← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٨ - الابن من الرضاع بالمحرمات؛ لأنها حرمت بالمصاهرة المقيدة في الآية الكريمة بالصلب، لا بالنسب الذي يحرم من الرضاع ما يحرم منه. بيد أنه عند التدقيق يتبين أن كل ما تقدم إلا الأخيرين يجمعه ما تقرر من كون أصول المرضع وحواشيه لا يحرُمون على مرضعته وزوجها - إن وجد -، ولا على فروع مرضعته وزوجها، ولا على أصولهم وحواشيهم، وإنما يحرم على هؤلاء بالرضاع فروع الرضيع فحسب. وهذا ما نص عليه محققوا فقهاء الشافعية؛ حيث قالوا: لا حاجة إلى استثنائها؛ لأنها ليست داخلة في الضابط "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والصهر"؛ لأن أم الأخ لم تحرم لكونها أم أخ، وإنما حرمت لكونها أمًّا أو حليلة أب، ولم يوجد ذلك في المستثنى الأول، وكذا القول في باقيهن (١)، وقال ابن حجر ٨٥٢ هـ: وفي التحقيق لا يستثنى شيء من ذلك ا. هـ (٢) المطلب الأول حدود علاقة الرجل مع المحرمات عليه بالرضاع لما كان الإنسان مهيأ للخير والشر بفطرته، وكان حب النفس والتأثر بالهوى كامنًا في طبيعته؛ ضبطت له الشريعة الإسلامية ما يصلحه، وكفلت أمر هذا الضبط لأناس اختصهم الله من بين عباده؛ ملكهم زمام العلوم، وأنار أفئدتهم بإدراك مقاصد الأمور، وفقههم فيما ترك لهم من مجالات الاجتهاد والبحث، وقد تحصل من اجتهاد الفقهاء في البحث عن الحِكَم الحاصلة من التحريم بالرضاع أن التمسوا منها ما يأتي: ١ - إن اللبن جزء المرضعة وضع في الرضيع، فأشبه منيه في النسب. (٣) ٢ - إنه مقتضى الفطرة السليمة، ومألف الطباع السوية؛ التي تأنف أن تكون المرضعة فراشًا. (٤)

стр. 422

وفي علاقة الرجل مع المحرمات عليه بالرضاع ما يتيح له أن يتعامل مع أخواته وعماته وخالاته وسائر قريباته من الرضاعة كما يتعامل مع المحرمات عليه بالنسب من حيث الخلوة بها، والنظر إليها، والسفر معها؛ دون سائر أحكام النسب؛ لأن الرضاع يؤثر في تحريم النكاح، وثبوت المحرمية، وذلك محل اتفاق (١)، ويؤثر أيضًا في عدم نقض الوضوء بمسها عند من يقول بالنقض لغير المحرم (٢)، وفي السفر بهن كذوات المحرم (٣)، ولو لحج. والدليل على ذلك قول النبيِّ ﷺ : "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة"، وذلك حين استأذن عمٌّ لحفصة من الرضاعة ليدخل في بيتها، واستنكرت عائشة ذلك ﵃ متفق عليه (٤)، وقال في بنت أبي سلمة ﵃: "إنها لابنة - ولفظ مسلم: ابنة - أخي من الرضاعة؛ أرضعتني وأبا سلمة ثويبةُ, فلا تعرِضْنَ علي بناتِكن ولا أخواتِكن" متفق عليه (٥)، ولما عرضت عليه ابنة حمزة ﵁ للزواج منها؛ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة" متفق عليه (٦)، ولما جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن على عائشة - وهو عمها من الرضاعة - بعد أن نزل الحجاب؛ أبت عائشة أن تأذن له، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت، فأمرها أن تأذن له. متفق عليه (٧) وفي رواية لمسلم في

стр. 423

المتابعات: أن عائشة قالت بعد ذلك: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل؟ ! فقال رسول الله: "إنه عمك؛ فليلج عليك" (١). ومما جاء في ذلك عن الصحابة: ما روت زينب بنت أبي سلمة - وقد أرضعتها أسماء بنت أبي بكر؛ امرأة الزبير بن العوام -: كان يدخل علي الزبير وأنا أمتشط، فيأخذ بقرن من قرون رأسي، فيقول: أقبلي علي فحدثيني، أرى أنه أبي، وأن ولده إخوتي ا. هـ (٢) وأما ما لا يحل للرجل في علاقته مع المحرمات عليه بالرضاع، فهو: نكاحها، ولو طرأ الرضاع على النكاح مستوفيًا شروطه أبطله (٣)؛ لأن الرضاع من موانع الحكم ابتداءً، ويمنع استمراره أيضًا (٤)، وإرثها (٥)، وإسقاط القصاص (٦)، والنفقة (٧)، والعتق بالملك (٨)، ورد الشهادة (٩).

стр. 424

وهذا كله متفق عليه (١)؛ لأن النسب أقوى منه فلا يقاس عليه في جميع أحكامه، وإنما يشبَّه به فيما نص عليه فيه. (٢) المطلب الثاني الفرق في علاقة الرجل بين المحرمات عليه بالرضاع والمحرمات عليه بالنسب أو المصاهرة يتفق كل من المحرمات من الرضاع والمحرمات بالنسب في حرمة النكاح منهن، وثبوت المحرمية بحيث تباح الخلوة بهن، والنظر إليهن، والسفر معهن، وعدم نقض الوضوء - عند من يذهب إلى نقض الوضوء بمس غير المحارم - (٣). وقد تطرق الفقهاء إلى بيان الفروقات بين التحريم نسبًا ورضاعًا؛ فمن ذلك قول النووي ت ٦٧٦ هـ: والفرق أن النسب تتعلق به حقوق له وعليه؛ كالميراث، والعتق، والشهادة، وغيرها، والذي يتعلق بالرضاع حرمة النكاح، والامتناع منه سهل ا. هـ (٤). وهذا ما يعني أن نوع العلاقة للرجل مع المحرمات عليه بالنسب أو الصهر تختلف عنها في علاقته مع المحرمات عليه بالرضاع، ويمكن إجمال الفروق فيما يأتي: ١ - التوارث؛ فلا يؤثر الرضاع في استحقاق الإرث. ٢ - وجوب النفقة. ٣ - العتق بالملك؛ فيما لو ملك أحدهما الآخر.

стр. 425

٤ - سقوط القود. ٥ - رد الشهادة والحكم. ٦ - تحمل العقل. ٧ - الحضانة. ٨ - ولاية النكاح. ٩ - ولاية المال. ١٠ - الولاء. ١١ - الوصية والوقف؛ فلا يدخل في أقارب الموصي والواقف وذوي رحمه. (١) فإذا حملت المرأة من رجل يثبت نسب ولدها منه، فثاب لها لبن، فأرضعت به طفلًا صار ولدًا لهما في تحريم النكاح، وإباحة النظر والخلوة، وثبوت المحرمية، وأولاده - وإن سفلوا - أولاد ولدهما، وصار أبويه وآباؤهما أجداده وجداته، وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة الرجل وأخواته أعمامه وعماته، وتنتشر حرمة الرضاع من المرتضع إلى أولاده، وأولاد أولاده، وإن سفلوا. فيصيرون أولادًا لهما (٢) قال المرداوي: بلا نزاع في ذلك (٣)

стр. 426

المطلب الثالث ممارسة الرجل للأعراف المجتمعية على المحرمات عليه بالرضاع للرجل أن يمارس الأعراف الاجتماعية مع من يحرم عليه بالرضاع من النساء، ويؤجر على وصلهن، ولا يحرم التفريق بين الأم وولدها الصغير من الرضاعة كما يحرم في الولد النسبي (١)، ولا يجتنب منها إلا ما يؤمر باجتنابه في المحرمات عليه نسبًا؛ كالنظر بشهوة، أو النظر إلى العورة. ولذلك؛ فإن له أن يختلي بها، ويرى وجهها وشعر رأسها وكفيها وقدميها، وأن يصافحها، ويقبلها بين عينيها، أو على أنفها، ورأسها، وخديها. وذلك؛ لأن الله سبحانه سمى المرضعةَ أمًّا للرضيع، وبنتَها أختًا له؛ فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣] (٢) وما قيل في الرجل مع من يحرم عليه بالرضاع من النساء، فيقال نظيره للمرأة إزاء الرجل المحرم عليها بالرضاع. المبحث الثالث تعارض حق المرتضع مع حق غيره لدى المرضع المطلب الأول تعارض حق الخالق مع حق المرتضع لدى المرضع يتصل بموضوع الرضاع المناط بالمرضع المولود لها مسائل يبدو للناظر إليها التعارض فيها بين حق الخالق وحق المخلوق، وهو المرتضع هنا، وحينئذ ينبغي طرح توهم التعارض، أو اعتباره مع بيان الأولى تقديمًا في نظر الشارع، وهي: المسألة الأولى: حليب المرأة الميتة . إن للخالق الملكِ الوهابِ في البدن حقًّا، وللمرتضع فيه حقًّا؛ فهل يجوز أن يَمتص الرضيع أو أن يُحلب من بدن الآدمية الميتة الحليب الذي في ضرعها؟ وهل هو كلبن الحية في التحريم؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: لبن الميتة كلبن الحية في التحريم، ولو محلوبًا - يعني: إن زمن الحلب ليس مؤثرًا؛ فسيتوي في ذلك أن يحلب قبل موتها فيشربه الصبي بعد موتها، أو يحلب بعد موتها -، وفحله أب. وبه قال الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة في الرواية المنصوصة عن أحمد (٥)، وعليه أكثر الأصحاب (٦)، والمصحح عند طائفة منهم (٧)، وهو قول أبي بكر (٨)، وأبي

стр. 427

ثور، والأوزاعي، وابن القاسم، وابن المنذر (١)، وابن حزم (٢)؛ على أبا بكر ومن ذكر بعده لم ينصوا على حالة حلب الحليب في الحياة، وتعاطي الرضيع له بعد وفاة صاحبته. كما أن بعض المالكية (٣) قيد هذا القول بشروط؛ هي: وجود لبن محقق، ووصول اللبن إلى جوف الرضيع. القول الثاني: لبن الميتة يحرم مطلقًا، وإن شك؛ هل هو لبن أم لا. وبه قال ابن ناجي من المالكية (٤). القول الثالث: لا يحرم، ولا تحل له. وهو قول عند المالكية (٥)، ووجه عند الشافعية (٦)، واختاره أبو بكر الخلال من الحنابلة (٧). القول الرابع: لا يتعلق تحريم بما ارتضع من ميتة أو كان محلوبًا من ميتة؛ إلا أن يحلب منها وهي حية فيحرم لو أوجر به صبي بعد موتها. ووهو مذهب الشافعي (٨)، والصحيح المنصوص من مذهب الشافعية (٩).

стр. 428

القول الخامس: التوقف. وبه صرح أحمد (١). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي. ١ - عموم قول ﷺ : "الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٢)، لأن المقصود من اللبن التغذي، والموت لا يمنع منه (٣)، فحيث وجد الارتضاع على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة؛ ثبت التحريم، كما لو كانت حية. (٤) ونوقش بما يأتي: أ-إنه حليبها نجس بعد موتها. (٥) وأجيب عنه: بأن نجاسته لا تؤثر؛ كما لو حلب في إناء نجس؛ إن قلنا: ينجس الآدمي بالموت. (٦) ٢ - إن اللبن لا يلحقه حكم الموت؛ لأنه لا حياة فيه، وما لا حياة فيه فحاله بعد الموت كهي قبله. والدليل على أنه لا حياة فيه: أخذه من الحيوان حال حياته من غير إيلام له، ولو كان فيه حياة لألم الحيوان بأخذه؛ كاللحم، وسائر أعضائه لما كان فيها حياة. (٧) ٣ - إنه لا فارق بين شربه في حياتها وموتها إلا الحياة والموت أو النجاسة، وهذا لا أثر له، فإن اللبن لا يموت، والنجاسة لا تمنع معنى التحريم؛ كما لو حلب في وعاء نجس (٨)؛ فلو حلب منها في حياتها، فشربه بعد موتها؛ نشر الحرمة. (٩)

стр. 429

٤ - إنه لو حلف: لا يشرب من لبن امرأة، فشرب منه وهي ميتة؛ حنث؛ لأنه شرب من لبنها. (١) ٥ - إنه رضاع صحيح. (٢) ٦ - إنه لو ارتضع صبي من نائمة حسبت رضعة (٣)؛ فكذا هاهنا؛ لاشتراك النائم والميت في معنى الوفاة؛ فإن الله تبارك وتقدس وإن كان يتوفى الأنفس حين موتها، فهو الذي يتوفى التي لم تمت في منامها، وإن أرسلها سبحانه إلى أجل مسمى ولم يمسكها. (٤) ٧ - إنه لا يليق بكرامة الإنسان أن يكون حليب الأنثى نجسًا، ولا فرق بين الحية وغيرها. (٥) ٨ - ألا ترى أن الصوف والشعر والعظم إذا أريد من الشاة وهي حية وأبين منها؛ لم تصر ميتة لا يجوز الانتفاع به، وغيره من اللحم إذا أبين منها صار ميتة، فكذلك اللبن. (٦) ونوقش بما يأتي: أ- إن اللبن يفسد بنجاسة الضرع؛ كالوعاء النجس يكون فيه اللبن يفسد بفساده. (٧) وأجيب: بأن الشيء إذا كان موضعًا للشيء ومعدنه في الأصل؛ فإن فساد ذلك الموضع لا يوجب فساد ما فيه. (٨) ويمكن أن يناقش بعض أصحاب هذا القول الذين اشترطوا وصول اللبن إلى الجوف؛ كالمالكية؛ بما يلي: أ- إن الحكم ألحق بمظنة، وهو: المص من ثدي انعقد سبب ثوبان الحليب

стр. 430

فيه؛ فأغنى عن التنطع في تحقيق المناط، وقد قال النبي ﷺ : "هلك المتنطعون" رواه مسلم. (١) ب - إن هذا القيل من آثار توسع طائفة من متأخري المالكية في الذرائع سدًّا ومنعًا، وهو ما يعود إلى أصل اعتبار المآلات، وهو من الأصول الفكرية المؤثرة في تكوين الفكر القواعدي عند المالكية بعد اعتبار المقاصد؛ حتى رجعت هذه المبالغة في اعتباره على كثير من الأحكام بالإشكال، وقد كان هذا منهم؛ اعتبارًا بمدرك اجتهاد الإمام في الاعتداد بالاحتياط والالتزام بالأثر، لكن الخلل فيما وقعوا فيه من مزالق التنزيل الذرائعي؛ كالمبالغة، والغلو، والإجراء على التعميم، والتأبيد دون التوقيت، والأصل اعتبار هذا الأصل بضوابطه؛ على وفق تمليه مقاطع الشرع لرعْيِه (٢)، ولا يعني ذلك أنه يكتفى لإثبات التحريم محض الالتقام، بل لا بد من وجود داعي ثوبان الحليب في ثدي المرضع؛ كالولادة، والوطء، أو رؤيته بصفاته. أدلة القول الثاني: تقدمت الأدلة الموجبة للتحريم، وقد استدل أصحاب القول الثاني لحرمة حليب الميتة في حال الشك بما يأتي: ١ - إنه أحوط. (٣) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - شبهها بالبهيمة، بل بالجماد. (٤) ٢ - إنه لبن ممن ليس بمحل للولادة، فلم يتعلق به التحريم؛ كلبن الرجل. (٥) ويمكن أن يستدل له بما يأتي:

стр. 431

٣ - عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَّتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: ٣]. أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: أولًا: الاستدلال على عدم تعلق التحريم بمن ارتضع من ميتة أو من لبن حلب من ميتة: ١ - إنه لا يكون للميت فعل له حكم بحال. (١) ٢ - كما لا تثبت حرمة المصاهرة بوطء الميتة. (٢) ٣ - إنه نجس. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- نعم؛ قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤمن لا ينجس" متفق عليه (٤)، وقد علمنا أن المؤمن في حال موته وحياته سواء؛ هو طاهر في كلتا الحالتين، ولبن المرأة بعضها، وبعض الطاهر طاهر، إلا أن يخرجه عن الطهارة نص فيوقف عنده، لكن لا نسلم أن لبن الكافرة طاهرًا يحرم، وهو بعضها، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [سورة التوبة: ٢٨]، وبعض النجس نجس بلا شك. (٥) ويمكن أن يجاب عنه: بأنكم تقولون: إن لبن الكافرة نجس بلا شك، وأنتم تجيزون مع ذلك استرضاع الكافرة؟ (٦) ونوقش هذا الجواب: بأن الله تعالى أباح لنا نكاح الكتابية، وأوجب على الأم رضاع ولدها، وقد علم الله تعالى أنه سيكون لنا أولاد منهن: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [سورة مريم: ٦٤]؛ إلا أننا نقول: إن غير الكتابية لا يحل لنا استرضاعها؛ لأنها ليست مما أبيح لنا اتخاذهن أزواجًا وطلب الولد منهن فبقي لبنها على النجاسة جملة، ثم نقول: لو خالط لبن المرضعة دم ظاهر من فم المرضع، أو غير ذلك من المحرمات كما يحرم الذي لم يخالطه شيء من ذلك؛ لأن النجس والحرام إذا خالطهما الطاهر الحلال؛ فإن الطاهر طاهر، والنجس نجس، والحلال حلال، والحرام حرام؛ فالمحرِّم هو اللبن، لا ما خالطه من حرام أو نجس، ولكل شيء حكمه،

стр. 432

ولبن المشركة إنما ينجس هو وهي بذلك؛ لدينها النجس، فلو أسلمت لطهرت كلها، فلإرضاعها حكم الإرضاع في التحريم؛ لما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق. (١) ثانيًا: الاستدلال على تعلق التحريم باللبن يحلب من حية فيوجر به صبي بعد موتها: ١ - كما يكون ابنَها لو أرضعته في الحياة. (٢) - الترجيح: من خلال ما تقدم من أدلة ومناقشة يترجح القول الأول، وهو أن لبن الميتة كلبن الحية في التحريم، ولو حلب من المرضعة بعد موتها؛ لتحقق المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، وهو الغذاء، والنصوص المثبتة للتحريم من الرضاع لم تفرق بين الحليب المعروف بأوصافه إذا كان من آدمية حية أو من ميتة. ومفهوم قولهم هذا جواز حلب لبن المرضع بعد موتها، وهذا هو الظاهر من نصوص الشريعة ومقتضى مقاصدها العامة؛ لأن الحليب إنما خلق في ضرعها لا لها وإنما لغيرها؛ فجاز حلبه منها بعد موتها، كما جاز أخذ أظفار الميت، وشاربه، ونتف إبطه؛ إزالة للأذى. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في فروع فقهية، منها: ١ - حليب الميتة دماغيًّا عند من يعتبر الميِّت دماغيًّا كالميت حقيقةً؛ فيقع به التحريم إذا حلب منها بعد موتها دماغيًّا في قول الجمهور، وهو الراجح، ولا يقع به التحريم في مذهب الشافعي وبعض أتباعه، وبعض المالكية والحنابلة. ٢ - لو ارتضع صبي في الحولين أربع رضعات، وفي خلال الرضعة الخامسة ماتت المرضعة؛ ففي وجه عند الشافعية: لا يثبت التحريم (٣)، وهو مقتضى قول الشافعي، والوجه الثاني عند الشافعية: ثبوته (٤)، وهو مقتضى مذهب الأوزاعي والحنابلة والظاهرية، ولا ترد هذه المسألة على أصل أبي حنيفة (٥)، ومالك (٦)، وغيرهما (٧)؛ ممن يكون عنده قليل الرضاع ككثيره في التحريم.

стр. 433

٣ - لو أرضعت امرأة صبيا أربع رضعات، ثم حلب منها لبن، ثم ماتت، فأوجره الصبي بعد موتها؛ كان ابنها؛ في مذهب الشافعي (١)، والجمهور، خلافًا للمالكية في قول عندهم، وأبي بكر من الحنابلة. ٤ - يثبت التحريم ممن يرتضع من بنوك الحليب من الصبيان إذا كان الحليب لامرأة ميتة، قد حلب منها قبل موتها؛ في مذهب الجمهور، وهو الراجح، واستثنى الشافعي إذا كان محلوبًا بعد مماتها، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، ولا يقع التحريم في قول للمالكية وبعض الحنابلة، ووجه للشافعية. - سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى مسائل، منها: ١ - هل ميتة الآدمي نجسة؟ (٢) فمن قال بطهرة ميتة الآدمي مطلقًا _ وهو ما نص عليه الشافعية (٣) _؛ لم ير في لبن الآدمية الميتة ما يقتضي نجاسته، ومن قال بنجاستها؛ لم يجوز أن يشرب حليب الآدمية المحلوب بعد موتها. المسألة الثانية: رجم الزانية المرضع . صورة المسألة: إذا حكم بالرجم على زانية محصنة وهي ترضع صبيًّا قد ولدته من الحمل الذي أوجب إقامة الحد عليها؛ فهل يقدم حق الله تعالى في إقامة حد الزنا قبل أن تفطم ولدها؟ أو يقدم حق الرضيع؛ فلا ترجم حتى تفطمه؟ - تحرير محل النزاع: حكي الإجماع في الحامل أنه لا يقتص منها أو ترجم حتى تضع (٤)، واختُلف في إمهالها حتى تفطمه، على ما يأتي:

стр. 434

القول الأول: إن كان حدُّها الرجمَ ترجم من حين تضع؛ إلا إذا لم يكن للمولود من يربيه، حتى يستغني. وبه قال الحنفية (١)، ومالك (٢). القول الثاني: لا ترجم بعد وضعها حتى تسقي ولدها اللبأ ويستغني عنه بلبن غيرها، ولا ترجم بعد اللبأ حتى تجد من ترضعه - أضاف الحنابلة: ولو من لبن شاة -، فإن لم تجد من يكفله؛ أرضعته حتى تفطمه، ثم رجمت. وبه قال الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إنه لم يكف عنها في إقامة الحد وهي حامل إلا لمكان الصبي، وتركه بلا رضاع بعد الولادة قتل له. (٥) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه لا ضرر على المولود إذا وجد الكفيل المرضع، وإلا يوجد؛ تركت حتى تفطمه؛ ليزول عنه الضرر (٦). - الترجيح: الراجح هو تقديم حق الرضيع في إرضاعه من المولود لها على حد الرجم الذي وجب عليها لحق الله؛ حتى تفطمه، أو يأتي الكفيل الأمين؛ لقول النبي ﷺ في شأن الغامدية من الأزد بعدما تأكد عليها حد الزنى من المحصنات: "اذهبي، فأرضعيه حتى تفطميه"، وقوله: "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فلما فطمته أتته بالصبي

стр. 435

في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله؛ قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. رواه مسلم (١)، ولولا وجوب إرضاع الوليد على أمه حتى الفطام؛ ما حكم ﵊ بتأخير إقامة حد الله في المرضع حتى الفطام، ولا نهى عن رجمها؛ في قوله: "لا نرجمها". (٢) فإن قيل: إن النبي ﷺ رجمها قبل أن تفطمه بعدما كفل رضاعه رجل من الأنصار. (٣) فقد أجيب: بأن حق الولد إذا كان قد روعي وهو جنين؛ فلم ترجم لأجله بالإجماع، فمراعاته إذا خرج للوجود أولى. (٤) وبأن الرواية التي ذكر فيها عدم رجمها حتى فطمت ولدها = أولى؛ لإثباتها حكمًا زائدًا على الرواية الأخرى التي ليس فيها الإنظار لحين الفطام. (٥) والتحقيق أن الرواية التي أوردها مسلم في الأصول - وهي التي كان فيها قول النبي _ ﷺ _: "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله؛ قال: فرجمها -، وإن كانت أصح مما توبعت به؛ إلا أن الدلالة هي هي؛ فإن حق الله تعالى لما أمكن المبادرة بإقامته، مع ما في ذلك من تحقيق مصلحة الغامدية والرفق بها ومساعدتها في تعجيل طهارتها بالحد، على وجه لا يخل بحق الصغير في الرضاع؛ أذن به النبي ﷺ (٦)، ولولا كفالة الأنصاري ما رجمها ﵊ حتى ترضعه كما قضى في الحكم الأولي، وذلك مناط بالسياسة الشرعية على ما يقدره الحاكم في إطار سلطته التقديرية. - سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى مسائل، منها:

стр. 436

١ - من رأى الرضاع على الأم واجبًا مطلقًا - وهو قول عطاء وابن زيد وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي ثور ومالك في رواية والظاهرية واختيار أبي العباس ابن تيمية (١) -؛ فالتخريج يقتضي أن يراعي حق الآدمي في الإرضاع أوَّلًا، ومن رآه واجبًا بقيد - وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، مع اختلاف قيوداتهم (٢) -؛ راعى حق الله في الحد عند اندفاع الضرر عن الرضيع بأقرب وسيلة. المسألة الثالثة: صيام المرضع في رمضان . صورة المسألة: إذا خافت المرضع على رضيعها؛ فهل لها أن تفطر رعاية لحق الصبي في الرضاع الذي ينشأ من الطعام وأن تقدمه على حق الله تعالى عليها في الصيام؟ تكلم فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه المسألة، وجعلوا ذلك عذرًا للفطر أو مبيحًا، ولو كانت تطيق الصيام. وممن نقلت عنه الرخصة في ذلك: ابن عباسٍ، وعطاءٌ، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والنخعي، وعكرمة، وسفيان الثوري، ومالك، وأحمد، ومَن خلَفهم من فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وجعله الظاهرية واجبًا إن لم يوجد غيرها. (٣) واشترط بعضهم لهذه الرخصة أن لا يكون للرضيع مرضع غيرها، أو أن لا يقبل الرضيع ثدي غيره. الذي جعل فطرها واجبًا. وكان مستندهم في رخصة الفطر: ما يروى مرفوعًا من حديث أنس بن مالك الكعبي ﵂: "إن الله تعالى وضع شطر الصلاة - زاد أبو داود: أو نصف الصلاة -، والصوم؛ عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى" (٤)، ولأنه يلحق المرضع الحرج في رضيعها،

стр. 437

والحرج عذر في الفطر؛ كالمريض، والمسافر، ولأن خوفَها خوفٌ على آدمي، فأشبه خوفها على نفسها. وقد تقدمت هذه المسألة بتوسع في المطلب الثالث من مطالب المبحث الأول المنعقد في الفصل الأول، فلتراجع هناك. وأخلص مما تقدم في هذا المطلب إلى بيان النتائج الآتية: أولًا: يجوز حلب لبن المرضع بعد موتها، ولبن الميتة كلبن الحية في التحريم، ولو حلب من المرضعة بعد موتها. ثانيًا: يقع التحريم من حليب الميتة دماغيًّا عند من يعتبر الميِّت دماغيًّا كالميت حقيقةً؛ إذا حلب منها بعد موتها دماغيًّا. ثالثًا: يُقدَّم حق الرضيع في إرضاعه من المولود لها على حد الرجم الذي وجب عليها لحق الله؛ حتى تفطمه، أو يأتي الكفيل الأمين، كما يقدم حق الرضيع على حق الله تعالى في صيام نهار رمضان بأن تفطر مرضعته إذا خافت عليه. المطلب الثاني تعارض حق الآدميين مع حق المرتضع لدى المرضع ثمة حالات يتعارض فيها حق ولي المرضع والمرتضع مع حق المرتضع، وحينئذ نجد إن الفقهاء ساروا على تقديم حق ولي المرضع والمرتضع، وهو الأب؛ بشرطين: الأول: أن لا يضر ذلك بالمرتضع. الآخر: أن لا يكون للمرضعة حق في تربية المرتضع. (١)

стр. 438

ومن الصور التي ضربوها أمثلةً لتوافر هذين الشرطين ما يأتي: أـ إذا أجبر الأب أمته على فطام ولدها منه قبل الحولين؛ إن لم يضره الفطام، وذلك؛ لأنه لا حق لها في التربية؛ لأنها ملكه. (١) ب - إذا أجبر السيد أمته على فطام ولدها من غيره، وذلك؛ لأنها ملك له، والرضاع يهزلها، ويشغلها عن خدمته. (٢) ج - إجبار المولى زوجته على الفطام. (٣) د - إذا تعارض حق المرتضع مع وليه لدى مرضعة لم يثب لبنها عن حملها من هذا المرتضع واشتركا في ولاية رجل؛ قدم حق الولي، وتأتي هذه الصورة إذا تزوج رجل بزوجتين وأرادت إحداهما أن ترضع الأخرى. (٤) هـ ــ أن يمنع زوج المرضع غير أبي الطفل حق زوجته المرضع من رضاع ابنها؛ لتعذر وصولها إليه. (٥) وـ إذا باع السيد أم الولد أثناء مدة رضاع ولدها متى باعها أو وهبَها أو زوجها؛ لأن حضانتها سقطت، وعلى هذا سقط حقها من الرضاع. (٦) وفيما عدا توافر ذينك الشرطين؛ يقدم حق المرتضع على حقوق غيره من الآدميين إذا تعارضت مع رضاعته من محل الحق. (٧)

стр. 439

وذلك لما يأتي: ١ - قول الحق جل ذكره: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وهو عام في كل والدة. (١) ٢ - قول الله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوْا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوْفٍ﴾ [سورة الطلاق: ٦]، وهو خطاب للأزواج والزوجات في إرضاع الولد حتى لا يلحقه إضرار (٢)، وإذا كانت هذه الآية في البائنة المستأجرة التي لا نفقة لها ولا كسوة، فهو في الزوجة من باب أولى ووجه أحرى. ٣ - قول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ قال مجاهد: لا تأبى أن ترضعه ا. هـ (٣)، كما لا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك. (٤) إلى غير ذلك من الأدلة التي تقدم في الفصل الأول بسطها، والإجابة عما يرد عليها من مناقشات، كما في المطلب الثاني للمبحث الثاني من مباحثه، فلتراجع هناك. ومن الصور النازلة تعارض حق الرضيع مع حق المستأجر أو صاحبة الوظيفة والعمل؛ فالواجب على من لزمها الرضاع (٥) حينئذ أن تجمع بين الواجبين بأي طريقة تقدر عليها؛ كأن تذهب بالرضيع إلى مقر عملها، فإن شق عليها ذلك، أو تعذر؛ حلبت له ما يُرضع به عند غيابها، ويمكنها أن تستخدم في ذلك الوسائل الحديثة التي لا تضر بالرضيع؛ مثل ما يعرف بمضخة الحليب (٦)، فإن تعذر الجمع؛ قدمت الأولى، وهو حق الرضيع؛ لأن حفظ نفسه مقدم على حفظ المال.

стр. 440

المبحث الرابع الإذن والرضى في الرضاعة يترتب على ثبوت التحريم في باب الرضاع جواز النظر والخلوة والمسافرة إلى جانب حرمة التناكح، وذلك ما دعى إلى مشروعية الاستئذان من المرضع وزوجها، وممن ثاب منه اللبن إن لم يعد زوجًا للمرضعة، ومن أبي الطفل المرتضِع أو وليه؛ حيث نص الفقهاء على أنه ليس للمرضع أن ترضع غير ولدها إلا بإذن الزوج (١)، هذا من حيث الحكم التكليفي. واستدلوا عليه بما يأتي: ١ - ما في الرضاع من تفويت الحق على الزوج (٢)، والمعنى أن رضاع كل صبي يأخذ من وقت الزوجة المرضعة وجهدها؛ الأمر الذي يعود على استمتاع الرجل بها وانتفاعه منها بالنقص؛ فشرع الاستئذان من زوج المرضعة، ولأن أثره متعدٍّ؛ أشبه النكاح؛ فشرع استئذان أبي الطفل أو وليه، ولأن الأصل في المعاوضات أو التبرعات رضى المعاوض أو المتبرع؛ فشرع

стр. 441

الاستئذان من المرضعة، ولأن أبا الطفل أو وليه هو القيم شرعًا على مصالح الطفل؛ فلا يُفتات عليه في ذلك، وقد يكون في الإرضاع ضرر على الصبي ولو كان بغير عوض. ويمكن أن يستدل لذلك أيضًا بما يأتي: ٢ - قول النبي ﷺ : "فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك؛ فاضربوهن ضربًا غير مبرح" رواه مسلم (١)، فإذا كان لا يحل للزوجة أن تدخل أحدًا يتحدث معها في بيت زوجها - إذا كان يكره ذلك - حتى يأذن (٢)، وهو أمر وقتي، لا أثر له في الآجل؛ فلأن لا يحل لها أن ترضع أحدًا من غير ولدها بغير إذن زوجها؛ من باب أولى، بل إن الإرضاع متفرع عن مادة الفراش المذكورة في الحديث. ٣ - أصل الاستئذان في الشريعة الإسلامية، في مثل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [سورة النور: ٢٧]؛ أي: حتى تستأذنوا (٣)، فكما يجب الاستئذان في الدخول الجسدي إلى البيوت مع أبوابها، فكذلك الشأن في الدخول على البيوت بالتحريم الرضاعي المتأثر عن الإرضاع. وأما الحكم الوضعي؛ فالأصل فيه ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سئل: ما يحرم من الرضاع؟ فكتب إلى السائل: إنه لا يحرم منها: الضرار، والعفافة، والملجة؛ فالضرار: أن ترضع المرأة الولدين كي تحرم بينهما، والعفافة: الشيء اليسير الذي يبقى في الثدي، والملجة: اختلاس المرأة ولد غيرها فتلقمه ثديها ا. هـ (٤)، وهذا ما يمكن أن يدل على أن الرضاع يبطل أثره إذا كان غير مأذون فيه؛ فلا ينشر من الحرمة شيئًا.

стр. 442

إلا إنه يفهم من صنيع طائفة من الفقهاء أنهم لا يعتبرون الإذن أو الرضى من المرضع أو وليها مؤثرًا في تعلق المحرمية به بإطلاق؛ حيث أطلقوا حكم التحريم، ونص طائفة منهم على اعتبار رضاع المكرَهة محرِّمًا إذا ثاب لها لبن من ولد يثبت نسب ولدها منه، وهذه بعض مقولاتهم: قال الطحاوي ت ٣٢١ هـ: وإذا تزوج صغيرتين، فأرضعتهما امرأةٌ إحداهما بعد الأخرى؛ صارتا أختين، وبانتا من زوجهما ا. هـ (١)، وقال القدوري ت ٤٢٨ هـ: وإذا حلب اللبن من المرأة بعد موتها، فأوجر به صبي؛ تعلق به التحريما. هـ (٢)؛ قال بعض الشراح: لحصول معنى الرضاع؛ لأن اللبن بعد الموت على ما كان قبله ا. هـ (٣)، وقال: "ولبن الفحل يتعلق به التحريم، وهو: أن ترضع المرأة صبية؛ فتحرم هذه الصبية على زوجها, وعلى آبائه, وأبنائه. ويصير الزوج الذي نزل لها منه اللبن أباً للمرضَعَة ا. هـ (٤) وقال: قليل الرضاع وكثيره سواء؛ إذا حصل في مدة الرضاع تعلق به التحريم، ومدة الرضاع عند أبي حنيفة ثلاثون شهراً، وقالا: سنتان. فإذا مضت مدة الرضاع؛ لم يتعلق بالرضاع تحريم ا. هـ (٥)، وقال: وإذا تزوج الرجل صغيرة وكبيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة؛ حرمتا على الزوج ا. هـ (٦) وقال خليل في مختصره ت ٧٧٦ هـ: حصول لبن امرأة، وإن ميتة. . .؛ محرِّمٌ؛ إن حصل في الحولين، أو بزيادة الشهرين ا. هـ (٧) وقال الشافعي ت ٢٠٤ هـ: لبن الفحل يحرم، كما يحرم ولادة الأب؛ يحرم لبن الأب، لا اختلاف في ذلك ا. هـ (٨)، وقال النووي ت ٦٧٦ هـ: إنما تثبت الحرمة بين الرضيع والفحل إذا كان منسوبًا إلى الفحل؛ بأن ينتسب إليه الولد الذي نزل عليه اللبن ا. هـ (٩)

стр. 443

وقال الحجاوي ت ٩٦٨ هـ: وإذا حملت امرأة من رجل يثبت نسب ولدها منه، فثاب لها لبن، فأرضعت به - ولو مكرهةً - طفلًا رضاعًا محرمًا؛ صار ولدًا لهما؛ في تحريم النكاح، وإباحة النظروالخلوة، وثبوت المحرمية ا. هـ (١) وقال ابن حزم ت ٤٥٦ هـ: لبن الفحل يحرم، وهو: أن ترضع امرأةُ رجلٍ ذكرًا، وترضع امرأته الأخرى أنثى؛ فتحرم إحداهما على الأخرى ا. هـ (٢) غير أنه لا يصح قياس غير الميتة عليها في إثبات التحريم من الرضاع دون مادة الإذن أو الرضى؛ لعدم إمكان استئمار الميْتة أو استئذانها، ولأنه لا أثر لانتشار الحرمة الرضاعية إليها في تحريم النكاح منها باعتبار خروجها من الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية تمهيدًا للحياة الآخرة. فيما قد صرح بعض الفقهاء بأن عدم رضى زوج المرضعة الذي ثاب اللبن بوطئه لا يعد صارفًا لحكم التحريم الرضاعي؛ قال النووي ت ٦٧٦ هـ فيمن: "طلق زوجته، أو مات عنها، ولها لبن منه، فأرضعت به طفلا قبل أن تنكح؛ فالرضيع ابن المطلق والميت، ولا تنقطع نسبة اللبن بموته وطلاقه؛ سواء ارتضع في العدة أو بعدها، وسواء قصرت المدة أم طالت كعشر سنين وأكثر، وسواء انقطع اللبن ثم عاد، أم لم ينقطع؛ لأنه لم يحدث ما يحال اللبن عليه، فهو على استمراره منسوب إليه" (٣)، فحيث انتشرت المحرمية من رضاع الميتة، واعتبر به؛ فليعتبر به أيضًا من دون اشتراط رضى زوج المرضعة أو أبي الطفل الأجنبي الرضيع؛ بحيث لا يكون هناك أثر لعدم إذن زوج المرضعة في صرف انتشار المحرمية. غير أنه يقال في الزوج الميت ما قيل في المرضعة الميتة، وأما إن كان مطلِّقًا، فأرضعت من اللبن الثائب منه؛ ثبت التحريم إليه بأصوله وفروعه وحواشيه ما لم يكن داعي الرضاع الإضرار به؛ فلا يحرم الرضاع شيئًا حينئذ؛ معاملةً لمن أراد ذلك بنقيض قصده (٤)؛ كما لو كان لزوج امرأتان، فأرادت كبراهما أن ترضع الصغرى؛ لإفساد نكاحها عليه ونكاح المرتضعة منه. (٥)

стр. 444

فيتحصل مما تقدم وجوب الاستئذان من المرضع، وزوجها، ومن الفحل الذي ينتسب إليه اللبن إن لم يعد زوجًا للمرضع، ومِن أبي الطفل أو وليه، ومَن عداهم تبع لهؤلاء؛ فإن وقع رضاع مع عدم إذنهم؛ انتشر به التحريم؛ إلا أن يقصد من الرضاع الإضرار، فيعامل مريد الضرر بنقيض قصده، ولا يقع من هذا الإرضاع الناشئ عن هذا القصد تحريم. وأصل الكلام في هذه المسألة يعود إلى عدم اعتبار النية لإثبات التحريم من الرضاع عند تحقق الشرائط المقررة، وهذا مستفاد من تقريرات الفقهاء في مثل كلامهم على مسألة الإكراه في الرضاع؛ فإن المرضعة لو أكرهت على الرضاع؛ ثبت حكمه. (١) المطلب الأول إذن المرتضع - إذا كان كبيرًا - الفرع الأول حكم إذن المرتضع لا يمكن للمرتضع الصغير أن يكون ذا رأي في رضاعه، بل هو في حكم القاصر الذي ينوبه في رأيه أبوه أو وليه، ويتخير له الأصلح. أما المرتضع الكبير محل البحث كما هو عنوان المطلب؛ فهو محل الإذن لا وليه؛ لأنه مكلف قادر على التعبير عن نفسه. ولأن أثر الرضاع متعدٍّ؛ أشبه النكاح؛ فيشرع استئذان أبي الطفل أو وليه، أو المرتضع إذا كان كبيرًا وثم حاجة (٢)، ولأن الأصل في المعاوضات أو التبرعات رضى المعاوض أو المتبرع. الفرع الثاني أثر إذن المرتضع في انتشار المحرمية إن مفهوم تقريرات الفقهاء ﵏ الذين يقولون بعدم اشتراط مدة أو سن معين للرضاع؛ مطلقًا، أو عند الحاجة؛ هو عدم تأثير إذن المرتضع الكبير في تعلق التحريم من حليب الآدمية؛ وجودًا أو عدمًا، كما سيتضح ذلك من خلال عرض المسألة في المبحث الخامس من هذا الفصل. غير أنه ينبغي أن يقيد تحقق أثر الرضاع بالرضاع الذي يراد به الإضرار، فيعامل قاصد الإضرار بنقيض قصده، ولا تنتشر به محرمية؛ لقول عمر ﵁: لا يحرم منها - أي: من الرضاعة - الضرار ا. هـ، والضرار: أن ترضع المرأة الولدين كي تحرم بينهما. (٣)

стр. 445

المطلب الثاني إذن أولياء المرتضع الفرع الأول حكم إذن أولياء المرتضع يشرع الاستئذان من أبي الطفل المرتضِع أو وليه قبل إرضاعه (١)، ومن حيث الحكم التكليفي فيما اصطلح عليه متأخرو الأصوليين؛ فهو واجب لما يأتي: ١ - أصل الاستئذان في الشريعة الإسلامية، في مثل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [سورة النور: ٢٧]؛ أي: حتى تستأذنوا (٢)، فكما يجب الاستئذان في الدخول الجسدي إلى البيوت مع أبوابها، فكذلك الشأن في الدخول على البيوت بالتحريم الرضاعي المتأثر عن الإرضاع. ٢ - إن أثر الرضاع متعدٍّ؛ أشبه النكاح؛ فشرع استئذان أبي الطفل أو وليه. ٣ - إن أبا الطفل أو وليه هو القيم شرعًا على مصالح الطفل؛ فلا يُفتات عليه في ذلك، وقد يكون في الإرضاع ضرر على الصبي.

стр. 446

الفرع الثاني أثر إذن أولياء المرتضع في انتشار المحرمية الأصل في إذن أولياء المرتضع ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ حين سئل: ما يحرم من الرضاع؟ فكتب إلى السائل: إنه لا يحرم منها: الضرار، والعفافة، والملجة؛ فالضرار: أن ترضع المرأة الولدين كي تحرم بينهما، والعفافة: الشيء اليسير الذي يبقى في الثدي، والملجة: اختلاس المرأة ولد غيرها فتلقمه ثديها ا. هـ (١)، وهذا ما يدل على أن بطلان أثر الرضاع إذا كان غير مأذون فيه وقصد من ورائه الإضرار؛ فلا ينشر حينئذ من الحرمة شيئًا؛ معاملةً للقاصد بنقيض قصده (٢)؛ كما لو كان لزوج امرأتان، فأرادت كبراهما أن ترضع الصغرى؛ لإفساد نكاحها عليه ونكاح المرتضعة منه. (٣) على أن ظاهر كلام كثير من الفقهاء فيمن قصد الإضرار بالرضاع أن قصده هذا لا يعود بالفساد على أثر الرضاع الشرعي؛ بل بتغريم القاصد ضررًا، أو تعزيره، أو نحو ذلك، ومثاله قول القدوري ت ٤٢٨ هـ: وإذا تزوج الرجل صغيرة وكبيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة؛ حرمتا على الزوج، فإن كان لم يدخل بالكبيرة؛ فلا مهر لها، وللصغيرة نصف المهر، ويرجع به الزوج على الكبيرة؛ إن كانت تعمدت به الفساد، وإن لم تتعمد؛ فلا شيء عليها ا. هـ (٤)، إلى غير ذلك من النقول التي سيظهر طرف منها خلال عرض المسألة الآتية. فأما إذا لم يُقصد بذلك الإضرار؛ فهل على المرضعة شيء إذا ترتب على إرضاعها فوات مطلوب أو إفساد نكاح أو ضياع حق على الغير؛ كما لو كان تحت رجل أربع نساء؛ فأرضعتهن أخته من النسب، وترتب على ذلك فسخهن منه، أو طلاقه لهن؛ إلا واحدة؟ اختلفت أنظار أهل العلم في ذلك على ما يأتي: القول الأول: لا شيء على المرضعة لهن، وإن تعدّت، وعليها للزوج ما غرم. وبه قال المالكية (٥). القول الثاني: لا غرم على المرضعة إلا أن تتعدى (٦)؛ كما لو تعمدت الفساد، وتؤدَّب. وهو قول عند المالكية (٧)، وبه قال اللخمي (٨). القول الثالث: لها عليه نصف المهر - المثلي لا المسمى فيما يظهر من سياق العبارة -، ويرجع على التي أرضعتها بنصف صداق مثلها؛ تعمدت إفساد النكاح أو لم تتعمده، وإن تعددن رجع عليهن على قدر رضاعهن المحرِّم أخماسًا؛ على كل واحدة بقدر ما أتلفت. (٩) وهو مذهب الشافعي (١٠)، والحنابلة (١١). القول الرابع: تغرم (١٢) الحرة للزوج دون المستولدة؛ سواء قصدت بالإرضاع فسخ النكاح أو لا، وسواء وجب عليها الإرضاع بأن لا يكون هناك مرضعة غيرها أم لا، وسواء أكرهت على الإرضاع أو لا. فإن كن جماعة نساء، فأرضعن مرتبًا؛ فالغرم يتعلق بإرضاع الأخيرة، وإن أرضعن معًا؛ بأن أخذت كل واحدة لبنها في مسعط، وأوجرته معا؛ اشتركن في

стр. 447

الغرم، ويقسَّم بينهم على عدد رؤوس المرضعات (١)، وذلك في الصغيرة المنفسخ نكاحها بالرضاع لا يخلو: أتستحق نصف المسمى؛ إن كان صحيحًا. ب تستحق نصف مهر المثل إن كان فاسدًا. ويسثنى من ذلك أن يكون الانفساخ من جهتها؛ بأن دبَّت، فرضعت من نائمة، فإنه لا شيء لها. وهو وجه عند الشافعية (٢). القول الخامس: تغرم الحرة للزوج دون المستولدة؛ سواء قصدت بالإرضاع فسخ النكاح أو لا؛ إلا: أن يلزمها الإرضاع (٣)؛ بأن لا يكون هناك مرضعة غيرها أم لا، أو أن تكون مكرهة. فإن كن جماعة نساء، فأرضعن مرتبًا؛ فالغرم يتعلق بإرضاع الأخيرة، وإن أرضعن معًا؛ بأن أخذت كل واحدة لبنها في مسعط، وأوجرته معا؛ اشتركن في الغرم، ويقسَّم بينهم على عدد الرضعات؛ كل بحسبه (٤)، وذلك في الصغيرة المنفسخ نكاحها بالرضاع لا يخلو: أتستحق نصف المسمى؛ إن كان صحيحًا. ب تستحق نصف مهر المثل إن كان فاسدًا. ويسثنى من ذلك أن يكون الانفساخ من جهتها؛ بأن، فرضعت من نائمة، فإنه لا شيء لها. وهو وجه عند الشافعية (٥)، واحتمال للشيخ أبي حامد (٦). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:

стр. 448

أولًا: الاستدلال على أن لا شيء على المرضعة لمن أرضعت وتسببت في مفارقتهن الزوج، وإن تعدّت؛ بما يأتي: ١ - عدم وجوب شيء على الزوج؛ لأنه غير مطلق. (١) ثانيًا: الاستدلال على أن للمرضعة على الزوج ما غرم: ١ - كالرجوع على الشاهد. (٢) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: أولًا: الاستدلال على أن للصبية التي تزوجها عليه نصف مهر المثل: ١ - إن فساد النكاح ليس جناية؛ فلا يلزمه كامل مهرها، والرضاع الذي كان قبل نكاحه جائز لها، وكذلك بعد نكاحه؛ إلا بمعنى أن يكون فسادًا عليه. (٣) ثانيًا: الاستدلال على رجوع الزوج على المرضعة: ١ - إن كل من أفسد شيئًا ضمن قيمة ما أفسد؛ تعمد الفساد أو لم يتعمده. (٤) ثالثًا: الاستدلال على أن على المرضعة نصف صداق مثلها: ١ - إن ذلك قيمة ما أفسدت منها مما يلزم زوجها؛ كان أكثر من نصف ما أصدقها أو أقل؛ إن كان أصدقها شيئًا أو لم يسم لها صداقًا؛ لأن ذلك أقل ما كان وجب لها عليه بكل حال؛ إذا لم يكن هو طلقها قبل أن يسمي لها شيئًا. (٥) ٢ - إن المهر المسمى شيء حابى به الزوج في ماله. (٦) ٣ - كما لو اشترى سلعة بمائة؛ استهلكها، وقيمتها خمسون؛ لم يغرم مائة. (٧)

стр. 449

٤ - إن أبا الصبية لو حابا الزوج في صداقها؛ كان عليه نصف مهر مثلها، فلم تغرم المرضعة الأقل من نصف مهر مثلها، أو ما سمى لها، وإنما غرمت ما يلزمه، أو أقل منه؛ إن كان قيمة نصف مهر مثلها أقل مما أصدقها. (١) رابعًا: الاستدلال على أن الرجوع على الجماعة إذا أفسدوا النكاح يكون بقدر ما أتلفت لا بعدد رؤوسهن: ١ - كما لو أتلفن مالًا وتفاوتن فيه. (٢) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: أولًا: الاستدلال على تغريم الحرة للزوج دون المستولدة: ١ - إنه لا يثبت له دين على مملوكه (٣). ثانيًا: الاستدلال على وجوب الإرضاع عليها بأن لا يكون هناك مرضعة غيرها: ١ - إن غرامة الإتلاف لا تختلف بهذه الأسباب. - الترجيح: الراجح هو أن لا شيء على المرضعة إذا ترتب على إرضاعها فوات مطلوب أو إفساد نكاح أو ضياع حق على الغير؛ إذا أذن لها، ولم تَقصد بذلك الإضرار؛ لأن ما نشأ عن المأذون، فليس بالمضمون، وهذا هو القدر الكافي لهذا الفرع. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - لو كان تحت رجل صغيرة، وله خمس مستولدات، فأرضعتها كل واحدة رضعة بلبنه؛ فلا غرم عليهن عند الشافعية، لأنه لا يثبت له دين على مملوكه (٤). ٢ - لو أرضع نسوةُ رجلٍ الثلاثُ ومستولدتاه زوجتَه الصغيرة؛ فغرامة مهرها يتعلق بإرضاع الأخيرة؛ إن أرضعن مرتبًا وكانت الأخيرة زوجة، فإن كانت مستولدة؛ فلا شيء عليها، وإن أرضعنه معًا؛ بأن أخذت كل واحدة لبنها في مسعط، وأوجرنه معًا؛ فلا شيء على المستولدتين، وعلى النسوة ثلاثة أخماس الغرم. (٥)

стр. 450

٣ - لو كان لرجل أم، وبنت، وأخت، وبنت أخ لأب، وبنت أخت لأب؛ فأرضعت كل واحدة من هؤلاء زوجة الرجل رضعة، فتغرم الأخيرة للزوج؛ في وجه عند الشافعية، وإن أرضعن معًا؛ اشتركن في الغرم، فإن اختلف عدد الرضعات بأن كن ثلاثًا فأرضعت واحدة رضعتين، وأخرى كذلك، والثالثة رضعة؛ فهل يغرمن أثلاثا على عدد الرءوس، أم أخماسا على عدد الرضعات؟ وجهان عند الشافعية (١)، والحنابلة على الثاني، وهو عدد الرضعات (٢)، ولا ترد هذه المسألة ونظائرها على أصل أبي حنيفة (٣)، ومالك (٤)، وغيرهما (٥)؛ ممن يكون عنده قليل الرضاع ككثيره في التحريم. ٤ - لو أوجر أجنبي واحدٌ صغيرةً بلبن أم زوجها مرة، وآخران مرتين مرتين؛ فهل يوزع عليهم أثلاثًا؟ أم على عدد الرضعات؟ وجهان (٦)، أصحهما الثاني (٧). ٥ - ولو كان تحته صغيرة، فأرضعتها أمة له قد وطئها بلبن غيره؛ بطل نكاح الصغيرة، وحرمتا أبدًا. ولو كان تحت زيد كبيرة، وتحت عمرو صغيرة، فطلق كل واحد زوجته ونكح زوجة الآخر، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة واللبن لغيرهما، حرمت الكبيرة عليهما أبدًا؛ لأنها أم زوجتهما، فإن كانا دخلا بالكبيرة؛ حرمت الصغيرة عليهما أبدًا، وإلا؛ فلا تحرم عليهما، ولا ينفسخ نكاحها، وكذا لو لم يدخل زيد بها حين كانت في نكاحه لا تحرم عليه الصغيرة، ولا ينفسخ نكاحها. وإذا انفسخ نكاحها، فعلى زوجها نصف المسمى، ويرجع بالغرم على الكبيرة، ولا يجب للكبيرة شيء على زوجها إن لم يدخل بها؛ لأن الانفساخ منها. (٨) ٦ - تحت رجل صغيرة وكبيرة، فأرضعت الصغيرةُ الكبيرة؛ انفسخ نكاحهما، وحرمت الكبيرة مؤبدًا، وكذا الصغيرة إن كانت الكبيرة أرضعتها بلبنه، أو كانت مدخولًا بها، وإلا؛

стр. 451

فلا؛ لأنها ربيبة لم يدخل بأمها، وعلى الزوج للصغيرة نصف المسمى، وفيما يرجع به على الكبيرة الأقوال الأربعة، ولا مهر للكبيرة إن لم يكن مدخولًا بها، فإن كانت؛ فلها المهر. (١) ٧ - لو كان لرجل ثلاث نسوة لهن لبن منه، فأرضعن امرأة له صغرى؛ كل واحدة رضعتين؛ كان عليه نصف مهرها؛ يرجع به عليهن على قدر رضاعهن، يقسم بينهن أخماساً، وهذا في مذهب الحنابلة (٢)؛ لأن الرضعات الخمس محرمة، وقد وجد من الأولى رضعتان، ومن الثانية رضعتان، والخامسة وجدت من الثالثة؛ فيجب على الأولى خمس مهرها، وعلى الثانية خمس، وعلى الثالثة عشر - وهو نصف الخمس -؛ حيث كُنَّ سببًا في استقراره عليه فكان الفسخ من غير جهتها (٣). وهنا مسألة أختم بها هذا الفرع، وهي: توصيف المفارقة بسبب الرضاع بعد العقد. اختلف الفقهاء في ذلك على قولين فيما وقفت عليه: القول الأول: يفسخ بلا طلاق في الجميع. وبه قال بعض المالكية؛ كابن القاسم (٤)، وهو ظاهر مذهب الشافعي (٥). القول الثاني: يكون طلاقًا. وبه قال المالكية (٦).

стр. 452

المبحث الخامس إرضاع الكبير للحاجة وأثره في انتشار المحرمية اختلف أهل العلم والاجتهاد من قديم الزمان في مدة الرضاع الذي يخلِّف أثره وينشر المحرمية، وحيث كان الخلاف من الأهمية بمكان؛ بحيث يتصدر أمهات المسائل في باب الرضاع؛ فسأتوسع في بسط الخلاف، بعد تحرير محل النزاع؛ على ما يأتي: - تحرير محل النزاع: نُقل اتفاق فقهاء الإسلام على أن الرضاع يحرم في الحولين - إذا لم يفطم ويستغنِ عن الطعام - (١)، كما اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على اشتراط صغر الرضيع لثبوت التحريم بلبن الآدمية، واختلفوا في حد الصغر (٢).

стр. 453

وحيث كان الإسلام نورًا يشع على المسلمين كلهم، وحقًّا لكل من اجتهد فيه عالمًا، غير مقصور على طائفة أو متمثلًا في مؤسسة (١)؛ فهذه أقوال فقهاء المسلمين في المسألة ابتداءً بالخلفاء الراشدين وأزواج النبي ﷺ ، ورضي عنهم -، وسائر فقهاء الصحابة والتابعين ومن تتلمذ عليهم وسار على نهجهم من العلماء المحققين؛ مرورًا بالأئمة الأربعة: القول الأول: مدة الرضاع ثلاثون شهرًا؛ فلا يحرم من الرضاع إلا ما كان في عامين وستة أشهر، فما كان بعد ذلك فإنه لا يحرم. وبه قال أبوحنيفة (٢)، وهو قول لبعض الحنفية وعليه الفتوى عندهم (٣). القول الثاني: مدة الرضاع سنتان، فإذا مضى الحولان لم يتعلق بالرضاع أثر في التحريم. وهو مروي عن عمر (٤)، وعلي (٥)، وابن عمر (٦)، وابن مسعود (٧)، وابن عباس (٨)، وأبي هريرة (٩)، وصححه عنهم دون عليٍّ ابنُ القيم (١٠)، وأزواج النبي ﷺ سوى عائشة (١١)، وعروةُ بن الزبير (١٢) ﵃ أجمعين -.

стр. 454

وإليه ذهب سعيد بن المسيب (١)، والزهري (٢)، وقتادة (٣)، والشعبي (٤)، وعلقمة (٥)، وابن شبرمة (٦)، وسفيان الثوري (٧)، والأوزاعي (٨)، وإسحاق (٩)، وأبو عبيد (١٠)، وأبوثور (١١)، وابن المنذر (١٢)، وظاهر اختيار البخاري (١٣)؛ قال أبو عيسى الترمذي في جامعه ت ٢٧٩ هـ: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم؛ أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين؛ فإنه لا يحرم شيئًا ا. هـ (١٤)

стр. 455

وهو رواية لأبي حنيفة (١)، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن (٢)، واختاره الطحاوي (٣)، وصححه بعض الحنفية مذهبًا وفتيًا به عندهم (٤)، ومالك في رواية (٥)، وهو المشهور عنه (٦)، والوارد في موطئه برواية محمد بن عبد الحكم وغيره (٧)، وهو مذهب الشافعية (٨)، واختاره الطبري (٩)، ومذهب الحنابلة (١٠) ولو كان قد فطم قبله عندهم (١١)، والظاهرية من داودَ وأصحابه (١٢)، وحكاه ابن عبد البر أنه قول الجمهور، وحكاه أبو محمد ابن قدامة أنه قول أكثر أهل العلم (١٣). القول الثالث: سقوط اعتبار المدد في نفي التحريم، فرضاع الكبير - ولو شيخًا - محرم كما يحرم رضاع الصغير، ولا فرق. وهو مروي عن عائشة (١٤) , وأبي موسى في مذهبه الأول (١٥)، وعروة بن الزبير (١٦)، وهو قول عطاء بن أبي رباح (١٧)، والليث بن سعد (١٨)، وداود (١٩)، وابن حزم (٢٠).

стр. 456

القول الرابع: مدة الرضاع حولان، أو بزيادة الشهرين؛ إلا أن يستغني، ولو فيهما. وبه قال المالكية. (١) القول الخامس: مدة الرضاع حولان؛ إلا: ما قارب الحولين - يعني: مما جاء بعدهما، فيدخل في حكمها -، أو أخذ به في الحجابة بعد الحولين. وبه قال بعض المالكية؛ كابن ناجي، وعزى الفتيا به الحطاب عن شيخه أبي محمد عبد الله الشبيبي، ومال إليه ابن المواز. (٢) القول السادس: لا يحرم الرضاع بعد الحولين إلا بنحو الشهرين. وهو قول مالك في رواية ابن القاسم. (٣) القول السابع: يحرم بعد الحولين بأيام يسيرة. وهو قول محكي عن مالك. (٤)

стр. 457

القول الثامن: يحرم بعد الحولين بمثل نقصان الشهور. وهو قول محكي عن مالك (١)، وبه قال سحنون (٢). القول التاسع: يحرم بعد الحولين بأيام يسيرة؛ كالشهر، ونحوه. وهو قول مروي عن مالك (٣). القول العاشر: يحرم بعد الحولين بثلاثة أشهر؛ فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبث. وهو قول مروي عن مالك (٤). القول الحادي عشر: مدة الرضاع ثلاث سنين. وبه قال زفر بن الهذيل (٥)، والحسن بن صالح، وابن أبي ذئب، وجماعة من أهل الكوفة (٦). القول الثاني عشر: تثبتت الحرمة بالرضاع إلى الفطام، ولو بعد الحولين، أو قبلهما؛ بحيث يناط الحكم بالفطام، سواء كان قبل الحولين أو بعده، كما تثبت الحرمة بالرضاع ولو كان المرتضع كبيرا للحاجة؛ نحو كونه محرمًا. وهو مفهوم قول ابن مسعود وابن عباس (٧)، واختاره تقي الدين ابن تيمية (٨)، وتلميذه ابن القيم (٩)، وعزى ابن عبد البر من فرق بين معنى الحولين ومعنى الفصال إلى التعسف (١٠).

стр. 458

القول الثالث عشر: لا يلزم من الرضاع إلا ما كان في المهد. ونسب إلى أزواج النبي ﷺ (١)، وسعيد بن المسيب (٢). القول الرابع عشر: لا يحرم من الرضاع إلا ما كان قبل الفطام، وأما بعد الفطام؛ فلا. وهو مروي عن أم سلمة (٣)، وعلي (٤)، وابن عباس (٥) ﵃، وصحح القول إليهم ابنُ القيم؛ دون علي، فنفى صحته عنه (٦)، وهو قول الحسن، والزهري، وقتادة، وعكرمة (٧)، والأوزاعي (٨). القول الخامس عشر: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء. وهو مروي عن أبي هريرة. (٩)

стр. 459

القول السادس عشر: الرضاع المحرم ما كان في الصغر روي هذا عن ابن عمر (١)، وابن المسيب، وأزواج رسول الله ﷺ خلا عائشة (٢) ولم يوقته هؤلاء بوقت. (٣) القول السابع عشر: مدة الرضاع المحرم سبع سنين. وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز؛ حكاه عنه يزيد بن هارون. (٤) القول الثامن عشر: مدته حولان واثنا عشر يومًا. وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز؛ حكاه عنه ربيعة. (٥) - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف: ١٥]. وجه الاستدلال: إن الله سبحانه ذكر شيئين؛ هما: الحمل، والفصال؛ فكانت لكل واحد منهما بكمالها؛ كالأجل المضروب للدينين - كما لو قال: أجلت الدين الذي لي على فلان، والدين الذي لي على فلان؛ سنة؛ يفهم منه: أن السنة بكمالها لكلٍّ -، إلا أنه قام المنقص في أحدهما - أي: مدة الحمل -، فبقي الثاني - وهو: الفصال الذي يعني الرضاع - على ظاهره (٦)، فكانت مدة الحمل تستمر إلى ثلاثين شهرًا، وكذا الرضاع؛ كل له المدة التامة على حدة.

стр. 460

ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا تأويل غريب (١)؛ فالنقص في الأول - أي: مدة الحمل - قام بقول عائشة: لا يبقى الولد أكثر من سنتين (٢)، ومثله لا يعرف إلا سماعاً؛ لأن المقدرات لا يهتدي العقل إليها، فهو في حكم المرفوع. وكانت الآية مخصصة بخبر الواحد باعتبارها قابلة للتأويل بمعنًى آخر - كتوزيع صاحبي أبي حنيفة وغيرهما الأجل على أقل مدة الحمل، وهو: ستة أشهر -؛ فلم تكن قطعية الدلالة على المعنى الأول، فجاز تخصيصها بخبر الواحد. (٣) ويمكن أن يجاب: بعدم التسليم بأن مدة الحمل لا تعرف سماعًا، وأن مواطن الاهتداء إلى الأشياء محصورة بالسماع والعقل، بل إن للعادة والحس في تقدير مدة الحمل مدخلًا. ب - إن هذا الدليل يستلزم كون لفظ ثلاثين مستعملًا في إطلاق واحد في مدلول ثلاثين وفي أربعة وعشرين، وهو الجمع بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد.
следующие страницы →