Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
للجَارِ (١)، ولا فِيمَا ليسَ بعَقَارٍ، كشَجَرٍ وبناءٍ مُفْرَدٍ (٢)، ويُؤخَذُ
= (تتمة) القسمة نوعان - وتذكر في كتاب القضاء -: ١ - قسمة إجبار، وهي التي لا يكون في قسمتها ضرر ولا رد عوض كأرض واسعة جرداء، فتصح فيها الشفعة، ٢ - وقسمة تراض، وهي التي يكون في قسمتها ضررٌ أو ردُّ عوض كأرض في بعضها بئر، فلا تصح فيها الشفعة ولا تُقسم إلا برضا جميع الشركاء.
(١) والجار في المذهب أربعون من كل جانب، ويدل عليه قول النبي ﷺ : (إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، قال في الإنصاف: (وقيل: تجب الشفعة بالشركة في مصالح عقار. اختاره الشيخ تقي الدين ﵀ وصاحب الفائق. وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ في رواية أبي طالب، وقد سأله عن الشفعة؟ فقال: إذا كان طريقهما واحدا شركاء: لم يقتسموا. فإذا صرفت الطرق، وعرفت الحدود: فلا شفعة. وهذا هو الذي اختاره الحارثي).
(٢) المراد بالعقار: الأرض، فلا تجب الشفعة في غير الأرض كبناء منفرد أي: بدون الأرض، وشجر منفرد أي: بدون الأرض، فلو ورث الأبناءُ منزلا مثلا وباع أحدُهم نصيبَه من المنزل فليس لإخوانه الشفعة، وكذا لو كانوا مشتركين في نخل مشاع فباع أحدهم نصيبه فلا شفعة لأحد الشركاء؛ وكذا لا شفعة في كل منقول كحيوان وجوهر؛ لأنه لا يبقى على الدوام ولا يدوم ضرره بخلاف الأرض.
стр. 1052
الغِراسُ والبِنَاءُ تبعًا للأَرضِ (١).
الثَّالِثُ: طلَبُ الشُّفْعَةِ سَاعةَ يَعلَمُ (٢)، فإن أخَّرَ لغيرِ عُذْرٍ (٣)،
(١) أي: إذا كان البيع وقع على الأرض وفيها غراس أو البناء دخلا فيها تبعًا، فيأخذان بالشفعة في الأرض، أما إن بيع الغراس أو البناء مفردا لم تدخل الأرض معهما، وبالتالي لا تثبت فيهما الشفعة.
(٢) (الشرط الثالث) أن يطلب الشفعة على الفور وقت علمه، فلو سمع ببيع شريكه وأخّر طلب الشفعة بغير عذر سقطت؛ لحديث: (الشفعة كحل العقال) رواه ابن ماجه وهو ضعيف، ولأن الأخذ بالتراخي يضر المشتري، وإن لم يعلم الشريك بالبيع فهو على شفعته ولو مضى سنون.
(تتمة) إذا علم الشريك بالبيع، فلا يخلو الحال في الطلب مما يلي: ١ - إن كان الشريك غائبا عن بلد المشتري فيلزمه أن يشهد على طلبه بالشفعة. ٢ - وأما إذا كان الشريك في بلد المشتري فذهب في الغاية والمنتهى إلى أنه لابد أن يذهب الشفيعُ للمشتري ويطالبه بالشفعة، وفي الإقناع: أنه يكفيه الإشهاد على طلبه بالشفعة، والأولى أن يواجهه. (مخالفة)
(٣) فإن كان ثم عذر كشدة جوع أو عطش أو علم ليلا فأخرها حتى يصبح فهو على شفعته.
(تتمة) يترتب على مطالبة الشفيع بالشفعة ما يلي: ١ - تملك الشفيع للشقص ولو لم يقبضه مع ملاءته بالثمن كما في الإقناع، ٢ - يصح تصرفه فيه، ٣ - ويورث عنه كسائر أملاكه.
стр. 1053
سَقَطَتْ (١)، والجَهلُ بالحُكمِ عُذْرٌ (٢).
الرَّابِعُ: أخذُ جميعِ المَبيعِ (٣)، فإن طَلَبَ أَخْذَ البَعضِ معَ بقاءِ الكُلِّ، سَقَطَت (٤).
والشُّفعةُ بينَ الشُّفعَاءِ على قَدْرِ أملاكِهم (٥).
الخامِسُ: سَبقُ مِلْكِ الشَّفيعِ لرَقَبةِ العَقَارِ (٦)، فلا شُفعَةَ لأحدِ اثنَين اشتَريَا عَقَارًا معًا.
(١) أي: فإن أخر الطلب بلا عذر سقطت شفعته؛ لقول النبي ﷺ : (الشفعة لمن واثبها) رواه عبد الرزق، أي: بادر وسارع في طلبها.
(٢) أي: ّإذا كان جاهلا بأن تأخير الطلب يسقط شفعته، وأنه حتى لو أخر الطلب فلا تسقط شفعته فيعذر بهذا الجهل وهو على شفعته، لكن يشترط أن يكون مثله يجهل وإلا سقطت.
(٣) (الشرط الرابع) أن يأخذ الشفيعُ جميعَ المبيع، فلا يصح أن يأخذ بعضه ويترك الباقي.
(٤) أي: إن طلب الشفيع أخذ بعضه فقط فإن الشفعة تسقط، إلا إن كان المتروك تالفا كما في الإقناع، وحينئذ يأخذ الشفيع باقيه بحصته من الثمن.
(٥) كأن تكون الأرض بين ثلاثة مثلًا بالتساوي فباع أحدهم نصيبَه، فلكل واحد من شريكيه أن يشفع في نصف نصيب الشقص المبيع، وليس له أكثر من ذلك إلا أن يأبى أحدهما الأخذَ بالشفعة، وحينئذ ليس للآخر إلا أن يأخذ كل الشقص المبيع، أو يتركه كله حكاه ابن المنذر إجماعا.
(٦) (الشرط الخامس) تقدم ملك الشفيع على ملك المشتري، =
стр. 1054
وتَصرُّفُ المُشتَرِي بعدَ أخذِ الشَّفيعِ بالشُّفعَةِ باطِلٌ (١)، وقبلَه صَحيحٌ (٢).
= فلو اشترى رجلان أرضًا لم يصح أن يشفع أحدهما على الآخر ليأخذ شقصه؛ لأنهما ملكا الأرض في وقت واحد، أما لو باع أحدهما نصيبه بعد ذلك، فلشريكه أن يشفع على المشتري؛ لأن ملك الشفيع سابق على ملك المشتري.
وقوله: (لرقبة العقار) أي: عين العقار لا منفعته فلا شفعة بملك منفعة كدار موصى بنفعها، فباع الورثة نصفها فلا شفعة للموصى له، لأن المنفعة لا تؤخذ بالشفعة فلا تجب بها، ولأن ملك المنفعة غير تام لمالك المنفعة، وكذلك الموقوف عليه لا شفعة له، قال في الإقناع وشرحه: (ولا شفعة بشركة وقف) فدار نصفها وقف ونصفها طلق وبيع الطلق، لا شفعة للموقوف عليه ولو معينا (؛ لأن ملكه غير تام) أشبه مالك المنفعة).
(١) أي: بعد المطالبة بالشفعة؛ لأن الشفيع يتملك المبيع بمجرد مطالبته به، ويحرم تصرف المشتري ولا يصح.
(٢) أي: لو تصرف المشتري قبل الطلب بالشفعة برهن أو إجارة فصحيح؛ لبقائه في ملك المشتري، ولا تسقط الشفعة وينفسخان إذا طالب الشفيعُ بالشفعة، أما إن تصرف فيه بنحو هبة أو صدقة، أو جعله عوضا في خلع أو صلح فيصح وتسقط الشفعة، وإن تصرف فيه ببيع فللشفيع أخذه بأي البيعين شاء، فإن أخذ بالبيع الأول انفسخ الثاني وعاد المشتري الثاني على المشتري الأول، وإن أخذ بالبيع الثاني لم ينفسخ أي بيع =
стр. 1055
ويَلزَمُ الشَّفِيعَ أن يدفَعَ للمُشتَرِي الثَّمنَ الذي وقَعَ عليهِ العَقدُ (١)، فإنْ كانَ مِثليًّا فمِثلُه، أو مُتقوَّمًا فقيمتُه (٢)، فإن جُهِلَ الثَّمنُ- ولا حِيلَةَ- سَقَطَت الشُّفعَةُ (٣)، وكَذَا إن عَجَزَ الشَّفيعُ، ولو عن بَعضِ الثَّمَنِ، وانتُظِرَ ثلاثَةَ أيَّامٍ ولم يأَتِ بهِ (٤).
= ولا يرجع الثاني على أحد؛ لأنه استرد الثمن الذي دفعه من الشفيع. وكذا الحكم لو تعددت البيوع.
(١) جنسًا وقدرًا وصفةً، فإن كان مؤجلا أخذه الشفيع به إن كان مليئا، أو كفله مليء، قال في الإقناع وشرحه:: (والأخذ بالشفعة نوع بيع لكن لا خيار فيه)؛ لأنه قهري)، قال في الغاية: (ولا يلزم المشتري تسليم شقص قبل قبض ثمنه)، وأصله في الإقناع.
(٢) أي: إن كان الثمن مثليا فيدفع الشفيع للمشتري مثله، وإن كان قيميا من حيوان أو ثياب ونحوهما فيدفع قيمته وقت الشراء؛ لأنه وقت استحقاق الأخذ.
(٣) أي: إن جهل قدر الثمن ولا حيلة من المشتري والبائع على إخفاء الثمن لإسقاط الشفعة فإن الشفعة تسقط حينئذ، ومع الحيلة لا تسقط الشفعة وعلى الشفيع قيمة الشقص عرفا، قال البهوتي في شرح المنتهى: (إذ الظاهر أنه بيع بقيمته).
(٤) أي: وكذا تسقط الشفعة إن عجز الشفيع عن الثمن أو بعضه، وأنظر ثلاث ليال بأيامها من حين أخذه بالشفعة ولم يأت بالثمن حتى يتبين عجزه، قال في المنتهى: (فلمشتر الفسخ ولو أتى برهن أو بضامن)، والله أعلم.
стр. 1056
بابُ الودِيعَةِ (١)
(١) الوديعة لغة: من ودَع الشيء إذا تركه لتركها عند المودَع، وشرعًا: المال المدفوع إلى من يحفظه بغير عوض؛ قال الشطي: (لأنه إذا كان بعوض فهو إجارة)، قال الشيخ منصور: خرج بقوله (بلا عوض): الأجير على حفظ المال)؛ لأن الذي يُستأجر لحفظ المال أجير، وليس وديعًا، وفيه دليل على تحول العقود الجائزة إلى لازمة، والأصل في الوديعة: قال البهوتي في الكشاف: (والإجماع في كل عصر على جوازها، وسنده قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨]، مع السنة الشهيرة منها قوله ﷺ : «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والمعنى يقتضيها؛ لحاجة الناس إليها)، وحكى الإجماعَ عليها ابنُ المنذر وابن حزم وابن القطان -في مسائل الاجماع-، وهي عقد جائز من الطرفين، فإن أذن المالكُ للمدفوع في استعمالها فاستعملها صارت عارية مضمونة، كما في الإقناع، ولعله محمول على وديعة ينتفع بها مع بقاء عينها كإناء، وأما إن كانت نقودا وأذن له في استعمالها فهو قرض، والله أعلم، وحكم قبول الوديعة: =
стр. 1057
يُشتَرَطُ لِصِحَّتِها: كَونُهَا مِنْ جائزِ التَّصرُّفِ لمثلِه (١)، فلو أودَعَ مالَه لصَغيرٍ أو مجنونٍ أو سَفيهٍ، فأتلفَه، فلا ضَمَانَ (٢)، وإن أودَعَهُ أحدُهُم، صارَ ضامِنًا (٣)، ولم يَبْرأْ إلَّا بردِّهِ لوليِّهِ (٤).
ويلزمُ المُودَعَ حِفظُ الودِيعَةِ في حِرزِ مِثِلها (٥) بنفسِه، أو
= مستحب لمن يعلم من نفسه الأمانة، أي أنه ثقة قادر على حفظها؛ لقول النبي ﷺ : " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" رواه مسلم. قال في المبدع: (ويكره لغيره، إلا برضا ربها) قال البهوتي - بعده -: (قلت: ولعل المراد بعد إعلامه بذلك إن كان لا يعلمه؛ لئلا يغره).
(١) أي: يشترط في المودِع والمودَع أن يكونا جائزي التصرف، وهو المكلف الرشيد، ويترتب على ذلك:
(٢) إن أودع ماله لأحد هؤلاء فأتلفه لم يضمنه؛ لأن المالك هو المفرط في ماله بتسليمه إلى أحد هؤلاء.
(٣) أي: إن أودع أحد هؤلاء من المحجور عليهم لحظ أنفسهم صار المودَع ضامنا ولو بلا تعدٍّ أو تفريط، فيده يد ضمان مطلقا؛ لأنه أخذ مال غيره بلا إذن شرعي مثل ما لو غصبه، ما لم يكن الصغير مأذونا له في الإيداع، أو يخف هلاكها معه إن لم يأخذها منه، فحينئذٍ لا يضمن المودع جائز التصرف إلا بالتعدي أو التفريط.
(٤) فلا يبرأ ولو ردها للصغير، بل لابد من ردها لولي المحجور عليه.
(٥) عرفا، والحرز لغة-كما في المطلع- هو: المكان الحصين، =
стр. 1058
بمَن يقومُ مقامَه، كزوجَتِه وعَبدِه (١).
وإن دفعَها- لعُذرٍ (٢) - إلى أَجنبيٍّ، لم يَضْمَن (٣)، وإنْ نهَاهُ مالِكُها عن إخراجِهَا من الحِرزِ، فأخرَجَها لطَرَيَانِ شيءٍ الغَالِبُ مِنهُ الهلاكُ، لم يضمَن (٤)، وإن ترَكَها ولم يُخرِجْها، أو أخْرَجَهَا لغيرِ خَوفٍ، ضَمِنَ (٥).
= ويختلف باختلاف المال، ما لم يعين ربُّها الحرزَ، فيلزمه حفظها فيه، أو مثلِه أو أعلى منه.
(١) أي: يلزمه أن يحفظها بنفسه، أو يحفظها عند من يقوم مقامه في الحفظ كزوجته وعبده كما يحفظ ماله؛ لأن الله تعالى أمر بأدائها ولا يمكنه ذلك إلا بالحفظ.
(٢) كحضور الموت، أو أراد أن يسافر وليس السفر أحفظ لها.
(٣) يشترط أن يكون ثقة كما قال الشيخ منصور في شرح المنتهى، فلا يضمن إن دفعها إلى ثقة ثم تلفت أو ضاعت؛ لأنه لم يفرط ولم يقصر، وكذا لو دفعها للحاكم.
(٤) أي: نهاه عن إخراجها من مكان عينه لحفظها، فأخرجها المودَعُ لطروّ وحصول شيء الغالب منه الهلاك كحريق- قال في الإقناع وشرحه: (ويلزمه إخراج الوديعة إذن) - فتلفت بسبب الإخراج لم يضمن؛ لأنه فعل ما يحفظها من الهلاك.
(٥) أي: إن نهاه عن إخراجها، فحصل أو وجد شيء الغالب منه الهلاك كحريق ونهب فلم يخرجها فتلفت ضمن؛ لتفريطه، وكذلك الأمر إذا أخرجها لغير خوف مع نهيه عن إخراجها فتلفت؛ لتعديه، ويحرم عليه في الصورتين؛ في الأولى إن لم =
стр. 1059
فإن قَالَ له: "لا تُخرِجْهَا ولو خِفتَ عليها"، فحَصَل خَوفٌ وأخرَجَها، أو لا، لم يضمَن (١).
وإن ألقَاهَا عندَ هجومِ ناهِبٍ ونحوِه إخفاءً لها، لم يَضمنْ (٢).
= يخرجها، وفي الثانية إن أخرجها، كما قاله الشيخ منصور في شرح المنتهى.
(١) أي: نهاه مالكها عن إخراجها وصرح له أن النهي عن إخراجها يشمل حالةَ الخوف أيضا، فإن أخرجها بسبب حصول الخوف أو لم يخرجها مع حصوله لم يضمن؛ لأنه ممتثل لأمر صاحبها فيما إذا لم يخرجها، وزاد مالكها خيرا وحفظا لما أخرجها،
وتلخيص المسألة: أنه إن نهى المودِع الوديعَ عن إخراج الوديعة من حرزٍ عيَّنَه المودِعُ فلا يخلو الحال: ١ - أن ينهاه عن إخراجها من الحرز الذي عينه، ولم يقل: "ولو خفت عليها"، فحصل مكروه فأخرجها وتلفت لم يضمن، وإن تركها ضمن. ٢ - أن ينهاه عن إخراجها من الحرز، ويقول له: "ولو خفت عليها"، وحصل مكروه: ففي هذه الحالة لم يضمن مطلقا، سواء تركها أو أخرجها.
(٢) أي: إن ألقاها بعيدا عن حرزها عند هجوم ناهب ونحوه - كقطاع طريق - إخفاء لم يضمن إن تلفت؛ لأنه عادة الناس في حفظ أموالهم، أما إن أبقاها عنده عند هجوم ناهب ونحوه فأُخذت فهل يضمن؟: تردد فيه الشيخ عثمان، وقال اللبدي: =
стр. 1060
وإن لم يَعلِفِ البَهيمَةَ حتَّى ماتَت، ضمِنَها (١).
= (إن كان الإلقاء يخفيها عن العدو بحيث تسلم، وأمكن ذلك ولم يفعل ضمن، وإلا فلا وهو كالصريح في كلامهم فلا وجه للتردد من العلامة النجدي). (خلاف المتأخرين)
(١) لأن علفها من تمام حفظها، فإن نهاه عن علفها لم يضمن لكن يحرم ويأثم؛ لحرمة الحيوان، والنفقة على الوديعة تجب على المودِع، لكن إذا أنفق المودَعُ عليها بنية الرجوع رجع بشرط استئذان صاحبها، أو تعذُّر استئذانه وإلا لم يرجع.
стр. 1061
فَصْلٌ
وإن أرادَ المُودَعُ السَّفَرَ، ردَّ الوديعَةَ إلى مالِكِها (١)، أو إلَى من يَحفَظُ مالَه عادَةً (٢)، أو إلى وَكِيلِهِ (٣)، فإن تعذَّرَ (٤)، ولم يَخَفْ عليهَا معهُ في السَّفر، سافرَ بها، ولا ضَمَان (٥).
(١) ومثله: لو خاف عليها من نهب أو غرق أو نحوهما، وعبارة المؤلف فيها إبهام في حكم الرد في هذه الحالة، وعبارة الإقناع تدل على الإباحة حيث قال: (فله ردها إلى مالكها الحاضر … إلخ).
(٢) أي: أو إلى من يحفظ مال المودِع عادة كزوجته وعبده.
(٣) أي: وكيل المالك المودِع.
(٤) أي: تعذر الرد بأن لم يجد المالك، أو الوكيل، أو من يحفظ ماله عادة.
(٥) يجوز السفر بالوديعة عند المؤلف بشرطين: ١ - أن يتعذر ردها إلى صاحبها. ٢ - أن لا يخافَ عليها في السفر، وظاهر كلام المؤلف أن المودَع لا يسافر بالوديعة إلا إذا تعذر ردها لمالكها أو وكيله وهو ما قدمه في التنقيح والمنتهى ثم قالا: (والمذهب بلى والحالة هذه. انتهى)، أي: له السفر بها وإن لم يتعذر ردها إلى ربها، وجزم به في الإقناع والغاية، لكن بشرطين: الأول: أن يكون السفر مأمونا لا يخاف عليها فيه، الثاني: ألا ينهاه صاحبها عن السفر بها، فإن تخلف شرط =
стр. 1062
فإن خَافَ عليهَا، دفعَها للحاكمِ (١)، فإن تعذَّرَ فَلِثِقَةٍ (٢).
ولا يَضْمَنُ مسافِرٌ أُودِعَ فسافَرَ بها، فتَلِفَتْ بالسَّفر (٣).
وإن تعدَّى المُودَعُ في الودِيعَةِ، بأن رَكِبَها لا لِسَقيِهَا (٤)، أو لَبِسَهَا لا لِخَوفٍ من عُثٍّ (٥)، أو أخرَجَ الدَّراهِمَ ليُنِفقَها (٦)، أو لينظُرَ إليها (٧)، ثمَّ ردَّها (٨)، أو حَلَّ كيسَها فقط، حَرُمَ عليه (٩)،
= منهما حرم عليه السفر بها، ووجب دفعها لحاكم، فإن تعذر فلثقة. (مخالفة الماتن).
(١) أي: إن خاف عليه في السفر دفعها للحاكم وجوبا؛ لأنها عرضة للنهب وغيره، ولأن الحاكم يقوم مقام صاحبها في غيبته.
(٢) أي: إن تعذر دفعها لحاكم فيجب دفعها إلى ثقة؛ لفعله ﷺ «لما أراد أن يهاجر أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن وأمر عليا ﵁ أن يردها إلى أهلها» رواه البيهقي.
(٣) لأن المودِع في هذه الحالة يكون آذنا له بالسفر بها.
(٤) سيتكلم من هنا في التعدي في الوديعة الذي يصيرها مضمونة، ومن صور التعدي: أن يركب الدابة للانتفاع بها، أو لغير نفعها وليس لحفظها أو سقيها.
(٥) بضم العين وهي السوسة التي تفسد الصوف كما قال الشارح.
(٦) أي: أخرج الدراهم المودَعة لينفقها.
(٧) هكذا في المنتهى، وقال في الإقناع: (شهوة لرؤيتها).
(٨) أي: ردها إلى وعائها ولو بنية الأمانة، ومن باب أولى إن لم يردها.
(٩) أي: حل الكيس الذي فيه الوديعة فقط بلا إخراج، فإنه يصير =
стр. 1063
وصارَ ضامِنًا (١)، ووجَبَ عليه ردُّها فَورًا (٢)، ولا تعودُ أمانةً بغَيرِ عَقدٍ متجدِّدٍ (٣).
وصَحَّ: "كلَّما خُنتَ، ثمَّ عُدتَ إلى الأمانَةِ، فأنتَ أمينٌ" (٤).
= ضامنا لتعديه، فيحرم عليه كل صور التعدي.
(١) هذا الحكم الوضعي، أما التكليفي فسبق أنه يحرم عليه فعل ذلك.
(٢) أي: بعد التعدي يجب عليه رد الوديعة لصاحبها فورا؛ لأنها أمانة محضة وقد زالت بالتعدي.
(٣) لأن الائتمان الأول بطل بالتعدي، ويجب عليه إبلاغ صاحبها إذا أراد تجديد العقد.
في الحواشي السابغات: (إن تعدى بانتفاعه بالوديعة ترتب عليه عدة أمور: ١ - تبطل الوديعة، ٢ - تصير يده يد ضمان، ٣ - يجب ردها فوراً، ٤ - لا تعود وديعة إلا بعقد جديد).
(٤) أي: صح قول مالك لمودَع: كلما خنت ثم عدت إلى الأمانة فأنت أمين، فيرجع إلى الأمانة؛ لصحة تعليق الإيداع على الشرط، كالوكالة قاله في شرح المنتهى، وعليه فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
стр. 1064
فَصْلٌ
والمودَعُ أمينٌ (١)، لا يضمَنُ إلَّا إن تعدَّى، أو فرَّطَ، أو خَانَ (٢)، ويُقبَلُ قولُه بيمينِهِ في عَدَمِ ذلِكَ (٣)، وفي أنَّها تَلِفَتْ (٤)، أو: " أنَّكَ أذِنْتَ لي في دَفْعِها لفُلانٍ، وفَعْلتُ" (٥).
(١) فيقبل قوله في رد الوديعة لمالكها بيمينه؛ لأنه قبض العين لنفع يختص بصاحبها فقط، فيده يد أمانة، قال في شرح المنتهى: (لأنه لا منفعة له في قبضها، أشبه الوكيل بلا جُعل)، ويفهم منه: أنه لو كان مودَعًا بجُعل من رب الوديعة فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
(٢) كما لو جحدها.
(٣) أي: يقبل قوله عدم تعديه أو تفريطه أو خيانته؛ لأن الأصل عدم ذلك.
(٤) فإذا ادعى تلفها قبل قوله؛ لأنه أمين، ما لم يَدَّعِ المودَعُ التلفَ بأمر ظاهر، فلابد حينئذ من بينة، فإن ثبت قبل قوله بيمينه، وقال في الإقناع وشرحه: (ويكفي في ثبوته) أي: السبب الظاهر (الاستفاضة) قاله في التلخيص والرعايتين والحاوي الصغير وغيرها، فعلى هذا: إذا علمه القاضي بالاستفاضة قبل قول الوديع بيمينه ولم يكلفه بينة تشهد بالسبب … (فإذا ثبت) السبب الظاهر بالبينة أو الاستفاضة (فالقول قوله) أي: الوديع (في التلف مع يمينه) فيحلف أنها ضاعت به).
(٥) أي: يقبل قوله بيمينه في أن المودِع أذن للمودَع في دفع =
стр. 1065
وإن ادَّعَى الردَّ بعدَ مَطْلِه بِلا عُذرٍ (١)، أو ادَّعى ورَثَتُه الردَّ، لم يُقبل إلَّا ببيِّنةٍ (٢)، وكَذَا كلُّ أمينٍ (٣).
وحَيثُ أخَّرَ رَدَّها بعدَ طَلَبٍ بلا عُذرٍ، ولم يَكُنْ لِحَملِها مَؤُنَةٌ، ضَمِنَ (٤).
= الوديعة لشخص ما، وأنه دفعها إليه، فإذا أنكر مالكها ذلك فيلزمه اليمين حينئذ؛ لأنه ادعى ردا يبرأ به من رد الوديعة، أشبه ما لو ادعى الرد إلى مالكها.
(١) أي: لو ادعى الرد بعد تأخير ردها لمستحقها، فإن كان بعذر قُبل قوله مع اليمين، وإن كان لغير عذر فلا يقبل قوله إلا ببينة؛ لأنه بالمطل بطل الاستئمان.
(٢) أي: لو ادعى ورثةُ المودَع الرد إلى المالك أو ورثته فلا يقبل قولهم إلا ببينة؛ لأنهم غير مؤتمنين عليها من قبل مالكها.
(٣) أي: كذا كل أمين يقبل قوله في الرد فلا يقبل قول ورثته بالرد إلا ببينة؛ لأنهم غير مؤتمنين على ذلك من قبل مالكها.
(٤) أي: من طولب بأمانة فأخر ردها بلا عذر له في التأخير من نحو نوم وأكل، ولم يكن لحملها مؤنة وتلفت فإنه يضمنه؛ لأنه فعل محرما بإمساكه مال غيره بلا إذنه أشبه الغاصب.
والحاصل: أنه من طولب بأمانة وأخر ردها حتى تلفت فإنه يضمنها إلا في حالتين: الأولى: إذا كان لحملها مؤنة كما ذكره المؤلف هنا تبعا للإقناع، ولم يذكرها في المنتهى؛ لأن مؤنة الرد فيما لحمله مؤنة على مالكها قلت أو كثرت، والواجب على من بيده أمانة التمكين من الأخذ فقط؛ لأنه =
стр. 1066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قبضها لنفع صاحبها فقط بخلاف المستعير، الثانية: إذا أخر الردَّ لحوائج المودَع الاعتيادية كأكل ونوم وصلاة وطهارة ونحو ذلك بقدر زمن ذلك، ولا يضمن تلفها زمن عذره؛ لعدم عدوانه.
(قاعدة) من حصل في يده أمانة فهل يجب عليه الرد؟ لا يخلو الحال: ١ - إن كان بعلم صاحبها فالواجب على الذي بيده الأمانة الرد، والمراد منه: تمكين صاحبها من أخذها لا فعل الرد، ٢ - وإن كان بغير رضا صاحبها - أي: بغير علمه - وجب عليه أحد شيئين: إما الرد مع العلم بصاحبها والتمكن منه، وإما إعلامه، وسواء كانت الأمانة لحملها مؤنة أو لا، فإن أخر الرد أو الإعلام فوق ما يمكنه وتلفت ضمن وإلا فلا، قال في الإقناع وشرحه: (ومن حصل في يده أمانة بغير رضا صاحبها كاللقطة، ومن أطارت الريح إلى داره ثوبا وجبت) عليه (المبادرة إلى الرد مع العلم بصاحبها و) مع (التمكن منه، وكذا إعلامه) أي الواجب عليه أحد أمرين: إما الرد، أو الإعلام (ذكره جمع) منهم: صاحب المغني، والمحرر، والمستوعب ونحوه، ذكره ابن عقيل وحكاه في القواعد الفقهية. (قال في الإنصاف: وهو مراد غيرهم)؛ لأن مؤنة الرد لا تجب عليه وإنما الواجب التمكين من الأخذ قاله في القاعدة الثانية والأربعين (وكذا الوديعة والمضاربة والرهن ونحوها) كالعين المشتركة. (إذا مات المؤتمن وانتقلت إلى وارثه) وجب على من هي بيده المبادرة إلى الرد مع العلم بصاحبها والتمكن منه، أو إعلامه (لزوال الائتمان، وكذا لو =
стр. 1067
وإنْ أُكِرهَ على دَفعِها لغيرِ ربِّها، لم يَضمَنْ (١).
وإن قالَ: له عِندي ألفٌ وديعةً، ثم قالَ: قبَضَهَا، أو: تَلِفَتْ قبلَ ذلِكَ، أو: ظَنَنْتُها باقيةً ثمَّ عَلِمتُ تلَفَها، صُدِّقَ بيَمينِه،
= فسخ المالك) في حضرة الأمين أو غيبته عقد الائتمان في الأمانات كالوديعة والوكالة والشركة والمضاربة يجب الرد على الفور لزوال الائتمان).
(تتمة) في الحواشي السابغات: (لو التقط لقطة لم يعرِّفها، أو لقطة يحرم التقاطها، فله أن يتصدق بها عن ربها بشرط الضمان، ومن الصدقة بها وقفها، أو شراء عين به يقفها، وله أن يدفعها إلى الحاكم، قال في الإقناع والمنتهى والغاية: (ويلزمه - أي: الحاكم - قبولها). ومثل المغصوب واللقطة: الرهون والودائع وسائر الأمانات والأموال المحرمة؛ فيتصدق بها - إذا جهل ربها - مضمونة؛ لأن في الصدقة عنهم جمعاً بين مصلحة القابض بتبرئة ذمته، ومصلحة المالك بتحصيل الثواب له، أو يدفعها للحاكم؛ لكن ليس لمن في يده شيء مما ذُكر أَخْذ شيء منها ولو كان فقيراً. والله أعلم).
(تتمة) الحكم فيما لو دخل مع حيوانات الشخص حيوانات أخرى: قال البهوتي في شرح الإقناع: (ولو دخل حيوان لغيره أو عبد له إلى داره فعليه أن يخرجه ليذهب كما جاء؛ لأن يده لم تثبت عليهما بخلاف الثوب ذكره ابن عقيل. قاله في القاعدة الثالثة والأربعين).
(١) لأنه لم يتعد ولم يفرط، ولأن الإكراه عذر يبيح له دفعها.
стр. 1068
ولا ضَمَان (١).
وإن قالَ: قَبَضْتُ منه ألفًا وديْعَةً، فتَلِفَتْ، فقالَ: بل غَصْبًا، أو: عَاريةً، ضَمِنَ (٢).
(١) أي: لو قال شخص عن آخر له عندي ألف وديعة، ثم قال المقر: قبضها صاحبها مني، أو تلفت قبل أن يقبضها صاحبها، أو قال: ظننت الألف باقية ثم علمت تلفها، فيصدق المودَع بيمينه، ولا ضمان عليه؛ لأنها وديعة فتأخذ أحكامها والمودَع أمين، وهذا ما ذهب إليه المؤلف هنا، وفي الغاية هنا وقال: (خلافا له)، واختلف كلام الإقناع ففي الوديعة قال: لم يقبل قوله، قال البهوتي: (لأنه رجوع عن إقرار بحق لآدمي)، وفي كتاب الإقرار قال: يقبل قوله، وهو ما جزم به صاحب المنتهى في الإقرار، فيكون هو المذهب، خاصة أن محل المسألة الأصلي في الإقرار، والله أعلم (مخالفة الماتن).
(٢) لو اختلف القابض مع المالك، فقال القابض قبضت منك الألف وديعة فتلفت، وعليه فلا ضمان علي، فقال المالك: بل قبضتها مني غصبا أو عارية، وعليه فعليك الضمان، فيقبل قول المالك؛ لأن الأصل في القابض لمال غيره أنه يضمنه.
والفرق بين الوديعة والغصب والعارية أن الوديعة لا تضمن إلا بالتعدي أو التقصير، أما الغصب والعارية فيُضمنان مطلقا، سواء تعدى أو لم يتعد فرط أو لم يفرط.
وهذه المسألة تذكر في آخر العارية كما في الإقناع والمنتهى وغيرهما. والله أعلم.
стр. 1069
بابُ إحيَاءِ المَوَاتِ
وهيَ: الأَرضُ الخَرَابُ الدَّارِسَةُ (١) التي لم يَجرِ عَليهَا مِلكٌ
(١) المَوَات لغة مشتق من الموت، والمُوات -بضم الميم-: الموت، وبفتح الميم -كسحاب-: ما لا روح فيه، وأرضٌ لا مالك لها -كما في القاموس-، وأما في الاصطلاح: فعرفها المؤلف بقوله: (وهي الأرض الخراب الدارسة … إلخ) وهو تعريف صاحب المغني، والدارسة: التي اختفت آثارها.
وأما المتأخرون فيعرفونه بأنه: الأرض المنفكة - الخالية - عن الاختصاصات وملك معصوم، فلا يختص بنفع هذه الأرض ولا يملكها أحد.
والاختصاص: هو ما يستحق مَنْ يدُه عليه أن ينتفع به، ولا يملك أحدٌ مزاحمتَه فيه، مع عدم قبوله للتمول والمعاوضة، ومنها كما قال ابن عوض: موات الحرم، وعرفات والموات المتحَجَّر، وما قرب من عامر وتعلق بمصالحه كطرقه وفنائه ومسيل مائه، والمنازل المعتادة للمسافرين حول الماء والبقاع المرصدة لصلاة العيد والجنائز والاستسقاء ونحو ذلك، واصله في الإقناع ثم ختم كلامه بقوله: (فكل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه).
والأصل في إحياء الموات: حديث جابر ﵁ قال: قال =
стр. 1070
لأحَدٍ (١)، ولم يُوجَد فِيهَا أَثرُ عِمَارَةٍ، أو وُجِدَ بهَا أثَرُ مِلْكٍ وعِمَارَةٍ (٢) -كالخِرَبِ (٣) التي ذهبَتْ أنهَارُها، واندَرَسَت آثارُهَا-
= رسول الله ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، رواه البخاري تعليقًا وأبو داود والترمذي. ولا يشترط إذْنُ ولي الأمر في الإحياء، فمن أحيا أرضًا - مسلمًا كان أو ذميًا - ملكها من قِبل الشارع.
(١) ذكر المؤلف هنا ما يجوز إحياؤه من الأراضي، وذكر قسمين: الأول: ما لم يجر عليه ملك لأحد، أي: لم يملكه أحد البتة، ولا يوجد فيه أثر عمارة أي: لا يوجد فيها آثار تدل على أن الأرض قد بني فيها ونحو ذلك، فهذه تملك بالإحياء، الثاني: ما وجد فيه أثر ملك وعمارة أي: فيها آثار تدل على أن هذه الأرض قد ملكت وعمرت ببناء ونحوه لكنها خربت أي: تهدمت، وذهبت أنهارُها أي: جفت، واندرست - أي: اختفت - آثارها، ولم يعلم لها مالك الآن فهذه تملك بالإحياء، بقي قسم ثالث للأراضي: وهو الأراضي التي لها مالك - ولو ميتا لا وارث له - فإنها لا تملك بالإحياء بل هي لبيت المال ويقطعه الإمام لمن شاء؛ لأنه فيء، إلا إذا كان المالك لها غير معصوم، وهو الكافر الذي لا ذمة له ولا أمان.
(٢) أي: لا يوجد فيها أثر تعمير كالبيوت مثلًا، أو وُجد فيها أثر ملك وعمارة لكن لا يعلم لها مالك.
(٣) الخرب -بفتح الخاء وكسر الراء-، وبالعكس أيضًا، وكلاهما جمع خربة بسكون الراء، وهي: ما تهدم من البنيان.
стр. 1071
ولم يُعلَم لَهَا مالِكٌ (١).
فمَنْ أحيَا شَيئًا مِنْ ذَلِكَ (٢) -ولو ذِميًّا (٣)، أو بِلا إذنِ الإمَامِ- مَلكَهُ بما فيه مِنْ مَعدِنٍ جَامِدٍ، كذَهَبٍ، وفِضَّةٍ، وحَدِيدٍ، وكُحْلٍ (٤) -
ولا خَرَاجَ عليه (٥)،
(١) أي: لا يعلم لها مالك الآن، فإنها تملك بالإحياء.
(٢) أي: مما يجوز إحياؤه.
(٣) أي: ولو كان الذي أحيا في دار الإسلام ذميا، وفي ذلك إشارة إلى قول آخر وهو: أن الذمي لا يتملك لو أحيا في دار الإسلام، قال ابن حامد: لا يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام؛ لما روي عن النبي ﷺ : (مُوتان الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم) رواه البيهقي، لكن المذهب جواز ذلك.
(٤) فإذا أحيا أرضا يجوز إحياؤها ملكها وملك ما فيها من معدن جامد باطن كذهب وفضة وحديد، وما فيها من معدن جامد ظاهر كالكحل والكبريت؛ لأنه من أجزاء الأرض فتبعها في الملك؛ كما لو اشتراها، لكن قال البهوتي في شرح المنتهى: (وهذا في المعدن الظاهر إذا ظهر بإظهاره أو حفره، وأما ما كان ظاهرا فيها قبل إحيائها فلا يملك; لأنه قطعٌ لنفعٍ كان واصلا للمسلمين، بخلاف ما ظهر بإظهاره فلم يقطع عنهم شيئا).
(٥) أي: لا خراج على المسلم إذا أحيا الأرض، ولو كانت عنوة؛ فالمذهب أن ما فتح من الأراضي عنوة -كأرض الشام، =
стр. 1072
إلَّا إنْ كانَ ذِميًّا (١) - لا ما فيهِ منْ معْدِنٍ جارٍ، كنِفْطٍ وقَارٍ (٢).
ومن حَفَرَ بئرًا بالسَّابِلَةِ (٣) ليرتَفِقَ بِها، كالسَّفَّارةِ (٤) لشُربِهم ودوابِّهم، فهم أحقُّ بمائِها ما أقامُوا (٥)، وبعدَ رحيلِهم تكونُ
= ومصر، والعراق- أنها موقوفة لكنها تملك بالإحياء؛ لإطلاق حديث "من أحيا أرضًا فهي له".
(١) فعلى الذمي الخراج؛ فيما أحياه من موات عَنوةً؛ لأنها ملك للمسلمين، فلا تقر في يد غيرهم بدون خراج.
(٢) أي: لا يملك ما ظهر من المعادن الجارية - وهي: التي كلما أخذ منه خلفه غيره كنفط وقار- في الأرض التي أحياها، كما لا يملك عين ماء وكلأ وشجر؛ لحديث: "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ، فِي: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّار" رواه ابن ماجه، ولأنها ليست من أجزاء الأرض فلم تملك بملكها، لكنه أحق بها من غيره، وإذا أخرجها وحازها ملكها.
(٣) هكذا عبر، وعبارة الإقناع والمنتهى والغاية: للسابلة أي: لنفع المجتازين قاله البهوتي في شرحيه، وعرف السابلة في شرح المنتهى: (الطريق المسلوك).
(٤) ليرتفق بها: الارتفاق هو الانتفاع، والسَّفَّارة هم: المعتدُّون للسفر؛ كأصحاب القوافل المعدة لنقل أموال التجار، والمنتجعين الذين يرحلون من مكان لآخر؛ كالأعراب ونحوهم -قاله اللبدي-.
(٥) أي: مدة إقامتهم عليها ولا يملكونها؛ لجزمهم بانتقالهم عنها وتركها لمن ينزل منزلتهم بخلاف الحافر للتملك.
стр. 1073
سَبِيلًا للمُسلِمِينَ (١)، فإن عَادُوا، كانُوا أحقَّ بِهَا (٢).
(١) أي: تكون وقفا على المسلمين؛ لأنه ليس أحد ممن لم يحفرها أولى بها من الآخر.
(٢) لأنهم إنما حفروها لأنفسهم ومن عادتهم الرحيل والرجوع؛ فلا تزول أحقيتهم به -قاله في شرح المنتهى-.
стр. 1074
فَصْلٌ
ويحصُلُ إحياءُ الأَرضِ المَواتِ (١):
إمَّا بحائِطٍ مَنيعٍ (٢)، أو إجرَاءِ مَاءٍ لا تُزرَعُ إلَّا به (٣)، أو غَرسِ شَجَرٍ (٤)،
(١) يحصل إحياء الموات على المذهب بواحد من خمسة أمور، ذكر المؤلف أربعة منها.
(٢) (الأمر الأول) إحاطتها بحائط منيع -لا بحجارة ونحوها-، يكون بما جرت عادة البلد بالبناء به من طوب وغيره؛ فإنه يملكها بذلك ولو لم يزرعها أو يبن فيها.
وقوله: "منيع" أي: يمنع مَنْ خارجه من الدخول إلى تلك الأرض.
(٣) (الأمر الثاني) إجراء ماء لا تزرع إلا به، سواء أجراه من نهر أو بئر أو غير ذلك. ولا تملك الأرض بمجرد الزرع؛ فلو وضع في أرض بذرا فسُقي بالمطر ونبت لم يعتبر فعله إحياءً.
(٤) (الأمر الثالث) غرس شجر فيها؛ لأن الشجر يراد للبقاء كبناء الحائط، قال البهوتي في شرح المنتهى: (بأن كانت لا تصلح لغرس؛ لكثرة أحجارها ونحوها، فينقيها ويغرسها؛ لأنه يراد للبقاء كبناء حائط، ولا يحصل إحياء بحرث وزرع).
ومن غرس شجرة واحدة ملك مدَّ أغصانها، أي: ما تحتها.
وهل إذا أحاط الأرض بالأشجار يملكها كاملة؟ الجواب: =
стр. 1075
أو حَفْرِ بئرٍ فيها (١).
فإن تحَجَّر مَواتًا (٢)؛ بأنْ أدارَ حولَه أَحجَارًا (٣)، أو حَفَر بئرًا لم يصِل ماؤها (٤)،
= إن كانت تمنع مَنْ وراءها من الدخول في الأرض كان إحياء وإلا فلا، فليحرر.
(١) (الأمر الرابع) حفر بئر فيها؛ فيحصل به الإحياء بشرط الوصول إلى الماء.
وحفر البئر قسمان: ١ - حفر بئر عادية -وهي التي حُفِرت سابقا ثم طمرت-، فمن جدد حفرها ملك خمسين ذراعا من كل جانب، وذلك خمسة وعشرون مترا تقريبا. ٢ - أما من حفر بئرا جديدة؛ فإنه يملك نصف ذلك، أي: خمسة وعشرين ذراعا، وهذا ثلاثة عشر مترا تقريبا.
(تتمة) (الأمر الخامس) -ولم يذكره المؤلف- أن يمنع عن الموات ما لا تزرع معه؛ كأن يقطع عنها ماءً لا تزرع معه؛ لكثرته وغرقها به، فيحبسه عنها بحيث يمكن زرعها.
(٢) هذا شروع في بيان محترزات القيود التي يحصل بها الإحياء، وهي أمور لا يحصل بها الإحياء.
(٣) أي: أدار حجارة على أرض موات، أو ترابا أو شوكا أو حائطا غير منيع؛ فهذا تصويرٌ للتحجير، ولا يحصل به الملك؛ والمسافر قد ينزل منزلا ويحوط على رحله بنحو ذلك. لكنه يكون اختصاصا فهو أحق به من غيره كما سيأتي في كلام المؤلف.
(٤) قوله: "ماؤها" كذا بالرفع في بعض النسخ، وفي المنتهى =
стр. 1076
أو سَقَى (١) شجَرًا مُباحًا (٢) كزيتُونٍ ونحوه، أو أصلَحَه ولم يُرَكِّبْه (٣)،
= وشرحه، ونسخة ابن عوض، والتي بتحقيق الجماز: "ماءَها" -بالنصب-، أي: ولم يصل الحافرُ للبئر إلى مائه فلا يملكها نصا.
(١) هذه عبارة التنقيح، وتبعه المنتهى والغاية، والصواب كما في حواشي التنقيح للحجاوي: (شفَّى) -بالشين المعجمة، والفاء المشددة-، وبها جاءت عبارته في الإقناع.
والمعنى كما قال الحجاوي في حواشي التنقيح: (قطع الأغصان الكبيرة القديمة التي لا تصلح للتركيب -وهو التطعيم-؛ لتخلفها أغصان جيدة تصلح للتركيب، وهذا هو الواقع في جبال الأرض المقدسة وغيرها كما شاهدناه نحن وغيرنا؛ فإنه ليس هناك ما يسقى به الزيتون والخروب). (مخالفة الماتن)
(٢) ليس مملوكا لأحد.
(٣) قوله: (أو أصلحه) كذا فيما وقفت عليه من نسخ الدليل، وفيه نسخة: (وأصلحه) وهي الموافقة للمنتهى والإقناع والغاية، والمراد: أنه إذا شفَّى - أي: قطع الأغصان الرديئة لتخلفها أغصان جيدة - شجرا مباحا - كالزيتون - ليس مملوكا لأحد وأصلحه، ولم يركبه أي: لم يطعمه بغصن آخر من غير شجره، وطعَّم الغصنَ وأطعمه إذا وصل به غصنا من غير شجره، فلا يملكه، قال في الإقناع وشرحه: (فإن ركب، أي: أطعم الزيتون والخرنوب) بعد أن شفاه وأصلحه (ملكه)؛ لأنه تهيأ بذلك للانتفاع به لما يراد منه فهو كسوق الماء إلى الأرض الموات).
стр. 1077
لم يملِكْهُ، لكنَّه أحقُّ بهِ مِنْ غَيرِه، ووارِثُه بعدَه (١)، فإن أعطَاهُ لأحَدٍ كان له (٢).
(١) كل ما لا يحصل به الإحياء مما ذكره المؤلف من تحجير الموات وما بعده لا يملك به؛ لكن الفاعل لذلك أحق به من غيره؛ لحديث: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) رواه أبو داود، فإن مات فوارثه من بعده أحق به من غيره؛ لحديث: (من ترك حقا أو مالا فهو لورثته) متفق عليه.
(٢) بالأحقية، أي: أحق به من غيره؛ لأنه أقامه مقامه فيه، وليس للمتحجر أو وارثه أو من انتقل إليه بيعه؛ لأنه لا يملكه، وشرط المبيع أن يكون مملوكا. وليس له بيعه ولا يصح؛ لأنه لم يملكه، قال في الإقناع وشرحه: (وكذا من ينقله) المتحجر، أو وارثه (إليه بغير بيع) فيكون أحق به من غيره؛ لأن من له الحق أقامه مقامه فيه، (وليس له) أي المتحجر أو وارثه أو من انتقل إليه من أحدهما (بيعه)؛ لأنه لم يملكه وشرط المبيع أن يكون مملوكا).
وهل يجوز أخذ عوض عن أحقيته بهذا الشيء ليعطيه غيره؟ قرر الشيخ منصور: أنه يجوز لا على وجه البيع، ونقله عن ابن نصر الله قال في شرح المنتهى: (وليس له) أي: لمن قلنا إنه أحق بشيء من ذلك السابق (بيعه) ; لأنه لم يملكه كحق الشفعة قبل الأخذ، وكمن سبق إلى مباح، لكن النزول عنه بعوض لا على وجه البيع جائز كما ذكره ابن نصر الله قياسا على الخلع). =
стр. 1078
ومن سَبَقَ إلى مُباحٍ، فَهوَ له (١)، كصيدٍ، وعَنْبَرٍ، ولؤلُؤٍ، ومَرجَانٍ، وحَطَبٍ، وثَمَرٍ، ومنبوذٍ (٢) رغبةً عنه، والمِلكُ مقصُورٌ فيه على القَدْرِ المَأخُوذِ (٣).
= (تتمة) إن طالت المدة على المتحجر أو من بعده عرفا، كنحو ثلاث سنين -كما في الإقناع-، ولم يتم إحياء الموات، قيل له: إما أن تحييه، أو تتركه لمن يحييه -إن حصل متشوفٌ للإحياء-.
(١) لقوله ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له» رواه أبو داود.
(٢) أي: مطروح.
(٣) أي: ليس له ملك ما لم يَحُزْهُ، ولا أن يمنع غيره منه.
стр. 1079
بَابُ الجُعَالَةِ
وهي: جَعلُ مالٍ مَعلُومٍ لمن يَعمَلُ له عَملًا مُباحًا، ولو مَجهُولًا (١)،
(١) الجعالة -بتثليث الجيم- لغة: من الجَعل بمعنى التسمية.
واصطلاحا: كما عرفها المؤلف: جعل مال معلوم لمن يعمل له عملا مباحا ولو مجهولا، ويزاد عليه: أو مدة ولو مجهولة.
والأصل في مشروعيتها: من الكتاب قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ [يوسف، ٧٢]، أي: من جاء بصواع الملك المفقود فله حمل بعير، ومن السنة: حديث اللديغ المشهور متفق عليه.
ومن النظر: أن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها، ولا تجوز الإجارة عليه -للجهالة-، فدعت الحاجة إلى العوض مع جهالة العمل.
(تتمة) أركانها أربعة: ١ - الصيغة، ٢ - العاقدان، ٣ - العمل، ٤ - العوض.
يشترط لصحتها أربعة شروط: ١ - العلم بالجُعْل برؤية أو صفة إلا إذا قال له: بع ثوبي بكذا وما زاد فهو لك، كما ذكره الغاية هنا اتجاهاً، ووافقه الشطي، كذلك استثنوا: الجهالة في الجعل إن كان من مال حربيٍّ، ٢ - وكون الجاعل جائز =
стр. 1080
كقَولِه: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي (١)، أو: بَنَى لِي هَذَا الحائِطَ (٢)، أو: أذَّنَ
= التصرف، ٣ - وكون العمل الذي رُتب عليه الجعلُ مباحاً، وقال صاحب الغاية: (ويتجه: لا عبثاً كالمشي على الحبل وحمل الأثقال)، فلا يصح أن يجعل مبلغاً لمن يمشي على حبل أو يحمل أثقالاً؛ لأنه يعرض به غيرَه للخطر ولا يستفاد منه، ٤ - أن يكون العمل المجاعل عليه للجاعل لا لغيره إلا إذا كان عملاً صالحاً ويتعدى نفعه.
فإن قال -مثلا-: "من حفظ كذا فله خمسون ريالا"، لم يصح من باب الجعالة؛ لأن هذا النفع للمجعول له، لكن يجوز من باب الهدية والمكافأة، فلا يلزم لو لم يعطه.
الفروق بين الجعالة والإجارة: قال ابن عوض - نقلا عن الحفيد -: (واعلم أن الجعالة تخالف الإجارة في ستة أمور: منها: أنه لا يشترط في الجعالة العلم بالعمل ولا المدة، ومنها: أنه لا يشترط فيها تعيين العامل للحاجة، ومنها: أن العمل فيها قائم مقام القبول؛ لأنه يدل عليه، كالوكالة، ومنها: أن العامل لا يلتزم العمل، ومنها: أنه يجوز فيها بين تقدير المدة والعمل، ومنها: أنها جائزة، بخلاف الإجارة في ذلك كله).
قلت: فتتفق الجعالة مع الإجارة: في أن العوض فيهما في مقابلة منفعة، ويتفقان أيضاً: في أن المنفعة لمن يبذل العوض، فهي في الإجارة للمستأجر، وفي الجعالة للجاعل. (بحث)
(١) مثال للعمل المجهول.
(٢) مثال للعمل المعلوم، والمدة مجهولة.
стр. 1081
بهذا المَسجِدِ شَهرًا (١)، فله كَذَا.
فمن فَعَلَ العَملَ بعدَ أن بلَغَه الجُعْلُ، استحقَّه كلَّهُ، وإن بلَغَهُ في أثناءِ العَمَلِ، استحقَّ حِصَّةَ تمامِهِ، وبَعدَ فَراغِ العَمَلِ، لم يستَحِقَّ شَيئًا (٢).
(١) مثال للجمع بين تقدير المدة والعمل -كذا قال ابن عوض-، وقال اللبدي: (مفهوم المتن أن هذا مثال للعمل المجهول، ومفهوم الشارح - يقصد التغلبي في نيل المآرب - أنه مثال للمدة المجهولة، وكلاهما غير سديد. وإنما هذا من العمل المشترط أن يكون فاعله مسلما، يعني أن هذا مما تخالف الجعالة الإجارة. وكذا يصح في الجعالة الجمع بين تقدير المدة والعمل، ك: من خاط لي هذا الثوب في يوم كذا، بخلاف الإجارة).
(٢) فهذه ثلاث حالات: الأولى ظاهرة؛ وهي أن يعمل بعد أن يبلغه الجعل فيستحقه كله بلا إشكال؛ لاستقراره بتمام العمل، كالربح بالمضاربة، وقال حفيد صاحب المنتهى: (لعله إن فعله بنية الجعل)، وإن كانوا جماعة اقتسموه. الثانية: أن يبلغه الجعل أثناء العمل فيُتِمُّه بنية الجعل فيستحق حصة تمام العمل فقط؛ لأن عمله قبل بلوغه الجعل وقع غير مأذون فيه، فلم يستحق عنه عوضا؛ لأنه بذل منافعه متبرعا، الثالثة: أن يبلغه الجعل بعد تمام العمل؛ فلا يستحق شيئا، قال في المنتهى: (وحرم أخذه)، قال الشيخ منصور: (إلا إن تبرع له به ربه بعد إعلامه بالحال).
=
стр. 1082
وإن فَسَخَ الجَاعِلُ قَبْلَ تمَامِ العَمَلِ، لَزِمَهُ أُجرَةُ المِثْلِ، وإن فَسَخَ العَامِلُ، فلا شيءَ له (١).
= (تتمة) قال ابن عوض: (إن تلف الجعل بيد الجاعل كان للعامل مثله إن كان مثليا، وإلا فقيمته. ولو اختلف المالك والعامل، فقال: عملته بعد أن بلغني الجعل. وقال المالك: بل قبله. فالظاهر أن القول قول العامل؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته، ولم أر من صرّح بذلك قاله الشهاب والد صاحب المنتهى).
(١) أي: إن فسخ العاملُ ولو بعد شروعه في العمل: فلا شيء له؛ لأنه أسقط حق نفسه حيث لم يأت بما شرط عليه، وإن فسخ الجاعلُ بعد شروع العامل في العمل: أعطاه أجرة مثلِ عمله، لكن يشكل عليه: ما لو كانت الجعالة على عمل يختص فاعله بأن يكون من أهل القربة -كتعليم قرآن مثلاً-، وفَسَخَ الجاعل المتعلمُ عقدَ الجعالة، فكيف يكون للعامل المعلم أجرة عمله، وهو لا يصح عقد الإجارة عليه إلا أن يقال: يقدر صحة الإجارة عليه، والله أعلم، فليحرر.
(تتمة) إن اختلف المالك والعامل في أصل جعل بأن قال العامل: جعلتَ لي على هذا العمل كذا. وأنكر المالك فقال: لم أجعل لك شيئا على هذا العمل، فقول من ينفيه، أو اختلفا في قدره -أي: الجعل- كأن قال العامل: جعلت لي عشرة دراهم. فقال الجاعل: بل خمسة مثلا، فقول الجاعل؛ لأنه منكِرٌ، والأصل براءة ذمته مما لم يعترف به.
стр. 1083
ومن عَمِلَ لِغَيرِه عَمَلًا بإذنه، من غيرِ تقديرِ أُجرَةٍ وجُعَالَةٍ، فلهُ أُجرةُ المِثلِ (١)، وبغَيرِ إذنِه؛ فلا شَيءَ له (٢)، إلَّا في مسأَلتَين:
إحداهُما: أن يُخلِّصَ مَتَاعَ غَيرِه مِنْ مَهلَكَةٍ (٣)، فلَهُ أُجرَةُ مِثلِه (٤).
الثَّانِيَةُ: أن يَرُدَّ رَقيقًا آبِقًا لسيِّدِه، فله ما قدَّره الشَّارِعُ، وهو دِينَارٌ، أو اثنَا عشَرَ دِرهَمًا (٥).
(١) لدلالة العرف على ذلك، قوله: "من عمل … فله أجرة المثل" مقيدٌ بمعدٍّ نفسَه لذلك العمل.
(٢) ولو من مُعِدٍّ نفسَه لذلك العمل؛ وذلك أن من عمل لغيره عملاً فلا يخلو حاله مما يلي: أ- أن يكون من معدٍّ نفسَه لذلك العمل؛ فيستحق: ١ - الأجرة المسماة -إن عقد عقْدَ إجارة-، ٢ - الجعلَ المسمى -إن عقَد عقْد جعالة-، ٣ - أجرة المثل -إن عمل بإذنٍ بلا جعالة ولا إجارة-، ٤ - وإن لم يحصل: عقدُ إجارةٍ، ولا جعالةٍ، ولا إذنٍ فلا يستحق شيئًا. ب- أن يكون غير معدٍ نفسَه لذلك العمل؛ فلا شيء له، ما لم يجعل له جعلاً أو أجرة، وإلا فلا ولو أذن له في العمل، وتنظر الحواشي السابغات ص (٤٨٦).
(٣) هي: المكان -أو الحال- الذي إذا ترك فيه الشي يغلب على الظن هلاكه؛ كغرق، وفمِ سبع، وفلاةٍ يظن هلاكه في تركه.
(٤) له أجرة المثل وجوبا -إن نوى الرجوع-، وإن لم يأذن له رب المتاع؛ لأن في ذلك ترغيباً في إنقاذ أموال الناس من الهلاك، والغالبُ عدم إمكان استئذان صاحبها لغيبته.
(٥) إذا رد أحد عبداً آبقاً إلى سيده، فإنه يستحق ما قدره الشارع =
стр. 1084
بَابُ اللُّقَطَةِ (١)
= وهو: دينار أو اثنا عشر درهماً، وقد ورد فيه حديث عمرو بن دينار مرسلا: «أن النبي ﷺ جعل في رد الآبق إذا جاء به خارجا من الحرم دينارا» رواه ابن أبي شيبة والبيهقي، ومحل ذلك إن نوى الرجوع.
(تتمة) يجب للرادِّ أجرة المثل ما لم يكن الإمامَ أو نائبَه؛ لانتصابه للمصالح، وله حق في بيت المال على ذلك، والله أعلم.
(١) اللقطة - كهُمَزَة، بضم اللام وفتح القاف - لغة: اسم للمُلْتَقَطِ. وهي اصطلاحاً: مال أو مختص لغير حربي- ككلب وجلد ميتة - ضل عن ربه، يلتقطه غيرُ ربه.
والأصل في الالتقاط: حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ سُئل عن لقطة الذهب والوَرِق، فقال: (اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه وسأله عن ضالة الإبل فقال مالك ولها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها وسأله عن الشاة فقال خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب). متفق عليه.
стр. 1085
وهي ثَلاثَةُ أقسَامٍ:
أحدُها: ما لا تتبعُهُ هِمَّةُ أوسَاطِ النَّاسِ (١)، كسَوطٍ،
(١) اللقطة ثلاثة أقسام: (القسم الأول) ما يجوز التقاطه ويُملك إن لم يعلم صاحبه، قال الموفق في المغني: (لا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به)، في الحواشي السابغات: (وهو ما لا تتبعه همة أوساط الناس، أي: لا يهتمون بطلبه لو ضاع منهم، ولا يطلبونه، فالعبرة في ذلك بأوساط الناس، لا بالبخيل الذي يغتم بفقدان أدنى الأشياء، ولا بالكريم الذي لا يبالي بضياع المال الكثير، ولم أقف على تفسير ل (أوساط الناس) إلا في حاشية الروض المربع لابن قاسم حيث قال: (وعبر بأوساط الناس لأن أشرافهم لا يهتمون بالشيء الكبير وأسقاطهم قد تتبع هممهم الرذل الذي لا يؤبه له)، والشيخ ابن عثيمين في الممتع قال: (هل المراد أوساط الناس بالمال أو أوساط الناس بالشح، أو بهما جميعاً؟ الجواب: بهما جميعاً، يعني أن أوساط الناس الذين ليسوا من الأغنياء ولا من الفقراء، ولا من الكرماء الذين لا يهتمون به، ولا من البخلاء، فالبخيل همته تتبع حتى قُلامة الظُّفْر .. إذاً أوساط الناس خُلُقاً ومالاً، خلقاً يعني ليس من الكرماء الذين لا يهتمون بالأمور، ولا من البخلاء الذين همتهم تتبع كل شيء)، ثم وجدت كلامَ الشيخ سلطان العيد في حاشيته على الدليل ص (٤٩٦): (وفي الممتع لابن المنجى في باب نواقض الوضوء: أوساط الناس في اللقطة: غير ذي الشرف وأهل الدناءة).
стр. 1086
ورَغيفٍ، ونَحوِهِما (١). فهذا يُملَكُ بالالتِقَاطِ (٢)، ولا يَلزَمُهُ تعريفُهُ (٣)، لكِنْ إنْ وجَدَ ربَّهُ دفَعَهُ لهُ إنْ كانَ باقِيًا، وإلَّا لم يَلزمْهُ شَيءٌ (٤).
(١) قال في الإقناع: (وما قيمته كذلك)، وقال أيضا: (وكذا لو لقي كناس ومن في معناه) كالمقلش (قطعا صغارا مفرقة) من الفضة فإنه يملكها بأخذها، ولا يلزمه تعريفها، ولا بدلها إن وجد ربها (ولو كثرت) بضم بعضها إلى بعض؛ لأن تفرقها يدل على تغاير أربابها)، والمقلش: هو الذي ينخل التراب في الأزقة؛ لطلب ما سقط من الناس كما في المصباح، ويؤخذ من كلام الإقناع هنا أن مما لا تتبعه همة أوساط الناس قد يكون من الذهب والفضة، ولا يتعارض مع ما سيأتي في القسم الثالث، ولعله فيما تتبعه همة أوساط الناس، والله أعلم.
(٢) للقسم الأول ثلاثة أحكام: (الحكم الأول): أنه يملك بمجرد الالتقاط، لكنه مقيد بعدم معرفة صاحبه، وإلا وجب رده إليه ولو كان شيئاً تافهاً وسيأتي في كلام المؤلف، والأفضل مع ذلك أن يتصدق به، كما في الإقناع.
(٣) هذا (الحكم الثاني): لا يلزم الملتقط تعريفه؛ لأنه من قبيل المباحات.
(٤) هذا (الحكم الثالث): إن وجد الملتقطُ ربَّه رده له وجوبا إن كان باقيا، وإلا - بأن تلف أو استهلكه - لم يلزم الملتقط بدله.
стр. 1087
ومَنْ تَركَ دابَّتَهُ (١) تَرْكَ إياسٍ بمَهلَكَةٍ، أو فَلاةٍ لانِقطَاعِها (٢)، أو لعَجْزِه عَنْ عَلَفِها، مَلَكَها آخِذُها (٣)، وكَذَا ما يُلقَى في البَحرِ خَوفًا من الغَرقِ (٤).
الثَّانِي: الضَّوالُّ التي تمتَنِعُ من صِغَارِ السِّباع (٥)، كالإبلِ
(١) لا عبدا، أو متاعا، تركه ربه عجزا عنه فلا يملكه بذلك اقتصارا على صورة النص، ولأن العبد يمكنه في العادة التخلص إلى الأماكن التي يعيش فيها، والمتاع لا حرمة له في نفسه ولا يخشى عليه التلف كما يخشى على الحيوان. قاله النجدي في حاشية المنتهى، وأصله للموفق ابن قدامة في المغني.
(٢) أي: لانقطاعها بعجزها عن المشي.
(٣) إلا أن يكون تركها ليرجع إليها، أو ضلت منه، فلا يملكها آخذها -كما في الإقناع-.
(تتمة) إن اختلف صاحب الدابة مع الآخذ، فقال المالك: تركتُها لأرجع إليها وضلَّت عنِّي، وقال الآخذ: بل تركتها ترك إياس: قال اللبدي: (فالظاهر أن القولَ قولُ المالك؛ لأنه أعلم بنيته، ولم أر من صرح به، لكن مع عدم قرينة، وإلا بأن دلت قرينة قوية على تركها ترك إياس فلا يقبل قوله بعدم ذلك، هذا ما ظهر فتأمل).
(٤) فيملكه آخذه؛ لإلقاء صاحبه له اختيارا فيما يتلف بتركه، أشبه ما لو ألقاه رغبة عنه.
(٥) (القسم الثاني) ما يحرم التقاطه ولا يُملك، وهي الضوال التي =
стр. 1088
والبَقرِ والخَيلِ والبِغَالِ والحَميرِ (١) والظِّباء. فيحرُمُ التِقاطُها (٢)، وتُضمَنُ كالغَصْبِ (٣)، ولا يَزولُ الضَّمانُ إلَّا بدَفعِها للإمَامِ أو نائِبهِ، أو بِردِّها إلى مكانِها بإذِنه.
= تمتنع وتحمي نفسها من صغار السباع كالأسد الصغير والذئب. والضوال - كما في المطلع -: (جمع ضالة، قال الجوهري: لا يقع إلا على الحيوان، فأما الأمتعة فيقال لها: لقطة) انتهى كلام المطلع، وهي تمتنع من صغار السباع إما لكبر جثتها كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمير الأهلية، وإما لسرعة عدوها كالظباء، وإما لطيرانها كالطير.
(١) أي: الأهلية، خلافا للموفق؛ فإنه ألحقها بالشياه في عدم قوة الامتناع، وأيضا تخالف الإبل في القوة على ورود الماء والصبر، قال اللبدي: (وهذا هو المشاهد من حالها … فالذي يجب أن يتبع في هذا: الشيخُ موفق الدين) انتهى مختصرا.
(٢) ولهذا القسم عدة أحكام: (الحكم الأول): يحرم التقاطها: لأن الرسول ﷺ سئل عن ضالة الإبل فقال: «ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، متفق عليه. ويستثنى من ذلك: الإمام ونائبه، فلهما أخذها لحفظها لربها.
(٣) (الحكم الثاني) إذا التقطها أحد ضمنها كالغصب أي: سواء تعدى أو فرط أو لم يتعد ولم يفرط؛ لعدم إذن الشارع فيه، ولا يبرأ من الإثم والضمان إلا إذا سلمها للحاكم أو نائبه؛ =
стр. 1089
ومن كتَمَ شيئًا مِنها (١) فَتَلِفَ، لزِمَه قِيمَتُه مرَّتَين (٢).
= لأن له نظرا في مال الغائب، أو ردها إلى مكانها بإذن الحاكم -كما ذكر المؤلف- فإن ردها إلى مكانها بغير إذن الإمام وتلفت ضمنها؛ لأنه بأخذها لزمه حفظها، وتركها والتفريط فيها) تضييع لها. قاله في الكشاف.
(تتمة) يُلحِق الحنابلةُ بهذا القسم القدورَ والآلات والأخشاب الكبيرة كالتي تضعها الشركات في البرّ لمشاريعها، فهذه ليست بلقطة، فلا تلتقط ولا يجوز تملكها، وهي أَولى بعدم جواز التقاطها من الإبل؛ لأنها لا تتلف بطول الزمن ويطلبها أصحابها حيث تركوها؛ لكونها لا تتحرك.
(١) أي: كتمه عن ربه -كما قاله شارح المنتهى-، قال ابن عوض عن الحفيد: (وقال ابن نصر الله: كتمه عن الإمام. وقال ابن عادل: ضمانها بقيمته مرتين مختص بما إذا كتمها عن الإمام، أما إذا لم يكتمها عن الإمام فإنه يضمنها إذا تلفت أو نقصت كغاصب. انتهى، والظاهر: أنه لا تنافي بين ما قالاه، ويكون المعنى: أنه يكتمها عن ربها إن وُجِدَ، أو عن الإمام إن كان ربها غائبا).
(٢) هذا (الحكم الثالث): أنه إن التقطها وكتمها فإنه يضمنها بقيمتها مرتين؛ لحديث أبي هريرة قال ﷺ : "في الضالة المكتومة غرامتها ومثلها معها" رواه أبو داود وغيره.
(تتمة) (الحكم الرابع): لا يملك هذا القسم من اللقطة بتعريفه، ولو عرفها؛ لأنه يحرم التقاطها.
стр. 1090
وإنْ تَبِعَ شَيءٌ مِنهَا دوابَّهُ فطَرَدَه، أو دَخَلَ دارَهُ فأخرَجَه، لم يَضمَنْهُ حيثُ لم يأخُذْهُ (١).
الثَّالِثُ (٢): كالذَّهبِ، والفِضَّةِ، والمتَاعِ، وما لا يَمتَنِعُ من صِغارِ السِّباعِ، كالغَنم، والفُصْلانِ (٣)، والعَجَاجِيلِ (٤)، والإِوَزِّ، والدَّجَاجِ. فَهذِه يجُوزُ التقَاطُها لمِنَ وَثِقَ مِنْ نفسِه الأمانَةَ، والقُدرَةَ على تَعرِيفِها، والأفضَلُ معَ ذلِكَ تركُها (٥)، فإنْ أخذَهَا،
(١) قال ابن عوض: (قوله: حيث لم يأخذه): حيثية تعليل؛ لأنه لم يأخذه)، وهذه مسألة ذكرها صاحب الإقناع والغاية، قال في الإقناع وشرحه: (فإن تبع شيء منها) أي: الضوال المذكورة (دوابه فطرده) فلا ضمان عليه (أو دخل) شيء منها (داره فأخرجه فلا ضمان عليه حيث لم يأخذه، ولم تثبت يده عليه). وتقدم.
(٢) هذا (القسم الثالث) ما يجوز التقاطه -ولا يملك بالالتقاط-، ويملك بتعريفه شرعاً، وهو باقي الأموال غير القسمين المتقدمين، وله عدة أحكام سيذكرها المؤلف.
(٣) المتاع: كالثياب والفرش والأواني، والفُصلان - بضم الفاء وكسرها -: جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه.
(٤) العجاجيل: جمع عجل، وهو ولد البقرة.
(٥) هذا القسم له عدة أحكام: (الحكم الأول) أنه يجوز التقاطها بشرطين: ١ - أن يأمن نفسه عليها إذا التقطها من إتلافها أو تضييعها أو تملكها قبل التعريف، ٢ - أن يقوى على تعريفها، فلا يلتقطها مَنْ ليس عنده وقتٌ لتعريفها مثلاً، فإن عدم أحد =
следующие страницы →