← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وـ ما روي عن طاوس أنه قال: كان لأزواج النبي ﵌ رضاعات محرمات، ولسائر النساء رضاعات معلومات، ثم ترك ذلك بعد. (١) ز - ما سئل عنه طاوس من قولة من يقول: لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات، ثم صار إلى خمس؟ قال طاوس: قد كان ذلك، فحدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم؛ المرة الواحدة تحرم. (٢) وأجيب عنه: بأن قول طاوس هذا لم يسنده إلى صاحب، فضلًا عن رسول الله ﵌، ومثل هذا لا تقوم به حجة، ولا يحل القطع بالنسخ؛ بظن تابعي. (٣) ح - إن مالكًا قال بعد روايته في موطئه: وليس العمل على هذا ا. هـ (٤) ٣ - الخبر في أمر سالم مولى أبي حذيفة؛ حيث جاء من طرق عن عائشة، بلفظ: "أرضعيه" (٥) فقط، غير أنه روي بلفظ: "أرضعيه خمس رضعات فيحرُمُ بلبنها" (٦)، فكان

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 389

قبل أن ينزل التحريم بالخمس، ثم أفتاها بالخمس بعد نزولها، وقد لا يكون بين الأمرين إلا بعض ساعة. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إنه زيادة على مطلق القرآن، والزيادة نسخ، والسنة لا تنسخ القرآن (٢). وأجيب عنه: بأن تقييد المطلق بيان؛ لا نسخ ولا تخصيص، ومن قال بتعليق التحريم بغير الخمس؛ فقد خالف مناطيق الأحاديث بالضرورة. (٣) ٤ - ما روي عن أبو هريرة ﵁ قال: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" (٤)، والرضعة الواحدة لا تجزئ في ذلك؛ لأنها لا تغني من جوع، فإذا كان الغناء بالحليب يحتاج تقديرًا؛ فأولى ما يؤخذ به ما قدرته الشريعة، وهو خمس رضعات. (٥) ونوقش بما يأتي: أ- إن في سنده ضعفًا وانقطاعًا. (٦) وأجيب عنه: بأن النظر يؤيده. (٧) ٥ - إن عائشة ﵂ كانت إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت إحدى بنات إخوتها أو أخواتها فأرضعته خمس رضعات. (٨) ٦ - ما روى نافع أن سالم بن عبد الله أخبره: أن عائشة ﵂ أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم، فأرضعته ثلاث رضعات ثم مرضت، فلم ترضعه غير ثلاث بمنزلة ولدها من الرضاعة، وهذا خبر في غاية الصحة، وجلالة الرواة وثقتهم، ولا يسع أحدًا الخروجُ عنه، كما أن هذا الخبر من رواية ابن جريج يبين وهم رواية ابن إسحاق لهذا الخبر، فذكر فيه عشر رضعات أو نسخه؛ إذ قد يمكن أن يكون ﵊ أفتاها بالعشر

стр. 390

رضعات؛ فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أني لم يتم لي عشر رضعات ا. هـ (١)، وأما النص على الرضعات العشر، فقد وجه الشافعي قول سالم هذا بقوله: "ولعل سالمًا أن يكون ذهب عليه قول عائشة في العشر الرضعات فنسخن بخمس معلومات، فحدث عنها بما علم من أنه أرضع ثلاثًا فلم يكن يدخل عليها، وعلم أن ما أمرت أن يرضع عشرًا، فرأى أنه إنما يحل الدخول عليها عشر" (٢)، ويؤيد هذا حكاية عائشة الآنفة أن الخمس رضعات يحرمن وأنهن من القرآن (٣). ٧ - ما روى عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين ﵂؛ أنها قالت: لا تحرم دون خمس رضعات معلومات. (٤) ٨ - ما روى سالم بن عبد الله بن عمر، عن زيد بن ثابت؛ قال: لا تحرم الرضعة والرضعتان والثلاث. (٥) ١٠ - إنه سبب تحريم، فيشترط فيه العدد؛ كاللعان. (٦) ونوقش بما يأتي: أ- إنه سبب تحريم، فلا يتوقف على العدد؛ كالنكاح على غير الزوج، والطلاق على الزوج (٧)، والمعنى أن منكوحة أي رجل تحرم على أبيه تأبيدًا، وعلى غيره بهذا النكاح الواحد الذي لا تعدد فيه، كما أن الطلاق يكون واحدًا، ويحرم المرأة على المطلِّق بعد العدة.

стр. 391

أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - ما روي مرفوعًا: "لا تحرم المصة ولا المصتان" رواه مسلم (١)، وما في معناه من المرويات المرفوعة والموقوفة التي جاءت مجيء التواتر، فهي مستثناة من عموم قول الله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، وبقي ما زاد على التحريم. (٢) ونوقش بما يأتي: أ- إن صريح ما روي في أدلة الرضعات الخمس يخصص مفهوم ما رووه هنا، فنجمع بين الأخبار، ونحملها على الصريح الذي رَوَيناه. (٣) ب - ليس في هذا بيان أنهم كانوا يحرمون بالثلاث. (٤) ج - إن نفي التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وأما مفهومه فيقدم عليه المنطوق الذي خرج مخرج تأسيس حكم مبتدأ، ولم يخرج جوابًا للسائل. (٥) د - إن تعليق التحريم بالثلاث يخالف منطوق نصوص أخرى، بخلاف تعليقه بالخمس؛ فإنه لا يخالف شيئًا مما استدللتم به، وغاية ما فيه تقييد المطلق. (٦) هـ ــ صدقتم في أنها غاية في الصحة، ولكن لو لم يرد غيرها لكان القول ما قلتم، وحيث قد جاء غير هذا مما صرح فيه بالرضعات الخمس؛ فهو المقدم. (٧) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: ١ - إن عروة روى في حديث سهلة بنت سهيل أن رسول الله ﷺ قال: "أرضعيه عشر رضعات، فيحرم بلبنها". (٨)

стр. 392

ونوقش بما يأتي: أ- إنه لا يخلو من أحد وجهين، لا ثالث لهما: أحدِهما: أن يكون ابن إسحاق وهم فيه؛ لأنه قد روى هذا الخبر عن الزهري من هو أحفظ من ابن إسحاق - وهو ابن جريج -، فقال فيه: أرضعيه خمس رضعات. الثاني: أن يكون محفوظًا؛ فتكون رواية ابن إسحاق صحيحة ورواية ابن جريج صحيحة، فيكونان خبرين اثنين، فإذا كان ذلك؛ فالعشر الرضعات منسوخات. فسقط هذا الخبر؛ إذ لا يخلو ضرورة من أن يكون وهمًا، أو منسوخًا؛ لا بد من أحدهما. (١) كما يمكن أن يناقش بما يأتي: ب- إن دلالة منطوق أدلة القول الثاني في إجزاء الرضعات الخمس للتحريم مقدمة على دلالة المفهوم من هذا الدليل أن ما دون العشر لا يجزئ في ثبوت التحريم. ج ــ إن ذلك في أول الإسلام، فنسخ بخمس معلومات، والأمور العددية في الشرعيات قد يطرأ عليها التغير بعد شرعها مباشرة، أو النسخ بعد فترة؛ كما وقع ذلك في عدد الصلوات في اليوم والليلة خمسًا بعد خمسين، وكون الصلاة ركعتين ثم أتمت صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، وكون العشرين في مقابل المائتين على صف القتال ثم خفف إلى مائة في مقابل مائتين، واستقرار حد الشرب أربعين بعد أن كانوا يضربونه بالجريد والنعال نحو كذا وكذا، والله تعالى أعلم. ٢ - ما روى ابن حزم معلقًا على مالك، عن نافع، أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ أرسلت به إلى أم كلثوم أختها بنت أبي بكر الصديق

стр. 393

- وهي ترضع -، فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل علي. قال سالم: فأرضعتني ثلاث رضعات، ثم مرضت أم كلثوم، فلم ترضعني؛ فلم أكن أدخل على عائشة أم المؤمنين من أجل أن أم كلثوم لم تتم لي عشرًا من الرضعات. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إن عائشة ﵂ كانت تأخذ لنفسها بعشر رضعات، ولغيرها بخمس رضعات؛ لما تقدم من قولها: لا تحرم دون خمس رضعات. (٢) ٣ - ما روى ابن حزم معلقًا على مالك، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد؛ أنها أخبرته أن حفصة أم المؤمنين أرسلت عاصم بن عبد الله بن سعد إلى أختها فاطمة بنت عمر؛ ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها - وهو صغير -، ففعلت، فكان يدخل عليها. (٣) قال ابن حزم: عاصم بن عبد الله بن سعد، هذا هو مولى عمر بن الخطاب. (٤) أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس بما يأتي: ١ - ما روى عبد الله بن الزبير عن عائشة: إنما يحرم من الرضاع سبع رضعات. (٥) ونوقش بما يأتي: أ- إنه قد روي عنها غير هذا العدد بأسانيد أصح، وإذا كان الأمر كذلك سقط هذا القول؛ لأننا لم نجد له متعلّقًا. (٦) ب - الاضطراب في المتن، وهي علة قادحة في ثبوت الحديث، وأمارة عدم دقة الناقل، ولذلك قررابن القيم ت ٧٥١ هـ أن: هذا المذهب لا دليل عليه ا. هـ (٧) أدلة القول السادس: استُدل لأصحاب القول السادس بما يأتي: ١ - قول طاوس: كان لأزواج النبي ﷺ رضعات محرمات، ولسائر الناس رضعات معلومات. (٨)

стр. 394

ونوقش بما يأتي: أ- إن تمام قوله بعد مقولته الآنفة هو قوله: ثم ترك ذلك بعد ا. هـ (١) كما يمكن أن يناقش بما يأتي: ب- إن قوله ليس من الأدلة التي يحتج بها في الشريعة. - الترجيح: بدا ترجح القول الأول - وهو أن كثير الرضاع وقليله يحرم - إذا أشبع؛ بحيث يسع مدلول أدلة الرضعات الخمس: الرضعاتِ غير المشبعة وإن أشبعت بجميعها، ثم استظهرت رجحان الخمس - كما في القول الثاني -؛ لأن الخمس مظنة الشبع الذي يقع معه انفتاق الأمعاء واشتداد العظام ونبات اللحم، وعادة الشريعة جارية بإلحاق الأحكام بمظانها لا بالمقطوع من محالِّها؛ كإلحاق حكم الترخص بالسفر كونه مظنة المشقة، والدخول على الزوجة بإرخاء الستر وإغلاق الباب ونحو ذلك مما تقع به الظنة للمواطأة، والرضعاتُ الخمسُ مظِنَّةُ الإشباع؛ إلحاقًا للحكم بمظنته، فإن أشبع بواحدة من دون أن تقصر مدة الالتقام والمص، لم يقع بها التحريم. وقد يتهيب الناظر إلى أصحاب القول الأول من الجمع الغفير الذين تبنوه في القرون المفضلة وسوَّوا قليل الرضاع وكثيره في التحريم؛ إذا وصل إلى الجوف، حتى حكى الليث الاتفاق عليه، ولكن ذلك غير معتبر لما يأتي: أولًا: كون قولِ النبي ﷺ مقدمًا عندنا، وقد توفي والأمر على خمس رضعات. ثانيًا: إذا تقرر كون النسخ متأخرًا، فمن المحتمل أن يكون قربُ النسخ من الوقت الذي توفي فيه رسول الله ﷺ سببَ عدم بلوغه لمن لم ير في العدد شرطًا لإثبات التحريم من الرضاع، واعتمادهم الإطلاق في أصل الحكم ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، ؛ بما فيهم بعض الصحابة - رضوان الله عليهم -؛ حيث توفي ﵊ والمنسوخ مما يتلى؛ فهم معذورون بذلك. ثالثًا: إن النسخ أورث إشكالًا على أذهان بعض الأئمة آنذاك؛ من حيث إنه لم يدر أيهما المتقدم، وربما أخذ بقول لصحابي؛ كعائشة، وهي قد انطوت عنه بعد نسخه. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة آثار في الفروع الآتية:

стр. 395

١ - لو كان لرجل ثلاث نسوة لهن لبن منه، فأرضعن امرأة له صغرى؛ كل واحدة منهن رضعتين؛ حرمت على الأب ولم تحرم المرضعات عند من يشترط عددًا؛ كالحنابلة فيما صرحوا به، خلافًا لمن أثبت التحريم بالرضاع من دون أن يشترط عددًا. (١) ٢ - إذا كان لامرأة لبن من زوج، فأرضعت طفلًا ثلاث رضعات، وانقطع لبنها، فتزوجت آخر، فصار لها منه لبن، فأرضعت منه الصبي رضعتين، صارت أمًّا له بغير خلاف عند القائلين بأن الخمس محرمات، ولم يصر واحد من الزوجين أبا له؛ لأنه لم يكمل عدد الرضاع من لبنه، ويحرم الرضيع - إن كان أنثى - على الرجلين؛ لكونه ربيبها، لا لكونه ولدهما (٢)، ويحرم الرضيع على المرأة عند القائلين بأن الثلاث محرمات، ويحرم الرضيع على المرأة وعلى الزوجين عند القائلين بأن قليل الرضاع يحرم كما يحرم كثيره، ولا يحرم الحليب شيئًا عند من يقول بالسبع أو العشر. - سبب الخلاف: يمكن إعادة سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ما يأتي: ١ - حكم نسخ السنة الآحادية للقرآن، أو تخصيصه بها؛ فمن احتج بها؛ خصص إطلاق التحريم للأم الرضاعية في الكتاب بالعدد الوارد في السنة الأُحَادية، ومن لم يحتجَّ بها؛ لم ير فيما جاء من السنة قوةً لنسخ عموم الكتاب حين أطلق إسناد التحريم إلى الأم المرضعة، والأخوات من الرضاعة. والأوجه الذي يدل على ما ترجح هو الرأي الأول؛ لأن السنة شرع من الله تعالى كما أن الكتاب شرع منه سبحانه، وليس في العقل ما يمنع من ذلك ولا في الشرع. (٣) ٢ - هل العبرة بما روى الراوي أو بما رأى؟ فمن قدم رواية الراوي على رأيه - وهم الجمهور إن خالف ظاهر الحديث -؛ أخذ بدلالة ما صح من النصوص المرفوعة التي تقيد الرضاع المحرم بالعدد وإن روي خلافه عمن جاءت من طريقه من الصحابة، ومن قدم رأي الراوي على روايته - وهم الحنفية إن خصصه وبعض

стр. 396

المالكية -؛ قدموا رأي الراوي الموقوف عليه على ما رفعه إلى النبي ﷺ . (١) ٣ - هل الزيادة على القرآن نسخ أو بيان إذا كانت الزيادة لا تستقل بنفسها؟ فمن لم يعد ذلك نسخًا - وهم الجمهور -؛ اعتبر أكثرهم العدد الوارد في السنة من الرضعات لتكون الأم الرضاعية في الكتاب محرَّمةً على المرتضع، ومن عدها نسخًا - وهم الحنفية ومن وافقهم بتنوع قيوداتهم -؛ أخذ بإطلاق حكم تحريم الأم الرضاعية في الكتاب دون الاعتداد بما ورد في السنة مما يقيد إطلاق الحكم بعدد الرضعات المجزئة لإثبات التحريم. (٢) المسألة الثانية: ضابط الرضعة والرضعات . اختلف الفقهاء القائلون بالكمِّ أو العدد لإثبات التحريم من الرضاع فيما تعتبر به الرضعة مجزئة وكافية لإثبات على سبيل الانفراد عند من لا يشترط العدد، أو الاشتراك عند من يشترط عددًا، والثمرة العملية من الترجيح في المسألة الآنفة لا تترتب بدون بيان الراجح فيما تضبط به الرضعة، وقد كثر في كلام الفقهاء التمثيلُ بوقائع يحكمون إزاءها بثبوت التحريم من عدمه من خلال توصيف تلك الرضعة، وربما قرنوا ذلك بضابط؛ كالعرف، أو لا يقرنونه بضابط، ولكن يمكن استنباطه من خلال أحكامهم في فروع المسائل، وجملة آراء الفقهاء في ذلك مبيَّنة على ما يأتي: القول الأول: أن تكون الرضعات متفرقات، وضابط التفرق: حدوث لبن جديد في الثدي. وذلك أن يرضع المولود، ثم يقطع الرضاع، ثم يرضع، ثم يقطع الرضاع؛ فإذا رضع في واحدة منهن ما يعلم أنه قد وصل إلى جوفه ما قل منه وكثر فهي رضعة، وإذا قطع الرضاع ثم عاد لمثلها أو أكثر فهي رضعة.

стр. 397

ولا ينظر في هذا إلى قليل رضاعه ولا كثيره؛ إذا وصل إلى جوفه منه شيء؛ فهو رضعة، وما لم يتم خمسًا؛ لم يحرم بهن. وهو مذهب الشافعي (١). القول الثاني: الرجوع في الرضعة والرضعات إلى العرف، وما تنزل عليه الأيمان في ذلك، ومتى تخلل فصل طويل تعدَّد. فلو ارتضع، ثم قطع إعراضًا، واشتغل بشيء آخر، ثم عاد وارتضع؛ فهما رضعتان، ولو قطعت المرضعة، ثم عادت إلى الإرضاع؛ فهما رضعتان، ولو نام الصبي طويلًا، ثم انتبه من دون أن يكون الثدي في ثمه، وامتص؛ فرضعتان أيضًا. ولا يحصل التعدد بعدم القطع البين؛ كما لو لفظ الثدي، ثم يعود إلى التقامه في الحال، ولا بأن يتحول من ثدي إلى ثدي، أو تحوله لنفاذ ما في الأول، ولا بأن يلهو عن الامتصاص والثدي في فمه، ولا بأن يقطع التنفس، ولا بأن يتخلل النومة الخفيفة، ولا بالنومة الطويلة إذا انتبه والثدي في ثمه فامتص، ولا بأن تقوم وتشتغل بشغل خفيف، ثم تعود إلى الإرضاع، فكل ذلك رضعة واحدة. وبه قال الشافعية (٢)، وصححه النووي (٣). القول الثالث: كالقول الأول (٤)؛ إلا: إذا ارتضع، ثم قطع إعراضًا، واشتغل بشيء آخر، ثم عاد وارتضع، فهما رضعتان، ولو قطعت المرضعة، ثم عادت إلى الإرضاع، فهما رضعة. وهو وجه قوي عند الشافعية (٥). القول الرابع: المرجع في معرفة الرضعة إلى العرف، فإذا ارتضع الصبي، وقطع قطعًا بيِّنًا باختياره؛ كان ذلك رضعة، فإذا عاد؛ كانت رضعة أخرى.

стр. 398

وكذلك إن قطع شبعًا، أو لضيق نفس، أو لِمَلَّةٍ، أو للانتقال من ثدي إلى ثدي، أو لامرأة أخرى، أو لشيء يلهيه، أو قطعت عليه المرضعة بأن أُخرج الثدي من فمه؛ فإنه إذا عاد - ولو قريبًا - فهي رضعة أخرى. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل (١)، ووجه عند الحنابلة (٢)؛ اختاره أبوبكر (٣)، وصححه ابن قدامة (٤)، والمرداوي (٥)، وهو اختيار محمد بن إبراهيم (٦). القول الخامس: كالقول الرابع؛ إلا إنه إذا قطع لضيق نفس، أو للانتقال من ثدي إلى ثدي، أو لشيء يلهيه، أو قطعت عليه المرضعة؛ فإن جميع ذلك رضعة. وهو وجه عند الحنابلة (٧)؛ استظهره ابن القيم من مُحتمَلَي كلام أحمد (٨). القول السادس: إن لم يقطع باختياره؛ فهما رضعة؛ إلا أن يطول الفصل بينهما. وبه قال ابن حامد من الحنابلة (٩). القول السابع: قطع كل رضعة من الأخرى، أو خمس مصات مفترقات كذلك، أو خمسٌ ما بين مصة ورضعة؛ تقطع كل واحدة من الأخرى؛ هذا إذا كانت المصة تغني شيئًا من دفع الجوع (١٠)؛ بحيث يفتق الأمعاء ويخصب الجسم، وإلا؛ فليست شيئًا ولا تحرم شيئًا. وبه قال ابن حزم (١١). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي:

стр. 399

أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: الاستدلال على كون الضابط في العد هو التفرُّق بحيث يتجدد حدوث اللبن في الثدي كل مرة: ١ - إن الرضيع إذا حلب له لبن كثير مرة واحد، فأوجره مرتين أو ثلاثًا؛ فهو لبنٌ واحد، ولا يكون إلا رضعةً واحدة، وليس كاللبن يحدث في الثدي؛ كلما خرج منه شيء حدث غيره، فيفرق فيه الرضاع حتى يكون خمسًا. (١) ثانيًا: الاستدلال على أن القطع لا يعتبر إلا ما انفصل انفصالًا بيِّنًا: ١ - كما يكون الحالف لا يأكل بالنهار إلا مرة فيكون يأكل ويتنفس بعد الازدراد إلى أن يأكل فيكون ذلك مرة وإن طال، ولو قطع ذلك قطعا بينًا بعد قليل أو كثير من الطعام ثم أكل كان حانثًا وكان هذا أكلتين. (٢) ٢ - لأن الرضاع قد يكون بقية النفس والإرسال والعودة؛ كما يكون الطعام والشراب بقية النفس وهو طعام واحد. (٣) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - مثل الغذاء إذا تغذى به، ثم قطع الغذاء القطع البين، ثم عاد له؛ كانت أكلتين، وإن كان الطعام واحدًا؛ فكذلك إذا قُطِع عن الصبي الرضاع القطع البين، وإن كان اللبن واحدًا. (٤) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: ١ - إن الشرع ورد بالرضعة مطلقًا، ولم يحدها بزمن ولا مقدار، فدل ذلك على أنه ردهم إلى العرف. (٥) ٢ - إن الأولى رضعة لو لم يعُدْ، فكانت رضعة وإن عاد قريبًا؛ لأن العود ارتضاع، كما لو قطع باختياره (٦)، والشارع لم يحد الرضعة بزمان؛ فوجب أن يكون القريب كالبعيد. (٧)

стр. 400

٣ - إن اليسير من السعوط والوجور رضعة، فكذا هذا. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إن السعوط والوجور مستقلٌّ ليس تابعًا لرضعة قبله، ولا هو من تمامها بخلاف مسألتنا؛ فإن الثانية تابعة للأولى، وهي من تمامها؛ فافترقا. (٢) ٤ - إن الرضاع يصح من المرتضع ومن المرضعة، ولهذا لو أوجرته وهو نائم احتسب رضعة (٣) - يريد: كفاية نية أحدهما أو فعله -. أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس بما يأتي: ١ - أشبه ما لو أكل الآكل الطعام لقمة بعد لقمة، فإنه لا يعد أكلات (٤)؛ فلو حلف: لا أكلت اليوم إلا أكلة واحدة، فاستدام الأكل زمنًا، أو قطع لشرب ماء أو انتقال من لون إلى لون أو انتظار لما يحمل إليه من الطعام؛ لم يعد إلا أكلة واحدة، فكذا ههنا. (٥) أدلة القول السابع: استدل أصحاب القول السابع بما يأتي: ١ - ما روت عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﵌ قال لها: "انظرن من إخوتكن من الرضاعة؛ فإنما الرضاعة من المجاعة". (٦) ٢ - ما روى أبو هريرة عن النبي ﵌ أنه قال: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" (٧)، وهذا في غاية الصحة، والحجة به قائمة. (٨) ٣ - قول النبي ﵊: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، ولا المصة ولا المصتان" (٩)، فعلمنا أن المصة غير الرضعة، فمن ذلك قلنا: إن استنفاد الراضع ما في الثديين

стр. 401

متصلًا رضعة واحدة، وأن المصة لا تحرم، إلا إذا علمنا أنها قد سدت مسدًّا من الجوع ولا يوقن بوصولها إلى الأمعاء، وأن اليسير من ذلك الذي لا يسد مسدًّا من الجوع، ولا يوقن بوصوله إلى الأمعاء؛ لا يحرم شيئًا أصلًا، وبالله تعالى التوفيق. (١) ٤ - ما روي عن عمر بن الخطاب أنه سئل: ما يحرم من الرضاع؟ فكتب إليه: إنه لا يحرم منها: الضرار، والعفافة، والملجة؛ فالضرار: أن ترضع المرأة الولدين كي تحرم بينهما، والعفافة: الشيء اليسير الذي يبقى في الثدي، والملجة: اختلاس المرأة ولد غيرها فتلقمه ثديها. (٢) ٥ - قول ابن جريج: وأخبرني محمد بن عجلان أن عمر بن الخطاب أتى بغلام وجارية - أرادوا أن يناكحوا بينهما - قد علموا أن امرأة أرضعت أحدهما؟ فقال لها عمر: كيف أرضعت الآخر؟ قالت: مررت به وهو يبكي فأرضعته، أو قالت: فأمصصته. فقال عمر: ناكحوا بينهما؛ فإنما الرضاعة الخصابة. (٣) ٦ - ما روي مرفوعًا وموقوفًا: "لا يحرم إلا ما فتق الأمعاء: - يعني: من الرضاع -، و "لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم" (٤) (٥). الترجيح: يلحظ المتأمل في أصحاب الأقوال أن هذه المسألة لم يتطرق إليها من يتمشى على أصل أبي حنيفة (٦)، ومالك (٧)، وغيرهما (٨)؛ ممن يكون عنده قليل الرضاع ككثيره في التحريم؛ لأنها لا ترد على أصلهم هذا.

стр. 402

ويرى الناظر في عامة الأقوال أنها تعطف خاصًّا على عام؛ حينما تجعل الضابط هو العرف، ثم تتبع ذلك بما جرى عليه عرفهم في اعتبار الرضعة، والصواب من كل ذلك ما يجرى عليه عرف كل زمان مما يكون مظنة انفتاق الأمعاء وانشقاقها بالحليب؛ لأن عدد الرضعات ورد مطلقًا. وحيث كان العرف هو المعتمد في حساب الرضعات المحرِّمة؛ فقد اجتهد فقهاء الإسلام في توضيح معالم الرضعة المجزئة بضرب الأمثلة على ما اقتضاه عرفهم، والعرف عند نساء زماننا للرضعة يتجه إلى الوجبة المشبعة من الحليب بغض النظر عن العوارض أثناء الارتضاع، وهذا أمر أعرفه في بلادنا نجد، ولا مانع من اختلاف الأحكام العرفية إزاء العوارض الغير متناهية أثناء عملية الرضاعة في الأقطار أخرى. غير أن الاختلاف العرفي في اعتبار الرضعة بحسب المكان والزمان ينبغي أن يكون يسيرًا؛ لأن الرضاع المحرم هو ما ينبت اللحم ويشد العظم ويقوي البدن، ولما كان كذلك؛ أناط الشارع إثبات التحريم الرضاعي بخمس رضعات؛ إذ كانت الرضعات الخمس مظنة القدر الذي يسد الجوعة قطعًا بحيث ينتفع به بدن الرضيع ويشتد. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - إذا انتقل الرضيع من ثدي امرأة إلى ثدي أخرى، فللشافعية وجهان نصوا عليهما: الأول: يحسب لكل واحدة رضعة؛ لأن الاشتغال بالارتضاع من الأخرى قطع الارتضاع من الأولى، فصار كالاشتغال بشيء آخر، وهو الأصح عندهم. الوجه الثاني: لا يحسب لواحدة منهما رضعة. (١) ٢ - إذا كان لرجل زوجتان؛ حلبت كل واحدة من لبنها دفعة، ثم خلطا، فشربه مرتين؛ فإن حسب لكل واحدة رضعتان اعتبارا بوصول اللبن وفق إحدى الوجهين عند الشافعية؛ ثبت للزوج أربع رضعات، وإن حسب لكل واحدة رضعة اعتبارا بالحلب كما هو الوجه الثاني لدى الشافعية؛ ثبت للزوج رضعة واحدة. وهذا بناء على الوجه الأول عند الشافعية في رضاع نساءٍ فحلهن واحد، وتأتي المسألة قريبًا - إن شاء الله تعالى -، وأما على الوجه الثاني عند

стр. 403

الشافعية القاضي بعدم جمع رضعات الزوجات في حق الزوج؛ فتثبت له رضعة واحدة (١)، ومفهوم قول الحنابلة أن الاعتبار بشرب الطفل له (٢). ٣ - لو كانت المرضِع لم تكمل للرضيع خمس رضعات، فحلب لها لبن كثير، فقطع ذلك اللبن، فأوجره صبي مرتين أو ثلاثًا حتى يتم خمس رضعات؛ لم يحرم في مذهب الشافعي (٣)؛ لأنه لبنٌ واحد، ولا يكون إلا رضعة واحدة، وليس كاللبن يحدث في الثدي؛ كلما خرج منه شيء حدث غيره، فيفرق فيه الرضاع حتى يكون خمسًا (٤)، ويحرّم في مذهب الحنابلة (٥). - سبب الخلاف: يرجع منشأ الخلاف في هذه المسألة إلى عدة مسائل، منها: ١ - ما تعتبر ما به مرات الأكل للمقسم بيمينه؛ فإذا حلف لا يأكل في اليوم إلا مرة واحدة فأكل لقمة، ثم أعرض واشتغل بشغل طويل، ثم عاد وأكل؛ حنث فيما صرح به الشافعية (٦)، ولو أطال الأكل على المائدة وكان ينتقل من لون إلى لون ويتحدث في خلال الأكل ويقوم ويأتي بالخبز عند نفاذه؛ لم يحنث؛ لأن ذلك كله يعد في العرف أكلة واحدة. (٧) المسألة الثالثة: شرطية الموالاة في مدة الرضاع . عند من يشترط مدة للرضاع الذي يثبت به التحريم؛ فإذا أُرضع المولود أقل من الحولين - على الراجح فيما اختلف فيه من المدد -، ثم قطع رضاعه وفطم حتى استغنى عن الطعام، ثم أرضع قبل الحولين؛ فهل يحرم هذا الرضاع شيئًا؟ أو إن الانقطاع يلغي حكم الرضعات الأولى فحسب؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: لا يحرم الرضاع بعد الفطام، ولو في الحولين.

стр. 404

وهو محكي عن مالك (١)، وصاحبه ابن القاسم (٢)، واختاره تقي الدين ابن تيمية ولو لم يفطم إلا بعد الحولين وقع به التحريم، فأمَّا بعد الفطام؛ فلا، إلا ما كان للحاجة (٣). القو الثاني: الاعتبار بالعامين لا بالفطام، فيكمل بذلك رضاعه الذي يحرِّم. وهو مذهب الشافعي (٤)، والحنابلة (٥). - الأدلة: استدل أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - قوله ﷺ : "وكان قبل الفطام". (٦) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]. (٧) ٢ - ما روي عن النبي ﷺ : "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" (٨)، والفطام معتبر بمدته لا بنفسه. (٩) - الترجيح: الراجح هو أن الرضاع لا يحرم شيئًا بعد الفطام؛ لأن الصبي حينئذ قد استغنى بالطعام عن الرضاع؛ فلم يعد يسد الحليب مجاعته، والرضاع المحرمة لا تكون إلا من المجاعة؛ لقول النبي ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (١٠)، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة؛ كقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [سورة قريش: ٤] (١١).

стр. 405

المسألة الرابعة: إلغاء المدد في مقابل المتابعة . صورة المسألة: إذا أرضع المولود في الحولين - على المرجح في المدد -، وكان رضاعه متتابعًا، ولم تتِم رضاعه خمسًا - على الراجح في العدد - إلا بعد الحولين؛ فهل يحرِّم عند من يشترط مدة للرضاع الذي يثبت به التحريم؟ (١) اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: يحرم إذا كانت الرضعة الأخيرة التي يثبت بها التحريم مع كمال المدة؛ إذا لم يتقدمه كمالها، والمعنى: أن مدة الرضاع إن كملت قبل اكتمال العدد المثبت للتحريم، ولم يكن في أثناء اكتماله رضاع؛ لم يحصل التحريم. وهو مذهب الشافعي (٢). القول الثاني: لا يثبت التحريم، ولو لم يفطم. وهو المذهب عند الحنابلة (٣). والظاهر أن المتابعة تلغي اعتبار المدة المقدرة شرعًا للتحريم الرضاعي إزاء الرضيع إذا لم يفطم؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، وحليب المرضعة لا يزال معه وصف سد جوعة الرضيع حيث لم يفطم، كما أن الحول الثاني لا يعتبر فيه التحريم الرضاعي إذا استغنى الرضيع بالطعام بحيث لم يعد الحليب يسد جوعته؛ لقول النبي ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٥). فإن قيل: علة التحريم الرضاعي في الشريعة هي كون الرضيع في الحولين الأوَّلين من أعوام حياته، وأما سد جوعة الرضيع فلا تعدو أن تكون حكمة لا وصفًا معرِّفًا للحكم؛ كما أن

стр. 406

السفر علة كافية في الترخص ولو لم تتوافر حكمة المشقة، ولو توافرت المشقة للحاضر؛ لم يقصر الصلاة؛ لأن علة السفر غير موجودة وإن وجدت حكمة المشقة. أجيب: بعدم التسليم لكون الحولين علةَ التحريم في باب الرضاع، وكل ما جاء في التقدير بالحولين لا يخلو من أن يكون أمرًا على المولود لها بالرضاع فيهما، أو أن يكون ضعيفًا في سنده (١). والعلة التي دل عليها الدليل الشرعي الصحيح ثم النظر العقلي الصريح هي سد جوعة الرضيع (٢)، وذلك ما يورث عظام الرضيع اشتدادًا وقوة، وينبت لحمه (٣)، ويبقي عليه مهجته؛ لأنه يتعيش عليه فقط. ولا ترد هذه المسألة على أصل أبي حنيفة (٤)، ومالك (٥)، وغيرهما (٦)؛ ممن يكون عنده قليل الرضاع ككثيره في التحريم، ولا على أصل من يسقط اعتبار المدد في التحريم الرضاعي، وهو ما روي عن طائفة من الصحابة (٧)، والتابعين (٨)، ومذهب الظاهرية (٩). - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - لو ارتضع بعد الحولين بساعة؛ لم يحرم في مقتضى مذهب الحنابلة، وبه قال أبو الخطاب (١٠)، وهو مفهوم قول الشافعي وأصحابه. ٢ - لو شرع في الرضعة الخامسة، فحال الحول قبل كمالها؛ لم يثبت التحريم فيما قال به القاضي أبو يعلى الحنبلي (١١)، خلافًا لغيره من الحنابلة (١٢)، وخلافًا للشافعي وأصحابه في مفهوم قولهم. ٣ - لو توبع رضاع صبي؛ فلم يفصل ثلاثة أحوال أو حولين أو ستة أشهر بعد الحولين أو أقل أو أكثر، فأرضع بعد الحولين؛ لم يحرم الرضاع شيئًا في مذهب الشافعي، وكان بمنزلة الطعام والشراب (١٣)، وهو ظاهر مذهب الحنابلة. ٤ - لو أرضع في الحولين أربع رضعات، وبعد الحولين الخامسة وأكثر؛ لم يحرم، ولا يحرم من الرضاع إلا ما تم خمس رضعات في الحولين، وذلك ما صرح به الشافعي فيما ذهب إليه (١٤)، وهو ظاهر مذهب الحنابلة. المسألة الخامسة: الشك في عدد الرضعات . صورة المسألة: إذا تُيُقِّنَ من وقوع الرضاع وشُكَّ في عدده؛ هل أرضعته خمسًا، أو دونها؟ فهل ثمة تحريم؟ لا ترد هذه المسألة على أصل أبي حنيفة (١٥)، ومالك (١٦)، وغيرهما (١٧)؛ ممن يكون عنده قليل الرضاع ككثيره في التحريم بالرضاع، لكن الفقهاء الذين يشترطون عددًا مجزئًا

стр. 407

لإثبات التحريم قرروا أنه لا يثبت بالشك تحريم، وأن بناء الحكم في ذلك على اليقين، وهو عدم الرضاع (١)، وجعل بعضهم الشك في الارتضاع من الشبهات، وقرر أن تركه أولى (٢)، واستدلوا لذلك بما يأتي: ١ - إن المحرمية لا تثبت بالشك، وليس ثم يقين على أنها أمّ. (٣) ٢ - إن الأصل عدم الرضاع؛ فلا نزول عن اليقين بالشك. (٤) ٣ - كما لو شك في وجود الطلاق وعدده. (٥) كما استدل من جعل الشك من الشبهات التي تركها أولى بما يأتي: ١ - ما روي مرفوعًا: "من اتقى الشبهات؛ استبرأ لدينه وعرضه". (٦) - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في فروع، منها: ١ - لو نكح رجل امرأة شك أن تكون أرضعته خمس رضعات، أو نكح أحدًا من بناتها؛ لم ينفسخ النكاح. (٧) ٢ - إن شكت المرضعة في كمال الرضاع في الحولين، ولا بينة؛ فلا تحريم (٨).

стр. 408

المسألة السادسة: الشك في وصول اللبن إلى الجوف . صورة المسألة: إذا وقع الشك في في رضاعة صبي؛ هل وصل الحليب إلى جوفه، أم لا؛ فل ثمة تحريم؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: لا تثبت الحرمة بالشك. وبه قال عامة الفقهاء (١). القول الثاني: يثبت التحريم بمحض الالتقام، ولو لم يقطع بوصوله إلى الجوف. وبه قال بعض المالكية (٢). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - عدم وقوع النزاع في هذه المسألة. (٣) ٢ - إن الأصل عدمه، فلا نزول عن اليقين بالشك. (٤) ٣ - كما لو شك في وجود الطلاق وعدده. (٥) الترجيح: الراجح أن الحرمة لا تثبت مع الشك في وصول اللبن إلى الجوف؛ لأن الأصل عدم الرضاع، ولا ينتقل عن هذا الأصل بغير يقين، وأما إثبات بعض المالكية الحرمة بمحض الالتقام - ولو لم يوجد سبب ثوبان الحليب - فهذا عائد إلى توسعهم في الذرائع سدًّا ومنعًا، وعند تأمل مبدأ اعتبار الذرائع نجده يعود إلى أصل اعتبار المآلات، وهو من الأصول الفكرية المؤثرة في تكوين الفكر القواعدي عند المالكية بعد اعتبار المقاصد؛ حتى رجع ذلك عندهم على كثير من الأحكام بالإشكال، وقد كان هذا منهم؛ اعتبارًا بمدرك اجتهاد الإمام في الاعتداد بالاحتياط والالتزام بالأثر، لكن الخلل فيما وقعوا فيه من مزالق التنزيل الذرائعي؛

стр. 409

كالمبالغة، والغلو، والإجراء على التعميم، والتأبيد دون التوقيت، والأصل اعتبار هذا الأصل بضوابطه؛ على وفق تمليه مقاطع الشرع لرعْيِه. (١) ولا يعني ما تقدم من الترجيح أنه لا بد من الكشف عن جوف الصبي لمعرفة وصول الحليب من عدمه، بل يكفي في الانتقال عن اليقين الأصلي بعلامات اليقين الناقل وأماراته؛ كالامتصاص من ثدي مرضع مع شبع الرضيع، أو خروج قطرات الحليب من أطراف الفم، ونحو ذلك. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر فيما يأتي: ١ - إذا تيقنت المرضع من دخول الحلمة في فيّ الرضيع، ولم تتيقن من أن في ثدييها لبناً؛ فلا يثبت التحريم بالشك (٢) ٢ - إنْ وُضِع إزاء حلمة الثدي أنبوب فيه أغذية مكملة للطفل، وقصد من وضعه إلى جوار الحلمة تعويد الرضيع على المص من الثدي، ولم يكن في الثدي حليب أثناء الالتقام؛ لم تثبت المحرمية ولو شك في ذلك (٣)؛ لأن الذي يثبِت التحريم هو وصول الحليب إلى معدة الصبي بحيث يتحقق المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، وهو الغذاء؛ سواء ارتضع الصبي، أو حلب اللبن (٤)، وهذا وفق قول عامة أهل الإسلام، وهو الراجح، ويثبت به التحريم مع الشك؛ في قول بعض المالكية.

стр. 410

المسألة السابعة: اشتراط وصول اللبن على صفة واحدة عند من يقيد ثبوت التحريم بعدد . لا يشترط وصول اللبن في المرات على صفة واحدة؛ بل لو ارتضع في بعضها، وأوجر في بعضها، وأسعط في بعضها حتى تم العدد؛ ثبت التحريم؛ لأن المدار على وصول اللبن إلى الجوف. وهو مقتضى قول الحنفية (١)، ومذهب الشافعي (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)؛ لأنهم جعلوه - السعوط مثلًا - كالرضاع في أصل التحريم، فكذلك كان في إكمال العدد (٥). المسألة الثامنة: اتحاد الفحل أوالقريب واختلاف المراضع . تأتي هذه المسألة على عدة صور لا ترد على أصل أبي حنيفة (٦)، ومالك (٧)، وغيرهما (٨)؛ ممن يكون عنده قليل الرضاع ككثيره، وهي: الصورة الأولى: إذا كان للرجل خمس مستولدات، أو أربع زوجات ومستولدة، فأرضعت كل واحدة طفلًا رضعة؛ فهل يصرن أمهاته؟ وهل يصير الرجل أباه؟ اختلف في ذلك الفقهاء الذين اشترطوا عددًا للرضاع المجزئ على ما يأتي: القول الأول: لم يصرن أمهات له، وصار المولى أبًا له، حرمت عليه المرضعات. القول الأول: لا يصرن أمهاته، ولا يصير الرجل أباه. وهو وجه عند الشافعية (٩)، والحنابلة (١٠).

стр. 411

القول الثاني: يصير الرجل أباه، وتحرم المرضعات على الطفل لا بالرضاع، بل لأنهن موطوءات أبيه، فيكون ربيبهن. وهو وجه عند الشافعية (١)؛ صححه النووي (٢)، والوجه الأصح عند الحنابلة (٣)؛ قال به ابن حامد (٤)، ومفهوم قول ابن حزم (٥). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إنه رضاع لم يُثبت الأمومة؛ فلم يُثبت الأبوة، كالارتضاع بلبن الرجل. (٦) ونوقش بما يأتي: أ- إن الأبوة إنما تثبت لكونه رضع من لبنه، لا لكون المرضعة أمًّا له. (٧) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: أولًا: الدليل على كون المولى أبًا له دون الأمهات: ١ - إنه ارتضع من لبنه خمس رضعات (٨)؛ كما لو أرضعتها واحدة منهن. (٩) ٢ - إنه لبنه، وهن كالظروف له؛ (١٠) ذلك أن الأبوة إنما تثبت لكونه رضع من لبنه، لا لكون المرضعة أمًّا له. (١١) ثانيًا: الدليل كون المرضعات يحرمن عليه مع عدم ثبوت الأمومة:

стр. 412

١ - إنه ربيبهن، وهن موطوءات أبيه (١)، فيتناولهن قول الحق جل ذكره: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِسَاءِ﴾ [سورة النساء: ٢٢]. (٢) - الترجيح: الراجح هو القول الثاني؛ لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والصهر. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - لو كان تحت رجل صغيرة، وله خمس مستولدات، فأرضعتها كل واحدة رضعة بلبنه؛ لم ينفسخ نكاح الصغيرة على الوجه الأول عند الشافعية، وينفسخ على الثاني، وهو الأصح عندهم، ولا غرم عليهن، لأنه لا يثبت له دين على مملوكه (٣). ٢ - لو أرضع نسوةُ رجل الثلاثُ ومستولدتاه زوجتَه الصغيرة؛ فانفساخ نكاح الصغيرة على الوجهين المحكيين عن الشافعية في الفرع الآنف، وأما غرامة مهرها، فإن أرضعن مرتبا؛ فالانفساخ يتعلق بإرضاع الأخيرة، فإن كانت مستولدة؛ فلا شيء عليها، وإن كانت زوجة؛ فعليها الغرم، وإن أرضعنه معًا بأن أخذت كل واحدة لبنها في مسعط، وأوجِرَته معًا؛ فلا شيء على المستولدتين، وعلى النسوة ثلاثة أخماس الغرم، ولا ينفسخ نكاح النسوة؛ لأنهن لم يصرن أمهات الصغيرة. (٤) ٣ - لو كان لرجل أربع نسوة، فأرضعت إحداهن طفلًا رضعتين، وأرضعته الباقيات رضعة رضعة، أو كان له ثلاث مستولدات، فأرضعت إحداهن الطفل بلبنه ثلاث رضعات، والباقيتان رضعة رضعة؛ جرى الخلاف الآنف في مصيره أبًا، ولا يصرن أمهات، وعلى هذا قياس سائر نظائرها. (٥) ٤ - إذا كان لرجل أربع نسوة وأمة؛ موطوءات؛ أرضعت كل واحدة طفلة بلبن غيره رضعة، فإن قيل بعدم ثبوت الأبوة والأمومة كما الوجه الأول لدى الشافعية؛ لم يثبت التحريم، وإن قيل: يصير الرجل أباه، وتحرم المرضعات على الطفل لا بالرضاع، بل لأنهن موطوءات أبيه - وهو الوجه الثاني عند الشافعية، وصححه النووي -؛ فلا يخلو الحكم من

стр. 413

حالين: لو أرضعته بلبنه - يعني: الغير -؛ تحرم الطفلة عليه - أي: الزوج ذا النسوة الأربع والأمة -؛ لأنها ربيبته، وإن كان فيهن من لم يدخل بها؛ لم تحرم عليه؛ لأنه متى كان فيهن من لو انفردت بالرضعات الخمس لم تثبت الحرمة، لا يثبت التحريم. (١) ٥ - إن سقت محرم للزوج زوجةً صغيرة له شربتين، وسقتها أخرى ثلاثًا؛ فعلى الأولى خمس المهر، وعلى الثانية خمس المهر وعشره؛ في مذهب الحنابلة الذي صرحوا به (٢). - سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ما يأتي: ١ - ثبوت أبوة صاحب اللبن؛ هل هو فرع على ثبوت أمومة المرضعة؟ أو أصل قائم بنفسه ولو لم تثبت أمومة المرضعة؟ وجهان في مذهب أحمد (٣)، وصحح الثاني ابن القيم (٤) والشافعي (٥). الصورة الثانية: لزيد ابن، وابن ابن، وأب، وجد، وأخ؛ ارتضعت صغيرة من زوجة كل واحد منهم رضعة؛ فهل تحرم على زيد؟ الصورة الثالثة: خمسة إخوة؛ ارتضعت صغيرة من لبن زوجة كل واحد رضعة؛ فهل تحرم الصغيرة على الإخوة؟ الصورة الرابعة: امرأة لها بنت ابن، وبنت ابن ابن، وبنت ابن ابن ابن؛ أرضعت العليا طفلًا ثلاث رضعات، والأخريان رضعة رضعة؛ فهل تصير المرأة جدة للرضيع بحيث تحرم عليه؟ بحث فقهاء الشافعية هذه الصور الثلاث، وكان لهم فيها رأيان: القول الأول: لا تحرم. وهو وجه عند الشافعية (٦)؛ وصححه النووي (٧).

стр. 414

القول الثاني: تحرم عليه، ومتى كان في الخمسة من لا يقتضي لبنه تحريمًا، فلا تحريم. وهو وجه عند الشافعية (١)، وقال به منهم ابنُ القاص (٢). - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في الصور الثلاث أثر في فروع، منها: ١ - إذا كان لزيد ابن، وابن ابن، وأب، وجد، وأخ، فارتضعت صغيرة من زوجة كل واحد منهم رضعة؛ فإن قيل بالوجه الأول عند الشافعية: تحرم، فعلى هذا تحرم على أبيه دون الابن وابن الابن؛ لأنها بارتضاع لبن أخي زيد تكون بنت عم لابن، وبنت العم لا تحرم، ولا تحرم أيضًا إذا قيل بعدم ثبوت التحريم لزيد من باب أولى، وهو الوجه الثاني عند الشافعية في المسألة. (٣) ٢ - امرأة لها بنت ابن، وبنت ابن ابن، وبنت ابن ابن ابن؛ أرضعت العليا طفلًا ثلاث رضعات، والأخريان رضعة رضعة؛ ففي مصير المرأة جدة للرضيع الوجهان عند الشافعية؛ فإن قلنا: نعم، ففي تحريم المرضعات على الطفل وجهان: أحدهما: لا؛ لعدم العدد. والثاني: إن الرضعات من الجهات تجمع؛ إن كانت كل واحدة منها بحيث لو تم العدد منها ثبت التحريم. فعلى هذا ينظر إن كانت الوسطى بنت أخي العليا، والسفلى بنت أخي الوسطى؛ حرمت العليا عليه؛ لأن إرضاعها لو تم لكان الطفل ابنها، وإرضاع الوسطى لو تم لكان الرضيع ابن بنت أخي العليا، وإرضاع السفلى لو تم لكان للعليا ابن بنت ابن أخ. وهذه الجهات محرمة فتجمع ما فيها من عدد الرضعات. وإن كانت الوسطى بنت ابن عم العليا، والسفلى بنت ابن ابن عمها؛ لم تحرم العليا؛ لأن إرضاع الوسطى لو تم؛ لكان الرضيع للعليا ابن بنت ابن عم، وإرضاع السفلى لو تم؛ لكان لها ابن بنت ابن ابن العم، وذلك لا يقتضي التحريم، وأما الوسطى والسفلى؛ فلا تحرمان عليه بحال؛ لأن إرضاع العليا لو تم؛ لكان للوسطى ابن العمة،

стр. 415

وللسفلى ابن عمة الأب. ولو أرضعته إحداهن خمس رضعات، حرمت هي عليه، وحرمت التي فوقها إذا كانت المرضعة بنت أخي التي فوقها، لأنها تكون عمة أمه. (١) الصورة الخامسة: إن كان لرجل خمس بنات، فأرضعن طفلًا؛ كل واحدة رضعة؛ فما مصير علاقتهن به؛ هل يكنَّ أمهاتٍ له؟ أو الرجل جدًّا له وأولاده أخوالًا له وخالات؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: لم يصرنَ أمهاتٍ له، ويصير الرجل جدًّا له، وأولاده أخوالًا له وخالاتٍ، دون أن تثبت الخؤولة في حق واحدة من المرضعات. وهو وجه للحنابلة (٢). القول الثاني: لم يصرن أمهات، ولا يصير الرجل جدًّا أو أخوهن خالًا. وهو وجه آخر للحنابلة (٣)؛ رجحه ابن قدامة (٤)، وابن القيم (٥)، ووجهه غيره من الأصحاب (٦). القول الثالث: لم يصرن أمهاتٍ له، ويصير الرجل جدًّا له، وأولاده أخوالًا له وخالات، وتثبت الخؤولة في حق المرضعات. وهو احتمال للحنابلة (٧)؛ ضعفه ابن القيم (٨). - الأدلة:

стр. 416

أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: الدليل على أن الرجل يصير جدًّا له، وأولاده أخوالًا له وخالاتٍ: ١ - إنه قد كمل للمرتضع خمس رضعات من لبن بناته؛ فصار جدًّا، كما لو كان المرتضع بنتًا واحدة. وإذا صار جدًّا؛ كان أولاده الذين هم إخوة البنات أخوالًا وخالاتٍ؛ لأنهن إخوة من كمل له منهن خمس رضعات، فنزلوا بالنسبة إليه منزلة أم واحدة. (١) ثانيًا: الدليل على أن الخؤولة لا تثبت في حق واحدة من المرضعات: ١ - إن الرضيع لم يرتضع من لبن أخواتها خمس رضعات؛ فلا تثبت الخؤولة. (٢) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إن كونه جدًّا فرع على كون ابنته أمًّا، وكون أخيها خالًا فرع على كون أخته أمًّا، وإذ الفرعية متحققة لم يكن أبوها جدًّا حيث لم تكن ابنته أمًّا؛ لأن الأصل لم يثبت - وهو البنت المرضعة -؛ فلا يثبت فرعه - وهو أبوها -. (٣) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما استدل به أصحاب القول الأول؛ إلا أنهم استدلوا على أن الخؤولة تثبت في حق المرضعات بما يأتي: ١ - إنه قد اجتمع من اللبن المحرم خمس رضعات، وكان ما ارتضع منها ومن أخواتها مثبتًا للخؤولة، وإذلم تثبت أمومة واحدة منهن مع عدم تحقق الرضعات الخمس، فقد ثبتت الخؤولة بلا أمومة، كما ثبت في لبن الفحل أبوة بلا أمومة (٤)؛ في الرجل ترضع زوجاته الأربع طفلًا خمس رضعات من دون أن تتم إحداهن النصاب. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية:

стр. 417

١ - لو كمل للطفلة خمس رضعات من أم رجل وأخته وابنته وزوجته وزوجة ابنه من كل واحدة رضعة: خرج على الوجهين عند الحنابلة (١)، والثاني هو الأصح (٢). ٢ - لو أرضع زوجتَه الصغيرة خمسُ بناتِ زوجتِه - يعني: خمسًا من بنات زوجته - رضعة رضعة؛ فلا أمومة، وتصير أمهن جدة؛ في مذهب الحنابلة المصرح به عندهم (٣). - سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ما يأتي: ١ - ثبوت أبوة صاحب اللبن؛ هل هو فرع على ثبوت أمومة المرضعة؟ أو أصل قائم بنفسه ولو لم تثبت أمومة المرضعة؟ وجهان في مذهب أحمد (٤)، وصحح الثاني ابن القيم (٥) والشافعي (٦). الصورة السادسة: لو كمل للطفل خمس رضعات من أمه وأخته وابنته وزوجته وزوجة أبيه، من كل واحدة رضعة؛ فلمن يكون التحريم؟ لم تصر واحدة منهن أمًّا، وأما هل تحرم على الرجل؟ خرج على الوجهين السابقين عند الحنابلة (٧)، وأوجهها اختيار أبي محمد ابن قدامة وأبي عبد الله ابن القيم، والتحريم هاهنا أبعد؛ فإن هذا اللبن الذي كمل للطفل لا يجعل الرجل أبًا له، ولا جدًّا، ولا أخًا، ولا خالًا. (٨) ويتبين مما تقدم الآتي:

стр. 418

أولًا: يثبت التحريم الرضاعي بين طفلين رضعا من حليب مشترك بخمس رضعات قبل فطامهما ولو جاوزا الحولين بشرط المتابعة، أو لم يتوافقا في الزمن والفحل الذي ثاب اللبن بسببه إذا اشتركا في المرضع، وتعتبر الرضعة المشبعة بما يكون مظنة انفتاق الأمعاء وانشقاقها بالحليب على ما يقتضيه عرف كل زمان بحسبه في اعتبار ذلك؛ قال القدوري ت ٤٢٨ هـ: وكل صبيين اجتمعا على ثدي واحد؛ لم يجز لأحدهما أن يتزوج بالآخر ا. هـ (١)، وقال السرخسي ت ٤٨٣ هـ: فإنهما - أي: الابن والابنة من أجنبي عن المرضع - لما اجتمعا على ثدي واحد ثبتت الأخوة بين هذا الابن والابنة وبين جميع أولاد الرجل، ما كان من هذه المرأة أو من غيرها؛ من النساء أو السراري، كان قبل الرضاع أو بعده، بخلاف ما وقع عند الجهال؛ أن الحرمة إنما تثبت بينهما وبين الأولاد الذين يحدثون بعد ذلك دون ما انفصلوا قبل الإرضاع، وهذا؛ لأن ثبوت هذه الحرمة تثبت الأخوة وهو يجمع الكل ا. هـ (٢)، وقال صاحب الدر المختار: ولا حل بين رضيعي امرأة، وإن اختلف الزمن والأب ا. هـ، وقال بن عابدين ت ١٢٥٢ هـ في حاشيته عليه: قوله: (وإن اختلف الزمن)؛ كأن أرضعت الولد الثاني بعد الأول بعشرين سنة مثلًا، وكان كل منهما في مدة الرضاع ا. هـ (٣) ثانيًا: الأصل عدم الرضاع؛ فلا يثبت بالشك في الإرضاع تحريم. ثالثًا: إنْ وُضِع إزاء حلمة الثدي أنبوب فيه أغذية مكملة للطفل، وقصد من وضعه إلى جوار الحلمة تعويدُ الرضيع على المص من الثدي، ونحو ذلك، ولم يكن في الثدي حليب أثناء الالتقام؛ لم تثبت المحرمية الرضاعية، ولو شك في ذلك. رابعًا: لا يشترط وصول اللبن في المرات على صفة واحدة؛ بل لو ارتضع في بعضها، وأوجر في بعضها، وأسعط في بعضها حتى تم العدد؛ ثبت التحريم. خامسًا: لا يشترط اتحاد الفحل والمرضع لإثبات التحريم الرضاعي إزاء من يتم له النصاب؛ فلو اتحد الفحل واختلفت المراضع تحته؛ اعتبرت أبوته؛ إن اكتمل العدد من زوجاته.

стр. 419

المبحث الثاني علاقة الرجل مع المحرمات عليه بالرضاع يعتبر اللبن منفصل عن جسم المرأة جزءًا منها قد أحسنت به إلى الرضيع؛ لينمو ويقوى على الحركة، فتستحق منه أن يقابل هذا الإحسان بإحسان مثله، لا بالإيذاء والإضرار بها، والنزاعِ والشقاق، وغير ذلك؛ مما قد يكون بين الزوجين. والنكاح نوع إذلال للمرأة لا يصح أن يكون لمن صار جزءاً منها برضاعته؛ فكيف يجوز نكاحها وهي تشفق عليه دائمًا وتخاف عليه، ويظهر ذلك فيما وقع للرسول ﷺ مع مرضعته حليمة السعدية حينما سمعت بشق صدره ﷺ فردته إلى أمه مخافة أن يصيبه سوء، والرضيع يحن إلى أمه من الرضاع فيصيح إذا غابت عنه, وقد سمى الله سبحانه المرضعة أمًّا, وحرم نكاحها درءاً لإيذائها. ولما كان الرضاع لا يتحقق به لولد الرضاع سوى النمو فقط لم تثبت له جميع أحكام ولد النسب (١) الذي خلقه الله من ماء والديه. (٢) وقد تقدم في الفصل الأول في المطلب الرابع من المبحث الأول هناك بيان من يحرم بالرضاع بالنسب، وبالمصاهرة (٣)، وهم أصول المرضعة وأصول زوجها - إن كان ثمَّ زوجٌ - وفروعهما وحواشيهما، وفروع الرضيع. (٤)

стр. 420

غير أن بعض الفقهاء قد نصب فروعًا مستثنياتٍ من القاعدة التي تحرم بالرضع ما يحرم من النسب والصهر، وهي كما يأتي: (١) ١ - أم أخته أو أخيه من الرضاع (٢)؛ فيجوز له أن يتزوجها، ولا يجوز أن يتزوج أم أخته أو أخيه من النسب. ٢ - أخت ابنه من الرضاع، وأخت أخي النسب من الرضاع؛ فيجوز له الزواج منها، دون أخت ابنه من النسب. ٣ - جدة ولده من الرضاع. ٤ - أم ولد ولده الرضاعي من النسب، أو أم ولد ولده النسَبي من الرضاع، أما أمه فهي حليلة ابنك. ٥ - أم عمه وعمتك، وأم خاله وخالتك، فإن كان نسبيًّا لم تحل؛ لأن أم خالك من النسب جدتك أو منكوحة جدك. ٦ - عمة ابنه؛ كما لو رضع صبي من زوجتك، ورضع أيضًا من زوجة رجل آخر له أخت؛ فهذه الأخت عمة ابنك من الرضاع. ٧ - عم الزاني؛ لعدم الجزئية بينه وبين المرضَعة ممن زُنِي بها؛ فلعم الزاني التزوج بها.

стр. 421

٨ - الابن من الرضاع بالمحرمات؛ لأنها حرمت بالمصاهرة المقيدة في الآية الكريمة بالصلب، لا بالنسب الذي يحرم من الرضاع ما يحرم منه. بيد أنه عند التدقيق يتبين أن كل ما تقدم إلا الأخيرين يجمعه ما تقرر من كون أصول المرضع وحواشيه لا يحرُمون على مرضعته وزوجها - إن وجد -، ولا على فروع مرضعته وزوجها، ولا على أصولهم وحواشيهم، وإنما يحرم على هؤلاء بالرضاع فروع الرضيع فحسب. وهذا ما نص عليه محققوا فقهاء الشافعية؛ حيث قالوا: لا حاجة إلى استثنائها؛ لأنها ليست داخلة في الضابط "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والصهر"؛ لأن أم الأخ لم تحرم لكونها أم أخ، وإنما حرمت لكونها أمًّا أو حليلة أب، ولم يوجد ذلك في المستثنى الأول، وكذا القول في باقيهن (١)، وقال ابن حجر ٨٥٢ هـ: وفي التحقيق لا يستثنى شيء من ذلك ا. هـ (٢) المطلب الأول حدود علاقة الرجل مع المحرمات عليه بالرضاع لما كان الإنسان مهيأ للخير والشر بفطرته، وكان حب النفس والتأثر بالهوى كامنًا في طبيعته؛ ضبطت له الشريعة الإسلامية ما يصلحه، وكفلت أمر هذا الضبط لأناس اختصهم الله من بين عباده؛ ملكهم زمام العلوم، وأنار أفئدتهم بإدراك مقاصد الأمور، وفقههم فيما ترك لهم من مجالات الاجتهاد والبحث، وقد تحصل من اجتهاد الفقهاء في البحث عن الحِكَم الحاصلة من التحريم بالرضاع أن التمسوا منها ما يأتي: ١ - إن اللبن جزء المرضعة وضع في الرضيع، فأشبه منيه في النسب. (٣) ٢ - إنه مقتضى الفطرة السليمة، ومألف الطباع السوية؛ التي تأنف أن تكون المرضعة فراشًا. (٤)

стр. 422

وفي علاقة الرجل مع المحرمات عليه بالرضاع ما يتيح له أن يتعامل مع أخواته وعماته وخالاته وسائر قريباته من الرضاعة كما يتعامل مع المحرمات عليه بالنسب من حيث الخلوة بها، والنظر إليها، والسفر معها؛ دون سائر أحكام النسب؛ لأن الرضاع يؤثر في تحريم النكاح، وثبوت المحرمية، وذلك محل اتفاق (١)، ويؤثر أيضًا في عدم نقض الوضوء بمسها عند من يقول بالنقض لغير المحرم (٢)، وفي السفر بهن كذوات المحرم (٣)، ولو لحج. والدليل على ذلك قول النبيِّ ﷺ : "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة"، وذلك حين استأذن عمٌّ لحفصة من الرضاعة ليدخل في بيتها، واستنكرت عائشة ذلك ﵃ متفق عليه (٤)، وقال في بنت أبي سلمة ﵃: "إنها لابنة - ولفظ مسلم: ابنة - أخي من الرضاعة؛ أرضعتني وأبا سلمة ثويبةُ, فلا تعرِضْنَ علي بناتِكن ولا أخواتِكن" متفق عليه (٥)، ولما عرضت عليه ابنة حمزة ﵁ للزواج منها؛ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة" متفق عليه (٦)، ولما جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن على عائشة - وهو عمها من الرضاعة - بعد أن نزل الحجاب؛ أبت عائشة أن تأذن له، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت، فأمرها أن تأذن له. متفق عليه (٧) وفي رواية لمسلم في

стр. 423

المتابعات: أن عائشة قالت بعد ذلك: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل؟ ! فقال رسول الله: "إنه عمك؛ فليلج عليك" (١). ومما جاء في ذلك عن الصحابة: ما روت زينب بنت أبي سلمة - وقد أرضعتها أسماء بنت أبي بكر؛ امرأة الزبير بن العوام -: كان يدخل علي الزبير وأنا أمتشط، فيأخذ بقرن من قرون رأسي، فيقول: أقبلي علي فحدثيني، أرى أنه أبي، وأن ولده إخوتي ا. هـ (٢) وأما ما لا يحل للرجل في علاقته مع المحرمات عليه بالرضاع، فهو: نكاحها، ولو طرأ الرضاع على النكاح مستوفيًا شروطه أبطله (٣)؛ لأن الرضاع من موانع الحكم ابتداءً، ويمنع استمراره أيضًا (٤)، وإرثها (٥)، وإسقاط القصاص (٦)، والنفقة (٧)، والعتق بالملك (٨)، ورد الشهادة (٩).

стр. 424

وهذا كله متفق عليه (١)؛ لأن النسب أقوى منه فلا يقاس عليه في جميع أحكامه، وإنما يشبَّه به فيما نص عليه فيه. (٢) المطلب الثاني الفرق في علاقة الرجل بين المحرمات عليه بالرضاع والمحرمات عليه بالنسب أو المصاهرة يتفق كل من المحرمات من الرضاع والمحرمات بالنسب في حرمة النكاح منهن، وثبوت المحرمية بحيث تباح الخلوة بهن، والنظر إليهن، والسفر معهن، وعدم نقض الوضوء - عند من يذهب إلى نقض الوضوء بمس غير المحارم - (٣). وقد تطرق الفقهاء إلى بيان الفروقات بين التحريم نسبًا ورضاعًا؛ فمن ذلك قول النووي ت ٦٧٦ هـ: والفرق أن النسب تتعلق به حقوق له وعليه؛ كالميراث، والعتق، والشهادة، وغيرها، والذي يتعلق بالرضاع حرمة النكاح، والامتناع منه سهل ا. هـ (٤). وهذا ما يعني أن نوع العلاقة للرجل مع المحرمات عليه بالنسب أو الصهر تختلف عنها في علاقته مع المحرمات عليه بالرضاع، ويمكن إجمال الفروق فيما يأتي: ١ - التوارث؛ فلا يؤثر الرضاع في استحقاق الإرث. ٢ - وجوب النفقة. ٣ - العتق بالملك؛ فيما لو ملك أحدهما الآخر.

стр. 425

٤ - سقوط القود. ٥ - رد الشهادة والحكم. ٦ - تحمل العقل. ٧ - الحضانة. ٨ - ولاية النكاح. ٩ - ولاية المال. ١٠ - الولاء. ١١ - الوصية والوقف؛ فلا يدخل في أقارب الموصي والواقف وذوي رحمه. (١) فإذا حملت المرأة من رجل يثبت نسب ولدها منه، فثاب لها لبن، فأرضعت به طفلًا صار ولدًا لهما في تحريم النكاح، وإباحة النظر والخلوة، وثبوت المحرمية، وأولاده - وإن سفلوا - أولاد ولدهما، وصار أبويه وآباؤهما أجداده وجداته، وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة الرجل وأخواته أعمامه وعماته، وتنتشر حرمة الرضاع من المرتضع إلى أولاده، وأولاد أولاده، وإن سفلوا. فيصيرون أولادًا لهما (٢) قال المرداوي: بلا نزاع في ذلك (٣)
следующие страницы →