← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

- الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن الرضاع تقبل فيه شهادة الحسبة. (١) ٢ - كما لو شهد أبو الزوجة وابنها أو ابناها ابتداء أن زوجها طلقها؛ قبلت، ولو ادعت الطلاق، فشهدا؛ لم تقبل. (٢) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إن شهادة الوالدة لولدها، والوالد لولده؛ غير مقبولة. (٣) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - إن شهادة الوالدة لولدها، والوالد لولده غير مقبولة؛ للمانع، وهو: القرابة. (٤) ٢ - وقبلت شهادة أم الطرف المنكر؛ لأن شهادتهم عليها، لا لها. (٥) - الترجيح: الظاهر قبول شهادة البنت على إقرار أمها أو غيرها؛ لعموم قول الله ﵎: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢]، وقوله جل وعلا: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [سورة الطلاق: ٢]. ولا يعني ذلك أن الشهادة على إقرار امرأة واحدة يكفي لإثبات الرضاع؛ لأنها شهادة على إقرار بالرضاع، وليت شهادة مباشرة على رضاع.

стр. 527

المسألة الثامنة: شهادة الحواشي . صورة المسألة: أن يشهد أخوات المرأة وعماتها وخالاتها على أنها أرضعت امرأةً خمس رضعات - مثلًا -، أو أرضعت زوجها خمسًا؛ فهل تقبل شهادتهن في ذلك؟ نص الشافعي على هذه المسألة، وقال: تقبل شهادتهن، ويقع ما يترتب على الشهادة؛ لأنها لا يرد لها إلا شهادة ولد أو والد. (١) الوسيلة الثانية: الإقرار . والكلام على هذه الوسيلة من وجوه: الوجه الأول: من المتقرر في الشريعة الإسلامية أن الإقرار من وسائل الإثبات، هذا في الأصل الكلي، ولكل باب التفصيل الجزئي الذي يتفرع فيه، وفي باب الرضاع اختلف الفقهاء في القدر الذي يثبت به الرضاع بطريق الإقرار، وذلك على ما يأتي في المسائل الآتية: المسألة الأولى: عدد المقرِّين . صرح الشافعي وأتباعه بأنه لا يثبت الإقرار بالرضاع إلا برجلين، أو بواحد إذا كان هو المقر على نفسه. (٢) المسألة الثانية: ذكر عدد الرضعات وأوقاتها . صورة المسألة: إذا أقر المقر أو شهد الشاهد على فعل الرضاع والارتضاع؛ فهل يكفي ذلك؟ أو لا بد لقبول الشهادة من التفسير بذكر العدد والأوقات؟ تطرق الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقالوا: لا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفسرة؛ فلا بد من التعرض للوقت والعدد؛ بأن يقر أنها أرضعته أو ارتضع منها في الحولين خمس رضعات متفرقات.

стр. 528

واستدلوا على ذلك بأن الرضاع المحرم يختلف الناس فيه؛ منهم من يحرِّمُ بالقليل، ومنهم من يحرم بعد الحولين؛ فلزم الشاهدَ تبيينُ كيفيته؛ ليحكم الحاكم فيه باجتهاده (١)، وسيأتي مزيد تفصيل في المسألة الرابعة. المسألة الثالثة: في وصول اللبن إلى الجوف . اختلف الفقهاء في إقرار المقر بالرضاع؛ هل يشترط لثبوت الرضاع معه ذكر وصول اللبن إلى الجوف، على ما يأتي: القول الأول: يشترط ذكر وصول اللبن إلى الجوف. وهو وجه عند الشافعية (٢)؛ صححه النووي (٣)، وظاهر مذهب الحنابلة (٤). القول الثاني: لا يشترط ذكر وصول اللبن إلى الجوف. وهو وجه عند الشافعية (٥). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - كما يشترط ذكر الإيلاج في شهادة الزنا. (٦) ونوقش بما يأتي: أ- إن خلوص اللبن إلى جوفه لا طريق لهم إلى مشاهدته، فكيف تجوز الشهادة؟ (٧) ب - إذا عُلم أن هذه المرأة ذات لبن، ورُئي الصبي قد التقم ثديها، وحرك فمَه في الامتصاص، وحلقَه في الاجتراع؛ حصل ظن يقرب إلى اليقين أن اللبن قد وصل إلى

стр. 529

جوفه. وما يتعذر الوقوف عليه بالمشاهدة؛ اكتفي فيه بالظاهر؛ كالشهادة بالملك، وثبوت الدين في الذمة، والشهادة على النسب بالاستفاضة. (١) ٢ - إنه قد يدخل رأسه ولا يأخذ الثدي، وقد يأخذ الثدي ولا يمص؛ فلا بد من ذكر ما يدل عليه. (٢) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه لا يشاهد. (٣) - الترجيح: الراجح أن مظان حكم الرضاع من العلامات تكفي للإقرار بواقعة الرضاع من الثدي؛ كالالتقام، والامتصاص، والتجرع؛ من غير تعرض لوصول اللبن إلى الجوف؛ لعدم إمكان الكشف عن جوف الصبي لمعرفة وصول الحليب من عدمه، ولا يعني ذلك أن الحرمة تثبت مع الشك في وصول اللبن إلى الجوف؛ لأن الأصل عدم الرضاع، ولا ينتقل عن هذا الأصل بغير يقين. (٤) - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - لو قال شاهد في الرضاع: أدخَل الرضيع رأسه تحت ثيابها، والتقم ثديها؛ لم تقبل شهادته؛ في قول الحنابلة الذي صرحوا به (٥)، وهو مقتضى قول الشافعية في الوجه الذي صححه النووي. المسألة الرابعة: صيغة الإقرار . الإقرار بالرضاع قد يرد مطلقًا؛ كما لو أقر أن بينهما رضاعًا محرمًا، أو حرمة الرضاع، أو بنوّته، أو أخوّته؛ بأن يقول: هي أختي من الرضاع، وقد يأتي الإقرار مفصلًا مع التعريض بالشرائط؛ فبأيهما يكتفى لإثبات الرضاع؟

стр. 530

اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: الإقرار المطلق مقبول، وللقاضي أن يستفصله. وهو وجه عند الشافعية. (١) القول الثاني: لا تقبل صيغة الإقرار مطلقة؛ بل يشترط التفصيل، ولو مات المقر قبل الاستفصال؛ فللقاضي التوقف. وهو وجه عند الشافعية. (٢) القول الثالث: لا يخلو: أإن أطلق فقيه يوثق بمعرفته؛ قبل. ب وإلا؛ فلا. وهو ما استحسنه النووي (٣). - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن المقر يحتاط لنفسه، فلا يقر إلا عن تحقيق. (٤) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - اختلاف المذاهب في شروط الرضاع؛ فاشترط التفصيل ليعمل القاضي باجتهاده. (٥) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - كالإخبار بنجاسة الماء. (٦) - الترجيح: الراجح هو القول الثاني؛ لأن كثيرًا من دعاوي الرضاع الواقعة على ألسنة البشر لا تنشر الحرمة في الشريعة، ولا يعني ذلك اشتراط التفصيل القولي؛ بل قد ينوب عن التفصيل القولي العرف المخصص، أو شاهد الحال؛ كصدوره من فقيه، ونحو ذلك.

стр. 531

المسألة الخامسة: اشتراط لبن يعرف للمرضع مثله . صورة المسألة: إذا أقر رجل أن امرأةً أمُّه من الرضاعة أو ابنتُه من الرضاعة، ولم ينكح واحدة منهما؛ فهل يشترط لذلك أن يمكن الرضاع عادةً بحيث يعرف لمن نسبت إليها الرضاعة لبن؟ صرح الشافعي والحنابلة بهذا الشرط، وهو أن تكون المرأة التي يزعم أنها أمه ولدت، أو كان لها لبن يعرف للمرضع مثله (١)، أو أن يكون للمرضع سن يحتمل أن يرضع مثلها مثله، وبشرط الإمكان عادةً قال الحنابلة أيضًا (٢)، واستدلوا على ذلك بما يأتي: ١ - ألا ترى أنه لو قال لرجل أكبر منه: هذا ابني وصدقه الرجل؛ لم يكن ابنه أبدًا. (٣) ٢ - ألا ترى أنه لو قال رجل هو أصغر منه: هذا أبي، وصدقه الرجل، ولا نَسب لواحدٍ منهما يعرف؛ لم يكن أباه. (٤) ٣ - إنه أقر بما تحقق كذبه فيه (٥)، فأشبه ما لو قال: أرضعتني وإياها حواء، أو كما لو قال: هذه حواء، وما ذكروه تنتقض بهذه الصور. (٦) وهذه المسألة تعود إلى عدم اعتبار الإقرار أو الشهادة التي تخالف الحس، أو العرف الظاهر، ولكن نسب إلى صاحِبَيْ أبي حنيفة عدم اشتراط الإمكان عادةً لقبول إقرار الرضاع؛ لأنه أقر بما يحرمها عليه، فوجب أن يقبل، كما لو أمكن (٧)، ولم أجد ذلك في كتبهم وكتب أتباعهم التي وقفت عليها. وقد أثمر ذلك في أن من وافقه الإقرار بالرضاع من الرجال والنساء، والمرضع المنسوب إليها الأمومة في الإقرار لم تلد، أو ولدت مولودًا أصغر منه، فكان مثلها لا يرضع لمثله بحال،

стр. 532

أو كانت التي ذكر أنها ابنته من الرضاعة مثله في السن أو أكبر منه أو قريبًا منه، لا يحتمل مثله أن تكون ابنته من الرضاعة؛ كان قول المقر في هذه الأحوال باطلًا، ولم يحرم على المنسوب إليه الرضاع من الذكور أن ينكح ممن أقر أنه ارتضع معها أو منها أو من أمها، وسواء في ذلك كذبته المرأة أو صدقته، أو كانت المدعية دونه. (١) وكذا لو قال الزوج: هي ابنتي من الرضاع، وهي في سنه أو أكبر منه؛ لم تحرم؛ في مذهب الحنابلة الذي صرحوا به بلا نزاع (٢)؛ لتحقق كذبه (٣). المسألة السادسة: شرط تصديق الطرف الرَّضاعيِّ الآخر لثبوت الإقرار بالرضاع . إذا ادعى رجل على امرأة؛ فقال: هذه أختي من الرضاعة، أو ادعت هي؛ فقالت: هذا أخي من الرضاعة؛ قبل أن يتزوجها؛ فهل يعتبر في ثبوت هذا الإقرار أن يصدِّق الطرف الآخر الطرفَ الأول على إقراره الذي تضمن الدعوى ولا يكذبه؟ تطرق الشافعي إلى هذه المسألة، وقرر عدم اشتراط تصديق الطرف الرَّضاعيِّ الآخر لثبوت الإقرار بالرضاع؛ فتصديقه أو تكذيبه، وتصديقها أو تكذيبها؛ يكون سواءً كلُّه، بحيث لا يحل لواحد منهما أن ينكح الآخر، ولا واحدًا من ولده، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فيحل؛ إن علما أنهما كاذبان. (٤) المسألة السابعة: تسمية المرضع . لا يشترط الفقهاء لقبول إقرار المقر بالرضاع بينه وبين المرتضع الآخر تسمية المرضع، وبهذا صرح الشافعي. (٥)

стр. 533

الوجه الثاني: صور الإقرار في دعوى الرضاع وأنواعه: الصورة الأولى: الإقرار على الفروع الرضاعيِّين أو الحواشي. ومثاله: إذا قال: فلانة أختي أو بنتي من الرضاع (١)، أو قالت: فلان أخي أو ابني من الرضاع (٢)؛ فهل يحل النكاح بينهما على الأصل؟ أو يعتبر هذا الإقرار ولا يحل النكاح بينهما؟ نص فقهاء الشافعية والحنابلة (٣) على هذه المسألة، وقالوا: إن الحال لا يخلو: أأن يتفقا على ذلك، ويوجد الإمكان؛ فلا يحل النكاح بينهما. ب أن يتفقا على ذلك، ولا يوجد الإمكان؛ بأن قال: فلانة بنتي، وهي أكبر سنًّا منه؛ فهو لغو. الصورة الثانية: الإقرار على الصهر أوالزوج. ومثاله: أن يقول الرجل لامرأة تزوجها: هي أختي من الرضاع (٤)، أو يقر بأنها أرضعته خمسًا، ولا يخلو الحال حينئذ: فإما أن يكون الإقرار من المرأة، أو من الرجل، أو باتفاق منهما، أو من غيرهما؛ فإن كانت دعوى الرضاع من الرجل، فذلك على حالين: الحال الأولى: أن يُسمع من الزوج ذلك قبل العقد، وهذه الحال ظاهرة في أنه لا يحل له تزوجها؛ صدقته المرأة أو كذبته؛ يكون سواءً كلُّه، بحيث لا يحل لواحد منهما أن ينكح الآخر، ولا واحدًا من ولده، ولو وقع العقد اندفع النكاح ولو أنكرت المرأة، ولا صداق لها، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فيحل؛ إن علما أنهما كاذبان. (٥)

стр. 534

الحال الثانية: أن تكون دعوى الإقرار بعد العقد، وهي على وجهين: أأن يكون الإقرار قبل الدخول. وذلك بأن يملك عقدة النكاح، فلا يدخل بها حتى يقر بأنها: ابنته، أو أخته، أو أمه؛ كما لو قال قبل الدخول بها: هي أختي من الرضاع، أو أرضعتني خمسًا؛ فهل ينفسخ النكاح؟ وهل يجب لها شيء؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: ينفسخ النكاح، وتحرم عليه، ولها نصف الصداق؛ إن هي كذبته مع الحلف، وإن صدقته أو ثبت ذلك ببينة؛ فلا مهر لها. وبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعي فيما ينسب إليه (٣)، والحنابلة من دون النص على قيد الحلف (٤). القول الثاني: إذا أمكن ذلك، فلا يخلو: أـ أن تصدقه؛ فيفرق بينهما، ولا مهر لها ولا متعة. ب - أن تكذبه؛ فيفرق بينهما، ويجعل لها عليه نصف المهر الذي سمى لها، أو نصف صداق مثلها إن لم يفرض لها؛ إلا أن تكون تزوجت برضاها بلا مهر؛ فلا مهر لها، ولها المتعة. ج - أن تكذبه وهي بالغة، فيريد إحلافها، فتنكل ويحلف هو؛ فيسقط عنه نصف المهر. د - أن تكون صبية، فيفرق بينهما، ويجعل لها عليه نصف المهر الذي سمى لها، أو نصف صداق مثلها إن لم يفرض لها، ويستوي في ذلك ما إذا أكذبه أبوها أو أقر بدعواه، ولا يمين عليها إن أراد إحلافها حتى تكبر. وهو مذهب الشافعي. (٥)

стр. 535

القول الثالث: إن أنكرته وليس للزوج بينة؛ قبل في حقه فقط، وحكم ببطلان النكاح، وفرق بينهما، وله تحليفها، ووجب لها نصف المسمى؛ إلا أن تنكل إذا استحلفها فلا شيء لها. وبه قال الشافعية. (١) - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن اعتراف الإنسان لا يسمع على غيره، وإن صدقته فلا صداق لها. (٢) ٢ - إن تحت قوله هذا معنيين: أحدَهما: اعترافه بفساد النكاح، وهو يملك فسخه وإبطاله؛ فيصدق فيه على نفسه. آخِرَهما: سقوط مهرها؛ فلا يصدُق عليها إلا أن تصدقه. (٣) ٣ - إنهما اتفقا على أن النكاح فاسد من أصله، لا يستحق فيه مهر؛ فأشبه ما لو ثبت ذلك ببينة. (٤) ٤ - إنه أقر بما يتضمن تحريمها عليه؛ كما لو أقر بالطلاق، أو أن أمته أخته من النسب. (٥) كما استدلوا على أنه لا مهر لها إن صدقته أو ثبت ذلك ببينة؛ بأنه نكاح باطل من أصله، لا تستحق فيه مهرًا (٦)، وإن أكذبته، فالقول قولها؛ لأن قوله غير مقبول عليها في إسقاط حقوقها، فلزمه إقراره فيما هو حق له؛ وهو تحريمها عليه، وفسخ نكاحه، ولم يقبل قوله فيما عليه من المهرر لما كانت الفرقة من جهته. (٧) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: أولًا: الاستدلال على التفريق بينهما، وجعل نصف المهر لها؛ إن كذبته: ١ - إنه إنما أقر بأنها محرم منه بعدما لزمه لها المهر، فقُبل إقراره فيما يفسده على نفسه، ورُدَّ فيما يطرح به حقها الذي يلزمه. (٨) ثانيًا: الدليل على أن للصبية مع التفريق نصف المسمى ولو أقر وليها بدعوى الرضاع ممن بيده عقدة النكاح: ١ - إنه ليس له أن يبطل حقها. (٩) ب أن يكون الإقرار بعد الدخول. (١٠) وذلك كما لو قال لزوجته المدخولة: هذه رضيعتي، أو أرضعتني خمسًا، أو أختي من الرضاع، أو هي عمتي، أو خالتي، أو ابنة أخي أو أختي، أو أمي من الرضاع، وأمكن صدقه؛ فهل يفرق بينهما ولو أكذبته زوجته؟ وماذا يترتب على التفريق؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: يفرق بينهما (١١)، وعليه جميع الصداق بكل حال (١٢)، ولا يلتفت إلى تكذيب زوجته له (١٣)؛ ما لم تقر أنها طاوعته عالمةً بالتحريم (١٤). وبه قال الحنفية (١٥)، والمالكية (١٦)، والحنابلة (١٧)؛ في الجملة، وزاد الحنابلة: محل هذا في الحكم، أما فيما بينه وبين الله: فينبني ذلك على علمه وتصديقه؛ فإن علم أن الأمر كما

стр. 536

قال؛ فهي محرمة عليه، وإن علم كذب نفسه؛ فالنكاح بحاله، وإن شك في ذلك؛ لم يزل عن اليقين بالشك. (١) القول الثاني: فرق بينه وبين امرأته؛ فإن أصابها فلها مهر مثلها، وإن لم يصبها فلا نصف مهر لها، ولا متعة. وهو مذهب الشافعي (٢). القول الثالث: إن كذبته فلها المهر الذي سمى لها، وإن صدقته فلها مهر مثلها؛ كان أكثر أو أقل من المهر الذي سمى لها. وهو مذهب الشافعي (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤). القول الرابع: إن أنكرته وليس للزوج بينة؛ قبل في حقه فقط، وحكم ببطلان النكاح، وفرق بينهما، ووجب لها جميع المسمى، وله تحليفها إن كان مهر المثل أقل من المسمى، فإن نكلت؛ حلف الزوج، وولا يجب أكثر من مهر المثل. وبه قال الشافعية (٥). القول الخامس: يفرق بينهما، وعليه جميع الصداق بكل حال وإن أكذبته، ومحل هذا في الحكم، أما فيما بينه وبين الله: فينبني ذلك على علمه وتصديقه؛ فإن علم أن الأمر كما قال، فهي محرمة عليه، وإن علم كذب نفسه؛ فالنكاح بحاله، وإن شك في ذلك؛ لم يزل عن اليقين بالشك. وهو الرواية المرجوحة عند الحنابلة (٦). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال الأول بأدلة، وهي كما يأتي:

стр. 537

أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: الاستدلال على وجوب رد جميع الصداق: ١ - إن اعتراف الإنسان لا يسمع على غيره (١). ٢ - إن المهر يستقر بالدخول. (٢) ثانيًا: الاستدلال على عدم الاعتداد بتكذيب الزوجة للزوج في دعوى الرضاع: ١ - إن الحرمة ليست إليها. (٣) ثالثًا: الاستدلال على أن المهر لا يكون لها إن طاوعت عالمةً بالتحريم: ١ - إنها زانية مطاوعة. (٤) وإن كان الإقرار صادرًا من المرأة؛ كما لو أقرت أن زوجها أخوها من الرضاعة، فلا يخلو الحكم من حالين: الحال الأولى: أن يكون ذلك قبل العقد، وفيه حالان: أأن يصدِّق الرجل إقرار المرأة. إن كان إقرارها بأخوته قبل النكاح؛ لم يجز لها نكاحه وقيد ذلك بعض الحنفية بأن تصر على إقرارها، ولا يقبل رجوعها عن إقرارها، في ظاهر الحكم. واستُدِلَّ على ذلك بأن إقرارها لم يصادف زوجية عليها يبطلها، فقبل إقرارها على نفسها بتحريمه عليها. (٥)

стр. 538

ب أن ينكر الرجل إقرار المرأة. إن ادعت المرأة الرضاع مع الرجل الذي خطبها يريد الزواج منها، وأنكر خطيبها ذلك؛ لم يجز لها نكاحه أيضًا، ولو انعقد النكاح ووجد من يشهد بسماع ذلك منها قبل العقد - بقيد الإصرار عند الحنفية -؛ اندفع النكاح، ولا يقدر الزوج على طلب المهر؛ إلا أن يكون دخل بها؛ مؤاخذة لها بإقرارها. (١) واستُدل لذلك بأن إقرارها لم يصادف زوجية عليها يبطلها، فقبل إقرارها على نفسها بتحريمه عليها. (٢) الحال الثانية: أن يكون بعد العقد، وذلك لا يخلو من أحوال: أأن يكون قبل الدخول. إذا أقرت المرأة بالرضاع، وادَّعت انتشار حرمته إلى زوجها قبل أن يدخل بها، فقد اختلف الفقهاء في اعتباره وما يترتب عليه؛ وفق ما يأتي: القول الأول: لم يعتبر بإقرارها، ولم يندفع به النكاح، وإن أصرت؛ سواء قبل العقد أو بعده؛ بخلاف الرجل، فإن إصراره مثبت للحرمة. وهذا هو المشتهر عند الحنفية. (٣) القول الثاني: كالقول الأول؛ إلا أنهم يقيدونه بشرطين: الأول: إنكار الرجل (٤). الثاني: أن لا يصدقها، فإن صدقها؛ اندفع النكاح، ولم يترك لها شيئًا. (٥) وبه قال المالكية. (٦)

стр. 539

القول الثالث: إن أنكر الزوج؛ لم يقبل قولها، بل يصدق الزوج بيمينه؛ سواء جرى التزويج برضاها أو بغير رضاها. والورع للزوج إذا ادعت الرضاع أن يتقي الله تعالى، ويدع نكاحها بتطليقة؛ لتحل لغيره؛ إن كانت كاذبة. وهو ظاهر كلام الشافعي (١)، وصححه الغزالي (٢). القول الرابع: إن أنكر الزوج، فلا يخلو: أإن جرى التزويج برضاها؛ لم يقبل قولها، بل يصدق الزوج بيمينه. ب وإن جرى بغير رضاها؛ فهي المصدقة، وليس لها المطالبة بالمسمى إذا ادعت الرضاع. والورع للزوج إذا ادعت الرضاع أن يدع نكاحها بتطليقة لتحل لغيره إن كانت كاذبة. وهو وجه عند الشافعية (٣)؛ صححه النووي (٤)، واختاره البغوي (٥). القول الخامس: إن أكذبها، ولم تأت ببينة، وحلف؛ فهي زوجته في الحكم، ولا يقبل قولها في فسخ النكاح، ولا مهر لها، فإن كانت قد قبضته؛ لم يكن للزوج أخذه منها، ولا طلبها به. وهو مذهب الحنابلة (٦)؛ قال المرداوي ت ٨٨٥ هـ: بلا نزاع ا. هـ (٧) - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:

стр. 540

١ - لو ادعت الطلقات الثلاث، وأنكر الزوج؛ حل لها أن تزوج نفسها منه؛ لأن الطلاق في حقها مما يخفى؛ لاستقلال الرجل، أما فيما بينها وبين الله؛ فلا؛ إذا كانت عالمةً بالثلاث. (١) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي على أنه ليس لمدعية الرضاع المطالبةُ بالمسمى: ١ - إنها لا تستحقه بزعمها (٢). أدلة القول الخامس: استدل أصحاب القول الخامس بما يأتي: أولًا: الدليل على أنه إن أكذبها لم يقبل قولها في فسخ النكاح: ١ - إنه حق عليها، فلم يقبل قولها في فسخ النكاح. (٣) ثانيًا: الدليل على أنها لا مهر لها إن لم تقبضه: ١ - إنها تقر بأنها لا تستحقه. (٤) ثالثًا: الدليل على أنه ليس للزوج أخذ المهر إن كانت قد قبضته: ١ - إنه يقر بأنه حق لها. (٥) - الترجيح: لم يظهر رجحان قول من الأقوال المذكورة. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر فيما يأتي: ١ - إذا مكنت مدعية الرضاع الزوج وقد زوجت بغير رضاها، فتمكينها كرضاها (٦)؛ فلا يقبل قولها، وهو ما عليه الشافعية في وجه عندهم.

стр. 541

٢ - إذا قالت المرأة: هذا ابني رضاعًا، وأصرت عليه؛ جاز له أن يتزوجها، وهذا فيما اشتهر عند الحنفية (١)، وعند بعضهم: لا يجوز لها النكاح منه، ويستثى من ذلك إذا أنكر الزوج. ب - أن يكون بعد الدخول. إن أقرت الزوجة بأن رضاعًا بينها وبين زوجها بعد الدخول، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على ما يأتي: القول الأول: لم يفرَّق بينهما، ولم يندفع النكاح إن لم يصدقها، وإن أصرت عليه؛ لأن الحرمة ليست إليها، فلا يلتفت إلى إقرارها؛ لأنها تتهم على فراقه. (٢) وبه قال الحنفية (٣)، والمالكية (٤). بيد أن المالكية قالوا: إن صدقها الزوج؛ رجع عليها بالصداق؛ إلا ربع دينار؛ كالغارة في العدة. (٥) القول الثاني: إن أنكر الزوج؛ لم يقبل قولها، بل يصدق الزوج بيمينه؛ سواء جرى التزويج برضاها أو بغير رضاها. والورع للزوج إذا ادعت الرضاع أن يدع نكاحها بتطليقة، لتحل لغيره إن كانت كاذبة، ولا يضره إن كانت صادقة، ولا أجبره في الحكم على أن يطلقها. وإن نكل؛ أُحلِفت، وفسخ النكاح، ولا شيء لها. وإن لم تحلف فهي امرأته بحالها. وهو مذهب الشافعي (٦)، وصححه الغزالي (٧). القول الثالث: لم تصدق؛ إلا أن يصدقها، فيكون لها مهر مثلها.

стр. 542

وهو مذهب ذهب إليه الشافعي في بعض المواطن من الأم (١). القول الرابع: إن أنكر الزوج، فلا يخلو: أإن جرى التزويج برضاها؛ لم يقبل قولها، بل يصدق الزوج بيمينه. ب وإن جرى بغير رضاها؛ فهي المصدقة، ولها المطالبة بمهر المثل، فإن كان ذلك بعد دفع الزوج الصداق؛ لم يتمكن الاسترداد؛ لزعمه. والورع للزوج إذا ادعت الرضاع أن يدع نكاحها بتطليقة لتحل لغيره إن كانت كاذبة. وهو وجه عند الشافعية (٢)؛ صححه النووي (٣)، واختاره البغوي (٤). القول الخامس: إن أنكر الزوج، فلا يخلو: أإن جرى التزويج برضاها؛ لم يقبل قولها، بل يصدق الزوج بيمينه. ب إن جرى بغير رضاها؛ فهي المصدقة، ولها المطالبة بمهر المثل، فإن كان ذلك بعد دفع الزوج الصداق؛ فيشبه أن يكون فيما يفعل بذلك المال الخلاف المذكور فيما إذا أقر لغيره بمال فأنكره المقر له. والورع للزوج إذا ادعت الرضاع أن يدع نكاحها بتطليقة لتحل لغيره إن كانت كاذبة. وهو توجيه للنووي. (٥) القول السادس: إن أكذبها الزوج، ولم تكن ثمّ بينة، فلا يخلو الحال: أ- إن أقرت أنها كانت عالمةً بأنها أخته وبتحريمها عليه، ومطاوعةٌ له في الوطء؛ فلا مهر لها عليه. ب- إن أنكرت شيئًا من ذلك؛ فلها المهر، وهي زوجته في ظاهر الحكم، فأما فيما بينها وبين الله تعالى؛ فإن علمت صحة ما أقرت به، لم يحل لها مساكنته وتمكينه من وطئها ولا من دواعيه، وعليها أن تفر منه، وتفتدي نفسها بما أمكنها، فعليها التخلص منه مهما أمكنها، وينبغي أن يكون الواجب لها من المهر بعد الدخول أقل الأمرين من المسمى أو مهر المثل.

стр. 543

وبه قال الحنابلة. (١) - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: الاستدلال على عدم التفريق واندفاع النكاح ولو كان ثمَّ إصرار: ١ - إن الحرمة ليست إليها، فلا يلتفت إلى إقرارها؛ لأنها تتهم على فراقه. (٢) ثانيًا: الاستدلال على نقص ربع الدينار فيما يرجع به الزوج على زوجته المدعية رضاعًا بينهما إن صدقها: ١ - كالغارة في العدة. (٣) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إنه قد لزمها نكاحه، فلا تصدق على إفساده. (٤) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الثالث على عدم تمكن الزوج من استرداد الصداق إن كان إنكارُه ادعاءَ زوجتِه الرضاعَ بعد دفعه الصداق بما يأتي: ١ - لزعمه (٥)؛ حيث إنه هو الذي ينكر أن يكون له شيء بإنكاره ادعاء زوجته الرضاع بينهما. أدلة القول السادس: استدل أصحاب القول السادس بما يأتي: أوَّلًا: الاستدلال على أن لا مهر لها إن كان إقرارها بعد الدخول متضمنًا كونها عالمة بأنها أخته وبتحريمها عليه، ومطاوعة له في الوطء: ١ - إقرارها بأنها زانية مطاوعة. (٦)

стр. 544

ثانيًا: الاستدلال على أن لها المهر إن أنكرت شيئًا مما تقدم: ١ - إنه وطء بشبهة. (١) ثالثاً: الاستدلال على أنها زوجته في ظاهر الحكم إن أنكرت أنها أخته أو أنها محرمة عليه: ١ - إن قولها عليه غير مقبول. (٢) رابعًا: الاستدلال على أنه لا يحل لها مساكنته إن علمت صحة ما أقرت به ولا تمكينه من وطئها، وذلك فيما بينها وبين الله تعالى؛ إن علمت صحة ما أقرت به، وأن عليها أن تفر منه، وتفتدي نفسها بما أمكنها: ١ - إن وطأَه لها زنى؛ لأنها محرمة عليه؛ كالتي علمت أن زوجها طلقها ثلاثا، وجحدها ذلك. (٣) خامسًا: الاستدلال على أنه ينبغي أن يكون الواجب لها من المهر بعد الدخول أقل الأمرين من المسمى أو مهر المثل: ١ - إنه إن كان المسمى أقل، فلا يقبل قولها في وجوب زائد عليه، وإن كان الأقل مهر المثل، لم تستحق أكثر منه؛ لاعترافها بأن استحقاقها له بوطئها لا بالعقد، فكان إقرارًا منها ببطلان العقد، فلم تستحق أكثر منه. (٤) وإن كان الإقرار من الزوجين باتفاق منهما عليه؛ فلا يخلو: أأن يكون ذلك قبل الدخول.

стр. 545

إذا اتفق الزوجان على ثبوت الرضاع بينهما قبل الدخول، فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في أثر هذا على ما يأتي: القول الأول: يندفع النكاح، ولا يسقط المهر. وبه قال الحنفية. (١) القول الثاني: يفرق بينهما، ويسقط المسمى ومهر المثل. وبه قال الشافعية. (٢) ب أن يكون ذلك بعد الدخول. إذا اتفق الزوجان على ثبوت الرضاع بينهما بعد الدخول، ففي هذه الصورة اتفق الفقهاء على اندفاع النكاح، ووقع الخلاف بينهم في الأثر المترتب، على وفق ما يأتي: القول الأول: اندفع النكاح، وسقط المهر. وبه قال الحنفية (٣)، والمالكية (٤). القول الثاني: يفرق بينهما، ويسقط المسمى، ويجب مهر المثل. وبه قال الشافعية (٥). وإن كان صادرًا من فروع المرضع؛ فقد تطرق الشافعي إلى هذه المسألة وما يتأثر على إقرارهم، وقرر أن الحال لا يخلو مما يأتي: أـ أن تكون المرضع منكرة؛ فتجوز شهادة فروعها عليها، ولا يعتبر إنكارها؛ أنكره الزوج أو ادعاه، وسواء هذا قبل عقدة النكاح وبعد عقدته، قبل الدخول وبعده، لا يختلف.

стр. 546

ب - أن تكون المرضع مدعية للرضاع، أنكر زوجها أو لم ينكر؛ فلا تجوز فيه شهادة ابنتها ولا بناتها، وسواء هذا قبل عقدة النكاح وبعد عقدته، قبل الدخول وبعده، لا يختلف. (١) وإن الإقرار صادرًا من الأبوين؛ بأن أقر أحد أبوي الزوجين بالرضاع؛ فما حكم النكاح؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: إقرار الأبوين مقبول قبل النكاح، لا بعده؛ إلا أن يتنزه الزوج عنها، وهو قبل النكاح كإقرار الزوجين. وبه قال المالكية قاطبة (٢). القول الثاني: لا يخلو الحال مما يأتي: أ- أن يكون المنكر المرأة؛ فإن كان فيمن شهد بالرضاع أمها وأمهاتها؛ جُزن عليها، ولا يعتبر إنكارها؛ أنكره الزوج أو ادعاه، وسواء هذا قبل عقدة النكاح وبعد عقدته، قبل الدخول وبعده، لا يختلف. ب- أن يكون المنكر الزوج، وكانت المرأة تدعي الرضاع؛ فلا يجوز فيه شهادة أمها ولا أمهاتها، وسواء هذا قبل عقدة النكاح وبعد عقدته، قبل الدخول وبعده، وكذلك لو لم ينكر الزوج، لا يختلف. وهو ظاهر مذهب الشافعي. (٣) - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: الدليل على اعتبار إقرار الأبوين قبل النكاح:

стр. 547

١ - إن لهما مدخلًا في العقد، فيؤاخذان بإقرارهما. (١) ثانيًا: الدليل على عدم اعتبار إقرار الأبوين بعد النكاح: ١ - إنه إقرار على الغير حينئذ، ويتهمان في إسقاط المهر بالفسخ. (٢) الوجه الثالث: من الأصول الممهدة أن الحالف على فعل غيره يحلف على البت إن كان إثباتًا، وعلى نفي العلم إن كان نفيًا؛ فإذا كان ذلك كذلك؛ فبأي وجه يحلف مدعي الرضاع ومنكره والمقر به ومن ترد اليمين عليه إزاء النكول عنها؟ اختُلف في ذلك على ما يأتي: القول الأول: منكر الرضاع يحلف على نفي العلم، ومدعيه يحلف على البت؛ يستوي فيه الرجل والمرأة، فلو نكلت عن اليمين، ورددناها على الزوج، أو نكل الزوج ورددناها عليها، فاليمين المردودة تكون على البت. وهو المذهب عند الشافعية. (٣) القول الثاني: كالقول الأول؛ إلا أن اليمين المردودة تكون على نفي العلم. وبه قال القفال من الشافعية. (٤) القول الثالث: إن غير المنكر منهما على البت. وهو قول عند الشافعية. (٥) القول الرابع: يمينه إذا أنكر على البت، ويمينها على نفي العلم. وهو قول عند الشافعية. (٦) - الأدلة:

стр. 548

أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول على كون اليمين المردودة واقعة على البتّ بما يأتي: ١ - إنها مثبتة. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - لو ادعت امرأة الرضاع بينها وبين زوجها، فشك الزوج، فلم يقع في نفسه صدقها ولا كذبها، فإن قلنا: الحلف على نفي العلم؛ فله أن يحلف، وإن قلنا: على البت؛ فلا. (١) الوسيلة الثالثة: القرائن. عد طائفة من الفقهاء قرائن قضائية تشير إلى ثبوت الإرضاع، وهي: القرينة الأولى: تردد المرأة ذات اللبن على المحل الذي فيه الصبية. (٢) القرينة الثانية: سكنى المرأة ذات اللبن في المحل الذي فيه الصبية. (٣) الوسيلة الرابعة: اليمين. تعتبر اليمين في مواطن من باب الرضاع، منها: ١ - إذا وجدت قرينة تدل على صلة رضاع واقعة بين زوجين، ولم تنهض كبينة تثبت حكم التفرقة بينهما؛ فللزوجة أن تحلف الزوج (٤)، وأما إذا أقيمت الشهادة فلا اعتبار لليمين (٥). ٢ - عند الإنكار، فإن الحلف يقوم مقام إنكار الرضاع. (٦)

стр. 549

الوسيلة الخامسة: النكول. إذا نكل الزوج أو الزوجة عن الحلف عند قيام ما يشير إلى التحريم الرضاعي مع الطرف الآخر؛ فهل يعتبر مثبتًا للرضاع وموجبًا لما يتأثر عنه؟ قرر الفقهاء في هذا الصدد اعتبار نكول الزوج والزوجة في جانب إثبات الرضاع. (١) وقد أثمر ذلك فيما يأتي: ١ - إذا ملك الزوج عقدة نكاح زوجته، ولم يدخل بها حتى أقر أنها ابنته أو أخته أو أمه، وذلك يمكن فيها وفيه، وأراد إحلافها، وكانت بالغة؛ فتحلف له ما هي أخته من الرضاعة؛ فإن حلفت كان لها نصف المهر، وإن نكلت حلف على أنها أخته من الرضاعة وسقط عنه نصف المهر، وإن نكل لزمه نصف المهر. (٢) ٢ - لو كانت الزوجة هي المدعية لذلك، فيحلف لها على دعواها ما هي أخته من الرضاعة؛ فإن حلف أثبت النكاح، وإن نكل أحلِفت؛ فإن حلفت فسخ النكاح ولا شيء لها، وإن لم تحلف فهي امرأته بحالها. (٣) المطلب الثاني وسائل الإثبات الحديثة لكل خصم الحق في إثبات دعوا، ولذلك يلجأ أطراف النزاع أحيانًا إلى الاستعانة بالوسائل العلمية الحديثة وطرق الإثبات المعاصرة للاستدلال على الدعاوي والوقائع؛ نتيجة للتقدم العلمي والتقني، وتطور وسائل الاتصال ومعالجة المعلومات، واستحداث شبكات المعلومات وقواعد البيانات؛ الأمر الذي ساهم في إعادة صياغة المفاهيم التقليدية للإثبات للأخذ بمبدأ الحجية إزاء هذه الوسائل الحديثة. (٤)

стр. 550

ولكن بالنظر إلى الوسائل الطبية الحديثة، والبحث في طرق التحليل والفحص المعاصرة، وسؤال الأطباء من أهل الاختصاص؛ تبين أنه لا يوجد طريقة حديثة تثبت ارتضاع الطفل من مرضعته، حتى بما يعرف بتحليل الحمض النووي أو البصمة الوراثية على فرض وجودها في الحليب؛ لأن هضم الحليب بعد شرب الرضيع له يؤدي إلى تكسُّرِه، وهذا ما يحول دون إمكان معرفة صاحبة الحليب. (١)

стр. 551

المبحث الثاني أثر الرضاع على وسائل الإثبات والتقاضي المطلب الأول الشهادة للقريب من الرضاع القرابة النسبية تهمة تحول دون قبول الشهادة في وجهةٍ ارتآها طائفة من الفقهاء (١)، غير أنهم اتفقوا على أن الرضاع لا يشترك مع النسب في حكم رد الشهادة؛ اعتبارًا بكون النسب أقوى من الرضاع؛ فلا يقاس عليه في جميع أحكامه؛ إلا ما ورد النص فيه. (٢) المطلب الثاني حكم الحاكم لقريبه من الرضاع من المتقرر اشتراط الكفاءة والاستقلال في القاضي، وحيث كان القاضي بشرًا له من العواطف والمصالح ما يمكن أن يجانب معها الصواب في حكمه؛ الأمر الذي سدت معه الشريعة ذرائع الميل في الحكم ووسائل الجور به؛ ضمانًا لحق الخصوم وتعزيزًا لثقتهم في المؤسسة القضائية، إلى جانب صيانةِ حقوق أطراف النزاع، وحمايةِ ناظر القضية من مواطن الريبة والتهمة وموارد الزيغ والهوى ومواضع التأثُّر؛ من حيث يشعر القاضي في حكمه، أو لا؛ من دون أن يعود ذلك على القاضي بالشك في نزاهته أو التقليل في مصداقيته؛ لأنه إذا كان كذلك؛ لم يصلح لهذا المنصب ابتداءً. ومن المواطن التي يتجنب القاضي فيها النظر في الدعاوي وسماعها: القضايا المتصلة بالقرابة؛ لأن الحكم نوع من الشهادة.

стр. 552

وفي هذا يقرر نظام المرافعات الشرعية المحلِّي أن القاضي يكون ممنوعًا من نظر الدعوى وسماعها إذا كان أحد الخصوم قريبًا له أو صهرًا إلى الدرجة الرابعة ولو لم يطلب تنحيه أحد الخصوم، وأن عمل القاضي يقع باطلًا لو قضى في هذه الحال. ولكن؛ هل يتعدى هذا الأمر القريب النسبي إلى القريب الرَّضاعي؟ لم أجد فيما نقله الفقهاء أو قرره المنظِّم ما يشير إلى منع الحاكم من الحكم لقريبه الرضاعيِّ؛ كوالد القاضي من الرضاع؛ إلا ما يمكن أن يندرج تحت بعض فقرات المادة السادسة والتسعين من نظام المرافعات الشرعية، والتي أجازت ردَّ القاضي إذا كان أحد الخصوم خادمًا للقاضي، أو اعتاد مؤاكلته أو مساكنته، أو تلقى منه هدية قبيل رفع الدعوى أو بعده - أي: الرفع -، أو عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكمَ دون تحيُّز؛ لأن القريب الرضاعي مظنة تلك الأسباب المجيزة لرد القاضي (١). غير أن تعميمًا أصدره وكيل وزارة العدل للشؤون القضائية (٢) نص على أن القرابة من الرضاعة ليست من موانع نظر الدعوى وسماعها. وإذا كان الفقهاء ﵏ يقررون أن الرضاع لا يشترك مع النسب في حكم رد الشهادة؛ اعتبارًا بكون النسب أقوى من الرضاع (٣)؛ فليكن ذلك كذلك في حكم سماع الدعوى من القريب الرضاعي؛ لأن الحكم له نوعُ شهادة. (٤)

стр. 553

المبحث الثالث الإشهاد على الرضاع المطلب الأول إشهاد المرضع على من أرضعته في الزمن المعاصر للمرضع فيما يقرره فقهاء الإسلام أن تشهد على فعل نفسها فيمن أرضعته (١)؛ سواء أكان القائل باعتبارها لا يكتفي بشهادتها وحدها أو يكتفي؛ حيث اختلفوا في ذلك على ما تقدم في التفصيل فيه عند بداية هذا الفصل. واستدلوا على ذلك بما يأتي: ١ - ما تقدم في حديث عقبة من أن الأمة السوداء قالت: قد أرضعتكما، فقبل النبي ﷺ شهادتها. رواه البخاري (٢) ٢ - إنه لا تهمة لها في ذلك؛ فلا يضر كون شهادتها على فعل نفسها، ما دام أنه ليس لها في ذلك ولا عليها شيء ترد به شهادتها؛ كأن تحصل به نفعًا مقصودًا، أو تدفع عنها به ضررًا؛ فقبلت شهادتها، كفعل غيرها. (٣) ونوقشت دلالة هذا الدليل بما يأتي: أ- إنها تستبيح الخلوة به، والسفر معه، وتصير محرمًا له. (٤) وأجيب عنه: بأن هذا ليس من الأمور المقصودة التي ترد بها الشهادة؛ ألا ترى أن رجلين لو شهدا أن فلانًا طلق زوجته، أو أعتق أمته؛ قبلت شهادتهما وإن حل لهما نكاحها بذلك؟ (٥)

стр. 554

٣ - قياسًا على شهادة القاسم، والكيال، والوزان؛ على رب الدين حيث كان حاضرًا؛ بجامع عدم التهمة. (١) ٤ - الإجماع؛ قال الشافعي ت ٢٠٤ هـ: لم أعلم أحدًا ممن ينسبه العامة إلى العلم مخالفًا في أن شهادة النساء تجوز فيما لا يحل للرجال غير ذوي المحارم أن يتعمدوا أن يروه لغير شهادة ا. هـ (٢)، وبنحوه قال ابن قدامة (٣). ٥ - كالولادة، فإن الرضاعة مثلها؛ لا يحل لغير مَحرم، أو زوج؛ أن يعمد أن ينظر إلى ثديها، ولا يمكنه أن يشهد على رضاعها بغير رؤية ثديها؛ لأنه لو رأى صبيًّا يرضع وثديها مغطى؛ أمكن أن يكون يرضع من وطب عُمل كخلقة الثدي، وله طرف كطرف الثدي، ثم أدخل في كمها؛ فتجوز شهادة النساء في الرضاع كما تجوز شهادتهن في الولادة. (٤) وما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن ما ينسب إلى أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه؛ من القول بأنه لا تقبل شهادة المرضعة؛ فهو متأول بما إذا كانت وحدها؛ احترازًا منهم عن قول غيرهم بقبولها منها لوحدها. (٥) الفرع الأول حكم إشهاد المرضع على من أرضعته إذا لم تكن ثمَّ بينة على الرضاع إلا شهادة المرضعة وحدها؛ فإنه وبناء على ما تقدم؛ يتلخص من كلام الفقهاء اتفاقهم على قبول شهادة الجنس الأنثوي (٦)، غير أن الأكثر منهم

стр. 555

لا يكتفون بالمرأة الواحدة ولوكانت مرضعة لإثبات واقعة الرضاع، وبهذا قال طائفة من الصحابة والتابعين، وعليه سار الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في رواية (١)، وقالت طائفة أخرى من الصحابة والتابعين بقبول شهادة المرضعة مع الاكتفاء بها لإثبات واقعة الرضاع، وعليه سار الحنابلة في مذهبهم وفق روايتين للإمام أحمد (٢). الفرع الثاني ما يجزئ لإشهاد المرضع على من أرضعته اشترط الفقهاء لإجزاء الشهادة على الرضاع: العدالة (٣)، والحرية (٤)، والبلوغ (٥)، والعدد (٦)، والإمكان عادة (٧)، وانتفاء العداوة (٨). وقد أثمر ذلك فيما يأتي:

стр. 556

١ - لا يشترط لشهادة المرضع أن تكون أرضعته في دار الإسلام، بل يثبت الرضاع ولو في دار الحرب، حتى إذا أرضعت المرضع في دار الحرب ثم أسلمت هي وابنها الرضاعي، وخرجوا إلى دارنا؛ ثبتت أحكام الرضاع فيما بينهم. (١) ٢ - شهادة المرضع بالإرضاع إذا لم تكن مسلمة حال إرضاعها ما دامت مسلمة حال الأداء. (٢) ٣ - لو شهد اثنان بالرضاع، وقالا: تعمدنا النظر إلى الثدي لا لتحمل الشهادة؛ لم تقبل شهادتهما؛ لأنهما فاسقان بقولهما فيما صرح به الشافعية (٣)، وخالف في ذلك النووي منهم، فقال بأن مجرد النظر معصية صغيرة لا ترد به الشهادة؛ ما لم يصر عليه فاعله، ويشترط أيضًا أن لا تكون ظهرت توبته بعد ذلك (٤)، فلو أصر ثم ظهر ظهرت توبته بعد ذلك قبلت شهادته. (٥) ٤ - إذا شكت في إمكان ارتضاع الطفل منها؛ لم تثبت الحرمة بالشك؛ كما لو تيقنت من دخول الحلمة في فيه، ولم تتيقن من أن في ثدييها لبناً. (٦) المطلب الثاني أثر التقادم على وسائل الإثبات لا يعتبر التقادم في الشريعة الإسلامية مؤثرًا في قبول الوسائل المثبتة لوقائع الرضاع؛ لأن النبي ﷺ لم يرد شهادة المرأة التي شهدت بالرضاع بين عقبة وزوجته (٧) -

стр. 557

رضي الله عنهم -، ومن إطلاقات الفقهاء التي تبرز هذا المعنى قول الجصاص ت ٣٧٠ هـ: ومن تزوج امرأة، ثم قال قبل الدخول بها: هي أختي من الرضاع؛ انفسخ النكاح بينهما ا. هـ (١)، وقول ابن قدامة ت ٦٢٠ هـ: وإن تزوج امرأة، ثم قال قبل الدخول: هي أختي من الرضاع؛ انفسخ النكاح، فإن صدقته؛ فلا مهر، وإن كذبته؛ فلها نصف المهر ا. هـ (٢) كما أن تفاوت الزمن بين صبي صبية ارتضعا من ثدي واحد لا يمنع مما يتعلق بينهما من المحرمية والتحريم، ولو بلغت المدة بين رضاعيهما عشرات السنين؛ لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وقد يكون بين الأخوين عشرات السنين في العمر؛ قال ابن عابدين ت ١٢٥٢ هـ: لا حل بين رضيعي امرأة وإن اختلف الزمن؛ كأن أرضعت الولد الثاني بعد الأول بعشرين سنة مثلًا، وكان كل منهما في مدة الرضاع - يعني: الحولين - ا. هـ (٣)، وقال النووي ت ٦٧٦ هـ: ومن نكح صغيرة، أو كبيرة، حرمت عليه مرضعتها؛ لأنها أم زوجته من الرضاع. ولو نكح صغيرة ثم طلقها، فأرضعتها امرأة؛ حرمت المرضعة على المطلق؛ لأنها صارت أم من كانت زوجته، ولا نظر إلى التاريخ في ذلك ا. هـ (٤) المطلب الثالث الرجوع عن الإقرار بشهادة الرضاع الكلام في الرجوع عن الإقرار بشهادة الرضاع من وجوه: أولًا: إذا وجد إقرار على ارتضاع محرِّم، ثم رجع المقر؛ كما لو شهد رجل على نفسه أن فلانة أختي أو أمي أو ابنتي من الرضاع، أو قال: فلان أخي أو ابني من الرضاع، واتفقا على ذلك، ووجد إمكان ذلك، ولم يحصل نكاح؛ فصح، ثم رجعا، أو رجع المقر أو أكذب نفسه؛

стр. 558

كما لو قال: غلطت، أو وهمت، أو أخطأت؛ فهل يقبل منه؟ وإذا كان يقبل منه؛ فهل يجري هذا القبول مع تكرار الشهادة أو الإقرار؟ تلك مسألة تباينت فيها آراء الفقهاء، على ما يأتي: القول الأول: يقبل قوله. ونسب هذا القول إلى أبي حنيفة (١). القول الثاني: صدّق في رجوعه، ولو تكرر إقراره، أو وافقته المرأة في إقراره؛ إلا أن يَثبُت عليه - يعني: أن يثبت على إقراره، ومنه المداومة والإصرار -؛ فلا يصدق في رجوعه، ولو جحد بعد ذلك، وهذا ما يعني التفصيل في قولهم على النحو الآتي: أ- إما أن لا يثبُت على إقراره؛ فيصدق في رجوعه، ولو كان متكررًا، أو وافقته المرأة عليه. ب- أو أن يثبت على إقراره؛ فلا يصدق في رجوعه عنه، ولو جحد بعد ذلك. ومن صور الثبات على الإقرار عند أصحاب هذا القول؛ أن يقول: هو حق، أو هو كما قلت، ما أقررت به ثابت، هو صدق، هو صواب، هو صحيح، لا شك فيه عندي، ونحوه. وليس يدخل في الثبات على الإقرار عندهم تكرار الإقرار؛ فلا يكون مانعًا من الرجوع. وبه قال الحنفية. (٢) القول الثالث: لا يقبل رجوعه، ولا يصح النكاح. وبه قال الشافعية (٣)، والحنابلة مع قيد التفريق بينهما من دون نفي الصحة (٤)، وزاد الحنابلة: فأما فيما بينه وبين ربه، فينبني ذلك على علمه بصدقه؛ فإن علم أن الأمر كما قال،

стр. 559

فهي محرمة عليه، ولا نكاح بينهما، وإن علم كذب نفسه فالنكاح باق بحاله فيما بينه وبين الله، وقوله كذبٌ لا يحرمها عليه، وإن شك في ذلك؛ لم يزُل عن اليقين بالشك. (١) القول الرابع: كالقول الثاني؛ إلا أنهم نصوا على كونها لا تحل له إذا علم كذب نفسه. وهو رواية في مذهب أحمد. (٢) - الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١ - إن قوله ذلك يتضمن أنه لم يكن بينهما نكاح، ولو جحد النكاح ثم أقر به قبل؛ كذلك ههنا. (٣) ونوقش بما يأتي: أ- إنه قياس غير مسلم. (٤) أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١ - إن الرضاع مما يخفى؛ فلا يمنع من التناقض فيه، وسبب خفائه أنه لا يعلمه إلا بالسماع من غيره، ولذلك؛ لم يمنع التناقض فيه؛ لاحتمال أنه لما أقر به بناء على ما أخبره به غيره تبين له كذبه فرجع عن إقراره، وحينئذ لا فرق في ذلك بين كونه أقر مرة أو أكثر. وذلك بخلاف ما لو شهد على إقراره، أو قال: هو حق، أو نحوه؛ فإنه يدل على علمه بصدق المخبر، وأنه جازم به؛ فلا يقبل رجوعه بعده. (٥) ٢ - إن تكرار الإقرار لا يقوم مقام من قال: هو حق. (٦) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي:

стр. 560

١ - إنه إن كان رجلًا؛ فقد أقر أنهما ذواتا محرم منه قبل يلزمه لهما أو يلزمهما له شيء، وإن كانت امرأة؛ فقد أقرت به في حال لا يدفع بها عن نفسه ولا يجر إليها ولا تلزمه ولا نفسها بإقرارها شيئًا. (١) ٢ - إنه أقر بما يتضمن تحريمها عليه، فلم يقبل رجوعه عنه في الحكم دونما بينه وبين الله؛ لأن المحرم حقيقة الرضاع لا القول، ولأن الإقرار بالباطل لا يزيل الشيء عن صفته، ولأنه رجوع عن إقرار بحق لآدمي، فلم يقبل؛ كما لو أقر لها بمال ثم رجع عنه، أو أقر بالطلاق ثم رجع، أو أقر أن أمته أخته من النسب، أو قال لها وهي أكبر منه: هي ابنتي من الرضاعة. (٢) - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في أهذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - إن قال الزوج لزوجته: هذه رضيعتي، ثم رجع عن قوله؛ صدِّق؛ فيما صرح به الحنفية (٣). ٢ - إن قال زوج لزوجته: هذه رضيعتي، ثم قال: هو حق كما قلت؛ فرِّق بينهما ولو رجع؛ فيما صرح به الحنفية. (٤) ٣ - إذا أقرت المرأة بالرضاع بينها وبين رجل، ثم أكذبت نفسها، وقالت: أخطأت، وتزوجها الرجل؛ جاز فيما صرح به الحنفية، كما لو تزوجها قبل أن تكذب نفسها، وإن أصرت؛ لأن الحرمة ليست إليها. (٥) ٤ - إذا اشتهر بين الناس أن امرأةً كانت تعطي ثديها صبية، ثم قالت: ليس في ثديي لبن حين ألقمتها ثديي، ولم يعلم ذلك إلا من جهتها؛ لم تتعلق محرمية بهذا الالتقام فيما صرح به الحنفية، وجاز لابنها أن يتزوج بهذه الصبية. (٦)

стр. 561

المطلب الرابع تعارض البينات يتصور التعارض بين البينات في باب الرضاع في أكثر من موطن، منها: أالأحكام القضائية. وذلك حينما يعترض الطرف الثاني على كون بينة الطرف الأول لإثبات واقعة الرضاع معتبرة، ومن صور ذلك: ١ - أن يقضي شافعي لحنفي بعدم الحرمة برضعة واحدة؛ فإذا رفع الحكم إلى قاض حنفي هل يمضيه؟ (١) ٢ - لو حكم حاكم بالتحريم برضعة (٢)؛ فهل ينقض حكمه عند من لا يرى التحريم برضعة واحدة؟ وفي هذه الأحوال اختلف الفقهاء في الحكم على ما يأتي: القول الأول: يمضي الحكم ولا ينقض. وهذا هو المثبت عند الحنفية (٣)، والصحيح المنصوص عند الشافعية (٤). القول الثاني: ينقض الحكم. وهو وجه عند الشافعية؛ قال به الإصطخري. (٥) والقول الأول أقرب إلى الصواب لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله. ١ - أن يدعيه أحد الزوجين، وينكره الآخر؛ فهذا ما تقدم الكلام عليه في مستهل الفصل ضمن الوسيلة الثانية من وسائل الإثبات التقليدية، وهي الإقرار.

стр. 562

ب الشهادات. صورة المسألة: إذا فرق بين رجل وامرأته قبل الدخول بشهادة تتضمن أن بينهما رضاعًا، ثم رجع الشهود؛ فهل تمضي شهادتهم؟ وماذا يلزمهم؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: القول الأول: يلزمهم جميعًا مهر المثل. وهو قول عند الشافعية (١) القول الثاني: يلزمهم نصف مهر المثل. وهو قول عند الشافعية (٢)، واستظهره النووي (٣) القول الثالث: يلزمه جميع المهر المسمى. وهو قول عند الشافعية (٤) القول الرابع: يلزمه نصف المهر المسمَّى. وهو قول عند الشافعية (٥)، ومفهوم قول الحنابلة (٦). - الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، وهي كما يأتي: أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي: ١ - إن النكاح باق في الحقيقة بزعم الزوج والشهود، لكنهما حالا بينه وبين البضع، فغرما قيمته، كالغاصب الحائل بين المالك والمغصوب. (٧) أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع بما يأتي: ١ - إن فرقة الرضاع حقيقية، فلا توجب إلا النصف. (٨) ٢ - إن نكاحها انفسخ قبل الدخول بها من غير جهتها، والفسخ من أجنبي كطلاق الزوج في وجوب الصداق عليه. (٩)

стр. 563

والصحيح أنه يلزمهم ما غرمه الزوج، إلى جانب استحقاقهم التعزيز إن علم كذبهم أو تآمرهم؛ إزاء الآثار النفسية والاجتماعية والأضرار الأخرى على الزوج والزوجة. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - نكح العبد صغيرة، فأرضعتها أمه، وانفسخ النكاح؛ فللصغيرة نصف المسمى في كسبه، ولسيده الرجوع على أم العبد بالغرم؛ لأنه بدل البضع، فكان للسيد كعوض الخلع. (١) ٢ - حلب أجنبي لبن أم الزوج، أو كان محلوبًا، فأخذه، وأوجره الصغيرة؛ فالغرم على الأجنبي، وفي قدره الأقوال الأربعة. (٢) ج ــ ثيوبة اللبن. صورة المسألة: لو أن امرأة أرضعت، ولا يعرف لها زوج، ثم جاء رجل فادعى أنه كان نكحها نكاحًا؛ فهل يقبل منه؟ وماذا يترتب على ذلك؟ أثار الشافعي هذه المسألة، وقرر أنه إذا ادعى أنه نكحها نكاحًا صحيحًا، وأقر بولدها وأقرت له بالنكاح؛ فهو ابنها كما يكون الولد. (٣) المطلب الخامس توثيق حالات الرضاع في السجلات الرسمية لدى المحاكم أشار إلى تدوين الرضاع وكتابته ابن عابدين إذ يقول فيما نقله (٤): والواجب على النساء أن لا يرضعن كل صبي من غير ضرورة، وإذا أرضعن؛ فليحفظن ذلك، وليشهرنه، ويكتبنه احتياطًا. ويشهد لهذا المعنى ويندب إليه ما يأتي:

стр. 564

١ - عموم قول الله جل شأنه وتبارك اسمه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [سورة الطلاق: ٢]. ٢ - عناية الشريعة ببيان المحرمات في النكاح في مثل آية النساء، وتوثيق الرضاع رسميًّا مما يعين على الاحتياط في هذا الباب وتحقيق مقصود الشارع في حفظ الأعراض وصيانتها؛ لأن للوسائل أحكامَ المقاصد. وإذا كان الفقهاء يقررون أن الفرقة بين الزوجين المتراضعين لا تقع إلا بتفريق القاضي؛ لأنها تتضمن إبطال حق العبد، وهو: حل التمتع؛ فلا بد من القضاء (١)؛ فيحسن بولي أمر المسلمين أن يفتح في البلد الذي تولاه باب توثيق حالات التراضع في السجلات المعتمدة رسميًّا، كما هو الحال في تسجيل حالات الولادة وتوثيق عقود النكاح وصكوك الطلاق، وخصوصًا أنه قد تمخّض عن فساد الأزمنة المتأخرة كثرة دعاوي الرضاع والإدلاء بالشهادة في ذلك زورًا وبهتانًا لأدنى غرض يرغِّب المقر أو الشاهد في تخريب البيوت وتفكيك الأسرة (٢)، وعناية الشريعة في حفظ الرابطة الأسرية معلومة إلى جانب تضييقها مواطن الفراق ودواعيه بين الزوجين.

стр. 565

ويمكن في ختام هذا الفصل أن أنتهي إلى النتائج الآتية: أولًا: للمرضع أن تشهد على فعل نفسها فيمن أرضعته، ولا تجزئ شهادة المرأة الواحدة لإثبات الرضاع ولو كانت هي المرضع، ولا يعني عدم تأثير شهادتها على غيرها في إثبات الرضاع أنه لا يلزمها أثر إقرارها على نفسها، والأفضل أن لا يُبَادر بالشهادة على الرضاع عند عدم اكتمال النصاب أو وضوح الواقعة. ثانيًا: يشترط لقبول الشهادة على الرضاع: التفصيل بذكر الوقت والعدد، والعدالة، والبلوغ، والإمكان عادة، وانتفاء العداوة، ومظان حكم الرضاع من العلامات تكفي للشهادة عليه؛ كالتقام الثدي، والامتصاص، والتجرع، فإذا ثبتت الحرمة الرضاعية بين زوجين؛ وجبت الفرقة ديانةً، ولا تقع في الحكم إلا بتفريق القاضي؛ فإن أصابها؛ فلها مهر مثلها، وإن لم يصبها؛ فلا نصف مهرٍ لها، ولا متعة. ثالثًا: لا تقبل شهادة أبوي أحد الزوجين على الرضاع بعد النكاح مطلقًا؛ إذا كان يترتب على الشهادة الفرقة. وأما قبل النكاح أو بعيده؛ فالأصل في شهادة الوالدين على الرضاع القبول ما لم تتطرق إليها التهمة، وكذلك الشأن في قبول شهادة الحواشي، وشهادة البنت على إقرار أمها. رابعًا: الإقرار من وسائل الإثبات إذا كان صادرًا من رجلين، أو من واحد؛ إذا كان هو المقر على نفسه، ولا يقبل إلا مفسرًا مع الإمكان عادة والعدالة والبلوغ والعدد وانتفاء العداوة، ولا بد في التفسير من التعرض للوقت والعدد؛ بأن يقر أنها أرضعته أو ارتضع منها في الحولين خمس رضعات متفرقات، وتكون أكبر منه سنًّا في حال ثاب لها لبن فيه، ومظان حكم الرضاع من العلامات تكفي للإقرار بواقعة الرضاع من الثدي؛ كالالتقام، والامتصاص، والتجرع؛ من غير تعرض لوصول اللبن إلى الجوف، كما لا يشترط تصديق الطرف الرَّضاعيِّ الآخر لثبوت الإقرار بالرضاع، أو تسمية المرضع. خامسًا: إذا وقع الإقرار بالرضاع مع الفروع أو الحواشي؛ ترتب على ذلك أحكام الرضاع بينهما؛ إن اتفقا على ذلك، ووجد الإمكان، وإن صدر من رجل إزاء مخطوبته قبل العقد؛ لم يحل له تزوجها؛ صدقته المرأة أو كذبته، ولو وقع العقد؛ اندفع النكاح ولو أنكرت المرأة. وإن صدر من المرأة؛ لم يجز لها نكاحه، وإن كذبها وخطبها. وإن صدر إقرار أحد أبوي الزوجين بذلك؛ لم يقبل بعد النكاح.
следующие страницы →