← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الحمل طيلة فترة الرضاعة، وإعانة الأسرة بشكل عام على تنظيم الإنجاب، وهذا ما يقي الأم من الإجهاد الناجم عن تكرار الحمل في فترة قصيرة. (١) ويمكن تلخيص الفروق بين أنواع الحليب من خلال الجدول الآتي: (٢) النوع/الفرق حليب الأم الحليب الحيواني الحليب الصناعي البروتينات الكمية مناسبة، وسهلة في الهضم. الكمية كثيرة جدًا، وعسرة الهضم. معتدل جزئيًا. الدهون كمية كافية من الأحماض الدهنية الأساسية، ويحتوي على إنزيم الليباز؛ من أجل الهضم. نقص في الأحماض الدهنية الأساسية. لا يوجد إنزيم ليباز. الفيتامينات كافية. لا يوجد ما يكفي من فيتامين أوس. الفيتامينات مضافة إليه. الأملاح المعدنية يحتوي على الكمية المناسبة. يحتوي على كمية كبيرة. معتدل جزئيًّا. الحديد كمية قليلة، وامتصاص جيد. كمية قليلة، ولا يتم امتصاصها جيدًا. يضاف إليه، والامتصاص غير جيد. الماء كمية الماء كافية. يحتاج للمزيد. يحتمل الحاجة للمزيد. الصفات المضادة للأمراض موجودة. غير موجودة. غير موجودة. عناصر للنمو موجودة. غير موجودة. غير موجودة.

стр. 317

غير أن بعض النساء لا ينبغي أن يقوموا بالرضاعة الطبَعية، وهن: ١ - اللاتي يأخذن العلاج الكيميائي أو الإشعاعي للسرطان. ٢ - اللاتي يحملن فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز). ٣ - اللاتي يتعاطين الأدوية التي تفرز في حليب الثدي بكميات كبيرة أو تشكل خطرًا (١).

стр. 318

المطلب الثاني أنواع الحليب الصناعي لقد أصبح اللبن يشكل ثروة رئيسية في البلدان المتقدمة، فتطورت صناعته وتعقدت تقنياته؛ حتى إنه ليخضع إلى معالجات كثيرة، ومواد عديدة تضاف إليه؛ إما لرفع جودته الغذائية، أو تحسين منظره أو طعمه، أو كف الفساد أو التلف الذي يحتمل طروؤه عليه. وإن هذه الإضافات ليست على نوع واحد؛ فإن منها ما يكون طبعي المنشأ، ومنها ما لا يكون كذلك؛ بل صناعيًّا. ومن المناسب قبل بيان أنواع الحليب الصناعي؛ الإشارة إلى أنواع الأشربة الحيوانية - التي تعد من مكونات الحليب الصناعي - من حيث المصدر: (١) ١ - حليب البقر، وهو من أكثر أنواع الحليب استعمالًا في العديد من دول العالم. ٢ - حليب الإبل، وهو من أهم مصادر الحليب في المناطق الصحراوية. ٣ - حليب الغنم، وهو مصدر مهم لبعض الدول. كما أن الأشربة الحيوانية من حيث المعاملة تتنوع إلى ما يأتي: (٢) ١ - الحليب المبستر، وهو ما تعرض فيه الحليب إلى إحدى طرق البسترة بتسخينه إلى درجة حرارة أقل من الغليان لفترة من الوقت لا تؤثر على خواصه الطبَعية والغذائية؛ يقضى من خلالها على جميع الميكروبات المرضية، ونسبة كبيرة من الميكروبات غير المرضية التي تسبب فساد الحليب، وذلك؛ لأجل ضمان صلاحيته للآدمي من الناحية الصحية، وحفظه من التلف لفترة قصيرة. ٢ - الحليب المعقم، وهو ما عومل فيه الحليب بدرجة حرارة تقضي على جميع الميكروبات؛ ضارة أو غير ضارة؛ لضمان صلاحيته للاستهلاك وحفظه من الفساد مدة طويلة. ٣ - الحليب المركز، وهو ما أزيل من الحليب فيه قرابة ٦٠% من مائه، وجهز بتسخينٍ كامل ومبستر، وبعد تبخير الماء يعقم بالحرارة. ٤ - الحليب المجنس، وهو ما تكسرت فيه وحدات الدهن إلى أصغر حجم ممكن؛ حتى لا تطفو على سطحه.

стр. 319

٥ - الحليب المجفف، وهو ما يتخلص فيه من نسب الماء في الحليب بشكل كبير؛ بحيث لا تزيد عن ٤% بعد التجفيف؛ ليصبح على هيئة مسحوق. وصانعوا الأغذية يستخدمون مئات المواد الإضافية أثناء عمليات التصنيع المختلفة، لكن ما يعنينا هنا هو ما يضاف إلى الحليب أو اللبن من المواد، وهي على النحو الآتي: (١) ١ - ثاني أكسيد الكبريت (E ٢٢٠) (٢). وتعتبر هذ المادة طبَعية المصدر، وهي مادة حافظة تضاف لبعض الأغذية؛ إلا أنها ذات تأثير في القناة الهضمية إذ كانت سببًا في التهابها، كما أنها متلفة للفيتامين B ١. ٢ - حمض الأسكوربيك (E ٣٠٠). وهي مادة طبعية؛ تستخرج من الفواكه والخضروات، ويمكن تصنيعها بالطرق البيلوجية، كما أنها مادة حافظة ومضادة للأكسدة؛ تضاف لبعض الأغذية؛ كالحليب المجفف والمركز، وينصب تأثيرها على الكلى؛ حيث تتسبب بالحصوات فيها إذا استُعمل منها ١٠ غرام يوميًّا. ٣ - صمغ جوار (E ٤١٢). وهي مادة طبعية تستجلب من النباتات، وتستعمل كمكثف ومثبت للمستحلبات، وإذا استخدمت بكميات كبيرة انعكس ذلك سلبًا على البطن؛ حيث تتسبب في تقلصات وانتفاخات، إلى جانب ما يصحب ذلك من الغثيان، ومن فوائدها خفضها لمستوى السكر والكولسترول؛ فهي مفيدة لمرضى القلب والسكري. ٤ - لسيثين (E ٣٢٢). وهي مادة طبعية؛ تستخلص من بعض النباتات، ومن الحيوانات، تضاد الأكسدة، ومنظمة للدهون في الجسم، ولا يعرف لها أضرار. ٥ - أمونيوم سترات الحديد.

стр. 320

تحضر هذه المادة من حمض الستريك، وتضاف إلى لبن الأطفال لتعويض نقص الحديد، ولا يعرف لها أضرار حتى الآن. ٦ - كراجينان (E ٤٠٧). وهي مادة طبعية تستحضر من بعض الأعشاب، وتستعمل للاستحلاب (١)، وقد تسبب قرحة وآلامًا في الأمعاء، كما قد تسبب السرطان. ٧ - ثنائي صوديوم ثنائي هيدروجين ثنائي فوسفات. مصدر هذه المادة هو ملح الصوديوم من حمض الفسفوريك، وتستعمل كمادة استحلاب، ولا يعرف لها أضرار حتى الآن. ٨ - ثلاثي صوديوم ثنائي الفوسفات. وهي كسابقتها في المصدر، والاستعمال، وعدم الأضرار. ٩ - بنتا صوديوم ثلاثي الفوسفات. وهي مادة صناعية؛ تستعمل في الاستحلاب، وقد تتسبب في عدم نشاط الإنزيمات الموجودة في الجهاز الهضمي. ١٠ - بوتاسيوم عديد الفوسفات (E ٤٥٠). وهي كسابقتها في المصدر، والاستعمال، والأضرار. ١١ - كاربوكسي مثيل سيليلوز وملح صوديوم. وهي مادة صناعية مغلظة ومثبتة. ١٢ - ثنائي هيدروجين سترات البوتاسيوم. تستحضر هذه المادة من ملح بوتاسيوم لحمض الستريك؛ بغرض التثبيت، ولا يعرف لها أضرار حتى الآن. تلك كانت أهم أنواع الإضافات إلى الحليب الصناعي. المطلب الثالث أحكام الحليب الصناعي الفرع الأول حكم تصنيع الحليب الصناعي تقدم الكلام فوائد الرضاعة الطبيعة، وما أودع الله تعالى حليب الأم من عناصر ومحتويات. ولذلك؛ فإن الشريعة الإسلامية ما زالت تدعو إلى الرضاعة الطبعية كما كانت تدعو إلى الأغذية التكاملة التي تجعل من جسد المسلم وسيلة إلى السلامة والعافية؛ إذ كان المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف (٢)، حتى قيل: إن الصحة هي أفضل ما أنعم الله به على الإنسان بعدالإسلام حين كان التصرف والقيام بطاعة مناطًا بطاعة الله ﵎. (٣) وقد تطرق بعض الفقهاء إلى حكم إعطاء الرضيع من لبن البهيمة، فكرهوا الارتضاع من البهيمة. (٤) وعللوا لذلك بأن من رضع من بهيمة؛ كان به بلادة البهيمة؛ إذ كان الرضاع يغير الطباع (٥)؛ قال البهوتي ت ١٠٥١ هـ: "بل يكاد أن يكون ذلك محسوسًا". (٦) ولكن إذا كان الرضاع واجبًا على الأم (٧)، أو كان للحليب الصناعي آثار السلبية؛ فإن ذلك لا يعني عدم جواز تصنيعه؛ ما دام ضرره لم يغلب نفعه؛ لأن الله تعالى خلق الأرض

стр. 321

وجميع ما فيها، وجعلها لبني آدم منافع؛ سوى ما ورد في الشرع المنع منه لضرره (١)، فقال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩]، والحليب الصناعي من خلقه سبحانه، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الأعراف: ٣٢]؟ ، فأنكر سبحانه على من حرَّم ما خلق الله لعباده من المآكل، والمشارب، والملابس، وتوابعها (٢)، وقال جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [سورة البقرة: ١٦٨]. الفرع الثاني حكم استخدام الحليب الصناعي لاستخدام الحليب الصناعي أحكام تتناوله من نواح عدة؛ جعلتها وفق المسائل الآتية: المسألة الأولى: تعلق التحريم بحليب البهائم . صورة المسألة: إذا شرب صبيان من حليب شاة؛ فهل يتعلق بهذا اللبن تحريم، بحيث تثبت بينهما أخوة؟ القول الأول: لا يتعلق بلبن البهيمة تحريم ؛ فإذا شرب صبيَّان من لبن شاة؛ لم يكن ثمَّ رضاع بينهما، ولم يصيرا أخوين. وهو قول عامة أهل العلم؛ من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن القاسم (٧)، وأبوثور (٨).

стр. 322

القول الثاني: إذا ارتضع اثنان من لبن بهيمة صارا أخوين . وهو محكي عن بعض السلف (١)، واستنكره ابن قدامة (٢). - الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إنه لا جزئية بين الآدمي والبهائم. (٣) ٢ - إنما هذا كالطعام والشراب. (٤) ٣ - إنما يحرم لبن الآدميات لا البهائم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وقال في الرضاعة: ﴿فِإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوْهُنَّ أُجُوْرَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٦]، وقال عز ذكره: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]. (٥) ٤ - إن هذا لا يتعلق به تحريم الأمومة؛ فلا يثبت به تحريم الأخوة؛ لأن الأخوة فرع على الأمومة وأولى بعد الثبوت، وكذلك لا يتعلق به تحريم الأبوة؛ لذلك. (٦) ٥ - إن هذا اللبن لم يخلق لغذاء المولود؛ فلم يتعلق به التحريم، كسائر الطعام. (٧) - الترجيح: الراجح أنه لا يتعلق بلبن البهيمة تحريم؛ لأن الرضاع المحرِّم في الشريعة يحرِّم ما يحرمه النسب، ولا نسب بين الآدميين والبهائم، وهذا ما بات محل اتفاق بين الفقهاء (٨). - ثمرة الخلاف: يترتب على هذه المسألة أثر في فروع، منها: ١ - إذا شرب صغيران حليبًا مصنَّعًا من حليب البقر؛ لم تثبت بينهما أخوة. (٩) ٢ - لو شرب غلام وجارية لبن بهيمة؛ من شاة، أو بقرة، أو ناقة، أو فرس؛ لم يكن هذا رضاعًا، ولم يصيرا أخوين. (١٠)

стр. 323

المسألة الثانية: خلط حليب الآدمية بالحليب الحيواني . تطرق بعض الفقهاء إلى مسألة اختلاط حليب المرأة بحليب الشاة من حيث استمرار صفة التحريم في لبن الآدمية، وقد اختلفوا في ذلك على ما يأتي: القول الأول: إذا غلب حليب المرأة؛ تعلق به التحريم، وكذا إذا استويا ، وإن غلب حليب الشاة؛ لم يتعلق به التحريم. وبه قال الحنفية (١). القول الثاني: إذا غلب حليب المرأة تعلق به التحريم، ولم ينصوا على حالة الاستواء ، والظاهر أنها لا تحرم عندهم؛ لعدم تحقق قيد الغلبة. وبه قال المالكية (٢). - الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن الاعتبار للغالب، كما في الماء (٣)، ولغير المغلوب أيضًا، كما إذا تساوى؛ لأنه ليس مستهلكًا. (٤) - الترجيح: الراجح ثبوت التحريم من حليب الآدمية المخلوط بالحليب الحيواني غالبًا كان أو مغلوبًا؛ إذا بقي مسمى الحليب بعد الخلط؛ لعموم النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية، ولأن الحليب المخلوط إذا وصل إلى الجوف فقد تحقق معنى الغذاء الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم بوصول، وهذا المعنى هو الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم؛ كما لو فصل هذا الحليب المخلوط وشرب لوحده. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - إذا خلط الحليب الصناعي الحيواني بحليب الآدمية الواحدة (٥)، وكان قدر الأخير يصلح أن يكون رضعة واحدة مشبعة لو انفرد عما خلط معه؛ ثبت التحريم بحليب الآدمية إذا بلغ العدد المجزئ. المسألة الثالثة: بول الغلام الرضيع الذي لم يأكل الطعام إذا تغذى على الحليب الصناعي . أثار هذه المسألة الشيخ د. عبد العزيز الراجحي في شرحه عمدةَ الفقه؛ حيث قاس الحليب الصناعي على الطعام في وجوب الغسل وعدم إجزاء النضح، فيقول: بول الغلام الذي لم يأكل الطعام يكفي فيه النضح، والمعنى: صب الماء عليه فقط من دون رش أو فرك، إذا كان لم يأكل الطعام فيكفي النضح، وهذا خاص بالغلام الذكر, أما الأنثى فلا بد من غسله؛ فلا يكفي النضح، وكذلك إذا أكل الغلام الطعام, أو كان يشرب من الحليب الصناعي ويتغذى به فلا بد من غسله، وإن كان لم يأكل الطعام ويرضع من حليب أمه فيكفيه النضح، وكذلك بول الأنثى لا بد من غسله على كل حال ا. هـ (٦)، وقد وافقه الشيخ عبد المحسن الزامل (٧). وفي المقابل رأى بعض المعاصرين إلحاق الحليب الصناعي بالطَّبعي في حكم النضح بجامع عدم تطرق شهوة الطعام للصبي في كلٍّ، ورجح بعض أصحاب هذه الوجهة الغسل في معنى النضح لا مجرد الرش؛ مثل معالي الشيخ أ. د. سعد الخثلان. (٨)

стр. 324

والأقرب إلحاق الحليب الصناعي بالحليب الطبَعي في حكم النضح من بول الغلام؛ لأنه يسمى حليبًا، وقد كان من عادة النبي ﷺ تحنيك الأطفال بالتمر عند ولادتهم (١)، ولا يخلو من ذلك وأمثاله مولود غالبًا، فإذا أكل الطفل الطعام وأراده واشتهاه؛ بحيث لا يسد الحليب جوعته؛ لم يجزئ النضح من بوله. المسألة الرابعة: إرضاع الطفل الحليبَ الحيواني . نص بعض فقهاء الحنابلة على كرهة إرضاع الصبي من حليب البهيمة (٢)، وعللوا لذلك بأن من رضع من بهيمة؛ كان به بلادة البهيمة؛ إذ كان الرضاع يغير الطباع (٣)؛ قال البهوتي ت ١٠٥١ هـ: "بل يكاد أن يكون ذلك محسوسًا". (٤) بينما يشير فقهاء المذاهب الأخرى إلى هذه المسألة لممًا عند الكلام على مسائل أخرى؛ كالمعقود عليه في الظئر المستأجرة، فحين قرر الحنفية أن المعقود عليه هو منفعة الثدي من اللبن؛ قالوا: لو ربت الظئر الصغير بلبن الأنعام؛ لم تستحق الأجر ولو قامت بمصالحه؛ لأن اللبن هو المقصود من العقد، وليس هو تبعًا (٥)؛ فأنت ترى تمثيلهم بإرضاع الرضيع من لبن الأنعام دون نكير منهم. وكذلك فعل أبو محمد ابن قدامة ت ٦٢٠ هـ حين قال: ومتى لم ترضعه - أي: الظئر المستأجرة -، وإنما أسقته لبن الغنم، أو أطعمته؛ فلا أجر لها؛ لأنها لم توف المعقود عليه، فأشبه ما لو اكتراها لخياطة ثوب؛ فلم تخطه ا. هـ (٦)؛ فانظر كيف عطف عموم الطعام - والأصل فيه الجواز - على لبن الغنم، وقاسه على مباح، وهو الخياطة.

стр. 325

وإذا ثبت بالحس (١) ما ذكره بعض الحنابلة فينبغي أن يكره تناول حليب الحيوانات الصناعي للرُّضع. المسألة الخامسة: حكم تعاطي الحليب الصناعي . تقدم بيان الإضافات التي تضاف إلى اللبن؛ من أجل تعظيم النفع بها؛ بزيادة في كميتها، أو إطالة مدة صلاحيتها، أو تحسين طعمها ورائحتها. وهذه المواد المضافة قد أثارت جدلًا في الدول الصناعية ما بين مؤيد لإضافتها إلى الغذاء ومعارض لذلك، وما فتئت تلك المواد تثير تباينًا في الآراء في جميع أنحاء العالم من المختصين في مجال الغذاء ومن غيرهم؛ فالناس في شأنها منقسمون إلى فريقين: الفريق الأول: يحذر من استخدامها في الغذاء مطلقًا، ويرى أنها مواد كيميائية ضارة وليس فيها نفع إلا لأصحاب المصانع الغذائية التي تستخدم تلك الإضافات للحصول على ثروات طائلة على حساب المستهلك. الفريق الآخر: يثق بتلك المواد المضافة ثقة مطلقة، ويرى أن التحذير منها ما هو إلا هجوم على العلم والتكنولوجيا التي أنتجت تلك المواد المضافة. (٢) وقد بحث هذه المسألة طائفة من العلماء المعاصرين، وانتهوا إلى جواز تعاطي الحليب الصناعي، ويقيد بعضهم الجواز بالتعاسر بين الزوجين، أو عدم كفاية الحليب الطبَعي. وبجواز تعاطي الحليب الصناعي قال ابن عثيمين (٣)، وعليه فتوى اللجنة الدائمة (٤)، واختاره بعض الباحثين في رسائلهم العلمية (٥).

стр. 326

قال ابن عثيمين ت ١٤٢١ هـ: قوله تعالى: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦]؛ في هذا بشارة لمن عنده طفل وتعاسر مع أمه أن الله سيجعل له فرجًا وسترضع له امرأة أخرى، وفي عصرنا الحاضر - والحمد لله - هناك فرج آخر، وهو: الحليب الصناعي ا. هـ (١) ويضيف زين العابدين الإدريسي (٢): وقد يعتريها الحظر في الحالات التالية لأمر عارض: فيما إذا ثبت تجاوز مصنِّعٍ ما للضوابط المحددة للسلامة، أو تبين خطأ الدراسات المثبتة لسلامة مادة معينة وثبت ضررها، أو كان الإفراط في التناول يماثل في ضرره الضرر الناتج عن زيادة المادة المضافة على النسبة المحددة للسلامة، أو توقف الضرر على خصائص معينة في بعض الأجسام البشرية؛ كالحساسية؛ فيلحقه الحظر دون غيره، وذلك اعتبارًا بقاعدة درء المفاسد المقدم على جلب المصالح إذا تعارض مفسد ومصلح، وحفظًا للنفس من الإلقاء بها إلى التهلكة ا. هـ بتصرف يسير. وقد استدلوا لذلك بما يأتي: ١ - قول الحق جل ذكره: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [سورة يوسف: ٤٧ - ٤٨]؛ فتركه في السنبل إنما كان خشية التسوس، وليكون ذلك أحسن في إطالة مدة صلاحيته، وحفظه من الفساد والتلف. (٣) ويمكن أن يناقش هذا الدليل بما يأتي: أ- كون حفظ الطعام في هذه الصورة جاء لا بوسيلة صناعية، بل بالطريقة الطبعية. ٢ - تخريجها على ما عليه العمل قديمًا وحديثًا من إضافة الروبة إلى الحليب لئلا يفسد حين يتحول إلى رائب ثم مخيض أو مضروب. (٤) ٣ - القياس على إضافة الرُّبّ إلى السمن، وهي إضافة لغرض تحسين الطعم والرائحة. (٥)

стр. 327

٤ - قياسها على إضافة الملح إلى اللحم لئلا ينتن ويتعفن، فحيث كانت الإضافة هنا إلى المادة الأصلية بغرض شبيه اقتضت حكمًا واحدًا. (١) ٥ - ما عليه العمل في القديم والحديث من تجفيف بعض الثمار؛ كالتمر، والعنب، ولو لم تكن في هذه المعالجات إضافة؛ إلا أن الغرض منها إصلاح تلك الأغذية. (٢) ٦ - إن الأصل في الأعيان الطاهرة غير المسكرة ولا المخدرة ولا الضارة: الجواز؛ لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩] (٣)، وما أخبر الله بذلك إلا لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع سوى ما ورد في الشرع المنع منه لضرره (٤). لكن هذا لا يعني حسم الحكم، بل ينبغي إعادة النظر في الألبان الصناعية المنتجة مجففةً؛ لأن مما يثير الشك سحبَ بعض المواد المضافة ومنعَ استخدامها بعدما كانت ضمن قائمة السماح باستخدامها في الغذاء، وذلك عندما ثبت أنها تشكل خطرًا على الصحة؛ مثل مادة الدلسين، والسيكلاميت، والفرافيت، والإنثرانيتليت. (٥) كما قد تثار الشكوك عن سلامة بعض المواد المضافة، فتقوم الأبحاث العلمية للتأكد من صحة ما أثير حول تلك المادة لتنفي تلك الشكوك أو تؤكدها، وقد يتكرر ذلك في المادة الواحدة؛ في مثل مادة السكرين، والأسبرتيم. (٦) ويتبين مما تقدم الآتي: أولًا: يكره إرضاع المولود من لبن البهيمة الطازج أو المصنَّع، ولا يتعلق به تحريم؛ فلو شرب غلام وجارية لبن بهيمة؛ من شاة، أو بقرة، أو ناقة، أو فرس؛ لم يكن هذا رضاعًا، ولم يصيرا أخوين، أو شرب صغيران حليبًا مصنَّعًا من حليب البقر؛ لم تثبت بينهما أخوة. ثانيًا: إذا خلط الحليب الصناعي الحيواني بحليب الآدمية الواحدة، وكان قدر الأخير يصلح أن يكون رضعة واحدة مشبعة لو انفرد عما خلط معه؛ ثبت التحريم بحليب الآدمية. ثالثًا: يلحق الحليب الصناعي بالحليب الطبَعي في حكم النضح من بول الغلام الذي يسد الحليب جوعته.

стр. 328

المبحث التاسع: قارورة الرضاعة المطلب الأول: حقيقة قارورة الرضاعة تتكون قارورة الرضاعة - في الغالب - من عبوة، وحلمة، وإطار للحلمة، وغطاء. وقد أثبتت الأبحاث بأن البكتيريا لا تنمو بسرعة في حليب الأم ويمكن الاحتفاظ به في درجة حرارة الغرفة، وهذا ما يعني أنه ليس من اللازم نقل الحليب إلى الثلاجة بعد شفطه مباشرة في كل حال، ولكن من المستحسن ترك الحليب في الثلاجة في أسرع وقت ممكن، والمحافظة عليه باردًا عند أخذه إلى المنزل أو المكان الذي يحضن فيه الطفل. (١) وهذا ما يعني أنه بالإمكان تعبئة هذه القارورة من حليب الآدمية، إلى جانب الحليب المجفف. وفيما يخص الأضرار الناتجة عن قارورة/زجاجة الرضاعة إذا شرب منها الرضيع؛ فيمكن إجمالها فيما يأتي: ١ - التأثير على منعكس المص؛ إذ إن الطريقة التي يقوم بها الطفل بالمص من الزجاجة تختلف بشكل كلي عن طريقة المص التي يقوم بها عند الرضاعة من الثدي، تمامًا كاللهاية (المصاصة) أو الحلمات الصناعية. (٢) ٢ - تقرح حلمة الأم؛ بسبب اضطراب طريقة المص لدى الرضيع. ٣ - تخمة معدة الطفل. ٤ - انخفاض ثقة الأم بنفسها.

стр. 329

وهذا يمكن أن يحدث بمحض إضافة زجاجة واحدة صناعية إلى جانب الحليب الطبَعي، وحينئذ سيفقد الرضيع الشعور بالشبع عند الرضاعة الطبَعية التالية، ويظل في حالة من الانزعاج إلى حين إعطائه زجاجة أخرى، وذلك أن معدة الطفل صغيرة جدًّا عند الولادة، وتقديم زجاجة إضافية من شأنه أن يمدد حجم المعدة. (١) ويقارب قارورة الرضاعة ما يسمى بكوب الإرضاع، وهو طريقة لإرضاع الأطفال دون استخدام الزجاجة وحلمة الإرضاع؛ حيث يمكن إعطاء الطفل الحليب المحلوب بواسطة كأس خالٍ من الحواف الحادة، وذلك بتثبيت الكأس عند شَفة الرضيع ليأخذ الحليب بنفسه، حتى يشعر بالشبع ويغلق فمه؛ لأن التحول من الرضاعة الطبعية إلى الرضاعة من حلمة الزجاجة أمر مختلف يمكن أن يتسبب في إرباك للطفل. (٢) وتعود أسباب استعمال الكأس إلى كونه مريحًا للرضيع، ومن شأنه أن يتيح له فرصة في استعمال لسانه وتعلم الذوق، كما أنه يثير عملية الهضم لديه، ويزيد من التنسيق بين التنفس والرضاعة والبلع، ويعزز منعكس الرضاعة عند الرضيع، ويتيح حمل الرضيع عن قرب أثناء الرضاعة من الكوب بحيث يمكن التواصل بالنظر، ويسمح بالتحكم في كمية الحليب وسرعة شربه، ثم إن الحفاظ على نظافة الكوب أسهل من الزجاجة والمصاصة. (٣) ولاستعمال كأس الإرضاع مساوئ تنحصر فيما يأتي: ١ - احتمال انسكاب الحليب. ٢ - الاعتياض به عن الرضاعة من الثدي؛ لأنه أسهل. ٣ - حاجة إلى تدريب الطفل. (٤)

стр. 330

المطلب الثاني أثر قارورة الرضاعة في انتشار المحرمية لم تكن قوارير الرضاعة المعاصرة بدعًا من المصنوعات، بل لها جذور من عصور قديمة؛ فهذا السرخسي شمس أئمة الحنفية في القرن الخامس الهجري يقول: وفي تجويز ما يحلب بالقوارير فساد؛ لأنه يوجر به الصبيان فتثبت به حرمة الرضاع بينهم وبين من كان اللبن منها، ولا يعلم ذلك ا. هـ بتصرف يسير (١)، وهذا منه ﵀ من باب سد الذرائع، فإذا أمكن ضبط الأمور؛ لم يعد للتحريم معنًى. وقد نص ابن حزم على أن ما يشربه الصبي من لبن المرأة عن طريق الإناء، أو ما يحلب في فيه فيبلعه؛ مما لا يتحقق فيه مادة المص المباشر بفم الراضع من ثدي المرضع؛ لا يحرم شيئًا، ولو كان ذلك غذاءه دهره كله. (٢) واستدل لذلك بأنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخْذُ المرضع أو الرضيع بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. (٤)

стр. 331

وأجاب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاةٍ يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضكم في قياسكم الفاسد، وشرعكم بذلك ما لم يأذن به الله . (١) ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن (٢)، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٣)، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم (٤) - كان هكذا. (٥) كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه.

стр. 332

في حين إن عامة فقهاء المسلمين (١) يعتبرون المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، وهو الاغتذاء الذي يشد اللحم والعظم، وأمارته: سد الجوعة، ولم يلتفتوا إلى طريق حصوله أو يشترطوا صفة معينة في التناول لإثبات التحريم بها كالتقام الثدي؛ لأن الحرمة الثابتة في الشريعة لا تتوقف على الإرضاع من الثدي، بل المدار على وصول اللبن إلى الجوف. (٢) فأما إن كانت قارورة الرضاعة مصنوعة من ذهب أو فضة؛ فالشرب فيها وإن كان محرمًا؛ لنهي النبي ﷺ في المتفق عليه (٣)؛ إلا أن هذا النهي المقتضي للتحريم لا يعود على إثبات التحريم مما شرب فيه من ألبان الآدميات بالإبطال؛ لأن فساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه، وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغةً؛ قطعًا، ولا شرعًا؛ لتغاير المتعلِّقَين. (٤)

стр. 333

المبحث العاشر الاعتماد على قول الأطباء في استخدام الوسائل الحديثة المطلب الأول حكم الاعتماد على قول الأطباء في استخدام الوسائل الحديثة إن الطب في وجهة نظر الشرع الإسلامي له اعتبار من حيث التعرف على المصالح والفاسد بالنسبة للإنسان, ولذا يقول عز الدين ابن عبدالسلام: "الطب كالشرع؛ وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام"، ويقول أيضًا: "والذي وضع الشرع هو الذي وضع الطب؛ فإن كل واحد منهما موضوع لجلب مصالح العباد ودرء مفاسدهم" (١)، وقد أمر الله تعالى بسؤال أهل الذكر، فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٣]، والعبرة بعموم اللفظ، وإن كان أعلى أنواع العلم هو العلم بكتاب الله المنزل؛ إلا أن أهل الذكر في باب التداوي هم الأطباء (٢)، وهذا إنما يتجه إلى من كان أهلًا من الأطباء الموثوقين؛ لأنه لا يحل للطبيب ولا لمن معه أو الصيدلي أن يقدموا على شيء في صدد التطبيب حتى تتوافر فيهم الأهلية التامة المشترطة طبيًّا وفق الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص بمراحلها التفصيلية؛ لأنه إذا لم يكن كذلك صار بمثابة الجاني المعتدي على جسد المريض (٣). ولهذا؛ فإنه يقع على عاتق الطبيب في كل مرحلة من مراحل العلاج مسؤولية كبيرة في سماع كلام المريض والرفق به واللين معه، وفي تبصير المريض أو وليه عند الاقتضاء في طبيعة مرضه وأبعاده، ومدى خطورته، واحتمالات العلاج الممكنة، ونسبة احتمال نجاحها - ولو على حساب مصلحة الطبيب الدنيوية -؛ بشكل كافٍ وواضح يمكن المريض من قبول العلاج أو رفضه، ثم يشير عليه باختيار الأصلح والأخف ضررًا؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 334

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢٧]، وعقد العلاج يقوم على ثقة المريض بطبيبه؛ فإذا لم يبين الطبيب حقيقة مرض مريض ومدى خطورته وأثر العقاقير المستخدمة في مراحل العلاج؛ فقد غشه وخانه، ولم يقدم له النصيحة الواجبة عليه شرعًا (١)، وقد أخبر رسول الله ﷺ أن الدين النصيحة (٢)، وأن من علامات المنافق خيانة الأمانة التي اؤتمن عليها (٣)، ولذلك؛ كان الصحابة يبايعون النبي ﷺ على النصح لكل مسلم (٤)، ولأن المريض قد يتعجل في الإذن بما يضره حرصًا منه على النتيجة في وقت وجيز (٥). المطلب الثاني أثر الاعتماد على قول الأطباء في استخدام الوسائل الحديثة

стр. 335

تقدم في المطلب الآنف بيان ما على الطبيب من مسؤولية تجاه المريض، فإذا أدى الطبيب ما عليه؛ صار المريض على وعي تام وإدراك لآثار العلاج الذي يتضمن استخدام الوسائل الحديثة في جميع مراحل المرض؛ كالعقاقير المدرة للحليب، وموانع دره، ومن ثم إذا تضرر المعالج بعد إذنه بالدواء (١)؛ فلا شيء على الطبيب إذا كان حاذقًا في صنعته، ولم تجن يده (٢)؛ لما يأتي: ١ - قول الحق جل ذكره: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [سورة التوبة: ٩١]. (٣) ٢ - إن كل فعل نشأ عن الفعل المباح المأذون فيه؛ فليس بالمضمون. (٤) ٣ - إنما فعل ذلك الطبيب للصلاح بأمر المفعول به. (٥) ٤ - إن التزام الطبيب في علاج المريض هو التزام ببذل عناية، لا بتحقيق نتيجة (٦)، وأصل مشارطة الطبيب على البرء غير جائزة في باب الإجارة؛ لأن البرء بيد الله تعالى لا بيد أحد، وإنما الطبيب معالجٌ ومقوٍّ للطبيعة بما يقابل الداء، ولا يعرف كمية قوة الدواء من كمية قوة الداء؛ فالبرء لا يقدر عليه إلا الله تعالى (٧). ولا يلقي الكثيرُ من الأطباء بالًا لتبصير المريض بآثار علاجه وتعريفه بمرضه؛ إما لداعي السرعة، أو ضعف ثقافة المريض؛ لكنَّ الذي يجدر التنبيه عليه أن ما تقدم من دواعي التفريط ليس مسوِّغًا لعدم إعطاء المريض حقه من التبصير، أو مُعْفِيًا من المسؤولية. (٨) فإذا فرط الطبيب في علاج المريض، أو تعدى؛ ضمن (٩)؛ لأنه لا يخلو حينئذ من تعدٍّ أو تفريط.

стр. 336

المبحث الحادي عشر رضاع المستأجر رحمها المطلب الأول حقيقة رضاع المستأجر رحمها الأمومة غريزة إنسانية قوية, خلقها الباري في نفس المرأة, وحرمانها من ثمار هذه الغريزة, يشكل عذابًا نفسيًا قاسيًا عليها؛ يوقعها في حرجٍ وضيقٍ شديدين, ويلحق بها ألمًا وضررًا, وربما كان الألم النفسي أبلغ من الضرر المادي. بيد أن العلم الحديث وتقنيات الإنجاب الحديثة تمكنت من أن تخطو خطوات سريعة في مجال معالجة العقم؛ بحيث تنجب المرأة من غير الطريق الطبَعي, بل بوسيلة التلقيح الصناعي, وبدأ عهد جديد في إحداث طرق جديدة للاستيلاد, ومنها طريقة الرحم المستأجرة أو الأم البديلة. (١) والأم البديلة أو الرحم المستأجرة هي: من استخدمت منفعة رحمها في زرع لقيحة مكونة من نطفة رجل وبويضة امرأة موضوعين في أنبوب اختبار طبي, وغالبًا ما يكونان زوجين, وتحمل الجنين وتضعه, وبعد ذلك يتولى الزوجان رعاية المولود, ويكون ولدًا قانونيًا لهما, حيث يتم هذا الإجراء بعقد بين الطرفين, وربما فعلت ذلك تطوعًا.

стр. 337

يلجأ الأطباء إلي هذه الطريقة حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل لسبب في رحمها؛ كما لو كان غائبًا غيابًا نهائيًا، أو غير قادر على احتضان الجنين، ولكن مبيضها سليم منتج, أو تكون غير راغبة في الحمل ترفهًا، وتجنبًا لمشاق الحمل والولادة. فإذا وقع ذلك، ووضعت المستأجَرُ رحمُها، وثاب لبنها؛ احتيج إلى معرفة من ينسب إليه هذا الحليب أبوةً وأمومة. على أن قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة سنة ١٤٠٢ هـ بتحريم هذا الأسلوب من أساليب التلقيح. كما قد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره الثالث سنة: ١٤٠٧ هـ بتحريمه أيضاً. (١) ولقد اتسعت هذه الظاهرة مؤخرًا حتى أضحت المراكز المخصصة لهذا الغرض متعددة في البلد الواحد، فأمريكا مثلًا يوجد فيها اثنا عشر مركزًا لهذا الغرض، وفي معظم الدول الغربية لا يزال القانون يعتبر الأم هي التي حملت وولدت, وتعتبر العقد لاغيًا وباطلًا, وتتيح هذه الدول أن تتبرع المرأة برحمها احمل نيابة عن أخرى, ولكنها إذا رغبت في الاحتفاظ بالوليد, فإنه يصبح من حقها ذلك قضاءً وقانونًا. (٢) ولختام هذا المطلب، فإني أبين حالات الأرحام المؤجرة:

стр. 338

الصورة الأولى: تؤخذ بويضة من الزوجة وتلقح بماء زوجها ثم تعاد اللقيحة إلى امرأة تستأجر لذلك؛ لآفة في رحم الزوجة أو أن هذا الرحم قد استئصل بعملية جراحية, أو أن المرأة لا تريد مشقة الحمل والولادة؛ فنستأجر أخرى لتحمل عنها, وتعتبر الأم البديلة هنا طرفًا ثالثًا خارجًا عن نطاق الزوجين، وهي ما اتفق المعاصرون على تحريمها؛ لأن استئجار الرحم لأجل الحمل عقد إجارة غير شرعي, والإجارة على المحرم محرمة, والمرأة لا تملك تأجير رحمها؛ فلا تباح بالإباحة, لأن للرحم منفذًا من الفرج, والأصل في الفروج الحرمة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٥ - ٧]، والعادون هم المجاوزون الحد؛ من عدا إذا جاوز الحد وجازه, وقال سبحانه: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [سورة الاحزاب: ٣٥]، وقال رسول الله ﷺ : "فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" رواه مسلم (١)؛ فقوله ﵊: "استحللتم"؛ أي: طلبتم الحل بعقد الزواج بعد أن كان محرمًا أصلًا, وهذا قاطع في أن الأصل في المناكِح المنع والحظر, والأصل في الأبضاع التحريم؛ فإذا تقابل في المرأة حل وحرمة غلبت الحرمة. كما أن العقد على إجارة الرحم يعد إجارة لمنفعة الرحم ابتداءً, ولكن في الحقيقة هو بيع للطفل المولود انتهاءً, وبيع الحر حرام. وقد يقال: إن في نقل بويضة امرأة إلى رحم امرأة أخرى معنًى إنسانيًّا، وهو أننا نوفر للمرأة المحرومة من الولد لفقدها الرحم الصالح للحمل ما تشتاق إليه من الأطفال عن طريق امرأة أخرى صالحة للحمل , ولكل إنسان حق في أن يكون له ولد، والرغبة في الحصول على الولد مع وجود أسباب طبية تمنع المرأة من الحمل تعتبر في مرتبة الحاجيات. وتطبيق معنى الحاجة في خصوص تأجير الأرحام لا يسلم؛ لأن دفع الحاجة إلى التنعم بالولد لمن حرم منه عن طريق الرحم البديل، وإن كان مصلحة؛ إلا أن المفاسد المترتبة على

стр. 339

وسيلة دفع هذه الحاجة أرجح منها؛ لأن هذه الطريقة تؤدي إلى التنازع بين الناس، مع ما فيها من الوقوع في المحظور وهو الاختلاط في الأنساب, ودء المفاسد أولى من جلب المصالح. وإذا كان من المتقرر في الشريعة الإسلامية أن الضرر لا يزال بالضرر؛ فإن ضرر المرأة المحرومة من الحمل يقابله ضرر المرأة التي تحمل وتلد, ثم لا تتمتع بثمرة حملها وولادتها وعنائها الذي أفصح عنه القرآن في قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [سورة لقمان: ١٤]، وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كًاُرْهًا﴾ [سورة الأحقاف: ١٥] , كما أن الأخيرة لا تخلو أن تكون متزوجة وتورد على نفسها ومن يحرم عليها شبهة اختلاط الأنساب, وإن كانت غير متزوجة فسوف تعرض نفسها للقذف وقالة السوء، وكل ذلك ضرر، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يخلق الصنف الرابع كما في قوله سب حانه: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [سورة الشورى: ٥٠]. (١) الصورة الثانية: هي كالصورة الأولى, إلا أن اللقيحة أو الجنين المجمد لا ينقل إلى الأم البديلة إلا بعد وفاة الزوجين, وهذه الصورة محرمة؛ لأنها تأخذ حكم الصورة الأولى المشابهة لها. (٢) الصورة الثالثة: وفيها تلقَّح بويضة الزوجة بماء رجل لا يحل لها، وتوضع اللقيحة في رحم امرأة أخرى, ويلجأ إلى هذه الصورة إذا كان الزوج عقيمًا, والزوجة عندها مانع أو خلل في رحمها, ولكن مبيضها سليم، وهي صورة محرمة؛ لأن ماء الرجل صادف محلًّا محرمًا، ولأنها تؤدي إلى اختلاط الأنساب المحرم شرعًا, وحفظ الأنساب من ضروريات الشرع. (٣) الصورة الرابعة: تلقَّح في هذه الصورة بويضة الزوجة بماء زوجها, ثم تعاد اللقيحة إلى زوجة أخرى للرجل ذاته، وهي ضرة صاحبة البويضة, وذلك بمحض إرادتها للقيام بهذا الحمل

стр. 340

عن الزوجة الأخرى لزوجها؛ عند قيام الحاجة؛ كما لو كان رحم إحدى الزوجتين معطلًا أو منزوعًا وهي سليمة المبيض, بينما يكون رحم ضرتها سليمًا من العلل والأدواء (١)، وهي الصورة التي لم ير جوازها ابن باز (٢). المطلب الثاني حكم رضاع المستأجر رحمها اقتضت حكمة الله سبحانه أن يخلق الإنسان من ماء والديه، ففي بطن أمه تراصت عظام جسمه والتحمت أعصابه وتمت أعضاؤه من رأسه إلى قدمه، وبعد الانفصال منها نما وزاد وصار اللبن جزءًا منه بغذائه به؛ فقويت عظامه واشتدت أعصابه, وتمكن كل منهما على القيام بالحركة، ولولا هذا الغذاء لتهدمت أركانه ووقفت دقات قلبه وهبطت أنفاسه؛ فهذا اللبن هو الغذاء الوحيد، والسبب الفريد في قوته، وهو الغذاء الذي لا يصلح غيره للرضيع؛ فهذا هو ابن النسب. أما ابن الرضاع فلم يتحقق عنده ولم ينل من أمه رضاعًا إلا اللبن فقط, ومعلوم أن اللبن منفصل عن جسم المرأة، فهو جزء منها أحسنت به إلى الرضيع؛ لينمو ويقوى على الحركة، فتستحق منه أن يقابل هذا الإحسان بإحسان مثله، لا بالإيذاء والإضرار بها، والنزاع والشقاق. (٣) وقد تقدم في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان مسألة حكم الإرضاع على الأم، وأنه يجب إرضاع المولود على المولود لها مما خلق الله في صدرها عند عامة العلماء في الجملة؛ للاعتبارات الآتية:

стр. 341

١ - النصوص الدالة على وجوب الإرضاع لكل من أنجب الله لها ولدًا ودرَّ في ضرعها لبنًا؛ كقول الحق جل شأنه: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وهو خبر عام في كل والدة - ولو مطلقة - يراد به الأمر المؤكد، وما جاء الأمر فيه بصيغة الإخبار كان معنى الإيجاب فيه ظاهر، والحتمية فيه أقوى، والأصل في الأوامر الوجوب. (١) وكقول النبي ﷺ في شأن الغامدية من الأزد بعدما تأكد عليها حد الزنى من المحصنات: "اذهبي، فأرضعيه حتى تفطميه"، وقوله: "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله؛ قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. رواه مسلم (٢)، ولولا وجوب إرضاع الوليد على أمه حتى الفطام؛ ما حكم ﵊ بتأخير إقامة حد الله في المرضع حتى الفطام، ولا نهى عن رجمها؛ في قوله: "لا نرجمها". (٣) ولو لم يكن الرضاع واجبًا على المولود لها ما هم النبي ﷺ بالنهي عن الغيلة - يعني: مجامعة المرضع - لولا ما رأى من الدليل الواقعي المحسوس عند الروم وفارس أنها - أي: الغيلة - لا تضر أولادهم في الرضاع من أمهاتهم (٤). ٢ - إن إيجاب الإرضاع على المولود لها هو مقتضى الحاجة الفطرية والعرف (٥)، والعادة محكمة، و"المرأة في بيت زوجها راعية، ومسؤولة عن رعيتها" رواه البخاري مرفوعًا (٦).

стр. 342

ولو لم يكن العرف كذلك؛ لكان في قواعد الشريعة وعموماته ما يقضي بإيجاب الإرضاع على الأم؛ في مثل قول البارئ جلَّ وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: ٢]، والأمر بالرحمة في قول النبي ﷺ : "من لا يَرحم لا يُرحم" متفق عليه (١)، حتى سقطت عن المرضع فريضة الصوم وهي ركن في الإسلام إذا خافت على رضيعها، ومن ذلك: الحكم على من قتل ولده سفهًا بالخسران ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٠]، وحرمانه من الرضاع مع حاجته قتل له، ومن ذلك قول الله تعالى عمن سلكوا سقرَ: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [سورة المدثر: ٤٤]، وفيمن أوتي كتابه بشماله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [سورة الحاقة: ٣٤]، وفيما ذم به الإنسان: ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [سورة الفجر: ١٨]، وفي المقابل وصف عباده الأبرار بأنهم ﴿يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [سورة الإنسان: ٨]، والرضيع مسكين مستضعف، وجعل النبي ﷺ ذلك من تمام الإيمان، فقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه (٢)، وعدم إرضاع المولود بما خلق الله في الثدي من الحليب لؤم ظاهر وشح مذموم؛ لأن الله تعالى إذا كان قد خلق في المولود لها لبنًا؛ فأي حكمة من إيجاده، وأي معنى من تكوينه؛ إن حرمت مولودها منه ولم تحفظ عليه نفسه بما أودع الله في صدرها؟ ، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنين: ١٤]. (٣) ٣ - إن في حبس الحليب في الثدي أضرارًا تتعدى إلى أم المولود؛ كتأخر انقباض رحمها وعودته سريعًا إلى حجمه الطبعي، وتعرضها للإصابة بسرطان الثدي والمبيض، وغير ذلك (٤)؛ مما يوجب عليها أن تدفعه عن نفسها بإرضاع مولودها؛ لأن الضرر يزال (٥).

стр. 343

ويتبين مما تقدم أن المرأة إذا آجرت منفعة رحمها؛ وجب عليها إرضاع من تلده؛ لأنها والدتُه. المطلب الثالث أثر رضاع المستأجر رحمها في انتشار المحرمية إذا أفرز ثدي المستأجَر رحمها حليبًا إبان الحمل، كما جرت بذلك عادة كل حامل، كان عليها أن ترضع؛ لأن الرضاعة مناطة شرعًا بالولادة التي تعقب الحمل؛ قال الله ﵎: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، ولأن في تركه في ثديها ضررًا، فإذا أرضعت منه ترتب على رضاعها من الآثار ما يمكن بيانه من خلال المسائل الآتية بعون الله تعالى. المسألة الأولى: ضابط الأمومة الشرعي . نصبت الشريعة علامات وأمارات يستدل بها على الأمومة؛ كالحمل بأعراضه من الوهن ونحوه، والولادة أو الوضع، والتخلّق في البطن، والقرار في الرحم، والفراش إذا كانت ذات زوج. وهذا ما دل عليه قول الله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [سورة المجادلة: ٢]، وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ [سورة النساء: ٧]، وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [سورة المجادلة: ٢]، وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [سورة الأحقاف: ١٥]، وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [سورة لقمان: ١٤]، وقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي

стр. 344

ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [سورة الزمر: ٦]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [سورة النحل: ٧٨]، وقول النبي ﷺ : "الولد للفراش" متفق عليه (١). فنفى الله تعالى الأمومة عن التي لم تلد؛ لأن الوالدة الحقيقية هي التي ولدت، وأناط الإرث بالذي ولدته المرأة، وسمى فاعل الحمل أمًّا؛ لأن البويضة الملقحة إنما نمت وتغذت بدم التي حملتها وتحملت آلام الحمل وآلام المخاض؛ فهل يعقل أن ينسب الولد لغيرها؟ هذا من غير المعقول؛ لأن الأمومة ليست معتمدة على العوامل الوراثية وحدها، وإن كانت لتلك العوامل أهمية كبرى في صفات الخلق إلا أن الأمومة أوسع من ذلك وأشمل علميًّا وشرعيًّا. وألحق رسول الله ﷺ الولد للفراش؛ أي: لا شبهة مع فراش، ولا حكم لأي وطء أو ما في حكمه؛ يقع من زنا، أو شبهة، أو إكراه، أو شتل، أو تلقيح الصناعي، أو غير ذلك؛ فمهما كان شيء من ذلك فإن الولد للزوج الذي ولد على فراشه؛ لأن في تقرير النبي ﷺ الآنف قطعًا لمادة النزاع، وحسمًا لمادة الخلاف - في مثل تأجير الرحم المعاصر - ليعود إلى مواقع الإجماع. وهذا ما يعم المستأجر رحمها وغيرها؛ لأن الحقيقة الواقعية العلمية ليست بالضرورة هي الحقيقة الشرعية؛ فالشرع يحكم بالظاهر، والحقيقة علمها عند الله سبحانه. وهذا ما دل على أن الأم البديلة التي استؤجر رحمها هي الأم النسبية الحقيقة في شريعة الإسلام، ولم يخالف في هذا أحد من الباحثين المعاصرين إلا نزر يسير شاذ. (٢) وإذا كانت كذلك؛ فقد أثمر ذلك في أن المستأجر رحمها هي الأم الرضاعية أيضًا لكل من ترضعه، وإذا كان لها زوج؛ فهو أبو من ترضعه الرَّضاعي؛ لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٣).

стр. 345

المسألة الثانية: حمل المرضعة ممن لا يلحق نسب ولدها به . صورة المسألة: إذا كان اللبن الذي أرضعت به المرأةُ المولودَ لبنُ مولود لا يثبت نسبه من الرجل الذي كان الحمل منه؛ فهل تثبت له أبوة الرضاعة إذا لم تثبت له أبوة النسب؟ وهل تثبت لها الأمومة رضاعةً لمن ترضع بهذا اللبن؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: تكون المرضعة أمه من الرضاع، ولا يكون المرضَعُ ابنَ الذي كان الحمل منه. وبه قال الحنفية (١) - بزيادة: وأولادها إخوةً لأم -، وهو مذهب الشافعي (٢)، ومفهوم قول الخرقي من الحنابلة (٣)، وقول أبي عبد الله بن حامد (٤). القول الثاني: تنتشر الحرمة بين المرتضع والرجل. وبه قال أبو بكر عبد العزيز (٥). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إنه لا نسب له من جهة الأب؛ فلا يتعلق التحريم إلا بمن كان من جهة الأم. (٦) ٢ - إنما يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٧)، فإذا سقط النسب الذي هو أكبر منه؛ سقط اللبن الذي أقيم مقام النسب في التحريم. (٨) ونوقش بما يأتي: أ- إنه ينسب في الزنى إلى أبيه. (٩) وأجيب: بأنه فارق تحريم ابنته من الزنى بكونها من نطفته حقيقة، بخلاف مسألتنا. (١٠)

стр. 346

٣ - إن التحريم بينهما فرع لحرمة الأبوة؛ فلما لم تثبت حرمة الأبوة، لم يثبت ما هو فرع لها. (١) ٤ - التحريم ثَمَّ لا يقف على ثبوت النسب؛ فافترق عن المصاهرة، ولهذا تحرم أم زوجة الرجل وابنتها من غير نسب، وتحريم الرضاع مبني على النسب، فأما المرضعة؛ فإن الطفل المرتضع محرم عليها، ومنسوب إليها عند الجميع، وكذلك يحرم جميع أولادها، وأقاربها الذين يحرمون على أولادها؛ على هذا المرتضع، كما في الرضاع باللبن المباح. (٢) ٥ - إن الزنى لا ينافي معنى الأمومة (٣)، وفارق تحريم ابنته من الزنى بكونها من نطفته حقيقة، بخلاف مسألتنا. (٤) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: (٥) ١ - إنه معنى ينشر الحرمة، فاستوى في ذلك مباحه ومحظوره؛ كالوطء؛ يحققه أن الواطئ حصل منه لبن وولد، ثم إن الولد ينشر الحرمة بينه وبين الواطئ، كذلك اللبن. ٢ - إنه رضاع ينشر الحرمة إلى المرضعة؛ فنشرها إلى الواطئ، كصورة الإجماع. - الترجيح: يتوجه ترجح القول الثاني؛ لتحقق المعنى، وهذا لا يعني إثبات النسب بكل حال. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - إذا استُأجر رحم امرأة، ووضع فيه بويضة ملقحة ممن لا يلحق النسب به؛ فلا تثبت الأبوة الرضاعية لصاحب اللقاح ممن أرضعتهم الوالِدة على ما ارتآه أصحاب القول الأول، وتثبت الأبوة الرضاعية في القول الذي توجه ترجيحه. - سبب الخلاف: يظهر عود سبب الخلاف إلى مسائل؛ منها ما يأتي:

стр. 347

١ - حكم استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف الذي تغيرت معه صفة المجمع عليه. (١) فمن استصحب حكم الإجماع في محل النزاع واحتج به - وهم الظاهرية وطائفة من الشافعية وبعض الحنابلة وغيرهم -؛ اقتضى ذلك أن يثبت التحريم بين المولود ومن وطئ أمه كما ثبت بين المولود ووالدته. ومن لم يستصحبه - وهم طائفة من الشافعية والحنابلة -؛ لم يقتض ذلك منهم إثبات التحريم بين المولود ومن وطئ أمه. المسألة الثالثة: ما يثبت به أبوة زوج المرضعة لمن أرضعته . لا إشكال في ثبوت الأمومة بالولادة وبالإرضاع، لكن متى يكون للزوج مدخلًا في التحريم من حليب زوجته إذا أرضعت به؟ اختلفت عبارات الفقهاء في الضابط الذي تثبت به الأبوة، وكان في بعضها إجمال، وبينها عموم وخصوص، وهي كما يأتي: القول الأول: تثبت أبوة زوج مرضعة إذا كان لبنها منه له، وإلا؛ لا؛ كما لو كان اللبن من زنى. وهو قول الحنفية (٢)، والشافعية (٣). القول الثاني: كل وطء يلحق به الولد ويدرأ الحد؛ ينشر لبنه الحرمة، وإن وجب الحد وانتفى الولد؛ لا ينشر، وإن انتفى الولد وسقط الحد؛ انتشرت المحرمية. وبه قال المالكية (٤)، وعزاه بعضهم إلى الأخير من الروايات (٥). القول الثالث: اللبن يكون للفحل بثلاثة أسباب: أن يوجده، أو يكثره، أو يباشر منيُّه الولد في البطن. وبه قال اللخمي من المالكية (٦).

стр. 348

القول الرابع: يثبت إذا كان لبنًا نزل من الحمل الذي منه، والحمل يصح انتسابه إليه، فأرضعت به طفلًا رضاعًا محرمًا. وهو مذهب الشافعي (١)، والحنابلة (٢). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني على انتشار المحرمية إذا انتفى الولد، وسقط الحد بما يأتي: ١ - ظهور شبهة النكاح المشروع من حيث الجملة. (٣) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: ١ - إذا سقط النسب الذي هو أكبر منه - يعني: إذا سقط انتساب الصبي الذي ثاب اللبن عن ولادته إلى زوج الوالِدة -؛ سقط اللبن الذي أقيم مقام النسب في التحريم؛ إذ كان تحريم الرضاع مبنيًّا على النسب. (٤) - الترجيح: تعود الأقوال في الجملة إلى قولين: الأول: الاكتفاء بالعلامة الشرعية وأثرها؛ كإثبات الأبوة بعقد النكاح، أو الوطء بشبهة. الثاني: الاعتماد على العلامة الحسية؛ كالوطء، والإنزال. والمترجح هو الثاني؛ لأن رسول الله ﷺ ألحق المولود بمن ولد ووالدته فراش له، فقال: "الولد للفراش" متفق عليه (٥).

стр. 349

وثمرة هذا الترجيح هو أن حمل المستأجر رحمُها يثبت لزوجها دون من لقحت البويضة بمنيِّه. المسألة الرابعة: اللبن الذي ثاب أصله من وطء بشبهة لمن تزوجت . صورة المسألة: إذا وطئت امرأة بشبهة فحبلت وولدت، ثم تزوجت، ثم أرضعت صبيًّا؛ فهل يكون الرضيع ابنًا للواطئ بشبهة أو للزوج؟ تباينت آراء الفقهاء الذين تداولوا هذه المسألة بالنظر والبحث على ما يأتي: القول الأول: الوطء بشبهة كالحلال؛ فيكون ابنًا للواطئ بشبهة؛ إذا نزل اللبن من وطئه، لا للزوج. وبه قال الحنفية (١)، وهو المشهور عند الشافعية (٢)، والمذهب عند الحنابلة (٣). القول الثاني: لا تثبت الحرمة من جهة الفحل بلبن وطء الشبهة. وهو قول عند الشافعية (٤). - الأدلة: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه لا ضرورة إلى إثبات حرمة الرضاع، بخلاف النسب. (٥) - الترجيح: لعل الأقرب إلى الصواب هو القول بانتقال التحريم الرضاعي من جهة الأبوة من الواطئ بشبهة إلى الزوج إذا دخل بها؛ لأن النكاح مظنة ما يكثر اللبن، أو يجدد ثوبانه إذا توافر داعي انقطاعه؛ بما في ذلك الوطء، والحمل، والوضع. ولذا كانت القاعدة الشرعية العامة في مثل هذا قول النبي ﷺ : "الولد للفراش" متفق عليه (٦)؛ أي: لا شبهة مع فراش في انتساب من تحمله المرأة إلى أبيها، ولا

стр. 350

حكم معه لأي وطء أو ما في حكمه؛ يقع من زنا، أو شبهة، أو إكراه، أو تلقيح الصناعي، أو غير ذلك؛ فمهما كان شيء من ذلك فإن الولد للزوج الذي ولد على فراشه؛ لأن الحقيقة الواقعية العلمية ليست بالضرورة هي الحقيقة الشرعية؛ فالشرع يحكم بالظاهر، والحقيقة علمها عند الله سبحانه، والرضاع لا يحرم منه إلا ما يحرم من النسب. ولكن يشكل على هذا: أن الولد من الواطئ بشبهة لا ينتسب إلى الذي تزوجها بعد الولادة قطعًا، ولذلك لم يكن المولد ابنًا للزوج الأخير؛ لأنه لم يولد في فراشه، والرضاع فرع عن الانتساب. ويشكل عليه أيضًا: أن الأصل عدم ثبوت التحريم بالرضاع، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين، وهذه مسألة مشتبهة، ولا يحرم بالرضاع مع الشك شيء. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذا المسألة أثر في فروع، منها: ١ - إذا استؤجر رحم عزباء لتزرع فيه بويضة ملقحة بعد عقد نكاح صوري مشتبه من الذي لقحت البويضة بمائه لم يرجع فيه إلى المستأجر رحمها، ثم تزوجت بآخر بعد ولادتها وفراقها منه، وأرضعت صبيًّا أجنبيًّا وهي في عصمة الآخر الذي لم تلد منه؛ كان الصبي ابنًا للواطئ بشبهة في قول الجمهور، خلافًا للشافعية في قول عندهم. المسألة الخامسة: اللبن الثائب مِن زِنا . صورة المسألة: أن ترضع الزانية بنتًا من اللبن الثائب عن حملٍ ووضْعٍ من ماء مَن زنت به. (١) اختلف الفقهاء في اللبن من وطء الزنا؛ من حيث تعلق المحرمية به، والجهات التي تتعلق بها المحرمية عند من قال بمادة المحرمية تعلقًا بلبن الزنا؛ على ما يأتي: القول الأول: لبن الزنا كالحلال؛ يَحرُم من أُرْضِعَ به على الزاني وآبائه وأبنائه - وإن سفلوا -. وهو إحدى الروايتين عند الحنفية (٢)، وقول أبي بكر عبد العزيز من الحنابلة (٣).

стр. 351

القول الثاني: لبن الزنا كالحلال، وتثبت الحرمة من جهة الأم خاصة؛ ما لم يثبت النسب، فحينئذ تثبت من الأب. وهو أوجه الروايتين عند الحنفية (١)، واعتمده بعضهم مذهبًا (٢)، وبه قال المالكية (٣). القول الثالث: هو ابنها، ولا يكون ابن الذي زنى بها؛ اعترف الذي زنى بها أو لم يعترف - أي: نسبه إليه أو لم ينسبه؛ فيما يظهر -؛ إلا تحريم المصاهرة. وهو مذهب الشافعي (٤)، وهو مفهوم كلام الخرقي وقول عبد الله بن حامد من الحنابلة وابن عبدوس وهو المذهب (٥). القول الرابع: اللبن النازل على ولد الزنا لا حرمة له. وبه قال الشافعية (٦). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: أدلة اعتبار اللبن الثائب عن زنا حلالًا: ١ - قياسًا على اللبن الثائب من وطء بشبهة. (٧) ٢ - إنه معنى ينشر الحرمة، فاستوى في ذلك مباحه ومحظوره؛ كالوطء؛ يحققه أن الواطئ حصل منه لبن وولد. (٨) ونوقش بما يأتي: أ- إنه يفارق تحريم ابنته من الزنى؛ لأنها من نطفته حقيقة، بخلاف مسألتنا. (٩) ٣ - إن الولد ينشر الحرمة بينها وبين الواطئ، كذلك اللبن. (١٠) ٤ - إنه رضاع ينشر الحرمة إلى المرضعة، فنشرها إلى الواطئ، كصورة الإجماع. (١١) ثانيًا: أدلة توجيه التحريم في اللبن الثائب عن زنًا بخصوص الزاني إلى أصوله وفروعه فقط: ١ - القياس على المولودة من الزاني؛ لعدم ثبوت النسب من الزاني. (١٢) ٢ - الجزئية، ولا جزئية بينها وبين العم. (١٣) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إن الحرمة من الزنا للبعضية، وذلك في المولود نفسه؛ لأنه مخلوق من مائه دون اللبن؛ إذ ليس اللبن كائنًا من منيه؛ لأنه فرع التغذي، وهو لا يقع إلا بما دخل من أعلى المعدة لا من أسفل البدن؛ كالحقنة؛ فلا إنبات؛ فلا حرمة، بخلاف ثابت النسب؛ لأن النص أثبت الحرمة منه. (١٤) ٢ - إن الزنا لا ينافي معنى الأمومة. (١٥) ٣ - سقوط نسب الزاني الذي هو أصل الرضاع. (١٦)

стр. 352

أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - إنه رضع من لبنها حقيقة. (١) ٢ - إن التحريم بين المولود والزاني فرع لحرمة الأبوة، فلما لم تثبت حرمة الأبوة للزاني؛ لم يثبت ما هو فرع لها، ويفارق تحريم ابنته من الزنى؛ لأنها من نطفته حقيقة، بخلاف مسألتنا. ويفارق تحريم المصاهرة؛ فإن التحريم ثم لا يقف على ثبوت النسب، ولهذا تحرم أم زوجته وابنتها من غير نسب، وتحريم الرضاع مبني على النسب، فأما المرضعة، فإن الطفل المرتضع محرم عليها، ومنسوب إليها عند الجميع. وكذلك يحرم جميع أولادها، وأقاربها الذين يحرمون على أولادها، على هذا المرتضع، كما في الرضاع باللبن المباح. (٢) ٣ - إن من شرط ثبوت حرمة الرضاع بين المرتضع والرجل الذي ثاب اللبن بوطئه؛ أن ينسب الحمل إلى الواطئ، فأما ولد الزنا ونحوه؛ فلا. (٣) ٤ - إنه ولد موطوءته، والوطء الحرام كالحلال في تحريم الربيبة. (٤) - الترجيح: ربما توهم الناظر في بعض إطلاقات الفقهاء في باب الرضاع أنهم يثبتون أبوة الزاني الرضاعية؛ في مثل المقالات الآتية: قال القدوري ت ٤٢٨ هـ: "ولبن الفحل يتعلق به التحريم، وهو: أن ترضع المرأة صبية؛ فتحرم هذه الصبية على زوجها, وعلى آبائه, وأبنائه، ويصير الزوج الذي نزل لها منه اللبن أباً للمرضَعَة". (٥) وقال القرافي ت ٦٨٤ هـ: "قال اللخمي: اللبن يكون للفحل بثلاثة أسباب: أن يوجده، أو يكثره، أو يباشر منيه الولدَ في البطن". (٦) لكن التحقيق ما ذهب إليه الشافعي والحنابلة كما في القول الثالث أنه لا تثبت للزاني الأبوة الرضاعية؛ لعدم وجود الداعي الشرعي لإثبات الأبوة النسبية، وهو الميثاق الغليظ بعقد النكاح، وإنما يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. (٧)

стр. 353

قال النووي ت ٦٧٦ هـ: " إنما تثبت الحرمة بين الرضيع والفحل إذا كان منسوبا إلى الفحل؛ بأن ينتسب إليه الولد الذي نزل عليه اللبن". (١) وقال أبو محمد ابن قدامة ٦٢٠ هـ: "واشترط الخرقي في نشر الحرمة بين المرتضع وبين الرجل الذي ثاب اللبن بوطئه؛ أن يكون لبن حمل ينتسب إلى الواطئ؛ إما لكون الوطء في نكاح، أو ملك يمين، أو بشبهة". (٢) - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - نكاح الزاني للصغيرة المرتضعة من لبن الزنا؛ فمن لم ير في الحليب الثائب من وطء زنًا مثبتًا للتحريم؛ لم يحرم على الزاني نكاح الصغيرة المرتضعة من ذلك اللبن، وهو مذهب الشافعي (٣) وأحد الوجهين عند الشافعية (٤)، على أنهم كرهوه ورعًا (٥)، وهو مقتضى قول الجمهور، خلافًا للحنفية في إحدى روايتيهم وبعض الحنابلة. ٢ - كل من زرع رحمها ببويضة ملقحة ممن لا يحل له نكاحها؛ لم تثبت له الأبوة النسبية، والأبوة الرضاعية تبع؛ في قول الجمهور، وتثبت في إحدى الروايتين عند الحنفية وقول بعض الحنابلة؛ إذا قيل: إن إدخال المني في رحم من لا تحل له بمثابة الزنى. المسألة السادسة: رضاع المتزوجة ذات اللبن إذا زنت . صورة المسألة: لو حبلت امرأة من الزنا وهي ذات لبن من زوج؛ فلمن يكون اللبن؟ بحث بعض الفقهاء هذه المسألة، واختلفوا فيها على قولين: القول الأول: للزوج. وهو قول للشافعية (٦) القول الثاني: لا أب للرضيع.

стр. 354

وهو قول للشافعية (١) والراجح هو القول الأول؛ لأن رسول الله ﷺ ألحق المولود بمن ولد ووالدته فراش له، فقال: "الولد للفراش" متفق عليه (٢). المسألة السابعة: لبن الملاعَنة . صورة المسألة: إذا لاعن رجل امرأته، ونفى ولده به، وكان له منها لبن؛ فهل تعتبر لذلك اللبن إذا أرضع منه حرمة تتعلق بالأبوين أو بأحدهما؟ - تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن الطفل المرتضع محرَّمٌ على المرضعة ومنسوب إليها، وكذلك يحرم جميع أولادها وأقاربها الذين يحرمون على أولادها على هذا المرتضع؛ كما في الرضاعة باللبن المباح، وإن كان المرتضع جارية - أي: أنثى - حرمت على الملاعن بغير خلاف أيضًا؛ لأنها ربيبته؛ فإنها بنت امرأته من الرضاع (٣)، واختلفوا في انتشار تحريم لبن الملاعنة إلى أقارب الأب، على ما يأتي: القول الأول: لبن الملاعنة يحرم الرجل - الملاعِن - والمرأة. وبه قال المالكية (٤)، وأبو بكرٍ عبدُ العزيز من الحنابلة (٥)، وظاهر كلام الخرقي (٦). القول الثاني: لا تثبت به حرمة، ولا يكون الملاعِن أبًا للمرضَع؛ فإن رجع المرضع بنسبه إلى ولده وضرب الحد؛ رجع إليه أن يكون أبا المرضع من الرضاعة. وهو مذهب الشافعية (٧).

стр. 355

القول الثالث: لا ينشر لبن النافي للولد باللعان الحرمة بينه وبين الرضيع، وإن كان المرتضع جارية حرمت على الملاعن، وكذلك يحرم بناتها وبنات المرتضع. وهو مذهب الحنابلة (١). القول الرابع: لا يثبت حكم الرضاع في حق الملاعن بحال. وهو احتمال عند الحنابلة (٢)؛ صوبه المردواي (٣). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ - قبول الولد بينهما الاستلحاق. (٤) ٢ - إنه معنى ينشر الحرمة. (٥) ٣ - إنه رضاع ينشر الحرمة إلى المرضعة، فكذلك الواطئ. (٦) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: أولًا: دليل كون لبن النافي للولد باللعان ينشر الحرمة بين الرضيع وأمه: ٥ - إنه رضع من لبنها حقيقة. (٧) ثانيًا: الدليل على أن لبن النافي للولد باللعان لا ينشر الحرمة بينه وبين الرضيع بطريق الأبوة الرضاعية دون البنوة الربيبية: ١ - إن التحريم بينهما - الرجل والمرتضِع - فرع لحرمة الأبوة؛ فلما لم تثبت حرمة الأبوة، لم يثبت ما هو فرع لها. (٨)
следующие страницы →