير الوضع الذي يسمح للأم بممارسة الرضاعة الطبعية المطلقة لمدة ٦ أشهر، مع إتمام الرضاعة الطبعية وإدخال الغذاء التكميلي لعمر سنتين. فالرضاعة الطبعية هي البداية الأفضل للمولود، وسبب حماية له وللأم، ومهما بلغت تقنيات شركات صناعة الحليب، فلن تستطيع إنتاج الحليب ذي التركيبة المثالية كحليب الأم؛ فهو يحتوي على أكثر من مائة نوع من العناصر والمواد الغذائية التي تفي باحتياجات الطفل، وبكميات تتناسب مع عمر الطفل ومراحل نموه المختلفة. تقول د. روث لورنس: على الرغم من أن العلوم الطبية قد خطت خطوات عظيمة في مجال التغذية؛ إلا أنها لم تستطع أن تقلد إلا جزءًا بسيطًا من لبن الأم، ولم تتمكن من إنتاج لبن مشابه بحال من الأحوال؛ فهناك أكثر من مائة إنزيم في لبن الأم؛ كلها غير موجودة في اللبن الصناعي ا. هـ (١) لقد أشارت الدراسات إلى أنه إذا تم إرضاع جميع الأطفال في غضون ساعة من الولادة، وأعطوا حليب الثدي فقط طيلة الأشهر الستة الأولى من حياتهم، واستمر الإرضاع من الثدي حتى بلوغهم السنتين من العمر؛ فسيتم إنقاذ حياة حوالي ٨٠٠٠٠٠ طفل كل عام. إن أقل من ٤٠% من الرضع دون ستة أشهر من العمر - على الصعيد العالمي - يرضعون رضاعة مقتصرة على الثدي فقط؛ رغم أن الكولوستروم أو ما يسمى اللبأ هو أول ما ينتج من الحليب للطفل، وهذا الحليب غني بكل ما يحتاجه الطفل.

стр. 306

وبما أن معدة المولود بحجم قبضة يده؛ فاللبأ يفرز بكميات قليلة؛ لعدم المكان الذي يستوعب كمية كبيرة من الحليب في معدته الصغيرة، ويوفر الحليب الأول مناعة كاملة ضد الجراثيم والأمراض المحيطة بالطفل، ويعتبر أول لقاح للطفل بعد الولادة؛ غير أن للمركبات الصناعية التي يتناولها الرضيع دورًا بارزًا في غسل هذه الحماية ووأدها. لقد أظهرت أحدث الدلائل العلمية أنه يجب تغذية الرضَّع من حليب أمهاتهم في فترة الأشهر الستة الأولى, إلى جانب تقديم أنواع أخرى من الطعام بشكل تدريجي, إلا أنه يجب أن تستمر الرضاعة الطبَعية من الثدي لمدة عامين أو أكثر؛ حسب الرغبة. ولذلك؛ تقوم به شركات تصنيع حليب الأطفال من كتابة الملحوظة الآتية على العبوة: حليب الأم الطبَعي هو الغذاء الأفضل لطفلك؛ استشيري طبيبك قبل أن تقرري استخدام هذا الحليب. (١) إنه عندما يكون جُل اهتمام المختصين منصبًّا على حليب الأم في إطار غذاء الرضيع، وعندما تستحث الأمهات على إرضاع أطفالهن حليبَهن؛ فإنهن يُدْعين إلى الفطرة؛ فهذا الحليب الذي أجراه الله تعالى في صدر المرأة ما أوجده عبثًا، ولا خلقه هملًا - تعالى الله -، ولكن كما يقول جل شأنه: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر: ٤٩]، وقال: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ﴾ [سورة المرسلات: ٢٣]. إن الصيحات التي بدأت تتعالى في الغرب تزداد يومًا بعد يوم لتهيب بالأمهات أن يعُدن إلى الرضاعة الطبَعية، حتى بات للمرضعة تقديرًا إنسانيًّا ومنزلة اجتماعية خاصة. لكن قد تقع بعض الأسباب التي لا يمكن معها إرضاع الأم ابنها طبَعيًّا؛ كالمرض، أو قلة اللبن، أو ربما حساسية خلقية يولد بها الطفل ضد اللبن واللاكتوز، وبالتالي تضطر الأم لإرضاعه صناعيًّا (٢)؛ الأمر الذي لا يعني نفي لجوء طائفة من النساء إلى الرضاعة الصناعية

стр. 307

إهمالًا للرضاعة الطبَعية جهلًا، أو قلة في الوعي والثقافة، أو كسلًا، أو خوفًا على نفسها أو رشاقتها في حدود معرفتها، أو انشغالًا منها بما استجد في إطار الحياة المدنية المعاصرة، أو تقليدًا عند الشعور بالنقص أمام النساء اللاتي يعشن في حضارات متقدمة، أو يكون ذلك نتيجة استغفال الشركات المنتجة للحليب الصناعي حينما تروج بضاعتها بدعايات وهمية، وإذا وجد من يستأجر رحمًا من غير مرض أو ضرورة؛ فلا يستغرب ما دونه. (١) ويمكن إجمال أسباب اللجوء إلى الحليب الصناعي للطفل فيما يأتي: ١ - احتقان ثدي الأم. وهذا ما يمكن تفاديه حين تكتفي الأم بالرضاعة الطبَعية لعدد لا يقل عن ثماني مرات في اليوم الواحد لمدة عشر دقائق في كل رضعة كحد أقل مع مراعاة تبديل الثدي مرة تلو أخرى، وتستعمل الكمادات الساخنة قبل الرضاعة لتسهيل تدفق الحليب. ٢ - تشقق حلمة الثدي. ويمكن علاج ذلك بالاستمرار في الرضاعة الطبَعية؛ لأن إدرار الحليب يساعد على علاج تشقق الحلمات، مع تهوية الحلمة، وتجنب استخدام الصابون والشامبو على الثدي؛ حيث يؤدي استعمالهما إلى جفاف الحلمة وتشققها، وتجنب شد الحلمة من فم الطفل؛ كما يستحسن في طور العلاج: ترك القطرة الأخيرة من الحليب لتجف على الصدر؛ لأنه يساهم في المنع من تشققها. ٣ - عدم حصول الرضيع على كفايته من الحليب.

стр. 308

ويعرف ذلك حينما لا تزيد عدد رضعات الطفل في اليوم الواحد من ثدي أمه عن سبع رضعات، أو يتوقف وزن الطفل، أو لا يخرِج البول أكثر من خمس مرات في اليوم، أو لا يخرج البراز أكثر من مرة خلال الأسابيع الأولى، أو لا يكون برازه أصفر بعد اليوم الثالث من الولادة، أو حين لا تسمع الأم صوت ابتلاع الطفل للحليب إلا بعد مرور دقائق من حين بدء الرضاعة، أو حين يكثر بكاء الطفل، أو يشعر بعدم الراحة والهدوء ٤ - عدم توافر الكفاية في حليب الأم. ويعود سبب ذلك إلى: استخدام الرضعات الصناعية، التوتر والإرهاق، عدم الراحة الكافية، الخطأ في وضعية الرضيع حال الرضاعة أو طريقة مص الحلمة، قلة عدد الرضعات وقصر فتراتها، عدم التغذية الكافية. (١) ومن حكمة الخالق سبحانه أن هيَّأ لكل أم حليبًا مناسبًا لرضيعه؛ ففي بداية إرضاع الطفل يكون الحليب أكثر سيولة، ويحتوي على كمية ماء أكثر؛ حتى يروي ظمأ الطفل، ثم تزاد كمية الدهون فيه شيئًا فشيئًا حتى يمد الطفل بالطاقة، وإذا ولد الطفل مبكرًا؛ فإن الحليب حينئذ يحتوي على نسب من البروتينات والطاقة، ومواد عضوية؛ مثل الحديد، والأملاح؛ بمعدلات تزيد على حليبها في الأوقات الأخرى، وإذا أنجبت الأم توأمًا فإنه يكون لديها كمية تقدر بضعف الكمية المخصصة لطفل واحد. ولا تحتاج الأم لتناول طعام معين لتقديم حليب جيد للطفل؛ إذ تكون نوعية حليب الأم جيدة إذا اجتنبت المصنَّعات بغض النظر عن الطعام المتناول. (٢) ومفهوم الرضاعة الطبَعية الحصرية يقتصر على حليب الأم فقط؛ مما يعني عدم تقديم الماء، أو السوائل، أو الشاي، أو المشروبات العشبية، أو العسل، أو التمر، أو الأطعمة؛ إلى الطفل في الأشهر الستة الأولى من العمر.

стр. 309

وذلك أن حليب الأم يحتوي على ٨٨% من الماء، إلى جانب استيفائه لكل ما يحتاجه الطفل لإرواء عطشه وإسكات جوعه؛ فضلًا عن كونه الطعام والشراب المتوافر الأفضل الذي يقدم إلى الطفل بحيث ينمو صحيحًا قويًا. (١) وللحديث عن نشأة الحليب الصناعي وتطوره؛ فإن صناعة الألبان تعد من الصناعات التي تحتل مكانًا بارزًا بين مختلف الصناعات، وقد تطورت في القرن العشرين بعد استخدام الوسائل الآلية الحديثة؛ الأمر الذي زاد من إقبال كافة الأجناس والفئات على منتجات الألبان. وتشير المصادر إلى أن البداية الأولى في تصنيع الحليب كانت عام ١٨١٠ م؛ الوقت الذي بدأت فيه تجارب تكثيف الحليب، ومحاولة إيجاد طرق للتخلص من كمية الماء الكائنة فيه؛ حتى تمتد فترة حفظه لوقت أطول. ثم انتشرت المصانع الكبيرة والوسائل الصناعية الحديثة في حدود ١٨٥٠ م، وهو الوقت الذي بدأ فيه التقدم الحقيقي لصناعة الألبان. (٢) ولبيان الأضرار الناشئة من الحليب الصناعي؛ فينبغي أن يكون ذلك على ضربين: أولًا: الأضرار المترتبة على الأم، وهي: التكلفة المادية، واحتقان الثدي، ووقت الإعداد، وتقرح الحلمة؛ بسبب اضطراب طريقة المص لدى الرضيع، وقلة كمية الحليب في ثديها، وانخفاض ثقتها بنفسها. ثانيًا: الأضرار المترتبة على الطفل، وهي: ١ - نقص التغذية، وفقر الدم الناتج عن نقص الحديد. ٢ - أمراض الجهاز التنفسي؛ حيث يزيد معدل الوفيات بين الرضع المعتمدين على الرضاعة الاصطناعية بمقدار أربع مرات على نظيره بين الرضع المعتمدين على الرضاعة الطبعية.

стр. 310

٣ - الإسهال؛ حيث يزيد معدل الوفيات بين الرضع المعتمدين على الرضاعة الاصطناعية أو أغذية بديلة بمقدار أربع عشرة مرة على نظيره بين الرضع المعتمدين على الرضاعة الطبعية. ٤ - أمراض المسالك البولية. ٥ - عسر الهضم. ٦ - نقص المناعة. ٧ - التخمة. ٨ - الربو، وهو شائع لدى الأطفال الذين يتغذون على المركبات الصناعية. ٩ - الأمراض الجلدية، والطفح الجلدي، وهو شائع لدى الأطفال الذين يتغذون على المركبات الصناعية ١٠ - احتمال التعرض لمرض السكري، لا سيما عند وجود تاريخ عائلي إصابةً بهذا المرض، وهذا يمكن أن يحدث بمحض إضافة زجاجة واحدة صناعية إلى جانب الحليب الطبَعي، وبالتالي عدم الشعور بالشبع عند الرضاعة الطبَعية التالية، ويظل الرضيع حينئذ في حالة من الانزعاج إلى حين إعطائه زجاجة أخرى، وذلك أن معدة الطفل صغيرة جدًا عند الولادة، وتقديم زجاجة إضافية من شأنه أن يمدد حجم المعدة. ١١ - الأضرار والأمراض الأخرى الناشئة من المعادن الموجودة بكميات مضاعفة؛ مثل: الكالسيوم، والفسفور، والصوديوم، والماغنسيوم، والبوتاسيوم. ١٢ - الآثار النفسية؛ حيث تعزز الرضاعة الطبَعية من الروابط الحميمية بين الأم وطفلها، وهو ما يؤدي بدوره إلى تنامي شعور الأمان عند الطفل. ١٣ - اضطراب طريقة المص. ١٤ - التأثير على منعكس المص؛ إذ إن الطريقة التي يقوم بها الطفل بالمص من الزجاجة تختلف بشكل كلي عن طريقة المص التي يقوم بها عند الرضاعة من الثدي. (١)

стр. 311

١٥ - الآثار الخُلُقية. وذلك لما للرضاع من أثر في نجابة الطفل، وكون الطفل يتخلق بأخلاق مرضعته، ولذا؛ كانت العرب تقول في التعجب والاستحسان: لله درّه، أي: يتعجبون من اللبن الذي رضع منه فأثر فيه هذه النجابة. وهذا المعنى هو الذي حدا ببعض فقهاء المسلمين إلى كراهية الارتضاع من لبن البهيمة؛ لأن من رضع من بهيمة؛ كان به بلادة البهيمة إذ كان الرضاع يغير الطباع (١)؛ قال البهوتي ت ١٠٥١ هـ: "بل يكاد أن يكون ذلك محسوسًا" (٢)، وقال معالي الشيخ د. صالح الفوزان: ولأجل هذا؛ فإن أكثر الناس اليوم لما صاروا يرضعون من الحليب الصناعي الذي هو من ألبان البقر؛ صارت أخلاقهم تشبه أخلاق البهائم، ولا حول ولا قوة إلا بالله ا. هـ (٣) والمقصود أن ذلك يؤثر في الرضيع الذي يشتد عظمه ولحمه بما يسد جوعته من الألبان ما لا يؤثر في الكبير (٤)، والله أعلم.

стр. 312

وفي المقابل يحتوي الحليب الطبَعي على المكونات الآتية: أ- الدهون. تتكون الدهون في حليب الأم من سلسلة من الأحماض الدهنية وغير الأساسية، وتتوافر بصورة متوازنة، وتكثر عند نهاية الرضعة، وتتميز دهون حليب الأم بإمداد الرضيع بالطاقة، ومساعدته في نمو الجهاز العصبي والدماغ، كما أن لها صفات وقائية تهاجم الميكروبات والفيروسات. ب- السكر. حليب الأم غني بسكر اللاكتوز، وهو النوع الرئيسي من الكربوهيدرات في الحليب، وتتجلى ضرورته في نمو الدماغ والجهاز العصبي، وامتصاص الكالسيوم والحديد والعناصر المعدنية الأخرى، وموازنة نسبة السوائل في الحليب وجسم الطفل، وكونه يلعب دورًا وقائيًّا في أمراض الجهاز التنفسي والنزلات المعوية والتهاب المسالك البولية. ج- البروتينات. مستوى البروتينات في حليب الأم أقل من أي حليب آخر، وهذه البروتينات سهلة الهضم، ومثالية للنمو وتطور الدماغ، ويكون اللبن غنيًّا في البداية بالبروتين بصفة خاصة، وحينما تكون الولادة مبكرة؛ فإنه يحتوي على نسبة بروتين أكثر. د- الكالسيوم. يعد محتوى الكالسيوم الموجود في حليب الأم سهل الامتصاص، وكافٍ لتلبية احتياجات الطفل الرضيع، وتعزز مادة اللاكتوز في الحليب من امتصاص الكالسيوم من قبل الرضيع. هـ- الحديد. إن عنصر الحديد الموجود في حليب الأم - وإن كان قليلًا نسبيًّا - لا يتأثر بمستوى الحديد الموجود في الجسم؛ إذ تعطي الأم التي تعاني من فقر الدم والتي لا تعاني من فقر الدم حليبًا يحتوي على نسبة الحديد نفسها، كما يتميز الحديد في حليب الآدمية بسهولة امتصاصه لدى الطفل. و- فيتامين د. تعتمد نسبة تركيز فيتامين د في حليب الأم على حالة فيتامين د عند الأم؛ فإذا كان جسمها يحتوي على نسبة جيدة من فيتامين د، فإن الطفل الذي الذي يولد بعد فترة حمل

стр. 313

كاملة؛ يولد ولديه مخزون جيد من فيتامين د، يدوم لفترة ثمانية أسابيع تقريبًا، ثم يحتاج بعد ذلك إلى التعرض للشمس لإنتاج فيتامين د الخاص به. ز- الماء. يحتوي حليب الأم على كميات مناسبة من الماء؛ تغني الرضيع عن شرب الماء. ج حليب اللبأ. وهو الحليب الذي يفرز في الأيام الأولى من الولادة، ويلبي كافة احتياجات المولود لعدة أيام، ويحتوي على مواد مناعية بصفة غنية تقي الرضيع من البكتيريا والفيروسات، بالإضافة إلى تليين الأمعاء، ويعتبر أول تحصين وتطعيم للمولود. (١) ومن شأن هذه المكونات ذات القدر المعتدل أن تجنب الرضيع الإصابة بحساسية الأنف والربو، وأن تبعد الجراثيم عن الالتصاق بخلايا الرئتين أو الأمعاء الهضمية؛ بفعل البروتينات، وأن تجنبهم الإصابة بالإكزيما التأبتية، أو الإصابة بداء بروتينات حليب الأبقار (٢)، وأن تقيهم أمراض الإسهال والجفاف، أو الالتهابات - وخصوصًا الحاد منها؛ في مثل الجهاز التنفسي الذي يعد سببًا رئيسيًّا في وفاة أكثر من مليون رضيع في العالم كل عام -، وتخفض نسبة

стр. 314

الإصابة بالسرطان، وتكافح الفيروسات والجراثيم العضوية، وتذيب الفطريات المسببة للأمراض؛ من خلال ما يحتويه من مضادات حيوية وإنزيمات وحوامض شحمية، كما أن من شأنها المساعدة على النمو الجيد للفك، وتفادي النمو غير العادي للأسنان أو حدوث النخر، والوقاية - على المدى البعيد - من أمراض الشريان التاجي والسرطان والعمى والسكري، وارتفاع الوزن أو السمنة في عمر متقدم؛ إذ كانت البروتينات التي أودعها الخالق تعالى في حليب الأم تدعم الجسم في تعامله مع المواد السكرية والدسمة في الدم، وتمده بالسعرات الحرارية اللازمة، وتمتص الحديد بسهولة؛ الأمر الذي يحميه من الأنيميا الناجمة عن نقص الحديد، وتحميه من الإصابة بمرض كساح الأطفال. ومن شأن حليب الآدمية أيضًا بمكوناته المذكورة آنفًا أن يوفر حماية إضافية من العدوى بزيادة قوة المناعة والمساهمة في تكوين الأجسام المضادة وإذابة الفطريات المسببة لأمراض، وأن يحفز على الذكاء، وتكوين مخ الإنسان ونمو العظام بشكل طبعي، والشعور بالشبع عند انتهاء الرضعة بسبب كثرة الدهون في نهاية الرضعة؛ الأمر الذي يساعد على الوصول إلى الوزن المرغوب، كما أن الأنسولين والكالسيتونين فيه يحفزان الرضيع على النوم. ويحافظ حليب الأم أيضًا على المحيط الحامِضي داخل المعدة والأمعاء (١)؛ الأمر الذي يحد من دخول الجراثيم المضرة، ويساعد على تكاثر المايكروبات المفيدة للجسم؛ كاللاكتوباسيل (٢)، ويلبي كافة احتياجات المولود عقب الولادة لعدة أيام؛ من خلال ما يسمى بلبن السرسوب، أو اللبأ. وكل ما سبق من فوائد الرضاعة الطبَعية؛ فهو مختص بالطفل.

стр. 315

ويعود ذلك إلى ما أودعه الله ﵎ في حليب الأم من الخصائص ابتداء من نقائه، ولبئه، ودرجة حرارته، ومرورًا بالإنزيمات والحوامض الشحمية (١)، والبروتينات، ومادة الأيمبونوجلويين (أ) (٢)، ومركب اللاكتوفرين (٣)، خلايا الدم البيضاء، والهرمونات، والعوامل المحفزة، واللاكتوز - وهو السكر الموجود في لبن الأم -، والحديد، وفيتامين د، وانتهاءً بكونه متوافرًا بشكل دائم ومعتدل، وكونه غذاءً متكاملًا. (٤) وأما فوائد الرضاعة الطبَعية للأم؛ فإنها تكمن في إفرازه هرمون الحمل وتنظيمه، وإفراز الهرمونات الأنثوية وتقليص الرحم بعد الولادة حتى يعود إلى حجمه الطبَعي، وفي انخفاض النزف بعد الولادة، وخفض مستوى احتمال الإصابة بسرطان الثدي والمبيض وهشاشة العظام وأمراض الرحم، وفي تحليل الدهون المترسبة أثناء الحمل؛ بحيث يجري مع ذلك استعادة وزن ما قبل الحمل وخسارة الوزن الزائد، وفي عدم تأخر عودة العادة الشهرية التي تعود بعد ثلاثة أشهر عادةً بعد الولادة، وفي كونها حائلًا دون الاضطرابات المبكرة لسن اليأس، وفي الشعور بالرضا الذاتي واستقرار الوضع النفسي؛ الأمر الذي يعود بشكل إيجابي على المجتمع وتنشئة الطفل، وفي دعم العلاقة العاطفية بينها وطلفها وإشباع غريزة الأمومة، وفي منع

стр. 316

الحمل طيلة فترة الرضاعة، وإعانة الأسرة بشكل عام على تنظيم الإنجاب، وهذا ما يقي الأم من الإجهاد الناجم عن تكرار الحمل في فترة قصيرة. (١) ويمكن تلخيص الفروق بين أنواع الحليب من خلال الجدول الآتي: (٢) النوع/الفرق حليب الأم الحليب الحيواني الحليب الصناعي البروتينات الكمية مناسبة، وسهلة في الهضم. الكمية كثيرة جدًا، وعسرة الهضم. معتدل جزئيًا. الدهون كمية كافية من الأحماض الدهنية الأساسية، ويحتوي على إنزيم الليباز؛ من أجل الهضم. نقص في الأحماض الدهنية الأساسية. لا يوجد إنزيم ليباز. الفيتامينات كافية. لا يوجد ما يكفي من فيتامين أوس. الفيتامينات مضافة إليه. الأملاح المعدنية يحتوي على الكمية المناسبة. يحتوي على كمية كبيرة. معتدل جزئيًّا. الحديد كمية قليلة، وامتصاص جيد. كمية قليلة، ولا يتم امتصاصها جيدًا. يضاف إليه، والامتصاص غير جيد. الماء كمية الماء كافية. يحتاج للمزيد. يحتمل الحاجة للمزيد. الصفات المضادة للأمراض موجودة. غير موجودة. غير موجودة. عناصر للنمو موجودة. غير موجودة. غير موجودة.

стр. 317

غير أن بعض النساء لا ينبغي أن يقوموا بالرضاعة الطبَعية، وهن: ١ - اللاتي يأخذن العلاج الكيميائي أو الإشعاعي للسرطان. ٢ - اللاتي يحملن فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز). ٣ - اللاتي يتعاطين الأدوية التي تفرز في حليب الثدي بكميات كبيرة أو تشكل خطرًا (١).

стр. 318

المطلب الثاني أنواع الحليب الصناعي لقد أصبح اللبن يشكل ثروة رئيسية في البلدان المتقدمة، فتطورت صناعته وتعقدت تقنياته؛ حتى إنه ليخضع إلى معالجات كثيرة، ومواد عديدة تضاف إليه؛ إما لرفع جودته الغذائية، أو تحسين منظره أو طعمه، أو كف الفساد أو التلف الذي يحتمل طروؤه عليه. وإن هذه الإضافات ليست على نوع واحد؛ فإن منها ما يكون طبعي المنشأ، ومنها ما لا يكون كذلك؛ بل صناعيًّا. ومن المناسب قبل بيان أنواع الحليب الصناعي؛ الإشارة إلى أنواع الأشربة الحيوانية - التي تعد من مكونات الحليب الصناعي - من حيث المصدر: (١) ١ - حليب البقر، وهو من أكثر أنواع الحليب استعمالًا في العديد من دول العالم. ٢ - حليب الإبل، وهو من أهم مصادر الحليب في المناطق الصحراوية. ٣ - حليب الغنم، وهو مصدر مهم لبعض الدول. كما أن الأشربة الحيوانية من حيث المعاملة تتنوع إلى ما يأتي: (٢) ١ - الحليب المبستر، وهو ما تعرض فيه الحليب إلى إحدى طرق البسترة بتسخينه إلى درجة حرارة أقل من الغليان لفترة من الوقت لا تؤثر على خواصه الطبَعية والغذائية؛ يقضى من خلالها على جميع الميكروبات المرضية، ونسبة كبيرة من الميكروبات غير المرضية التي تسبب فساد الحليب، وذلك؛ لأجل ضمان صلاحيته للآدمي من الناحية الصحية، وحفظه من التلف لفترة قصيرة. ٢ - الحليب المعقم، وهو ما عومل فيه الحليب بدرجة حرارة تقضي على جميع الميكروبات؛ ضارة أو غير ضارة؛ لضمان صلاحيته للاستهلاك وحفظه من الفساد مدة طويلة. ٣ - الحليب المركز، وهو ما أزيل من الحليب فيه قرابة ٦٠% من مائه، وجهز بتسخينٍ كامل ومبستر، وبعد تبخير الماء يعقم بالحرارة. ٤ - الحليب المجنس، وهو ما تكسرت فيه وحدات الدهن إلى أصغر حجم ممكن؛ حتى لا تطفو على سطحه.

стр. 319

٥ - الحليب المجفف، وهو ما يتخلص فيه من نسب الماء في الحليب بشكل كبير؛ بحيث لا تزيد عن ٤% بعد التجفيف؛ ليصبح على هيئة مسحوق. وصانعوا الأغذية يستخدمون مئات المواد الإضافية أثناء عمليات التصنيع المختلفة، لكن ما يعنينا هنا هو ما يضاف إلى الحليب أو اللبن من المواد، وهي على النحو الآتي: (١) ١ - ثاني أكسيد الكبريت (E ٢٢٠) (٢). وتعتبر هذ المادة طبَعية المصدر، وهي مادة حافظة تضاف لبعض الأغذية؛ إلا أنها ذات تأثير في القناة الهضمية إذ كانت سببًا في التهابها، كما أنها متلفة للفيتامين B ١. ٢ - حمض الأسكوربيك (E ٣٠٠). وهي مادة طبعية؛ تستخرج من الفواكه والخضروات، ويمكن تصنيعها بالطرق البيلوجية، كما أنها مادة حافظة ومضادة للأكسدة؛ تضاف لبعض الأغذية؛ كالحليب المجفف والمركز، وينصب تأثيرها على الكلى؛ حيث تتسبب بالحصوات فيها إذا استُعمل منها ١٠ غرام يوميًّا. ٣ - صمغ جوار (E ٤١٢). وهي مادة طبعية تستجلب من النباتات، وتستعمل كمكثف ومثبت للمستحلبات، وإذا استخدمت بكميات كبيرة انعكس ذلك سلبًا على البطن؛ حيث تتسبب في تقلصات وانتفاخات، إلى جانب ما يصحب ذلك من الغثيان، ومن فوائدها خفضها لمستوى السكر والكولسترول؛ فهي مفيدة لمرضى القلب والسكري. ٤ - لسيثين (E ٣٢٢). وهي مادة طبعية؛ تستخلص من بعض النباتات، ومن الحيوانات، تضاد الأكسدة، ومنظمة للدهون في الجسم، ولا يعرف لها أضرار. ٥ - أمونيوم سترات الحديد.

стр. 320

تحضر هذه المادة من حمض الستريك، وتضاف إلى لبن الأطفال لتعويض نقص الحديد، ولا يعرف لها أضرار حتى الآن. ٦ - كراجينان (E ٤٠٧). وهي مادة طبعية تستحضر من بعض الأعشاب، وتستعمل للاستحلاب (١)، وقد تسبب قرحة وآلامًا في الأمعاء، كما قد تسبب السرطان. ٧ - ثنائي صوديوم ثنائي هيدروجين ثنائي فوسفات. مصدر هذه المادة هو ملح الصوديوم من حمض الفسفوريك، وتستعمل كمادة استحلاب، ولا يعرف لها أضرار حتى الآن. ٨ - ثلاثي صوديوم ثنائي الفوسفات. وهي كسابقتها في المصدر، والاستعمال، وعدم الأضرار. ٩ - بنتا صوديوم ثلاثي الفوسفات. وهي مادة صناعية؛ تستعمل في الاستحلاب، وقد تتسبب في عدم نشاط الإنزيمات الموجودة في الجهاز الهضمي. ١٠ - بوتاسيوم عديد الفوسفات (E ٤٥٠). وهي كسابقتها في المصدر، والاستعمال، والأضرار. ١١ - كاربوكسي مثيل سيليلوز وملح صوديوم. وهي مادة صناعية مغلظة ومثبتة. ١٢ - ثنائي هيدروجين سترات البوتاسيوم. تستحضر هذه المادة من ملح بوتاسيوم لحمض الستريك؛ بغرض التثبيت، ولا يعرف لها أضرار حتى الآن. تلك كانت أهم أنواع الإضافات إلى الحليب الصناعي. المطلب الثالث أحكام الحليب الصناعي الفرع الأول حكم تصنيع الحليب الصناعي تقدم الكلام فوائد الرضاعة الطبيعة، وما أودع الله تعالى حليب الأم من عناصر ومحتويات. ولذلك؛ فإن الشريعة الإسلامية ما زالت تدعو إلى الرضاعة الطبعية كما كانت تدعو إلى الأغذية التكاملة التي تجعل من جسد المسلم وسيلة إلى السلامة والعافية؛ إذ كان المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف (٢)، حتى قيل: إن الصحة هي أفضل ما أنعم الله به على الإنسان بعدالإسلام حين كان التصرف والقيام بطاعة مناطًا بطاعة الله ﵎. (٣) وقد تطرق بعض الفقهاء إلى حكم إعطاء الرضيع من لبن البهيمة، فكرهوا الارتضاع من البهيمة. (٤) وعللوا لذلك بأن من رضع من بهيمة؛ كان به بلادة البهيمة؛ إذ كان الرضاع يغير الطباع (٥)؛ قال البهوتي ت ١٠٥١ هـ: "بل يكاد أن يكون ذلك محسوسًا". (٦) ولكن إذا كان الرضاع واجبًا على الأم (٧)، أو كان للحليب الصناعي آثار السلبية؛ فإن ذلك لا يعني عدم جواز تصنيعه؛ ما دام ضرره لم يغلب نفعه؛ لأن الله تعالى خلق الأرض
следующие страницы →