← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30001

شروط الطلاق - الزومان

أحمد الزومان

Полный текст (812 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الثاني: لعله معذور بشرب الخمر (١). الجواب: هذا خلاف الأصل. الدليل الخامس: عن عبد الله بن الزبير، ﵄ أنَّ رجلًا من الأنصار خاصم الزبير ﵄ عند النبي ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند النبي ﷺ : فقال رسول الله ﷺ للزبير: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» (٢). وجه الاستدلال: قال هذا الأنصاري كلمة تخرجه من الإيمان لكن عذره النبي ﷺ لأنَّه غضبان فالسكران كذلك (٣). الرد: لا يصح قياس الغضبان على السكران فالسكران عاصٍ بخلاف الغضبان. الجواب: كلاهما تأثر عقله الذي هو علة التكليف ومعصية السكر لها عقوبة شرعية. الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: اَلنِّكَاحُ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ» (٤). وجه الاستدلال: من زال عقله بسكر أو غيره لم يكن له جد، ولا هزل، فلا يقع طلاقه (٥). الدليل السابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٦).

стр. 142

وجه الاستدلال: السكران معتوه بسكره فلا يقع طلاقه. الرد من وجهين: الأول: الحديث لا يصح. الثاني: لو صح فظاهر الحديث وقوع طلاق النائم والإجماع على خلافه. الجواب: النائم مغلوب على عقله وهو أشد من المعتوه حال نومه. الدليل الثامن: إجماع الصحابة ﵃ على عدم وقوع طلاق السكران فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: «لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ» (١). ولا يعلم مخالف له من الصحابة ﵃ (٢). الرد: الخلاف ثابت عن الصحابة ﵃ فأمضى طلاق السكران عمر ومعاوية ﵄. * تنبيه: قال الحافظ ابن حجر: قال ابن عباس ﵄ طلاق السكران والمستكره ليس بجائز وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور جميعًا عن هشيم عن عبد الله بن طلحة الخزاعي عن أبي يزيد المزني عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «لَيْسَ

стр. 143

لِسَكْرَانَ وَلَا لِمُضْطَهَدٍ طَلَاقٌ» (١). ولفظه عندهما في المطبوع «لَيْسَ لِمُكْرَهٍ، وَلَا لِمُضْطَهَدٍ طَلَاقٌ» من غير ذكر السكران (٢). وقال ابن حزم: رويناه [طلاق السكران] عن ابن عباس ﵄ من طرق لم تصح: لأنَّ في إحدى طريقيه الحجاج بن أرطاة، وفي الأخرى إبراهيم بن أبي يحيى (٣). ولم يقف عليه أبو عبد الرحمن. الدليل التاسع: عن علي ﵁ قال: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» (٤). وجه الاستدلال: السكران الذي لا يدري ما يتكلم به معتوه أو ملحق به فالسكران معتوه بسكره كالمجنون معتوه بالجنون فلا يقع طلاقه (٥). الدليل العاشر: قال ابن قدامة: الصبي الذي لا يعقل أي لا يعلم أنَّ زوجته تبين به، وتحرم عليه فلا خلاف في أنَّه لا طلاق له (٦). والسكران كغير المميز فلا يقع طلاقه (٧). الرد: قياس مع الفارق فالسكران مكلف والصبي غير مكلف (٨). الجواب: السكران غير مكلف حال سكره. الرد: هذا سبب الخلاف في وقوع طلاق السكران أو عدمه. الدليل الحادي عشر: لا يصح إقراره ولا بيعه فكذلك طلاقه (٩).

стр. 144

الرد: الإقرار إخبار عن أمر ماض بخلاف الطلاق والبيع ونحوه يفسخ بخلاف الطلاق. الجواب: إذا كان لا يعتد بإقراره حال سكره فكذلك طلاقه بجامع تأثر عقله بالمسكر. الدليل الثاني عشر: القياس على المجنون بجامع زوال العقل فلا يقع طلاقه (١). الرد من وجوه: الأول: المجنون لا يجب عليه قضاء الصلاة بخلاف السكران. الجواب: النائم يجب عليه قضاء الصلاة ولا يقع طلاقه. الثاني: السكران ذهب عقله بسكره فهو عاصٍ بخلاف المجنون (٢). الجواب: المجنون لا تختلف أحكامه باختلاف أسباب جنونه ومن كسر ساقه جاز أن يصلي قاعدًا، ولا قضاء عليه، وكذلك لو ضربت المرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة فكذلك السكران لا يختلف الحكم لاختلاف أسباب سكره فلا يفرق بين العاصي بسكره وغيره (٣). الرد: القيام انتقل إلى بدل وهو القعود فافترقا وخروج دم النفاس سبب في حرمة الصلاة (٤). الجواب: لم يختلف حكم سقوط الصلاة عن النفساء بالمعصية وعدمها ولم يختلف الحكم في صلاة القاعد هل هو معتدٍ أم لا. الثالث: مع المجنون علم ظاهر يدل على فقد الإرادة بخلاف السكران. الرد: كذلك السكران له علامات يعرف هل استحكم به السكر أم لا.

стр. 145

الرابع: المجنون غير مؤاخذ بالجنون، فلم يؤاخذ بما حدث فيه، كما أن من قطع يد سارق فسرت إلى نفسه، لا يؤاخذه بالسراية، لأنَّه غير مؤاخذ بالقطع، ولو كان متعديًا بالقطع لكان مؤاخذًا بالسراية، كما كان مؤاخذًا بالقطع (١). الرد: المجنون لا يؤاخذ بأقواله لكنَّه يؤاخذ بأفعاله وكذلك السكران وسراية الجناية من باب ضمان المتلفات والطلاق ليس من هذا الباب. الدليل الثالث عشر: السكران معدوم الإرادة، أشبه المكره وهذا يرد على الشافعية ولا يرد على الأحناف لأنَّهم يرون طلاق المكره (٢). الرد: كالذي قبله. الجواب: كالذي قبله. الدليل الرابع عشر: القياس على النائم (٣). الرد: قياس مع الفارق فالنائم إذا أوقظ استيقظ بخلاف السكران. الدليل الخامس عشر: السكران لا قصد له فهو أولى بعدم المؤاخذة من اللاغي (٤) - من جرى اللفظ على لسانه من غير قصد له -. الرد: السكران معتدٍ بخلاف اللاغي. الجواب: تقدم أنَّه لا فرق بين المعتدي وغيره. الدليل السادس عشر: إذا ارتد السكران لا يستتاب في حال سكره ولا يقتل فدل ذلك على عدم اعتبار أقواله (٥). الرد: الإيمان والكفر يرجعان إلى التصديق والتكذيب، والإقرار دليل عليهما، وإقرار السكران لا يصلح دليلًا على التكذيب، فلا يصح إقراره (٦).

стр. 146

الجواب: إذا كان لا يصح إقراره لذهاب عقله فكذلك إنشاؤه الطلاق. الدليل السابع عشر: لا يجوز طلاق السكران كما لا تصح صلاته (١). الرد: الصلاة من خطاب التكليف والطلاق من خطاب الوضع (٢). الجواب: كلاهما يشترط فيهما القصد فيعلم ما يقول. الدليل الثامن عشر: لا يختلفون في من شرب البنج فذهب عقله أنَّ طلاقه غير جائز وكذلك السكران (٣). الرد: دل الإجماع على عدم وقوع طلاقه إذا كان غير متعدٍ بشربه (٤). ويأتي. الجواب: تقدم أنَّه على الصحيح لا فرق بين زوال العقل بمعصية أو بغيرها. الدليل التاسع عشر: لا يصح إبطال نكاح متفق على صحته بطلاق مختلف في وقوعه (٥). الرد: إذا دل الدليل على وقوع الطلاق يقع ولو كان مختلفًا في وقوعه. الدليل العشرون: من لم يوقع طلاق السكران أتى خصلة واحدة والذي يوقع طلاقه قد أتى خصلتين تحريمها على زوجها وحلها لغيره (٦). الرد: إذا دل على ذلك الدليل عليه فلا مانع كما لو طلقها حال الصحو فتحرم عليه وتحل لغيره. الترجيح: الذي ترجح لي عدم وقوع طلاق السكران وإن كان آثمًا بسكره لعدم اعتبار أقواله والله أعلم.

стр. 147

• الحكم الوضعي لطلاق من غاب عقله بمسكر ولم يكن آثمًا: إذا طلق السكران ولم يكن آثمًا بسكره كالمكره على شرب الخمر أو شربها مضطرًا أو لم يعلم أنَّها خمر فذهب عقله فهل يقع طلاقه؟ هذه المسألة كالتي قبلها لأهل العلم فيها قولان قول بوقوع طلاقه وقول بعدم وقوعه. • القول الأول: يقع طلاقه: وهو قول أكثر الأحناف (١) وقول لبعض الحنابلة (٢). الدليل الأول: إجماع الصحابة ﵃ فإنَّ بعضهم قالوا لا يقع معذورًا أو غير معذور ومنهم من قال يقع في الحالين فمن فرق بينهما كان قوله: بخلاف قول الصحابة ﵃ فيكون باطلًا (٣). الرد: الوارد عن الصحابة ﵃ في طلاق السكران الآثم بسكره وليس في المعذور. الدليل الثاني: لأنَّ عقله ذهب بلذة فيجعل قائمًا ويلحق الإكراه والاضطرار بالعدم كأنَّه شرب طائعًا حتى سكر (٤). الرد: فرق بين المعذور وغير المعذور وحتى لو شرب طائعًا فطلاقه لا يقع على الصحيح وتقدم. الدليل الثالث: زوال العقل ذهب بفعل محظور في الأصل وإن كان معذورًا لكن السبب الداعي للحضر قائم فأثر قيام السبب في حق الطلاق (٥). الرد: كالذي قبله.

стр. 148

• القول الثاني: لا يقع طلاقه: قال به بعض الأحناف (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو قول من تقدم ممن يرون عدم وقوع طلاق السكران العاصي. الدليل الأول: الإثم عنه مرفوع فكذلك طلاقه (٥). الدليل الثاني: زال عقله بالمباح فلا يقع كما لو شرب مباحًا فأثر في عقله (٦). الدليل الثالث: لأنَّ موجب الوقوع عند زوال العقل عند بعضهم ليس إلا التسبب في زواله بسبب محظور وهو منتف في طلاق المعذور بسكره (٧). وللأدلة السابقة لمن يرى عدم وقوع طلاق السكران الآثم وللأدلة الآتية في عدم وقوع طلاق المكره والمخطئ. الترجيح: ترجح لي عدم وقوع طلاق من كان معذورًا بسكره لعموم النصوص التي تدل على عدم وقوع طلاق المعتدي بسكره فغير المعتدي أولى والله أعلم. • من هو السكران؟ تقدم الكلام على حكم طلاق السكران لكن من هو السكران الذي تقدم الخلاف في وقوع طلاقه؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم: • القول الأول: السكران المخلط: فمن يخلط في أقواله وأفعاله فهو سكران وهو قول للأحناف (٨) وقول

стр. 149

للمالكية (١)، وقول للشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣)، واختاره ابن حزم (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، وابن القيم (٦). الدليل: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. وجه الاستدلال: من لم يعلم ما يقول فهو سكران، ومن علم ما يقول فليس بسكران (٧). الرد: المخلط ليس بسكران لأنَّ معه شيئًا من العقل (٨). الجواب: وكذلك الكثير من المجانين معهم شيء من العقل ويسقط عنهم التكليف ولا يقع طلاقهم بالإجماع. • القول الثاني: الذي لا يعرف الأرض من السماء والرجل من المرأة: وهو المعتمد في مذهب الأحناف (٩)،

стр. 150

وقول للمالكية (١)، واختاره المزني من الشافعية (٢). الدليل: من لا يعرف الرجل من المرأة ولا يعرف ما يقول فهو المعْنِّي بالآية (٣). الرد: من لا يفرق بين المرأة والرجل حاله أسوأ من المجنون فالمجنون لا يخفى عليه ذلك (٤). • القول الثالث: يرجع في ذلك إلى العرف: قول لبعض الشافعية (٥). الرد: قد يختلف العرف من مكان إلى آخر. • الترجيح: السكران له ثلاث أحوال: الأولى: بدايات سكره معه عقله مع شعوره باللذة والطرب. الثانية: إذا بلغ منه السكر مبلغه سقط كالمغشي عليه. الثالثة: حال بين الحالين فمعه عقله لكنه ليس تامًا فيخلط في كلامه وربما لم يميز بين بعض الأشياء (٦). ففي الحال الأولى يقع طلاقه لأنَّه عاقل وفي الثانية لا يقع طلاقه فهو إلى المغمى عليه أقرب من النائم وفي الثالثة الصحيح عدم وقوع طلاقه لأنَّه لا يعلم ما يقول والله أعلم.

стр. 151

• حكم ما استجد من المسكرات (المخدرات): في زمن التنزيل كانت الخمر هي المعروفة وفيها وردت النصوص الشرعية ثم بعد ذلك استجدت أشياء ولا زالت تستجد تتعاطى عن طريق الفم أو عن طريق الأنف أو تدخل الجسم بالحقن وهذه الأشياء حكمها حكم الخمر: الدليل الأول: عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ : «قال كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» (١). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: «أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ: العِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالعَسَلِ وَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ» (٢). وجه الاستدلال: اسم الخمر يتناولها فهي خمر شرعًا وإن كان في عرف الناس لا تسمى خمرًا فكل شيء من المسكرات يستر العقل ويتعاطى طلبًا للذته المسكرة يسمى خمرًا حقيقة (٣) فالعبرة بأثرها لا بتسميتها فالبعض في زماننا يسمى الخمر المشروبات الروحية ولا تغير التسمية الحكم الشرعي. الرد: اختلف في سبب تسميتها خمرًا فقيل سميت خمرًا لأنَّها تخامر العقل أي تستره كخمار المرأة وقيل لأنَّها تخامر العقل أي تخالطه كقولهم خامره الداء أي خالطه وقيل لأنَّها تركت حتى اختمرت واختمارها تغير رائحتها وقيل لأنَّها تُخَمَّر حتى تدرك كما يقال خمرت العجين فتخمر أي تركته حتى أدرك وقيل لأنَّها تغطى حتى تغلي (٤). الجواب: لا مانع من اجتماع هذه الأسباب في تسميتها خمرًا وبعض هذه المعاني

стр. 152

متداخلة لأنَّها تركت حتى غلت فأسكرت وهي مخالطة للعقل وربما غلبت عليه وغطته (١) وهذه المعاني موجود فيما استجد من المسكرات التي تتعاطى طلبًا للذة. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]. وجه الاستدلال: الحكمة من تحريم الخمر كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وجميع المسكرات المستجدة كذلك فيطرد الحكم في الجميع فتعطى حكم الخمر (٢). الدليل الرابع: عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه ﵁ أنَّ النبي ﷺ بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فَقَالَ وَمَا هِيَ؟ قَالَ الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ - فقلت [القائل سعيد بن أبي بردة] لأبي بردة ما البتع قال نبيذ العسل والمزر نبيذ الشعير - فقال كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (٣). وفي حديث ابن عمر ﵄ السابق: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ». وجه الاستدلال: لم يعتبر النبي ﷺ مصدر الخمر ومن أي شيء اتخذت إنَّما ربط الحكم بعلة وهي الإسكار وهي التي يعبر عنها الفقهاء بالشدة المطربة والمسكرة فيلحق بالخمر كل المسكرات التي تتعاطى طلبا للذة المسكرة (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قول النبي ﷺ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» يتناول ما يسكر ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولًا أو مشروبًا أو جامدًا أو مائعًا … ونبينا ﷺ بعث بجوامع الكلم فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه أو لم تكن (٥). وأهل

стр. 153

العلم جعلوا حكم السكران بالحشيش حكم السكران بالخمر وأجروا الخلاف فيه (١). فجميع المسكرات المستجدة ويغلب عليها تسمية المخدرات تعطى حكم الخمر فيجري الخلاف السابق في وقوع طلاق السكران فيها والله أعلم. • الحكم الوضعي لطلاق من غاب عقله بمرقد وهو غير آثم بفعله إذا طلق من غاب عقله بمرقد وهو غير آثم بفعله كمن تعاطاه جاهلًا أنَّه يغيب العقل أو متداويًا فلا يقع طلاقه عند أهل العلم الأحناف (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) وغيرهم الدليل الأول: قول النبي ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». (٦) وجه الاستدلال: من غاب عقله بسبب مباح حكمه حكم المجنون (٧). الدليل الثاني: الإجماع فأهل العلم لا يختلفون على أنَّ زائل العقل بغير سكر إذا لم يكن معتديًا لا يقع طلاقه (٨).

стр. 154

الدليل الثالث: لأنَّه مباح لا يؤاخذ به فهو للتداوي غالبًا فلا يكون زوال العقل بمعصية على القول بطلاق السكران العاصي (١). وللأدلة الآتية في عدم طلاق المكره والمخطئ. • الحكم الوضعي لطلاق من غاب عقله بمرقد وهو آثم بفعله إذا طلق من غاب عقله بمرقد وهو آثم بفعله فتعاطى المرقد من غير حاجة فلأهل العلم في طلاقه قولان: • القول الأول: يقع طلاقه: وهو قول للأحناف (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الدليل الأول: يؤاخذ بسكره ومعصيته بتناوله كمعصيته بتناول الخمر (٦). الرد: تقدم أنَّ كونه عاصيًا لا يلزم منه وقوع الطلاق وعلى القول بوقوع طلاق السكران لا يصح قياسه على السكران للفرق بين المرقد وبين المسكر. الدليل الثاني: قصد إزالة العقل بسبب محرم فيقع طلاقه (٧).

стр. 155

الرد: كالذي قبله. وللأدلة المتقدمة في وقوع طلاق السكران الآثم بسكره. • القول الثاني: لا يقع طلاقه: وهو قول للأحناف (١)، والشافعية (٢)، والمالكية (٣)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٤)، واختاره شيخنا الشيخ محمد العثيمين (٥). الدليل الأول: لقصة ماعز ﵁ (٦). وجه الاستدلال: تقدم. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». وجه الاستدلال: تقدم. الجواب: تقدم. الدليل الثالث: الشراب المطرب يدعو النفوس إلى تناوله فغلظ حكمه بوقوع الطلاق في أحد القولين كما غلظ بالحد، وغير المطرب، لا تميل النفوس لشربه، ولذلك لم يغلظ بالحد، فلم يغلظ بوقوع الطلاق (٧). الرد: الشريعة لا تفرق بين متماثلين فالسكران ومن غاب عقله بمرقد كلاهما

стр. 156

غاب عقله الذي هو علة التكليف فإمَّا أن يقع الطلاق في المسكر والمرقد أو لا يقع فيهما والشريعة فرقت في العقوبة فما تدعو النفوس إليه أوجبت فيه العقوبة وما لا تدعو النفوس إليه يكتفى بزجر الطباع. الدليل الرابع: لأنَّه زائل العقل أشبه المغمى عليه (١). الرد: المغمى غير آثم بخلاف من تعاطى المرقد آثمًا. الجواب: الفرق مؤثر في العقوبة الدنيوية والأخروية ولا يؤثر في وقوع الطلاق. الدليل الخامس: الغالب أنَّ الناس يتعاطونه لغير المعصية، بخلاف المسكر، والحكم يتعلق بالغالب (٢). الرد: تقدم. وللأدلة المتقدمة في عدم وقوع طلاق السكران الآثم بسكره. الترجيح: الذي ترجح لي أنَّ من تعاطى ما يغيب عقله ويفسده لا على سبيل اللذة على أي وجه تعاطاه كالبنج فإنَّه لا يقع طلاقه سواء كان معذورًا أو غير معذور فهو فاقد للعقل فلا يعتد بقوله وإن كان آثمًا بمعصيته والله أعلم. • الحكم الوضعي لطلاق من غاب عقله بمفسد حكم طلاق من غاب عقله بمفسد حكم من غاب عقله بمرقد عند الأحناف (٣) والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). وتقدمت الأدلة والترجيح.

стр. 157

الفصل الخامس طلاق الخَرِف • تعريف الخَرِف: الخَرَفُ فساد العقل من الكِبَر وخَرِفَ الرجُل يَخْرَفُ خَرَفًا فهو خَرِفٌ فَسَدَ عَقْلُه من الكِبَرِ والأُنثى خَرِفةٌ وأَخْرَفَه الهَرَمُ وخَرَّفَهُ تَخْريفًا نسبه إلى الخَرَفِ (١). • الحكم الوضعي لطلاق الخَرِف: لا يقع طلاق الشيخ الخَرِف عند الأحناف (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والذي يظَّهر لي أنَّ المسألة من مسائل الإجماع والله أعلم، وتقدم (٦) أنَّ الخلل الظاهر في العقل يمنع نفوذ التصرف. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠]. وجه الاستدلال: الخَرِف بعد ما كان عالمًا أصبح لا يدري شيئًا فيصير بمنزلة الصبي الذي لا عقل له فتسقط عنه التكاليف ولا يعتد بقوله ومن ذلك طلاقه (٧).

стр. 158

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وجه الاستدلال: سبب المؤاخذة كسب القلب وكسبه هو إرادته وقصده والخَرِف يجري على لسانه الطلاق من غير قصد فهو لغو. الدليل الثالث: يمتحن الله الكبير الذي أدركه الإسلام وهو مخرف والمجنون والأصم والأبكم (١).

стр. 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 161

وجه الاستدلال: الخَرِف حكمه حكم المجنون فلا يقع طلاقه. الدليل الرابع: قول النبي ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (١). وجه الاستدلال: الخَرِف حكمه حكم الصبي والمجنون فلا يقع طلاقه لانتفاء التكليف ولعدم تمام القصد. الدليل الخامس: قال أبو داود (٢) رواه ابن جريج عن القاسم بن يزيد عن علي ﵁ عن النبي ﷺ زاد فيه والخَرِفِ.

стр. 162

وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: لا تصح زيادة الخَرِفِ. الدليل السادس: عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول «لَا طَلَاقَ، وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (١). وجه الاستدلال: الإغلاق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره ومن تغير عقله بسبب الكبر كذلك. الدليل السابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٢). وجه الاستدلال: المعتوه ومعه بعض إدراك لا يقع طلاقه فالخَرِف كذلك. الرد: الحديث لا يصح. الدليل الثامن: عن علي ﵁ قال: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» (٣). وجه الاستدلال: كالذي قبله. الدليل التاسع: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: «لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ» (٤). وجه الاستدلال: المجنون والسكران لا يقع منهما طلاق لاختلال العقل وعدم كمال القصد فكذلك الخَرِف. الدليل التاسع: الإجماع فأهل العلم مجمعون على أنَّ زائل العقل لا يقع طلاقه (٥) والخَرِف زائل العقل.

стр. 163

الدليل العاشر: الطلاق قول يزول به الملك فاعتبر له العقل كالبيع. الدليل الحادي عشر: المكره لا يقع طلاقه والخَرِف أسوء حالًا منه. الرد: هذا محل خلاف. الجواب: الراجح عدم الوقوع ويأتي (١). * * *

стр. 164

الفصل السادس طلاق المدهوش • تعريف المدهوش: الدَّهَشُ ذهابُ العقل من الذَّهَلِ والوَلَهِ ومن الفزع ونحوه. ودَهِشَ دهَشًا فهو دَهِشٌ ودُهِشَ فهو مَدْهوش والمعْتُوه المدْهُوشُ من غير مَسِّ جُنُونٍ (١). فالمدهوش هو الذي تعرض لأمر عظيم أثر على عقله فيصدر منه القول أو الفعل من غير قصد أو مع قصد ناقص فلا ينظر في العواقب. • الحكم الوضعي لطلاق المدهوش: لا يقع طلاق المدهوش وهو مذهب الأحناف (٢)، والمالكية (٣)، والذي يظهر لي أنَّه مذهب الشافعية (٤)،

стр. 165

والحنابلة (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وقال به ابن القيم (٣) وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٤). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١]. وجه الاستدلال: المدهوش تبلغ به الحال أحيانًا أنَّه لا يشعر بتصرفاته فيكون أشد

стр. 166

من بعض المجانين (١). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (٢). وجه الاستدلال: قال كلمة لو قالها معتقدًا لها لكفر لكنه عذر لأنَّه مدهوش فكذلك يعذر إذا طلق فلا يترتب على تلفظه بالطلاق حكم (٣). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَإِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْتَ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ لَهُ» (٤). وجه الاستدلال: قال هذا الرجل في حال غلب عليه الدهش بسبب خوفه كلامًا يكفر فلم يؤاخذ بكلامه فكذلك ما كان دون الكفر فلا يقع طلاقه إذا طلق (٥). الدليل الرابع: في حديث عائشة ﵂ في أول ما بدئ رسول الله من الوحي «جَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ فَقَالَ «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»

стр. 167

فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ» (١). وجه الاستدلال: المدهوش يترك حتى يزول ما به لعدم الاعتداد بأقواله (٢). الدليل الخامس: قول النبي ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٣). وجه الاستدلال: لا يقع طلاق المجنون والصغير والمدهوش أحيانًا يكون أشد منهما. الدليل السادس: عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا طَلَاقَ، وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (٤). وجه الاستدلال: الإغلاق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره (٥) والمدهوش كذلك. الدليل السابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كل طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٦). وجه الاستدلال: إذا كان المعتوه ومعه بعض إدراك لا يقع طلاقه فالمدهوش أحيانًا أشد حالًا من المعتوه. الرد: الحديث لا يصح. الدليل الثامن: عن علي ﵁ قال: «كل طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» (٧). وجه الاستدلال: كالذي قبله. الدليل التاسع: في حديث عائشة ﵂ في وفاة النبي ﷺ قال عمر ﵁: «وَاللَّهِ مَا مَاتَ

стр. 168

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ وَقَالَ عُمَرُ ﵁ وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ … » (١). وجه الاستدلال: على قوة عمر ﵁ دهش بسبب وفاة النبي ﷺ فتغير عقله فنفى وفاة النبي ﷺ (٢) فغيره حينما يصاب بخطب جلل من باب أولى. الدليل العاشر: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: «لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ» (٣). وجه الاستدلال: السكران لا يقع طلاقه والمدهوش كذلك. الرد: طلاق السكران محل خلاف. الجواب: الراجح عدم وقوع طلاقه وتقدمت المسألة (٤). الدليل الحادي عشر: أهل العلم مجمعون على أنَّ زائل العقل لا يقع طلاقه (٥) والمدهوش زائل العقل. الدليل الثاني عشر: دلت النصوص الشرعية أنَّ الخلل الظاهر في العقل سواء كان أصليًا أو عارضًا يمنع نفوذ التصرف وإن كان معه بعض إدراك (٦) فلا يقع طلاق المعتوه والخرف والمسحور والموسوس ولا يقع على الصحيح طلاق السكران والغضبان فكذلك المدهوش. الدليل الثالث عشر: الطلاق قول يزول به الملك فاعتبر له العقل كالبيع

стр. 169

والمدهوش زائل العقل (١). الدليل الرابع عشر: المكره بغير حق لا يقع طلاقه والمدهوش أشد حالًا منه أحيانًا. الرد: هذا محل خلاف. الجواب: الراجح عدم وقوع طلاقه (٢). * * *

стр. 170

الفصل السابع طلاق النائم إذا طلق الرجل زوجته وهو نائم لا يقع طلاقه وعلى هذا إجماع أهل العلم وينص الأحناف (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) على عدم وقوع طلاق النائم. الدليل الأول: قول النبي ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٥). وجه الاستدلال: لا يقع طلاق النائم لانتفاء التكليف (٦). الرد: الطلاق من خطاب الوضع وليس من خطاب التكليف. الجواب: الأحكام الوضعية تقيد بالشروط كما تقيد الأحكام التكليفية والسبب الوضعي هو طلاق العاقل لا مطلق الطلاق بالاتفاق وإلا لزم وقوع طلاق المجنون (٧). الدليل الثاني: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٨). وجه الاستدلال: طلاق النائم قول بلا نية، فلا يقع.

стр. 171

الدليل الثالث: الإجماع فأهل العلم مجمعون على عدم وقوع طلاق النائم (١). الدليل الرابع: الطلاق قول يزول به الملك فاعتبر له العقل كالبيع (٢). الدليل الخامس: النائم ليس له قصد فكلامه لغو (٣). الدليل السادس: المكره لا يقع طلاقه والنائم أسوء حالًا منه (٤). الرد: وقوع طلاق المكره من عدمه من مسائل الخلاف. الجواب: الراجح قول الجمهور على عدم وقوع طلاقه ويأتي الكلام على المسألة (٥). الدليل السابع: النوم مانع من استعمال نور العقل فكانت أهلية القصد معدومة بيقين (٦). * * *

стр. 172

الفصل الثامن طلاق السَّفِيه • تعريف السَّفِيه: لغة: السَّفَه نقص في العقل وأصله الخفة والسَّفِيه خفيف العقل من قولهم تَسَفَّهَتِ الرِّياحُ الشيءَ إِذَا اسْتَخَفَّتْهُ فَحَرَّكَتْهُ (١). شرعًا: السَّفِيه في هذا الباب يراد به من لا يحسن التصرف في المال (٢). • الحكم الوضعي لطلاق السَّفِيه: لأهل العلم في طلاق السفيه قولان قول بوقوع طلاقه وقول بعدم وقوعه: • القول الأول: يقع طلاق السَّفِيه: قال به عمر بن عبد العزيز (٣)، والأحناف (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)،

стр. 173

والحنابلة (١) الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وجه الاستدلال: الآية لم تفرق بين السَّفِيه وغيره (٢). الرد: لم ترد الآية لبيان من يصح طلاقه إنَّما وردت لبيان حكم المطلقة ثلاثًا. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: الآية واردة لبيان الطلاق الرجعي. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: الآية واردة لبيان وقت الطلاق السني. الدليل الرابع: قول النبي ﷺ «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» (٣). وجه الاستدلال: كل من تلفظ بالطلاق جادًا أو هازلًا وقع طلاقه ومنهم السَّفِيه ولا يخرج من عموم الحديث إلا ما دل الدليل الخاص على عدم وقوع طلاقه كالمجنون. الدليل الخامس: عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا طَلَاقَ، وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (٤). وجه الاستدلال: من أغلق عليه نظره وتفكيره لا يقع طلاقه ومن لم يغلق عليه وقع

стр. 174

طلاقه والسَّفِيه لم يغلق عليه فيقع طلاقه. الرد: الاستدلال بالحديث بدلالة المفهوم وهي دلالة ضعيفة. الجواب: يقوي دلالة المفهوم الأدلة الأخرى. الدليل السادس: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» (١). وجه الاستدلال: الطلاق بيد من يحل له البضع فيدخل فيه السَّفِيه (٢). الرد من وجهين: الأول: الحديث ضعيف. الثاني: على فرض صحته ليس على إطلاقه فالمجنون لا يصح طلاقه بالإجماع. الدليل السابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٣). وجه الاستدلال: من غلب على عقله يقع طلاقه وما عداه يقع طلاقه ومن ذلك السَّفِيه. الرد: الحديث لا يصح. الجواب: يشهد له قول علي ﵁: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» (٤). الدليل الثامن: السَّفِيه محجور عليه في المال والطلاق ليس مالًا (٥). الدليل التاسع: طلاق من مكلف، مالك لمحل الطلاق، فيقع طلاقه كالرشيد (٦). الرد: لا يصح قياسه على الرشيد فهو ممنوع من التصرف في المال. الجواب: المنع من التصرف في المال لا يمنعه من الطلاق كالمفلس محجور

стр. 175

عليه في المال ويصح طلاقه. الدليل العاشر: الحجر على السَّفِيه لحفظ ماله، والطلاق يوفره ولا يضيعه فيستفيد بطلاقه سقوط النفقة وله نصف المهر إن كان قبل الدخول فلم يجز أن يمنع من هذه الفائدة ويجبر على التزام النفقة (١). الجواب: لكنَّه تضييع للمال في المآل فيحتاج للنكاح مستقبلًا. الدليل الحادي عشر: السَّفِيه أحسن حالًا من الرقيق لحريته وثبوت ملكه فلما صح طلاق الرقيق فأولى أن يصح طلاق السَّفِيه (٢). الرد: الرقيق نقصه عارض بسبب الرق وليس بسبب سوء التصرف بالمال. • القول الثاني: لا يقع طلاق السَّفِيه: قال به عطاء بن أبي رباح (٣)، ونُسِب هذا القول لابن أبي ليلى، والنخعي (٤)، وتردد فيه بعض المالكية (٥). لحديث جَابِر ﵁: أَنَّ رِجْلًا مِنْ اَلأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي?» فَاشْتَرَاهُ نَعِيمُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ ﵁ بِثَمَان مِائَة دِرْهَمٍ، فدفعها إليه» (٦). وجه الاستدلال: الطلاق إتلاف مال كالعتق لأنَّ البضع يملك بالمال ويزول عنه

стр. 176

الملك بالمال فلما لم يصح عتق السَّفِيه وجب أن لا يصح طلاقه (١). الرد من وجوه: الأول: الحجر على السَّفِيه في ماله لا يمنع تصرفه في غير ما هو محجور عليه فيه، كالمفلس. الثاني: الزوجة ليست مالًا فلا تورث والمهر مقابل البضع فإذا تمتع به حصلت المنفعة (٢). الترجيح: يترجح لي قول الجمهور بوقوع طلاق السَّفِيه فهو طلاق من مكلف توفرت شروطه وانتفت موانعه والله أعلم. * * *

стр. 177

الفصل التاسع طلاق المريض • تمهيد: إذا طلق المريض فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون زائل العقل بسبب المرض فلا يقع طلاقه بإجماع أهل العلم سواء كان المرض مرض موت أو غيره (١). الثانية: أن لا يؤثر المرض على عقله والمرض في هذه الحال لا يخلو من حالين: الأول: أن لا يكون المرض مخوفًا فهذا حكمه حكم الصحيح من وقوع الطلاق ومن إرث زوجته وعدمه. الثاني: أن يكون المرض مرض الموت • الحكم الوضعي لطلاق المريض مرض الموت: إذا طلق المرض مرض الموت وهو ما يكون سببًا للوفاة غالبًا (٢) ومثل مرض الموت المخوف من قدم للقصاص ونحوه مما يكون سببًا للهلاك (٣) وهو موضوع البحث فإذا طلق في مرض الموت وقع طلاقه وهو مذهب الأحناف (٤)، والمالكية (٥)

стр. 178

والشافعية (١) والحنابلة (٢) وهو إجماع كما سيأتي. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وجه الاستدلال: هذه الآية وغيرها من آيات الطلاق عامة في المريض وغيره إلا ما دل الدليل على عدم وقوع طلاقه كالمجنون. (٣) الدليل الثاني: قول النبي ﷺ «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» (٤) وجه الاستدلال: من تلفظ بالطلاق جادًا أو هازلًا وقع طلاقه ويدخل في عموم الحديث المريض (٥) وكذلك أحاديث الطلاق عامة فيدخل المريض في عمومها. الدليل الثالث: الإجماع فلا أعلم خلافًا بين الصحابة ﵃ في وقوع طلاق المريض: ١: فعن ابن الزبير ﵁ قال: «طَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ ابْنَةَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيِّ فَبَتَّهَا، ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ ﵁». قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ﵄ «وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى أَنْ تَرِثَ الْمَبْتُوتَةُ». (٦) فعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن الزبير ﵃ يرون وقوع الطلاق والخلاف

стр. 179

في إرثها. * تنبيه: قال ابن حزم: عثمان يأمر عبد الرحمن ﵄ بمراجعتها بعد أن طلقها آخر طلاقها في مرضه فصح أنَّه لم يكن يراه طلاقًا. (١) والأمر بالمراجعة فرع عن وقوع الطلاق فالآثار الكثيرة عن عثمان ﵁ أنَّه ورثها في العدة أو بعد العدة والعدة تكون من طلاق والله أعلم. وروي عن عمر وعلي وأبي بن كعب وعائشة ﵃ توريث المطلقة في مرض الموت ٢: عن شريح قال: «أَتَانِي عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ ﵄ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ: أَنَّهَا تَرِثُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَلَا يَرِثُهَا» (٢). ٣: عن علي بن أبي طالب ﵁: «أَنَّ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، كَانَتْ تَحْتَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ﵁ فَلَمَّا حُصِرَ طَلَّقَهَا، وَقَدْ كَانَ أَرْسَلَ إِلَيْهَا لِيَشْتَرِيَ مِنْهَا ثُمْنَهَا، فَأَبَتْ، فَلَمَّا قُتِلَ أَتَتْ عَلِيًّا ﵁، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «تَرَكَهَا حَتَّى إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ طَلَّقَهَا، فَوَرَّثَهَا» (٣).

стр. 180

٤: عن أبي بن كعب ﵁ أنَّه قال في الذي يطلق وهو مريض: «لَا نَزَالُ نُوَرِّثُهَا حَتَّى يَبْرَأَ أَوْ تَتَزَوَّجَ وَإِنْ مَكَثَ سَنَةً» (١). ٥: عن عائشة ﵂ أنَّها قالت في المطلقة ثلاثًا وهو مريض: «تَرِثُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» (٢). ولم أقف على خلاف بين الصحابة ﵃ في عدم وقوع طلاق المريض وخلافهم ﵃ في توريثها لا في وقوع الطلاق والله أعلم. وينقل جمع من أهل العلم الإجماع على وقوع الطلاق في مرض الموت (٣) وإنَّما الخلاف في إرث المطلقة قال ابن رشد الحفيد: اتفقوا على أنَّه يقع طلاق المريض إن صح، واختلفوا هل ترثه إن مات أم لا؟ (٤) * تنبيه: ينسب بعض أهل العلم للشعبي عدم وقوع طلاق المريض (٥) ولم أقف عليه مسندًا والذي وقفت عليه مسندًا يفيد أنَّه يوقع الطلاق ويوجب الإرث في
следующие страницы →