← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

القول الرابع: مدة الرضاع حولان، أو بزيادة الشهرين؛ إلا أن يستغني، ولو فيهما. وبه قال المالكية. (١) القول الخامس: مدة الرضاع حولان؛ إلا: ما قارب الحولين - يعني: مما جاء بعدهما، فيدخل في حكمها -، أو أخذ به في الحجابة بعد الحولين. وبه قال بعض المالكية؛ كابن ناجي، وعزى الفتيا به الحطاب عن شيخه أبي محمد عبد الله الشبيبي، ومال إليه ابن المواز. (٢) القول السادس: لا يحرم الرضاع بعد الحولين إلا بنحو الشهرين. وهو قول مالك في رواية ابن القاسم. (٣) القول السابع: يحرم بعد الحولين بأيام يسيرة. وهو قول محكي عن مالك. (٤)

стр. 457

القول الثامن: يحرم بعد الحولين بمثل نقصان الشهور. وهو قول محكي عن مالك (١)، وبه قال سحنون (٢). القول التاسع: يحرم بعد الحولين بأيام يسيرة؛ كالشهر، ونحوه. وهو قول مروي عن مالك (٣). القول العاشر: يحرم بعد الحولين بثلاثة أشهر؛ فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبث. وهو قول مروي عن مالك (٤). القول الحادي عشر: مدة الرضاع ثلاث سنين. وبه قال زفر بن الهذيل (٥)، والحسن بن صالح، وابن أبي ذئب، وجماعة من أهل الكوفة (٦). القول الثاني عشر: تثبتت الحرمة بالرضاع إلى الفطام، ولو بعد الحولين، أو قبلهما؛ بحيث يناط الحكم بالفطام، سواء كان قبل الحولين أو بعده، كما تثبت الحرمة بالرضاع ولو كان المرتضع كبيرا للحاجة؛ نحو كونه محرمًا. وهو مفهوم قول ابن مسعود وابن عباس (٧)، واختاره تقي الدين ابن تيمية (٨)، وتلميذه ابن القيم (٩)، وعزى ابن عبد البر من فرق بين معنى الحولين ومعنى الفصال إلى التعسف (١٠).

стр. 458

القول الثالث عشر: لا يلزم من الرضاع إلا ما كان في المهد. ونسب إلى أزواج النبي ﷺ (١)، وسعيد بن المسيب (٢). القول الرابع عشر: لا يحرم من الرضاع إلا ما كان قبل الفطام، وأما بعد الفطام؛ فلا. وهو مروي عن أم سلمة (٣)، وعلي (٤)، وابن عباس (٥) ﵃، وصحح القول إليهم ابنُ القيم؛ دون علي، فنفى صحته عنه (٦)، وهو قول الحسن، والزهري، وقتادة، وعكرمة (٧)، والأوزاعي (٨). القول الخامس عشر: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء. وهو مروي عن أبي هريرة. (٩)

стр. 459

القول السادس عشر: الرضاع المحرم ما كان في الصغر روي هذا عن ابن عمر (١)، وابن المسيب، وأزواج رسول الله ﷺ خلا عائشة (٢) ولم يوقته هؤلاء بوقت. (٣) القول السابع عشر: مدة الرضاع المحرم سبع سنين. وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز؛ حكاه عنه يزيد بن هارون. (٤) القول الثامن عشر: مدته حولان واثنا عشر يومًا. وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز؛ حكاه عنه ربيعة. (٥) - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف: ١٥]. وجه الاستدلال: إن الله سبحانه ذكر شيئين؛ هما: الحمل، والفصال؛ فكانت لكل واحد منهما بكمالها؛ كالأجل المضروب للدينين - كما لو قال: أجلت الدين الذي لي على فلان، والدين الذي لي على فلان؛ سنة؛ يفهم منه: أن السنة بكمالها لكلٍّ -، إلا أنه قام المنقص في أحدهما - أي: مدة الحمل -، فبقي الثاني - وهو: الفصال الذي يعني الرضاع - على ظاهره (٦)، فكانت مدة الحمل تستمر إلى ثلاثين شهرًا، وكذا الرضاع؛ كل له المدة التامة على حدة.

стр. 460

ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا تأويل غريب (١)؛ فالنقص في الأول - أي: مدة الحمل - قام بقول عائشة: لا يبقى الولد أكثر من سنتين (٢)، ومثله لا يعرف إلا سماعاً؛ لأن المقدرات لا يهتدي العقل إليها، فهو في حكم المرفوع. وكانت الآية مخصصة بخبر الواحد باعتبارها قابلة للتأويل بمعنًى آخر - كتوزيع صاحبي أبي حنيفة وغيرهما الأجل على أقل مدة الحمل، وهو: ستة أشهر -؛ فلم تكن قطعية الدلالة على المعنى الأول، فجاز تخصيصها بخبر الواحد. (٣) ويمكن أن يجاب: بعدم التسليم بأن مدة الحمل لا تعرف سماعًا، وأن مواطن الاهتداء إلى الأشياء محصورة بالسماع والعقل، بل إن للعادة والحس في تقدير مدة الحمل مدخلًا. ب - إن هذا الدليل يستلزم كون لفظ ثلاثين مستعملًا في إطلاق واحد في مدلول ثلاثين وفي أربعة وعشرين، وهو الجمع بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد.

стр. 461

وأجيب عنه: بأن الحمل والفصال في الآية؛ مبتدآن، وثلاثون خبر عن أحدهما - أي: المبتدأ الثاني -، وخبر الآخر محذوف؛ فأحد الخبرين مستعمل في حقيقته والآخر في مجازه، فلا جمع في لفظ واحد. (١) ونوقش الجواب: بأنه جاء إطلاق الأشهر في قول الحق جل ذكره: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [سورة البقرة: ١٩٧]؛ على شهرين وبعض الثالث (٢). وبأننا لا نعلم أحدًا من أهل العلم قال بشيء من قولكم هذا قبلكم، ولا معكم؛ إلا من قلدكم اتباعًا لهواه، ونعوذ بالله من الفتنة. (٣) ج - إن أسماء العدد لا يتجوز بشيء منها في الآخر؛ لأنها بمنزلة الأعلام على مسمياتها. (٤) وأجيب: بأن الشهر ليس من أسماء العدد. (٥) د - إن هذا تحكم يخالف ظاهر الكتاب وقول الصحابة؛ فقد روي عن علي وابن عباس ﵃: أن المراد بالحمل حمل البطن، وبه استدل علي أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وقد دل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [سورة لقمان: ١٤]؛ فلو حمل على ما قاله أبو حنيفة، لكان مخالفا لهذه الآية. (٦) ٢ - لما كانت أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ اعتبرنا ذلك في نقله من غذاء اللبن بعد الحولين إلى غذاء الطعام؛ فجعلنا ستة أشهر؛ لأن أولى المقادير باعتبار المدة التي ينتقل بها الصبي من حال كونه نطفة إلى غذاء اللبن هي ستة أشهر. (٧)

стр. 462

٣ - إن قول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف: ١٥] مشتمل على ذكر المدتين للحمل والرضاع, ثم لما قال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [سورة لقمان: ١٤]؛ حصلت مدة الحمل ستة أشهر, فصار كقوله: حمله ستة أشهر, وفصاله في عامين. ثم لما ثبت عندنا أنه لا تجاوز زيادة مدة الحمل أكثر المدة, وهي الحولان؛ وجب ألا يجاوز بالزيادة على المدة المذكورة للرضاع أكثر من المدة التي تضمنتها الآية للحمل, وهي ستة أشهر. (١) ويمكن أن يناقش أصحاب هذا القول بما يلي: أ- اضطراب بعضهم فيه؛ كالحنفية؛ حيث تباينت حكايتهم له مذهبًا عندهم أو لا، وهو أمارة ضعف القول. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ فجعل الله تعالى تمام الرضاع حولين كاملين؛ ما دل على أنه لا حكم للرضاعة بعدهما، ولا تعلق للتحريم به، وهذه هي مدة المجاعة التي ذكرها رسول الله ﷺ ، وقصر الرضاعة المحرمة عليها (٢)، وحيث إن الله جل ذكره حد في ذلك حدًّا، كان غير جائز أن يكون ما وراء حده موافقًا في الحكم ما دونه؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن للحد معنًى معقول، وما جعل الله تعالى له غاية بالحكم بعد مضي الغاية فيه غيره قبل مضيها؛ كما قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [سورة النساء: ١٠١]، فكان لهم أن يقصروا مسافرين، وكان في شرط القصر لهم بحال موصوفة؛ دليلٌ على أن حكمهم في غير تلك الصفة غير القصر، وقال تعالى:

стр. 463

﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨]، فكن إذا مضت الثلاثة الأقراء؛ فحكمهن بعد مضيها غير حكمهن فيها. (١) ونوقش بما يأتي: أ- لقد كان في الآية كفاية في عدم اعتبار الحولين؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ فأمر تعالى الوالدات بإرضاع المولود عامين، وليس في هذا نفي تحريم الرضاعة بعد ذلك، ولا أن التحريم ينقطع بتمام الحولين. وكان قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، ولم يقل تعالى في حولين، ولا في وقت دون وقت؛ زائدًا على الآيات الأخر، وعمومًا: لا يجوز تخصيصه إلا بنص يبين أنه مخصص له لا بظن، ولا بمحتمل لا بيان فيه، وكانت الآثار في نفي التخصيص بالحولين قد جاءت مجيء التواتر. (٢) وأجيب عنه: بأن ما جاء في إثبات التحريم من الرضاع بعد الحولين خاص لسالم، كما قال بعض أزواج رسول الله ﷺ ؛ حيث جاء في الحديث أنهن قلن: ما نرى هذا إلا خاصًّا لسالم، وما ندري لعله رخصة لسالم ا. هـ (٣) ونوقش الجواب: بأنه ظنٌّ ممن ظن ذلك منهن ﵅ بلا شك؛ لأنهن قلن: "لا ندري. . . "، والظن لا يعارض بالسنن كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [سورة يونس: ٣٦]. (٤) وبأنه شتان بين احتجاج أم سلمة ﵂ باختيارها، وبين احتجاج عائشة ﵂ بالسنة الثابتة، وقولها لها: أما لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؟ وسكوت أم سلمة ينبئ برجوعها إلى الحق عن احتياطها. (٥)

стр. 464

٢ - ما روي في الأخبار المرفوعة والموقوفة عن عدد من الصحابة؛ كابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" (١)، وهذا ناف لرضاع الكبير، وأنه لا حرمة له. (٢) ٣ - إن أدنى مدة الحمل ستة أشهر، فبقي للفصال حولان. (٣) ٤ - جعل الله تعالى في كتابه أجرَ المرضع على الأب، والأجر على الرضاع لا يكون إلا على ما له مدة معلومة. (٤) ٥ - قول الله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف: ١٥]، وقوله : ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [سورة لقمان: ١٤]؛ فقد قطع الله تعالى أن فصال الرضيع في عامين، وأن رضاعه حولان كاملان؛ لمن أراد أن يتم الرضاعة؛ فلا رضاع بعد الحولين أصلًا؛ لأن الرضاعة قد تمت، وإذا انقطع الرضاع انقطع حكمه من التحريم، وغير ذلك. (٥) ونوقش بما يأتي: أ- صدق الله تعالى، وعلينا الوقوف عند ما حد ، ولو لم يأت نص غير هذا لكان في هذه النصوص متعلق، لكن قد جاء في ذلك ما رويناه عن عائشة أم المؤمنين؛ قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني أرى وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو خليفه؟ فقال رسول الله ﷺ : "أرضيعيه". فقالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: "قد علمت أنه رجل كبير". (٦)

стр. 465

٦ - ما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها رجل (١)، فتغير وجه النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إنه أخي من الرضاعة. فقال رسول الله ﷺ : "انظرن من إخوانكن (٢)؛ فإنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٣)؛ فمعنى قوله: "انظرن من إخوانكن": تأملن ما وقع من ذلك؛ هل هو رضاع صحيح بشرطه؛ من وقوعه في زمن الرضاعة، ومقدار الارتضاع؛ فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط (٤)؛ الأمر الذي دل على أن للرضاع المحرِّم زمنًا معينًا. ٧ - ما روي عن أم سلمة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع، إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام". أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. (٥) ٨ - ما روى عبدالله بن دينار، قال: جاء رجل إلى ابن عمر وأنا معه عند دار القضاء يسأله عن رضاعة الكبير، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: كانت لي وليدة، فكنت أطؤها، فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها، فدخلت عليها، فقالت: دونك؛ فقد والله أرضعتها. فقال عمر بن الخطاب: أوجعها، وائت جاريتك؛ فإنما الرضاع رضاع الصغير. (٦)

стр. 466

٩ - عن ابن عمر أنه كان يقول: لا رضاع إلا لمن أرضع في الصغر. (١) ١٠ - عن أبي موسى ﵁ قال: رضاعة الكبير ما أراها إلا تحرم، فقال ابن مسعود ﵁: انظر ما يفتي به الرجل. فقال أبو موسى: فما تقول أنت؟ فقال: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين. فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم. (٢) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]؛ فاسم الرضاعة تناوله بعد الحولين من جهة اللغة، فوجب أن يدخل في العموم. (٣) ٢ - قول الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وقوله في سياق الآية: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، فدلت هذه الآية على وقوع الرضاع بعد الحولين من وجوه أربعة: أحدها: قوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] , والفاء للتعقيب؛ فجعل إرادة الفصال بعد الحولين، وهذا يقتضي أن يكون حكم الرضاع باقيًا بعد الحولين حتى يريدا الفصال, ثم يفطمانه. الوجه الثاني: إنه ذكر فصالًا منكَّرًا, ولو كان متعلقًا بمضي الحولين؛ لعاد إليه بلفظ التعريف، فيقول: الفصال، فلما ذُكر بلفظ النكرة؛ دل على أنه لم يتناول الحولين. وذلك أن اللفظ إذا أعيد منكراً كان غير الأول، وإذا أعيد معرفًا كان عين الأول، ومنه قول الحق: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [سورة الشرح: ٥ - ٦]؛ فقوبل عسر واحد لتعريف العسرين في الآية بيسرين لتنكيرهما.

стр. 467

الوجه الثالث: إنه علقه بإرادتهما ومشورتهما، ولو كان مقصورًا على الحولين لما كان للإرادة والمشاورة فيه مدخل. الوجه الرابع: قوله الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، فحيث أجاز لهما الاسترضاع بعد الحولين؛ دل على أن الاسم يتناوله. (١) ونوقش بما يأتي: أ- إن هذه الآية تدل على أن حكم الرضاع مقصور على الحولين؛ لأنه قال: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، فأخبر أن الحولين تمامُ الرضاع. (٢) وأجيب عنه: بأنه قد يجوز إطلاق لفظ التمام عليه, والمراد به: مقاربة التمام, كما قدأطلق في الشريعة أن من وقف بعرفة فقد تم حجه, والمراد به مقاربة التمام؛ لأن عليه بعدُ طوافَ الزيارة, وهو فرض من فروض الحج، وكما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [سورة الطلاق: ٢] , والمعنى: مقاربة البلوغ. (٣) كما أجيب: بأنه جائز أن يكون تقدير الحولين لما يلزم الأب من نفقة الرضاع أكثر من حولين متى أراد نقله إلى غذاء الطعام, فيكون تقدير الحولين مستعملًا في هذا الوجه, دون ما يتعلق به حكم التحريم من الرضاع. (٤) ٣ - حديث سالم مولى أبي حذيفة أن النبي ﷺ قال لسهلة بنت سهيل بن عمرو, وهي امرأة أبي حذيفة: "أرضعيه خمس رضعات, ثم يدخل عليك"، وفي رواية: "أرضعي سالماً ليذهب ما في وجه أبي حذيفة من الكراهة" (٥)، بذلك كانت عائشة تأخذ؛ تأمر بنات أخواتها، وبنات إخوتها؛ يرضعن من أحبت عائشة أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيرًا خمس رضعات؛ فصح أن عائشة ﵂ كان يدخل عليها الكبير إذا أرضعته في حال كبره أخت من أخواتها الرضاع المحرم، ونحن نشهد بشهادة الله

стр. 468

ونقطع بأنه تعالى لم يكن ليبيح سر رسول الله ﷺ ؛ ينتهكه من لا يحل له، مع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة المائدة: ٦٧]، فنحن نوقن ونبت بأن رضاع الكبير يقع به التحريم (١). ونوقش بما يأتي: أ- إن سائر نساء النبي ﷺ قلن: لعل هذه الرخصة كانت من رسول الله ﷺ لسالم وحده (٢) , كما خص أبا بردة بن نيار بالجذعة, وأنها لا تجزئ عن أحد بعده (٣)، ولا يكون الإجزاء إلا من واجب؛ لأنه لو لم يكن واجباً لأجزأه الترك, وكانت الجذعة زيادة على الإجزاء، وإذا كان هذا لسالم خاصة، فالخاص لا يكون إلا مُخْرِجًا من حكم العام، وإذا كان مخرجًا من حكم العام فالخاص غير العام، وعند هذا يتعين حمل خبر أبي حذيفة على أنه خاص له دون الناس، كما قال سائر أزواج النبي ﷺ ؛ إذ ليس هو عن مجاعة، ولا فاتقًا للأمعاء. (٤) وأجيبه عنه: بأنه ليس في امتناع سائرهن من أن يدخل عليهن بهذه الرضاعة شيء ينكر؛ لأن مباحًا لهن أن لا يدخل عليهن من يحل له الدخول عليهن. (٥) ب - إنما ذكر فيه ذهاب ما في وجه أبي حذيفة من الكراهة, ولم يذكر فيها التحريم؛ لأنها رأت في وجه أبي حذيفة كراهة من دخول سالم عليها. (٦)

стр. 469

ج - ما وري عن عائشة أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها رجل, قالت: فكأنه تغير لونه, فقلت: يا رسول الله! إنه أخي من الرضاعة. فقال: "انظرن ما إخوانكن؛ إنما الرضاعة من المجاعة" (١). د - ما روى عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه: أن عائشة كانت تأمر بنت عبدالرحمن بن أبي بكر أن ترضع الصبيان, حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالًا. (٢) هـ - إن هذا منسوخ بنسخ التبني (٣)؛ لأن القصة جرت عقيب نزول الآية، والآية نزلت في أوائل الهجرة، والحكم الثاني رواه أحداث الصحابة وجماعة تأخر إسلامهم؛ نحو أبي هريرة، وابن عباس ﵃ وغيرهما، وهذا ظاهر في النسخ لا خفاء به. (٤) وأجيب عنه: بأن النسخ دعوى لا حجة عليها؛ بسبب عدم إمكان إثبات التاريخ المعلوم التأخر بينه وبين تلك الأحاديث، ولو قلبت دعوى النسخ على مدَّعيها كانت نظير دعواهم. وبأن أبا هريرة وابن عباس ﵃ -لم يصرحا بسماعه من النبي ﷺ ، بل لم يسمع منه ابن عباس إلا دون العشرين حديثًا، وسائرها عن الصحابة ﵃ (٥). وبأن عائشة نفسها روت هذا وهذا، فلو كان دليل أحد الوجهتين ناسخًا؛ لأخذت به عائشة، وتركت المنسوخ (٦)، لكنها أخذت بالعام والخاص فيمن شمله معنى التخصيص عندها. وبأن هذا باطل بيقين؛ لأنه لا يحل لأحد أن يقول في نص ثابت: هذا منسوخ؛ إلا بنص ثابت مبين غير محتمل، فكيف وقول سهلة ﵂ لرسول الله ﷺ : كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ بيان جلي؛ لأنه بعد نزول الآيات المذكورات، وباليقين؛ ندري

стр. 470

أنه لو كان خاصة لسالم، أو في التبني الذي نسخ لبينه ﵊ كما بين لأبي بردة في الجذعة إذ قال له: "تجزئك ولا تجزئ أحدًا بعدك". (١) وبأن مآل دعوى النسخ بلا دليل أو قرينة ظاهرة نقض كثير من الأحكام الشرعية التي خص سببها، فإذا خص العام في موضع ما أو حادثة معينة كان الاعتبار بعموم اللفظ لا خصوص السبب. وـ كيف يحل للكبير أن يرضع ثدي امرأة أجنبية؟ (٢) وأجيب عنه: بأن هذا اعتراض مجرد على رسول الله ﷺ الذي أمر بذلك. (٣) وبأن امتصاص الكبير من ثدي الأجنبية ممنوع، لكن لو وقع ترتب عليه حكم التحريم (٤). ز - أما حديث الستر المصون، والحرمة العظيمة، والحمى المنيع؛ فرضي الله عن أم المؤمنين، فإنها وإن رأت أن هذا الرضاع يثبت المحرمية، فسائر أزواج النبي ﷺ يخالفنها في ذلك، ولا يرين دخول هذا الستر المصون، والحمى الرفيع بهذه الرضاعة، فهي مسألة اجتهاد، وأحد الحزبين مأجور أجرًا واحدًا، والآخر مأجور أجرين، وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم الله تعالى ورسوله في هذه الواقعة، فكل من المدخل للستر المصون بهذه الرضاعة، والمانع من الدخول فائز بالأجر، مجتهد في مرضاة الله وطاعة رسوله، وتنفيذ حكمه، ولهما أسوة بالنبيين الكريمين داود وسليمان اللذين أثنى الله عليهما بالحكمة والحكم، وخص بفهم الحكومة أحدهما. (٥) كما يمكن أن يناقش بما يأتي: ح- إن لكل صحابي فقيه بابًا يكثر فيه اجتهاده الذي يخالف فيه عامة الصحابة ﵃، أو يضطرب فيه النقل عنه، وآثار عائشة ناضحة

стр. 471

بالاضطراب في باب الرضاع، وحسبك بهذه المسألة التي روي فيها عن عائشة أكثر من قول كما تقدم. ٤ - قول النبي ﷺ : "الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (١) , وقوله: "الرضاعة ما أنبتَ اللحم وأنشز العظم" (٢)؛ فمتى كان للّبن تأثير في سد الجوعة، وإنشاز العظم, وإنبات اللحم؛ بعد الحولين؛ وجب أن يتعلق به حكم التحريم بعموم اللفظ (٣)؛ لأن للكبير من الرضاعة في طرد المجاعة نحو ما للصغير، فهو عموم لكل رضاع إذا بلغ خمس رضعات كما أمر رسول الله ﷺ (٤). ونوقش بما يأتي: أ- إن سياق الحديث حين رأى معها الرجل الكبير يبين المراد، وأنه إنما يحرِّم رضاعة من يجوع إلى لبن المرأة، والسياق ينزِّل اللفظ منزلة الصريح؛ فتغيُّر وجهه الكريم ﷺ وكراهته لذلك الرجل، وقوله: "انظرن من إخوانكن"؛ إنما هو للتحفظ في الرضاعة، وأنها لا تحرِّمُ كلَّ وقت. (٥) ب - قولكم: إن الرضاعة تطرد الجوع عن الكبير كما تطرد الجوع عن الصغير؛ كلام باطل، فإنه لا يعهد ذو لحية قط يشبعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع، بخلاف الصغير فإنه ليس له ما يقوم مقام اللبن، فهو يطرد عنه الجوع، فالكبير ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلًا، والذي يوضح هذا أنه ﷺ لم يرد حقيقة المجاعة، وإنما أراد مظنتها وزمنها، ولا شك أنه الصغر، فإن أبيتم إلا الظاهرية، وأنه أراد حقيقتها؛ لزمكم أن لا يحرم رضاع الكبير إلا إذا ارتضع وهو جائع، فلو ارتضع وهو شبعان لم يؤثر شيئًا. (٦) ٥ - إن ما فوق الحولين يسمى رضاعًا من طريق اللغة؛ فوجب دخوله في حكم الآية. (٧)

стр. 472

أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس إلى جانب ما تقدم من أدلة ثبوت المحرمية في الحولين على ثبوت المحرمية لما بعد الحولين في الحجابة بما يأتي: ١ - إن متقدمي شيوخنا فعلوه في أهليهم. (١) أدلة القول السادس: استدل أصحاب القول السادس بما يأتي: ١ - ظاهر الآية المتقدمة. (٢) ٢ - إنه مقتضى الحاجة غالبًا. (٣) ٣ - ما روى الترمذي مرفوعًا وصححه: "لا يُحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام" (٤)، فإذا انفصل قبل ذلك واستغنى بالطعام؛ لم يحرم رضاعه إلا بعد ذلك باليسير. (٥) ٤ - إن الشهرين في حكم الحولين. (٦) ونوقش أصحاب هذا القول بما يأتي: أ- ما نعلم أحدًا من أهل العلم قال بشيء من قولكم هذا قبلكم، ولا معكم؛ إلا من قلدكم اتباعًا لهواه، إذ كان فساد القول غير خاف؛ إلا على قول من يقول في النهار: إنه ليل؛ مكابرةً ونصرة للباطل. (٧) ٥ - لما قال الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ دل ذلك على أن هاهنا حولين ناقصين، فكان الاعتبار بعدد بالشمس. ونوقش بما يأتي: أ- جمع هذا القول مخالفة الله ، ومكابرة الحس؛ أما مخالفة الله ، فإنه سبحانه يقول: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة التوبة: ٣٦]؛ فنص تعالى على أن

стр. 473

عدة الشهور عنده هي التي منها أربعة حرم، وأنه في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، وأن ذلك هو الدين القيم، ولا يمكن أن تكون الأشهر الحرم إلا في الأشهر العربية القمرية، فمن خالف ذلك فقد خالف الدين القيم، ونسب إلى الله تعالى الكذب من أنه أمَر أن يراعى عدد الحولين بالعجمية. وأما مكابرة العيان، فإنه ليس بين الحولين الأعجميين المعدودين بالشمس وقطعهما للفلك وبين الحولين العربيين المعدودين بالقمر إلا اثنان وعشرون يومًا، فالزيادة على ذلك إلى تمام شهرين لا ندري من أين أتت، والقطع بالتحريم والتحليل في دين الله بمثل هذا لا يحل. (١) أدلة القول الثاني عشر: استدل أصحاب القول الثاني عشر بما يأتي: أولًا: الدليل على كون الفطام قاطعًا للتحريم في الحولين في غير الحاجة: ١ - قول النبي ﷺ : "لا رضاع بعد فصال" (٢)،

стр. 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 477

وقوله ﵇ الرضاعة من المجاعة" (١)، وذلك أن الصبي إذا فطم - وهو المراد بالفصال - استغنى في العادة بأكل بني آدم؛ فلم يعد الحليب يغني غناءه كالكبير، وإذا كان ذلك كذلك؛ لم تصدق عليه الأوصاف الشرعية لحليب الآدمية المحرم؛ كفتق الأمعاء، وسد الجوعة، ونبات اللحم، ونشوز العظم. ٢ - ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ما كان من رضاع بعد سنتين، أو في الحولين بعد الفطام؛ فلا رضاع ا. هـ، وقال: لا رضاع بعد فصال أو بعد حولين ا. هـ (٢). ٣ - ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا رضاع بعد فصال السنتين ا. هـ (٣)؛ يعني: أنه لا يحرم شيء من الرضاع بعد الفطام الكائن في الحولين. ٤ - ما روي عن عروة بن الزبير أنه قال حين سئل عن الرضاعة بعد الفطام؛ قال: إنما ذلك طعام أكله ليس بشيء ا. هـ (٤) ثانيًا: الدليل على ثبوت الحرمة بالرضاع للكبير عند الحاجة: ١ - قصة سالم مولى أبي حذيفة ﵃ مع زوجة أبي حذيفة ﵄ (٥)، وقد فسرها أزواج النبي ﷺ بأنها رخصة له دون الناس (٦)، وهذا ما يعني أن الأصل عدم التحريم بالرضاع للكبير من سائر الناس؛ إلا من كانت له حاجة، كما كانت لسهلة حاجة. أدلة القول الثالث عشر: لم أعثر لأصحاب هذا القول دليل خاص، لكن يمكن أن يستدل لهم بما يأتي:

стр. 478

١ - ما روي عن أم سلمة؛ قالت: لا رضاع إلا ما كان في المهد قبل الفطام ا. هـ (١) ونوقش بما يأتي: أ- من حد ذلك بما كان في المهد، فكلام لا تقوم بصحته حجة؛ لا من قرآن، ولا من سنة، ولا من إجماع، ولا من قياس، ولا من رواية ضعيفة؛ فسقط هذا القول كما قد سقط قول من حد ذلك بما كان في الصغر؛ فإن الصغر يتمادى إلى بلوغ الحلم؛ لأنه قبل ذلك لا تلزمه الحدود، ولا الفرائض، وهذا حد لا يوجبه قرآن ولا سنة. (٢) أدلة القول الرابع عشر: استدل أصحاب القول الرابع عشر بما يأتي: ١ - ما روي أن رجلًا مص من ثدي امرأته، فدخل اللبن في حلقه، فسأل أبا موسى الأشعري عن ذلك؟ فقال له أبو موسى: حرمت عليك امرأتك، ثم سأل ابن مسعود عن ذلك، قال أبو عطية - ونحن عنده -: فقام ابن مسعود وقمنا معه حتى أتى أبا موسى الأشعري فقال: أرضيعًا ترى هذا؟ إنما الرضاع ما أنبت اللحم والعظم؟ فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم (٣)، فتبين هاهنا أنه إنما يحرم مدة تغذي الرضيع باللبن. (٤) ٢ - قول الله : ﴿فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]. (٥) ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا الدليل لا حجة لكم فيه في التحريم؛ إذ ليس للتحريم في هذه الآية ذكر، ولا في تراضيهما بالفصال تحريم؛ لأن الولد يرتضع (٦) بعد ذلك. إنما فيها انقطاع النفقة الواجبة على الأب في الرضاع، وليس بانقطاع حاجة الصبي إلى الرضاع ينقطع التحريم برضاعه - إن رضع -؛ إذ لم يأت بذلك قرآن، ولا سنة. (٧) ٣ - ما روي عن أم سلمة أم المؤمنين؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام". (٨) ونوقش بما يأتي: أ- إن هذا خبر منقطع؛ لأن فاطمة بنت المنذر لم تسمع من أم سلمة أم المؤمنين؛ لأنها كانت أسن من زوجها هشام باثني عشر عامًا، وكان مولد هشام سنة ٦٠ هـ، فمولد فاطمة على هذا سنة ٤٨ هـ، وماتت أم سلمة سنة ٥٩ هـ، وفاطمة صغيرة لم تلقها؛ فكيف أن تحفظ عنها، ولم تسمع من خالة أبيها عائشة أم المؤمنين شيئًا - وهي في حجرها - إنما أبعد سماعها من جدتها أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين -. (٩) وأجيب: بأن ردكم لحديث أم سلمة تعسف بارد، فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أن فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة، فقد يعقل الصغير جدًّا أشياء ويحفظها، وقد عقل محمود بن الربيع المجة وهو ابن سبع سنين، ويعقل أصغر منه. (١٠) ٤ - ما روي عن علي، عن النبي ﷺ : "لا رضاع بعد الفصال". (١١) ٥ - ما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ولا رضاع بعد الفطام"، وذكر كلامًا كثيرًا. (١٢) ونوقش الدليلان الآنفان بما يأتي: أ- إن هذين الخبرين لا يجوز التشاغل بهما؛ لأن جويبرًا ساقط، والضحاك ضعيف، وحرام بن عثمان هالك بمرة؛ فسقط كل ما تعلقوا به، وبالله تعالى التوفيق. (١٣) - الترجيح: تبين مما تقدم أن أصحاب الحولين، والقائلين برضاع الكبير؛ طرفان، وسائر الأقوال متقاربة (١٤)، والراجح هو اعتبار الحولين ما لم يكن ثم فطام أو استغناء بالطعام،

стр. 479

واعتبار ما بعد الحولين محلًّا للتحريم أيضًا إذا لم يستغن بالطعام عن الحليب، والترخيص لرضاع الكبير عند الحاجة العرفية، وذلك لما تقدم من النصوص الشرعية، وللاعتبارات الآتية: أولًا: إن هذا القول هو الذي تتظافر به الأدلة وتجتمع، وهذا ما يجب المصير إليه مع القدرة؛ من دون تكلف مناقشات غير مستقيمة، أو دعاوي لا دليل يثبتها؛ كالنسخ. ثانيًا: إن شريعة الله تعالى في أحكامه جارية بالنزول عن الشرائط المتقررة عند الحاجة الملحة، أو المصلحة الراجحة، وذلك في أحوال فردية وجزئيات لا ينتظم منها كلي ينقض الأصل؛ فأنت ترى أن الله سبحانه افترض مسح الرأس فيما افترضه من فرائض الوضوء، ولصاحب العمامة أن يمسح عليها دون رأسه رخصةً له، ويصح منه وضوؤه، وترى أن الله تعالى كتب الصلاة في ميقات معلوم، وللمقيم عند الحاجة جمع إحدى الظهرين أو العشائين في وقت الأخرى رخصةً له، وتصح منه الصلاة مع عدم توافر الشرط، وهو دخول الوقت، وترى أن تمام الحول شرطًا لوجوب أداء زكاة الأثمان، وللمزكي تقديم أدائها عن ميقاتها رخصةً لمن احتاجها من المساكين وغيرهم؛ رفقًا بهم وتخفيفًا عليهم، وتصح من مزكيها مع عدم حلول شرط، وهو دوران الحول، وترى البلوغ شرط إجزاء للحج، ومع ذلك صحح الشارع من الصبي الأجر حين حج به والداه. وهكذا فلتكن رضاعة الكبير عند الحاجة التي يختل مع ثبوت التحريم إزاءها شرطُ الحولين؛ رخصةً للمحتاج. ثالثًا: إن عدم التعامل مع حديث سهلة بمرونة يضفي على النظر شيئًا من الظاهرية والقصور، بحيث لا يراعى في أثناء ذلك درء ما يظهر من التعارض بين النصوص الصريحة، ولا تقر بمبدأ جريان الأحكام الشرعية على الشمول الذي يجعلها متسعة لأحوال المسلمين وظروفهم؛ وفق الدليل الصحيح. رابعًا: إن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، أو تجمع بين المتناقضات؛ فبأي حق يفرق بين سالم ومن من وقع موقعه في الحاجة. خامسًا: غذاء بدن الرضيع الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم يتحصَّل منه المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، فإذا فطم الصبي لم يعد الحليب يغنيه ويسد جوعته ولو كان ذلك قبل مضي الحولين، وإذا استغنى الرضيع بالطعام عن الحليب بحيث لا يبقى مع الأخير وصف

стр. 480

سد الجوعة حال الاقتصار عليه؛ لم يكن في الحليب ما ينشز معه عظم الطفل، أو ينبت لحمه. كما أن تمام الحولين لما كان مظنة الافتقار إلى الطعام وعدم الاستغناء بحليب الأم (١)؛ لم يجعل الشارع ما بعدهما مفيدًا لآثار الرضاعة المحرمة. - ثمرة الخلاف: ترتب على هذا الخلاف في هذه المسألة ثمرة في فروع؛ منها: ١ - إذا مصَّ رجل - احتُرِز به عما إذا كان الزوج صغيرًا - ثدي زوجته، فشرب من لبنها؛ لم تحرم عليه (٢)، وهو مقتضى قول الجماهير في الجملة، خلافًا لقول الظاهرية المنسوب إلى بعض الصحابة والتابعين. ٢ - ارتضع صبي في الحولين أربع رضعات، وتم الحولان في خلال الرضعة الخامسة؛ ففي وجه عند الشافعية: لا يثبت التحريم؛ لأنها لم تتم في الحولين (٣)، والوجه الثاني عند الشافعية وهو الأصح عندهم: ثبوته؛ لأن ما يصل إلى الجوف في كل رضعة غير مقدر (٤)، وهذا ما صرح به الحنابلة أيضًا (٥)، غير أن القاضي من الحنابلة (٦) قال: لا يثبت التحريم. وعقب على ذلك ابن قدامة بقوله: لا يصح هذا؛ باعتبار أن ما وجد من الرضعة في الحولين لبن كاف في التحريم؛ بدليل ما لو انفصل مما بعده ا. هـ (٧) ٣ - إذا ارتضع الصبي بعد الحولين بلحظة؛ لم تثبت الحرمة فيما صرح به الحنابلة (٨)؛ لأن شرطه - وهو: كونه في الحولين - لم يوجد. (٩) - سبب الخلاف: يعود الخلاف في هذه المسألة إلى الخلاف في مسائل منها:

стр. 481

١ - القاعدة الفقهية: من وجبت عليه عبادة، فأتى بما لو اقتصر على دونه لأجزأه؛ هل يوصف الكل بالوجوب؟ أو قدر الإجزاء منه؟ (١) فمن وصف الكل بالوجوب؛ اقتضى ذلك منه أن يثبت التحريم بالقدر الزائد على الحولين من الرضعات. ومن اقتصر وصفه الوجوبي على القدر المجزئ - وهو ظاهر اختيار ابن رجب الحنبلي (٢) -؛ لم يثبت التحريم مما يزيد على المدة التي يجب إرضاع المولود فيها. ولإتمام الإفادة من المسألة الآنفة أشير إلى مسائل توضح بعض المصطلحات فيما تقدم من الأقوال والمراد منها، وهي: أولًا: يعتبر الحولان بالأهلة. (٣) ثانيًا: إن انكسر الشهر الأول؛ اعتبر ثلاثة وعشرون شهرًا بعده بالأهلة - على القول المترجح بأن مدة الرضاع المثبت للتحريم حولان -، ويكمل المنكسر ثلاثين من الشهر الخامس والعشرين (٤)؛ فيما صرح به الشافعية، وفيه نظر. ثالثًا: تحسب ابتداء مدة الرضاع المحرِّم من وقت انفصال الولد بتمامه، وقيل: ابتداء الحولين في الرضاع عند ابتداء خروجه؛ فلو خرج نصف الولد، ثم بعد مدة خرج باقيه؛ كان ابتداء الحولين مع ابتداء الخروج. (٥)

стр. 482

المطلب الأول إرضاع السائق لا يزال نظام الرق في الإسلام باقيًا إلا أنه قد انتهى من العالم المعلن في الوقت المعاصر، وهذا ما دعا إلى حاجة الاستئجار إلى أجير خاص يقوم مقام الرقيق في الخدمة، وقد يقوم على خدمة من لا تحل له من النساء؛ فهل رضاع السائق من كفيلته ينشر الحرمة بينهما؟ على وفق ما ترجح في المبحث الآنف؛ فإن حليب الآدمية لا ينشر الحرمة إلى السائق الأجنبي إذْ كان كبيرًا لا يقع غذاؤه بمحض الحليب، ولا يسد له جوعة، لكن لو وجدت حاجة ماسة لدخوله عليها، أو خلوته بها؛ نشر الحرمة. المطلب الثاني إرضاع الخادمة على وفق ما ترجح في المبحث الآنف؛ فإن حليب الآدمية من محارم كفيل الخادمة لا ينشر الحرمة إليها إذ كانت كبيرة لا يقع غذاؤها بمحض الحليب، ولا يسد لها جوعة، أو ينشز عظمًا، لكن لو كان حاجة ماسة لدخولها عليه، أو خلوته بها؛ نشر الحرمة. المطلب الثالث إرضاع اللقيط إذا كان اللقيط في الحولين ولم يفطم بعد؛ فإن إرضاعه يحرِّم باتفاق فقهاء الإسلام (١)، ولكنه إذا كان مفطومًا أو كبيرًا؛ لم تنتشر الحرمة إليه؛ ما لم يدع إلى ذلك حاجة؛ إعمالًا للنصوص، على ما ترجح في المبحث الآنف.

стр. 483

المبحث السادس إرضاع المصابة بالإيدز تعتقد بعض الأمهات أنهن إذا مرضن لا يستطعن إرضاع أطفالهن، ولكن معظم هذه الأمراض العادية؛ كالانفلونزا، والزكام، والإسهال؛ لا يمكن أن تنتقل إلى الطفل عبر الرضاعة الطبَعية. وذلك أن مرض الأم لا يعني خلو الحليب عن الأجسام المضادة التي تساعد الطفل في وقايته من الإصابة بالمرض بإذن الله تعالى. (١) غير أنه طرأت بعض الأمراض الخطيرة التي تهدد حياة المصاب؛ كالإيدز؛ فلزم الكشف عما إذا كان ينتقل بسبيل الإرضاع إلى الطفل أو لا؛ لبيان الأحكام المترتبة على ذلك.

стр. 484

إن كلمة الآيدز (AIS) هي عبارة عن الأحرف الأولى للكلمات التي يتكون منها اسم المرض باللغة الإنجليزية، وهو: (Acquier Immuno eficiency Synnrome). والمعنى: انهيار المناعة المكتسب؛ إذ تنهار لدى المصاب الوسائل الدفاعية التي أودعها الله جسم الإنسان لتدافع عنه؛ فيقع فريسة سهلة لكل الجراثيم، ويصاب بكثير من العلل التي تودي أخيرًا بحياته. وهو ما يعبر عنه في بعض الجهات؛ مثل منظمة الصحة العالمية لمرض الإيدز بأنه: متلازمة العوز المناعي المكتسب؛ فالـ"متلازمة" يراد منها: مجموعة الأعراض المرضية التي تتلازم وتتزامن، و"العوز المناعي" يراد به: النقص الشديد في عناصر المناعة، ويسبب عجز الجسم عن مجابهة الجراثيم، بما في ذلك الجراثيم الانتهازية التي ليس من عادتها أن تسبب المرض للإنسان، و"المكتسب" من وسائل النقل الآتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى، وافترق بذلك عما لا يكتسب مما يكون وراثيًّا، أو بفعل عقار طبي؛ كالكرتوزون. وإذا علم أن الفيروس كائن متطفل؛ لا يستطيع أن يحيا مستقلًّا، وإنما يعيش بالقرصنة على خلايا الجسم التي تعوله؛ فإن العامل المسبب لمرض الإيدز هو فيروس قهقري (١) تم التعرف عليه حديثًا، والفيروس - عمومًا - إذا نشب بخلية من خلايا الجسم؛ فإنه يقتحمها، ولا يتركها حتى يقتلها، وإنه إذا قتلها؛ انتقل إلى خلية أخرى، وهكذا حتى نهاية حياة المريض. لقد سمي الفيروس الذي يسبب المرض بفيروس HIV))، وهو اختصار لتعبير (Human Immune eficiency Virus) , والجدير بالذكر بأنه يمكن أن يبقى الشخص الذي يحمل الفيروس (حامل العدوى) طبَعيًا لا تظهر عليه الأعراض لفترة تتراوح من ستة أشهر إلى عشر سنوات، ولكن بإمكانه أن ينقل العدوى للآخرين، وبعد انتقال الفيروس إلى الإنسان ببضعة أشهر ينتج الجسم أجسامًا مضادة للفيروس يمكن اكتشافها بواسطة اختبار نقل الدم.

стр. 485

وقد بات مرض الإيدز نكسة أليمة وموجعة في القرن العشرين، ومعضلة طبية كبرى للمجتمعات، وشرًّا مستطيرًا داهم الأمم والشعوب، ومشكلة عالمية تمثل تهديداً للبشرية، وصفه بعضهم بأن البشرية لم تواجه في تاريخها كله مثله وباءً؛ منذ أن ظهر بواره عام ١٩٨١ م في أوائل علم الناس به. (١) ويمكن القول بأن هذا المرض الخطير يواصل طريقه لهلاك الشخص المصاب في مراحل عدة، وهي: (٢) مرحلة العدوى عند حمل الفيروس بلا أعراض ظاهرة سوى الطفح الجلدي لدى بعض المصابين مع ألم وكحة لمدة أسبوعين تقريبًا حتى تختفي، ثم مرحلة الكمون التي تمتد لعدة أشهر أو سنوات تصل إلى اثنتي عشرة سنة؛ حيث يستغل الفيروس هذه الفترة للتكاثر ومهاجمة الخلايا المناعية الليمفاوية حتى ينقص عددها بشكل يكون الحال معه حرجًا لا يزال فيه المصاب قليل الشكوى إلا ما ندر، ثم مرحلة ما قبل الإيدز حين تظهر تلك العلامات المرضية المختلفة المتشابهة مع غيرها من أعراض الأمراض الأخرى؛ كالإجهاد، وارتفاع درجة الحرارة، والإسهال المزمن، والعرق الغزير عند النوم، وتضخم الغدد اللمفاوية، والالتهابات المتكررة في أماكن متعددة، وغير ذلك؛ مما لا يمنع العلاج تكرر حدوثه وإن أخفى أعراضه إذ كان الفيروس كامنًا في الجسم، ثم مرحلة الإيدز التي تتسم بالأعراض ذات الوطأة الشديدة على المصاب بحيث تلزمه الفراش وتمنعه من أداء الأنشطة اليومية، وهذا ما يميز هذه المرحلة، إلى جانب ما يكتنفها من أمراض الجراثيم الانتهازية والأورام الخطيرة بسبب تدمير الفيروس الخلايا الأساسيةَ المنظمة للجهاز المناعي والمتحكمة به، ولذلك؛ كانت الوفاة

стр. 486

هي المصير الغالب الذي ينتهي إليه المرض، مع الإقرار بأن العلاج المتوافر في السنوات الأخيرة مكن الأطباء من التحكم بنشاط الفيروس وتكاثره؛ الأمر الذي بات معه المرضى يعيشون لسنوات طويلة في ظل أعراض أقل ظهورًا على الجزء الخارجي وأخف تأثيرًا على مستوى النشاط اليومي، وحيث كانت كمية الفيروس عالية جدًّا في هذه المرحلة ومرحلة العدوى؛ فقد كان احتمال انتقال الفيروس كبيرًا. وفي الجملة؛ تعود خطورة مرض الإيدز إلى الأسباب الآتية: ١ - تدمير فيروس الإيدز لجهاز المناعة عند الإنسان. يدخل أجسادنا أعداد لا تحصى من الجراثيم والميكروبات في كل يوم، ولكننا لا نمرض بفضل جهاز المناعة الذي زود الله به أجسامنا؛ حيث يقوم بحماية جسم الإنسان من الفيروسات والجراثيم التي تغزوه. غير أن لفيروس الإيدز القدرةَ على تغيير شكل غلافه الخارجي؛ الأمر الذي ينجو به من ملاحقة جهاز المناعة. وعندما ينجح فيروس الإيدز بتحطيم جهاز المناعة، فإن الجراثيم المختلفة تجد سبيلها لغزو الجسم المريض. وهنا تبدأ المرحلة التي إليها تنتهي حياة كل مريض بالإيدز؛ حيث يفقد عشر وزنه في شهر واحد أو أكثر، كما قد يصاب بالخمول، والقلق، والغثيان، والصداع، والإسهال، والطفح الجلدي المصاحب بحكة شديدة، والهربس التناسلي، والسل، وسرطان كابوسي، وقد يصل الفيروس إلى المخ؛ فيلتهب الدماغ، ويصاب بالعته، إلى غير ذلك من الأمراض والأعراض التي لا نهاية لها. وكان من آثار إصابته بهذه الأمراض - كالسل مثلًا - انتقاله إلى غيره عبر الرذاذ الناشئ من سعال المريض؛ حيث دلت الإحصائيات أن المصابين بالإيدز والسل بلغ عددهم حتى عام ١٩٩٣ م أربعةَ ملايين؛ على أن الأطباء ظنوا أنه في طريقه للانقراض، على حين إن مرض الإيدز لا ينتقل من المصابين بمحض الجلوس معهم وتكليمهم والتسليم عليهم، أو مصافحتهم، وغير ذلك مما يكون عبر الهواء. ٢ - عدم وجود دواء يقضي على هذا الفيروس. ٣ - توافر خاصية الوبائية فيه، بإزاء سرعة الانتشار.

стр. 487

لفت هذا المرض أنظار العلماء في عام ١٩٨١ م حين كان عدد المصابين به عشراتٍ، حتى اتسعت دائرته ليصبح عدد المصابين به بضعة ألوف، حتى أعلنت منظمة الصحة العالمية في مؤتمرها التاسع الذي عقدته في الثلث الأخير من عام ١٩٩٣ م في برلين بألمانيا؛ أن عدد المصابين به بلغ أربعة عشر مليونًا، بينهم مليون طفل. ٤ - المظهر المخادع للمصاب بالإيدز. قد يبدو المصاب بالإيدز سويًّا سليمًا قويًّا، وهو مع ذلك يكون معديًا بالمرض ناقلًا له، وقد تمتد هذه الحالة إلى عدة سنوات؛ الأمر الذي يجعل الآخرين يتعاملون مع المصاب من غيرما حذر. وهنا أشير إلى أن فيروس العوز المناعي لا ينتقل بالاتصال العارض بين شخص وآخر، ولا بواسطة الحشرات الماصة للدماء؛ كالبعوض، ولا بالطعام، أو الماء ووسائل تعاطيه، ولا بالعطاس، ولا السعال، ولا الدموع، ولا العرق، ولا عن طريق دورات المياه، ولا البول في حمامات السباحة، ولا بالمشاركة في استعمال أدوات الطعام والشراب، والملابس والواقية، وأجهزة الهاتف، واللعب، والكتب، والأثاث، وملابس الرياضة، وسائر الملابس المستعملة. وهذا مع كون الدراسات أثبتت أن فيروس الإيدز يوجد في كل سوائل جسم المريض أو حامل الفيروس؛ كالدم، والمني، والسائل المهبلي، وحليب الأم، والقيء، والبول، واللعاب، والدموع، إلى جانب أنسجة الجسم وأعضائه، وهذا الترتيب بحسب تركز الفيروس ابتداء من الأكثر إلى الأقل. وأما طرق انتقال العدوى؛ فتكون بالاتصال الجنسي، ونقل الدم أو العضو أو النسيج، واستخدام إبرة محقونة بالفيروس أو في صاحب الفيروس، وكذا سائر الأدوات التي تخرق الجسم أو تختلط بسوائله من شفرات الحلاقة وفرشاة المعجون وأدوات الوشم وكي الشعر، وأثناء الحمل أو الولادة أو الرضاعة. وما يعنينا هنا، هو: انتقال الفيروس إلى الرضيع بالرضاعة الطبَعية، وإذا كانت الأم مصابة بالفيروس فيمكن أن ينتقل إلى الطفل بالأسباب الآتية ابتداءً بأكثرها احتمالًا: أولًا: داخل الرحم؛ أثناء الحمل. ثانيًا: أثناء الولادة. ثالثًا: من خلال الرضاعة. وبدون التدخلات الوقائية، سيصاب ما يقرب من ثلث الأطفال المولودين لأمهات يحملن فيروس الإيدز عن طريق انتقاله من الأم إلى الطفل خلال فترة الحمل أو الولادة، أو أثناء فترة الرضاعة الطبَعية. وفي عام ٢٠٠١ م؛ أصيب ٨٠٠,٠٠٠ طفل تقل أعمارهم عن ١٥ سنة بفيروس الإيدز، أكثر من ٩٠% منهم عن طريق انتقال الفيروس من الأم إلى طفلها، ويصاب بالفيروس بين ١٥ - ٢٥% من الأطفال الذين يولدون لأمهات مصابات بالفيروس أثناء الحمل أو الولادة، في حين يصاب ١٥% من الأطفال من خلال الرضاعة الطبعية. وقد أكدت كثير من الدراسات وجود فيروس الإيدز في لبن الأم، وجاء ذلك في إحصائيات تقول: إن فيروس الإيدز ينتقل إلى قرابة ٥ - ٢٠% من الرضَّع الذين يولدون لأمهات مصابات بالفيروس بوسطة حليب الأم إذا رضع الطفل لمدة عامين، وقد اكتشفت أول حالة إصابة طفل بالإيدز بسبب رضاعة الحليب من ثدي الأم في سيدني باستراليا عام ١٩٨٥ م (١)؛ الأمر الذي جعل الرضاع من الأم المصابة أحد وسائل نقل المرض. في حين إن أبحاثًا أشارت إلى كون دور حليب الأم في نقل المرض إلى الرضيع بعد الولادة لا يزال غير معروف تمامًا. (٢) وتوسط فريق، فقال: إن انتقال فيروس الإيدز بواسطة الرضاع ممكنة (٣)؛ إلا أنها أقل أهمية في مقابل العدوى التي تكون في داخل الرحم، والتي تعد أكثر أهمية من ناحية إصابة

стр. 488

الطفل بالإيدز، وكذلك الشأن فيما بعد الولادة؛ نتيجة الالتصاق والصلة الحميمية بينه وبين الأم. ومن هنا انقسم الأطباء في إرضاع الأم المصابة بفيروس الإيدز لطفلها إذا ولد سليمًا، إلى رأيين: الرأي الأول: عدم إرضاع الطفل رضاعة طبعية من أمه، ووجوب امتناعها من رضاعه وحضانته؛ لأن عدوى الإيدز قد تنتقل له من خلال الرضاعة؛ سواء من لبن الأم، أو من الجروح والقروح التي تتكون بعض الأحيان حول حلمة الثدي، كما قد تنتقل نتيجة الالتصاق والصلة الحميمية. (١) ويستعاض عن الرضاعة الطبعية بامرأة صحيحة تقوم مقام الأم، أو بالتغذية الصناعية والحليب الصناعي. (٢) وهذا ما أكده أكثر الأطباء؛ حيث قد وقع في سيدنس باستراليا أول حالة إصابة طفل بالإيدز بسبب الإرضاع من الثدي عام ١٩٨٥ م (٣)، وهو لا يعني نفي كون العدوى بعد الولادة أقل أهمية مما كانت عليه قبل، وأنها نطاقها غير واسع إذا ما قورن بحجم انتقال العدوى في الرحم أثناء الحمل، أو في أثناء الولادة. (٤) الرأي الثاني: إنه بالإمكان إرضاع الأمهات الحاملات لفيروس الإيدز لأولادهن دون أن يواجهن مخاطر نقل الفيروس إليهم إلا بنسبة قليلة تقدر من ١ - ٢%؛ عن طريق الاستعانة بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية (٥) لكل من الأم المصابة بفيروس الإيدز وطفلها الرضيع

стр. 489

المعرض لاكتساب ذلك الفيروس؛ الأمر الذي يسهم بقدر وافر في الحد من مخاطر سراية الفيروس عن طريق الرضاعة الطبَعية، على أن تكون الرضاعة الطبعية خالصة خلال الأشهر الأولى من عمر الطفل. وفي هذا قررت منظمة الصحة العالمية واليونسيف أن فيروس العوز المناعي البشري - وإن كان انتقاله في الرضاعة الطبعية لا ينكر - يتطلب مزيدًا من البحوث من أجل تقدير احتمالات العدوى بالفيروس من خلال الرضاعة الطبعية. لكن عندما يكون استبدال التغذية مقبولًا ومجديًا وغير مكلف ومستديمًا وآمنًا، فإنه والحالة هذه يوصي أصحاب هذا الرأي بتجنب جميع حالات الإرضاع من الثدي من قبل الأمهات المصابات بالفيروس. (١) كما جاء في بحث معلومات أساسية عن مرض الإيدز: إن لبن الأم المصابة متى لم يوجد ظئر آخر بديل؛ فإنه لا يعدل عنه إلى الحليب المجفف، ولا سيما في المناطق الموبوءة حفاظًا على الطفل؛ لأن احتمال إصابته بمرض الإيدز أقل من احتمال تعرضه للأوبئة عند تناوله غير اللبن الطبيعي ا. هـ (٢) والظاهر - والله تعالى أعلم - من خلال بعض الدراسات الطبية المحررة أن انتقال الميكروب عن طريق الثدي وامتصاص الدم لما كان أقل احتمالًا من الأسباب الأخرى؛ كالالتصاق، والصلة الحميمية بينه وبين أمه؛ درج كثير من أهل الاختصاص على الأهم ضاربين الصفح عما دون ذلك من الاحتمالات والذرائع الجانبية والوسائل والعوامل المساعدة، ولو بالبحث والتدقيق. (٣)

стр. 490

ولذلك؛ يمكن القول بأن خلاصة رأي الأطباء والمختصين هو ما جاء في توصيات البيان الختامي لندوة رؤية إسلامية للمشكلات الاجتمعية لمرض الإيدز (١) إلى وجود الاحتمال، وأن الانتقال بواسطة الرضاع ممكن. على أن احتمال انتقال المرض بواسطة الرضاع يزداد بازدياد مدة الرضاع؛ فهو ينتقل بنسبة ٦ - ١٨%؛ إذا كانت مدة الرضاع حولين كاملين، وتقل كلما قلت مدة الرضاع؛ لأن معدل احتمال انتقال المرض ٠,٧% لكل شهر من الرضاع. وإذ كان ذلك كذلك، فقد توجه الرأي الطبي إلى منع الرضاع من المصابة بمرض الإيدز سوى بعض الحالات والعوارض الاستثنائية. يوضح ذلك ما أدلى به استشاري الأمراض المعدية د. هشام فلمبان، حيث يقول (٢): رضاع السليم من المصابة غير مسموح به، ويجب منعه؛ إلا في بعض الأماكن الفقيرة الشديدة الفقر، والأوبئة المنتشرة، ولا يتوفر بديل؛ لأن لبن الأم يقي بإذن الله تعالى من النزلات المعدية ونحوها ا. هـ أما إذا كان المرضع والمرتضع مصابين، فقد جاء في بحوث ندوة رؤية إسلامية للمشكلات الاجتماعية لمرض الإيدز: وأما إذا ثبت أن الطفل مصاب بالإيدز كذلك؛ فلا حرج من إرضاعه من أمه ابتداءً ا. هـ (٣) وفي لقاء أجراه فضيلة الشيخ د. راشد الشهري (٤) مع استشاري الأمراض المعدية د. هشام فلمبان، يقول: "إن ذلك لا بأس به، وينبغي أن تكون الأم واعية، وتستخدم العلاج كما يوصي به الطبيب، وأن تظهر استجابتها للعلاج؛ بواسطة التحاليل ا. هـ فأما إن كانت المرضع سليمة والإصابة بالفيروس في المرتضع؛ فمن الواضح سلامة لبن المرضع، لكن المعاشرة والمخالطة ممكنة وسائغة ولا تؤثر سلبًا وفق رأي كثير من الأطباء (٥)،

стр. 491

وأثار بعضهم مشكلة عض الطفل لأمه أثناء الرضاع المقتضي للجرح، والجرح يعني نقل المرض إليها؛ حيث جاء في مناقشات ندوة رؤية إسلامية للمشكلات الاجتماعية لمرض الإيدز بعد الحديث عن قضية العض عن طفلين؛ أن أحدهما - وهو المصاب بالعدوى - كان يعض أخاه باستمرار، وقد انتقلت لأخيه العدوى منه، ولم يتوصلوا إلى سبب آخر لإصابة هذا الطفل؛ إلا أن أخاه كان يعضه مرات كثيرة - وكان مصابًا بالعدوى -؛ فمن الممكن إن كان عضًّا عميقًا ومتكررًا بحيث يصل من خلاله اللعاب طريقه إلى الدم أن ينقل العدوى، وفترة الكمون لا تختفي فيها الفيروسات من الدم. (١) كما يشير آخرون إلى أن الالتصاق والصلة الحميمية بينهما قد ينتج عنه الإصابة إذا لم تراع الأم الأساسيات البسيطة لنقل العدوى؛ كأن لا تلامس أغشيته المخاطية عند إصابة الرضيع بجرح (٢)، ومن أهم العوامل التي تؤدي إلى الحد من خطر انتقال فيروس الإيدز بواسطة الرضاعة الطبيعة: ١ - أن تكون فترة الرضاعة الطبَعية قصيرة؛ حيث تشكل الرضاعة الطبَعة لمدةستة أشهر ثلث خطر الرضاعة الطبعية تقريبًا التي تمتد إلى سنتين. ٢ - أن تكون الرضاعة الطبَعية الخالصة في الأشهر الأولى؛ حيث تفصح بعض الدراسات المناعية عن وجود عوامل في حليب البشر, وخاصة حليب الأم المصابة بفيروس الإيدز, تهاجم الخلايا التي تسهم في انتقال الإصابة بفيروس الإيدز مباشرة, وقد أظهرت دراسة أجريت في ديربان؛ جنوب أفريقيا؛ أن الاقتصار على الرضاعة الطبَعية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من حياة الرضيع تقلل من خطر انتقال الفيروس من الأم إلى طفلها. ٣ - الحرص على الوقاية والعلاج من مشاكل الثدي؛ حيث يرتبط التهاب الثدي وتشقق الحلمات وغيرها من أسباب التهاب الثدي بتزايد مخاطر انتقال فيروس الإيدز.

стр. 492

٤ - الوقاية من الإصابة بفيروس آخر للإيدز خلال الرضاعة الطبَعية؛ لأن الحمولة الفيروسية لدى الأم تزداد بعد فترة وجيزة من حدوث إصابة جديدة تؤدي إلى زيادة خطر انتقال العدوى إلى الطفل. ٥ - العلاج المبكر للقروح أو التقرحات التي تظهر في فم الرضيع؛ حيث تسهّل القروح في فم الرضيع دخول الفيروس إلى جسم الرضيع. وفي هذا الصدد تجب مقارنة خطر الإصابة بفيروس الإيدز بخطر الإصابة بالمرض والوفاة بسبب عدم الرضاعة الطبعية؛ فالرضاعة الطبعية تقي من الوفيات الناجمة عن الإسهال، وأمراض الجهاز التنفسي، وغيرها من الأمراض. وبخاصة في الأشهر الأولى من عمر الطفل. كما توفر الرضاعة الطبعية التغذية الضرورية والمكونات ذات الصلة, فضلًا عما تحفزّه للنماء النفسي والعصبي الجيد, وتسهم في المباعدة بين الولادات. (١) وتمتد آثار مرض الإيدز على الحياة الاقتصادية والاجتماعية أيضًا إلى جانب القوى الفاعلة، وذلك أن الإيدز عندما باجتياح العالم أصاب البشر ذعر شديد، وخرج الشاذون جنسيًّا في مظاهرات صاخبة معلنين سخطهم على هذا المرض؛ حتى بذلت دولهم الأموال بسخاء للباحثين والدارسين، ولم تبخل على مرضى الإيدز بالرعاية؛ إلا أن الإحصائيات أشارت أن كل مريض يكلف الدولة ستين ألف دولار - على الأقل -. هذا، وقد احتل مرضى الإيدز في بعض الدول الإفريقية الموبوءة بهذا المرض؛ خمسة وسبعين بالمئة من عدد المرضى في العالم. وأما على صعيد المجتمعات والأسر، فالإحصائيات في عام ٢٠٠٢ م تقول: إن الأطفال الذين فقدوا آباءهم في إفريقية بسبب مرض الإيدز، وغدوا يُتَّمًا بحاجة إلى رعاية وعناية؛ يزيدون على أحد عشر مليونًا، وهناك ما يقرب من ثلاثة ملايين طفل دون سن الرابع عشرة مصابين بالإيدز، كما يعيش عدد كبير من الأطفال الآخرين مع آباء مصابين بالفيروس لم يعد بوسعهم توفير الغذاء لأسرهم. ولا يزال انتشار فيروس الإيدز قويًّا؛ إذ يصاب سبعةُ آلاف طفل وشاب صغير يوميًّا.

стр. 493

كما تثبت الدراسات العلمية التي تتابع المرض وتدرس انتشاره؛ أنه يتجه إلى القوى الفاعلة في المجتمعات الإنسانية؛ فيفتك بها؛ إذ إن أكبر معدلات الإصابة به تحدث في الفئة العمرية (٢٠ - ٢٤) عامًا، ثم في الفئة العمرية (١٥ - ١٩) عامًا، ثم (٢٥ - ٢٩) عامًا. (١) وحيث إنه قدر أن ٨٠٠,٠٠٠ طفل دون الخامسة عشر من العمر كانوا قد أصيبوا بفيروس الإيدز في عام ٢٠٠١ م؛ ٩٠% منهم بواسطة انتقال الفيروس من الأم إلى طفلها؛ فقد لزم بيان حكم إرضاع الأم المصابة بالإيدز بعد استيفاء المعطيات الكافية، وخصوصًا أن الدراسات تشير إلى أن فيروس الإيدز ينتقل إلى قرابة ٥ - ٢٠% من الرضع الذين يولدون لأمهات مصابات بالفيروس بواسطة حليب الأم إذا رضع الطفل لمدة عامين؛ حيث يصاب في كل سنة ٢٠٠.٠٠٠ رضيع بالفيروس؛ بهذه الطريقة، وفي الوقت نفسه؛ إذا لم تُرضع الأم طفلها، فإن نسبة إمكانية تعرض الرضيع للوفاة خلال الشهر أو الشهرين الأولين من حياته بسبب الأمراض المعدية كالإسهال والتهابات الجهاز التنفسي تتجاوز تلك النسبة بست مرات، وذلك أن الرضاعة الطبعية من الأم المصابة بفيروس الإيدز إذا كانت تؤدي إلى زيادة خطر انتقال الفيروس إلى الطفل بنسبة تصل إلى ١٥%؛ فإن إعطاء بدائل حليب الأم عوضًا عن حليب الأم يزيد من خطر الإصابة بنسبة ست مرات تقريبًا خلال الشهرين الأولين، بسبب الأمراض المعدية المذكورة آنفاً؛ كالإسهال، والتهابات الجهاز التنفسي. ومما يزيد الأمر تعقيدًا؛ أن الغالبية العظمى من النساء المصابات بفيروس الإيدز في البلدان النامية لا يعرفن حالتهن بالإصابة بالفيروس، إلى جانب الفقر أو الضغوط الاجتماعية؛ فقد تفتقر الأم إلى المياه النظيفة اللازمة لكي تحضّر بدائل حليب الأم بشكل سليم وآمن، كما أن

стр. 494

البدائل قد تكون مكلفة جدًّا، أو قد تعيش في منطقة بعيدة بحيث لا تتمكن من الحصول على البدائل باستمرار. وإلى جانب الإيدز، فهناك حالات معاصرة يمتنع على الأم إرضاع ولدها في أثنائها: ١ - التدخين. يجب على المرضع عدم التدخين؛ إذ إن تبغ السجائر يحتوي على مادة مخدرة تدعى: النيكوتين؛ تنتقل إلى حليب الأم، وتؤثر على كمية الحليب المتوافرة. كما أن خطر الموت المفاجئ يصبح أكبر في حال ما إذا كانت الأم تدخن، أو عندما يكون الطفل عرضة للتدخين السلبي، إلى جانب المضاعفات الأخرى للتدخين السلبي؛ من الالتهابات التنفسية، والتهابات الأذن لدى الأطفال. (١) ٢ - الكحول. تصل الكحول إلى الطفل عبر حليب الأم، وقد تبين أنه يصل إلى قمة التركيز بعد ٣٠ - ٦٠ دقيقة من تناوله، أو ٦٠ - ٩٠ دقيقة؛ في حال تناوله مع الطعام، ويتعلق التأثير المباشر للكحول بكمية الكحول التي تستهلكها الأم، ويمكن له التأثير على منعكس تناول الحليب، ومنعكس إفراز الحليب، كما أنه يؤذي التطور الحركي لدى الطفل، ويورث تباطؤًا في زيادة الوزن. (٢) ٣ - المخدرات. فيجب على المرضع عدم تعاطي المخدرات. (٣) ٤ - الأدوية. معظم الأدوية تنتقل في حليب الأم بكميات صغيرة، ويجب التحدث مع الأخصائي قبل تناول أي دواء. (٤)

стр. 495

المطلب الأول حكم إرضاع المصابة بالإيدز الأصل في الشريعة أن الضرر يدفع بقدر المستطاع، وفي خصوص حليب الآدمية يقول ابن حزم ت ٤٥٦ هـ: إذا كان للوالدة لبن يضر بالمولود، فعلى الوالد حينئذ أن يسترضع له غيرها ا. هـ (١)، ثم قال: أو كانت مريضة أو أضر به لبنها، ولا مال لها. ا. هـ، وقرر الحكم نفسه (٢)، ثم استدل بقول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا وَلَا مَوْلُوْدٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] (٣)، وقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: ٢]، والأمر بالرحمة في قول النبي ﷺ : "من لا يَرحم لا يُرحم" متفق عليه (٤). كما يمكن أن يستدل له بقول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار". (٥) بل في شؤون الحضانة بشكل عام والتي تتفرع عنها الرضاعة يقرر الفقهاء منع المصابة بالمرض المعدي من الحضانة التي تشتمل على الرضاعة (٦)، ومن ذلك ماجاء في حاشية الدسوقي (٧) عند بيان شروط الحاضنة: وعدم جذام مضر ريحه أو رؤيته, وكل عاهة مضرة
следующие страницы →