فيقول: هي طالق، فأما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق لزمه الطلاق (١).
الرد من وجوه:
الوجه الأول: معلوم أنَّه لا يقع الطلاق على الأجنبية فلا يحتاج ما هو معلوم إلى بيان فلا يكون للأحاديث فائدة (٢).
الجواب: صار معلومًا بعد اشتهار حكم الشرع فيه لا قبله فقد كانوا في الجاهلية يطلقون قبل التزوج تنجيزًا ويعدون ذلك طلاقًا إذا وجد النكاح فنفى النبي ﷺ في هذه الأحاديث وغيرها الطلاق (٣).
الرد: على التسليم بقول المخالف كون طلاق الجاهلية على الصفة المذكورة يحتاج إلى نقل صحيح وقول الزهري السابق لم ينسبه للجاهلية.
الوجه الثاني: يحمل قول النبي ﷺ «لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» على عموم الأمرين فلا طلاق واقع ولا معقود، لأنَّ اللفظ يحتملها (٤).
الوجه الثالث: نقل عن الصحابة ﵃ ما يدفع قول الزهري قال ابن عباس ﵄ الرجل يقول: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ. قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: إِذَا طَلَّقْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ نَكِحْتُمُوهُنَّ».
الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ» (٥).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: من وجهين:
الوجه الأول: من جهة الدلالة كالذي قبله.
الجواب: تقدم.
الوجه الثاني: الحديث رواه عروة عن عائشة ﵂ على وجوه مرفوعًا موصولًا ومرسلًا وموقوفًا عليها
الجواب: الصحيح أنَّ الحديث مرفوع موصول.
الدليل الخامس: روي عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ» (١).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: الحديث لا يصح.
الجواب: لا يصح مرفوعًا للنبي ﷺ لكنَّه ثابت عن ابن عباس ﵄ موقوفًا من رواية عكرمة مولى ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وطاوس بن كيسان وعطاء بن أبي رباح.
الدليل السادس: ما يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ» (١).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: الحديث لا يصح مرفوعًا فضعفه شديد وأصح طرقه الحسن البصري عن علي ﵁ موقوفًا وهو مرسل رواته ثقات.
الدليل السابع: ما يروى عن طاوس عن النبي ﷺ أنَّه قال: «لَا طَلَاقَ لِمَنْ لَمْ يَنْكِحْ، وَلَا عَتَاقَ لِمَنْ لَمْ يَمْلِكْ» (١).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: الحديث مرسل وفيه راوٍ مبهم.
الجواب: تشهد له الأدلة السابقة.
الدليل الثامن: عن المسور بن مخرمة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ» (٢).
стр. 400
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: الحديث ضعيف.
الدليل التاسع: روي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ» (١).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: الحديث ضعيف لا يصلح للاعتبار.
الدليل الثاني عشر: ما يروى عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ» (١).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: الحديث ضعيف لا يصلح للاعتبار.
الدليل الثالث عشر: في حديث عمرو بن حزم ﵁ لَا طَلَاقَ قَبْلَ إِمْلَاكٍ، وَلَا عَتَاقَ حَتَّى يَبْتَاعَ» (١).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: الحديث ضعيف لا يصلح للاعتبار.
الدليل الرابع عشر: عن زيد بن علي عن آبائه أنًّ رجلًا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إِنَّ أُمِّي عَرَضَتْ عَلَيَّ قَرَابَةً لِي أَتَزَوَّجُهَا، فَقُلْتُ: هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ تَزَوَّجْتُهَا، فَقَالَ
стр. 409
النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ مِلْكٍ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «لَا بَأْسَ فَتَزَوَّجْهَا» (١).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: الحديث ضعيف لا يصلح للاعتبار.
الدليل الخامس عشر: ما يروى عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال النبي ﷺ «لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ» (٢).
стр. 410
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: الحديث ضعيف لا يصلح للاعتبار.
الدليل السادس عشر: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» (١).
وجه الاستدلال: الطلاق للزوج وليس زوجًا قبل العقد.
الرد من وجهين:
الأول: الحديث ضعيف.
الثاني: الحديث وارد لبيان من يملك الطلاق وليس لبيان وقت الطلاق.
الدليل السابع عشر: عن الحسن بن علي ﵄ قال: «لَا طَلَاقَ إِلَّا من بَعْدَ نِكَاحٍ» (٢).
وجه الاستدلال: كالاستدلال بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁.
الرد: قول صحابي ﵁ خالفه غيره.
الجواب: ظاهر القرآن وصريح السنة معه فيترجح قوله على قول غيره.
الدليل الثامن عشر: قال ابن قدامة: قول من سمينا من الصحابة ﵃ ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فيكون إجماعًا (٣).
الرد: لا إجماع فصح الخلاف عن ابن مسعود ﵁ وروي عن عمر وابنه عبد الله ﵄ وتقدم.
الدليل التاسع عشر: أجمعوا أنَّه لو باع سلعة لا يملكها ثم ملكها أنَّ البيع لا يصح
стр. 411
فيها، فكذلك إذا طلق امرأة لم يملكها ثم ملكها (١).
الرد: قياس مع الفارق فأحكام الطلاق تختلف عن أحكام البيع.
الدليل العشرون: إذا تزوج فنكاحه صحيح بالإجماع واختلفوا في طلاقه ولا يزال نكاح صحيح بالإجماع بطلاق مختلف فيه (٢).
الرد: لا يلزم أنَّ الحكم المجمع عليه لا ينقض إلا بحكم مجمع عليه.
الجواب: هذا داخل تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك فالنكاح ثابت بيقين ولا يرتفع بطلاق مشكوك فيه.
الرد: من يرى وقوع الطلاق لا يرى أنَّ وقوع الطلاق مشكوك فيه فهو يجزم بوقوع الطلاق.
الدليل الحادي والعشرون: تقدم أنَّه لا يصح تنجيز طلاقها بالإجماع (٣) فلا يصح تعليقه (٤)
الرد: قياس مع الفارق فالطلاق المعلق يكون بعد الملك بخلاف المنجز.
الدليل الثاني والعشرون: الطلاق معلق على أجنبية، والمتجدد هو نكاحها، والنكاح لا يكون طلاقًا، فعلم أنَّها لو طلقت، فإنَّما يكون ذلك استنادًا إلى الطلاق المتقدم معلقًا، وهي إذ ذاك أجنبية، وتجدد الصفة لا يجعله متكلمًا بالطلاق عند وجودها، فإنَّه عند وجودها مختار للنكاح غير مريد للطلاق فلا يصح (٥).
الرد: تقدم.
الجواب: تقدم.
الدليل الثالث والعشرون: إذا طلق قبل النكاح يكون أوقع الطلاق على أجنبية ولا
стр. 412
يقع طلاق الأجنبية (١).
الرد: لم يوقع الطلاق حينما تلفظ به إنَّما علقه.
الجواب: تقدم.
الدليل الرابع والعشرون: تصرف فيما لا يملكه فكان لغوًا (٢).
الرد: ليس كل تصرف يتصرفه الشخص في ما لا يملكه يكون لغوًا كتصرف الفضولي.
الجواب: الفضولي يتصرف لغيره لا لنفسه.
الدليل الخامس والعشرون: قال ابن القيم: لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت وهي زوجته، لم تطلق بغير خلاف (٣).
الرد: فرق بين هذه المسألة ومسألة الطلاق المعلق على النكاح فلو قال: إن تزوجتك فدخلت الدار فأنت طالق وقع الخلاف في طلاقها.
الدليل السادس والعشرون: تقديم الطلاق قبل النكاح من تقدم الشيء على سببه ولا يصح وبعض أهل العلم ينقل الإجماع على عدم صحة تقديم الشيء على سببه (٤) كتقديم الزكاة على ملك النصاب بخلاف تقديم الشيء على شرطه كتقديم الزكاة قبل تمام الحول (٥).
الدليل السابع والعشرون: الفرج الذي لا يستباح بعقد النكاح لا ينعقد عليه النكاح كالأخت وإذا كان الطلاق سابقًا للنكاح استحال العقد على فرج محرم وإذا استحال فكيف يلزم الطلاق في نكاح لم يصح عقده (٦).
стр. 413
الرد: لا يقع الطلاق إلا بعد النكاح فيصح العقد وبعد النكاح يقع الطلاق.
الجواب: تقدم أنَّ هذا من تقديم الشيء على سببه.
الدليل الثامن والعشرون: عقد النكاح صح والطلاق متقدم عليه فلا يؤثر فيه (١).
الرد: اللفظ متقدم أمَّا الإيقاع فمتأخر وهذا موطن الخلاف.
الجواب: هذا من تقدم الشيء على سببه فلا يصح وتقدم.
الدليل التاسع والعشرون: كل ما لم يصح منه إيقاع الطلاق المعجل لم يصح منه عقد الطلاق المؤجل كالصبي والمجنون.
الرد: لم يصح من الصبي والمجنون لعدم التكليف وليس كذلك المكلف (٢).
الجواب من وجهين:
الأول: المطلق قبل النكاح غير مالك وقت التلفظ فحكمهما واحد.
الرد: منع طلاق الصبي والمجنون لأمر قائم بهما كطلاق الحائض وإلا فالوقت وقت طلاق فلو طلق الولي عنهما صح وتقدم (٣) بخلاف من نجز الطلاق قبل النكاح فلا يقع طلاقه بالإجماع.
الثاني: اختلافهما لما لم يمنع من اتفاق حكمهما في الطلاق المعجل فكذلك لا يمنع من تساويهما في الطلاق المؤجل (٤).
الرد: تقدم الفرق بينهما فلا يصح الطلاق المعجل قبل النكاح بخلاف طلاق الصبي والمجنون يصح من وليهما.
الدليل الثلاثون: الطلاق لا ينعقد مع الجنون والصغر فوجب أن لا ينعقد مع عدم الملك (٥).
الرد: تقدم.
الدليل الحادي والثلاثون: كل قول وضع لرد الملك لم يصح وقوعه إذا تقدم على
стр. 414
الملك كالإقالة (١).
الرد: الذي تقدم اللفظ والطلاق مشروط بالنكاح.
الجواب: تقدم.
الدليل الثاني والثلاثون: الفرقة في النكاح لا تصح بلفظ متقدم كالفسخ (٢).
الرد: هذا موطن الخلاف.
الجواب: تقدم عدم صحة تقديم الشيء على سببه.
الدليل الثالث والثلاثون: الطلاق يستدعي أهلية المطلق وملكه للمطلقة وقبل الأهلية لا يصح التعليق مضافًا إلى حالة الأهلية كالصبي يقول لامرأته: إذا بلغت فأنت طالق، فكذلك قبل ملك المحل لا يصح مضافا للملك (٣).
الرد: المنع لعدم الأهلية من الصبي بخلاف المكلف إذا علق الطلاق على النكاح فهو أهل ويقع الطلاق بعد الملك فيصادف محلًا قابلًا للطلاق.
الجواب: ليس أهلًا للطلاق حينما تلفظ به فلو نجزه لم يقع بالإجماع.
الدليل الرابع والثلاثون: لا يتصور طلاق بلا عقد نكاح (٤) جاء رجل إلى سعيد بن المسيب فقال: «مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ؟ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: كَمْ أَصْدَقَهَا؟، قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لَمْ يَتَزَوَّجْهَا بَعْدُ، فَكَيْفَ يُصْدِقُهَا؟ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: فَكَيْفَ يُطَلِّقُ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْهُ؟» (٥).
الرد: الذي يتصور هو لفظ الطلاق أما وقوع الطلاق فلا يكون إلا بعد النكاح.
الجواب: تقدم.
стр. 415
الدليل الخامس والثلاثون: إذا لم تكن له زوجة فلا تصرف له فيما لا يملك (١).
الرد: التصرف ووقوع الطلاق بعد الملك.
الدليل السادس والثلاثون: لو قال لله عليَّ طلاق لكان لغوًا فكذلك لو قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لأنَّه لا يصح تعلقه في الذمة (٢).
الرد: لغو لكونه أراد به القربة والطلاق ليس بقربة بخلاف تعليق الطلاق فلا يقصد به الطاعة.
الدليل السابع والثلاثون: من لا يملك العقد لا يملك الحل فلما لم يملك العصمة لم يملك الطلاق (٣).
الترجيح: الذي يترجح لي عدم وقوع الطلاق قبل النكاح لأنَّ الله رتب الطلاق على النكاح واستدل بذلك أعلم الأمة ابن عباس ﵄ والأصل عدم صحة تقديم الشيء على سببه. والله أعلم.
* * *
стр. 416
الفصل الرابع
الحكم التكليفي للطلاق قبل النكاح
إذا قال إن تزوجت فهي طالق سواء عمَّ النساء كلهنَّ أو خصَّ بعضهن فهل الطلاق يقع أو لا؟ تقدم الكلام عليه. والكلام في هذا الفصل في حكم هذا القول هل هو جائز أو لا.
أهل العلم في الجملة في تعليق الطلاق بالنكاح لهم قولان قول بجوازه وقول بمنعه.
• القول الأول: الجواز:
وهو مذهب الأحناف (١) والمالكية (٢).
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
وجه الاستدلال: دلت الآية على جواز طلاق المرأة بعد نكاحها.
الرد من وجهين:
الأول: الآية واردة لبيان حكم الطلاق بعد العقد وقبل الدخول ولم ترد لبيان حكم تعليق الطلاق على النكاح.
الثاني: الآية دلت على جواز الطلاق بعد العقد وليس قبله.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وجه الاستدلال: الآية أمرت بالوفاء بالعقد ومن ذلك الطلاق المعلق بالنكاح.
الرد من وجوه: تقدمت في الحكم الوضعي للطلاق قبل النكاح.
الدليل الثالث: عن ابن مسعود ﵁ قال في من طلق امرأة قبل أن يتزوجها «قَدْ بَانَتْ
стр. 417
مِنْكَ، فَاخْطُبْهَا إِلَى نَفْسِهَا».
وجه الاستدلال: لم ينكر ابن مسعود ﵁ عليه ولو كان الطلاق المعلق على النكاح محرمًا لأنكر عليه.
الرد من وجهين:
الأول: النبي ﷺ إذا بلَّغ الحكم للأمة لا يلزمه أن يبينه لكل أحد فعن ابن عباس ﵄ قال: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ، وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (١)، فلم يبين له النبي ﷺ حكم النذر ولا وجوب الكفارة لعدم الوفاء بالنذر المباح على الصحيح وقد بينه لغيره (٢).
الثاني: تقدم قول القاسم بن محمد أنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأَةً عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ» فلم ينكر عليه عمر ﵁ الظهار والظهار محرم.
الرد: الأثر مرسل فهو ضعيف.
الجواب: المخالف يضعف أثر ابن مسعود ﵁.
• القول الثاني: التحريم:
وهو مذهب الشافعية (٣) - والذي ظهر لي أنَّه قول لبعض المالكية (٤)
стр. 418
ومذهب الحنابلة (١).
الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (٢).
وجه الاستدلال: الطلاق قبل النكاح إحداث في أمر الطلاق والإحداث في الشرع محرم (٣).
الرد: ليس إحداثًا إنَّما هو طلاق معلق بالشرط.
الجواب: الأصل في النكاح الدوام فلذا يحرم نكاح المتعة للتوقيت فكذلك الطلاق المعلق بالنكاح.
الدليل الثاني: في حديث عائشة ﵂ «أَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» (٤).
وجه الاستدلال: تعليق الطلاق بالنكاح يخالف حكم الله فهو باطل محرم.
الرد: تقدم أنَّه لا يخالف حكم الله.
الجواب: تقدم.
الدليل الثالث: صح عن النبي ﷺ قوله: «لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» (٥).
وجه الاستدلال: النفي في الحديث نفي للطلاق الشرعي فيكون محرمًا.
الرد من وجهين:
الأول: ليس كل نفي يدل على التحريم فقد يكون للكراهة.
стр. 419
الجواب: الأصل في النفي الشرعي فيكون للتحريم ما لم توجد قرينة تصرفه للكراهة.
الثاني: أحاديث «لا طلاق قبل نكاح» لا تصح.
الجواب: تقدم أنَّها ثابتة مرفوعة وموقوفة.
الدليل الرابع: عن محمود بن لبيد ﵁ قال أُخبِر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان ثم قال «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» حتى قام رجل وقال يا رسول الله ألا أقتله (١).
وجه الاستدلال: غضب النبي ﷺ من طلاق أكثر من واحدة لأنَّه طلاق قبل وقته الشرعي فكذلك الطلاق قبل النكاح.
الرد: الحديث ضعيف.
الجواب: الذي ترجح لي صحة الحديث وقد أعل بما ليس بعلة.
الدليل الخامس: عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلا يُنْكَحُ، وَلا يَخْطُبُ» (٢).
وجه الاستدلال: هذا خبر ويراد به النهي فيكون محرمًا باطلًا وكذلك إبطال الطلاق قبل النكاح يدل على حرمته.
الرد: المخالف يرى صحته.
الدليل السادس: من القواعد الفقهية لا يشرع ما لا يترتب عليه مقصوده (٣) والنكاح المعلق بالطلاق كذلك.
الرد: للعقد فائدة وهو جواز نكاحها في المستقبل (٤).
الجواب: لو قالت المرأة أتزوجك على أنَّي طالق عقب العقد لا يجوز ولا تستحق عليه صداقًا إن تزوجته ولا فرق بين أن يكون الشرط منها أو منه (٥).
стр. 420
الرد: فرق بين المسألتين ففي الأولى له فائدة تظهر في المستقبل وهو حليتها له وتبقى معه بطلقتين بخلاف الثانية (١).
الدليل السابع: طلاق المدخول بها الحائض والنفساء محرم لأنَّه قبل وقته الشرعي فكذلك الطلاق قبل النكاح.
الرد: تقدم أنَّ الطلاق بعد الملك.
الجواب: تقدم.
الترجيح: الذي ترجح لي النهي عن تعليق الطلاق بالنكاح فهو خلاف النكاح والطلاق المشروعين وأقل أحواله الكراهة والله أعلم.
* * *
стр. 421
الفصل الخامس
الطلاق في النكاح المختلف فيه والنكاح الباطل
* الحكم الوضعي للطلاق في النكاح المختلف فيه
* الحكم التكليفي للطلاق في النكاح المختلف فيه زمن البدعة
* الحكم الوضعي للطلاق في النكاح الباطل
* الحكم التكليفي للطلاق في النكاح الباطل
• تمهيد:
• تعريف النكاح المختلف فيه:
هو النكاح الذي لم تتوفر فيه شروط النكاح عند بعض أهل العلم كالنكاح بلا ولي أو وجد مانع كنكاح الْمُحْرِم (١).
• تعريف النكاح الباطل:
ما اتفق أهل العلم على عدم صحته كالجمع بين الأختين ونكاح الخامسة (٢).
• الحكم الوضعي للطلاق في النكاح المختلف فيه:
إذا تزوج امرأة في نكاح مختلف في صحته ثم طلقها فلأهل العلم في وقوع الطلاق ثلاثة أقوال قول يقع الطلاق وقول لا يقع وقول بالتفصيل:
• القول الأول: يقع الطلاق:
وهو مذهب المالكية (٣) ووجه في مذهب الشافعية (٤) وهو مذهب الحنابلة (٥).
стр. 422
الدليل الأول: الطلاق إزالة ملك بني على التغليب والسراية فجاز أن ينفذ ولو كان يعتقد أنَّ العقد فاسد (١).
الرد من وجهين:
الأول: إذا كان يعتقد عدم صحة النكاح فلم ينعقد أصلًا.
الثاني: السراية تكون لو طلق بعضها سرى الطلاق لها كلها.
الدليل الثاني: لو لم يطلق فسوف يعطل المرأة لأنَّها في ذمة زوج عند غيره (٢).
الرد: لا تعطل لأنَّ نكاحها لم ينعقد أصلًا.
الدليل الثالث: القياس على العتق ينفذ في الكتابة الفاسدة بالأداء كما ينفذ في الصحيحة (٣).
الرد: لا يصح قياس الطلاق على العتق.
• القول الثاني: لا يقع الطلاق:
وهو مذهب الأحناف (٤) ورواية في مذهب مالك (٥) ووجه في مذهب الشافعية (٦) ورواية عند الحنابلة (٧) وهو اختيار ابن حزم (٨).
стр. 423
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وجه الاستدلال: في هذه الآية وغيرها خطاب للأزواج بالطلاق ومن يعتقد عدم صحة النكاح ليس زوجًا فلا يقع طلاقه.
الدليل الثاني: حينما طلق ابن عمر ﵄ زوجته وهي حائض فسأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (١).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الدليل الثالث: عن عائشة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ» (٢).
وجه الاستدلال: من نكح امرأة معتقدًا بطلان نكاحه فعمله خلاف أمر النبي ﷺ فهو مردود فلا يترتب عليه حكم.
الدليل الرابع: الطلاق فرع عن النكاح، فإذا لم يصح النكاح لم يقع الطلاق (٣).
الرد: لا يصح النكاح عنده وعند غيره صحيح فيطلق مراعاة للخلاف.
الجواب: لا يطلق امرأة يعتقد أنَّها أجنبية ولا يراعى الخلاف إلا إذا كانت الأدلة تحتمله.
الدليل الخامس: الطلاق حل عقد النكاح ولم ينعقد النكاح حتى يحل بالطلاق (٤).
الرد: كالذي قبله.
الجواب: كالذي قبله
стр. 424
الدليل السادس: الطلاق قبل النكاح لا يقع على أرجح الأقوال (١) فلا تطلق المرأة إذا تزوجها فكذلك من لم ينعقد نكاحها.
الرد: كالذي قبله.
الجواب: كالذي قبله.
الدليل السابع: طلاق من غير زوج ولا ولاية فلا يقع (٢).
الرد: كالذي قبله.
الجواب: كالذي قبله.
الدليل الثامن: الطلاق يفيد تحريم حل المرأة ولم يوجد الحل (٣).
الرد: كالذي قبله.
الجواب: كالذي قبله.
الدليل التاسع: القياس على طلاق النكاح المجمع على بطلانه (٤).
الرد: فرق بين النكاح الباطل والمختلف فيه.
• القول الثالث: لا يقع الطلاق إلا إذا كان يعتقد صحة النكاح:
وهو رواية عند الحنابلة اختارها أبو الخطاب (٥) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦).
تقدمت الأدلة وهذا القول والذي قبله ليس بينهما كبير فرق والله أعلم.
الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ الخلاف في صحة النكاح وعدمه لا يراعى في إيقاع الطلاق فلا يقع الطلاق إلا في نكاح يعتقد المطلق صحته.
стр. 425
• الحكم التكليفي للطلاق في النكاح المختلف فيه زمن البدعة:
• يجوز الطلاق زمن البدعة:
وهو مذهب المالكية (١) والحنابلة (٢) والظاهر أنَّه مذهب الشافعية (٣)
الدليل الأول: النصوص وردت في النهي عن طلاق المدخول بها في نكاح صحيح طلاقًا بدعيًا فلا يصح قياس النكاح المختلف فيه على النكاح المستوفي الشروط (٤).
الدليل الثاني: النكاح الفاسد لا تجوز استدامته كابتدائه فتجب المبادرة في فسخه تغييرًا للمنكر وخروجًا من المعصية (٥).
الدليل الثالث: الإقرار على النكاح الفاسد إلى وقت الطهر أعظم حرمة من إيقاعه في زمن البدعة فترتكب أخف المفسدتين حيث تعارضتا (٦).
الترجيح: تقدم عدم مراعاة الخلاف في صحة النكاح فإن كان الرجل يعتقد عدم صحة النكاح فلا يطلق وإن كان يعتقد صحة النكاح فتقدم الكلام على الحكم التكليفي للطلاق في الحيض وفي طهر جامعها فيه.