← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30001

شروط الطلاق - الزومان

أحمد الزومان

Полный текст (812 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وجه الاستدلال: دلت الآيتان أنَّ اليمين لا ينعقد إلا بالنية وكذلك الطلاق. الرد: قياس مقابل النص فدل حديث «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ … » أنَّ من تكلم بالطلاق ناويًا اللفظ وقع ولو لم ينو المفارقة فكذلك من ليس له نية يقع طلاقه من باب أولى. الدليل الرابع: قول النبي ﷺ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١). وجه الاستدلال: لا يقع الطلاق إلا بالنية. الرد: كالذي قبله. الدليل الخامس: قول النبي ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٢). وجه الاستدلال: لا يقع طلاق هؤلاء الثلاثة لعدم تمام النية منهم فكذلك من لم ينو الطلاق. الرد: كالذي قبله. الترجيح: يترجح لي أنَّ من تلفظ بالطلاق وليس له نية يقع طلاقه فجد الطلاق وهزله جد فلو تكلم بالطلاق هازلًا ونوى عدم وقوعه وقع فكذلك من تكلم بالطلاق وليس له نية والله أعلم. * تنبيه: من مسائل نية الطلاق من طلق طلاقًا صريحًا ولم ينو عددًا أو نوى أكثر من واحدة ومن طلق واحدة ونوى واحدة أو أكثر من واحدة ومن طلق ثلاثًا ونوى ثلاثًا أو أقل من الثلاث وغير ذلك. تأتي إن شاء في غير هذا الكتاب. * * *

стр. 737

الفصل الثاني الحكم الوضعي للتورية في لفظ الطلاق الصريح * إذا وصل الطلاق بلفظ يدل على عدم إرادة المفارقة * إذا ادعى ما يحتمله اللفظ وكان مستفتيًا * إذا ادعى ما يحتمله اللفظ وكان مدعيًا عند القاضي • تمهيد: • تعريف التورية: أَنْ يذكر المتكلّم لفظا مُفردًا له حقيقتان، أَوْ حقيقة ومجاز أَحدهمَا قريب ودلالة اللَّفْظ عليه ظاهرة وَالآخر بعيد ودلالة اللَّفْظ عليه خَفْيَة، وَيُرِيد المتكلم المعنى البعيد، ويورِّي عَنه بالقريب فيوهم السَّامع أَنه يُرِيد المعنى القَرِيب وليس كذلك؛ ولهذا سمي هَذَا النَّوع إيهامًا مثل طلقت فاطمة ويقصد غير زوجته، أو ينوى الطلاق من وثاق (١). • إذا وصل الطلاق بلفظ يدل على عدم إرادة المفارقة فقال مثلا أنت طالق من وَثَاق أو من زوج قبلي فلا يقع الطلاق عند الأحناف - في الجملة - (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).

стр. 738

وعده شيخ الإسلام ابن تيمية إجماعًا. قال ﵀: لفظ الطلاق والنكاح وغيرهما قد يقترن بها ألفاظ تزيل دلالتها باتفاق المسلمين كما إذا قيل أنت طالق من وَثَاق فهذا لا يقع به الطلاق بالاتفاق (١). وقال: إذا قال: أنتِ طالقٌ من وثاقٍ، أو من زوجٍ كان قبلي، أو من نكاح قبل هذا، ووصله بهذا لم يقع بها طلاق، وهذا مما لا أعلم فيه نزاعًا (٢). • إذا ادعى ما يحتمله اللفظ إذا تلفظ الزوج بالطلاق الصريح وادعى أنَّه لم ينو الطلاق وإنَّما نوى ما يحتمله اللفظ كقوله أنت طالق وقال أردت أنت طالق من وَثَاق أو من زوج قبلي فلا يخلو الأمر من حالين أن يأتي مستفتيًا أو مدعيًا عند القاضي. • إذا كان مستفتيًا لأهل العلم في هذه المسألة قولان: • القول الأول: لا يقع الطلاق: قال به عمر وعثمان، وروي عن علي ﵃، والزهري (٣)، وعطاء بن أبي رباح (٤)، وطاوس بن كيسان (٥)، والشعبي، وعبد الله بن معقل (٦)،

стр. 739

والثوري (١)، وروي عن الحسن البصري، وقتادة (٢)، وهو مذهب الأحناف (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٦)، وقال به أبو عبيد القاسم بن سلَّام (٧)،

стр. 740

وقال به ابن حزم (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣) والشوكاني (٤)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٥)، ونُسِب لداود الظاهري (٦). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وجه الاستدلال: من تلفظ باليمين من غير قصد عقدها لا تنعقد يمينه فكذلك من تلفظ بالطلاق وأراد غيره مما يحتمله اللفظ (٧). الرد: دل حديث «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ … » أن من تكلم بالطلاق ناويًا اللفظ وقع طلاقه ولو لم ينو وقوع الطلاق. الجواب: من وجوه: الأول: فرق بين من له نية أخرى غير الطلاق ومن تلفظ بالطلاق مازحًا ولم يرد وقوع الطلاق. الثاني: ليس كل من تلفظ بالطلاق وقع طلاقه فالمكره والمخطئ والمدهوش لا يقع طلاقهم على الراجح. الثالث: الشارع جعل هزل الطلاق كجده بخلاف المورِّي (٨). الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ

стр. 741

وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وجه الاستدلال: يتعلق الحكم بقصد القلب لا بمجرد اللفظ فمن قصد غير الطلاق مما يحتمله لفظ الطلاق تعلق الحكم بما قصد. الرد: كالذي قبله. الجواب: كالذي قبله الدليل الرابع: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (١). وجه الاستدلال: إذا نوى غير الطلاق مما يحتمله اللفظ فله ما نوى. الرد: كالذي قبله. الجواب: كالذي قبله الدليل الخامس: قول النبي ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٢). وجه الاستدلال: لا يترتب حكم على أقوال هؤلاء لعدم تمام القصد منهم فكذلك من قصد بالطلاق غير الفرقة مما يحتمله اللفظ. الرد: كالذي قبله الجواب: كالذي قبله الدليل السادس: التورية معتبرة شرعًا ففي حديث أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ احتضن زاهرًا ﵁ وجعل يقول: «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ» فقال: يا رسول الله، إذا والله تجدني كاسدا، فقال النبي ﷺ : «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ أَوْ قَالَ لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ» (٣).

стр. 742

وجه الاستدلال: ورَّى النبي ﷺ فأراد عبودية الله وفهم السامعون عبودية الرق فكذلك من ورَّى في الطلاق فأراد به مثلًا القيد الحسي الوَثَاق. الدليل السابع: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لله أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (١). وجه الاستدلال: لو كان معتقدًا ما قال لكفر لكن عذر لعدم قصده فكذلك من قصد بلفظ الطلاق غير الفرقة يعذر وله ما قصد. الرد: قياس مع الفارق فالمدهوش معذور فهو غير مكلف. الدليل الثامن: عن عمر ﵁ أَنَّه رُفِع إِلَيْهِ رجل قَالَتْ لَهُ امْرَأَته: شَبِّهني فَقَالَ: كَأَنَّك ظَبْيَة كَأَنَّك حمامة فَقَالَت: لَا أرْضى حَتَّى تَقول: خَلِيّة طَالِق فَقَالَ ذَلِك فَقَالَ عمر ﵁: «خُذ بِيَدِهَا فَهِيَ امْرَأَتك» (٢). وجه الاستدلال: لم يوقع عمر ﵁ الطلاق لأنَّ الزوج لم ينوه سواء قلنا أنَّه من باب القضاء أو الفتوى. الدليل التاسع: عن الحسن أنَّ رجلًا طلق امرأته فلقيه رجل، فقال: طلقت امرأتك قال: نعم، ثم لقيه آخر، فقال: نعم، ثم لقيه آخر، فقال: نعم، ثم لقيه آخر، فقال: نعم،

стр. 743

فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: «ذَلِكَ بِهِ أَوْ ذَلِكَ مَا نَوَى» (١). وجه الاستدلال: جعل عمر ﵁ الأمر متعلقًا بنية الزوج ولم يوقع عليه أكثر من طلقة. الدليل العاشر: عن السميط السدوسي، قال: خطبت امرأة، فقالوا لي: لا نزوجك حتى تطلق امرأتك ثلاثًا، فقلت: قد طلقتها ثلاثًا، قال: فزوجوني ثم نظروا، فإذا امرأتي عندي، فقالوا: أليس قد طلقت امرأتك؟ قلت: بلى، كانت تحتي فلانة بنت فلان، فطلقتها، فأمَّا هذه فلم أطلقها، فأتيت شقيق بن مجزأة بن ثور وهو يريد الخروج إلى عثمان ﵁، فقلت: سل أمير المؤمنين عن هذه، فسأله؟ فقال: «نِيَّتُهُ» (٢). وجه الاستدلال: كالذي قبله. الدليل الحادي عشر: عن الريان بن صبرة الحنفي؛ أنَّه كان جالسًا في مسجد قومه، فأخذ نواة، فقال: نواة طالق، نواة طالق، ثلاثًا، قال: فرفع إلى علي ﵁، فقال: «ما نويت؟»، قال: نويت امرأتي، قال: ففرق بينهم» (٣).

стр. 744

وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: الأثر ضعيف. الجواب: يحتمل التحسين. الدليل الثاني عشر: هو أعلم بما أراد، ولا يمكن الاطلاع على ذلك إلا من جهته (١). الرد: جعل الشرع الفرقة بمجرد النطق بالطلاق. الجواب: تقدم عدم وقوع الفرقة بمجرد التلفظ بالطلاق. الدليل الثالث عشر: كلام يحتمله اللفظ فيصرف إليه (٢). الرد: كالذي قبله. الجواب: كالذي قبله. الدليل الرابع عشر: القصد ركن في الطلاق (٣). الرد: المسألة من مسائل الخلاف. الجواب: الراجح اشتراط القصد فلا يقع طلاق المخطئ (٤). الدليل الخامس عشر: قصد عدم إيقاع طلاقها، فوجب ألا يقع (٥). الرد: الهازل لا يقصد إيقاع الطلاق ويقع طلاقه.

стр. 745

الجواب: من وجوه تقدمت. الدليل السادس عشر: لا يقع الطلاق بالنية وحدها ولا يقع باللفظ وحده كالمخطئ فدل على اشتراط اللفظ والنية. الرد: هذه من مسائل الخلاف. الجواب: الصحيح عدم وقوع الطلاق بالنية فقط وعدم وقوع الطلاق باللفظ فقط فلا يقع طلاق المخطئ. الدليل السابع عشر: القياس على كناية الطلاق فلا تقع إلا بالنية. الرد: لفظ الكناية ليس صريحًا في الطلاق فيحتمل الطلاق وغيره فيرجع لنيته بخلاف الصريح. الجواب: كذلك الصريح يحتمل غير الطلاق فيرجع إلى نيته. الدليل الثامن عشر: لو اتصل بكلامه ما نواه فقال أنت طالق من وَثَاق أو من زوج قبلي لم يقع طلاقه فكذا إذا نواه (١). الرد: فرق بين التلفظ وبين مجرد النية فمن نوى الطلاق فلا يقع طلاقه (٢) بخلاف من تلفظ به. • القول الثاني: يقع الطلاق: قول للمالكية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). ويمكن أن يستدل لهذا القول بالنصوص العامة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].

стр. 746

وجه الاستدلال: دلت الآيتان وغيرهما من آيات الطلاق أنَّ كل من طلق وقع طلاقه. الرد من وجهين: الأول: تقدم أنَّه ليس كل من تلفظ بالطلاق وقع طلاقه. الثاني: الآية الأولى واردة لبيان الطلاق الرجعي والثانية لبيان الطلاق السني ولم تردا لبيان حكم من ورَّى في طلاقه. الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» (١). وجه الاستدلال: كل من تكلم بالطلاق قاصدًا اللفظ وقع الطلاق. الرد: تقدم الجواب من ثلاثة أوجه. الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٢). وجه الاستدلال: يدخل في عموم الحديث من تلفظ بالطلاق ونوى عدم الفرقة. الرد: الحديث لا يصح. الجواب: يشهد له قول علي ﵁: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» (٣). الرد: من أراد غير الطلاق مما يحتمله اللفظ فهو غير مطلق إنَّما مورِّي. الترجيح: من تلفظ بالطلاق الصريح وقصد التورية كطالق من وَثَاق أو الإخبار عن طلاقها من زوج قبله أو طلق الولادة فيدان في الفتوى فيما بينه وبين الله لأنَّ لفظ الطلاق يحتمله احتمالًا غير بعيد فيقبل قوله كما لو كرر الطلاق وأراد بالثانية التوكيد أو إسماعها إلا إذا كانت قرينة الحال تدل على إرادة الطلاق كما لو تلفظ بالطلاق في حال الغضب أو بعد سؤالها الطلاق أو قال أنت طالق ثلاثًا - ولم تكن طلقت قبل ذلك لأنَّه يخالف الظاهر من وجهين مقتضى اللفظ ودلالة الحال والله أعلم.

стр. 747

• إذا كان مدعيًا عند القاضي إذا ادَّعى التورية في لفظ الطلاق الصريح عند القاضي فلأهل العلم في هذه المسألة قولان قول يقع الطلاق والقول الثاني لا يقع الطلاق. • القول الأول: يقع الطلاق في القضاء إلا ببينة: فمن تكلم بالطلاق وقع ولو ادعى التورية إلا ببينة، قال به الشعبي وعبد الله بن معقل، والثوري، وروي عن الحسن البصري، وقتادة وتقدم، وهو مذهب الأحناف (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤)، واختاره ابن حزم (٥)، وابن القيم (٦)، ومال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية (٧).

стр. 748

أولًا: أدلة وقوع الطلاق: الدليل الأول: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال «إنَّما أحكم بالظاهر ويتولى الله السرائر» وجه الاستدلال: الأصل الحكم على الشخص بظاهر لفظه. الرد: الحديث لا أصل له. قال ابن كثير: هذا الحديث كثيرًا ما يلهج به أهل الأصول، ولم أقف له على سند، وسألت عنه الحافظ أبا الحجاج المزي، فلم يعرفه (١). الدليل الثاني: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال «لا تحاسبوا العبد حساب الرب» (٢). وجه الاستدلال: أي لا تحاسبوا إلا على الظاهر دون الباطن فيحكم عليه القاضي بوقوع طلاقه، والله تعالى هو الذي يحاسب على الظاهر والباطن (٣). الرد: لم أقف على الحديث فقد ذكره الماوردي ولم يعزه لمن أخرجه. ويمكن أن يستدل لهم من الأثر أيضًا بأدلة من يرى وقوع الطلاق في الفتوى وتقدمت. الدليل الثالث: الإجماع على أنَّه لا يقبل قوله في القضاء. قال الحافظ ابن حجر: قال أبو عبيد وهذا أصل لكل من تكلم بشيء من ألفاظ الطلاق … وقد نقل الخطابي الإجماع على خلافه لكن أثبت غيره الخلاف وعزاه لداود وفي البويطي ما يقتضيه وحكاه الروياني ولكن أوله الجمهور (٤).

стр. 749

وقال ابن رشد أمَّا في الحكم الظاهر فلا اختلاف بين أهل العلم أنَّ الرجل يحكم عليه بما أظهر من صريح القول بالطلاق أو كناياته، ولا يصدق أنَّه لم ينوه ولا أراده إن ادعى ذلك على مذهب من يرى أنَّ الطلاق لا يلزم بمجرد القول حتى تقترن به النية (١). الرد من وجهين: الأول: الخلاف محفوظ وأشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر. الثاني: الذي وقفت عليه من كلام الخطابي ليس في مسألة الباب. قال الخطابي: اتفق عامة أهل العلم على أنَّ صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنَّه مؤاخذ به ولا ينفعه أن يقول كنت لاعبًا أو هازلًا أو لم أنو به طلاقًا أو ما أشبه ذلك من الأمور (٢) فمسألة نية غير الطلاق لا تدخل في ما ذكره والله أعلم. الدليل الرابع: لا يصدق في دعواه في حكم قد ثبت عليه وفي إسقاط حقوق وجبت يقينًا للمرأة (٣). الرد من وجهين: الأول: لا يوافق على أنَّ الطلاق يقع إذا ورَّى في كلامه فوقوعه مرجوح فضلًا عن كونه يقينًا. الثاني: الطلاق حق للزوج لا عليه وثبوت حقوق الزوجة بعد ثبوت الطلاق. الدليل الخامس: يدعي خلاف الظاهر (٤). الرد: الزوج مؤتمن على عقد النكاح فكما يقبل قوله في الفتوى يقبل قوله في القضاء. الدليل السادس: ما قاله خلاف الظاهر فلم يصدق في حقها كما لو أقر بألف درهم ثم رجع (٥).

стр. 750

الرد من وجهين: الأول: لا يصح قياس الطلاق على المال. الثاني: تقدم أنَّ حقوق الزوجة فرع عن ثبوت الطلاق. الدليل السابع: القياس على باقي إقراراته كما لو أقر بمال ثم صرفه لشيء حقير (١). الرد: كالذي قبله. ثانيًا: أدلة عدم وقوع الطلاق إذا وجدت بينة: والبينة كل ما يبين الحق ويدل على صدق الدعوى وهي أعم من الشهادة. الدليل الأول: عن أم سلمة ﵂ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» (٢). وجه الاستدلال: القاضي يحكم على المتكلم بظاهر كلامه فمن تلفظ بالطلاق حكم عليه بوقوعه ما لم تقم بينة على عدم إرادة الطلاق فيصدقه (٣). الرد: جانب الزوج أقوى فالأصل بقاء النكاح فيكون في حقه اليمين فاليمين في حق أقوى المتداعيين (٤). الدليل الثاني: قول اَلنَّبِيُّ ﷺ : «اَلْبَيِّنَةُ عَلَى اَلْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٥).

стр. 751

وجه الاستدلال: لا تقبل دعواه إرادة غير الطلاق إلا ببينة فإذا وجدت بينة تدل على صدق دعواه لم يقع الطلاق. الرد: كالذي قبله. الدليل الثالث: عن عمر ﵁ أَنَّه رُفِع إِلَيْهِ رجل قَالَتْ لَهُ امْرَأَته: شَبِّهني فَقَالَ: كَأَنَّك ظَبْيَة كَأَنَّك حمامة فَقَالَت: لَا أرْضى حَتَّى تَقول: خَلِيّة طَالِق فَقَالَ ذَلِك فَقَالَ عمر ﵁: خُذ بِيَدِهَا فَهِيَ امْرَأَتك» وجه الاستدلال: حكم عمر ﵁ بعدم الوقوع لما لم يقصد الزوج اللفظ الذي يقع به الطلاق، بل قصد لفظا لا يريد به الطلاق، لقيام قرينة تصدقه (١). الرد: حكم عليه بنيته كما في الرواية الثانية عنه «ذَلِكَ بِهِ أَوْ ذَلِكَ مَا نَوَى». الدليل الرابع: إذا كان سياق الكلام يدل على صدقه قبلت دعواه فالحكم بغلبة الظن وليس باليقين وإلا فلا (٢). الرد: تقدم أنَّ جانب الزوج أقوى فعليه اليمين. الدليل الخامس: سبب عدم قبول قوله لأنَّه خلاف ظاهر لفظه فإذا وجد ما يدل على صدقه قبل قوله. الرد: كالذي قبله. • القول الثاني: لا يقع الطلاق: فتقبل دعواه ولو من غير بينة ولا يقع طلاقه قال به عمر، وعثمان، وروي عن

стр. 752

علي ﵃، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وروي عن الحسن البصري، وهو قول للأحناف (١)، وقال به بعض المالكية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣). وقال به أبو عبيد القاسم بن سلَّام، وداود الظاهري، والشوكاني، وبعض الشافعية وتقدم. الدليل الأول: أنَّ ركانة بن عبد يزيد ﵁ طلق امرأته سهيمة المزنية ﵂ ألبتة ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنَّي طلقت امرأتي سهيمة ألبتة والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول ﷺ لركانة: «واللَّهِ ما أردتَ إلا واحدةً؟» فقال ركانة ﵁ والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله ﷺ . فطلقها الثانية في زمان عمر ﵁ والثالثة في زمان عثمان ﵁ (٤). وجه الاستدلال: حكم النبي ﷺ على ركانة ﵁ حينما طلق بنيته. الرد من وجهين: الأول: الحديث ضعيف. الثاني: لفظ البتة من كنايات الطلاق وليس صريحًا في الطلاق. الدليل الثاني: عن عمر ﵁ أَنَّه رُفِع إِلَيْهِ رجل قَالَتْ لَهُ امْرَأَته: شَبِّهني فَقَالَ: كَأَنَّك ظَبْيَة كَأَنَّك حمامة فَقَالَت: لَا أرْضى حَتَّى تَقول: خَلِيّة طَالِق فَقَالَ ذَلِك فَقَالَ عمر ﵁: «خُذ بِيَدِهَا فَهِيَ امْرَأَتك». وجه الاستدلال: قال أبو عبيد القاسم بن سلَّام: قوله: خلية طالق أراد الناقة تكون

стр. 753

معقولة ثم تطلق من عقالها وتخلى عنها فهي خلية من العقال وهي طالق لأنَّها قد طلقت منه فأراد الرجل ذلك فأسقط عمر ﵁ عنه الطلاق لنيته وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يشبه لفظ الطلاق والعتاق وهو ينوي غيره أنَّ القول فيه قوله فيما بينه وبين الله ﵎ وفي الحكم (١). الرد من وجهين: الأول: قال الحافظ ابن حجر: المشكل من قصة عمر ﵁ كونه رفع إليه وهو حاكم فإن كان أجراه مُجْرى الفتيا ولم يكن هناك حكم فيوافق وإلا فهو من النوادر (٢). الجواب: عمر ﵁ خليفة فهو يحكم بين الناس ووافقه عثمان ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة ﵃ وقال به بعض التابعين ومن بعدهم فليس نادرًا. الثاني: قال البيهقي: قال: خلية طالق لم يرسل الطلاق نحوها ولم يخاطبها به فلم يقع به عليها الطلاق، والله أعلم (٣). الجواب: قال الذهبي: إنَّما شبهها بخلية طالق لأنَّها قالت له شبهني فأراد تشبيهها كأنَّه قال أنت كحمامة وكظبية وكخلية طالق وكذلك لو قصد التشبيه بامرأة طلقت فقال لزوجته أنت كامرأة طالق لم تطلق (٤). الدليل الثالث: عن الحسن أنَّ رجلًا طلق امرأته فلقيه رجل، فقال: طلقت امرأتك قال: نعم، ثم لقيه آخر، فقال: نعم، ثم لقيه آخر، فقال: نعم، ثم لقيه آخر، فقال: نعم، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: «ذَلِكَ بِهِ أَوْ ذَلِكَ مَا نَوَى». وجه الاستدلال: جعل عمر ﵁ الأمر متعلقًا بنية الزوج والظاهر أنَّ هذا منه قضاءٌ لا فتوى والله أعلم. الدليل الرابع: عن السميط السدوسي، قال: خطبت امرأة، فقالوا لي: لا نزوجك حتى تطلق امرأتك ثلاثًا، فقلت: قد طلقتها ثلاثًا، قال: فزوجوني ثم نظروا، فإذا امرأتي

стр. 754

عندي، فقالوا: أليس قد طلقت امرأتك؟ قلت: بلى، كانت تحتي فلانة بنت فلان، فطلقتها، فأمَّا هذه فلم أطلقها، فأتيت شقيق بن مجزأة بن ثور وهو يريد الخروج إلى عثمان ﵁، فقلت: سل أمير المؤمنين عن هذه، فسأله؟ فقال: «نِيَّتُهُ». وجه الاستدلال: كالذي قبله. الدليل الخامس: عن الريان بن صبرة الحنفي؛ أنَّه كان جالسًا في مسجد قومه، فأخذ نواة، فقال: نواة طالق، نواة طالق، ثلاثًا، قال: فرفع إلى علي ﵁، فقال: «ما نويت؟»، قال: نويت امرأتي، قال: «ففرق بينهم». وجه الاستدلال: كالذي قبله. الجواب: تقدم. الرد: تقدم. الدليل السادس: الإجماع: ١: قال ابن رجب: خرَّجه [أثر عثمان ﵁ أبو عبيد في كتاب الطلاق، وحكى إجماعَ العلماء على مثل ذلك (١). الرد: جاء عن عمر وعثمان ﵄ ولم أقف على أحد من الصحابة ﵃ خالف فيصح أنَّ يقال إجماع سكوتي عن الصحابة ﵃ أمَّا من بعدهم فالخلاف مشهور. ٢: قال القاضي أبو يعلى: لا خلاف أنَّه لو قال لمدخول بها: أنت طالق طالق وقال أردت بالثانية إفهامها إن قد وقع بها طلقة قبل منه ذلك (٢). وقال شيخنا الشيخ محمد العثيمين ﵀: إذا قال الرجل لزوجته: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، وقال: أردت التوكيد فهي واحدة، ولا أعلم في هذا خلافًا بين العلماء (٣).

стр. 755

الرد من وجهين: الأول: يرى الأحناف وقوع الطلاق في القضاء (١). الثاني: في هذه المسألة القول قوله في عدد الطلاق ومسألة الباب في وقوع أصل الطلاق. الدليل السابع: الألفاظ قوالب للمعاني ولا تراد لذاتها لا عند أهل اللغة ولا عند أهل الشرع فمن لم يقصد معنى لفظ الطلاق لم يؤاخذ به (٢). الرد: لا يؤخذ به في الفتوى بخلاف القضاء فالحكم على الظاهر. الجواب: الحكم في الظاهر في حقوق المخلوقين والطلاق حق للزوج. الدليل الثامن: القياس على كنايات الطلاق إذا نوى بها غير الطلاق فإن يصدق فيها ظاهرًا وباطنًا (٣). الرد: كنايات الطلاق لا تقع إلا بالنية بخلاف لفظ الطلاق الصريح. الدليل التاسع: إذا فسر كلامه بما يحتمله احتمالًا غير بعيد صدق في دعواه كما لو كرر لفظ الطلاق وأراد بالثانية التوكيد (٤). الرد من وجهين: الأول: لا تقبل دعواه لأنَّها خلاف الظاهر. الجواب: تقدم. الثاني: تقدم أنَّ الأحناف لا يقبلون قوله في تكرار الطلاق في القضاء. الدليل العاشر: اللفظ يحتمل ما نوى، فلو صرح به لكان محمولًا عليه فاقتضى إذا نواه أن يقبل منه لأنَّه أحد احتماليه. الرد: فرق بين التصريح والنية ففي الدعوى الحكم للظاهر. الجواب: تقدم.

стр. 756

الدليل الحادي عشر: الطلاق إنشاء فإذا قصد الخبر عن طلاق سابق أو غير ذلك فلا يقع الطلاق لأنَّه لم يطلق (١). الرد: هل الطلاق خبر أو إنشاء محل خلاف. الترجيح: الطلاق من الأحكام الشرعية المؤتمن عليها الزوج فيصدق في دعواه فلا يقع الطلاق في القضاء إلا إذا دلت قرينة على إرادة الطلاق والله أعلم. * * *

стр. 757

الفصل الثالث الدِّيانَة والقضاء • تمهيد: ما يتعلق بالمكلفين من عبادات ومعاملات وفسوخ وغيرها غالبًا تتم هذه الأشياء بين المكلفين وتارة ترفع للقضاء وهذا غالبًا في حال النزاع والاختلاف فالأولى تسمى ديانة والثانية تسمى قضاءً وأحكام هاتين المسألتين مختلفة ففي هذا الفصل بيان وجه الاتفاق والاختلاف بين الديانة والقضاء. • التعريف: الدِّيانَة لغة: ما يتدين به الإنسان ودَيَّنَ الرجلَ فيما بينه وبين الله صدقه ودَيَّنَه تَدْيِينًا وكله إلى دِينِه. والدِّيانة اسم لجميع ما يتعبد به لِلّه تعالى (١). الديانة شرعًا: حكم ما صدر من المكلف في ما بينه وبين ربه (٢) وهي الحكم في الباطن (٣). القضاء لغة: مصدر يمد ويقصر قضى يقضي قَضْيًا وقَضاءً وقَضِيَّةً. والقَضاء الحكم وأَصله القطع والفصل ويأتي القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه (٤). القضاء شرعًا: حكم القاضي الصادر على المكلف (٥) وهو الحكم في

стр. 758

الظاهر (١). وعند الفقهاء الديانة والتنزّه وما بينه وبين الله مترادفة، كالقضاء والحكم والشرع (٢). فعلى هذا كل ما لم يحكم به القاضي فهو ديانة وإذا حكم به القاضي فهو قضاء (٣). * * *

стр. 759

ضوابط في الديانة والقضاء • تمهيد: إدخال بعض المسائل في الديانة أو القضاء من المسائل الاجتهادية فعن عائشة ﵂ قالت دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان ﵄ على رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إنَّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ» (١). فاختلف أهل العلم في قول النبي ﷺ «خُذِي مِنْ مَالِهِ … » فذهب بعضهم إلى أنّه فتوى (٢) فيجوز ديانة لكل امرأة أن تأخذ ما يجب لها ولأولادها من مال زوجها من غير علمه والأمر لا يتعلق بالمرأة فهو عام في كل الحقوق وهي مسألة الظفر وفيها تفصيل. وبعضهم يرى أنَّه قضاء (٣) فليس للمرأة أن تأخذ من مال زوجها للنفقة ونحوها إلا بعد الرفع للقضاء. ومثله حديث عقبة بن عامر ﵁ قال قلنا للنبي ﷺ إنَّك تبعثنا فننزل بقوم لا يَقْرُونا فما ترى فيه فقال لنا «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ» (٤). والباب باب واسع يحتاج لبحث مستقل. • الضوابط: • الأول: أحكام الخلق في الدنيا في الديانة والقضاء على الظاهر: فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ

стр. 760

مِسْكٍ» (١). فمن يقاتل في الجهاد في سبيل الله يعطى أحكام الشهيد في الدنيا من عدم تغسيله والصلاة عليه معاملة له بما ظهر منه. قال الحافظ ابن حجر: قال ابن المنير في الحاشية قال ﷺ في الشهداء «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ» (٢) مع قوله ﷺ «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ» فعمم الحكم في الظاهر بناءً على ظاهر السبب (٣) وتقبل شهادة العدل في الظاهر قضاءً ويعطى من ظاهره الفقر من الزكاة ديانة. • الثاني: الحكم قضاءً لا يبيح في الديانة إن كان الظاهر خلافه: فعن أم سلمة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا (٤). • الثالث: قد يتبعض الحكم الواحد فيعطى حكمًا في الباطن مخالفًا للحكم في الظاهر: فعن عائشة ﵂ قالت اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة ﵄ في غلام فقال سعد ﵁ هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنَّه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة ﵁ هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة فقال «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ» فلم تره سودة ﵂ قط (٥). قال ابن عبد البر: كأنَّه حكم بحكمين حكم ظاهر وهو الولد للفراش وحكم

стр. 761

باطن وهو الاحتجاب من أجل الشبهة (١). وقال المازري: جعله بعض أصحابنا أصلًا في الحكم للشيء بحكم واحد بين الحكمين لأنَّه ألحقه بزمعة، وذلك يقتضي ألا تحتجب سودة ﵂ منه وأمر سودة ﵂ بالاحتجاب منه وذلك يقتضي ألا يكون ولدًا لزمعة ولا أخًا لسودة ﵂ ولكنَّه قضى في الإِلحاق بحكم الفراش وقضى في الاحتجاب بحكم الاحتياط (٢). • الرابع: العبادات المحضة الأصل فيها الديانة: فالصلاة والزكاة والصيام والحج لا دخل للقضاء فيها فالمكلف مؤتمن على عباداته فلا يرفع للقضاء إذا ادعى أنَّه صلى وزكى وصام وحج ليثبت ذلك (٣). وكذلك ما يصدر من القاضي في ما يتعلق بالعبادات المحضة فهو فتوى فيكون من باب الديانة لا القضاء. قال القرافي: العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم ألبتة بل الفتيا فقط فكل ما وجد فيها من الإخبارات فهي فتيا فقط … ويلحق بالعبادات أسبابها … إذا قال حاكم قد ثبت عندي الدين يسقط الزكاة أو لا يسقطها أو ملك نصاب من الحلي المتخذ باستعمال المباح سبب وجوب الزكاة فيه أو أنَّه لا يوجب الزكاة أو غير ذلك من أسباب الأضاحي، والعقيقة، والكفارات، والنذور، ونحوها من العبادات المختلف فيها أو في أسبابها لا يلزم شيء من ذلك من لا يعتقده (٤).

стр. 762

• الخامس: الحدود والتعزيرات والقصاص والديات الأصل فيها القضاء ولا مدخل للديانة فيها (١). • السادس: ما يتعلق بحقوق الخالق من حدود وتعزيرات الديانة فيها أخف من القضاء وأفضل: فالتوبة أخف وأحب إلى الله من القضاء ففي حديث بريدة ﵁ في قصة الغامدية ﵂ قال: «جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنْ الأَزْدِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكِ ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ» فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟» قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ الزِّنَى، فَقَالَ: «آنْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: «حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ، قَالَ: … فَرَجَمَهَا» (٢) فأرشدها النبي ﷺ أولًا للتطهير بالتوبة وهذا من باب الديانة فلما أصرت على التطهر بالحد حكم عليها بالرجم قضاءً. وكذلك في الحدود إذا وجد ما يسقطها كالسارق من غير حرز ومانع الزكاة بخلًا فلو تاب ديانة فعليه الرد وأداء الزكاة وإذا حكم عليه قضاءً فعليه الرد والمثل تعزيرًا ماليًا (٣). • السابع: المُحَرَّم الأصل فيه أنَّ حكم الديانة والقضاء سواء: كرد المغصوب والمعاملات الربوية (٤) فقد يتفق الحكم في القضاء والديانة وقد يختلفان (٥). • الثامن: الكفارات تكون ديانة وقضاءً: فبعضها ديانة وبعضها قضاء فمثلًا كفارة الأذى للمحرم من الديانة فعن كعب بن عجرة ﵁ قال: حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: «مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟» فَقُلْتُ:

стр. 763

لا، فَقَالَ: «فَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (١). فقوله ﷺ «فَصُمْ … » هذا من الفتوى وليس من القضاء. وكفارة قتل الخطأ تحتاج إلى اجتهاد في أصل الفعل ووصفه وكذلك كفارة الصيد فليستا من باب الديانة والله أعلم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. • التاسع: بذل المال إحسانًا الأصل فيه الديانة لا القضاء: فعن كعب بن مالك ﵁ أنَّه تقاضى ابن أبي حَدْرَد دينًا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سِجْف حجرته فَنَادَى يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا» وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «قُمْ فَاقْضِهِ» (٢). فالأصل أنَّ الأموال لا تبذل ولا تسقط إلا برضا المالك فالحديث محمول على الديانة استحبابًا وإن كان يجب بذل المال ولو من غير رضا المالك أحيانًا لعارض من حاجة وغيرها فإذا لم يبذله كان الحكم عليه قضاءً (٣) ففي حديث أبي هريرة ﵁ «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنَهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا … » (٤). • العاشر: في القضاء لا بد من قاضٍ بخلاف الديانة: فإن كان المكلف يعرف الحكم فلا يحتاج إلى المفتي.

стр. 764

• الحادي عشر: النكاح وما يتعلق به من طلاق وغيره والمعاملات تارة يكون حكمها ديانة وتارة قضاءً (١). • الثاني عشر: ترتب الحكم على التلفظ بالكلام له أحوال أربع: الأولى: أن يقصد اللفظ دون حكمه: فهذا يقع ما يترتب على اللفظ كطلاق الهازل إلا أن يكون متأولًا فينوي غير ما يتبادر إلى اللفظ فهذه تورية وتقدم الكلام على ذلك. الثانية: أن لا يقصد اللفظ ولا حكمه: وهو المخطئ ويأتي الخلاف في وقوع طلاقه قضاءً وديانة. الثالثة: أن يقصد اللفظ ولا يتكلم به: فهذا حديث نفس معفو عنه كمن حدث نفسه بالطلاق فلا يقع طلاقه عند الجمهور إلا رواية في مذهب مالك وتقدم (٢). الرابعة: أن يقصد اللفظ والحكم: فيترتب الحكم على اللفظ ويدخل في ذلك جميع أقوال المكلفين من العقود وغيرها (٣). * * *

стр. 765

الفصل الرابع طلاق المخطئ • تمهيد: • تعريف المخطئ: لغة: الخَطَأ ضد الصواب وما لم يتعمده الشخص يقال لمن أراد شيئًا ففعل غيره أخطأ. والمخطئ من أراد شيئًا فصار إلى غيره (١). شرعًا: المخطئ (اللاغي) هو الذي يبدُر منه لفظ الطلاق من غير قصدٍ (٢). • أنواع الخطأ في الطلاق: الخطأ في الطلاق أنواع: الأول: أن يقصد اللفظ لكن يظن المرأة أجنبية وليست زوجته. الثاني: أن يحلف بالطلاق أو يعلقه على أمر فيحصل الأمر خطأ من غير إرادته. ويأتي هذان النوعان. الثالث: أن يبدُر منه لفظ الطلاق من غير قصدٍ وهو موضوع البحث. • الحكم الوضعي لطلاق المخطئ إذا تلفظ الزوج بالطلاق خطأً فمثلا أراد أن يقول: طاهر فسبق لسانه فقال: طالق أو أراد أن يقول: طلبتك فقال: طلقتك فلأهل العلم في هذه المسألة ثلاثة أقوال قول بالوقوع مطلقًا وقول بالتفريق فيقع قضاءً لا في الفتوى والقول الآخر يقع في الفتوى ولا يقع في القضاء إلا ببينة. • القول الأول: يقع طلاق المخطئ في القضاء والفتوى: روي عن الحكم بن عتيبة (٣)،

стр. 766

وهو مذهب الأحناف (١)، وقول عند المالكية (٢). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وجه الاستدلال: يدخل في عموم نصوص الطلاق طلاق المخطئ. الرد من وجوه: الأول: النصوص العامة خصصتها أدلة عدم اعتبار أقوال المخطئ. الثاني: المخطئ غير مطلق على الحقيقة فلا يدخل في عموم النصوص. الثالث: الآية الأولى واردة لبيان الطلاق الرجعي والثانية لبيان الطلاق السني. الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: اَلنِّكَاحُ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ» (٣). وجه الاستدلال: من تلفظ بالطلاق وقع طلاقه ولو لم ينو الطلاق. الرد من وجهين: الأول: هذا الحديث لا عموم له عند من يوقع طلاق المخطئ فالصغير لا يقع طلاقه. الجواب: دل الدليل على عدم اعتبار أقوال الصغير. الرد: كذلك المخطئ دلت الأدلة الآتية على عدم اعتبار أقواله. الثاني: يفرق بين من تكلم بالطلاق مريدًا اللفظ وبين من تلفظ به من غير إرادة لفظه.

стр. 767

الدليل الرابع: طلاق من مكلف، في محل يملكه، فينفذ. الرد: دل الدليل على عدم نفاذ أقوال المخطئ. الدليل الخامس: القياس على الهازل (١). الرد: الهازل قصد لفظ الطلاق بخلاف المخطئ. الدليل السادس: الفائت بالخطأ القصد وليس شرطًا لوقوع الطلاق (٢). الرد: فرق بين من تكلم بالطلاق قاصدًا لفظه غير مريد لما يترتب على اللفظ وبين من لم يقصد لفظ الطلاق فالأول قصده ليس شرطًا لوقوع الطلاق بخلاف الثاني فقصد اللفظ شرط لوقوع الطلاق على الصحيح. الدليل السابع: القصد أمر باطن لا يوقف عليه فلا يتعلق الحكم لوجود حقيقته بل يتعلق بالسبب الظاهر الدال وهو أهلية القصد بالعقل والبلوغ (٣). الرد: يفرق بين الفتوى وبين القضاء فلا بد فيه من بينة. الدليل الثامن: يقع الطلاق لتعلق حق الغير به والغالب أنَّ البالغ العاقل لا يتكلم بكلام إلا عن قصد (٤). الرد: يزل اللسان أحيانًا فيقبل قوله بعدم القصد وحق الغير إذا رفع الأمر للقضاء أما الفتوى فيصدق الزوج بعدم إرادة اللفظ. • القول الثاني: يقع الطلاق في القضاء لا في الفتوى: وهذا القول رواية عند الأحناف (٥)، ورواية عند الحنابلة. (٦) وتأتي الأدلة في الذي بعده.

стр. 768

• القول الثالث: لا يقع الطلاق في الفتوى ويقع في القضاء إلا ببينة: فإذا ثبت الخطأ بالبينة أو قرينة دلت عليه قبل منه القاضي فلا يقع الطلاق قال به أبو الشعثاء جابر بن زيد (١)، وروي عن الشعبي -تقدم تقريبًا-، وهو قول للأحناف (٢)، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥)، واختاره ابن حزم (٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، وابن القيم (٨)، والشوكاني (٩). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].

стр. 769

وجه الاستدلال: أفادت الآيات أنَّ الكلام اللغو لا يترتب عليه حكم وهو معفو عنه لعدم قصده وإنَّما يترتب الحكم على عقد قلبه فهو الذي يؤاخذ به (١). الرد: العفو في حق الخالق فلا يأثم بخلاف ما يتعلق به حق المخلوق. الجواب: الآيات عامة. الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. وجه الاستدلال: الظن لا يقوم مقام العلم فلا يقع الطلاق (٢). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄ قال لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا قَالَ فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ قَدْ فَعَلْتُ» (٣). وجه الاستدلال: لو ثبتت الأحكام على المخطئ لكان قد حمل مالا طاقة له به وقد نفاه الله (٤). الدليل السادس: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٥). وجه الاستدلال: طلاق المخطئ طلاق بلا نية، فلا يقع فلا قول إلا بنية (٦). الرد: الهازل يقع طلاقه ولا نية له.

стр. 770

الجواب: الهازل نوى اللفظ بخلاف المخطئ. الدليل السابع: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (١). وجه الاستدلال: قال كلمة لو قالها معتقدًا لها لكفر لكنَّه عذر لأنَّ لسانه زل بها من غير قصد فكذلك من زل لسانه بالطلاق. الدليل الثامن: عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول «لَا طَلَاقَ، وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (٢). وجه الاستدلال: الإغلاق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره والطلاق إنمَّا يكون عن وطر فيكون عن قصد من المطلق وتصور لما يقصده والمخطئ ليس كذلك (٣). الدليل التاسع: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ اَللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي اَلْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٤). وجه الاستدلال: المخطئ موضوع عنه فلا يقع طلاقه (٥). الرد من وجهين: الأول: الحديث ضعيف. الثاني: على فرض ثبوته فتأوله بعضهم بأنَّه خاص بالإكراه على الشرك وخصه بعضهم بإسقاط الإثم (٦).

стр. 771

الجواب: صححه بعض أهل العلم وتخصيصه بالشرك أو بإسقاط الإثم يحتاج إلى دليل فالحديث عام. الدليل العاشر: عن عمر ﵁ أَنَّه رُفِع إِلَيْهِ رجل قَالَتْ لَهُ امْرَأَته: شَبِّهني فَقَالَ: كَأَنَّك ظَبْيَة كَأَنَّك حمامة فَقَالَت: لَا أرْضى حَتَّى تَقول: خَلِيّة طَالِق فَقَالَ ذَلِك فَقَالَ عمر ﵁: «خُذ بِيَدِهَا فَهِيَ امْرَأَتك» (١). (٢). وجه الاستدلال: حكم أمير المؤمنين عمر ﵁ بعدم وقوع طلاق من تلفظ بالطلاق ولم يقصد لفظه (٣). الرد: الأثر ضعيف. الجواب: حسن لغيره والله اعلم. الدليل الحادي عشر: المكره لا يقع طلاقه ومن زل لسانه أولى بعدم وقوع الطلاق

стр. 772

فالمكره قصد اللفظ ومن زل لسانه لم يقصد اللفظ. الرد: هذه من مسائل الخلاف. الجواب: الراجح الذي عليه الجمهور أنَّ طلاق المكره لا يقع وتقدم (١). الدليل الثاني عشر: المغلوب على عقله لا يقع طلاقه فكذلك المخطئ فكلاهما تكلم بالطلاق من غير إرادة لفظه. الرد: المجنون غير مكلف بخلاف المخطئ. الجواب: كلاهما دل الدليل الخاص على أنَّ قوله لغو. الدليل الثالث عشر: لو جرى على لسانه الكفر خطأ لا يكفر فكذلك من جرى الطلاق على لسانه خطأً لا يقع (٢). الدليل الرابع عشر: لأنَّه أعلم بما أراد، ولا يمكن الاطلاع على ذلك إلا من جهته وهو مؤتمن على ذلك كعبادته فيقبل قوله في الفتوى (٣). الدليل الخامس عشر: قول اَلنَّبِيِّ ﷺ : «اَلْبَيِّنَةُ عَلَى اَلْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٤). وجه الاستدلال: في الفتوى يصدق الشخص أما في القضاء فلا بد من بينة (٥) فإن وجدت بينة بعدم إرادة لفظ الطلاق قبل قوله وإلا وقع الطلاق. الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ من ادعى الخطأ في الطلاق لا يقع طلاقه في الفتوى فالمفتي يجيبه على ما يسمع منه ويقع في القضاء فلا تقبل دعواه إذا خالفت الظاهر إلا إن ثبت الخطأ بالبينة أو القرينة فيحكم بصدقه ولا يقع طلاقه والله أعلم. * * *

стр. 773

الفصل الخامس طلاق الهازل * الحكم الوضعي لطلاق الهازل * الحكم التكليفي لطلاق الهازل • تمهيد • تعريف الهَزْل: لغة: الهزل أن لا يراد باللفظ معناه، لا الحقيقي ولا المجازي،. وهو نقيض الجد وهو مصدر هَزَلَ يَهْزِلُ هَزْلًا (١) والهازل من لا يريد باللفظ معناه الحقيقي ولا المجازي. شرعًا: هو الذي يتلفظ بالطلاق يقصد لفظه ولا يريد ترتب الأثر عليه فلا يريد أن تطلق زوجته فهو يريد من الطلاق لفظه لا حكمه ومن أراد لفظه وحكمه فهو الجاد ومن لم يرد لفظه ولا حكمه فهو المخطئ كمن سبقه لسانه (٢). ومن أسباب طلاق الهازل: المزاح (٣)، والاستهزاء (٤)، والدلال (٥)، وإرادة تخويفها (٦)،

стр. 774

وتحزينها (١). • الحكم الوضعي لطلاق الهازل لأهل العلم في طلاق الهازل قولان قول بعدم وقوعه وقول بوقوعه. • القول الأول: لا يقع طلاق الهازل: قال به ابن حزم (٢)، وهو قول للمالكية (٣)،

стр. 775

والحنابلة (١)، ونسبه الماوردي لداود (٢). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]. وجه الاستدلال: الطلاق لا يكون إلا عن عزم فلا يقع طلاق الهازل (٣). الرد من وجهين: الأول: الآية واردة في المولي فتتربص المرأة أربعة أشهر وبعد مضي المدة إما أن يطلق وإما أن يفئ ولا يقع الطلاق بمضي المدة وتقدمت المسألة (٤). الثاني: الهازل عازم على اللفظ وكونه لا يريد ترتب أثره فهذا ليس له. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٥). وجه الاستدلال: الهازل إذا تلفظ بالطلاق ليس ناويًا له فلا يقع طلاقه (٦). الرد من وجوه: الأول: تلفظ بالطلاق وهو ناوٍ للفظه فيقع. الثاني: الهازل مختار للفظ الطلاق غير مريد لحكمه، وذلك ليس إليه، فإنَّما للمكلف الأسباب، وأمَّا ترتب مسبباتها وأحكامها، فهو إلى الشارع فإذا طلق الهازل رتب الشارع على ذلك وقوع الطلاق وإن كان يعتقد أنَّه لا يقع فهذا اعتقاد خاطئ لا يغير الحكم (٧).
следующие страницы →