← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30001

شروط الطلاق - الزومان

أحمد الزومان

Полный текст (812 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ فذكر الفيئة بعد المدة بفاء التعقيب فوجب أن تستحق بعدها، كما قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فاقتضت فاء التعقيب أن يكون الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان بعد الطلاق (١). الرد: المراد من الفاء أن تكون الفيئة بعد اليمين بدليل أنَّه لو فاء في المدة صحت فيئته بالإجماع (٢). الجواب: ذكر في الآية الإيلاء ثم المدة ثم الفيئة فلا يجوز أن يعود الترتيب إلى أبعد المذكورين ووجب أن يعود إليهما أو إلى أقربهما (٣). الثالث: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ دل على: أولًا: الطلاق يقع بعزم الأزواج لا بمضي المدة وليس انقضاء المدة عزيمة وإنَّما العزم ما كان من فعله كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] (٤). الرد: ترك الفيئة عزم على الطلاق فمعنى الآية ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ أن يصيروا الإيلاء طلاقًا وذلك بترك الفيئة (٥). الجواب: ترك الفيئة عزم على ترك الوطء لا على إيقاع الطلاق فأنتم توقعون الطلاق من غير عزمه (٦). ثانيًا: الطلاق يكون قولًا مسموعًا فلا يقع بمضي المدة إنَّما بالتلفظ به (٧).

стр. 492

الرد: المراد أنَّه سميع لإيلائه عليم بقصده الإضرار (١). قال أبو عبد الرحمن: كلا الاستدلالين محتمل فيصعب الجزم بصواب أحدهما دون الآخر والله أعلم. الدليل الثاني: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» (٢). وجه الاستدلال: الزوج هو الذي عقد النكاح فهو الذي يحله لا انقضاء المدة (٣). الرد: الحديث ضعيف. الدليل الثالث: هذا قول الجمهور من الصحابة ﵃ ومن بعدهم ورأي الجمهور غالبًا أقرب للصواب (٤). الرد: قول جمهور الصحابة ﵃ إيقاع الطلاق بمضي المدة. الجواب: الثابت عن جمهور الصحابة ﵃ الوقف ويأتي زيادة بيان في نقاش الدليل الرابع من أدلة القائلين بوقوع الطلاق بمضي المدة. الدليل الرابع: خير الله تعالى المولي بين أمرين الفيئة أو الطلاق، والتخيير بين أمرين لا يكون إلا في حالة واحدة كالكفارات ولو كان في حالتين لكان ترتيبًا ولم يكن تخييرًا (٥). الدليل الخامس: من خير بين أمرين يجب أن يكون فعلهما إليه ومنعه من الاختيار يبطل التخيير (٦). الدليل السادس: مدة التربص مقدرة بالشرع ولم يتقدمها فرقة فوجب أن لا تقع بها

стр. 493

البينونة كأجل العنين (١). الرد: أجل العنين اجتهاد للسلف بخلاف مدة التربص في الإيلاء فهي ثابتة بالشرع (٢). الجواب: لا فرق فمدة التربص في العنة ضربت للزوج ليختبر فيها ويعرف عجزه عن الوطء بتركه في مدتها وهذه ضربت تأخيرًا له وتأجيلًا فالجامع بينهما أنَّها حق للزوج لا يقع الطلاق بمضيها (٣). الدليل السابع: الإيلاء لفظ لا يصح أن يقع به الطلاق المعجل فوجب أن لا يقع به الطلاق المؤجل كالظهار (٤). الرد: كون لفظ الإيلاء لا يدل على الطلاق ممنوع بل يدل عليه شرعًا فإنَّ الشرع جعل الإيلاء طلاقًا معلقًا بشرط عدم الحنث (٥). الجواب: يحتاج هذا إلى نقل صحيح وتأتي زيادة بيان لذلك. الدليل الثامن: الإيلاء يمين بالله تعالى توجب الكفارة فوجب أن لا يقع بها طلاق كسائر الأيمان (٦). الرد: كالسابق. الدليل التاسع: الإيلاء كان طلاقًا في الجاهلية فنسخ كالظهار فلا يترتب عليه حكم الطلاق بعد النسخ (٧). الرد: لم ينسخ فهو طلاق معلق بمدة. الجواب: كونه منسوخًا أو باقيًا يحتاج إلى نقل صحيح وتأتي زيادة بيان في مناقشة أدلة القائلين بوقوع الطلاق.

стр. 494

الدليل العاشر: الطلاق يقع صريحًا أو كناية وليس الإيلاء صريحًا في الطلاق ولا كناية لأنَّه لو كان صريحًا لوقع معجلًا إن أطلق أو إلى الأجل المسمى إن قيده ولو كان كناية لرجع فيه إلى نيته وليس الإيلاء. الرد: اللعان تقع به الفرقة وهو ليس صريحًا ولا كناية (١). الجواب: ينفسخ العقد باللعان ولا يقع الطلاق والفسخ يقع بغير قول من الزوج بخلاف الطلاق في حال القدرة (٢). الدليل الحادي عشر: إذا حلف أن لا ينفق على زوجته مدة لا يقع الطلاق بمرورها مع أنَّ النفقة حق عليه وحاجتها للنفقة أشد من حاجتها للوطء فكذلك لا يقع الطلاق بمضي مدة التربص (٣). الرد: يمكن أن تستوفي حاجتها من النفقة من غيره بخلاف الوطء فلا يمكن أن تستوفي من غيره. • القول الثاني: يقع الطلاق: فإذا مضت مدة التربص ولم يفيء وقع الطلاق قال به ابن مسعود ﵁ (٤) وابن

стр. 495

عباس ﵄ (١)، وصح عن ابن عمر ﵄ في أحد القولين، وروي عن عمر، وعثمان،

стр. 496

وعلي، وزيد بن ثابت ﵃ وتقدمت آثارهم -، وهو مذهب الأحناف (١)، وهو رواية عن الإمام مالك (٢). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ دلت الآية أنَّه بانقضاء أربعة أشهر تبين المرأة من وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ﴾ فتدل على وقوع الطلاق لأنَّها. أولًا: مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فتبين المرأة إذا مضت القروء فكذلك تبين في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر

стр. 497

قياسًا فكلا المدتين ذكر فيها التربص وكلا المدتين واجبة وتعلق البينونة بالطلاق فكذلك الإيلاء. الرد: المرأة المطلقة إذا مضت المدة بانت لتقدم الطلاق بخلاف الإيلاء فلا تبين لأنَّه لم يتقدم مدة التربص طلاق. ثانيًا: لو وقفنا المولي لحصل التربص أكثر من أربعة أشهر وذلك خلاف الكتاب ولو غاب المولي عن امرأته سنة أو سنتين ولم ترفعه المرأة ولم تطالب بحقها لكان التربص غير مقدر بوقت وذلك خلاف الكتاب (١). الرد: استحقاق المطالبة بالفيئة عند الأحناف في مدة التربص وعند الجمهور كما تقدم بعد انقضاء المدة وهو الصحيح فلا زيادة في مدة التربص فبعد مضي أربعة أشهر تنقضي مدة التربص ويلزم الزوج الوطء أو الطلاق لطلب الزوجة (٢). الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ معنى الآية ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ بترك الفيئة فيها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعن ابن عباس عن أبي بن كعب ﵃، أنَّه قرأ: «فإن فاءوا فيهن فإنَّ الله غفور رحيم» (٣) وقراءته في حكم المرفوع فالفيء مقصور عليها دون غيرها وإذا مضت المدة فات الفيء وإذا فات الفيء حصل الطلاق (٤). الرد من وجهين: الأول: القراءة تفسيرية ولم تثبت. الثاني: لو ثبتت دلت على جواز الفيئة في المدة وليس فيها دليل على وقوع

стр. 498

الطلاق إذا مضت المدة (١). ومعنى الآية عند الجمهور ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ بعد انقضائها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. الثالث: التقسيم في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ دليل على: أولًا: أنَّ الفيء في المدة وعزيمة الطلاق بعدها (٢) قال ابن عباس ﵄ «عَزِيمَةُ الطَّلَاقِ انْقِضَاءُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ» وتقدم وقوله حجة سواء أخذه من الشرع أو من اللغة. الرد: عزيمة الطلاق هي إذا أُقِف ولم يجامع يلزم بالطلاق وقول ابن عباس ﵄ هو رأي له وخالفه جمهور الصحابة ﵃ وتقدم (٣). ثانيًا: العزيمة عقد القلب على الشيء فمضي المدة أولى بمعنى عزيمة الطلاق من الوقف لأنَّ في الوقف إيقاع الطلاق بالقول ولأنَّ الله لم يذكر إيقاعًا مستأنفًا وإنَّما ذكر عزيمة (٤). الرد: إذا كانت العزيمة عقد في القلب فكيف يقع الطلاق بمجرد مضي المدة مع عدم العزيمة والرغبة وإيقاع الطلاق بالقول لا يكون إلا بعد العزم على ذلك في قلبه. ثالثًا: ذكرت الآية أحد أمرين الفيء أو عزيمة طلاق والقول بالوقف زيادة ليست في الآية. (٥) الرد: الوقف ليس زيادة بل هو مفهوم من الآية وهو الذي فهمه جمهور الصحابة ﵃. رابعًا: الله جعل عزم الطلاق إلى الأزواج فلا يشترط فيه حكم القاضي والقول بالوقف يؤدي إلى تطليق القاضي أحيانًا.

стр. 499

الرد: بعض من يقول بالوقف يرى أنَّ القاضي لا يطلق بل يحبس المولي حتى يطلق فلا يرد هذا الإيراد على البعض وعلى رأي من يقول بأنَّ القاضي يطلق إذا امتنع المولي يقال الأصل أنَّ الطلاق من الزوج ولا يلجأ للقاضي في حل عقد النكاح إلا إذا لم يطلق الزوج فولاية القاضي لرفع الظلم فيطلق عند الحاجة كما يطلق غير الزوج كالأب عند الحاجة. الدليل الثاني: الإيلاء كان طلاقًا للحال في الجاهلية فجعله الشرع طلاقًا معلقًا بترك وطئ الزوجة مدة مخصوصة، كأنَّ الزوج قال لامرأته إن لم أقربك أربعة أشهر فأنت طالق بائن (١). وقيل إنَّه كناية عن الطلاق فقول المولي لا أقربك يشبه كناية الطلاق فلا يقع به الطلاق إلا بانضمام أمر آخر إليه وهو مضي المدة (٢). الرد من وجهين: هذا يحتاج إلى نقل صحيح والمخالف لا يوافق على هذا بل يرى أنَّ الأمر بخلافه قال الشافعي كانت الفرقة في الجاهلية بين الزوجين، أسبابها بثلاثة أشياء بالطلاق، والظهار، والإيلاء، فنقل الله تعالى الإيلاء، والظهار عما كانا عليه في الجاهلية من إيقاع الفرقة على الزوجة إلى ما استقر عليه حكمها في الشرع، وبقي حكم الطلاق على ما كان عليه (٣). فالقول بأنَّ الإيلاء كان طلاقًا في الجاهلية فأثبته الشرع أو نسخه دعوى تحتاج إلى دليل صحيح (٤). واختلافهم هل هو طلاق أو كناية؟ يدل على ضعف هذا القول. الثاني: الخلاف في الطلقة البائنة (٥). الدليل الثالث: الطلاق المؤجل يقع بانقضاء الأجل من غير إيقاع طلاق بعد

стр. 500

انقضاء الأجل فكذلك الإيلاء تحصل البينونة به بانقضاء المدة من غير فيئة (١). الرد: الطلاق المؤجل فيه تلفظ بالطلاق ولم يمنع من وقوعه إلا الأجل بخلاف الإيلاء فلم يتقدمه طلاق. الدليل الرابع: هذا القول قول جمهور الصحابة ﵃ فهو مروي عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر ﵃ (٢). الرد: رأي جمهور الصحابة ﵃ وقف المولي فجاء عن جمع منهم وروي عن عمر ﵁ القولان ولم يصحا وجاء عن عثمان وعلي ﵄ القولان والثابت عنهما وقف المولي وقالت به أم المؤمنين عائشة ﵂ وصح عن ابن عمر ﵄ القولان وروي عن أبي ذر ﵁ ولم يصح عنه. و صح القول بوقوع الطلاق بمضي المدة عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر ﵃ في أحد قوليه وروي عن زيد بن ثابت ﵁ ولم يصح. وتقدم الكلام على هذه الآثار الدليل الخامس: الحكمة من مشروعية الإيلاء رفع الظلم عن المرأة وإيصال حقها إليها والقول بالوقف فيه تطويل المدة عليها وذلك بتربصها مدة العدة (٣). الرد: إذا كان الحق للمرأة فلها أن تسقطه وقد يكون بقاؤها من غير وطء أحب إليها من الطلاق فإذا أوقعنا الطلاق بمضي المدة ربما زدناها حرجًا. الدليل السادس: المولي ظالم بمنع المرأة حقها فيجازى بوقوع الطلاق (٤). الرد: تقدم. الدليل السابع: على القول بوقف المولي حتى يطلق فلا يخلو أن يكون طلاقه بائنًا فإن كان بائنًا فلم يقل أحد بأنَّ الطلاق في دون الثلاث يكون بائنًا وإن كان رجعيًا لم تنتفع المرأة بذلك فللمولي مراجعتها (٥). الرد: القائلون بالوقف مختلفون هل يكون رجعيًا أو بائنًا وعلى القول بأنَّه رجعي

стр. 501

فليس للمولي المراجعة إن قصد الضرر كما هو مفهوم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وهذا الإيراد يرد على بعض من يرى وقوع الطلاق بمضي المدة فالبعض يرى أنَّ الطلاق يقع رجعيًا (١). الترجيح: يترجح لي القول الأول وقف المولي بعد مضي أربعة أشهر إما أن يجامع أو يطلق فهو رأي جمهور الصحابة ﵃ وهو أقوى من جهة النظر فالحكم يراد به رفع الظلم عن المرأة وتحقيق المصلحة لها وهذا يختلف من امرأة لأخرى فبعض النساء تؤثر البقاء مع زوج ظالم لأجل أولادها والجماع حق مشترك للزوجين (٢) وللمرأة أن تسقطه برضاها فتسقط حقها من القسم والجماع فلها أن تسقطه مع الإيلاء. فالقول بوقف المولي بعد مضي مدة التربص يحقق المصلحة للمرأة فلها طلب الطلاق أو البقاء معلقة. أما قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فليس فيها دلالة قوية لهذا القول فوجه الاستدلال من الآيتين شبه متكافئ وإن كان وجه الاستدلال عند الجمهور أقوى عندي. ولكون الآيتين تحتملان كلا القولين حصل الخلاف من لدن الصحابة ﵃. قال أبو بكر الجصاص: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]. يحتمل الوجوه التي حصل عليها اختلاف السلف ولولا احتماله لها لما تأولوه عليها لأنَّه غير جائز تأويل اللفظ المأوَّل على ما لا احتمال فيه وقد كان السلف من أهل اللغة والعالمين بما يحتمل من الألفاظ والمعاني المختلفة وما لا يحتملها فلما اختلفوا فيه على هذه الوجوه دل ذلك على احتمال اللفظ لها (٣). وقال أبو بكر ابن العربي: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾: اختلف الصحابة ﵃ والتابعون في وقوع الطلاق بمضي المدة، هذا وهم القدوة الفصحاء اللسن البلغاء

стр. 502

من العرب، فإذا أشكلت عليهم فمن ذا الذي تتضح له منا بالأفهام المختلفة واللغة المعتلة (١). فمع توجيه الجمهور للآيتين وقوة الأدلة النظرية للجمهور ترجح القول الأول وقف المولي والله أعلم. * * *

стр. 503

مسائل على القول بوقف المولي • نوع طلاق المولي: على القول بوقف المولي فإذا طلق المولي أقل من ثلاث أو طلق عليه القاضي فلأهل العلم في طلاقه قولان قول بأنَّ طلاقه رجعي والقول الثاني طلاقه بائن فليس له المراجعة إلا بعقد جديد. • القول الأول: طلاق المولي طلاق رجعي: وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٥). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وجه الاستدلال: يدخل في عموم الآية طلاق المولي طلق هو أو طلق عليه القاضي (٦). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ

стр. 504

يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الممتحنة: ١٠ - ١١]. وجه الاستدلال: أفادت الآية أنَّ خروج بضع المرأة بغير رضا الزوج متقوم حتى في حال إسلام أحد الزوجين دون الآخر فلا تكون الفرقة بائنة بسبب الإيلاء إلا بعوض أو بإصرار الزوج على عدم الوطء بعد الرجعة فتبين بالطلقة الثالثة. الدليل الثالث: قول النبي ﷺ : «لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ» (١). وجه الاستدلال: لا يرفع الضرر الواقع على الزوجة بضرر إبانتها من زوجها فالضرر لا يزال بالضرر. الدليل الرابع: الأصل في ما دون الثلاث الرجعة ولا يخرج المولي عن ذلك إلا بدليل. الدليل الخامس: طلاق المولي طلاق صادف مدخولًا بها، من غير عوض ولا استيفاء عدد، فوجب أن يكون رجعيًا، كما لو لم يكن موليًا (٢). الرد: طلاق المولي لرفع الضرر بخلاف غير المولي. الجواب: يرفع الضرر بالطلاق الرجعي وإذا عاد طلق أو طُلِّق عليه (٣). الدليل السادس: استحقاق الرجعة في الطلاق كاستحقاق الولاء في العتق فلما استحق الولاء في واجب العتق وتطوعه، وجب أن يستحق الرجعة في واجب الطلاق وتطوعه (٤). الرد: قياس الطلاق على العتق قياس مع الفارق.

стр. 505

• القول الثاني: طلاق المولي طلاق بائن: وهو رواية عند الحنابلة (١). الدليل الأول: الطلاق إنَّما ثبت دفعًا للضرر عنها، بامتناعه من وطئها، ومع كونه رجعيًا لا يزول الضرر، لإمكان مراجعتها (٢). الرد: تقدم. الدليل الثاني: فرقة لدفع الضرر، فكانت بائنة كالمختلعة (٣). الرد: فرقة الخلع بعوض بخلاف فرقة الإيلاء. الدليل الثالث: فرقة لدفع الضرر فكانت بائنة، كفرقة العُنَّة (٤). الرد: قياس مع الفارق من وجوه: الأول: فرقة المولي طلاق وفرقة العنين فسخ لعيب على أحد القولين. الثاني: لو أبيح للعنين الرجعة لم يندفع عنها الضرر، ويندفع عن زوجة المولي الضرر فإذا ارتجعها، ولم يطأ ضربت له مدة أخرى. الثالث: العنين يئس من وطئه، فلا فائدة في رجعته، بخلاف المولي (٥). الرابع: الفسوخ لا يملك فيها الرجعة فكانت بائنة بخلاف الطلاق (٦). الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ طلاق المولي طلاق رجعي إذا طلق هو أو طلق عليه القاضي فيرتفع الضرر بذلك وإذا راجع ولم يطأ تضرب له مدة أخرى وإذا كانت المرأة لا تريد الانتظار تخالع والله أعلم. • الحكم إذا امتنع المولي من الطلاق: على القول بأنَّ الطلاق لا يقع بانقضاء المدة فإذا لم يفئ المولي يؤمر بالطلاق فإذا لم يطلق فما الحكم؟

стр. 506

لأهل العلم في هذه الحال قولان قول يحبس ويضيق عليه حتى يطلق وقول يطلق عليه القاضي. • القول الأول: يحبس ولا يطلق عليه القاضي: فيحبس ويضيق عليه حتى يطلق، قال به الإمام الشافعي في القديم (١)، ورواية في مذهب الإمام أحمد (٢)، واختاره ابن حزم (٣). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]. وجه الاستدلال من وجهين: الأول: أضاف الله الطلاق إلى الزوج فلا يطلق عليه القاضي. الرد: طلاق القاضي في حال رفض الزوج الطلاق. الثاني: كما أنَّه لا يفئ عنه غيره فكذلك لا يطلق عنه غيره (٤). الرد: الفيئة لا تدخلها النيابة بخلاف الطلاق فتدخله النيابة على أرجح القولين (٥). الدليل الثاني: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» (٦). وجه الاستدلال: الزوج هو الذي عقد النكاح فلا يحله غيره (٧). الرد من وجهين: الأول: الحديث ضعيف.

стр. 507

الثاني: يحمل الحديث على حال الاختيار (١). الدليل الثالث: الحبس مفضٍ إلى زوال ضرر الزوجة (٢). الرد من وجهين: الأول: قد يصر الزوج على عدم الطلاق ويرضى بالحبس. الثاني: الحبس يضر الزوج ولا تنتفع به المرأة. الدليل الرابع: إذا خير الزوج بين أمرين لم يقم غيره مقامه كاختياره إذا أسلم على أكثر من أربع (٣). الرد من وجوه: الأول: في التخيير المستحقة غير معينة، بخلاف الإيلاء. الثاني: التخيير إذا أسلم الزوج للتشهي ترغيبًا له في الإسلام، بخلاف الإيلاء. الثالث: المولي ليس مخيرًا بين أمرين؛ لأنَّه يؤمر بالفيئة، فإن لم يفئ أمر بالطلاق (٤). الدليل الخامس: خير بين أمرين لا مدخل للقاضي في أحدهما، فلم يكن له مدخل في الآخر (٥). الرد: تقدم. • القول الثاني: يطلق عليه القاضي: وهو مذهب المالكية (٦)، وقال به الإمام الشافعي في الجديد (٧)، وهو مذهب

стр. 508

الحنابلة (١)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وجه الاستدلال: عدم تطليق القاضي يحوج المرأة إلى رفع الضرر بالخلع وهو محرم على الزوج. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ : «لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ» (٣). وجه الاستدلال: استيفاءُ الفيئة من المولي غير ممكنة، وترك المرأة تحت المضارّة غيرُ جائز شرعًا، فيخلصها القاضي من دوام المضارّة بالطلاق (٤). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (٥). وجه الاستدلال: للسلطان ولاية في النكاح حال النزاع فكذلك الطلاق. الرد من وجوه: الأول: الحديث ضعيف. الجواب: موطن الشاهد من الحديث وهو ولاية القاضي في التزويج محل إجماع (٦). الثاني: الطلاق يستقل به الزوج بخلاف النكاح.

стр. 509

الجواب: إذا ثبت للقاضي ولاية النكاح حال النزاع فكذلك ولاية الطلاق. الدليل الرابع: قضى عمر ﵁ بتزوج امرأة المفقود بعد مضي مدة التربص فإذا جاز فسخ نكاح المفقود وربما كان معذورًا فالمولي المعتدي أولى بذلك (١). الدليل الخامس: من القواعد المتقررة في الشريعة أنَّ الضرر يزال فيزال الضرر عن المرأة ولو بتطليق القاضي. الدليل السادس: رفع الضرر عن المرأة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيتعين الطلاق على القاضي. الدليل السابع: الممتنع عن الحق المتعيَّن عليه يُستوفى منه الحق قهرًا إذا أمكن (٢). الدليل الثامن: ما استحقت به الفرقة بعد ضرب المدة كان للحاكم مدخل فيها كالعُنَّة (٣). الدليل التاسع: حق تعين مستحقه فدخلت النيابة فيه كقضاء الدين (٤). الرد: قضاء الدين ينظر فيه للفعل بغض النظر عن الفاعل فيبرأ المدين لو قضى الدين غيره بخلاف الطلاق. الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ القاضي يتولى الطلاق إذا أبى الزوج الفيئة والطلاق فالقاضي له ولاية عامة ولا يمكن رفع الضرر عن الزوجة إلا بذلك فيتعين. • الحكم التكليفي لطلاق القاضي أكثر من طلقة: إذا طلق القاضي زوجة المولي أكثر من طلقة فاختلف القائلون بجواز طلاق القاضي زوجة المولي فقول يجوز أن يطلق أكثر من طلقة والقول الثاني ليس للقاضي أن يطلق أكثر من طلقة.

стр. 510

• القول الأول: للقاضي أن يطلق طلاقًا رجعيًا أو بائنًا: وهو مذهب الحنابلة (١). الدليل الأول: القاضي قائم مقام الزوج فملك ما يملكه (٢). الرد: من وجوه: الأول: تطليق القاضي تطليق اضطرار والضرورة تقدر بقدرها. الثاني: إذا كان أرجح القولين أنَّ ما زاد على الطلقة طلاق بدعي فتحرم الزيادة على الطلقة على الزوج وغيره. الدليل الثاني: القياس على الوكيل (٣). الرد: الوكيل في الوكالة المطلق لا يملك إلا طلقة واحدة على الصحيح (٤). • القول الثاني: ليس للقاضي أن يطلق أكثر من طلقة: وهو مذهب المالكية (٥) والشافعية (٦) ورواية عند الحنابلة (٧) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٨) وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٩). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. وجه الاستدلال: أطلق الله تعالى عزيمة الطلاق فاقتضى ما ينطبق عليه اسم

стр. 511

الطلاق، وهي الواحدة، فلا تجوز الزيادة عليها (١). الدليل الثاني: المولي يحرم عليه إيقاع أكثر من طلقة على الصحيح فغيره أولى بالمنع (٢). الدليل الثالث: رفع الظلم عن الزوجة يحصل بطلقة واحدة فلا يملك القاضي زيادة عليها (٣). الرد: حقها الفرقة، غير أنَّها تتنوع، وقد يرى القاضي المصلحة في تحريمها عليه، ومنعه من مراجعتها لعلمه بسوء قصده (٤). الجواب من وجهين: الأول: إذا تبين سوء قصده بعد المراجعة تضرب له مدة الإيلاء ثانية. الثاني: لو عاقبه القاضي عقوبة تعزيرية بمنعه من مراجعتها فهذا محل اجتهاد. الدليل الرابع: القياس على الزيادة في وفاء دين الممتنع (٥). الرد: قياس مع الفارق فالدائن له قدر واحد والمرأة يقع عليها طلقة وأكثر. الترجيح: الذي يترجح لي أنَّه ليس للقاضي أن يطلق زوجة المولي أكثر من طلقة فالزيادة على الواحدة طلاق محرم وفيه جناية على الزوج بتفويت بعض الطلاق عليه. * * *

стр. 512

الفصل الرابع الحكم التكليفي لطلاق ولي الصغير والمجنون تقدم الكلام على حكم طلاق الصغير المميز وغير المميز والمجنون (١) فهل يجوز لوليهما سواء كان أبًا أو غير أب أن يطلق زوجته للمصلحة؟ هذه المسألة من مسائل الخلاف ولأهل العلم في هذه المسألة أربعة أقوال: • القول الأول: يجوز طلاق وليهما بعوض: سواء كان الولي أبًا أو غير أبٍ وهو مذهب الإمام مالك (٢). الدليل الأول: إذا جاز أن يزوجهما وليهما جاز أن يطلق عنهما (٣). الرد: النكاح تمليك فصح من الولي، كما يصح منه قبول الهبة له والطلاق إزالة ملك فلم يصح من الولي كما لا يصح منه بذل الهبة (٤). الجواب: بذل الهبة لا مصلحة فيه بخلاف الطلاق فإذا كان على مال وهو الخلع فالمصلحة ظاهرة ولم يفوت عليه ماله وإن كان على غير مال فقد تقتضي المصلحة ذلك كما لو بذل بعض ماله لظالم ليستبقي باقيه. الدليل الثاني: الطلاق بغير عوض كالهبة، ولوليهما أن يبيع مالهما، وليس له أن يهبه (٥). الرد: قد تكون المصلحة في بذل شيء من مالهما بغير عوض وتقدم. الدليل الثالث: إذا كان لا يصح طلاقهما كان النظر أن يكون الطلاق بيد غيرهما (٦).

стр. 513

الرد: يكون الغير هو القاضي. الجواب: طلب الأب مصلحة ولده كالقاضي أو أشد لشفقته عليه. الدليل الرابع: كل من ليس بيده طلاق فنظر وليه له نظر (١). الرد: هذا محل الخلاف. • القول الثاني: يجوز للولي أن يطلق من غير عوض: إذا كان في ذلك مصلحة وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (٢)، وهو ظاهر إطلاق كلام سعيد بن المسيب (٣)، وقتادة (٤)، وقال به اللخمي من المالكية (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وجه الاستدلال: تصرف ولي اليتيم منوط بالمصلحة فإذا كان في الطلاق مصلحة له ولو من غير عوض جاز. الدليل الثاني: قال ابن أبي شيبة حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن حبيب، عن عمرو بن شعيب، قال: وجدنا في كتاب عبد الله بن عمرو ﵄، عن عمر ﵁: «إِذَا عَبَثَ الْمَجْنُونُ بِامْرَأَتِهِ طَلَّقَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (٧).

стр. 514

وجه الاستدلال: إذا جاز أن يطلق ولي المجنون جاز طلاق ولي الصغير بجامع عدم تكليفهما. الرد من وجهين: الأول: هذه وجادة. الجواب: تقبل وإن كانت وجادة الثاني: اختلف في لفظه فرواه: ١: عبد الرزاق عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عمرو بن شعيب قال وجدنا في كتاب عبد الله بن عمرو ﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁ «إِذَا تَجَنَّبَ الْمُوَسْوَسُ بِامْرَأَتِهِ طَلَّقَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». قال سفيان: «وَلَا نَأْخُذُ بِذَلِكَ، نَرَى أَنَّهَا بَلِيَّةٌ وَقَعَتْ، فَإِنْ كَانَ يَخْشَى عَلَيْهَا عُزِلَتْ وَأُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ» (١). الجواب: رواية عبد الرحمن بن مهدي أرجح وعلى فرض أنَّ هذه الرواية أصح فالموسوس أكثر إدراكًا من الصبي والمجنون فإذا جاز طلاق وليه جاز طلاق وليهما من باب أولى. ٢: قال ابن أبي شيبة حدثنا حفص عن حجاج عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، قال: كَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ ﵁ فِي رَجُلٍ مَجْنُونٍ يَخَافُ أَنْ يَقْتُلَ امْرَأَتَهُ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: «أَنْ أَجِّلْهُ سَنَةً يَتَدَاوَى» (٢). الجواب: لا يصح ولو صح تأجيله سنة لا يمنع أن يطلق عنه وليه بعدها. الدليل الثالث: قد يكون في بقائها على عصمته ضرر أو فساد فيرفع بالطلاق. الرد: بعض الأولياء متهم فلن ينصح له. الجواب: حتى الأب والقاضي لوكانا متهمين لا يطلقان.

стр. 515

• القول الثالث: يطلق الأب فقط بعوض وبغير عوض: رواية في مذهب الإمام أحمد (١). الدليل الأول: يصح أن يزوجه أبوه فصح أن يطلق عليه إذا لم يكن متهمًا كالقاضي يفسخ للإعسار (٢). الجواب: يجوز أن يزوجه وليه ولو لم يكن أبًا فكذلك الطلاق فلا وجه لتخصيصه بالأب. الرد: ولاية الأب ليست كولاية غيره وشفقته ليست كشفقة غيره فيجوز أن يجبر الصغيرة وليس ذلك لبقية الأولياء. الجواب: إن كان الأب ليس كغيره فيلحق به من كان مشفقًا ناصحًا له. الدليل الثاني: «طلق ابن عمر ﵄ على ابن له معتوه» رواه الإمام أحمد. الجواب: ذكره ابن قدامة (٣) ولم أقف عليه مسندًا. الدليل الثالث: القياس على القاضي فالقاضي له ولاية شرعية عامة وكذلك والد الصغير له ولاية شرعية خاصة عليه (٤). الجواب: الولاية الخاصة ليست مختصة بالأب. الدليل الرابع: لكمال شفقة الأب فلا يقاس عليه غيره. الجواب: تقدم. • القول الرابع: لا يطلق الأب بعوض ولا بغير عوض: قال به الزهري (٥)، وهو مذهب الأحناف (٦)،

стр. 516

والشافعي (١)، والصحيح في مذهب الإمام أحمد (٢)، وقال به ابن حزم (٣)، وابن المنذر (٤). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وجه الاستدلال: في هذه الآية وغيرها جعل الله الطلاق للأزواج فلا يكون لغيرهم (٥). الرد: الأصل أنَّ الطلاق للزوج لكن يطلق القاضي على المفقود والمولي - على الصحيح - للمصلحة ورفع الظلم فكذلك الولي. الدليل الثاني: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» (٦). وجه الاستدلال: الأب لا يملك الزوجة فلا يصح طلاقه. الرد: الوكيل بالطلاق لا يملك الزوجة ويصح طلاقه - على الصحيح - (٧) وولاية الأب شرعية فهي أقوى من ولاية الوكيل فيصح طلاقه. الدليل الثالث: ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» (٨).

стр. 517

وجه الاستدلال: الولي لا يملك البضع، فلم يملك الطلاق (١). الرد من وجوه: الأول: الحديث ضعيف. الثاني: الأصل أنَّ الطلاق لمن أخذ بالساق ويجوز ان يطلق غيره للحاجة أو الضرورة. الثاني: يجوز أن يطلق القاضي للحاجة ولا يملك الوطء. الدليل الرابع: قال عمر ﵁: «إِنَّمَا الطَّلَاقُ بِيَدِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ الْفَرْجُ» (٢). الرد من وجوه: كالذي قبله. الدليل الخامس: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال كانت تحتي امرأة كان عمر ﵁ يكرهها فقال طلقها فأبيت فأتى عمر ﵁ رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ «أطِعْ أبَاكَ» (٣). وجه الاستدلال: لو جاز طلاق الأب لم يأمر النبي ﷺ ابن عمر ﵄ بطلاق زوجته ولطلقها عمر ﵁ فإذا لم يصح من الأب فغيره من باب أولى (٤). الرد: ابن عمر ﵄ مكلف والكلام في طلاق زوجة غير المكلف. الدليل السادس: الطلاق طريقه الشهوة فلا يدخل في الولاية (٥). الرد: تقدم يجوز طلاق من لا تحل له المرأة كالقاضي.

стр. 518

الدليل السابع: كل من لا يملك البضع لا يملك بنفسه الطلاق كالأجنبي والوكيل في الطلاق لا يملك بنفسه، وإنَّما يملك إيقاعه موكله (١). الرد: كالذي قبله. الدليل الثامن: الطلاق إسقاط لحقهما فلا يملكه كالإبراء من الدين وإسقاط القصاص (٢). الرد: قياس مع الفارق فلا مصلحة لهما في ذلك بخلاف الطلاق على عوض أو من غير عوض إذا كان بقاء النكاح مضرة. الدليل التاسع: لا حظ لهما فيه (٣). الرد: إذا لم يكن لهما حظ لا يجوز الطلاق إنَّما الكلام إذا كان في ذلك مصلحة أو رفع ظلم. الترجيح: الذي يترجح لي جواز طلاق الولي سواء كان أبًا أو غير أب إذا كان غير متهم زوجة المجنون والصغير بعوض وبغير عوض إذا كان في ذلك مصلحة لهما أو رفع ظلم عن الزوجة لموافقته لقواعد الشريعة والله أعلم. * * *

стр. 519

الفصل الخامس طلاق الحكمين * الحكم الوضعي لطلاق الحكمين * نوع طلاق الحكمين * طلاق الحكمين أكثر من طلقة * لو طلق الحكمان أكثر من طلقة • تمهيد: إذا حصل نشوز من الزوجة وكل الأمر للزوج لعلاج هذا النشوز قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] فإذا لم يجدِ ذلك وأتسع الشقاق فإن كان الزوج معتديًا أمر بالإحسان في المعاشرة أو الطلاق وإن كانت المرأة معتدية أمرت بحسن المعاشرة أو الخلع. وإن لم يتبين المعتدي بعث حكمان للنظر في الأمر ومعالجة الشقاق بالجمع وإزالة الخلاف فإذا لم يمكن الجمع بينهما فهل للحكمين الفرقة بين الزوجين بطلاق من غير عوض أو بعوض من المرأة؟ هذا محل البحث في هذا الفصل. • الحكم الوضعي لطلاق الحكمين: طلاق الحكمين من مسائل الخلاف وفي الجملة لأهل العلم في هذه المسألة قولان ينفذ الطلاق والخلع من غير رضا الزوجين والقول الآخر لا ينفذ إلا برضا الزوجين. وسبب الخلاف هل الحكمان لهما ولاية فينفذ حكمهما على الزوجين ولو من غير رضاهما أو هما وكيلان عنهما أو شاهدان أو رسولان للحاكم فلا ينفذ تصرفهما لأنَّه ليس لهما ولاية إلزام؟ قال ابن القيم: لا ريب أنَّهما حكمان فيهما شائبة الوكالة، ووكيلان منصوبان للحكم، فمن العلماء من رجح جانب الحكم، ومنهم من رجح جانب الوكالة ومنهم

стр. 520

من اعتبر الأمرين (١). • القول الأول: للحكمين الطلاق أو الخلع بغير رضا الزوجين: قال بهذا القول علي وعثمان ومعاوية وابن عباس ﵃ تأتي آثارهم وقال به بعض السلف وأبو عبيد القاسم بن سلَّام (٢)، وهو الصحيح من مذهب الإمام مالك (٣)، وأظهر القولين للشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وتلميذه ابن القيم (٧)، واختار هذا القول شيخنا محمد العثيمين (٨)، وشيخه ابن سعدي (٩). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. وجوه الاستدلال: الأول: خاطب الله غير الأزواج في قوله تعالى ﴿فَابْعَثُوا﴾ وسواء قيل إنَّ الخطاب للأولياء أو للحكام لأنَّه تقدم الخطاب للزوج بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ فإذا لم يفلح الزوج في العلاج وجه الخطاب لغيره وهذا هو الأصل فالخطاب يوجه في الخصومات إلى الحكام وليس للمتخاصمين. ولا يصح

стр. 521

أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما فدل ذلك على أنَّهما حكمان وليسا وكيلين (١). الثاني: تسميتهما حكمين والحكم له ولاية إلزام ويحكم بغير رضا المحكوم عليه (٢). الرد: يمضي أمر الوكيل على موكله فيما وكله به فيسمى حكمًا ولا يجوز أمره إذا أبى الزوجان لأنَّ الحكمين وكيلان (٣). الجواب: لم يوكل الزوجان الحكمين فالخطاب في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا﴾ لغير الزوجين فكيف يكون الحكمان وكيلين للزوجين وهما لم يوكلا. الثالث: الوكيل والحكم لكل واحد منهما اسم في الشريعة وولاية كل واحد منهما تختلف عن ولاية الآخر (٤). الرد: سمي الوكيلان حكمين تأكيدًا للوكالة التي فوضت لهما وجائز أن يكونا سميا حكمين لقبول قولهما عليهما وجائز أن يكونا سميا بذلك لأنَّهما إذا خلعا بتوكيل منهما وكان ذلك موكولًا إلى رأيهما وتحريهما للإصلاح سميا حكمين لأنَّ اسم الحكم يفيد تحري الاصلاح فيما جعل إليه وإنفاذ القضاء بالحق والعدل فلما كان ذلك موكولًا إلى رأيهما وانفذا على الزوجين حكمًا من جمع أو تفريق مضى ما انفذاه فسميا حكمين من هذا الوجه ولما أشبه فعلهما فعل الحاكم في القضاء عليهما بما وكلا به على جهة تحري الخير والصلاح سميا حكمين (٥). الجواب: صرف اللفظ عن معناه في اللغة والشرع لا يجوز إلا بدليل.

стр. 522

الرابع: لو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من أهل الزوجين (١). الرد: كذلك الحكمان لا يشترط أن يكونا من الأهل. الخامس: قوله تعالى ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ راجع إلى الحكمين يأتي عن ابن عباس ﵄ فالضمير يرجع لأقرب مذكور فدلت الآية على أنَّ الإرادة للحكمين لا للزوجين والوكيل ليس له إرادة إنَّما يتصرف بإرادة موكله (٢). الدليل الثاني: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. وجه الاستدلال: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فجعل الخوف لغير الزوجين فالحكم متعلق بهما (٣). الرد: إسناد النظر لغير الزوجين لا يلزم منه ملك الطلاق وهذه الآية من أدلة القول الثاني. الدليل الثالث: عن عَبِيدة السلماني قال: «شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَأَخْرَجَ هَؤُلَاءِ حَكَمًا مِنَ النَّاسِ، وَهَؤُلَاءِ حَكَمًا، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِلْحَكَمَيْنِ: «أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا»، فَقَالَ الزَّوْجُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: «كَذَبْتَ، وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَرْضَى بِكِتَابِ اللَّهِ لَكَ وَعَلَيْكَ»، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِي وَعَلَيَّ» (٤).

стр. 523

وجه الاستدلال: أخبر علي ﵁ أنَّ الأمر للحكمين بالجمع أو الطلاق إذا رأيا المصلحة في ذلك ولو من غير رضا الزوج. الدليل الرابع: عن ابن أبي مليكة أَنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، ﵄ فَقَالَتْ: تَصْبِرُ لِي وَأُنْفِقُ عَلَيْكَ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَتْ: أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ؟ فَيَسْكُتُ عَنْهَا، حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا وَهُوَ بَرِمٌ قَالَتْ: أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ؟ قَالَ: عَنْ يَسَارِكِ فِي النَّارِ إِذَا دَخَلَتِ، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، فَجَاءَتْ عُثْمَانَ ﵁ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَضَحِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، ﵄ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا»، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁: مَا كُنْتُ لَأُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، فَأَتَيَا فَوَجَدَاهَما قَدْ أَغْلَقَا عَلَيْهِمَا أَبْوَابَهُمَا وَأَصْلَحَا أَمْرَهُمَا فَرَجَعَا» (١). وجه الاستدلال: قول ابن عباس ﵄ «لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا» وكذلك قول معاوية ﵁: «مَا كُنْتُ لَأُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْخَيْنِ»، ولم يقل: إنَّ ذاك ليس إلينا يدلان على أنَّ للحكمين التفريق ولو من غير رضا الزوجين. وكان ذلك بمشهد من عثمان ومن حضر من الصحابة ﵃ ولم ينقل عن أحد الإنكار (٢). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فَهَذَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ إِذَا تَفَاسَدَ الَّذِي

стр. 524

بَيْنَهُمَا، فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَهْلِ الرَّجُلِ، وَمِثْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ، فَيَنْظُرَانِ أَيُّهُمَا الْمُسِيءُ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الْمُسِيءُ حَجَبُوا عَنْهُ امْرَأَتَهُ وَقَصَرُوهُ عَلَى النَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُسِيئَةُ قَصَرُوهَا عَلَى زَوْجِهَا، وَمَنَعُوهَا النَّفَقَةَ فإِنِ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمَا عَلَى أَنْ يُفَرِّقَا أَوْ يَجْمَعَا، فَأَمْرُهُمَا جَائِزٌ فَإِنْ رَأَيَا أَنْ يَجْمَعَا فَرَضِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَكَرِهَ ذَلِكَ الْآخَرُ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَإِنَّ الَّذِي رَضِيَ يَرِثُ الَّذِي كَرِهَ، وَلَا يَرِثُ الْكَارِهُ الرَّاضِي، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ قَالَ: «هُمَا الْحَكَمَانِ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا» (١). وجه الاستدلال: اختار ابن عباس ﵄ نفوذ حكم الحكمين ولو من غير رضا الزوجين. الرد: لا دلالة فيه لأنَّه لم يقل إنَّ فعل الحكمين في التفريق والخلع جائز بغير رضا الزوجين بل جائز أن يكون مذهبه أنَّ الحكمين لا يملكان التفريق إلا برضا الزوجين بالتوكيل ولا يكونان حكمين إلا بذلك ثم ما حكما بعد ذلك من شيء فهو جائز (٢). الجواب: آخر كلامه وكذلك قوله «لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا» يدل على أنَّه يرى نفاذ حكم الحكمين ولو من غير رضا الزوجين. الرد: لو ثبت ذلك فالأثر منقطع فلا يصح الاستدلال به. الجواب: له شاهد يتقوى به. الدليل السادس: كما ينفذ حكم الحكمين في بيان نوع الفدية في جزاء قتل الصيد للمحرم فكذلك ينفذ طلاق الحكمين في شقاق الزوجين فكلاهم حكم في كتاب الله (٣).

стр. 525

الرد: جزاء الصيد ثابت بالشرع وعلى الحكمين بيان الجزاء بخلاف النشوز فعلى الحكمين عمل الأصلح من جمع أو تفريق. الجواب: ظاهر القرآن نفوذ حكم الحكمين ولو من غير رضا الزوجين. الدليل السابع: للحاكم التفريق بين الزوجين على الصحيح في حال الخصومة كطلاق زوجة المولي إذا أبى (١). الدليل الثامن: الحكمة من بعث الحكمين إزالة النزاع بين الزوجين بعد عجز الزوج عن تقويم المرأة فإذا لم يكن لهما ولاية التفريق لم يزل النزاع بل ربما زاد (٢). • القول الثاني: ليس للحكمين الطلاق أو الخلع إلا بإذن الزوجين: اختار هذا القول ابن جرير الطبري (٣)، وابن حزم (٤)، والإمام أبو حنيفة (٥)، وهو قول للمالكية (٦)، وقول للشافعية (٧)، وهو الرواية المشهور عند الحنابلة (٨). الدليل الأول: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. وجه الاستدلال: ذكر في الآية الإصلاح ومفهومها أنَّه ليس لهما التفريق إلا إذا وكلهما الزوجان بذلك (٩). الرد من وجوه: الأول: مفهوم المخالفة ضعيف فلا يعارض ما تقدم.

стр. 526

الثاني: لم يذكر الله رضا الزوجين ولا توكيلهما في الآية. الثالث: لو كانا وكيلين لكانت الآية فليبعث وكيلًا من أهله ولتبعث وكيلًا من أهلها. الرابع: الوكيل لا يسمى حكمًا لا في الشرع ولا في اللغة ولا العرف فهذا صرف للآية عن ظاهرها. الخامس: خاطب الله غير الزوجين بقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا﴾ وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة المكلفين غيرهما (١). الدليل الثاني: عن عَبِيدة السلماني قال: «شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَأَخْرَجَ هَؤُلَاءِ حَكَمًا مِنَ النَّاسِ، وَهَؤُلَاءِ حَكَمًا، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِلْحَكَمَيْنِ: «أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا»، فَقَالَ الزَّوْجُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: «كَذَبْتَ، وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَرْضَى بِكِتَابِ اللَّهِ لَكَ وَعَلَيْكَ»، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِي وَعَلَيَّ». وجه الاستدلال: قول علي ﵁ كذبت والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك يدل على أنَّهما وكيلان فلو كانا حاكمين ينفذ حكمهما لما احتاج إلى إقرار الزوج فأوقفه علي ﵁ حتى يوكل بالفرقة فدل على أنَّ الفرقة موقوفة على إقراره ورضاه (٢). الرد من وجوه: الأول: لو كانا وكيلين لم يقل لها: أتدريان ما عليكما؟ إنَّما يقول: أتدريان بما وكلتما. الثاني: لا يخلو الأمر من أن يكون الطلاق متعينًا على الزوج فيصح إكراهه على التوكيل على الطلاق أو غير متعين فلا يصح طلاق المكره فلا عبرة بتوكيله.

стр. 527

الثالث: ليس المراد من قول علي ﵁ للرجل حتى تُقِرّ: أن رضاه شرط، بل معناه: أنَّ المرأة رضيتْ بما في كتاب الله ومن ذلك الفرقة فقال علي ﵁: للرجل كذبْتَ، حيث أنكرتَ أنَّ الفرقة في كتاب الله، بل هي في كتاب الله (١). الدليل الثالث: ليس للحكمين الفرقة بالطلاق لأنَّ الزوج إن كان هو الظالم للمرأة، فيأخذ حقها القاضي وإن كانت المرأة ناشزة تختلع (٢). الرد: هذا في بدء الشقاق وظهور المبطل أما مع شدة النزاع واختلاط الأمر فربما لا يمكن ذلك وعقد النكاح مبني على حسن المعاشرة بين الزوجين فإذا حصل النزاع والشقاق فقد تكون المصلحة في الفرقة بعوض أو بدونه ويتصور حل النزاع بأخذ المال من المبطل في العقود المالية أما النكاح فيختلف (٣). الدليل الرابع: ليس لأحد الفرقة بين رجل وامرأته بغير رضا الزوج فالإجماع منعقد على أنَّ الطلاق بيد الزوج ولا إجماع في طلاق الحكمين (٤). الرد من وجهين: الأول: المولي والعنين تجوز فرقة القاضي عليهما على الصحيح لرفع الضرر عن المرأة وكذلك طلاق ولي الصغير والمجنون يجوز للمصلحة فكذلك للقاضي أن يفوض الحكمين في طلاق الزوجين في حال الشقاق فطلاق الحكمين حال حاجة (٥). الثاني: تثبت الولاية على الرشيد عند امتناعه من أداء الحق كما يقضي الدين عن المدين من ماله إذا امتنع (٦).

стр. 528

الدليل الخامس: لا يجوز أخذ مال المرأة بغير رضاها إلا بدليل (١). الرد: من ثبت عليه حق مالي يؤخذ منه ولو بغير رضاه وقد دلت الآية على ذلك. الدليل السادس: القاضي لا يملك إيقاع الطلاق والخلع بين الزوجين إلا عن رضاهما فمن باب أولى الحكمان (٢). الرد: مسألة الشقاق مسألة خاصة دل الدليل الخاص على جواز الفرقة فيه ولو من غير رضا الزوجين. الدليل السابع: لا يجوز للحاكم بالإجماع في غير الحكمين إسقاط الحق أو نقله عنه إلى غيره من غير الرضا (٣). الرد: تقدم. الدليل الثامن: لا خلاف أنَّ الزوج لو أقر بالإساءة إليها لم يفرق بينهما ولم يجبره الحاكم على طلاقها قبل تحكيم الحكمين وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز لم يجبرها الحاكم على خلع ولا على رد مهرها فإذا كان كذلك حكمها قبل بعث الحكمين فكذلك بعد بعثهما (٤). الرد: يجب على الزوج المعاشرة بالمعروف أو الطلاق وكذلك المرأة تعاشر بالمعروف أو تفتدي. الترجيح: القول الأول بأنَّ الحكمين يملكان الطلاق والخلع ولو من غير رضا الزوجين هو رأي الصحابة ﵃ على الصحيح ولم أقف على خلافه عنهم. والآية تحتمل كلا القولين لكن وجه استدلال أهل القول الأول بالآية أقوى من أهل القول الثاني والاعتراضات على وجه استدلال أهل القول الثاني بالآية من أهل القول الأول أقوى من اعتراضات أهل القول الثاني والاستدلال بأثر علي ﵁ يحتمل القولين فيحتمل أنَّه بيان منه لما يملكه الحكمان ويحتمل أنَّه توكيل منه للحكمين والدليل الثالث من أقوى الأدلة فلم يعترض أحد على ابن عباس ﵄ في قوله «لأفرقن بينهما»،

стр. 529

ويقل له ليس لك ذلك. والأثر منقطع لكن يشهد لرأي ابن عباس ﵄ أثره وهو الدليل الرابع وأدلة القول الثاني قوية لكن تقدمت الإجابة عليها. فالنفس تميل إلى تقوية القول الأول أنَّ للحكمين التفريق بين الزوجين ولو من غير رضاهما بعوض أو بغير عوض والله أعلم. * * *

стр. 530

مسائل على القول بأنَّ للحكمين التفريق من غير رضا الزوجين مسائل على القول بأنَّ للحكمين التفريق من غير رضا الزوجين • نوع طلاق الحكمين: اختلف القائلون بأنَّ للحكمين التفريق بين الزوجين ولو من غير رضاهما على قولين. قول بأنَّه الطلاق بائن وقول بأنَّه رجعي: • القول الأول: طلاق الحكمين بائن: وهو مذهب الإمام مالك (١). الدليل الأول: لو شرعت الرجعة لعاد الشقاق بين الزوجين فلم يكن الطلاق رافعًا للشقاق (٢). الرد: إذا عاد الشقاق يعاد بعث الحكمين. الجواب: في هذا حرج وربما افتدت المرأة من الزوج الظالم بالخلع. الدليل الثاني: كل طلاق ينفذه الحاكم فهو بائن (٣). الرد: هذا ليس على إطلاقه عند المالكية قال زروق: كل طلاق أوقعه الحاكم فهو بائن إلا أربعة هذا [طلاق الحاكم على المولي] وطلاق المعسر بالنفقة وطلاق المفقود وإسلام غير المجوسيَّة قبل زوجها وطلاق الْمُعْتَرِض. (٤). وقال الحطاب: طلاق الحاكم بائن إلا للإيلاء وللعسر بالنفقة (٥). فإذا كان طلاق هؤلاء رجعيًّا فكذلك طلاق الحكمين. وتقدمت بقية الأدلة (٦).
следующие страницы →