← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30001

شروط الطلاق - الزومان

أحمد الزومان

Полный текст (812 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الباب الخامس اشتراط العقل في المطلق • طلاق المجنون المطبق ومن يفيق أحيانًا • طلاق المعتوه • طلاق المغمى • طلاق من غاب عقله بمسكر أو مرقد سواء كان آثمًا بفعله أو غير آثم • طلاق الخَرِف • طلاق المدهوش • طلاق النائم • طلاق السَّفِيه

стр. 107

الفصل الأول الشرط الثالث: العقل فيشترط في المطلق أن يكون المطلق عاقلًا ونص على اشتراط العقل الأحناف (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) وهو محل إجماع ويأتي. الدليل الأول: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (٥). وجه الاستدلال: لم يترتب أثر على مقولته الكفرية لعارض أصاب عقله بسبب الفرح فدل ذلك على اشتراط العقل للاعتداد بالأقوال. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَإِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْتَ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ لَهُ» (٦). وجه الاستدلال: كالذي قبله.

стр. 108

الدليل الثالث: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١). وجه الاستدلال: القصد معتبر في العقود وغيرها ولا قصد معتبر شرعًا إلا بالعقل. الدليل الرابع: قول النبي ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٢). وجه الاستدلال: لا يعتد بتصرفات الثلاثة لانعدام العقل أو لانعدام تمامه فدل على اشتراط العقل لصحة التصرفات. الدليل الخامس: عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا طَلَاقَ، وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (٣). وجه الاستدلال: إذا وجد العقل لكن أغلق عليه لا يقع الطلاق فدل على اشتراط تمام العقل في المطلق. الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٤). وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: الحديث ضعيف. الجواب: يشهد له قول علي ﵁: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» (٥). الدليل السابع: الإجماع: فأهل العلم مجمعون على اشتراط العقل في المطلق (٦).

стр. 109

الدليل الثامن: الطلاق قول يزول به الملك فاعتبر له العقل كالبيع (١). الدليل التاسع: الطلاق شرع حينما يخرج النكاح من كونه مصلحة ولا يعرف ذلك إلا بالعقل. * * *

стр. 110

الفصل الثاني الحكم الوضعي لطلاق المجنون * طلاق المجنون المطبق * طلاق المجنون الذي يفيق أحيانًا * طلاق المعتوه • تمهيد: • تعريف الجنون الجنون لغة: قال ابن فارس: الجيم والنون أصل واحد، وهو الستر والتستر. فالجنة ما يصير إليه المسلمون في الآخرة، وهو ثواب مستور عنهم اليوم. والجنة البستان، لأنَّ الشجر بورقه يستر … والجنون؛ وذلك أنَّه يغطي العقل. وجنان الليل: سواده وستره الأشياء (١). الجنون شرعًا: اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادرًا. وإن كان يستوعب جميع أوقاته فهو المطبق وإن كان يفيق أحيانًا فهو غير مطبق (٢). فالمجنون من زال عقله أو اختل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهج كمال العقل دائما أو أحيانًا • أحوال المجنون: المجنون له حالان: • الحال الأولى: أن يكون جنونه مستمرًا وهذا نوعان جنون وعَتَه. الفرق بين المجنون والمعتوه: قال ابن نجيم: الفرق بينهما أنَّ المعتوه هو القليل الفهم المختلط الكلام الفاسد

стр. 111

التدبير لكن لا يضرب ولا يشتم بخلاف المجنون (١). • الحال الثانية: أن يكون جنونه غير مستمر فيفيق أحيانًا. • طلاق المجنون المطبق: إذا كان الجنون تامًا يغطي العقل فلا يقع طلاقه إجماعًا وينص الأحناف (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) على عدم وقوع طلاق المجنون. الدليل الأول: قول النبي ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٦). وجه الاستدلال: لا يقع طلاق المجنون لانتفاء التكليف (٧). الرد: الطلاق من الأحكام الوضعية وأحكام الوضع لا يشترط فيها التكليف (٨). الجواب: الأحكام الوضعية تقيد بالشروط كما تقيد الأحكام التكليفية والسبب الوضعي هو طلاق العاقل لا مطلق الطلاق بالاتفاق (٩). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا طَلَاقَ، وَلَا

стр. 112

عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (١). وجه الاستدلال: الإغلاق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره والطلاق إنَّما يكون عن وطر فيكون عن قصد من المطلق وتصور لما يقصده ولا يوجد هذا في طلاق المجنون (٢). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁، قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ أَهْلَ الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهَ، وَالْأَصَمَّ، وَالْأَبْكَمَ، وَالشِّيُوخَ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا الْإِسْلَامَ، ثُمَّ يُرْسِلُ رَسُولًا إِلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ … » (٣). وجه الاستدلال: لا يعتد بأقوال المعتوه في الدنيا حتى فيما يتعلق بالاعتقاد فيختبر يوم القيامة والمجنون أسوأ حالًا من المعتوه. الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٤). وجه الاستدلال: إذا كان المعتوه ومعه بعض إدراك لا يقع طلاقه فالمجنون الذي ليس معه إدراك لا يقع طلاقه من باب أولى. الرد: الحديث لا يصح. الدليل الخامس: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: «لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ» (٥). وجه الاستدلال: لا يصح طلاق المجنون عند عثمان ﵁ ولا يعلم له مخالف من الصحابة ﵃. الدليل السادس: عن علي ﵁ قال: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» (٦). وجه الاستدلال: كالذي قبله.

стр. 113

الدليل السابع: الإجماع: قال موفق الدين ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنَّ الزائل العقل بغير سكر، أو ما في معناه، لا يقع طلاقه .... وسواء زال عقله لجنون، أو إغماء، أو نوم، أو شرب دواء، أو إكراه على شرب خمر، أو شرب ما يزيل عقله شربه، ولا يعلم أنَّه مزيل للعقل، فكل هذا يمنع وقوع الطلاق، رواية واحدة، ولا نعلم فيه خلافًا (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: جاءت الشريعة بأنَّ القلم مرفوع عن النائم والمجنون والمغمى عليه ولم يختلفوا إلا فيمن زال عقله بسبب محرم (٢). وقال ابن القيم: المطلق أو الحالف زائل العقل إما بجنون أو إغماء أو شرب دواء أو شرب مسكر يعذر به أو لا يعذر أو وسوسة وهذا المخلص مجمع عليه بين الأمة إلا في شرب مسكر لا يعذر به … (٣). وقال مصطفى الرحيباني: أجمع المسلمون على أن من زال عقله بغير سكر محرم كالنوم والإغماء والجنون وشرب الدواء المزيل للعقل والمرض؛ لا يقع طلاقه (٤). ونقل الإجماع أيضًا ابن المنذر والبغوي وابن الملقن وابن جزي والزركشي والشوكاني (٥). فلا يقع طلاق من زال عقله بجنون أو سحر أو وسوسة أو غير ذلك. الدليل الثامن: الطلاق قول يزول به الملك فاعتبر له العقل كالبيع (٦). الدليل التاسع: المكره لا يقع طلاقه والمجنون أسوأ حالًا منه (٧). الرد: هذا محل خلاف.

стр. 114

الجواب: أصح القولين عدم وقوع طلاقه (١). • الحكم الوضعي لطلاق المجنون الذي يفيق أحيانًا: إذا كان المجنون يفيق أحيانًا من جنونه ويرجع إليه عقله فجنونه غير مطبق فإذا طلق حال جنونه لا يقع طلاقه وإذا طلق حال إفاقته وقع طلاقه قال به سعيد بن المسيب (٢) وقتادة (٣) وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي (٤)، والأحناف (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). قال الإمام الشافعي: المعتوه والمجنون والموسوس والمبرسم وكل ذي مرض يغلب على عقله ما كان مغلوبًا على عقله فإذا ثاب إليه عقله فطلق في حاله تلك أو أتى حدًا أقيم عليه ولزمته الفرائض وكذلك المجنون يجن ويفيق فإذا طلق في حال جنونه لم يلزمه وإذا طلق في حال إفاقته لزمه (٩). وتقدمت أدلة عدم وقوع طلاق المجنون وفي حال الإفاقة هو مكلف تجري عليه أحكام المكلفين وقد قيد النبي ﷺ رفع التكليف عن المجنون «حَتَّى يُفِيقَ» فإذا أفاق ارتفع عنه حكم الجنون والله أعلم. * تنبيه: جاء ما قد يفهم منه وقوع طلاق المجنون فعن عائشة ﵂ «أَنَّ جَمِيلَةَ كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ رَجُلًا بِهِ لَمَمٌ، فَكَانَ إِذَا اشْتَدَّ لَمَمُهُ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ» (١٠).

стр. 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 118

الرد من وجهين: الأول: هذه قضية عين فيحتمل أنَّ ظهاره كان في حال تكليفه. الثاني: اختلف في معنى اللم الوارد في الحديث فقيل: ١: اللمم الإلمام بالنساء وشدة الشهوة. (١) الرد: لو كان المراد باللمم شدة الشهوة لما تلمست له العذر في عدم وقوع ظهاره وفي مرسل عمران بن أبي أنس «كان به لمم وكان يفيق فيعقل بعض العقل» وفي رواية «وكان به لمم، وكان يفيق أحيانًا» لكنَّه ضعيف. ٢: نوع من الجنون. (٢) الرد: ليس المراد به ذلك لأنَّه لو ظاهر في تلك الحال لم يلزمه شيء. (٣) الجواب: يحمل على بقاء التكليف جمعًا بينه وبين النصوص التي تدل على أنَّ المجنون يسقط عنه التكليف والله أعلم * * *

стр. 119

طلاق المعتوه • تمهيد: الخلل الظاهر في العقل يمنع نفوذ التصرف العقل هو مناط التكليف فإذا حصل خلل ظاهر في العقل لا يعتد بأقوال المختل وأفعاله فالمعتوه لا يعتد بأقواله ومن ذلك طلاقه بالإجماع ومثله الخَرِف والمسحور لا يقع طلاقهم لاختلاله بسبب السحر (١) والسكران نهي عن الصلاة في حال تخليطه وإن كان معه بعض الإدراك ولا يقع طلاقه على الصحيح (٢) والموسوس لا يقع طلاقه (٣) لوجود خلل في عقله والغضبان لا يقع طلاقه على الصحيح (٤) فدل ذلك على أنَّ وجود خلل ظاهر في العقل يمنع نفوذ التصرف وإن كان مع الشخص شيء من الإدراك والله أعلم. قال ابن عابدين: الذي ينبغي التعويل عليه في المدهوش ونحوه إناطة الحكم بغلبة الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته وكذا يقال فيمن اختل عقله لكبر أو لمرض أو لمصيبة فاجأته فما دام في حال غلبة الخلل في الأقوال والأفعال لا تعتبر أقواله وإن كان يعلمها ويريدها لأنَّ هذه المعرفة والإرادة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح كما لا تعتبر من الصبي العاقل (٥). وقال ابن القيم: الطلاق إنَّما يكون عن وطر فيكون عن قصد من المطلق وتصور لما يقصده فإن تخلف أحدهما لم يقع طلاق (٦). • تعريف المعتوه: المعتوه ناقص العقل الذي يشبه كلامه كلام العقلاء تارة، وتارة يشبه كلام المجانين، فعنده عقل لكنَّه ناقص (٧)،

стр. 120

والعامة في نجد تسميه الخبل (١). • الحكم الوضعي لطلاق المعتوه: لا يقع طلاق المعتوه قال به الشعبي (٢) والزهري (٣) وإبراهيم النخعي (٤) وسعيد بن المسيب (٥) وقتادة (٦) والقاضي شريح (٧) والأحناف (٨) والمالكية (٩) والشافعية (١٠) والحنابلة (١١). وينقل بعض أهل العلم الإجماع على عدم وقوع طلاق المعتوه (١٢). * تنبيه: نُقِل الخلافُ عن ابن عمر ﵄ فعن نافع؛ أنَّ المجبر بن عبد الرحمن طلق امرأته، وهو معتوه، فأمرها ابن عمر ﵄ أن تعتد، فقيل له: إنَّه معتوه، فقال: «إِنِّي

стр. 121

لَمْ أَسْمَعِ اللَّهَ اسْتَثْنَى لِمَعْتُوهٍ طَلَاقًا، وَلَا غَيْرَهُ» (١). قال الحافظ ابن حجر: احتج [الطحاوي] بأنَّهم أجمعوا على أنَّ طلاق المعتوه لا يقع ثم أشار الحافظ ابن حجر لخلاف ابن عمر ﵄ بقوله فيه خلاف قديم ذكر ابن أبي شيبة … (٢) وذكر أثر ابن عمر ﵄ السابق. فالعته نوع من أنواع الجنون وتقدمت أدلة عدم وقوع طلاق المجنون. * * *

стр. 122

الفصل الثالث طلاق المغمى لو طلق الزوج زوجته وهو مغمي عليه لا يقع طلاقه بإجماع أهل العلم وينص الأحناف (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) على عدم وقوع طلاق المغمى عليه. الدليل الأول: قول النبي ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٥). وجه الاستدلال: المغمى عليه أشد من النائم فلا يقع طلاقه (٦). الرد: الطلاق من الأحكام الوضعية وأحكام الوضع لا يشترط فيها التكليف (٧). الجواب: الأحكام الوضعية تقيد بالشروط كما تقيد الأحكام التكليفية والسبب الوضعي هو طلاق العاقل لا مطلق الطلاق بالاتفاق وإلا لزم وقوع طلاق المجنون (٨). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا

стр. 123

طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (١). وجه الاستدلال: المغمى عليه أشد حالًا من المعتوه فلا يقع طلاقه. الرد من وجهين: الأول: الحديث لا يصح. الثاني: لو صح الحديث لدخل في عمومه من لا يصح طلاقه بالإجماع كغير المميز والنائم. الجواب: غير المميز والنائم والمغمى عليه يدخلون في المعتوه فهم مغلوبون على عقولهم. الدليل الثالث: عن علي ﵁ قال: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» (٢). وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: كالذي قبله. الدليل الرابع: ينقل بعض أهل العلم الإجماع على عدم وقوع طلاق المغمى عليه (٣). الدليل الخامس: المكره لا يقع طلاقه والمغمى عليه أسوأ حالًا منه (٤). الرد: المسألة محل خلاف. الجواب: الراجح قول الجمهور في عدم وقوع طلاقه (٥). الدليل السادس: الطلاق قول يزول به الملك فاعتبر له العقل كالبيع (٦). * * *

стр. 124

الفصل الرابع تغير العقل بفعل الآدمي * الحكم الوضعي لطلاق من غاب عقله بمسكر أو مرقد * طلاق من غاب عقله بمسكر وكان آثمًا * طلاق من غاب عقله بمسكر ولم يكن آثمًا * من هو السكران؟ * حكم ما استجد من المسكرات (المخدرات) * طلاق من غاب عقله بمرقد وهو غير آثم بفعله * طلاق من غاب عقله بمرقد وهو آثم بفعله * طلاق من غاب عقله بمفسد • تمهيد: • أنواع تغيير الآدميين لعقولهم: من تعاطى شيئًا يغير عقله تارة يفعل ذلك طلبًا للذة والطرب وهذا يسمى مسكرًا وتارة من غير ذلك وهذا يسمى مرقدًا أو مفسدًا. قال القرافي: الفرق الأربعون بين قاعدة المسكرات وقاعدة المرقدات وقاعدة المفسدات. هذه القواعد الثلاث قواعد تلتبس على كثير من الفقهاء والفرق بينها أنَّ المتناول من هذه إما أن تغيب معه الحواس أو لا فإن غابت معه الحواس كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق فهو المرقد وإن لم تغب معه الحواس فلا يخلو إما أن يحدث معه نشوة وسرور وقوة نفس عند غالب المتناول له أو لا فإن حدث ذلك فهو المسكر وإلا فهو المفسد فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر … والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب (١).

стр. 125

• حالا السكران ومن غاب عقله عند الطلاق: إذا طلق السكران ومن غاب عقله بمرقد أو مفسد فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون آثمًا بفعله. الثانية: أن لا يكون آثمًا بفعله. تحرير محل النزاع: قال محمد بن رشد: السكران ينقسم على قسمين: سكران لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، وسكران مختلط، معه بقية من عقله، إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه، فيخطئ ويصيب، فأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأقواله فيما بينه وبين الناس وفيما بينه وبين الله، إلا فيما ذهب وقته من الصلوات، فقيل: إنها لا تسقط، بخلاف المجنون؛ من أجل أنه لما أدخل السكر على نفسه فكأنه قد تعمد تركها حتى خرج وقتها، وأما السكران المختلط الذي معه بقية من عقله، فاختلف أهل العلم في أقواله وأفعاله على أربعة أقوال (١). • الحكم الوضعي لطلاق من غاب عقله بمسكر وكان آثمًا: إذا طلق السكران زوجته وكان آثمًا بسكره فلأهل العلم في طلاقه قولان قول بوقوع طلاقه وقول بعدم وقوعه: • القول الأول: يقع طلاق السكران: قال به عمر ومعاوية ﵄ تقدم قريبًا، والحسن البصري، وابن سيرين (٢)، والزهري (٣)،

стр. 126

وسعيد بن المسيب (١)، وحميد بن عبد الرحمن الحميري (٢)، والحكم بن عتيبة (٣)، والشعبي (٤)، وإبراهيم بن يزيد النخعي (٥)، ومجاهد بن جبر (٦)، وميمون بن مهران (٧)، والقاضي شريح (٨)،

стр. 127

وقتادة (١)، وكان يقول به عمر بن عبد العزيز، ثم رجع عنه (٢)، وروي عن سليمان بن يسار (٣)، وهو مذهب الأحناف (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، ورواية عن الإمام أحمد (٧). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وجه الاستدلال: يدخل في عموم نصوص الطلاق في هاتين الآيتين وغيرهما طلاق

стр. 128

السكران (١). الرد من وجهين: الأول: النصوص العامة خصصتها أدلة عدم اعتبار أقوال السكران. الثاني: السكران لا قصد له فهو غير مطلق على الحقيقة فلا يدخل في عموم النصوص. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. وجه الاستدلال: لما خوطب السكران في حال سكره بحكم فرعي دل ذلك على أنَّ حكمه حكم الصاحي تشديدًا عليه في الأحكام فيقع طلاقه (٢). الرد: الخطاب يحمل على الذي في أوائل النشوة فهو يَعْقِلُ الخطاب، أو على الصاحي، نُهِي عن السكر إذا أراد الصلاة، وأما من لا يَعْقِلُ، فلا يُؤمر ولا ينهى (٣). الدليل الرابع: قول النبي ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٤). وجه الاستدلال: ليس السكران واحدًا من الثلاثة ولا في معناهم فيقع طلاقه (٥). الرد: دلت الأدلة الأخرى على إلحاقه بهم. الدليل الخامس: روى الزهري عن سعيد بن المسيب وروى عبد الله بن الزبير ﵄ أنَّ النبي ﷺ لما خطب خديجة بنت خويلد تزوجها من أبيها خويلد وهو سكران

стр. 129

ودخل بها، فلما جاء الإسلام قال رسول الله ﷺ «لَا يُزَوِّجُ نَشْوَانُ وَلَا يُطَلِّقُ إِلَّا أَجَزْتُهُ». وجه الاستدلال: هذا نص في وقوع طلاق السكران (١). الرد من وجهين: الأول: الحديث ذكره الماوردي (٢) ولم يعزه ليوقف على سنده. الثاني: على فرض ثبوته فالنشوان هو من كان في بداية السكر قبل أن يغلب عليه السكر (٣) فيحمل على سكران يعلم ما يقول. الدليل السادس: إجماع الصحابة ﵃ على وقوع طلاق السكران فجاء ذلك عن: ١: عمر ﵁: فعن أبي لبيد أنَّ عمر ﵁ «أَجَازَ طَلَاقَ السَّكْرَانِ بِشَهَادَةِ النِّسْوَةِ» (٤). وعن سليمان بن يسار، «إِنَّ رَجُلًا مِنْ آلِ الْبَخْتَرِيِّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ سَكْرَانُ فَضَرَبَهُ عُمَرُ ﵁ الْحَدَّ وَأَجَازَ عَلَيْهِ طَلَاقَهُ» (٥).

стр. 130

٢: معاوية ﵁ أجاز طلاقَ السكران (١). وجه الاستدلال: لا يعلم لهما مخالف فيكون إجماعًا. الرد: لا إجماع فالصحابة ﵃ مختلفون فالخلاف ثابت عن عثمان ﵁ وكذلك ينسب لابن عباس ﵄. الدليل السابع: ما يروى عن علي ﵁ أنَّه قال: «إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ جَلْدَةً» (٢).

стр. 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 133

وجه الاستدلال: جعل الصحابة ﵃ السكران في حكم الصاحي في كلامه فأوجبوا عليه الحد (١). الرد من وجهين: الأول: الأثر لا يصح. الثاني: لو صح لكان حجة على عدم وقوع طلاق السكران لأنَّه جعل قوله هذيانًا، وجلده ثمانين للشرب، لا للقذف؛ إذ لو كان للقذف لأضاف إليها حد الشرب (٢). الدليل الثامن: أحكام التكليف المغلظة جارية على السكران كالقود وحد الزنا والقذف فدل ذلك على أنَّ حكمه حكم الصاحي (٣). الرد من وجهين: الأول: التكليف؛ هو عبارة عن الخطاب بأمر أو نهي وشرطه العقلُ، ومن لا يعقِلُ ما يقول، فليس بمكلَّف (٤). الثاني: إلزامُ السكران بجناياته، محلُّ نزاع لا محل وفاق، فقول للشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد وقول لبعض المالكية أنَّه كالمجنون في أقواله وأفعاله. والذين اعتبروا أفعالَه دونَ أقواله، فرَّقوا بفرقين، أحدهما: أنَّ إسقاطَ أفعاله ذريعةٌ إلى تعطيل القِصاص، والفرق الثاني: إلغاء أقواله لا يتضمَّن مفسدة، لأنَّ القول المجردَ مِنْ غير العاقل لا مفسدة فيه بخلاف الأفعال، فإنَّ مفاسدها لا يُمكن إلغاؤها إذا وقعت،

стр. 134

فإلغاءُ أفعاله ضررٌ محض، وفسادٌ منتشر بخلاف أقواله (١). الدليل التاسع: طلاق من مكلف غير مكره صادف ملكه، فوجب أن يقع، كطلاق الصاحي (٢). الرد من وجهين: الأول: السكران غير مكلف (٣) وتقدم. الجواب: مكلف بقضاء العبادات بعد أن يصحو فهو مكلف حكمًا تجري عليه أحكام المكلفين (٤). الرد: إذا كانت صلاته لا تصح وهو سكران فكذلك طلاقه. الثاني: قياس طلاق السكران على طلاق الصاحي قياس مع الفارق. الدليل العاشر: إيقاع الطلاق عقوبةٌ له (٥). الرد: عقوبته في النصوص الشرعية الجلد ومعاقبته بالطلاق ضرر بزوجته وأولاده (٦). الدليل الحادي عشر: ترتب الطلاق على التطليق مِنْ باب ربط الأحكام بأسبابها، فلا يُؤثر فيه السُكر (٧). الرد: هذا يُوجب إيقاعَ الطلاق ممن سكر مُكرهًا، أو جاهلًا بأنَّها خمر، وطلاق المجنون والنائم، ثم يُقال: وهل ثبت أنَّ طلاقَ السكران سببٌ حتى يُربط الحكمُ به،

стр. 135

وهل النزاعُ إلا في ذلك؟ (١). الدليل الثاني عشر: السكران عاصٍ بفعله لم يزل عنه الخطاب بذلك ولا الإثم لأنَّه يؤمر بقضاء الصلوات وغيرها مما وجب عليه قبل وقوعه في السكر أو فيه (٢). الرد: النائم تلزمه الصلاة ولا يقع طلاقه (٣). الجواب: السكران عاص بخلاف النائم. الرد: لا يؤثر هذا في الحكم فكلاهما غير مكلف أثناء النوم والسكر ولو ارتد حال سكره لا يحكم بردته (٤). الدليل الثالث عشر: السكران أدخل الفساد على عقله بإرادته فيقع طلاقه (٥). الرد: لو تسبب بذهاب عقله بإرادته بغير محرم لم يقع طلاقه. الدليل الرابع عشر: السكران تسبب في زوال عقله بالمعصية فيجعل كأنَّه لم يزل (٦). الرد: كالذي قبله. الدليل الخامس عشر: الأصل في السكران العقل والسكر شيء طرأ على عقله فمهما وقع منه من كلام مفهوم فهو محمول على الأصل حتى يثبت ذهاب عقله فأمر السكارى مشكل فهم مختلفون في تأثرهم بالمسكر (٧). الرد: يأتي الكلام على متى يقع طلاقه ومتى لا يقع؟. الدليل السادس عشر: كثير ممن يشربون المسكر يظهرون زوال العقل والواقع

стр. 136

خلاف ذلك فيحكم بإيقاع الطلاق سدًا للذريعة (١). الرد: يدان في ذلك بينه وبين ربه كمن زعم الإغلاق في الطلاق وكمن زعم أنَّه أراد التوكيد في الطلقة الثانية والثالثة. الدليل السابع عشر: السكران ليس يُسْتَدل على سكره بعلم ظاهر، هو معذور فيه، وإنَّما يعرف من جهته، وهو فاسق مردود الخبر وربما تساكر تصنعًا، فلم يجز أن يعدل به عن يقين الحكم السابق، بالتوهم الطارئ (٢). الرد: كالذي قبله. الدليل الثامن عشر: يعطى للزائل حقيقة حكم القائم تقديرًا إذا زال بسبب هو معصية للزجر والردع كمن قتل مورثه يحرم الميراث ويجعل المورث حيًا زجرًا للقاتل وعقوبة عليه (٣). الرد: قياس مع الفارق لوجوه: الأول: قاتل مورثه مكلف والسكران غير مكلف. الثاني: منع القاتل من الإرث جاء به النص بخلاف طلاق السكران. الثالث: وقوع طلاق السكران يتضرر به غيره زوجته وأولاده بخلاف منعه من الإرث. الدليل التاسع عشر: رفع الطلاق تخفيف وإيقاعه تغليظ فإذا وقع من الصاحي وليس بعاصٍ، كان وقوعه من السكران مع المعصية أولى (٤). الرد: الصاحي له قصد وإرادة بخلاف السكران. • القول الثاني: لا يقع طلاق السكران: قال به عثمان ﵁، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (٥)، وجابر بن زيد،

стр. 137

وعكرمة مولى ابن عباس ﵄ (١)، وعطاء بن أبي رباح (٢)، وطاوس (٣)، وهو آخر القولين عن عمر بن عبد العزيز (٤)، وقال به إسحاق ابن راهويه (٥)، والبخاري (٦)، وهو قول للمالكية (٧)، وقول للشافعية (٨)، وهي الرواية التي استقر عليها الإمام أحمد (٩) رواية شاذة عند المالكية، وقال به منهم ابن عبد البر، وعثمان البتي،

стр. 138

ومحمد بن عبد الحكم (١)، واختاره المزني (٢)، وأبو ثور (٣) من الشافعية، وأبو جعفر الطحاوي (٤)، وأبو الحسن الكرخي (٥) من الأحناف، وابن حزم (٦)، وأهل الظاهر (٧)، والزركشي (٨) من الحنابلة، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٩)، وابن القيم (١٠)، والشوكاني (١١)، والشيخ عبد الرحمن السعدي (١٢)، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز (١٤)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (١٥).

стр. 139

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. وجه الاستدلال: جعل الله سبحانه قول السكران غير معتبر؛ لأنَّه لا يعلم ما يقول (١). الرد: لما خوطب حال سكره دل ذلك على أنَّ حكمه حكم الصاحي. الجواب: تقدم أنًّ الخطاب ليس حال سكره. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢). وجه الاستدلال: السكران إذا تلفظ بالطلاق ليس ناويًا له وليس له قصد صحيح فلا يقع طلاقه (٣). الرد: الهازل يقع طلاقه ولو لم ينو الطلاق (٤). الجواب: قياس مع الفارق فالهازل قصد لفظ الطلاق دون معناه بخلاف السكران والهازل مكلف والسكران غير مكلف. الدليل الثالث: في حديث علي ﵁ «فَطَفِقَ النَّبِيَّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ ﵁ فِيمَا فَعَلَ، فَإِذَا حَمْزَةُ ﵁ ثَمِلٌ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ ﵁ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ ﵁: وَهَلْ أَنْتُمْ إِلا عَبِيدٌ لأَبِي، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ ثَمِلٌ، فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ» (٥).

стр. 140

وجه الاستدلال: هذا القول لو قاله غير سكران، لكان ردة وكفرًا، ولم يؤاخذه النبي ﷺ بذلك فدل على عدم اعتبار قول السكران (١). الرد: كان هذا قبل تحريم الخمر وكان كلام السكران باطلًا بالاتفاق فهو كمن شرب خمرًا جاهلًا أو مكرهًا (٢). الدليل الرابع: عن بريدة ﵁ قال جاء ماعز بن مالك ﵁ إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله طهرني فَقَالَ وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ قَالَ فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ» قَالَ فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ «فِيمَ أُطَهِّرُكَ» فَقَالَ مِنْ الزِّنَى فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبِهِ جُنُونٌ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ فَقَالَ «أَشَرِبَ خَمْرًا» فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ … » (٣). وجه الاستدلال: إقراره ساقط بالسكر كما يسقط إقراره بالجنون، فدل أنَّه لا حكم لقول السكران (٤). الرد من وجهين: الأول: ذلك كان في حدود الله تعالى التي تدرأ بالشبهات (٥). الجواب: ظاهره عدم نفوذ إقرار السكران (٦).

стр. 141

الثاني: لعله معذور بشرب الخمر (١). الجواب: هذا خلاف الأصل. الدليل الخامس: عن عبد الله بن الزبير، ﵄ أنَّ رجلًا من الأنصار خاصم الزبير ﵄ عند النبي ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند النبي ﷺ : فقال رسول الله ﷺ للزبير: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» (٢). وجه الاستدلال: قال هذا الأنصاري كلمة تخرجه من الإيمان لكن عذره النبي ﷺ لأنَّه غضبان فالسكران كذلك (٣). الرد: لا يصح قياس الغضبان على السكران فالسكران عاصٍ بخلاف الغضبان. الجواب: كلاهما تأثر عقله الذي هو علة التكليف ومعصية السكر لها عقوبة شرعية. الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: اَلنِّكَاحُ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ» (٤). وجه الاستدلال: من زال عقله بسكر أو غيره لم يكن له جد، ولا هزل، فلا يقع طلاقه (٥). الدليل السابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٦).

стр. 142

وجه الاستدلال: السكران معتوه بسكره فلا يقع طلاقه. الرد من وجهين: الأول: الحديث لا يصح. الثاني: لو صح فظاهر الحديث وقوع طلاق النائم والإجماع على خلافه. الجواب: النائم مغلوب على عقله وهو أشد من المعتوه حال نومه. الدليل الثامن: إجماع الصحابة ﵃ على عدم وقوع طلاق السكران فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: «لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ» (١). ولا يعلم مخالف له من الصحابة ﵃ (٢). الرد: الخلاف ثابت عن الصحابة ﵃ فأمضى طلاق السكران عمر ومعاوية ﵄. * تنبيه: قال الحافظ ابن حجر: قال ابن عباس ﵄ طلاق السكران والمستكره ليس بجائز وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور جميعًا عن هشيم عن عبد الله بن طلحة الخزاعي عن أبي يزيد المزني عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «لَيْسَ

стр. 143

لِسَكْرَانَ وَلَا لِمُضْطَهَدٍ طَلَاقٌ» (١). ولفظه عندهما في المطبوع «لَيْسَ لِمُكْرَهٍ، وَلَا لِمُضْطَهَدٍ طَلَاقٌ» من غير ذكر السكران (٢). وقال ابن حزم: رويناه [طلاق السكران] عن ابن عباس ﵄ من طرق لم تصح: لأنَّ في إحدى طريقيه الحجاج بن أرطاة، وفي الأخرى إبراهيم بن أبي يحيى (٣). ولم يقف عليه أبو عبد الرحمن. الدليل التاسع: عن علي ﵁ قال: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» (٤). وجه الاستدلال: السكران الذي لا يدري ما يتكلم به معتوه أو ملحق به فالسكران معتوه بسكره كالمجنون معتوه بالجنون فلا يقع طلاقه (٥). الدليل العاشر: قال ابن قدامة: الصبي الذي لا يعقل أي لا يعلم أنَّ زوجته تبين به، وتحرم عليه فلا خلاف في أنَّه لا طلاق له (٦). والسكران كغير المميز فلا يقع طلاقه (٧). الرد: قياس مع الفارق فالسكران مكلف والصبي غير مكلف (٨). الجواب: السكران غير مكلف حال سكره. الرد: هذا سبب الخلاف في وقوع طلاق السكران أو عدمه. الدليل الحادي عشر: لا يصح إقراره ولا بيعه فكذلك طلاقه (٩).

стр. 144

الرد: الإقرار إخبار عن أمر ماض بخلاف الطلاق والبيع ونحوه يفسخ بخلاف الطلاق. الجواب: إذا كان لا يعتد بإقراره حال سكره فكذلك طلاقه بجامع تأثر عقله بالمسكر. الدليل الثاني عشر: القياس على المجنون بجامع زوال العقل فلا يقع طلاقه (١). الرد من وجوه: الأول: المجنون لا يجب عليه قضاء الصلاة بخلاف السكران. الجواب: النائم يجب عليه قضاء الصلاة ولا يقع طلاقه. الثاني: السكران ذهب عقله بسكره فهو عاصٍ بخلاف المجنون (٢). الجواب: المجنون لا تختلف أحكامه باختلاف أسباب جنونه ومن كسر ساقه جاز أن يصلي قاعدًا، ولا قضاء عليه، وكذلك لو ضربت المرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة فكذلك السكران لا يختلف الحكم لاختلاف أسباب سكره فلا يفرق بين العاصي بسكره وغيره (٣). الرد: القيام انتقل إلى بدل وهو القعود فافترقا وخروج دم النفاس سبب في حرمة الصلاة (٤). الجواب: لم يختلف حكم سقوط الصلاة عن النفساء بالمعصية وعدمها ولم يختلف الحكم في صلاة القاعد هل هو معتدٍ أم لا. الثالث: مع المجنون علم ظاهر يدل على فقد الإرادة بخلاف السكران. الرد: كذلك السكران له علامات يعرف هل استحكم به السكر أم لا.

стр. 145

الرابع: المجنون غير مؤاخذ بالجنون، فلم يؤاخذ بما حدث فيه، كما أن من قطع يد سارق فسرت إلى نفسه، لا يؤاخذه بالسراية، لأنَّه غير مؤاخذ بالقطع، ولو كان متعديًا بالقطع لكان مؤاخذًا بالسراية، كما كان مؤاخذًا بالقطع (١). الرد: المجنون لا يؤاخذ بأقواله لكنَّه يؤاخذ بأفعاله وكذلك السكران وسراية الجناية من باب ضمان المتلفات والطلاق ليس من هذا الباب. الدليل الثالث عشر: السكران معدوم الإرادة، أشبه المكره وهذا يرد على الشافعية ولا يرد على الأحناف لأنَّهم يرون طلاق المكره (٢). الرد: كالذي قبله. الجواب: كالذي قبله. الدليل الرابع عشر: القياس على النائم (٣). الرد: قياس مع الفارق فالنائم إذا أوقظ استيقظ بخلاف السكران. الدليل الخامس عشر: السكران لا قصد له فهو أولى بعدم المؤاخذة من اللاغي (٤) - من جرى اللفظ على لسانه من غير قصد له -. الرد: السكران معتدٍ بخلاف اللاغي. الجواب: تقدم أنَّه لا فرق بين المعتدي وغيره. الدليل السادس عشر: إذا ارتد السكران لا يستتاب في حال سكره ولا يقتل فدل ذلك على عدم اعتبار أقواله (٥). الرد: الإيمان والكفر يرجعان إلى التصديق والتكذيب، والإقرار دليل عليهما، وإقرار السكران لا يصلح دليلًا على التكذيب، فلا يصح إقراره (٦).
следующие страницы →