← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30001

شروط الطلاق - الزومان

أحمد الزومان

Полный текст (812 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يصح بيع المكره ولا شراؤه ولا رهنه وسائر عقوده فكذلك طلاقه (١). الرد: لا يجامع الاختيار في الأفعال بخلاف الأقوال ويفرق بين ما يمكن فسخه من العقود وبين ما لا يمكن فسخه (٢). الجواب: المخالف لا يوافق على ذلك ويرى عدم التفريق بين الإكراه على الأقوال والأفعال. الدليل السادس عشر: القصد إلى ما وضع له التصرف شرط جوازه، ولهذا لا يصح تصرف الصبي والمجنون، وهذا الشرط يفوت بالإكراه؛ لأنَّ المكره لا يقصد بالتصرف ما وضع له، وإنَّما يقصد دفع مضرة الإكراه عن نفسه (٣). الرد: قصد دفع الهلاك عن نفسه ولا يندفع عنه إلا بالقصد إلى ما وضع له فكان قاصدًا إليه ضرورة (٤). الجواب: إن كان قصد الكلام لكنَّه غير مختار فهو مكره بنص القرآن. الدليل السابع عشر: المكره قد أتى باللفظ المقتضي للحكم. ولم يثبت حكم اللفظ؛ لأنَّه لم يقصد الحكم، وإنَّما قصد دفع الأذى عن نفسه فصار عدم الحكم لعدم قصده، وإرادته بذلك اللفظ وكونه إنَّما قصد به شيئًا آخر غير حكمه. فعلم أنَّ نفس اللفظ ليس مقتضيًا للحكم اقتضاء الفعل أثره (٥). الرد: كالذي قبله. الجواب: كالذي قبله. الدليل الثامن عشر: الإكراه يزيل حكم الإقرار بالطلاق، فوجب أن يزيل حكم إيقاع الطلاق كالجنون والنوم والصغر (٦).

стр. 212

الرد: الصغير والمجنون ليس لهما اختيار ولا علم بما يترتب على قوليهما. الجواب: الجامع بينهم عدم اعتبار أقوالهم. الرد: هذا استدلال بمحل الخلاف. الدليل التاسع عشر: لفظ تتعلق به الفرقة بين الزوجين، فوجب أن لا يصح إذا حمل عليه بغير حق، كالإكراه على كلمة الكفر (١). الرد: تقدم الجواب عليه في رد الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. الجواب: تقدم. الدليل العشرون: قول في أحد طرفي النكاح فوجب أن لا يصح مع الإكراه كالنكاح (٢). الرد: قياس مع الفارق فالنكاح يشترط فيه ما لا يشترط في الطلاق. الدليل الحادي والعشرون: لفظ حمل عليه بغير حق، فوجب أن لا يثبت به حكم، كالإكراه على الإقرار بالطلاق (٣). الرد: الإقرار بالطلاق إخبار عن أمر ماض يحتمل الصدق والكذب بخلاف الطلاق فهو إنشاء كلام (٤). الجواب: لا فرق فكلاهما تكلم بكلام وهو لا يريده. الدليل الثاني والعشرون: القياس على البيع فلا يصح بيع المكره ولا يلزم فكذلك طلاقه (٥).

стр. 213

الرد من وجهين: الأول: قياس مع الفارق فالبيوع ترد بالخيار والعيب بخلاف الطلاق (١). الجواب: أجمع العلماء على إبطال كفر المكره ولا خيار في الكفر فلو ارتد مسلم على أن ينظر في الكفر إن أعجبه وإلا رجع فهو مرتد عند الجميع وإذا كان لا يصح بيع المكره لأنَّ له الخيار في حل البيع وإمضاؤه فكذلك الطلاق (٢). الثاني: البيع يشترط فيه الرضا ومع الإكراه لا يوجد الرضا، بخلاف الطلاق فلا يشترط فيه الرضا فيقع. (٣). الجواب: هذا استدلال في محل الخلاف. الدليل الثالث والعشرون: كل بضع لم يملك بلفظ المكره، لم يحرم بقول المكره. (٤) • القول الثالث: إذا أكرهه السلطان وقع وإذا أكرهه اللصوص لم يقع: قال به عامر بن شراحيل الشعبي (٥) قال ابن القيم: لهذا القول غور وفهم دقيق لمن تأمله (٦). الدليل الأول: اللص يقدم على قتله، والسلطان لا يقتله (٧). الرد من وجهين: الأول: عموم الأدلة السابقة يتناول الجميع (٨). الثاني: بعض السلاطين أشد ظلمًا من اللصوص. الدليل الثاني: السلطان له ولاية بخلاف اللص.

стр. 214

الرد: له ولاية إذا كان محقًا أما إذا كان ظالمًا فلا ينفذ تصرفه في الباطل. الترجيح: يترجح لي أنَّ الزوج إذا أكره على التلفظ بطلاق زوجته بغير حق فلا يقع طلاقه لما تقدم من أدلة والله أعلم. فائدة: سئل شيخنا الشيخ محمد العثيمين: رجل تلبس بزوجته جنية تهدده بقتلها إن لم يطلقها، فيضطر أن يتلفظ بالطلاق أحيانًا، فهل يقع، وهل الأحسن أن يطلقها فعلًا.؟ فأجاب: طلاقه طلاق مكره، فلا يقع. وإن كان في طلاقه إياها افتداء لها فليطلقها، وإن كان ذلك يندفع بإخراج الجنية بالقراءة فليفعل (١). • الحكم الوضعي لطلاق المكره بغير حق إذا قصد لفظ الطلاق ولم يرد إيقاعه: إذا طلق المكره بغير حق قاصدًا لفظ الطلاق الصريح ولكنَّه لا يريد إيقاع الطلاق فهل يقع طلاقه فلأهل العلم في هذه المسألة قولان وسبب الخلاف راجع إلى هل الإكراه يجعل صريح لفظ الطلاق كناية فتشترط نية عدم الإيقاع أو لا: • القول الأول: يقع الطلاق: وهو أصح الوجهين عند الشافعية (٢). الدليل الأول: لقصده لفظ الطلاق، فصار كالمختار، وإذا تلفظ المختار بالطلاق الصريح ولم يرد به وقوع الطلاق وقع (٣). الرد: فرق بين المختار والمكره فقد يريد المكره لفظ الطلاق لجهله بالحكم. الدليل الثاني: صريح لفظ الطلاق عند الإكراه، كناية إن نوى وقع وإلا فلا (٤). الرد: هذا استدلال في محل الخلاف.

стр. 215

• القول الثاني: لا يقع الطلاق: وهو مذهب المالكية (١)، ووجه عند الشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣)، واختاره ابن القيم (٤)، وشيخنا الشيح محمد العثيمين (٥). الدليل الأول: لا يقع طلاقه لعموم الأدلة السابقة في عدم وقوع طلاق المكره (٦). الدليل الثاني: تقدم فتوى عمر وابنه عبد الله وعبد الله بن الزبير ﵃ بعدم وقوع طلاق المكره ولم يستفصلوا منه فدل على عدم وقوع طلاق المكره مطلقًا والله أعلم. الدليل الثالث: يسقط اللفظ بالإكراه، والنية لا تعمل وحدها فلو نوى الطلاق في نفسه لم يقع (٧) وتقدمت المسألة. الدليل الرابع: من وقع منه الطلاق من غير نية لا يقع طلاقه فمن تلفظ به مكرهًا لا يقع طلاقه من باب أولى (٨). الترجيح: الذي يترجح لي عدم وقوع طلاق المكره إذا نوى لفظ الطلاق الصريح ولم يرد إيقاع الطلاق لعموم أدلة المكره ولأنَّ عامة المسلمين يجهلون مثل هذه الأحكام ولا يفرقون حين الإكراه حتى من يعلم هذه الأحكام قد يذهل حين الإكراه. • الحكم الوضعي لطلاق المكره بغير حق إذا قصد لفظ الطلاق وأراد إيقاعه: إذا طلق المكره بغير حق قاصدًا لفظ الطلاق وأراد إيقاع الطلاق فلأهل العلم في هذه المسألة قولان:

стр. 216

• القول الأول: يقع الطلاق: وهو مذهب المالكية (١) والأصح في مذهب الشافعية (٢) ومذهب الحنابلة (٣). الدليل الأول: ليس مكرهًا لارتفاع حكم الإكراه بإرادة الطلاق فأكره على اللفظ ولم يكره على نية الطلاق (٤). الرد: يبقى مكرهًا وقد يريد الطلاق جهلًا منه ولا يعلم الحكم وعامة المسلمين يجهلون اختلاف الحكم بإرادة الطلاق أو عدمها. الدليل الثاني: لأنَّه قصد الطلاق واختاره كغير المكره (٥). الرد: قياس مع الفارق. الدليل الثالث: الإكراه كالكناية فيقع بالنية (٦). الرد: هذا استدلال بمحل الخلاف والمكره العامي لو علم ذلك لم ينو الطلاق. الدليل الرابع: النية لا تدخل تحت الإكراه فهو مطلق (٧). الرد: قد ينوى الطلاق جهلًا بالحكم. • القول الثاني: لا يقع الطلاق: وهو وجه للشافعية (٨)، وقول في مذهب الحنابلة (٩)،

стр. 217

واختاره ابن القيم (١) وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٢). الدليل الأول: تقدم فتوى الصحابة ﵃ بعدم وقوع طلاق المكره من غير استفصال. الدليل الثاني: لفظ الطلاق ساقط بالإكراه، والنية لا تعمل وحدها (٣). ولعموم الأدلة السابقة في عدم وقوع طلاق المكره. الترجيح: يترجح لي عدم وقوع طلاق المكره وإن نوى الطلاق لأنَّ عامة المسلمين يجهلون الحكم فيتلفظ العامي المكره بالطلاق وينوى ما أكره عليه ولو بين له الحكم لاختلف الأمر عنده وحتى من يعلم قد يذهل في هذا الموطن والله أعلم. • التورية في طلاق المكره: • أحوال التورية في الطلاق: المورِّي في الطلاق له حالان: الأولى: أن يكون مكرهًا على الطلاق فيورِّي. الثانية: أن يورِّي في الطلاق وهو غير مكره. ويأتي الكلام على تعريف التورية وحكمها في غير الإكراه (٤). • حكم التورية في طلاق المكره بغير حق: يستحب للمكره على الطلاق أن يورِّي لكن إذا لم يورِّ فما الحكم؟ أحوال ترك التورية: لا يخلو المكره على الطلاق إذا ترك التورية من أحوال: • الأولى: أن يكون جاهلًا: فلا يورِّي جهلًا منه فلا يقع طلاقه وهو مذهب المالكية (٥)،

стр. 218

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • الثانية: أن يكون عالمًا: وهو لا يخلو من حالين: أن يكون معذورًا بترك التورية أو غير معذور الحال الأولى: إذا لم يتمكن من التورية لعذر: كأن تكون أصابته دهشة فترك التورية فلا يقع طلاقه وهو مذهب المالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥). الحال الثانية: إذا تمكن من التورية ولم يورِّ: فتركها من غير عذر فلأهل العلم في هذه المسألة قولان: • القول الأول: لا يقع الطلاق: وهو مذهب المالكية (٦) والصحيح من مذهب الشافعية (٧) والمذهب عند الحنابلة (٨) واختاره ابن القيم (٩). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ

стр. 219

وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وجه الاستدلال: لم يوجب الله تعالى التورية على من أكره على التلفظ بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فلا تجب على ما دون التلفظ بالكفر من باب أولى (١). الدليل الثاني: الصحابة ﵃ لم يوقعوا طلاق المكره ولم يستفصلوا فدل على عدم وجوب التورية. الدليل الثالث: عموم أدلة عدم وقوع طلاق المكره (٢). الدليل الرابع: لا يعتبر لفظ المكره لأنَّه غير قاصد لمعناه ولا مريد لموجبه فصار تكلمه باللفظ لغوًا بمنزلة كلام المجنون والنائم (٣). الدليل الخامس: اشتراط التورية إبطال لرخصة التكلم مع الإكراه ورجوع إلى القول بنفوذ طلاق المكره فلو ورَّى بغير إكراه لم يقع طلاقه على التفصيل الآتي فيكون التأثير للتورية لا للإكراه (٤). الدليل السادس: لأنَّه مجبر على اللفظ ولا نية له تشعر باختياره. • القول الثاني: يقع طلاقه: قول لبعض المالكية (٥) ووجه للشافعية اختاره أبو المعالي الجويني (٦) وقول لبعض الحنابلة (٧).

стр. 220

الدليل: بالتورية يحيد عن الطلاق، فإذا لم يور كان حكمه حكم المختار لأنَّه لم يستفرغ وُسعه في الحَيْد عن الطلاق (١). الرد: قياس مع الفارق ففرق بين المختار والمكره. الترجيح: يترجح لي استحباب التورية مطلقًا في طلاق المكره والله أعلم. * تنبيهان: الأول: الخلاف في هذه المسائل عند الجمهور الذين لا يوقعون طلاق المكره إذا تكلم بالطلاق غير قاصد للفظ الطلاق ولا مريد لإيقاعه. وتقدم أنَّ مذهب الأحناف وقوع طلاق المكره فلذا لم يذكر مذهبهم في المسائل السابقة. الثاني: الإكراه يكون بتهديد الشخص أو قريبه كولده بالضرب المبرح والحبس ونحوه من الأذى (٢) وتقدم قول عمر بن الخطاب ﵁ «لَيْسَ الرَّجُلُ أَمِينًا عَلَى نَفْسِهِ إِذَا أَجَعْتَهُ، أَوْ أَوْثَقْتَهُ، أَوْ ضَرَبْتَهُ» وقول عبد الله بن مسعود ﵁ «مَا كَانَ لِيَرُدَّنِي أَنْ أَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ تَرُدُّ عَنِّي سوطين إلا تكلمت فيه» وقصة ثابت بن الأحنف حينما تزوج أم ولد لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فدعاه عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فجاءه فدخل عليه فإذا سياط موضوعة وإذا قيدان من حديد وعبدان له قد أجلسهما فقال طلقها وإلا والذي يحلف به فعلت بك كذا وكذا فطلقه فأفتاه ابن عمر وابن الزبير ﵃ أنَّ ذلك ليس بطلاق. * * *

стр. 221

الفصل الثالث طلاق المسحور • تمهيد: أحوال المسحور: المسحور لا يخلو من أحوال: الأول: إذا بلغ به السحر حد الجنون المطبق فلا يقع طلاقه وتقدم الكلام على طلاق المجنون (١). الثاني: إذا كان يذهب عقله أحيانًا ويفيق أحيانًا فحكمه حكم المجنون الذي يفيق أحيانًا فيقع طلاقه حال الإفاقة، وتقدم الكلام على هذه المسألة (٢). الثالث: إذا كان السحر لم يؤثر على عقله أو أثر عليه تأثيرًا يسيرًا فالسحر نوع من المرض ويقع طلاق المريض وتقدم الكلام على هذه المسألة. (٣) الرابع: إذا كان مسحورًا بسحر التفريق فأثر في رغبته في زوجته ولم يبلغ حد الجنون المطبق وهو محل البحث في هذا الفصل. سحر التفريق: من أنواع السحر سحر التفريق بين الزوجين؛ كما قال تعالى ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. قال أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي: السحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه ويحول بين المرء وقلبه وبإدخال الآلام وعظيم الأسقام (٤). وقال ابن كثير: سبب التفرق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق أو نحو ذلك أو عقد أو بغضه، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة (٥).

стр. 222

وقال الجصاص: يحتمل التفريق من وجهين أحدهما أن يعمل به السامع فيكفر فيقع به الفرقة بينه وبين زوجته إذا كانت مسلمة بالردة والوجه الآخر أن يسعى بينهما بالنميمة والوشاية والبلاغات الكاذبة والإغراء والإفساد وتمويه الباطل حتى يظن أنَّه حق فيفارقها (١). • الحكم الوضعي لطلاق المسحور: دلت النصوص الشرعية أنَّ الخلل الظاهر في العقل يمنع نفوذ التصرف وإن كان معه بعض إدراك (٢) فإذا ظهر الخلل في تصرفات المسحور مع زوجته وتغيرت علاقته بها من المحبة إلى الكره فلا يقع طلاقه وهو مذهب الأحناف (٣)، والمالكية (٤)،

стр. 223

والشافعية (١)، و نص عليه الحنابلة (٢)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)

стр. 224

وابن القيم (١) وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٢). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وجه الاستدلال: أُسنِد التفريقُ بين الزوجين للسحرة لا إلى الزوج فلا يقع طلاق المسحور. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. وجه الاستدلال: جعل الله سبب المؤاخذة كسب القلب وكسبه هو إرادته وقصده والمسحور لا قصد له فلا يقع طلاقه. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. وجه الاستدلال: من تكلم بالكفر مكرهًا لا يترتب على كلامه أثر لأنَّه لا يعتقده وكذلك المسحور مكره فلا يقع طلاقه (٣). الرد: التكلم بالكفر حق للخالق بخلاف الطلاق ففيه حق للمخلوق. الجواب: لا فرق فعُلِق الحكمُ في الآية بما في القلب لا بمجرد اللفظ. الرد: يَرِد على ذلك من تكلم بالطلاق هازلًا يقع طلاقه ولو لم ينوه. الجواب: دل حديث «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ» على وقوع طلاق الهازل. الدليل الرابع: قوله تعالى ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].

стр. 225

وجه الاستدلال: الساحر يطلق بسبب تخيل في امرأته من عدم العفة أو القبح أو غير ذلك. الرد: لو طلق غير المسحور بسبب ظن السوء في زوجته وقع الطلاق وإن لم تكن كذلك. الجواب: إذا كان غير المسحور يشابهه كالموسوس لا يقع طلاقه بخلاف سليم العقل. الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]. وجه الاستدلال: وصف كفار مكة النبي ﷺ بأنَّه مسحور ذاهب العقل فلا يعتد بقول المسحور الرد: اختلف بالمراد بمسحور في الآية هل هو المسحور أو الساحر (١). الدليل السادس: قوله تعالى ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١]. وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: كالذي قبله (٢). الدليل السابع: عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول «لَا طَلَاقَ، وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (٣). وجه الاستدلال: الإغلاق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره والمسحور كذلك. الرد: اختلف في المراد بالإغلاق. الجواب: الإغلاق عام فيدخل فيه المسحور (٤).

стр. 226

الدليل الثامن: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (١). وجه الاستدلال: أخطأ من شدة الفرح فعذر وحال المسحور أشد من ذلك فيعذر فلا يقع طلاقه. الدليل التاسع: قول النبي ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (٢). وجه الاستدلال: لا يقع الطلاق من الصغير لعدم تمام الإدراك وحال بعض المسحورين أسوأ من الصغير. الرد: طلاق الصبي المميز محل خلاف (٣). الجواب: الصواب عدم وقوع طلاق الصبي المميز لأنَّه ليس له قصد تام. الدليل العاشر: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٤). وجه الاستدلال: القصد معتبر في العقود وغيرها والمسحور ليس له قصد معتبر في حل عقدة النكاح فلا يصح طلاقه (٥). الدليل الحادي عشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٦). وجه الاستدلال: إذا كان المعتوه ومعه بعض إدراك لا يقع طلاقه فالمسحور

стр. 227

كذلك. الرد من وجهين: الأول: الحديث لا يصح. الجواب: يشهد له قول علي ﵁: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» (١). الثاني: المعتوه على حالة واحدة يمكن ضبطها فاعتبرت فيه واكتفى فيه بمجرد نقص العقل بخلاف السحر فإنَّه عارض. الجواب: العبرة بوجود العقل فالمجنون الذي يفيق أحيانًا يقع طلاقه إذا طلق حال الإفاقة. الدليل الثاني عشر: عن عائشة ﵂ قالت: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ … » (٢). وجه الاستدلال: السحر يؤثر على المسحور فيتخيل أشياء ليست حقيقة تؤثر على أقواله وأفعاله فلا يقع طلاقه إذا كان بسبب السحر. الرد: غير المسحور قد يتخيل أشياء في زوجته من فرط الغيرة فيطلق ويقع طلاقه. الجواب: فرق بين ما يمكن دفعه وما لا يمكن دفعه. الدليل الثالث عشر: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ اَللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي اَلْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٣). وجه الاستدلال: السحر إكراه فلا يقع طلاق المسحور. الرد من وجهين: الأول: الحديث ضعيف. الجواب: صححه بعض أهل العلم وتشهد له آية النحل السابقة. الثاني: على فرض ثبوته فتأوله بعضهم بأنَّه خاص بالإكراه على الشرك.

стр. 228

الجواب: تخصيصه بالإكراه على الشرك يحتاج إلى دليل وذكر الشرك في الآية من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى والله أعلم. الدليل الرابع عشر: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: «لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ» (١). وجه الاستدلال: المجنون والسكران لا يقع منهما طلاق لاختلال العقل وعدم كمال القصد وكذلك المسحور. الدليل الخامس عشر: قال ابن عباس ﵄ «الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» (٢). وجه الاستدلال: الوطر الغرض المقصود فلا يقع الطلاق إلا مع القصد والمسحور لا وطر له فلا يقع طلاقه. الرد: الحديث ذكره البخاري معلقًا من غير إسناد لينظر هل هو صحيح أم لا؟. الجواب: ذكره جازمًا به وهذا يدل على صحته عنده قال الحافظ ابن حجر: الموقوفات فإنَّه يجزم بما صح منها عنده ولو لم يبلغ شرطه ويمرض ما كان فيه ضعف وانقطاع (٣). الدليل السادس عشر: دلت النصوص الشرعية أنَّ الخلل الظاهر في العقل سواء كان أصليًا أو عارضًا يمنع نفوذ التصرف وإن كان معه بعض إدراك فلا يقع طلاق المعتوه والخرف والمدهوش والموسوس ولا يقع على الصحيح طلاق السكران والغضبان فكذلك عارض السحر والله أعلم. الدليل السابع عشر: القياس على المكره من وجوه: الأول: السحر لا يريده الشخص فيسحر من غير علمه فهو مكره عليه. الثاني: جامع عدم القصد فالمسحور ليس له قصد حقيقي فالحامل على الطلاق السحر لا عدم الرغبة في الزوجة. الرد: الاعتبار بالتلفظ بالطلاق مختارًا بخلاف المكره فهو محمول على التكلم

стр. 229

به غير مريد لترتب أثره عليه. الجواب: المسحور مكره وليس كل من تلفظ بالطلاق وقع طلاقه. الثالث: يوقع الْمُكْرَه الطلاق للتخلص من الخوف الذي يخشاه من الْمُكْرِه فيطلق طلبًا للراحة من الخوف وكذلك المسحور يطلق بسبب ما يجده في نفسه مما يتخيله في زوجته. الدليل الثامن عشر: القياس على الموسوس فإذا كان لا يقع طلاق الموسوس فكذلك المسحور لعدم كمال القصد والعلم منهما وبعض المسحورين يطلق بسبب وسوسة الشيطان له في زوجته. الدليل التاسع عشر: القياس على المدهوش فكلاهما عرض له ما أثر في عقله. الدليل العشرون: القياس على الغضبان فلا يقع طلاقه على الصحيح على التفصيل المذكور فكلاهما عرض له ما أثر في عقله. الدليل الحادي والعشرون: لا يقع الطلاق بمجرد التلفظ به باتفاق أهل العلم فلابد من توفر الشروط وانتفاء الموانع والسحر من موانعه لما تقدم. الدليل الثاني والعشرون: الطلاق لم يشرع إلا عند خروج النكاح من أن يكون مصلحة ويعرف ذلك بالتأمل والمسحور ليس أهلًا لذلك. • تطليق ولي المسحور: إذا كان لا يقع طلاق المسحور فلوليه تطليق زوجته للمصلحة ويأتي (١) جواز طلاق الولي زوجة لمجنون والصغير إذا كان في ذلك مصلحة له أو رفع الظلم عن الزوجة فكذلك ولي المسحور إذا كان المسحور لا يقع طلاقه والله أعلم. * * *

стр. 230

الفصل الرابع طلاق الموسوس * طلاق الموسوس زائل العقل * طلاق الموسوس بسبب غير الوسوسة * طلاق الموسوس في نفسه * تلفظ الموسوس بالطلاق • تمهيد: أحوال الموسوس: إذا طلق الموسوس فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون زائل العقل. الثانية: أن لا يكون زائل العقل: فإذا طلق لا يخلو الطلاق من حالين: الحال الأولى: أن يكون الحامل على الطلاق غير الوسوسة. الحال الثانية: أن يكون الطلاق بسبب الوسوسة: وهذ الطلاق نوعان: الأول: طلاق في النفس. الثاني: يتلفظ بالطلاق. • الحكم الوضعي لطلاق الموسوس زائل العقل: حين تشتد الوسوسة بالموسوس يكون في أقواله وأفعاله كالمجنون فلا يقع طلاقه سواء تلفظ بالطلاق أو طلق في نفسه. قال ابن القيم: المطلق أو الحالف زائل العقل إما بجنون أو إغماء أو شرب دواء أو شرب مسكر يعذر به أولا يعذر أو وسوسة وهذا المخلص مجمع عليه بين الأمة إلا في شرب مسكر لا يعذر به … (١). والموسوس المغلوب على عقله مجنون ولا يقع طلاق المجنون بالإجماع (٢). • الحكم الوضعي لطلاق الموسوس بسبب غير الوسوسة: إذا طلق الموسوس بسبب غير الوسوسة كشخص وسوسته في الطهارة ثم طلق

стр. 231

امرأته رغبة عنها فيقع طلاقه لأنَّه شخص مكلف طلق مختارًا (١) ولم أقف على خلاف في المسألة وغلبة الظن أنَّ وقوع طلاقه من مسائل الإجماع والله أعلم. • الحكم الوضعي لطلاق الموسوس في نفسه: إذا طلق الموسوس في نفسه ولم يتلفظ بالطلاق لا يقع طلاقه فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٢). وفي رواية: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ» (٣). وجه الاستدلال: بوب عليه أبو داود باب الوسوسة في الطلاق (٤) وطلاق الموسوس حديث النفس ولا مؤاخذة بحديث النفس (٥) والطلاق في النفس لا يقع في أرجح القولين (٦) فلا يقع طلاق الموسوس من باب أولى وبقية الأدلة مذكورة في مسألة الطلاق في النفس. • الحكم الوضعي لتلفظ الموسوس بالطلاق: إذا تلفظ الموسوس بالطلاق فلا يقع طلاقه قال عطاء بن أبي رباح: «يُطَلِّقُ وَلِيُّ الْمُوَسْوِسِ، وَلْيَنْظُرْ عَسَى أَنْ يُفِيقَ» (٧)

стр. 232

وقال العيني: لا يجوز طلاق الموسوس (١) وقال الإمام الشافعي: المعتوه والمجنون والموسوس والمبرسم وكل ذي مرض يغلب على عقله ما كان مغلوبًا على عقله فإذا ثاب إليه عقله فطلق في حاله تلك أو أتى حدًا أقيم عليه ولزمته الفرائض وكذلك المجنون يجن ويفيق فإذا طلق في حال جنونه لم يلزمه وإذا طلق في حال إفاقته لزمه (٢) وقال القليوبي: المجنون والمبرسم والمعتوه، والنائم والموسوس كغير المميز (٣). وقال الشريف محمد بن أحمد الهاشمي: طلاق … الموسوس لا يقع قولًا واحدًا (٤) وقال ابن القيم: الموسوس لا يقع طلاقه … وما ذاك إلا عدم صحة العقل والإرادة منه (٥) وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الموسوس الذي حداه [ألجأه] على الطلاق وسوسته لا يقع طلاقه وذلك أنَّه يجد في نفسه أنَّ بقاء الزوجة معه غير حلال وهو يود امرأته فهو نظير المكره بل أبلغ من ناحية فإنَّ فيه مُكْرهٍ من قبله لا يزال معه راكبًا وماشيًا ومضطجعًا (٦). وقال شيخنا الشيخ محمد العثيمين: بعضهم [الموسوسون] إذا رأى الضيق

стр. 233

العظيم قال: سأطلق وأستريح، ثم يطلق فهذا لا يقع طلاقه؛ لأنَّه بلا شك مغلق عليه، وهذا من أعظم ما يكون من الإغلاق (١) الأدلة: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ». (٢) وجه الاستدلال: نفى النبي ﷺ الطلاق في الإغلاق والموسوس مغلق عليه قصده فلا يقع طلاقه (٣). الدليل الثاني: عن عمرو بن شعيب قال وجدنا في كتاب عبد الله بن عمرو عن عمر بن الخطاب ﵃ «إِذَا تَجَنَّبَ الْمُوَسْوَسُ بِامْرَأَتِهِ طَلَّقَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». قال سفيان [الثوري]: «وَلَا نَأْخُذُ بِذَلِكَ، نَرَى أَنَّهَا بَلِيَّةٌ وَقَعَتْ، فَإِنْ كَانَ يَخْشَى عَلَيْهَا عُزِلَتْ وَأُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ» (٤). وجه الاستدلال: يطلق ولي الموسوس وهذا يدل على عدم اعتبار طلاقه. الرد: هذه وجادة وجاء من طريق آخر المجنون بدل الموسوس. الجواب: تقدمت مناقشة ذلك. الدليل الثاني: قال عقبة بن عامر ﵁: «لَا يَجُوزُ طَلَاقُ المُوَسْوِسِ» (٥). وجه الاستدلال: جاء عن عمر ﵁ ما يفهم منه عدم وقوع طلاق الموسوس وأفتى بذلك عقبة بن عامر ﵁ ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة فيكون إجماعًا سكوتيًا. الرد: الحديث ذكره البخاري معلقًا من غير إسناد لينظر هل هو صحيح أم لا؟

стр. 234

الجواب: ذكره جازمًا به وهذا يدل على صحته عنده قال الحافظ ابن حجر: الموقوفات فإنَّه يجزم بما صح منها عنده ولو لم يبلغ شرطه ويمرض ما كان فيه ضعف وانقطاع (١). الدليل الثالث: الإجماع: قال محمد بن رشد: الموسوس لا يلزمه طلاق، وهو مما لا اختلاف فيه، لأنَّ ذلك إنَّما هو من الشيطان (٢). الرد: يحتمل أنَّه أراد اتفاق المالكية فالخلاف معروف ذكر رجلٌ لسعيد بن جبير ابنة عم له، وأنَّ الشيطان يوسوس إليه بطلاقها؛ فقال له سعيد بن جبير: «لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ بَأْسٌ حَتَّى تَكَلَّمَ بِهِ، أَوْ تُشْهِدَ عَلَيْهِ» (٣). الجواب: فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم ينصون على عدم صحة طلاق الموسوس وفتوى سعيد بن جبير قضية عين لا نعلم حال السائل. الدليل الرابع: الموسوس معتوه بالوسوسة (٤) والمعتوه لا يقع طلاقه بالإجماع (٥). الدليل الخامس: الموسوس مُكْرَهٌ على الطلاق والمكره لا يقع طلاقه (٦). الرد: المسألة من مسائل الخلاف. الجواب: أرجح القولين عدم وقوع طلاقه وهو رأي الجمهور. الدليل السادس: دلت النصوص الشرعية أنَّ الخلل الظاهر في العقل يمنع نفوذ التصرف وإن كان معه بعض إدراك (٧). * تنبيه: حين الحكم على طلاق الموسوس الذي لم تغلب الوسوسة على عقله لا نغفل عن أمور:

стр. 235

الأول: أنَّ الوسوسة قد تكون خاصة فمثلًا بعض الموسوسين وسوسته في الطهارة والبعض في الصلاة والبعض في الطلاق والبعض في الزكاة والبعض في العقود كالبيع. الثاني: الموسوس الذي وسوسته خاصة كسائر الناس يتعامل مع الناس فلا يظهر عليه أثر الوسوسة فهو كغيره من الناس. الثالث: الوسوسة مرض مع العلاج تخف أو تزول وتعاود الموسوس من فترة لأخرى لعدة أسباب. الرابع: الموسوس يكون أحيانًا أسوأ من حال بعض المجانين فيستفتي عن المسألة مرارًا ويكتب الجواب ثم يسأل المفتي هل هذا المكتوب من كلامك وهو مع ذلك يذهب مع الناس ويتعامل معهم بالبيع وغيره لايشعر أحد بأنَّه مصاب بالوسوسة فله مع الطبيب والمفتي حال ومع غيرهم حال أخرى. فعلى هذا من لم تغلب الوسوسة على عقله لايعطى حكمًا عامًا فيقال لايقع طلاق الموسوس فلا بد أن ينظر في أمره وفي نوع الوسوسة التي يعاني منها ويستطيع أن يحدد ذلك الطبيب ومن يتعامل معه. * * *

стр. 236

الفصل الخامس طلاق الغضبان • تمهيد: الغضبان حينما يطلق لا يخلو من حالين: الأولى: أن يطلق بسبب غير الغضب وهو مريد للطلاق ولا يندم بعد زوال الغضب فالحامل له على الطلاق سبب آخر غير الغضب وإنَّما هيجه الغضب للمبادرة بالطلاق فهذا يقع طلاقه لأنَّه طلاق رغبة توفرت شروطه وانتفت موانعه ولم أقف على خلاف في هذه المسألة والذي يظهر لي أنَّها من مسائل الإجماع والله أعلم. الثانية: أن يطلق بسبب الغضب وإذا زال الغضب ندم على طلاقه فهذا موضوع البحث. قال ابن القيم: هذا كله في الغضبان الذي يكره ما قاله حقيقة فأما من هو مريد له على تقدير عدم غضبه لاقتضاء السبب ذلك فليس من هذا الباب كمن زنت امرأته فغضب فطلقها لأنَّه لا يرى المقام مع زانية فلم يقصد بالطلاق إطفاء نار الغضب بل التخلص من المقام مع زانية فهذا يقع طلاقة فتأمل هذا الفرق فإنَّه حرف المسالة ونكتتها وهذا بخلاف من خاصمته امرأته وهو يعلم من نفسه إرادة المقام معها على الخصومة وسوء الخلق ولكن حملة الغضب على أن شفى نفسه بالتكلم بالطلاق كسرًا لها وإطفاء لنار غضبه. (١) • تحرير محل الخلاف في نوع الغضب الذي يؤثر في الطلاق: قسم شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) الغضب إلى ثلاثة أقسام وتابعه على ذلك تلميذه ابن القيم (٣) وغيره من أهل العلم (٤). الأول: غضب يزيل العقل فيبلغ به نهايته بحيث ينغلق عليه باب العلم والإرادة

стр. 237

فلا يعلم ما يقول ولا يريده فهو كالسكران والمجنون فلا يقع طلاقه عند الأحناف (١) وينص على عدم وقوع طلاقه إذا زال عقله المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) وينقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك (٥). الثاني: غضب يكون في مبادئه وأوائله بحيث لا يتغير عليه عقله ولا ذهنه ويعلم ما يقول وما يقصده ويملك نفسه فهو مكلف فيقع طلاقه بالإجماع (٦). الثالث: غضب يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله لكن يمنعه من التثبت والتروي ويخرجه عن حال اعتداله ويندم على ما بدر منه بعد زواله فالغضب تعدى مبادئه ولم ينته إلى آخره فهو بين المرتبتين فهذا هو محل الخلاف. • الحكم الوضعي لطلاق الغضبان: إذا كان حال الرجل مع زوجته مستقيمة ثم حصل بينهما خلاف كما يحصل بين كثير من الأزواج لسبب من الأسباب واشتد الخلاف بينهما فاشتد غضب الزوج بسبب ذلك مع إدراكه لما يقول فطلق زوجته بلفظ صريح كقوله أنت طالق ونحوه وبعد سكون الغضب ندم على طلاقه فهل يقع طلاقه؟ لأهل العلم في هذه المسألة قولان قول بوقوع طلاق الغضبان وقول بعدم وقوعه.

стр. 238

• القول الأول: يقع طلاق الغضبان: وهو مذهب الأحناف (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختاره ابن رجب (٥). الدليل الأول: عن خولة بنت ثعلبة ﵂ قالت «فِيَّ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ قَالَتْ كُنْتُ عِنْدَهُ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ وَضَجِرَ قَالَتْ فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ فَقَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي … » (٦).

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 240

وجه الاستدلال: ظاهر أوس بن الصامت ﵁ وهو غضبان وكان الظهار طلاقًا فألزمه النبي ﷺ بالطلاق ثم لما جعل الله الظهار مكفرًا ألزمه النبي ﷺ بالكفارة ولم يلغه فدل ذلك على وقوع طلاق الغضبان (١). الرد: ثبت أيضًا أنَّه ظاهر وفيه لمم (٢) وطلاق المجنون لا يقع فيحمل الغضب واللمم على اليسير الذي لا يرتفع به التكليف والله أعلم. الدليل الثاني: عن أبي بكرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (٣). وجه الاستدلال: حكم الغضبان معتبر ولو لم يكن معتبرًا لما كان للنهي محل فإذا نفذ الحكم مع الغضب وهو بين الناس، فالحكم بين الإنسان وبين زوجته من باب أولى، فيقع طلاق الغضبان (٤). الرد: ينهى القاضي عن القضاء وهو غضبان لكن هل إذا حكم وهو غضبان يصح حكمه أو لا يصح؟ وهل النهي للكراهة أو للتحريم؟ هذه من مسائل الخلاف (٥) ويأتي أنَّ المخالف يستدل بهذا الحديث على عدم وقوع طلاق الغضبان. الدليل الثالث: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال أتيت النبي ﷺ في نفر من الأشعريين نستحمله فقال «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ»، وَأُتِيَ رسول الله ﷺ بِنَهْبِ إبل فسأل عنا فقال: «أَيْنَ النَّفَرُ الْأَشْعَرِيُّونَ فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى (٦)» فلما انطلقنا قلنا ما صنعنا لا يبارك لنا فرجعنا إليه فقلنا إنا سألناك أن

стр. 241

تحملنا فحلفت أن لا تحملنا أفنسيت؟ قال: «لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا» (١). وجه الاستدلال: حلف النبي ﷺ وهو غضبان وانعقدت يمينه فدل على اعتبار قول الغضبان ومن ذلك الطلاق (٢). الرد من وجوه: الأول: اختلف هل يمين النبي ﷺ منعقدة أو لا؟. قال الحافظ ابن حجر: بين أنَّ يمينه إنَّما انعقدت فيما يملك فلو حملهم على ما يملك لحنث وكفر ولكنَّه حملهم على ما لا يملكه ملكًا خاصًا وهو مال الله وبهذا لا يكون قد حنث في يمينه وأمَّا قوله عقب ذلك لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها فهو تأسيس قاعدة مبتدأة (٣). الثاني: على القول بأنَّ يمينه منعقدة وأنَّه كفر يأتي أنَّ الكفارات تجب على غير المكلف فليس وجوب الكفارة دليلًا على اعتبار القول. الثالث: يحمل غضب النبي ﷺ على مبادئه وهذا الذي يناسب مقامه وليس هذا محل الخلاف. الدليل الرابع: عن عبادة بن الصامت ﵁ في حديثه الطويل «فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَهُ ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ فَقَالَ لَهُ شَأْ (٤) لَعَنَكَ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ» قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «انْزِلْ عَنْهُ فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ وَلَا تَدْعُوا

стр. 242

عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (١). وجه الاستدلال: لم يعذره النبي ﷺ وواخذه على كلامه وهو غضبان ونهى عن الدعاء حال الغضب وأخبر أنَّ دعاء الغضبان قد يجاب إذا صادف ساعة إجابة فدل على اعتبار كلام الغضبان (٢). الرد: لم يعذره النبي ﷺ لأنَّه يحتمل أنَّ هذا الغضب في أوائله ولم يتمكن منه وهذا هو الظاهر في مثل هذه الحادثة والله أعلم والحديث دل أنَّ لله سبحانه أوقاتًا لا يرد فيها داعيًا ولا يسال فيها شيئًا إلا أعطاه لكن دل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] أنَّ الله لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنَّه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم (٣). الدليل الخامس: عن عمران بن حصين ﵁ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَامْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ» قَالَ عِمْرَانُ ﵁ فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ» (٤). وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: كالذي قبله. الدليل السادس: ما روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» (٥).

стр. 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 244

وجه الاستدلال: الغضبان مكلف بالسكوت فيكون حينئذ مؤاخذًا بكلامه (١). الرد: الحديث ضعيف. الدليل السابع: عن مجاهد قال جاء رجل من قريش إلى ابن عباس ﵄ فقال يا أبا عباس إنَّي طلقت امرأتي ثلاثًا وأنا غضبان فقال: «إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحِلَّ لَكَ مَا حُرِّمَ عَلَيْكَ عَصَيْتَ رَبَّكَ وَحُرِّمَتْ عَلَيْكَ امْرَأَتُكَ، إِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيُجْعَلْ لَكَ مَخْرَجًا، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]» (٢). وجه الاستدلال: أفتى ابن عباس ﵄ بوقوع طلاق الغضبان ولا يعلم له مخالف

стр. 245

فهو إجماع سكوتي (١). الرد: هذه قضية عين فلا يعرف نوع الغضب ولا حال السائل ويأتي أنَّه فرق بين الحكم العام بعدم وقوع طلاق الغضبان وبين الحكم الخاص. الدليل الثامن: ثبت عن الصحابة ﵃ إيجاب الكفارة في يمين الغضب (٢).

стр. 246

وجه الاستدلال: إيجاب الكفارة دليل على اعتبار قول الغضبان (١). الرد من وجهين: الأول: الكفارة لا تستلزم التكليف ولهذا تجب في مال الصبي والمجنون إذا قتلا صيدًا أو غيره (٢). وتجب في قتل الخطأ لأنَّها حق مالي كالزكاة فهي من خطاب

стр. 247

الوضع وليست من خطاب التكليف (١). الثاني: تنعقد يمين الغضبان لأنَّ ضررها يزول بالكفارة (٢). الدليل التاسع: الإجماع: يقع طلاق الغضبان بالإجماع (٣). الرد: لا إجماع فالخلاف محفوظ قال ابن حزم: اتفقوا أنَّ طلاق المسلم العاقل البالغ الذي ليس سكران ولا مكرهًا ولا غضبان … فإنَّه طلاق (٤) فمفهوم كلامه أنَّ طلاق الغضبان من مسائل الخلاف ويأتي في القول الثاني من قال بعدم وقوع طلاقه. الدليل العاشر: طلاق غالب الناس حال الغضب وعلى هذا لا يقع أكثر الطلاق (٥). الرد: تقدم قريبًا - التفصيل في أحوال الغضب ويأتي الكلام على التعامل مع من أدعى الغضب في طلاقه فيفرق بين الحكم العام والخاص (٦). الدليل الحادي عشر: الغضبان مكلف في حال غضبه بما يصدر منه من كفر وقتل نفس وأخذ مال بغير حق وطلاق وغير ذلك ومكلف بالصلاة ونحوها إجماعًا، ومخاطب بأداء ذلك حال غضبه (٧). الرد: تقدم قريبًا - التفصيل في تكليف الغضبان أما مؤاخذته على الاعتداء على النفوس والأموال والأعراض فهو من السياسة الشرعية ومن يعقل ما يقول مخاطب بالصلاة بخلاف من لا يعقل.

стр. 248

الدليل الثاني عشر: القياس على الهازل فيقع طلاقه وإن لم يقصد وقوع الطلاق (١). الرد: قياس مع الفارق فالهازل قصد التكلم بالطلاق ولم يحمل على التلفظ به وإنَّما لم يرد ترتب أثره وذلك إلى الشارع ليس إليه (٢). الدليل الثالث عشر: جعل كثير من العلماء الكنايات مع الغضب كالصريح في أنَّه يقع بها الطلاق ظاهرًا؛ ولا يقبل تفسيرها مع الغضب بغير الطلاق، ومنهم من جعل الغضب مع الكنايات كالنية، فأوقع بذلك الطلاق في الباطن أيضًا، فكيف يجعل الغضب مانعًا من وقوع صريح الطلاق (٣). الرد: الغضب قرينة على إرادة الطلاق في الكنايات لكن ما هو الغضب الذي نجعله قرينة؟ يأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله. الدليل الرابع عشر: له قصد صحيح، فلا عذر له (٤). الرد: إذا كان له قصد صحيح فليس هذا موضوع البحث. الدليل الخامس عشر: الغضبان أتى بالطلاق مختارًا مريدًا في حال الغضب ترتب أثره عليه ولا يضر عدم إرادته له في حال رضاه (٥). الرد: إن أريد بالاختيار رضاه به وإيثاره له فليس بمختار وإن أريد أنَّه يوقعه بمشيئته وإرادته التي هو غير راضٍ عنها ولا عن أثرها فهذا بمجرده لا يوجب ترتب الأثر فهذا الاختيار ثابت للمكره والسكران والصبي وكذلك من سبق لسانه بالطلاق ولم يرده فإنَّه لا يقع طلاقه وقد أتى باللفظ في حال الاختيار ولكن لم يقصده والغضبان وإن قصده فلا حكم لقصده في حال الغضب (٦).

стр. 249

• القول الثاني: لا يقع طلاق الغضبان: نسب لمسروق والشعبي (١) وجعله ابن القيم مذهب الإمام أحمد (٢) وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) وابن القيم (٤) وابن عابدين (٥) والشيخ عبد العزيز بن باز (٦) والألباني (٧) وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٨) والظاهر أنَّه اختيار أبي داود (٩) والشوكاني (١٠) الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. وجه الاستدلال: ألقى موسى ﵇ الألواح التي فيها كلام الله وجر رأس أخيه وعذره ربه لأنَّ الحامل له على ذلك الغضب وهو خارج عن قدرته واختياره

стр. 250

فالمتولد عن الغضب غير منسوب إلى اختياره ورضاه به (١) ومعلوم أنَّ الغضب لم يزل عقل موسى ﵇ فإذا لم يؤاخذ موسى ﵇ على ما صدر منه بسبب الغضب فكذلك المطلق. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وجه الاستدلال: ما يتكلم به الغضبان في حال شدة غضبه من الطلاق من الشيطان فإنَّه يلجئه إلى أن يقول ما لم يكن مختارًا له فما يضاف إلى الشيطان مما يكرهه العبد ولا يحبه فلا يؤاخذ به الإنسان كالوسوسة فلا يقع طلاقه (٢). الرد من وجهين: الأول: يؤاخذ العبد بأقواله وأفعاله التي من تسويل الشيطان فكم من عاصٍ يكره المعصية القولية أو الفعلية ويتوب منها ثم يعود لها بسبب الشيطان ولا يعذر بذلك. الثاني: الوسوسة من حديث النفس وهو معفوٌ عنه فلو حدث نفسه بالطلاق لم يقع وتقدم (٣) الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. وجه الاستدلال: جعل الله سبب المؤاخذة كسب القلب وكسبه هو إرادته وقصده ومن جرى على لسانه الكلام من غير قصد واختيار بل لشدة غضب أو سكر أو غير ذلك لم يكن من كسب قلبه فلا يؤاخذ به ولا يترتب عليه حكم ومن ذلك الطلاق (٤). الرد من وجوه: الأول: يفرق بين ما يتعلق بحق الخالق وحق المخلوق فالكفارة حق للخالق بخلاف الطلاق فهو خاص بالزوجة.
следующие страницы →