← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30001

شروط الطلاق - الزومان

أحمد الزومان

Полный текст (812 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الجواب: صححه بعض أهل العلم وتخصيصه بالشرك أو بإسقاط الإثم يحتاج إلى دليل فالحديث عام. الدليل العاشر: عن عمر ﵁ أَنَّه رُفِع إِلَيْهِ رجل قَالَتْ لَهُ امْرَأَته: شَبِّهني فَقَالَ: كَأَنَّك ظَبْيَة كَأَنَّك حمامة فَقَالَت: لَا أرْضى حَتَّى تَقول: خَلِيّة طَالِق فَقَالَ ذَلِك فَقَالَ عمر ﵁: «خُذ بِيَدِهَا فَهِيَ امْرَأَتك» (١). (٢). وجه الاستدلال: حكم أمير المؤمنين عمر ﵁ بعدم وقوع طلاق من تلفظ بالطلاق ولم يقصد لفظه (٣). الرد: الأثر ضعيف. الجواب: حسن لغيره والله اعلم. الدليل الحادي عشر: المكره لا يقع طلاقه ومن زل لسانه أولى بعدم وقوع الطلاق

стр. 772

فالمكره قصد اللفظ ومن زل لسانه لم يقصد اللفظ. الرد: هذه من مسائل الخلاف. الجواب: الراجح الذي عليه الجمهور أنَّ طلاق المكره لا يقع وتقدم (١). الدليل الثاني عشر: المغلوب على عقله لا يقع طلاقه فكذلك المخطئ فكلاهما تكلم بالطلاق من غير إرادة لفظه. الرد: المجنون غير مكلف بخلاف المخطئ. الجواب: كلاهما دل الدليل الخاص على أنَّ قوله لغو. الدليل الثالث عشر: لو جرى على لسانه الكفر خطأ لا يكفر فكذلك من جرى الطلاق على لسانه خطأً لا يقع (٢). الدليل الرابع عشر: لأنَّه أعلم بما أراد، ولا يمكن الاطلاع على ذلك إلا من جهته وهو مؤتمن على ذلك كعبادته فيقبل قوله في الفتوى (٣). الدليل الخامس عشر: قول اَلنَّبِيِّ ﷺ : «اَلْبَيِّنَةُ عَلَى اَلْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٤). وجه الاستدلال: في الفتوى يصدق الشخص أما في القضاء فلا بد من بينة (٥) فإن وجدت بينة بعدم إرادة لفظ الطلاق قبل قوله وإلا وقع الطلاق. الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ من ادعى الخطأ في الطلاق لا يقع طلاقه في الفتوى فالمفتي يجيبه على ما يسمع منه ويقع في القضاء فلا تقبل دعواه إذا خالفت الظاهر إلا إن ثبت الخطأ بالبينة أو القرينة فيحكم بصدقه ولا يقع طلاقه والله أعلم. * * *

стр. 773

الفصل الخامس طلاق الهازل * الحكم الوضعي لطلاق الهازل * الحكم التكليفي لطلاق الهازل • تمهيد • تعريف الهَزْل: لغة: الهزل أن لا يراد باللفظ معناه، لا الحقيقي ولا المجازي،. وهو نقيض الجد وهو مصدر هَزَلَ يَهْزِلُ هَزْلًا (١) والهازل من لا يريد باللفظ معناه الحقيقي ولا المجازي. شرعًا: هو الذي يتلفظ بالطلاق يقصد لفظه ولا يريد ترتب الأثر عليه فلا يريد أن تطلق زوجته فهو يريد من الطلاق لفظه لا حكمه ومن أراد لفظه وحكمه فهو الجاد ومن لم يرد لفظه ولا حكمه فهو المخطئ كمن سبقه لسانه (٢). ومن أسباب طلاق الهازل: المزاح (٣)، والاستهزاء (٤)، والدلال (٥)، وإرادة تخويفها (٦)،

стр. 774

وتحزينها (١). • الحكم الوضعي لطلاق الهازل لأهل العلم في طلاق الهازل قولان قول بعدم وقوعه وقول بوقوعه. • القول الأول: لا يقع طلاق الهازل: قال به ابن حزم (٢)، وهو قول للمالكية (٣)،

стр. 775

والحنابلة (١)، ونسبه الماوردي لداود (٢). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]. وجه الاستدلال: الطلاق لا يكون إلا عن عزم فلا يقع طلاق الهازل (٣). الرد من وجهين: الأول: الآية واردة في المولي فتتربص المرأة أربعة أشهر وبعد مضي المدة إما أن يطلق وإما أن يفئ ولا يقع الطلاق بمضي المدة وتقدمت المسألة (٤). الثاني: الهازل عازم على اللفظ وكونه لا يريد ترتب أثره فهذا ليس له. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٥). وجه الاستدلال: الهازل إذا تلفظ بالطلاق ليس ناويًا له فلا يقع طلاقه (٦). الرد من وجوه: الأول: تلفظ بالطلاق وهو ناوٍ للفظه فيقع. الثاني: الهازل مختار للفظ الطلاق غير مريد لحكمه، وذلك ليس إليه، فإنَّما للمكلف الأسباب، وأمَّا ترتب مسبباتها وأحكامها، فهو إلى الشارع فإذا طلق الهازل رتب الشارع على ذلك وقوع الطلاق وإن كان يعتقد أنَّه لا يقع فهذا اعتقاد خاطئ لا يغير الحكم (٧).

стр. 776

الثالث: الحديث عام وحديث ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ … » خاص فيقدم عليه (١). الدليل الثالث: قال ابن عباس ﵄ «الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» (٢). وجه الاستدلال: الوطر الغرض المقصود فلا يقع الطلاق إلا مع القصد والهازل لا وطر له فلا يقع طلاقه. الرد: الحديث ذكره البخاري معلقًا. الجواب: ذكره جازمًا به وهذا يدل على صحته عنده. الدليل الرابع: الهازل لم يرد وقوع الطلاق إنَّما أراد اللفظ. الرد: دل الدليل على أن من تكلم بالطلاق مختارًا يقع طلاقه ولو لم ينو الفرقة. الدليل الخامس: القياس على المكره والنائم والمجنون (٣). الرد: قياس مع الفارق فالهازل تكلم به مختارًا قاصدًا بخلافهم. • القول الثاني: يقع طلاق الهازل: قال به عمر، وابن مسعود، وروي عن علي، وأبي الدرداء ﵃، وقال به سعيد بن المسيب (٤)، وعَبِيدة السلماني (٥)، والضحاك بن مزاحم (٦)، وهو مذهب الأحناف (٧)،

стр. 777

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٦)، وينقل بعض أهل العلم الإجماع على وقوع طلاق الهازل. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]. وجه الاستدلال من وجهين: الأول: في مرسل الحسن البصري وأثر عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وحديث ابن عباس ﵃ أنَّ نزول هذه الآية في طلاق الهازل وأنَّ النبي ﷺ حكم بوقوع طلاقه (٧). الرد: الوارد في سبب النزول ضعيف. الجواب: مرسل الحسن إسناده حسن ويأتي الكلام عليها. الثاني: لو أطلق للناس لتعطلت الأحكام ولم يؤمن مطلق أن يقول كنت هازلًا فيكون في ذلك إبطال حكم الله تعالى وذلك غير جائز (٨). الرد: المسلم مؤتمن في ما بينه وبين ربه في عباداته وأقواله ما لم يرفع للقضاء. الجواب: لا يقبل منه أنَّ المدعى خلافه تأكيدًا لأمر الفروج واحتياطًا لها (٩). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ

стр. 778

وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء لا أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ ونزل القرآن قال عبد الله ﵁: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله: إنَّما كنا نخوض ونلعب وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ» (١). وجه الاستدلال: في الآية والحديث استهزأ المنافقون وادعوا أنَّهم لا يعتقدون ذلك وإنَّما كانوا يمزحون ليقطعوا عناء الطريق ولم يعذرهم الله وحكم بكفرهم بسبب

стр. 779

مقولتهم فكذلك من تكلم بالطلاق مازحًا لا يعذر ويقع طلاقه (١). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ، النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» (٢).

стр. 780

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 782

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 786

الاستدلال من وجهين: الأول: من تكلم بلفظ الطلاق مختارًا وقع الطلاق حتى لو تلفظ به وهو هازل فمن تكلم بالثلاث المذكورة لزمه حكمها (١). الرد: نص أهل العلم منهم ابن العربي وابن حزم أنَّ الوارد في ذلك لا يصح (٢). الجواب: حديث أبي هريرة ﵁ حسن ومرسل الحسن إسناده حسن ويشهد له أثر عمر وأثر ابن مسعود ﵄. الثاني: الحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٣). الرد: الحديث ضعيف. الجواب: تقدم. الدليل الخامس: عن محمود بن لبيد قال: «أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَانًا ثُمَّ قَالَ أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» (٤). وجه الاستدلال: طلاق الثلاث مجموعة لعب بالطلاق وتقع وكذلك الهازل يلعب بالطلاق ويقع. الدليل السادس: لا يعلم خلاف بين الصحابة ﵃ في وقوع طلاق الهازل فقد جاء عن:

стр. 787

١: زيد بن وهب، أنَّ رجلًا بطالًا كان بالمدينة، طلق امرأته ألفًا، فرجع إلى عمر ﵁ فقال: إنَّما كنت ألعب، «فَعَلَا عُمَرُ ﵁ رَأْسَهُ بِالدِّرَّةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا» (١). ٢: ابن مسعود قال: «مَنْ طَلَّقَ لَاعِبًا، أَوْ نَكَحَ لَاعِبًا فَقَدْ جَازَ» - تقدم قريبًا-. الرد: إسناده ضعيف. الجواب: حسن لشواهده. ٣: أبي الدرداء ﵁ قال: «ثَلَاثٌ اللَّاعِبُ فِيهِنَّ كَالْجَادِّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقَةُ» - تقدم قريبًا-. الرد: مرسل. الجواب: جاء من أكثر من طريق وله شواهد. ٤: تقدم قريبًا عن علي ﵁ قال: «ثَلَاثٌ لَا لَعِبَ فِيهِنَّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقَةُ، وَالصَّدَقَةُ» - تقدم قريبًا- قال: «وليس في الحديث إحدى الخصال الثلاث: النكاح، أو الطلاق، أو العتاقة لا أدري أيتهن هي». الرد: ضعفه شديد. ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ في ما أعلم القول بعدم وقوع طلاق الهازل والله أعلم. الدليل السابع: الإجماع: ينقل بعض أهل العلم إجماع أهل العلم على وقوع طلاق الهازل (٢). الرد: الصحيح أنَّه لا إجماع. الجواب: الخلاف متأخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: طلاق الهازل فيقع عند العامة، وكذلك نكاحه صحيح كما هو في متن الحديث المرفوع وهذا هو المحفوظ

стр. 788

عن الصحابة ﵃ والتابعين وهو قول الجمهور (١). الدليل الثامن: في وقوع طلاق الهازل مصلحة شرعية ليرعوي البعض عن اللعب بالطلاق (٢). الرد: لم يرد التعزير بالطلاق ولو عزر بالطلاق لتضرر مع الزوج غيره والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. الدليل التاسع: القياس على المكره فكلاهما غير مريد وقوع الطلاق. الرد: الهازل راضٍ بإيقاع لفظ الطلاق بخلاف المكره تكلم به من غير رضا (٣). الترجيح: الذي يترجح لي وقوع طلاق الهازل لصحة أدلة وقوع طلاقه المرفوعة والموقوفة ولم ينقل خلاف عن الصحابة ﵁ في عدم وقوعه والله أعلم. * فائدة: قال شيخنا الشيخ محمد العثيمين: لو قال الرجل لزوجته: أنت طالق يمزح عليها فإنَّها تطلق؛ فهل تقولون: إذا قام الممثل بدور رجل طلق امرأته فإنَّها تطلق امرأته؟ … لا والفرق ظاهر؛ لأنَّ المازح يضيف الفعل إلى نفسه، والممثل يضيفه إلى غيره (٤). قال أبو عبد الرحمن: والممثل يوقع الطلاق على أجنبية لا على زوجة ولا يقع الطلاق على الأجنبية. • الحكم التكليفي لطلاق الهازل طلاق الهازل محرم، وهو مذهب الأحناف (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)،

стр. 789

والحنابلة (١)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]. وجه الاستدلال: ذكر الله الطلاق المشروع وما عداه ومنه طلاق الهازل من اتخاذ آيات الله هزوًا (٤). الدليل الثاني: عن محمود بن لبيد ﵁ قال أُخبِر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان ثم قال «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» حتى قام رجل وقال يا رسول الله ألا أقتله (٥). وجه الاستدلال: غضب النبي ﷺ لطلاق الثلاث لمخالفته الطلاق المشروع فكذلك طلاق الهازل. الدليل الثالث: حديث: «ثَلَاثٌ لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ فِيهِنَّ، الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعِتْقُ». وجه الاستدلال: يحرم طلاق الهازل لأنَّه من اللعب بالطلاق. الرد: الحديث ضعيف. الجواب: جاء عن جمع من الصحابة ﵃ موصولًا وموقوفًا ومن مرسل الحسن البصري فيقوي بعضها بعضًا. الدليل الرابع: عن سعيد بن جبير قال: جاء ابنَ عباس ﵄ رجلٌ فقال: طلقت امرأتي ألفًا، فقال ابن عباس ﵄: «ثَلَاثٌ تُحَرِّمُهَا عَلَيْكَ، وَبَقِيَّتُهَا عَلَيْكَ وِزْرًا. اتَّخَذْتَ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا» (٦). وجه الاستدلال: من طلق طلاقًا غير مشروع فقد اتخذ آيات الله هزوًا. * * *

стр. 790

الفصل السادس طلاق الناسي والجاهل * طلاق الناسي والجاهل * الحنث في يمين الطلاق ناسيًا أو جاهلاً • الحكم الوضعي لطلاق الناسي والجاهل: إذا طلق الرجل زوجته يظنها أجنبية كأن تكون في ظلمة أو عقد له وكيله ولم يعلم أو نسي أنَّ له زوجة فلأهل العلم في هذه المسألة قولان قول بوقوع الطلاق وقول بعدم وقوعه: • القول الأول: يقع طلاق الناسي والجاهل: قال به الزهري، وقتادة، والحسن البصري يأتي، وهو مذهب الأحناف (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: اَلنِّكَاحُ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ» (٥). وجه الاستدلال: إذا طلق زوجته وقع الطلاق في محله وظنه أنَّه غير واقع لا يمنع

стр. 791

وقوعه (١). الرد: الناسي والمخطئ غير جادين ولا هازلين. الدليل الثاني: الإجماع قال الطحاوي: الرجل إذا نسي أن تكون هذه المرأة له زوجة، فقصد إليها، فطلقها، فكل قد أجمع أنَّ طلاقه عامل ولم يبطلوا ذلك لسهوه، ولم يدخل ذلك السهو في السهو المعفو عنه (٢). وقال ابن رجب: حكى إبراهيم الحربي إجماع التابعين على وقوع الطلاق على الناسي (٣). الرد: لا إجماع والخلاف مشهور. الدليل الثالث: خاطب من هي أهل للطلاق فيقع طلاقه (٤). الرد: ليس كل من خاطب من هي أهل للطلاق وقع طلاقه فمثلًا لا يقع طلاق الموسوس والمدهوش. الدليل الرابع: أتى بلفظ الطلاق مختارًا (٥). الرد: إن أريد بالاختيار رضاه به وإيثاره له فليس بمختار وإن أريد أنَّ اللفظ خرج منه بإرادته فهذا بمجرده لا يوجب ترتب الأثر فالمعتوه والصبي يخرج لفظ الطلاق بإرادتهم ولا يقع طلاقهم (٦). الدليل الخامس: العبرة في العقود ونحوها بما في نفس الأمر (٧). الرد: هذا الضابط محل خلاف (٨). الدليل السادس: من أفسد أموال الناس ناسيًا يضمن ولا يعذر بنسيانه فكذلك من

стр. 792

طلق ناسيًا (١). الرد: ما فيه إتلاف مضمون حتى على غير المكلف بخلاف الطلاق فلا يقع طلاق غير المكلف. الدليل السابع: لفظ الطلاق الصريح لا يحتاج إلى نية فيقع الطلاق ولو كان يجهل أنَّها زوجته (٢). الرد: إذا خاطب زوجته بصريح الطلاق لا يحتاج إلى نية لكن لو خاطبها مكرهًا لم يقع طلاقه على الصحيح فكذلك من جهل أنَّها زوجته أو ناسيًا أنَّ له زوجة. الدليل الثامن: إذا واجهها بصريح الطلاق يقع، كما لو علم أنَّها زوجته (٣). الرد: فرق الشرع بين العالم وبين الناسي والجاهل. الدليل التاسع: لا أثر لظنه إياها أجنبية لأنَّه لا يزيد على عدم إرادة الطلاق (٤). الرد: فرق بين من طلق يعلم أنَّها زوجته ولا يريد ترتب الحكم على طلاقه وبين طلاق الناسي والجاهل. • القول الثاني: لا يقع الطلاق: قال به بعض الشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، وابن القيم (٨)، والشوكاني (٩)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (١٠).

стр. 793

الدليل الأول: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١). وجه الاستدلال: لا طلاق إلا بنية فالناسي والجاهل لا يقع طلاقهما. الرد: إذا تلفظ بالطلاق وقع ولو لم يرد وقوعه فيقع طلاق الهازل وهو لم يرد فراق زوجته. الجواب: الهازل خاطب زوجته وهو يعلم أنَّها زوجته بخلاف الناسي ومن ظنها أجنبية. الدليل الثاني: قال ابن عباس ﵄ «الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» (٢). وجه الاستدلال: الوطر الغرض المقصود فلا يقع الطلاق إلا مع القصد وهما لم يقصدا فراق الزوجة. الرد من وجوه: الأول: الحديث ذكره البخاري معلقًا من غير إسناد لينظر هل هو صحيح أم لا؟ الجواب: ذكره جازمًا به وهذا يدل على صحته عنده قال الحافظ ابن حجر: الموقوفات فإنَّه يجزم بما صح منها عنده ولو لم يبلغ شرطه ويمرض ما كان فيه ضعف وانقطاع (٣). الثاني: الهازل لم يقصد الفراق ويقع طلاقه. الجواب: تقدم. الثالث: معناه الطلاق لا ينبغي وقوعه إلا عند الحاجة كالنشوز وتنافر الطباع (٤). الرد: ظاهره عام. الدليل الثالث: القياس على الأعجمي لو تلفظ بالطلاق بالعربية وهو لا يعرف

стр. 794

معناه (١). الرد: هذه من مسائل الخلاف (٢). الجواب: الصحيح عدم وقوعه. الدليل الرابع: القياس على سبق اللسان (٣). الرد: من سبق لسانه لم يقصد اللفظ بخلاف الناسي والجاهل. الجواب: الناسي والجاهل ومن سبق لسانه كلهم معذورون. الدليل الخامس: القياس على الناسي في اليمين فلو فعل ما حلف عليه ناسيًا لم يحنث لعدم قصده مخالفة ما عقد يمينه عليه. الرد من وجوه: الأول: لو فعل المحلوف عليه ناسيًا يحنث عند بعض أهل العلم (٤) ويأتي الكلام على الحنث في الطلاق (٥). الثاني: الناسي لا يعتقد ترتب أي أثر على كلامه حينما تكلم بخلاف من ظن زوجته أجنبية. الجواب: وكذلك من طلق من يظنها أجنبية يعتقد عدم ترتب الأثر على طلاقه. الدليل السادس: لو علم أنَّها امرأته لم يطلق (٦). الرد: الهازل لو علم وقوع الطلاق لم يطلق ولم يمنع ذلك من وقوع طلاقه. الجواب: تقدم الفرق بين الهازل وبين الناسي والجاهل. الدليل السابع: لفظ الطلاق الصريح يحتاج إلى نية فلا يقع الطلاق (٧).

стр. 795

الرد: تشترط نية اللفظ أما نية وقوع الطلاق فلا تشترط وهذا نوى لفظ الطلاق فيقع طلاقه. وانظر بقية الأدلة وفي المسألة التالية في طلاق من حنث بالطلاق ناسيًا أو جاهلًا وفي طلاق المخطئ (١). الترجيح: التلفظ بالطلاق جزء سبب والحكم لا يتم إلا بعد وجود سببه وانتفاء مانعه وليس مجرد التلفظ سببًا تامًا باتفاق الأئمة فالقصد والعلم والتكليف إمَّا أن تكون بقية أجزاء السبب أو تكون شروطًا في اقتضائه أو يكون عدمها مانعًا من تأثيره وعلى التقادير الثلاثة فلا يؤثر التكلم بالطلاق بدونها فالتلفظ بالطلاق غير كافٍ في ثبوت الحكم (٢) فالذي يترجح لي عدم وقوع طلاق من طلق زوجته جاهلًا أنَّها زوجته أو ناسيًا والله أعلم. * تنبيهات: الأول: مخاطبة الأجنبية بالطلاق أقل أحواله الكراهة لكن لا يعاقب الزوج على خطئه بالطلاق فيتضرر بالطلاق غيره والأصل أنَّ العقوبة على المخطئ كما قال ربنا : ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. الثاني: تقدم الكلام على تعليق الطلاق بالنكاح (٣). الثالث: تقدم طلاق المكره (٤). • الحكم الوضعي للحنث في يمين الطلاق ناسيًا أو جاهلًا من حلف بالطلاق أو علَّقه على أمر فله ثلاث أحوال: الأولى: أن يحلف بالطلاق على أمر يظن صدق نفسه ثم تبين خلافه كمن حلف بالطلاق أنَّه لم ير زيدًا ناسيًا أنَّه رآه. الثانية: أن يحلف بالطلاق أو يعلقه على أمر فيفعله ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا كمن قال إن كلمتُ فلانًا فزوجتي طالق فكلمه ناسيًا يمينه أو جاهلًا أنَّه فلان أو أُكرِه

стр. 796

على كلامه. الثالثة: أن يحلف بالطلاق على غيره أو يعلقه على أمر كمن قال لزوجته إن كلمتِ فلانًا فأنت طالق فكلمته ناسية أو جاهلة أو مكرهة. فهل يقع الطلاق في هذه الأحوال؟ لأهل العلم في هذه المسألة قولان: قول بوقوع الطلاق وقول بعدم وقوعه. • القول الأول: يقع الطلاق: قال به الحسن البصري (١)، والزهري، وقتادة (٢)، وعمر بن عبد العزيز (٣)، وروي عن أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ (٤)،

стр. 797

وهو مذهب الأحناف (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤). الدليل الأول: عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أنَّي خرجت أنا وأبي حُسَيْل، قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدًا فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر، فقال: «انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ» (٥). وجه الاستدلال: الطواعية والإكراه على اليمين سواء وكذلك النسيان فيقع طلاق من حنث في يمينه ناسيًا أو جاهلًا (٦).

стр. 798

الرد من وجوه: الأول: ليس في الحديث أنَّ المشركين أكرهوهما على اليمين والعهد. الثاني: هذه القصة في ابتداء الإسلام قبل ثبوت الأحكام، أما بعد ذلك فلو حلف على ترك قتال المشركين، فإنَّه يحنث في يمينه، ويقاتل المشركين (١) لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة ﵁: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (٢). الثالث: قياس مع الفارق فاليمين يتحلل منها بالكفارة بخلاف الطلاق فتطلق المرأة. الدليل الثاني: طلاق معلق بشرط، فيقع بوجود شرطه من غير قصد كما لو قال: أنت طالق، إن طلعت الشمس، أو قدم الحاج (٣). الرد: فرق بين حصول الشيء المعلق وبين الخطأ أو الجهل في فعله فلو أخطأ في المعلق فقال إذا قدم زيد وهو يريد عمرًا تعلق الحكم بعمرٍ لا بزيد. الدليل الثالث: ليس الطلاق يمينًا إنَّما هو التزام فإذا حصل ما التزم به وقع الطلاق (٤). الرد: كالذي قبله. الدليل الرابع: تعليق الطلاق حق آدمي، فتعلق الحكم به مع النسيان كالإتلاف (٥). الرد: في الاتلاف الضمان والضمان يلزم حتى غير المكلف بخلاف الطلاق. الدليل الخامس: الطلاق من خطاب الوضع لأنَّه نصب سببًا للتحريم، وخطاب الوضع لا يشترط فيه علم المكلف (٦).

стр. 799

الرد: خطاب الوضع يستوي فيه المكلف وغير المكلف وطلاق المجنون لا يقع لعدم التكليف. الدليل السادس: طلاق من مكلف صادف زوجية فوجب نفوذه (١). الرد: ما يصدر من الناسي والمخطئ بمنزلة ما يصدر من النائم في عدم التكليف به فهو عفو لا يكون به مطيعًا ولا عاصيًا (٢). الدليل السابع: القياس على العمد (٣). الرد: النصوص الشرعية تفرق بين العمد وبين النسيان والخطأ. • القول الثاني: لا يقع الطلاق: قال به عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار (٤)، وعبد الله بن أبي نجيح (٥)، وروي عن الشعبي (٦)،

стр. 800

وقال به إسحاق بن راهويه (١)، وأبو عبيد القاسم ببن سَّلَّام (٢)، والبخاري (٣)، وابن حزم (٤)، وهو قول للشافعية (٥)، ولبعض المالكية (٦)، ورواية في مذهب الحنابلة (٧)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٨)، وابن القيم (٩)، والشيخ محمد بن إبراهيم (١٠)،

стр. 801

والشيخ عبد العزيز بن باز (١)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٢). الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا قَالَ فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ قَدْ فَعَلْتُ» (٣) وجه الاستدلال: رفع الله المؤاخذة عن المخطئ والناسي فتحنيثه في الخطأ والنسيان وتطليق زوجته مؤاخذة له بما تجاوز الله عنه (٤). الرد: التحنيث من خطاب الوضع. الجواب: على هذا لو علقه بغير الطلاق لأوجبنا عليه الكفارة والكفار لرفع الإثم وهو غير آثم. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وجه الاستدلال: الخطأ معفو عنه فلا يقع طلاق من أخطأ (٥). الرد: الآية واردة في الإثم وليس في عدم الوقوع. الجواب: دلت النصوص على عدم وقوع الطلاق في الخطأ والنسيان. الدليل الثالث: قول النبي ﷺ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٦).

стр. 802

وجه الاستدلال: طلاق الناسي طلاق بلا نية، فلا يقع (١). الرد من وجهين: الأول: المراد بالحديث الثواب (٢). الجواب: الحديث عام في الثواب وفي الصحة. الثاني: دل حديث «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: اَلنِّكَاحُ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ» وقوع الطلاق بمجرد التلفظ به. الجواب: من حنث ناسيًا أو مخطئًا ليس جادًا ولا هازلًا. الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٣). وجه الاستدلال: لا بد من قول أو عمل مع اعتقاد القلب والناسي والمخطئ حين الفعل لم يكن يعتقد أنَّه المعلق به فلا تطلق زوجته (٤). الرد: يقع الطلاق ولو لم ينوه كطلاق الهازل. الجواب: تقدم. الدليل الخامس: قول النبي ﷺ : «إِنَّ اَللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي اَلْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٥) وجه الاستدلال: الحديث عام فمن حنث ناسيًا أو مخطئًا لم يقع طلاقه (٦). الرد: الحديث وارد في الشرك خاصة، لأنَّ القوم كانوا حديثي عهد بكفر، في دار كفر، فكان المشركون إذا قدروا عليهم، استكرهوهم على الإقرار بالكفر، فيقرون بذلك بألسنتهم وربما سهوا، فتكلموا بما جرت عليه عادتهم قبل الإسلام، وربما

стр. 803

أخطئوا فتكلموا بذلك أيضًا، فتجاوز الله لهم عن ذلك، لأنَّهم غير مختارين لذلك، ولا قاصدين إليه (١). الجواب من وجهين: الأول: الحديث عام وتخصيصه بالشرك يحتاج إلى دليل. الثاني: إذا كان من نطق بالكفر غير مختار ولا قاصدًا يعذر فكذلك من فعل المحلوف عليه فلا يقع طلاقه. الرد: يقع طلاق الهازل ولو لم يقصد الطلاق. الجواب: تقدم. الدليل السادس: كيف يحنث من لم يتعمد الحنث؟ وهل هذا إلا بمنزلة تأثيم من لم يتعمد الإثم وتكفير من لم يتعمد الكفر؟ وكيف يطلق أو يعتق على من لم يتعمد الطلاق والعتاق، ولم يطلق على الهازل إلا لتعمده فتعمد الهزل، ولم يرد حكمه، وذلك ليس إليه بل إلى الشارع، فليس الهازل معذورًا، بخلاف الجاهل والمخطئ والناسي (٢). الرد: التفريق بين حقوق الخالق وحقوق المخلوق فالطلاق حق للمخلوق. الجواب: ما فيه ضمان لا يفرق فيه بين الناسي والمخطئ أما ما لا ضمان فيه فلا فرق فلا يقع طلاق المخطئ على الصحيح. الدليل السابع: الناسي غير هاتك لحرمة اليمين، وليس مريدًا للمخالفة (٣). الرد: ليس الطلاق يمينًا إنَّما هو تعليق فيقع بحصوله (٤). الجواب: يعذر في الخطأ والنسيان لما تقدم. الدليل الثامن: عقد يمينه على فعل ما يملكه والنسيان والجهل والخطأ غير داخل تحت قدرته فما فعله في تلك الأحوال لم يتناوله يمينه ولم يقصد منع نفسه منه (٥).

стр. 804

الرد: التفريق بين حق الخالق وحق المخلوق. الجواب: تقدم. الدليل التاسع: القياس على النائم ففعل الناسي والمخطئ بمنزلة فعل النائم في عدم التكليف به ولهذا هو عفو لا يكون به مطيعًا ولا عاصيًا (١). الرد: كالذي قبله. الجواب: كالذي قبله. الدليل العاشر: النسيان والخطأ يصيران الموجود كالمعدوم (٢) لقول النبي ﷺ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (٣) فمن كان ناسيًا أو جاهلًا فكأنَّه لم يفعله فلا يقع الطلاق. الرد: كالذي قبله. الجواب: كالذي قبله. الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ النسيان والخطأ والجهل لا يترتب عليهما طلاق في الأيمان والتعليق سواء صدر الأمر منه أو ممن علق به الطلاق كالزوجة والولد أو كان يعتقد صدق نفسه ثم تبين خلافه لعموم نصوص العفو والله أعلم. * تنبيه: يأتي الكلام إن شاء الله الخلاف في الحنث في يمين الطلاق وهل يقع فيها طلاق أم لا. • الحكم الوضعي للحنث في يمين الطلاق معتقدًا أنَّها انحلت لو حلف بالطلاق على شيء كعدم دخول الدار ثم دخلها ناسيًا فاعتقد وقوع الطلاق فدخلها عامدًا أو أفتاه مفتٍ بوقوع الطلاق أو بعدمه ثم فعل المحلوف عليه ثم تبين خطأ المفتي ونحو ذلك من الأيمان عليه أو على زوجته فهل يقع طلاقه ويحنث في يمينه أم لا؟. لأهل العلم في هذه المسألة قولان؛ قول بوقوع الطلاق وقول بعدم وقوعه:

стр. 805

• القول الأول: يقع الطلاق: وهو مذهب الأحناف (١)، ورواية عند الحنابلة (٢)، والذي يظهر لي أنَّه مذهب المالكية (٣). الأدلة: تقدمت في عدم طلاق من حنث في يمينه ناسيًا أو جاهلًا (٤). • القول الثاني: لا يقع الطلاق ديانة ويقع في القضاء: نص عليه بعض الشافعية (٥)، وهو رواية عند الحنابلة (٦)، واختاره ابن حزم (٧)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٨)، وابن القيم (٩). الدليل الأول: إذا قلد من أفتاه بعدم الحنث فلا يحل أن تُطلق امرأته فقد فعل ما

стр. 806

أمره الله به (١). الدليل الثاني: القياس على لو فعل المحلوف عليه جاهلًا أنَّه المعلق عليه الطلاق لم يقع الطلاق مع علمه ببقاء اليمين فإذا كان يظن انحلال اليمين أولى بعدم وقوع الطلاق (٢). الرد: هذه من مسائل الخلاف. الدليل الثالث: استند ظنُّه إلى أمر يعذر به فالمدار على غلبة الظنِّ (٣). الرد: كالذي قبله. الدليل الرابع: حين الفعل لا يعتقد ترتب أثر على فعله فلا يقع طلاقه. الرد: المخالف يرى وقوع الطلاق. وتقدمت بقية الأدلة في عدم طلاق من حنث في يمينه ناسيًا أو جاهلًا. الترجيح: النسيان والخطأ والجهل على الراجح لا يترتب عليهما طلاق في الأيمان والتعليق فكذلك إذا اعتقد وقوع الطلاق ثم حنث فلا يقع طلاقه والله أعلم. * * *

стр. 807

الفصل السابع الحكم الوضعي إذا طلق لسبب ثم تبين له خلافه إذا طلق الرجل زوجته لسبب ثم تبين له خلافه كمن قيل له كذبًا إنَّ زوجتك خاصمت أمك فقال هي طالق أو قيل له ذهبت زوجتك لفلانة التي أشيع عنها كذبًا أنَّها فاجرة فقال هي طالق فهل تطلق الزوجة بالنظر إلى اللفظ فقط أو لا تطلق نظرًا للسبب الذي هيجه على الطلاق؟ لأهل العلم في المسألة قولان: قول بوقوع الطلاق وقول بعدم وقوعه: • القول الأول: لا يقع الطلاق: قال به عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن طاوس (١)، وقال به بعض الحنابلة (٢)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز (٦)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٧). ويمكن أن يستدل لهذا القول من الأثر: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].

стр. 808

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وجه الاستدلال: من لغو اليمين إذا حلف على أمر يظن صدق نفسه ثم تبين عدمه فلا حنث عليه فكذلك من طلق بسبب ثم تبين خلافه فالحكم مترتب على اللفظ والقصد فإذا لم يوجد القصد فاللفظ وحده لغو. الرد: هذه من مسائل الخلاف. الدليل الثالث: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١). وجه الاستدلال: الطلاق بسبب طلاق بنية خاصة فلا يقع إذا تبين عدم وجود السبب المهيج للطلاق. الدليل الرابع: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (٢). وجه الاستدلال: قال كلمة الكفر بسبب الدهش ولم يترتب على كلامه حكم وكذلك من طلق بسبب ثم تبين عدم وجوده فلا يترتب على كلامه حكم. الدليل الخامس: لو أعطى المكاتب النجوم فأعتقه سيده ظانًا صحة الأداء ثم بان فساده فإنَّه لا يعتق لأنَّه عتق على سبب فكذلك لا يقع الطلاق على سبب تبين عدمه (٣). الدليل السادس: الشرع رتب الأحكام على الألفاظ؛ لدلالتها على قصد المتكلم

стр. 809

بها، فإذا تبين أنَّه لم يقصد طلاقها في حالة عدم وجود السبب فلا تطلق (١). الدليل السابع: السبب كالشرط فقوله مثلًا عند إخباره بأنَّها خاصمت أمه هي طالق بمعنى قوله إن كانتْ خاصمت أمي فهي طالق فلا يقع الطلاق لعدم حصول الشرط (٢). الدليل الثامن: تقرر عند أهل العلم أنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا فالأحكام مبنية على عللها والمعلول ينتفي بانتفاء علته، كما أنَّ المشروط ينتفي بانتفاء شرطه (٣). الرد: الطلاق المعلل هل يقع مطلقًا أو لا يقع إلا بحصول العلة محل خلاف يأتي إن شاء الله. • القول الثاني: يقع الطلاق: وهو مذهب الأحناف (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧).

стр. 810

ويمكن أن يستدل لهذا القول بالأدلة العامة منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وجه الاستدلال: يدخل في عموم نصوص الطلاق الطلاق على سبب. الرد من وجهين: الأول: النصوص العامة خصصتها أدلة اعتبار النية. الثاني: المطلق على سبب تبين خلافه غير مطلق على الحقيقة فلا يدخل في عموم النصوص. الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: اَلنِّكَاحُ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ» (١). وجه الاستدلال: إذا كان يقع طلاق الهازل فكذلك من طلق على سبب. الرد: قياس مع الفارق فالمطلق على سبب كمن علق الطلاق على شرط لم يوجد فلا يقع طلاقه. الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٢). وجه الاستدلال: يدخل في عموم الحديث من طلق لسبب. (٣) الرد: الحديث لا يصح ولو صح فتقدم الجواب عنه. الترجيح: يترجح لي عدم وقوع طلاق من طلق على سبب تبين خلافه فهو في الحقيقة طلاق معلق بشرط لم يتحقق والله أعلم. * * *
следующие страницы →