← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأثار بعضهم مشكلة عض الطفل لأمه أثناء الرضاع المقتضي للجرح، والجرح يعني نقل المرض إليها؛ حيث جاء في مناقشات ندوة رؤية إسلامية للمشكلات الاجتماعية لمرض الإيدز بعد الحديث عن قضية العض عن طفلين؛ أن أحدهما - وهو المصاب بالعدوى - كان يعض أخاه باستمرار، وقد انتقلت لأخيه العدوى منه، ولم يتوصلوا إلى سبب آخر لإصابة هذا الطفل؛ إلا أن أخاه كان يعضه مرات كثيرة - وكان مصابًا بالعدوى -؛ فمن الممكن إن كان عضًّا عميقًا ومتكررًا بحيث يصل من خلاله اللعاب طريقه إلى الدم أن ينقل العدوى، وفترة الكمون لا تختفي فيها الفيروسات من الدم. (١) كما يشير آخرون إلى أن الالتصاق والصلة الحميمية بينهما قد ينتج عنه الإصابة إذا لم تراع الأم الأساسيات البسيطة لنقل العدوى؛ كأن لا تلامس أغشيته المخاطية عند إصابة الرضيع بجرح (٢)، ومن أهم العوامل التي تؤدي إلى الحد من خطر انتقال فيروس الإيدز بواسطة الرضاعة الطبيعة: ١ - أن تكون فترة الرضاعة الطبَعية قصيرة؛ حيث تشكل الرضاعة الطبَعة لمدةستة أشهر ثلث خطر الرضاعة الطبعية تقريبًا التي تمتد إلى سنتين. ٢ - أن تكون الرضاعة الطبَعية الخالصة في الأشهر الأولى؛ حيث تفصح بعض الدراسات المناعية عن وجود عوامل في حليب البشر, وخاصة حليب الأم المصابة بفيروس الإيدز, تهاجم الخلايا التي تسهم في انتقال الإصابة بفيروس الإيدز مباشرة, وقد أظهرت دراسة أجريت في ديربان؛ جنوب أفريقيا؛ أن الاقتصار على الرضاعة الطبَعية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من حياة الرضيع تقلل من خطر انتقال الفيروس من الأم إلى طفلها. ٣ - الحرص على الوقاية والعلاج من مشاكل الثدي؛ حيث يرتبط التهاب الثدي وتشقق الحلمات وغيرها من أسباب التهاب الثدي بتزايد مخاطر انتقال فيروس الإيدز.

стр. 492

٤ - الوقاية من الإصابة بفيروس آخر للإيدز خلال الرضاعة الطبَعية؛ لأن الحمولة الفيروسية لدى الأم تزداد بعد فترة وجيزة من حدوث إصابة جديدة تؤدي إلى زيادة خطر انتقال العدوى إلى الطفل. ٥ - العلاج المبكر للقروح أو التقرحات التي تظهر في فم الرضيع؛ حيث تسهّل القروح في فم الرضيع دخول الفيروس إلى جسم الرضيع. وفي هذا الصدد تجب مقارنة خطر الإصابة بفيروس الإيدز بخطر الإصابة بالمرض والوفاة بسبب عدم الرضاعة الطبعية؛ فالرضاعة الطبعية تقي من الوفيات الناجمة عن الإسهال، وأمراض الجهاز التنفسي، وغيرها من الأمراض. وبخاصة في الأشهر الأولى من عمر الطفل. كما توفر الرضاعة الطبعية التغذية الضرورية والمكونات ذات الصلة, فضلًا عما تحفزّه للنماء النفسي والعصبي الجيد, وتسهم في المباعدة بين الولادات. (١) وتمتد آثار مرض الإيدز على الحياة الاقتصادية والاجتماعية أيضًا إلى جانب القوى الفاعلة، وذلك أن الإيدز عندما باجتياح العالم أصاب البشر ذعر شديد، وخرج الشاذون جنسيًّا في مظاهرات صاخبة معلنين سخطهم على هذا المرض؛ حتى بذلت دولهم الأموال بسخاء للباحثين والدارسين، ولم تبخل على مرضى الإيدز بالرعاية؛ إلا أن الإحصائيات أشارت أن كل مريض يكلف الدولة ستين ألف دولار - على الأقل -. هذا، وقد احتل مرضى الإيدز في بعض الدول الإفريقية الموبوءة بهذا المرض؛ خمسة وسبعين بالمئة من عدد المرضى في العالم. وأما على صعيد المجتمعات والأسر، فالإحصائيات في عام ٢٠٠٢ م تقول: إن الأطفال الذين فقدوا آباءهم في إفريقية بسبب مرض الإيدز، وغدوا يُتَّمًا بحاجة إلى رعاية وعناية؛ يزيدون على أحد عشر مليونًا، وهناك ما يقرب من ثلاثة ملايين طفل دون سن الرابع عشرة مصابين بالإيدز، كما يعيش عدد كبير من الأطفال الآخرين مع آباء مصابين بالفيروس لم يعد بوسعهم توفير الغذاء لأسرهم. ولا يزال انتشار فيروس الإيدز قويًّا؛ إذ يصاب سبعةُ آلاف طفل وشاب صغير يوميًّا.

стр. 493

كما تثبت الدراسات العلمية التي تتابع المرض وتدرس انتشاره؛ أنه يتجه إلى القوى الفاعلة في المجتمعات الإنسانية؛ فيفتك بها؛ إذ إن أكبر معدلات الإصابة به تحدث في الفئة العمرية (٢٠ - ٢٤) عامًا، ثم في الفئة العمرية (١٥ - ١٩) عامًا، ثم (٢٥ - ٢٩) عامًا. (١) وحيث إنه قدر أن ٨٠٠,٠٠٠ طفل دون الخامسة عشر من العمر كانوا قد أصيبوا بفيروس الإيدز في عام ٢٠٠١ م؛ ٩٠% منهم بواسطة انتقال الفيروس من الأم إلى طفلها؛ فقد لزم بيان حكم إرضاع الأم المصابة بالإيدز بعد استيفاء المعطيات الكافية، وخصوصًا أن الدراسات تشير إلى أن فيروس الإيدز ينتقل إلى قرابة ٥ - ٢٠% من الرضع الذين يولدون لأمهات مصابات بالفيروس بواسطة حليب الأم إذا رضع الطفل لمدة عامين؛ حيث يصاب في كل سنة ٢٠٠.٠٠٠ رضيع بالفيروس؛ بهذه الطريقة، وفي الوقت نفسه؛ إذا لم تُرضع الأم طفلها، فإن نسبة إمكانية تعرض الرضيع للوفاة خلال الشهر أو الشهرين الأولين من حياته بسبب الأمراض المعدية كالإسهال والتهابات الجهاز التنفسي تتجاوز تلك النسبة بست مرات، وذلك أن الرضاعة الطبعية من الأم المصابة بفيروس الإيدز إذا كانت تؤدي إلى زيادة خطر انتقال الفيروس إلى الطفل بنسبة تصل إلى ١٥%؛ فإن إعطاء بدائل حليب الأم عوضًا عن حليب الأم يزيد من خطر الإصابة بنسبة ست مرات تقريبًا خلال الشهرين الأولين، بسبب الأمراض المعدية المذكورة آنفاً؛ كالإسهال، والتهابات الجهاز التنفسي. ومما يزيد الأمر تعقيدًا؛ أن الغالبية العظمى من النساء المصابات بفيروس الإيدز في البلدان النامية لا يعرفن حالتهن بالإصابة بالفيروس، إلى جانب الفقر أو الضغوط الاجتماعية؛ فقد تفتقر الأم إلى المياه النظيفة اللازمة لكي تحضّر بدائل حليب الأم بشكل سليم وآمن، كما أن

стр. 494

البدائل قد تكون مكلفة جدًّا، أو قد تعيش في منطقة بعيدة بحيث لا تتمكن من الحصول على البدائل باستمرار. وإلى جانب الإيدز، فهناك حالات معاصرة يمتنع على الأم إرضاع ولدها في أثنائها: ١ - التدخين. يجب على المرضع عدم التدخين؛ إذ إن تبغ السجائر يحتوي على مادة مخدرة تدعى: النيكوتين؛ تنتقل إلى حليب الأم، وتؤثر على كمية الحليب المتوافرة. كما أن خطر الموت المفاجئ يصبح أكبر في حال ما إذا كانت الأم تدخن، أو عندما يكون الطفل عرضة للتدخين السلبي، إلى جانب المضاعفات الأخرى للتدخين السلبي؛ من الالتهابات التنفسية، والتهابات الأذن لدى الأطفال. (١) ٢ - الكحول. تصل الكحول إلى الطفل عبر حليب الأم، وقد تبين أنه يصل إلى قمة التركيز بعد ٣٠ - ٦٠ دقيقة من تناوله، أو ٦٠ - ٩٠ دقيقة؛ في حال تناوله مع الطعام، ويتعلق التأثير المباشر للكحول بكمية الكحول التي تستهلكها الأم، ويمكن له التأثير على منعكس تناول الحليب، ومنعكس إفراز الحليب، كما أنه يؤذي التطور الحركي لدى الطفل، ويورث تباطؤًا في زيادة الوزن. (٢) ٣ - المخدرات. فيجب على المرضع عدم تعاطي المخدرات. (٣) ٤ - الأدوية. معظم الأدوية تنتقل في حليب الأم بكميات صغيرة، ويجب التحدث مع الأخصائي قبل تناول أي دواء. (٤)

стр. 495

المطلب الأول حكم إرضاع المصابة بالإيدز الأصل في الشريعة أن الضرر يدفع بقدر المستطاع، وفي خصوص حليب الآدمية يقول ابن حزم ت ٤٥٦ هـ: إذا كان للوالدة لبن يضر بالمولود، فعلى الوالد حينئذ أن يسترضع له غيرها ا. هـ (١)، ثم قال: أو كانت مريضة أو أضر به لبنها، ولا مال لها. ا. هـ، وقرر الحكم نفسه (٢)، ثم استدل بقول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا وَلَا مَوْلُوْدٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] (٣)، وقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: ٢]، والأمر بالرحمة في قول النبي ﷺ : "من لا يَرحم لا يُرحم" متفق عليه (٤). كما يمكن أن يستدل له بقول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار". (٥) بل في شؤون الحضانة بشكل عام والتي تتفرع عنها الرضاعة يقرر الفقهاء منع المصابة بالمرض المعدي من الحضانة التي تشتمل على الرضاعة (٦)، ومن ذلك ماجاء في حاشية الدسوقي (٧) عند بيان شروط الحاضنة: وعدم جذام مضر ريحه أو رؤيته, وكل عاهة مضرة

стр. 496

يخشى على ولدها منها, ولو كان بالولد مثله؛ لأنه بالانضمام قد تحصل زيادة على ما كان على سبيل جري العادة ا. هـ وجاء في الشرط الثاني للحضانة من أسنى المطالب (١): أن تكون عاقلةً فتسقط حضانتها بالجنون. . . وكذا تسقط بالمرض الدائم؛ كالسل، والفالج؛ إن عاق ألمه عن نظر المخدوم بالحضانة - وهو المحضون -؛ بأن كانت بحيث يشغلها ألمه عن كفالته وتدبير أمره ا. هـ وجاء في مغني المحتاج (٢) أن سابع شروط الحضانة وثامنها: لا يكون به مرض دائم؛ كالسل، والفالج؛ إن عاق تألمه عن نظر المحضون بأن كان حيث يشغله ألمه عن كفالته وتدبر أمره. . . وأن لا يكون أبرص ولا أجذم ا. هـ وجاء في الإقناع للحجاوي (٣): وإذا كان بالأم برص أو جذام سقط حقها من الحضانة. . .؛ لأنه يخشى على الولد من لبنها ومخالطتها ا. هـ وأما بخصوص إرضاع المصابة بالإيدز؛ سواء أكان الرضاع إلى ولدها، أو لغيره؛ فلا يخلو الحال مما يأتي: أأن تكون المرضع مصابة والمرتضع سليمًا. إذا كانت المرضع مصابة بفيروس الإيدز ومرتضعها سليمًا، فقد اختلفت أنظار الباحثين المعاصرين حول هذه النازلة، كما اختلفت أنظار الأطباء في التحقق من انتقال المرض بواسطة الرضاعة، ووقع اختلافهم في ذلك على ما يأتي: القول الأول: لا يجوز للمصابة بالإيدز إرضاع من كان سليمًا، ولا يجوز لغيرها قبوله حيث أمكن الاستغناء بغيره، ولم تكن ثم حاجة أو ضرورة، ومتى غرَّرَت؛ أثمت، واستحقت الأحكام الجنائية المتأثرة. أما إذا لم يوجد بديل من المراضع السليمة أو الحليب المجفف؛ فيجوز الإرضاع حالتئذ من المصابة بالإيدز إذا خيف الهلاك على الطفل.

стр. 497

واختار هذا القول طائفة من الباحثين في رسائلهم الجامعية (١). والحكم المتقدم لا يمتنع اختلافه باختلاف الجزئيات في الصور والتطبيقات. (٢) القول الثاني: لا يجوز حرمان الرضيع من رضاع أمه. وعليه بعض المجامع الفقهية (٣)، اختاره بعض المعاصرين (٤). القول الثالث: يجوز بشروط: أأن يكون برأي الطبيب المختص وإذنه. ب أن يكون بنسبة قليلة؛ تخفيفًا لاحتمال الضرر. واختاره بعض المعاصرين (٥). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٥]؛ فعموم هذه الآية يدل على النهي عن ترك الخير إلى ما هو أقل منه؛ لأن ذلك يفضي إلى الهلاك. (٦) ٢ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [سورة النساء: ٢٩]، والتبرع باللبن منه ما دام الاحتمال في انتقال مرض الإيدز قائمًا. (٧) ٣ - ما روى أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا يورد ممرض على مصح" (٨)، فإعطاء الطفل السلم لبنًا سقيمًا موبوءًا من باب أولى ووجه أحرى (٩)؛ لأن الرضاعة فرع عن الحضانة، وحضانة المريضة للمصح محل نهي بصريح الحديث.

стр. 498

٤ - ما جاء عن عمرو بن الشريد، عن أبيه؛ قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم, فأرسل إليه رسول الله ﷺ : "إنا قد بايعناك فارجع" (١)، فدل الحديث على أن المرض إذا كان يخشى منه العدوى والانتقال. ٥ - تخريجًا على ما قرره العلماء في شأن بعض الأمراض التي هي أقل خطرًا؛ كالبرص، والجذام. (٢) ٦ - القواعد الفقهية التي تشير إلى أن: الضرر يزال، والأشد من الأضرار يزال بالضرر الأخف؛ لأن في إرضاع الأم لطفلها ضرر متوقع وهو ضرر إصابته بالمرض, وعليه؛ يكون دفعه واجب وفقًا لقاعدة الضرر يزال. إلى جانب كون المفسدتين إذا تعارضتا، فإنه يراعى أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ فالمفسدة الأولى هنا: مفسدة منع الطفل من إرضاع أمه له، والمفسدة الثانية: مفسدة إصابة الطفل بمرض الإيدز إذا أرضعته أمه المصابة بالمرض، فيُرتكب أخف الضررين - وهو منع الأم من الإرضاع -؛ لدفع الضرر الأكبر - وهو إصابة الطفل بالمرض -؛ لأن مفسدة المرض متعدية وباقية, أما مفسدة حرمانه من رضاع أمه له وإن كان لها آثارٌ إلا أنه يمكن تفاديها، ودرء مفسدة الضرر الذي يقع على الطفل بإصابته بالمرض, مقدم على جلب مصلحة رضاعته من أمه وإن كان فيها منافع. (٣)

стр. 499

٧ - إنه لا حاجة ولا ضرورة تدعو إلى لبن المصابة بالإيدز؛ فلا يجوز فعله. (١) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إن الرضاعة حق للمرضعة والراضع، وتفويت المؤكد لمجرد احتمال ضرر؛ غير موجب لإسقاط الحق، ولا سيما إذا أمكن الاحتراز منه بتجنب الإرضاع عند وجود تشققات على حلمة الثدي. (٢) ونوقش بما يأتي: أ- إن الاحتمال يزيد بعدة عوامل؛ كزيادة مدة الرضاع، وشقاوة الطفل الذي يكون قابلية العض منه أكثر. (٣) ب - إن المفسدة - وهي: احتمال انتقال هذا الوباء - أعظم من المصلحة المذكورة، ولا سيما أنها - أي: المفسدة - عام في مقابل مصلحة خاصة. (٤) - الترجيح: الراجح هو أنه لا يجوز للمصابة بالإيدز إرضاع من كان سليمًا؛ لما تقدم في صدر المطلب، ولأن سد الذريعة معتبر في مثل هذا؛ قال الشاطبي ت ٧٩٠ هـ: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا؛ كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك؛ فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى المفسدة؛ تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية. وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة ا. هـ (٥)

стр. 500

فإن كان الرضيع مصابًا بالفيروس نفسه، كما لو أصيب أثناء الولادة؛ فلا حرج من إرضاعه إذ كان المحذور واقعًا، وما يخشى منه منتفيًا (١)، أو كان على الطفل خشية الهلاك؛ فترضعه؛ كما لو لم توجد مرضع أخرى، أو لم يقبل ثدي امرأة أخرى. (٢) وهذا شبيه بحالات الاضطرار الاستثنائية في أكل أمثال الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير؛ حين كانت محرمة، فأبيحت لمن اضطر إليها غير باغ ولا عاد، كما قال الحق جل ذكره: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٧٣] (٣). - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر وفق المترجح فيما يأتي: ١ - انتقال المرض من المرضع إلى الرضيع يعد جناية، وقد قرر أحد الباحثين (٤) أنها من باب الخطأ لا العمد؛ فإذا انتقلت العدوى ثم تعدى الأمر إلى الوفاة فهو - أيضًا - من قبيل القتل الخطأ وما جرى مجراه، ودلل لذلك بقوله: إنه لا مجال للشك أن عاطفة الأم وحنانها يمنعها إذا كانت سوية أن تتعمد إيذاء ابنها وفلذة كبدها، وعليه؛ فلا يتصور في جانب الأم الإيذاء العمد لابنها ا. هـ ٢ - إذا أرضعت المصابة بالإيدز ولدها، ولم تعلم بمرضها أنه ينتقل بالرضاع؛ فلا موجب للإثم، ولا مسؤولية عليها؛ لأنها فعلت المأذون لها فيه متحرزة من كل ما تعلمه، فيرتفع الحرج عنها. (٥) ٣ - متى أرضعت الأم ولدها مع علمها بالمرض وانتقاله بالرضاع، ولكنها تحرزت باستشارة أهل الخبرة من الأطباء، فنصحوها بالرضاع؛ فلا مسؤولية، ولا موجب للإثم - أيضًا -. (٦)

стр. 501

٤ - إذا أرضعت المصابة بالإيدز ولدها دون تحرز ولا سؤال؛ فإن جنايتها تعد جناية خطأ تترتب عليها أحكامها، وعلى فرض إيذاء ابنها؛ فإن ذلك يعد جناية شبه عمد؛ تأخذ أحكام الخطأ نفسها، وتزيد عليها بالإثم والدية المغلظة على العاقلة، وذلك؛ لأن الوسيلة هنا لا يحصل بها انتقال المرض غالبًا، وهذا هو قتل شبه العمد. (١) وفي تقديري أن هذا محل نظر؛ لأن مرض الإيدز يقتل غالبًا؛ كالآلة الحادة، والسم القاتل، وإذا أخطأ صاحب الآلة الحادة هدفَه، أو أصاب هدفه وانخرمت العادة الغالبة؛ فلا يعود ذلك بالحكم على الآلة أنها لا تقتل غالبًا. ٥ - إذا أرضعت المصابة بالإيدز غير ولدها، وكان إرضاعها بشكل مغرض، واستبان مرادها في إفشاء هذا المرض، وعرف عنها ذلك مع إخفائها لمرضها؛ فتأخذ أحكام الحرابة؛ متى انتقل المرض، وحصلت الوفاة بسببه. (٢) ب أن يكون المرضع والمرتضع مصابين. الابتلاء للأسرة قد يتكرر حينما تكون الأم مصابة ثم ترزق بطفل مصاب، أو يصابان بواسطة نقل الدم إليها لسبب أو لآخر. وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا مانع من الرضاعة حينئذ بينهما على وفق ما تقدم في تقرير الرأي الطبي في هذه الحالة، وذلك؛ لأن الذي يخشى منه - وهو الإصابة -؛ قد حلَّ بهما. (٣) ت أن تكون المرضع سليمة والمرتضع مصابًا. من الواضح في هذه الصورة أن سلامة المرضع ينعكس على سلامة لبنها، وما دام اللبن سليمًا وصحيًّا؛ فلا خوف على الطفل من الرضاع. (٤) لكن الخوف يتجه نحو المرضع؛ هل يمكن أن يشكل لها هذا الرضيع تهديدًا؛ إذا قلنا: يحتمل انتقال الفيروس؛ على نحو ما تقدم في التقرير الطبي. ولما تقدم؛ فالظاهر - والله تعالى أعلم - جواز إرضاع المصاب من سليمة؛ إذا راعت المرضع الاحتياطات اللازمة، وغلب على الظن عدم انتقال المرض إليها، وذلك لما يأتي: (٥) ١ - ما في الرضاع الطبعي من مصالح عظيمة اجتماعية ونفسية، وخصوصًا إذا كانت المرضع أمًّا، فإن الأمر الشرعي بالرضاع مناط بها. ٢ - الرضاعة حق للمرضعة والراضع, فلا يُفَوَّت الحق المؤكد من مصلحتهما البدنية والنفسية لمجرد احتمال ضئيل؛ لضرر يمكن الاحتراز من وقوعه. (٦) ٣ - عموم الأدلة المتقدمة في الفقرة أ. ويتبين مما تقدم الآتي: أولًا: إذا أصيب المريض بالإيدز، وكان ذلك بسبب جهل الطبيب، أو تعديه، أو تفريطه على أي وجه كان ذلك؛ كما لو قصر في تحليل الدم ومشتقاته، أو وجَّه بإرضاع الرضيع من المصابة بالإيدز؛ فإنه يكون مسؤولًا عما تسبب فيه، ويكون ضمانه بحسب تعديه أو تفريطه؛ فقد يكون متعمدًا في نقل المرض، ولا يخلو الحال حينئذ مما يأتي: أـ أن يكون متعمدًا؛ فيثبت في حقه القصاص. ب ــ أن ينقله لعدد أكثر على وجه الإفساد العام؛ فيقام عليه حد الحرابة. ج ــ أن ينقله خطأً؛ فتطبق عليه أحكام الخطأ، وتترتب عليه آثاره من الدية، ونحوها. (٧)

стр. 502

ثانيًا: إذا كان للوالدة لبن يضر بالمولود؛ كما لو كانت مصابة بالإيدز، أو مدخِّنة، أو تتعاطى المخدرات، أو الكحول، أو الأدوية التي تضر باللبن؛ فيُسترضع له غيرها. ثالثًا: لا يجوز للمصابة بالإيدز إرضاع الطفل السليم؛ إلا أن يخشى على الأخير الهلاك بترك الرضاع، فإن أرضعته عالمةً بمرضها لغير ضرورة أو مشورة طبيب متعمدةً الإضرار به عُدَّت جناية منها، وانتشرت الحرمة به (١). رابعًا: يجوز للمصابة بفيروس الإيدز إرضاع الرضيع المصاب بالفيروس نفسه إذا كان ذلك لا يزيد من نشاط الفيروس في جسد الرضيع. خامسًا: يجوز إرضاع المصاب بفيروس الإيدز من مرضع سليمة ولو اشترك مع الرضيع المصاب رضيع آخر سليم؛ إذا راعت المرضع الاحتياطات اللازمة، وغلب على الظن عدم انتقال المرض إليها أو إلى الرضيع السليم. المطلب الثاني أثر رضاع المصابة بالإيدز في انتشار المحرمية انعقد الإجماع على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؛ إذا لم يكن ثَمَّ ضرار، أو قصْد إيقاع التحريم. (٢) والضرار المستثنى عند بعض الفقهاء هو ما يمكن أن يعامل مريده بنقيض قصده، فيبطل حكم الرضاع معه؛ كما لو أراد التفريق بين رجل وزوجته الصغيرة بأن ترضع الصغيرة أم الزوج أو أخته، أما الضرر الذي لا يمكن أن يبطل معه الضرر المقصود؛ كانتقال المرض، فغير مراد هنا؛ كما لو أرضعت مصابةٌ بالإيدز رضيعًا بقصد إضراره، فانتقل المرض إليه. فإذا خرج حليب المصابة بالإيدز بأوصاف الحليب المعتادة وخصائصه؛ فهو ناشر للحرمة؛ حيث وجد المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، وهو الغذاء.

стр. 503

الفصل الرابع: الأحكام المتعلقة بوسائل الإثبات والتقاضي . المبحث الأول أثر وسائل الإثبات على الرضاع في الزمن المعاصر المطلب الأول وسائل الإثبات التقليدية دلت الشريعة الإسلامية على وسائل إثبات الرضاعة، وهي: الوسيلة الأولى: الشهادة . - تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن شهادة النساء تجوز فيما لا يحل للرجال غير ذوي المحارم أن يتعمدوا أن يروه لغير شهادة (١)، كما اتفقوا على قبول شهادة النساء المنفردات - يعني: عن الرجال - في الجملة (٢)، واتسع اختلافهم فيما سوى ذلك؛ على ما يأتي: القول الأول: يثبت بشهادة رجلين عدلين أو مستورين، أو عدل وعدلتين كذلك، ولو كانت إحداهما المرضعة.

стр. 504

فلا يثبت الرضاع بخبر الواحد؛ امرأة كان أو رجلًا، قبل العقد أو بعده؛ إلا أن يصدقه الزوج. فلا تستقل النساء بالشهادة عندهم. وهو مروي عن عمر (١)، وبه قال الحنفية (٢)، وهو المعتمد عندهم (٣). القول الثاني: إن كان قبل العقد، وشهد عدل ثقة؛ فلا يجوز النكاح وإن كان المخبر واحدًا. وإن بعده، وهما كبيران؛ فالأحوط التنزه. وبه قال بعض الحنفية (٤)، وحكاه بعضهم إحدى الروايتين (٥). القول الثالث: يقبل خبر الواحد في الرضاع الطارئ؛ بأن يكون تحت رجل صغيرة، فشهدت واحدة بأن أمه أو أخته أرضعتها بعد العقد، وعليه؛ فلا يتوجه هذا القول إذا كان الزوجان كبيرين. وبه قال بعض الحنفية. (٦) القول الرابع: يثبت برجلين، وبرجل وامرأة، وبامرأتين؛ إن فشا قبل العقد من قولهما حتى يكون بشهادة سماع، مع اشتراط العدالة، ولو مع الفشو، ويندب التنزه مطلقًا. وبه قال المالكية. (٧) القول الخامس: هو كقول المالكية الرابع؛ إلا أنهم لا يشترطون العدالة مع الفشو. وبه قال بعض المالكية (٨).

стр. 505

القول السادس: يثبت الرضاع بشهادة أربع نسوة في غير الشهادة على إقرار الرجل أو المرأة بالرضاع، وبشهادة رجلين، وبشهادة رجل وامرأتين. وهو مذهب عطاء (١)، والشافعي (٢). القول السابع: يثبت الرضاع بشهادة رجلين، وبرجل وامرأتين، وبأربع نسوة، ولا يثبت بدون أربع نسوة. فإذا لم يتم نصاب الشهادة؛ بأن شهدت المرضعة وحدها، أو امرأة أجنبية، أو امرأتان، أو ثلاث؛ فالورع أن يترك نكاحها، وأن يطلقها إن كان ذلك بعد النكاح؛ ورعًا لا حكمًا. وهو قول قتادة (٣)، والشعبي (٤) والنخعي - في رواية عنهما - وابن شبرمة (٥)، والجارود (٦)، ومذهب الشافعية (٧). القول الثامن: يثبت بشهادة امرأة واحدة مرضية، بلا يمين. وبهذا قال طاوس (٨)، والزهري (٩)، والحسن (١٠)،

стр. 506

والشعبي (١)، ومالك (٢)، والأوزاعي (٣)، وحماد (٤)، وابن أبي ذئب (٥)، وسعيد بن عبد العزيز (٦)، والظاهرية (٧)، وهو الرواية الأشهر عند الحنابلة عن أبي عبد الله أحمد والأظهر (٨)، وزاد بعض الحنابلة: أو رجل واحد، والمتبرعة وغيرها سواء، وغير المرضية لا يقبل، أو كانت الشهادة على فعل الغير اكتفي فيها بشهادة واحد رجلًا أو امرأة بلا يمين أيضًا. (٩) ونص ابن قدامة على استثناء الشهادة على الإقرار بالرضاع من هذا القول دون الشهادة على الرضاع، فقال بأنه لا تقبل فيها شهادة النساء منفردات، وهي ما يدعي فيها أحد الزوجين على الآخر؛ أنه أقر أنه أخو صاحبه من الرضاع، فأنكر؛ فلا تقبل حينئذ شهادة النساء المنفردات (١٠). القول التاسع: لا يقبل إلا شهادة امرأتين.

стр. 507

وهو ظاهر ما روي عن علي وابن عباس (١)، وقول الحكم بن عتيبة (٢)، وابن أبي ليلى (٣)، ونسب إلى مالك وأبي عبيد (٤)، وهو الرواية الثانية عن أحمد (٥). القول العاشر: يثبت بشهادة امرأة واحدة مرضية؛ إن استحلفت. وهو قول ابن عباس (٦)، وإسحاق (٧)، ورواية ثالثة عن أحمد (٨).

стр. 508

القول الحادي عشر: تجوز شهادة المرأة الواحدة؛ إذا كانت مرضية، وسمع منها ذلك قبل النكاح. وبه قال أبو الزناد، ويحيى بن ربيعة (١)، ومفهوم قول أبي عبيد (٢). القول الثاني عشر: لا يقبل إلا ثلاث نسوة؛ لا أقل من ذلك. وبه قال عثمان البتي. (٣) ليلى الزهري الحكم - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، هي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢]. (٤) ٢ - إن شهادة النساء ضرورية فيما لا اطلاع للرجال عليه، والرضاع ليس كذلك، بل هو معنى يشهده الرجال. (٥) ٣ - قياسًا على سائر الحقوق التي لا تسقط بالشبهة. (٦) ٤ - ما فيه من إبطال الملك، وهو لا يثبت إلا بحجة؛ فإذا قامت الحجة فرق بينهما. (٧) ٥ - قياساً على ما يثبت به المال؛ رجلان، أو رجل وامرأتان. (٨) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:

стр. 509

١ - إن الشك في الأول - أي: قبل العقد - وقع في الجواز، وفي الثاني في البطلان، والدفع أسهل من الرفع. (١) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع على عدم ثبوت الرضاع بشهادة النساء منفردات بما يأتي: ١ - إنها من أحكام الأبدان التي لا تقبل فيها شهادة النساء. (٢) أدلة القول السادس: استدل أصحاب القول السادس بما يأتي: أولًا: الاستدلال على اعتبار شهادة النسوة في إثبات الرضاع: ١ - قول الشافعي ت ٢٠٤ هـ: لم أعلم أحدًا ممن ينسبه العامة إلى العلم مخالفًا في أن شهادة النساء تجوز فيما لا يحل للرجال غير ذوي المحارم أن يتعمدوا أن يروه لغير شهادة ا. هـ (٣)، ولا يحل للرجال الأجانب أن يطلعوا على ثدي المرأة حال الرضاع. (٤) ٢ - كالولادة، فإن الرضاعة مثلها؛ لا يحل لغير محرم، أو زوج؛ أن يعمد أن ينظر إلى ثديها، ولا يمكنه أن يشهد على رضاعها بغير رؤية ثديها؛ لأنه لو رأى صبيًّا يرضع وثديها مغطى؛ أمكن أن يكون يرضع من وطب (٥) عمل كخلقة الثدي، وله طرف كطرف الثدي، ثم أدخل في كمها؛ فتجوز شهادة النساء في الرضاع كما تجوز شهادتهن في الولادة. (٦) ثانيًا: الاستدلال على اشتراط العدد أربعًا في شهادة النسوة على الرضاع: ١ - إن الله تعالى أجاز شهادتهن في الدين، وجعل امرأتين تقومان مقام رجل بعينه، قال الشافعي ت ٢٠٤ هـ: وقول أكثر من لقيت من أهل الفتيا: إن شهادة الرجلين تامة في كل شيء؛ ما عدا الزنا. فامرأتان أبدًا تقومان مقام رجل إذا جازتا. (٧) ونوقش بما يأتي: أ- إنه معنى يقبل فيه قول النساء منفردات، فيقبل فيه شهادة امرأة منفردة؛ كالخبر. (٨) ٢ - ما روي عن عطاء أنه قال: لا يجوز من النساء أقل من أربع. (٩) ثالثًا: الاستدلال على عدم إجازة شهادة النساء على من أقر بالرضاع: ١ - إن هذا مما يشهد عليه الرجال، وإنما تجوز شهادة النساء منفردات عن الرجال فيما لا ينبغي للرجال أن يعمدوا النظر إليه لغير الشهادة. (١٠) أدلة القول السابع: استدل أصحاب القول السابع بما يأتي: ١ - إن كل امرأتين كرجل. (١١) أدلة القول الثامن: استدل أصحاب القول الثامن بما يأتي: ١ - ما روى عقبة بن الحارث؛ قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: "وكيف، وقد زعمت ذلك" متفق عليه (١٢)، وفي لفظ رواه النسائي، قال: فأتيته من قبل وجهه، فقلت: إنها كاذبة. قال: "كيف، وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، خل سبيلها"، وهذا يدل

стр. 510

على الاكتفاء بالمرأة الواحدة (١)، وفي رواية للبخاري: "دعها عنك" (٢)، ونهي النبي ﷺ تحريمٌ (٣) مبني على شهادة امرأة وهي أمة (٤). ونوقش بما يأتي: أ- إعراضه ﵇ يشبه أن يكون لم ير هذا شهادةً تلزمه، وغاية ما في قوله ﷺ : "وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما"؟ ما يشبه أن يكون كره له أن يقيم معها وقد قيل - يعني: فيما بين الناس - إنها أخته من الرضاعة، وهذا معنى ما قلنا من أن يتركها ورعًا لا حكمًا. (٥) ب - لقد روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، ولم يذكروا فيه: عن عبيد بن أبي مريم، ولم يذكروا: "دعها عنك". (٦) ٢ - ما روى محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أمه عن ابن عمر، قال: سئل النبي ﷺ : ما يجوز في الرضاع من الشهود؟ فقال: "رجل أو امرأة" رواه أحمد، وقال البيهقي: إسناده ضعيف، وقد اختلف في متنه. (٧)

стр. 511

ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن بعض النسخ جاء المتن فيها: "رجل وامرأة" (١)، وهذا ما يدل على عدم إجزاء شهادة المرأة الواحدة في الرضاع. ٢ - قول الزهري: فُرق بين أهل أبيات في زمن عثمان ﵁ بشهادة امرأة في الرضاع. (٢) ٤ - قول الأوزاعي: فرق عثمان ﵁ بين أربعة وبين نسائهم؛ بشهادة امرأة في الرضاع. (٣) ٥ - إن هذا ما كان عليه العمل في القرون المفضلة؛ قال الشعبي: كانت القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة؛ بشهادة امرأة واحدة في الرضاع. (٤) ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن المقصود جنس المرأة لا عددٌ معين منهن. ٦ - إن هذا شهادة على عورة، فيقبل فيه شهادة النساء المنفردات؛ كالولادة، والأخبار. (٥) ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن عمر ﵁ رد شهادة امرأة في رضاع. (٦)

стр. 512

ويجاب: بأن ذلك يحتمل أن لا تكون هذه المرأة مرضية عنده، أو أن تقصد الضرار، وقد روي عنه القول بعدم قبول شهادة الضرار في الرضاع (١)، ومع الاحتمال يضعف الاستدلال. ٧ - إنه معنى يقبل فيه قول النساء منفردات، فيقبل فيه شهادة المرأة. (٢) ثانيًا: الاستدلال على عدم قبول شهادة النساء منفردات في الشهادة على الإقرار بالرضاع لا على الرضاع نفسه: ١ - إنها شهادة على الإقرار، والإقرار مما يطلع عليه الرجال غالبًا؛ فلم يحتج فيه إلى شهادة النساء المنفردات، فلم يقبل ذلك إذ كان لا بد فيه من رجلين؛ كالنكاح، والقذف؛ بخلاف الرضاع نفسه. (٣) أدلة القول التاسع: استدل أصحاب القول التاسع بما يأتي: ١ - إن الرجال أكمل من النساء، ولا يقبل إلا شهادة رجلين؛ فالنساء أولى. (٤) أدلة القول العاشر: استدل أصحاب القول العاشر بما يأتي: ١ - ما روي ابن عباس ﵄ أنه قال في امرأة زعمت أنها أرضعت رجلًا وأهله، فقال: إن كانت مرضية، استحلفت، وفارق امرأته. وقال: إن كانت كاذبة، لم يحل

стр. 513

الحول حتى يبيض ثدياها. يعني: يصيبها فيها برص، عقوبة على كذبها. وهذا لا يقتضيه قياس، ولا يهتدي إليه رأي، فالظاهر أنه لا يقوله إلا توقيفًا. (١) ٢ - هذا الموضع قبل فيه شهادة المرأة وحدها للضرورة؛ فتستحلف. (٢) ٣ - إذا كان للحاكم أن يفرق الشهود إذا ارتاب بهم؛ فأولى أن يحلفهم إذا ارتاب بهم. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- ثمة فرق بين هذا الباب وباب الشاهد واليمين - حيث اعتبرت اليمين هناك -، وهو أن المغلب في هذا الباب هو الإخبار عن الأمور الغائبة التي لا يطلع عليها الرجال؛ فاكتفى بشهادة النساء، وفي باب الشاهد واليمين: الشهادة على أمور ظاهرة، يطلع عليها الرجال في الغالب؛ فإذا انفرد بها الشاهد الواحد احتيج إلى تقويته باليمين. (٤) - الترجيح: يتوجه رجحان القول بعدم قبول شهادة المرأة الواحد في إثبات الرضاع ولو كانت هي المرضع، مع ندب من شهدت عليه امرأة واحدة بالقرابة الرضاعية بينه وبين امرأته إلى مفارقة زوجته ورعًا؛ لحث النبي ﷺ عقبةَ على ترك المشتبه الذي يتطرق إليه كلام الناس، وهو الذي عليه فهم طائفة من فقهاء الصحابة؛ كالمروي عن عمر ﵁، وتبعه من أعلام الفقهاء الشافعي وغيره. ولأن قول النبي ﷺ : "دعها عنك" تشعر بالندب والحث ولا تقتضي في فهم العربي الإلزام والإيجاب؛ بخلاف لو قال: خل سبيلها، أو فارقها، ونحو ذلك مما يحتف به مادة الجزم، هذا إذا كان الضمير يعود على امرأته كما يفهم من تبويب البخاري، ويحتمل أن يكون الأمور بالموادعة منصرفًا نحو الشاهدة؛ لأنها أقرب ضمير، كما أن أكثر الطرق في الصحيح لم يأت فيها الأمر بوداعتها، بل اقتُصِر فيها على "كيف وقد قيل"؟ ، أو "وقد زعمت"؟ (٥)، والمعنى: ما حالك إذا تناقل الناس هذا القيل مما يدَّعى بينكما من الرضاع؛

стр. 514

فالأسلم لك موادعتها، وخصوصًا أن السائل جاء مسترشدًا مستفهمًا بعدما أرسل إلى أهل امرأته، فقالوا: ما علمنا أرضعت صاحبنا، ولذلك كان من مواضع إيراد هذا الحديث من صحيح البخاري في باب تفسير المشبَّهات (١)، وباب إذا شهد شاهد أو شهود بشيء، فقال آخرون: ما علمنا بذلك؛ يحكم بقول من شهد (٢). فإن قيل: إن البخاري روى في إحدى طرقه لحديث عقبة أن النبي ﷺ نهى عقبة عن زوجته التي شُهِد عليه أنه ارتضع معها. أجيب: بأن ذلك جاء جوابًا على سؤال، وهذا ما يضعف الدلالة الحتمية إذا كانت صريحة، علاوةً على كون هذه العبارة تعبر عن فهم أحد الرواة، وليست مرفوعًا من قول النبي ﷺ ، والدليل على أنها من فهم راوٍ دون الصحابي أنها لم ترد في الطرق الأخرى المروية في صحيح البخاري، وهذا ما يفسر إيراد البخاري لهذا الحديث في باب تفسير المشبَّهات (٣). وبأن المعنى: فزجره عنها، كما زجر النبي ﷺ الذي يأكل بشماله، وجماهير العلماء على كراهة الأكل بالشمال من دون تحريم. (٤) فإن قيل: إن الأصل في المطاعم وآدابها الإباحة، وفي المناكحات التحريم، فيحتاط لها في التفريق بين الزوجين بشهادة امرأة أن بينهما قرابة رضاعية. أجيب: بأن الاحتياط في جانب الأخت الرضاعية بعدم استدامة نكاحها يقابله الاحتياط في الخلوة بالأم الرضاعية وأصولها وأصول زوجها الذي ثاب اللبن منه وفروعهما وحواشيهما وفروع الرضيع والنظر إليهم، كما يقابله تحريم ما الأصل في الشروع فيه الإباحة إلا ما دل الدليل على المنع منه، وهو النكاح، ولا دليل. وأما ما روي من أقضية الصحابة والتابعين في الأخذ بشهادة المرأة الواحدة والتفريق بين الزوجين بناء عليها؛ فلا يعول عليها؛ لما يأتي: أولًا: إنها مخالفة لعامة أقضية الخلفاء الراشدين من الصحابة؛ قال ابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ: أخرج أبو عبيد من طريق عمر، والمغيرة بن شعبة، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس؛ أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك، فقال عمر: فرق بينهما إن جاءت بينة وإلا فخل بين الرجل وامرأته إلا أن يتنزها، ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين الزوجين إلا فعلت ا. هـ (٥) ثانيًا: إنها مخالفة لأقضية أخرى مماثلة في عصرهم، وتقابُلُها يفضي إلى تعارضها، ومن ثم تساقطها، والرجوع إلى الأصل، وهو عدم الرضاع. ثالثًا: إن دلالتها غير صريحة؛ فيحتمل أن يكون المقصود من ذكر المرأة جنسها وأنه كافٍ في إثبات مثل هذا الحكم الذي لا يطلع عليه غير النساء في الأصل دون الحاجة إلى الجنس الآخر وهو جنس الرجال، أو أن يكون التفريق مبنيًّا على موافقة الزوجين، أو عدم اعتراضهما وتفضيلهما الأخذ بالورع والاحتياط، أو إقرار زوج المرضع، وهذا مقتضى الجمع بين ما يظهر منه التعارض. رابعًا: إن أسانيدها لا تخلو من مقال، والأصل المتيقن منه هو استدامة عقد النكاح؛ فلا ينتقل عنه بغير يقين. ويتأكد الأخذ بهذا القول إذا ترتب على الشهادة فسخ نكاح منعقد، ومن دواعي عدم الأخذ بقول من يقول بإجزاء شهادة المرأة الواحدة في الرضاع الذي يترتب عليه فسخ النكاح فساد أهل الأزمنة المتأخرة، ولا أدل على ذلك من فشو الأسئلة حول من يدعي الرضاع بين الزوجين بعد مضي دهر على الزواج مع علم الشاهد بالعقد مذ إنشائه (٦)، وتعليل الأحكام بفساد الأزمان فرع عن تغير الأحكام بتغير الصورة الحادثة واختلافها (٧)، وإلى جانبه؛

стр. 515

فتأخر الشهادة إلى ما بعد العقد مظنة كذبها، لا سيما وأن أمر الرضاعة ظاهر لا يخفى؛ بل يطلع عليه من يعاشر المرضعة ويسكن معها؛ فيعلم بقدوم الصبي وذهابه، أو يعلم بمستلزمات حضانته إذا كان الرضيع مقيمًا عند المرضعة، وما هذا شأنه؛ فمظنة أن يكون الشهود على ذلك كُثُر. وأما تقييد الشهود بأوصاف يذكرها بعض أصحاب؛ كأن تكون الشهاة ممن يتوافر فيه شرط العدالة والرضى؛ فهو أمر مسلم به؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [سورة الحجرات: ٦]، ويشبه أن يشترط أحد أصحاب الأقوال أن تكون الشاهدة عاقلة لا مجنونة، ولذلك؛ لا ينبغي أن تكون هذه المسألة موضعًا لهذه الشروط؛ قال تقي الدين ابن تيمية ت ٧٢٨ هـ: مِن فصيح الكلامِ وجيِّدِه الإطلاقُ والتعميمُ عند ظهور قصد التخصيص والتقييد، وعلى هذه الطريقة الخطابُ الواردُ في الكتاب والسنة وكلام العلماء؛ بل وكلِّ كلامٍ فصيح، بل وجميع كلام الأمم؛ فإن التعرُّضَ عند كلِّ مسألةٍ لقيودها وشروطها تَعَجْرُف وتكلُّف، وخروج عن سَنَن البيان، وإضاعةٌ للمقصود، وهو يُعَكِّر على مقصود البيان بالعكس؛ فإنه إذا قيل: تجب الزكاة في الحُليِّ، فقال: إن كان لامرأةٍ مسلمة ليس عليها دين حالٌّ لآدمي يُنْقِصُ زكاةَ المال عن أن يكون نصابًا، وحالَ عليه حولٌ لم يخرج عن ملكها ويدُها ثابتةٌ عليه؛ وجَبَتْ فيه الزكاة = كان ذلك لُكْنَةً وعِيًّا ا. هـ (١) وإذا تقرر ذلك؛ فهل يكفي في إثبات الرضاع امرأتان أو لا بد أربع نساء؛ هذا محل اجتهاد وبحث، ويمكن أن يكون لاجتهاد الحاكم فيه مدخل باختلاف كل قضية وما يحتف بها من القرائن والأحوال، وفق ما تقتضيه السياسة الشرعية، ولو قيل بأنه يجزئ لشهادة الرضاع إلى جانب شهادة المرضع شهادةُ زوجها الذي تنشر الحرمة إليه فروعًا وحواشيَ وأصولًا؛ كان وجيهًا، ومما يستأنس به لذلك حديثُ ابن البيلماني المتقدم قريبًا، والذي جاء في بعض ألفاظه قول النبي ﷺ فيما يجزئ من الشهود على الرضاع: "رجل وامرأته".

стр. 516

ولا يعني عدم تأثير شهادة الواحدة على غيرها في إثبات الرضاع أنه لا يلزمها أثر إقرارها على نفسها إذا كانت مرضعًا؛ لأنها أقرت على نفسها مختارةً. وفي الختام ثمَّ مسألة مهمة، وهي: هل الأفضل لمن علم أن ثم رضاعًا بين زوجين المبادرة في الإدلاء بالشهادة للتفريق بينهما؟ الجواب: الأفضل أن لا يبادر بهذه الشهادة؛ لأن عقبة ﵁ لما جاء إلى النبي ﷺ ناقلًا شهادة المرضعة كما في إحدى الروايات المخرجة في صحيح البخاري (١) أعرض عنه النبي ﷺ ؛ قال عقبة: فتنحيت فذكرت ذلك له. . . الحديث. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف الآنف ثمار في فروع، منها: ١ - إذا شهدت امرأة واحدة على رجل بالرضاع بينه وبين امرأة قبْل نكاحه منها؛ فهو في سعة من تكذيبها (٢)، وهذا وفق المعتمد عند الحنفية من الأقوال، ولا يجوز له نكاحها في قول طائفة من السلف وقول أحمد في رواية منصوصة، خلافًا للمشهور في المذاهب الثلاثة الأخرى. ٢ - إذا شهد بالرضاع على زوجين رجل وامرأة؛ لم يفسد النكاح؛ إلا إن صدقهما الرجل (٣)، وهذا وفق المعتمد عند الحنفية، ولا يفسد مطلقًا في قول الشافعية وغيرهم، ويفسد في قول المالكية والحنابلة وغيرهم. ٣ - إذا قضى القاضي المجتهد أو المقلد بالتفريق برضاع بشهادة امرأتين؛ لم ينفذ، وهذا وفق المعتمد من قول الحنفية، وقالوا: ولو كان مالكيًّا؛ لأنه من المسائل التي لا يسوغ فيها الاجتهاد. (٤) ٤ - إذا شهد أربع نسوة أن امرأة أرضعت امرأة خمس رضعات، وأرضعت زوجها خمسًا؛ فرق بينه وبين امرأته، فإن أصابها؛ فلها مهر مثلها، وإن لم يصبها؛ فلا نصف مهر لها، ولا

стр. 517

متعة، وهذا في مذهب الشافعي ولو كان فيهم أخوات المرأة وعماتها وخالاتها عنده؛ لأنها لا يرد لها إلا شهادة ولد أو والد (١)، والتفريق بهؤلاء النسوة هو مقتضى مذهب الجمهور. ٥ - لو كان النزاع في شرب اللبن من ظرف؛ لم تقبل فيه شهادة النسوة المتمحضات عند الشافعية؛ لأنه لا يختص باطلاع النساء، وإنما تقبل شهادتهن إذا كان النزاع في الارتضاع من الثدي، وكذا تقبل شهادتهن على أن اللبن الحاصل في الظرف لبن فلانة؛ لأن الرجال لا يطلعون على الحلب غالبًا. (٢) ٦ - إن شهد بالرضاع امرأة واحدة مرضية على فعلها؛ بأن شهدت أنها أرضعته خمسًا في الحولين، أو شهدت امرأة مرضية على فعل غيرها؛ بأن شهدت أن فلانة أرضعته خمسًا في الحولين، أو شهد بذلك رجل واحد؛ ثبت الرضاع بذلك، ولا يمين على المشهود له ولا على الشاهدة؛ في مذهب الحنابلة. (٣) - سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى مسائل، منها: ١ - قياس الشهادة بالرضاع على الشهادة على الأموال وما جرى مجراها في القدر المجزئ منها الوارد في قول الحق جل ذكره: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢]. وإذا تقرر ذلك؛ فمن المناسب الإشارة إلى مسائل متعلقة بالشهادة ليحكم الحاكم بها، وهي على النحو الآتي: المسألة الأولى: النظر إلى الثدي لتحمل الشهادة . إذا نظر الرجل عمدًا إلى أجنبية بغرض تحمل شهادة الرضاع، ففي حكم ذلك خلاف بين الفقهاء على نحو ما يأتي: القول الأول: يجوز، وللقاضي أن يستفصله.

стр. 518

وهو وجه عند الشافعية (١). القول الثاني: لا يجوز، مع اعتبار الشهادة. وهو مذهب الشافعي (٢)، ووجه عند الشافعية (٣). المسألة الثانية: أثر ثبوت الشهادة بين زوجين . صورة المسألة: أن تقوم الشهادة بين مرتضعين ذكر وأنثى رضعا من امرأة واحدة، فلا تثبت إلا وهما زوجان فإذا فرق بينهما؛ فماذا يترتب على ذلك من الآثار؟ ذكر الشافعي هذه المسألة، وبين أن الحال لا يخلو: أإن أصابها؛ فلها مهر مثلها. ب إن لم يصبها؛ فلا نصف مهرٍ لها، ولا متعة. (٤) المسألة الثالثة: في وصول اللبن إلى الجوف . اختلف الفقهاء في شهادة الشاهد بالرضاع؛ هل يشترط لثبوت الرضاع معها ذكر وصول اللبن إلى الجوف، على ما يأتي: القول الأول: يشترط ذكر وصول اللبن أو شيء منه إلى الجوف في كل رضعة. وهو مذهب الشافعي (٥)، ووجه عند الشافعية (٦)، وصححه النووي (٧). القول الثاني: لا يشترط ذكر وصول اللبن إلى الجوف. وهو وجه عند الشافعية (٨).

стр. 519

أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: الاستدلال على اشتراط ذكر الشاهد على ثبوت الرضاع وصول اللبن إلى الجوف: ١ - إن معاينتها تطلع على ما لا تطلع عليه الحكاية، فإن أطلعته على وصول اللبن، فليجزم به على قاعدة الشهادات. (١) ٢ - إنه لو رأى صبيًّا يرضع وثديها مغطًّى أمكن أن يكون يرضع من وَطْبٍ عمل كحلقة الثدي، وله طرف كطرف الثدي، ثم أدخل في كمِّها. (٢) ٣ - كما يشترط ذكر الإيلاج في شهادة الزنا. (٣) ثانيًا: الاستدلال على إجزاء وصول شيء من اللبن إلى الجوف في كل رضعة فيما يذكر الشاهد إزاء إثبات الرضاع: ١ - إنه لا يستدرك في الشهادة فيه أبدًا أكثر من رؤيتهن الرضاع، وعلمهن وصوله بما يرين من ظاهر الرضاع. (٤) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه لا يشاهد. (٥) - الترجيح: الراجح أن مظان حكم الرضاع من العلامات تكفي للشهادة على واقعة الرضاع من الثدي؛ كالالتقام، والامتصاص، والتجرع؛ من غير تعرض لوصول اللبن إلى الجوف؛ لعدم إمكان الكشف عن جوف الصبي لمعرفة وصول الحليب من عدمه، ولا يعني ذلك أن الحرمة تثبت مع الشك في وصول اللبن إلى الجوف؛ لأن الأصل عدم الرضاع، ولا ينتقل عن هذا الأصل بغير يقين. (٦) - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية:

стр. 520

١ - إذا استيقن الشاهد وصول اللبن إلى الجوف بأن يعاين الحلب، وإيجار الصغير المحلوب وازدراده، وحينئذ يشهد به، ولا إشكال (١)، وهذا هو مذهب الشافعية. ٢ - قد يشاهد شاهد الرضاع القرائن الدالة عليه، وهي التقام الثدي وامتصاصه، وحركة الحلق بالتجرع والازدراد؛ بعد العلم بأنها ذات لبن، وهذا يسلطه على الشهادة (٢)، وهو مذهب الشافعية في وجه؟ ٣ - إذا رأى شاهد على الرضاع امرأة أخذت الطفل تحت ثيابها، وأدته منها كهيئة المرضعة؛ فلا يجوز له أن يشهد على رضاعه منها؛ لأنها قد توجره لبن غيرها في شيء كهيئة الثدي؛ كما لو سمع صوت الامتصاص؛ فلا يجوز له الشهادة على ارتضاع الرضيع منها؛ كما لو امتص أصبعه أو أصبعها. (٣) ٤ - لو رأى شاهد التقام الثدي والامتصاص وهيئة الازدراد، ولم يعلم كونها ذات لبن؛ فهل له الشهادة لظاهر الحال أم لا، لأن الأصل عدم اللبن؟ وجهان عند الشافعية (٤)، أصحهما عند النووي الثاني (٥). ٥ - إذا كان مستند الشاهد على الرضاع في أداء الشهادة حكايةَ القرائن؛ بأن يشهد برؤية الالتقام، والامتصاص، والتجرع؛ من غير تعرض لوصول اللبن إلى الجوف؛ فلا يثبت بهذه الشهادة تحريم حتى تشهد أن قد أرضع المولود خمس رضعات تخلص كلهن إلى جوفه أو يخلص من كل واحدة منهن شيء إلى جوفه؛ قبلت، وثبت الرضاع؛ فيما صار إليه الشافعي وأتباع مذهبه (٦)، والراجح أن العلامات المذكورة تكفي للشهادة على واقعة الرضاع من الثدي؛ لعدم إمكان الكشف عن جوف الصبي لمعرفة وصول الحليب من عدمه، ولا يعني

стр. 521

ذلك أن الحرمة تثبت مع الشك في وصول اللبن إلى الجوف؛ لأن الأصل عدم الرضاع، ولا ينتقل عن هذا الأصل بغير يقين. (١) المسألة الرابعة: صيغة الشهادة . صورة المسألة: الشهادة على الرضاع قد ترد مطلقة؛ كما لو شُهِد أن بينهما رضاعًا محرِّمًا، أو حرمة الرضاع، أو أخوّته، أو بنوّته (٢)، وقد تأتي الشهادة مفصلة مع التعريض بالشرائط؛ فبأيهما يكتفى لإثبات الرضاع؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: الشهادة المطلقة مقبولة. وهو وجه عند الشافعية (٣)، وهو إطلاق الشافعي (٤). القول الثاني: لا تقبل مطلقة؛ بل يشترط التفصيل بذكر الوقت والعدد؛ بأن يشهد أنها أرضعته أو ارتضع منها في الحولين خمس رضعات متفرقات، ولو مات المقر قبل الاستفصال؛ فللقاضي التوقف. وهو وجه عند الشافعية (٥). القول الثالث: لا يخلو: أإن أطلق فقيه يوثق بمعرفته؛ قبل. ب وإلا؛ فلا. وهو ما استحسنه النووي (٦)، واعتبره وسطًا بتخصيص الخلاف بغير الفقيه، ينزل القولان الآنفان عليه. القول الثالث: تقبل من المرضعة؛ إذا قالت: أشهد أنهما ارتضعا مني، ولا تقبل؛ إن قالت: أشهد أني أرضعتهما.

стр. 522

وبه قال ابن حمدان من الحنابلة (١). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - اختلاف المذاهب في شروط الرضاع؛ فاشتُرط التفصيل ليعمل القاضي باجتهاده. (٢) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - كالإخبار بنجاسة الماء. (٣) - الترجيح: الراجح هو القول الثاني؛ لأن كثيرًا من دعاوي الرضاع الواقعة على ألسنة البشر لا تنشر الحرمة في الشريعة، ولا يعني ذلك اشتراط التفصيل القولي؛ بل قد ينوب عن التفصيل القولي العرف المخصص، أو شاهد الحال؛ كصدوره من فقيه، ونحو ذلك. المسألة الخامسة: وقوع الفرقة . صورة المسألة: إذا ثبتت الحرمة الرضاعية بين زوجين؛ فهل يشترط لفرقتهما حكم الحاكم؟ القول الأول: لا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي؛ لتضمنها حق العبد، وهو: حل التمتع. وبه قال الحنفية. (٤) غير أنهم يقولون: لو شهد عند الزوجة عدلان على الرضاع بينها وبين زوجها، وهو يجحد، ثم ماتا أو غابا قبل الشهادة عند القاضي؛ فلا يسعها المقام معه؛ لأن هذه الشهادة لو قامت عند القاضي يثبت الرضاع، فكذا إذا أقامت عندها. (٥) القول الثاني: يعتبر النكاح مفسوخًا إذا وقعت الشهادة. وبه قال الشافعي (٦).

стр. 523

والراجح أنه يجب على الزوج مفارقتها ديانةً إذا اتضح الأمر له بحيث لو قامت هذه الشهادة عند القاضي ثبت الرضاع. وقد أثمر ذلك في أن من شهد عندها من النساء عدلان على الرضاع بينها وبين زوجها بحيث لو قامت هذه الشهادة عند القاضي ثبت الرضاع، فلم يسعها المقام؛ أن تتزوج بآخر ديانةً؛ في قول بعض الحنفية (١)، وهو مقتضى قول الشافعي، غير أن آخرين من الحنفية ضعفوا هذا القول (٢)، وقالوا: لا يسعها التزوج بآخر، وجعله بعضهم الصحيح من مذهبهم (٣). المسألة السادسة: شهادة أم أحد الزوجين أو أبوه . قد يقر أحد الأبوين بأن زوجَ ابنه أو زوجَ ابنته؛ ابنُه أو ابنتُه رضاعًا، وهذه مسألة محلها عند الكلام على الإقرار. غير أنه إذا ادعى الزوج أن زوجتَه أختُه من الرضاع، فأنكرته، فشهدت أم الزوج أو أم الزوجة، أو أمهاتهم؛ على من أرضعتهما؛ فهل تقبل شهادتها؟ وكذلك لو كانت الدعوى من الزوجة فأنكرها الزوج وشهدت أمٌّ؟ للفقهاء في ذلك أقوال، هي: القول الأول: شهادة أحد أبوي الزوجين كالأجنبية. وبه قال المالكية (٤). القول الثاني: شهادة أحد أبوي الزوجين أرفع منها. وبه قال بعض المالكية (٥). القول الثالث: تجوز شهادة الأم، أما لو كان فيمن يشهد بالرضاع أم المرأة، على حرمة الرضاع بينها وبين الزوج؛ فلا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن تكون ثم دعوى، فذلك على تفصيل:

стр. 524

أإن كان الزوج مدعيًا، والمرأة منكرة؛ قبلت شهادتها. ب وإن انعكس؛ فلا. الحال الثانية: أن لا تتقدم الشهادة دعوى، بل تكون شهادة الأم على سبيل الحسبة؛ قبلت، وإن احتمل كون الزوجة مدعية. وهو ظاهر مذهب الشافعي (١)، وبه قال الشافعية (٢). القول الرابع: لا تقبل؛ إلا أن يكونا أبوي الطرف المنكر. فإذا ادعى أن زوجته أخته من الرضاع، فأنكرته، فشهدت بذلك أمه؛ لم تقبل شهادتها، وإن شهدت بذلك أمها؛ قبلت. وإن ادعت ذلك المرأة، وأنكره الزوج، فشهدت لها أمها؛ لم تقبل، وإن شهدت لها أم الزوج؛ قبلت. وهي الرواية الأصح عند الحنابلة (٣). القول الخامس: لا تقبل مطلقًا. وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة (٤). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - اختصاصها بالاطلاع. (٥) ٢ - نفي التهمة. (٦) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث على قبول شهادة الأم مطلقًا إذا كانت على سبيل الحسبة من دون تقدم دعوى بما يأتي: ١ - إن الرضاع تقبل فيه شهادة الحسبة. (٧) ٢ - كما لو شهد أبو الزوجة وابنها أو ابناها ابتداء أن زوجها طلقها؛ قبلت، ولو ادعت الطلاق، فشهدا؛ لم تقبل. (٨) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: ١ - إن شهادة الوالدة لولدها، والوالد لولده غير مقبولة؛ للمانع، وهو: القرابة. (٩) ٢ - وقبلت شهادة أم الطرف المنكر؛ لأن شهادتهم عليها، لا لها. (١٠) أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس بما يأتي: ١ - بناء على شهادة الوالد على ولده والولد على والده. (١١) - الترجيح: يترجح القول الخامس فيما بعد النكاح، وهو عدم قبول شهادة أبوي أحد الزوجين مطلقًا؛ إذا كان يترتب على الشهادة الفرقة؛ لأن الأصل في الوالدين علمهما بزوج ولدهما، وتأخرُ الشهادة إلى ما بعد النكاح مظنة الوهم أو الكذب. وأما قبل النكاح أو بعيده؛ فالأصل في شهادة الوالدين على الرضاع القبول ما لم تتطرق إليها التهمة؛ لعموم قول الله ﵎: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢]، وقوله جل وعلا: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [سورة الطلاق: ٢]، ولا مخصص صريح صحيح لذلك.

стр. 525

المسألة السابعة: شهادة البنت أوبنت الزوجة . لا يتصور أن تشهد البنت على أمها أنها ارتضعت من أم الزوج إلا أن تشهد بالسماع فيها (١)؛ لأن الشهادة على الرضاع تعتبر فيها المشاهدة؛ كما لو شهدت الأم أنها أرضعت الزوج أو أرضعته أمها أو أختها؛ فما حكم شهادة البنت حالتئذ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: تجوز شهادة الولد، أما إذا كان فيمن يشهد بالرضاع بنت المرأة، أو بناتها؛ على حرمة الرضاع بينها وبين الزوج؛ فلا تخلو الشهادة من حالين: الحال الأولى: أن تكون ثم دعوى، فذلك على تفصيل: أـ إن كان الزوج مدعيًا، والمرأة - أي: الزوجة - منكرة؛ قبلت شهادتها. ب - وإن انعكس؛ فلا. الحال الثانية: أن لا تتقدم الشهادة دعوى، بل تكون شهادة الأم على سبيل الحسبة؛ قبلت، وإن احتمل كون الزوجة مدعية. وهو ظاهر مذهب الشافعي (٢)، وبه قال الشافعية (٣). القول الثاني: لا تقبل مطلقًا. وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة (٤). القول الثالث: لا تقبل؛ إلا أن تكون ابنة الطرف الذي لا يدعي الرضاع. فإذا ادعى أن زوجته أخته من الرضاع، فأنكرته، فشهدت بذلك ابنته؛ لم تقبل شهادتها. وإن شهدت بذلك ابنتها؛ قبلت. وإن ادعت ذلك المرأة، وأنكره الزوج، فشهدت لها ابنتها؛ لم تقبل، وإن شهدت لها ابنة الزوج؛ قبلت. وهو رواية عند الحنابلة (٥)، والصحيح من المذهب (٦).

стр. 526

- الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن الرضاع تقبل فيه شهادة الحسبة. (١) ٢ - كما لو شهد أبو الزوجة وابنها أو ابناها ابتداء أن زوجها طلقها؛ قبلت، ولو ادعت الطلاق، فشهدا؛ لم تقبل. (٢) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إن شهادة الوالدة لولدها، والوالد لولده؛ غير مقبولة. (٣) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - إن شهادة الوالدة لولدها، والوالد لولده غير مقبولة؛ للمانع، وهو: القرابة. (٤) ٢ - وقبلت شهادة أم الطرف المنكر؛ لأن شهادتهم عليها، لا لها. (٥) - الترجيح: الظاهر قبول شهادة البنت على إقرار أمها أو غيرها؛ لعموم قول الله ﵎: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢]، وقوله جل وعلا: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [سورة الطلاق: ٢]. ولا يعني ذلك أن الشهادة على إقرار امرأة واحدة يكفي لإثبات الرضاع؛ لأنها شهادة على إقرار بالرضاع، وليت شهادة مباشرة على رضاع.

стр. 527

المسألة الثامنة: شهادة الحواشي . صورة المسألة: أن يشهد أخوات المرأة وعماتها وخالاتها على أنها أرضعت امرأةً خمس رضعات - مثلًا -، أو أرضعت زوجها خمسًا؛ فهل تقبل شهادتهن في ذلك؟ نص الشافعي على هذه المسألة، وقال: تقبل شهادتهن، ويقع ما يترتب على الشهادة؛ لأنها لا يرد لها إلا شهادة ولد أو والد. (١) الوسيلة الثانية: الإقرار . والكلام على هذه الوسيلة من وجوه: الوجه الأول: من المتقرر في الشريعة الإسلامية أن الإقرار من وسائل الإثبات، هذا في الأصل الكلي، ولكل باب التفصيل الجزئي الذي يتفرع فيه، وفي باب الرضاع اختلف الفقهاء في القدر الذي يثبت به الرضاع بطريق الإقرار، وذلك على ما يأتي في المسائل الآتية: المسألة الأولى: عدد المقرِّين . صرح الشافعي وأتباعه بأنه لا يثبت الإقرار بالرضاع إلا برجلين، أو بواحد إذا كان هو المقر على نفسه. (٢) المسألة الثانية: ذكر عدد الرضعات وأوقاتها . صورة المسألة: إذا أقر المقر أو شهد الشاهد على فعل الرضاع والارتضاع؛ فهل يكفي ذلك؟ أو لا بد لقبول الشهادة من التفسير بذكر العدد والأوقات؟ تطرق الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقالوا: لا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفسرة؛ فلا بد من التعرض للوقت والعدد؛ بأن يقر أنها أرضعته أو ارتضع منها في الحولين خمس رضعات متفرقات.

стр. 528

واستدلوا على ذلك بأن الرضاع المحرم يختلف الناس فيه؛ منهم من يحرِّمُ بالقليل، ومنهم من يحرم بعد الحولين؛ فلزم الشاهدَ تبيينُ كيفيته؛ ليحكم الحاكم فيه باجتهاده (١)، وسيأتي مزيد تفصيل في المسألة الرابعة. المسألة الثالثة: في وصول اللبن إلى الجوف . اختلف الفقهاء في إقرار المقر بالرضاع؛ هل يشترط لثبوت الرضاع معه ذكر وصول اللبن إلى الجوف، على ما يأتي: القول الأول: يشترط ذكر وصول اللبن إلى الجوف. وهو وجه عند الشافعية (٢)؛ صححه النووي (٣)، وظاهر مذهب الحنابلة (٤). القول الثاني: لا يشترط ذكر وصول اللبن إلى الجوف. وهو وجه عند الشافعية (٥). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - كما يشترط ذكر الإيلاج في شهادة الزنا. (٦) ونوقش بما يأتي: أ- إن خلوص اللبن إلى جوفه لا طريق لهم إلى مشاهدته، فكيف تجوز الشهادة؟ (٧) ب - إذا عُلم أن هذه المرأة ذات لبن، ورُئي الصبي قد التقم ثديها، وحرك فمَه في الامتصاص، وحلقَه في الاجتراع؛ حصل ظن يقرب إلى اليقين أن اللبن قد وصل إلى

стр. 529

جوفه. وما يتعذر الوقوف عليه بالمشاهدة؛ اكتفي فيه بالظاهر؛ كالشهادة بالملك، وثبوت الدين في الذمة، والشهادة على النسب بالاستفاضة. (١) ٢ - إنه قد يدخل رأسه ولا يأخذ الثدي، وقد يأخذ الثدي ولا يمص؛ فلا بد من ذكر ما يدل عليه. (٢) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه لا يشاهد. (٣) - الترجيح: الراجح أن مظان حكم الرضاع من العلامات تكفي للإقرار بواقعة الرضاع من الثدي؛ كالالتقام، والامتصاص، والتجرع؛ من غير تعرض لوصول اللبن إلى الجوف؛ لعدم إمكان الكشف عن جوف الصبي لمعرفة وصول الحليب من عدمه، ولا يعني ذلك أن الحرمة تثبت مع الشك في وصول اللبن إلى الجوف؛ لأن الأصل عدم الرضاع، ولا ينتقل عن هذا الأصل بغير يقين. (٤) - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - لو قال شاهد في الرضاع: أدخَل الرضيع رأسه تحت ثيابها، والتقم ثديها؛ لم تقبل شهادته؛ في قول الحنابلة الذي صرحوا به (٥)، وهو مقتضى قول الشافعية في الوجه الذي صححه النووي. المسألة الرابعة: صيغة الإقرار . الإقرار بالرضاع قد يرد مطلقًا؛ كما لو أقر أن بينهما رضاعًا محرمًا، أو حرمة الرضاع، أو بنوّته، أو أخوّته؛ بأن يقول: هي أختي من الرضاع، وقد يأتي الإقرار مفصلًا مع التعريض بالشرائط؛ فبأيهما يكتفى لإثبات الرضاع؟

стр. 530

اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: الإقرار المطلق مقبول، وللقاضي أن يستفصله. وهو وجه عند الشافعية. (١) القول الثاني: لا تقبل صيغة الإقرار مطلقة؛ بل يشترط التفصيل، ولو مات المقر قبل الاستفصال؛ فللقاضي التوقف. وهو وجه عند الشافعية. (٢) القول الثالث: لا يخلو: أإن أطلق فقيه يوثق بمعرفته؛ قبل. ب وإلا؛ فلا. وهو ما استحسنه النووي (٣). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن المقر يحتاط لنفسه، فلا يقر إلا عن تحقيق. (٤) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - اختلاف المذاهب في شروط الرضاع؛ فاشترط التفصيل ليعمل القاضي باجتهاده. (٥) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - كالإخبار بنجاسة الماء. (٦) - الترجيح: الراجح هو القول الثاني؛ لأن كثيرًا من دعاوي الرضاع الواقعة على ألسنة البشر لا تنشر الحرمة في الشريعة، ولا يعني ذلك اشتراط التفصيل القولي؛ بل قد ينوب عن التفصيل القولي العرف المخصص، أو شاهد الحال؛ كصدوره من فقيه، ونحو ذلك.
следующие страницы →