← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30004

فيض الجليل على متن الدليل

أحمد بن ناصر القعيمي

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ورَغيفٍ، ونَحوِهِما (١). فهذا يُملَكُ بالالتِقَاطِ (٢)، ولا يَلزَمُهُ تعريفُهُ (٣)، لكِنْ إنْ وجَدَ ربَّهُ دفَعَهُ لهُ إنْ كانَ باقِيًا، وإلَّا لم يَلزمْهُ شَيءٌ (٤). (١) قال في الإقناع: (وما قيمته كذلك)، وقال أيضا: (وكذا لو لقي كناس ومن في معناه) كالمقلش (قطعا صغارا مفرقة) من الفضة فإنه يملكها بأخذها، ولا يلزمه تعريفها، ولا بدلها إن وجد ربها (ولو كثرت) بضم بعضها إلى بعض؛ لأن تفرقها يدل على تغاير أربابها)، والمقلش: هو الذي ينخل التراب في الأزقة؛ لطلب ما سقط من الناس كما في المصباح، ويؤخذ من كلام الإقناع هنا أن مما لا تتبعه همة أوساط الناس قد يكون من الذهب والفضة، ولا يتعارض مع ما سيأتي في القسم الثالث، ولعله فيما تتبعه همة أوساط الناس، والله أعلم. (٢) للقسم الأول ثلاثة أحكام: (الحكم الأول): أنه يملك بمجرد الالتقاط، لكنه مقيد بعدم معرفة صاحبه، وإلا وجب رده إليه ولو كان شيئاً تافهاً وسيأتي في كلام المؤلف، والأفضل مع ذلك أن يتصدق به، كما في الإقناع. (٣) هذا (الحكم الثاني): لا يلزم الملتقط تعريفه؛ لأنه من قبيل المباحات. (٤) هذا (الحكم الثالث): إن وجد الملتقطُ ربَّه رده له وجوبا إن كان باقيا، وإلا - بأن تلف أو استهلكه - لم يلزم الملتقط بدله.

стр. 1087

ومَنْ تَركَ دابَّتَهُ (١) تَرْكَ إياسٍ بمَهلَكَةٍ، أو فَلاةٍ لانِقطَاعِها (٢)، أو لعَجْزِه عَنْ عَلَفِها، مَلَكَها آخِذُها (٣)، وكَذَا ما يُلقَى في البَحرِ خَوفًا من الغَرقِ (٤). الثَّانِي: الضَّوالُّ التي تمتَنِعُ من صِغَارِ السِّباع (٥)، كالإبلِ (١) لا عبدا، أو متاعا، تركه ربه عجزا عنه فلا يملكه بذلك اقتصارا على صورة النص، ولأن العبد يمكنه في العادة التخلص إلى الأماكن التي يعيش فيها، والمتاع لا حرمة له في نفسه ولا يخشى عليه التلف كما يخشى على الحيوان. قاله النجدي في حاشية المنتهى، وأصله للموفق ابن قدامة في المغني. (٢) أي: لانقطاعها بعجزها عن المشي. (٣) إلا أن يكون تركها ليرجع إليها، أو ضلت منه، فلا يملكها آخذها -كما في الإقناع-. (تتمة) إن اختلف صاحب الدابة مع الآخذ، فقال المالك: تركتُها لأرجع إليها وضلَّت عنِّي، وقال الآخذ: بل تركتها ترك إياس: قال اللبدي: (فالظاهر أن القولَ قولُ المالك؛ لأنه أعلم بنيته، ولم أر من صرح به، لكن مع عدم قرينة، وإلا بأن دلت قرينة قوية على تركها ترك إياس فلا يقبل قوله بعدم ذلك، هذا ما ظهر فتأمل). (٤) فيملكه آخذه؛ لإلقاء صاحبه له اختيارا فيما يتلف بتركه، أشبه ما لو ألقاه رغبة عنه. (٥) (القسم الثاني) ما يحرم التقاطه ولا يُملك، وهي الضوال التي =

стр. 1088

والبَقرِ والخَيلِ والبِغَالِ والحَميرِ (١) والظِّباء. فيحرُمُ التِقاطُها (٢)، وتُضمَنُ كالغَصْبِ (٣)، ولا يَزولُ الضَّمانُ إلَّا بدَفعِها للإمَامِ أو نائِبهِ، أو بِردِّها إلى مكانِها بإذِنه. = تمتنع وتحمي نفسها من صغار السباع كالأسد الصغير والذئب. والضوال - كما في المطلع -: (جمع ضالة، قال الجوهري: لا يقع إلا على الحيوان، فأما الأمتعة فيقال لها: لقطة) انتهى كلام المطلع، وهي تمتنع من صغار السباع إما لكبر جثتها كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمير الأهلية، وإما لسرعة عدوها كالظباء، وإما لطيرانها كالطير. (١) أي: الأهلية، خلافا للموفق؛ فإنه ألحقها بالشياه في عدم قوة الامتناع، وأيضا تخالف الإبل في القوة على ورود الماء والصبر، قال اللبدي: (وهذا هو المشاهد من حالها … فالذي يجب أن يتبع في هذا: الشيخُ موفق الدين) انتهى مختصرا. (٢) ولهذا القسم عدة أحكام: (الحكم الأول): يحرم التقاطها: لأن الرسول ﷺ سئل عن ضالة الإبل فقال: «ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، متفق عليه. ويستثنى من ذلك: الإمام ونائبه، فلهما أخذها لحفظها لربها. (٣) (الحكم الثاني) إذا التقطها أحد ضمنها كالغصب أي: سواء تعدى أو فرط أو لم يتعد ولم يفرط؛ لعدم إذن الشارع فيه، ولا يبرأ من الإثم والضمان إلا إذا سلمها للحاكم أو نائبه؛ =

стр. 1089

ومن كتَمَ شيئًا مِنها (١) فَتَلِفَ، لزِمَه قِيمَتُه مرَّتَين (٢). = لأن له نظرا في مال الغائب، أو ردها إلى مكانها بإذن الحاكم -كما ذكر المؤلف- فإن ردها إلى مكانها بغير إذن الإمام وتلفت ضمنها؛ لأنه بأخذها لزمه حفظها، وتركها والتفريط فيها) تضييع لها. قاله في الكشاف. (تتمة) يُلحِق الحنابلةُ بهذا القسم القدورَ والآلات والأخشاب الكبيرة كالتي تضعها الشركات في البرّ لمشاريعها، فهذه ليست بلقطة، فلا تلتقط ولا يجوز تملكها، وهي أَولى بعدم جواز التقاطها من الإبل؛ لأنها لا تتلف بطول الزمن ويطلبها أصحابها حيث تركوها؛ لكونها لا تتحرك. (١) أي: كتمه عن ربه -كما قاله شارح المنتهى-، قال ابن عوض عن الحفيد: (وقال ابن نصر الله: كتمه عن الإمام. وقال ابن عادل: ضمانها بقيمته مرتين مختص بما إذا كتمها عن الإمام، أما إذا لم يكتمها عن الإمام فإنه يضمنها إذا تلفت أو نقصت كغاصب. انتهى، والظاهر: أنه لا تنافي بين ما قالاه، ويكون المعنى: أنه يكتمها عن ربها إن وُجِدَ، أو عن الإمام إن كان ربها غائبا). (٢) هذا (الحكم الثالث): أنه إن التقطها وكتمها فإنه يضمنها بقيمتها مرتين؛ لحديث أبي هريرة قال ﷺ : "في الضالة المكتومة غرامتها ومثلها معها" رواه أبو داود وغيره. (تتمة) (الحكم الرابع): لا يملك هذا القسم من اللقطة بتعريفه، ولو عرفها؛ لأنه يحرم التقاطها.

стр. 1090

وإنْ تَبِعَ شَيءٌ مِنهَا دوابَّهُ فطَرَدَه، أو دَخَلَ دارَهُ فأخرَجَه، لم يَضمَنْهُ حيثُ لم يأخُذْهُ (١). الثَّالِثُ (٢): كالذَّهبِ، والفِضَّةِ، والمتَاعِ، وما لا يَمتَنِعُ من صِغارِ السِّباعِ، كالغَنم، والفُصْلانِ (٣)، والعَجَاجِيلِ (٤)، والإِوَزِّ، والدَّجَاجِ. فَهذِه يجُوزُ التقَاطُها لمِنَ وَثِقَ مِنْ نفسِه الأمانَةَ، والقُدرَةَ على تَعرِيفِها، والأفضَلُ معَ ذلِكَ تركُها (٥)، فإنْ أخذَهَا، (١) قال ابن عوض: (قوله: حيث لم يأخذه): حيثية تعليل؛ لأنه لم يأخذه)، وهذه مسألة ذكرها صاحب الإقناع والغاية، قال في الإقناع وشرحه: (فإن تبع شيء منها) أي: الضوال المذكورة (دوابه فطرده) فلا ضمان عليه (أو دخل) شيء منها (داره فأخرجه فلا ضمان عليه حيث لم يأخذه، ولم تثبت يده عليه). وتقدم. (٢) هذا (القسم الثالث) ما يجوز التقاطه -ولا يملك بالالتقاط-، ويملك بتعريفه شرعاً، وهو باقي الأموال غير القسمين المتقدمين، وله عدة أحكام سيذكرها المؤلف. (٣) المتاع: كالثياب والفرش والأواني، والفُصلان - بضم الفاء وكسرها -: جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه. (٤) العجاجيل: جمع عجل، وهو ولد البقرة. (٥) هذا القسم له عدة أحكام: (الحكم الأول) أنه يجوز التقاطها بشرطين: ١ - أن يأمن نفسه عليها إذا التقطها من إتلافها أو تضييعها أو تملكها قبل التعريف، ٢ - أن يقوى على تعريفها، فلا يلتقطها مَنْ ليس عنده وقتٌ لتعريفها مثلاً، فإن عدم أحد =

стр. 1091

ثمَّ ردَّها إلى مَوضِعِها، ضَمِنَ (١). = الشرطين حرم التقاطها، والأفضل عدم التقاطها ولو مع توفر الشرطين، ولو وجدها بمهلكة -كما في المنتهى والإقناع-؛ لأنه قد يعجز عن تعريفها. (١) مطلقًا فرط أو لا؛ لأنها أمانة حصلت في يده، فلزمه حفظها كسائر الأمانات، والتفريط فيها تضييع لها، إلا إن ردها إلى موضعها بإذن الإمام أو نائبه، فلا يضمنها. فائدة: لقطة الحرم كلقطة الحل-على المذهب-.

стр. 1092

فَصْلٌ وهذا القِسمُ الأخيرُ ثلاثَةُ أنواعٍ (١): أحدُها: ما التقَطَهُ مِنْ حَيوانٍ، فيلزَمُهُ خَيرُ ثَلاثَةِ أُمورٍ (٢): أكلُهُ بقيمَتِهِ (٣)، أو بيعُهُ وحِفْظُ ثَمنِهِ (٤)، أو حِفظُه، ويُنفِقُ عليهِ مِنْ مالِه، وله الرُّجوعُ بما أنَفَقَ إن نواهُ (٥)، فإن استَوتِ الثَّلاثَةُ، (١) أي: هذا القسم الأخير وهو ما أبيح التقاطه ولم يملك بالالتقاط ثلاثة أنواع، ويجب فعل الأصلح لمالكه وحفظه بحسب نوعه، وهو (الحكم الثاني) وجوب حفظ اللقطة بحسب نوعها -على ما سيذكره المؤلف-. (٢) أي: ما التقطه من حيوان مأكول كالفصيل والشاة والدجاجة، فيلزمه فعل الأصلح لمالكه كما في شرح المنتهى. (٣) أي: يأكله وعليه قيمته في الحال؛ لحديث: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، فسوى بينه وبين الذئب، وهو لا يستأني بأكلها، ولأن فيه إغناء عن الإنفاق عليه، وحراسةً لماليته على ربه إذا جاء، وإذا أراد أكله حفظ صفته، فمتى جاء ربه فوصفه غرم له قيمته، قاله في شرح المنتهى. (٤) ولو بلا إذن الإمام كما في الإقناع؛ لأنه إذا جاز أكله بلا إذن فبيعه أولى، وإذا باعه حفظ ثمنه. (٥) أي: ينفق عليه الملتقط من ماله؛ ليحفظه لمالكه، ويرجع بالنفقة على ربه - إن وجده - إذا أنفق بنية الرجوع، فإن تركه =

стр. 1093

خُيِّرَ (١). الثَّانِي: ما يُخشَى فَسادُهُ (٢)، فيلزَمُه فِعلُ الأصلَحِ من بَيعِهِ (٣)، أو أكلِهِ بِقيمَتِهِ، أو تَجفِيفِ ما يُجفَّفُ، فإن استَوتِ الثَّلاثَةُ خُيِّر (٤). الثالِثُ: باقي الأموالِ (٥). ويلزَمُهُ التَّعِريفُ (٦) في الجَميعِ (٧) فَورًا (٨) = بلا إنفاق عليه فتلف ضمنه؛ لتفريطه -كما في الإقناع-. (١) أي: فإن استوت الأمور الثلاثة المتقدمة في نظر الملتقط خُير بينها؛ لعدم المرجح حينئذٍ. (٢) أي: يخشى فساده بتبقيته كالفواكه والخضروات. (٣) وحفظ ثمنه. (٤) فإن تركه حتى تلف ضمنه. (٥) المباح التقاطها؛ كالنقود والأثمان والأمتعة ونحوها. (٦) (الحكم الثالث) وجوب تعريفها في مجامع الناس-كما سيأتي في كلام المصنف- غيرَ المساجد فيكره فيها، فينادي في الأسواق، والأعراس، وعلى أبواب المساجد، ويعرفها حولاً كاملاً فوراً. (٧) من حيوان وغيره؛ لأنه ﷺ ، أمر به زيد بن خالد، وأبي بن كعب، ولم يفرق، وسواء أراد تملكا أو حفظا لربه؛ لأن حفظه لربه إنما يفيد بإيصالها، وطريق وصولها إلى صاحبها هو التعريف؛ فوجب كحفظها. (٨) عقب الالتقاط؛ لأنه مقتضى الأمر، ولأن صاحبها يطلبها عقب ضياعها. =

стр. 1094

نَهارًا (١)، أوَّلَ كُلِّ يَومٍ مدَّةَ أُسبُوعٍ، ثم عادةً مدَّةَ حَولٍ (٢). وتعريفُها: بأن ينادِيَ عليها في الأسواقِ، وأبوابِ المساجِدِ (٣): " مَنْ ضَاعَ مِنهُ شَيءٌ، أو نَفَقَةٌ" (٤). = (تتمة) وهل يجب تعريفها إذا لم يُرج وجودُ صاحب اللقطة؟ قال في الإقناع وشرحه: (وإن كان لا يرجى وجود صاحب اللقطة)، ومنه لو كانت دراهم أو دنانير ليست بصرة ولا نحوها على ما ذكره ابن عبد الهادي في مغني ذوي الأفهام حيث ذكر أنه يملكها ملتقطها بلا تعريف (لم يجب تعريفها في أحد القولين) نظرا إلى أنه كالعبث، وظاهر كلام التنقيح، والمنتهى، وغيرهما: يجب مطلقا). (مخالفة) (١) لأنه مجمع الناس وملتقاهم. (٢) أول كل يوم: أي: قبل اشتغال الناس بمعاشهم كما في شرح المنتهى، فوقت تعريفها: أن يعرِّفها صباحَ كل يوم مدةَ أسبوع، ثم يعرفها بعد ذلك بما جرت به العادة، كما في المنتهى خلافاً للإقناع، فقد قرر أنه يعرفها في كل يوم أسبوعا، ثم في كل أسبوع مرة شهرا، ثم في كل شهر مرة، وجمع في الغاية بين القولين. (مخالفة الماتن) (٣) أدبار الصلوات، ويكره فيها؛ لحديث: (من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) رواه مسلم، قال في الكشاف: "والإنشاد دون التعريف فهو أولى". (٤) أي: يعرفها بأن يقول: من ضاع منه شيء أو نفقة؟ ونحو =

стр. 1095

وأُجرَةُ المُنادِي على المُلتَقِطِ (١)، فإذا عرَّفَها حَولًا، ولم تُعرَفْ، دخَلَتْ في مِلْكِه قَهرًا عليهِ، فيتصرَّفُ فيها بِما شاءَ، بِشَرطِ ضَمانِها (٢). = ذلك، ولا يصفها؛ لأنه لا يؤمن أن يدعيها بعض من سمع صفتها فتضيع على مالكها، فإن وصفها فأخذها غير ربها ضمِنها الملتقط لربها. (١) لوجوب التعريف عليه، فأجرته عليه. (٢) هذا (الحكم الرابع) أنها تُملك بعد الحول والتعريف حكماً، أي: تدخل في ملكه قهراً كالميراث، قال في الإقناع: (ولو عروضا كأثمان، ولقطة الحرم، أو كان سقوطها من صاحبها بعدوان غيره)، فيتصرف فيها بما شاء بشرط ضمانها لصاحبها، فيكون ملكه لها مراعى كما في المغني، وجزم به في الغاية، والمراد: أنه يزول الملك بمجيء صاحبها قاله في المغني، ونقله البهوتي عنه في الكشاف. (تتمة) فإن أخر التعريف الحول كله أو بعضه فلا يخلو الحال: إن كان لغير عذر فيأثم ولا يملكها بالتعريف بعد الحول، وإن كان لعذر كمرض وحبس ملكها بتعريفها حولا بعد زوال العذر، هذا مفهوم المنتهى تبعا للتنقيح وتابعهما في الغاية، وخالف في الإقناع وأنه إذا أخر تعريفها عن الحول الأول أو بعضه فلا يملكها بعده مطلقا. (مخالفة)

стр. 1096

فَصْلٌ ويحرُمُ تصرُّفُهُ فِيها حتَّى يَعرِفَ وعاءَها، ووِكَاءَها -وهو ما شُدَّ بهِ الوِعَاءُ-، وعِفَاصَها- وهو صِفَةُ الشَّدِّ-، ويعرِفَ قَدْرَهَا، وجِنْسَهَا، وصِفَتَهَا (١). ومتَى وصفَها (٢) طالِبُها يَومًا مِنَ الدَّهرِ، لَزِمَ دفْعُها إليه بنمائِها المُتَّصِل، وأمَّا المُنفَصِلُ بعدَ حَولِ التَّعريفِ، فلواجِدِهَا (٣). (١) هذا (الحكم الخامس) يحرم تصرف الملتقط في اللقطة - بعد تملكها بعد التعريف - قبل معرفة وعائها - وهو الكيس -، ووكائها - وهو ما يشد به الوعاء من خيط ونحوه -، وعفاصها - وهو صفة الشد ككونها عقدة أو عقدتين -، وقدرها بكيل أو وزن أو عد أو ذرع، وجنسها وصفتها كنوعها ولونها، ويكتب هذه الأوصاف في ورقة. وإنما يجب ذلك: بعد أن يعرفها سَنَةً، ويسن: قبل ذلك عند وجدان اللقطة، ويسن إشهاد عدلين عليها. (٢) فبيّنةُ اللقطة وصفُها، فإنْ وَصَفَها صاحبُها دُفعت إليه، ولم يكلَّف بينة ولا يمين، ظن صدقه أو لا؛ لحديث: (فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه) متفق عليه. (٣) لأنها نماء ملكه، ولأنه يضمن النقص بعد الحول؛ فالزيادة له؛ ليكون الخراج بالضمان، وأما قبل حول التعريف فلمالكها؛ لأنها نماء ملكه.

стр. 1097

وإن تَلِفَتْ، أو نَقَصَتْ في حَولِ التَّعرِيفِ، ولم يُفرِّطْ، لم يَضمَنْ (١)، وبعدَ الحَولِ، يَضمنُ مُطلَقًا (٢). وإنْ أدرَكَهَا ربُّها بعدَ الحَولِ مَبيعَةً، أو مَوهُوبَةً، لم يكُنْ له إلَّا البَدَلُ (٣). ومَنْ وجَدَ في حَيوانٍ نقدًا، أو دُرَّةً، فلُقَطَةٌ لواجِدِه (٤)، يلزَمُهُ تعرِيفُه (٥). (١) لأنها أمانة بيده. (٢) فرط أم لم يفرط، تعدى أم لم يتعدّ؛ لدخولها في ملكه، فتلفها من ماله، وملك الملتقط مراعىً يزول بمجيء صاحبها، ويضمنها بمثلها -إن كانت مثلية-، وإلا فبقيمتها يوم عرف ربها قاله في الإقناع، فقد تكون قيمتها يوم التقطها غالية لكن يوم عرف ربها رخصت. (٣) يعني المثل على الملتقط، وإلا فقيمتها؛ وذلك لصحة تصرف الملتقط فيها؛ لدخولها في ملكه. (٤) يعني لو اشترى شاة أو نحوها، فذبحها، فوجد في بطنها نقدا أو دُرَّة، فهي لقطة، والدرة كما في المصباح: (اللؤلؤة العظيمة الكبيرة، وقيل: شيء ثمين أو نفيس). (٥) ويبدأ بالبائع؛ لأنه يحتمل أن تكون ابتلعتها من ملكه، وإن وجد درة غير مثقوبة في سمكة فهي لصياد ولو باعها، فيجب على المشتري أن يعيد هذه اللؤلؤة، فإن كانت مثقوبة بذهب أو فضة ونحوهما فلقطة.

стр. 1098

ومن استيقَظَ فوجَدَ في ثوبِه (١) مالًا، لا يَدرِي مَنْ صَرَّهُ، فهو لَه (٢). ولا يبرأُ مَنْ أَخذَ من نائِمٍ شيئًا، إلَّا بتسليِمِه له بعدَ انتباهِهِ (٣). (١) أو كيسه أو جيبه. (٢) لقرينة الحال، ولا يلزمه تعريفه. (٣) لتعديه؛ فإنه إما سارق أو غاصب؛ فلا يبرأ من عهدته إلا برده لمالكه في حالةٍ يصح قبضه فيها، والظاهر حرمة هذا الفعل، والله أعلم.

стр. 1099

بابُ اللَّقيِطِ (١) وهوَ: طِفلٌ يُوجَدُ لا يُعْرَفُ نَسَبُه ولا رِقُّهُ (٢). والتقاطُه، والإنْفَاقُ عليهِ فَرضُ كِفايَةٍ (٣)، ويُحكَمُ بإسلامِه (٤)، (١) اللقيط: فعيل بمعنى مفعول، كجريح، وقتيل، وطريح، فالمعنى: ملقوط، ومجروح، وهكذا. (٢) هذا تعريف اللقيط شرعا، فاللقيط لا يُعرف أبوه ولا أسرته ولا قبيلته، ولا يعرف رقه، أي: هل هو رقيق أو حر؟ فإن عُرف نسبه، أو رقه فهو لقيط لغة لا شرعاً، قاله البهوتي في الكشاف، وزيد في التعريف: طرح في شارع أو غيره، أو ضل الطريق. (تتمة) واللقيط -على المذهب-: من الولادة حتى سن التمييز -صححه في الإنصاف-، وعند أكثر الحنابلة: إلى البلوغ، كما حكاه في التنقيح والمنتهى والإقناع. وطرح اللقيط ونبذه للشارع حرام؛ لتعريضه للتلف قاله البهوتي في الكشاف. (٣) لقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى)، ولأن فيه إحياء نفسه فكان واجبا كإطعامه إذا اضطر، فلو تركه جميع من رآه أثموا. (٤) إن وجد بدار الإسلام -ولو كان فيها أهل ذمة- إذا كان فيها مسلم أو مسلمة -يمكن كونه منه-؛ لظاهر الدار وتغليباً =

стр. 1100

وحُريَّتِهِ (١). ويُنفَقُ عليهِ ممَّا معَه إن كانَ، فإن لَمْ يَكُنْ، فمِنْ بَيتِ المَالِ، فإنْ تَعذَّرَ، اقتَرَضَ عليه الحَاكِمُ (٢)، فإن تَعذَّرَ، فعَلَى مَنْ عَلِمَ بحَالِه (٣). والأحقُّ بحضَانَتِه واجِدُه (٤)، إنْ كانَ حُرًّا (٥)، مُكلَّفًا، = للإسلام، فإنه يعلو ولا يعلى عليه. (١) لأنها الأصل في الآدميين، والرق عارض، الأصل عدمه. (٢) أي: إذا لم يكن مع اللقيط شيء أنفق عليه من بيت المال؛ لما روى سعيد عن سنين أبي جميلة قال " وجدت ملقوطا فأتيت به عمر ﵁ فقال عريفي: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر: أكذلك هو قال: نعم قال: فاذهب هو حر ولك ولاؤه، وعلينا نفقته أو رضاعه " رواه البخاري تعليقا بصيغة الجزم، فإن تعذر من بيت المال اقترض له الحاكمُ على بيت المال -والاقتراض على الجهات لا يصح إلا في هذه المسألة-، قال ابن النجار في شرح المنتهى- وذكره البهوتي في شرحه بدون أن ينسبه لأحد-: (وظاهره: ولو مع وجود متبرع بها؛ لأنه أمكن الإنفاق عليه بلا منةٍ تلحقه، أشبه أخذها من بيت المال). (٣) وجوبا، ولا يرجع بما أنفقه على اللقيط، وعبارة الإقناع: (مجاناً)، وفي التنقيح -بعد أن قدم عدم الرجوع-: (وقيل: إن أنفق بنية الرجوع رجع، وقدمه في الفروع) انتهى. (٤) لسبقه إليه فكان أولى به. (٥) لأن منافع القنِّ مستحقة لسيده، فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه.

стр. 1101

رَشِيدًا (١)، أَمينًا، عدلًا، ولو ظَاهرًا (٢). (١) فلا يقر بيد سفيه لأنه لا ولاية له على نفسه فعلى غيره أولى. (٢) فلا تجب العدالة الباطنة، كولاية النكاح.

стр. 1102

فَصْلٌ وميراثُ اللَّقِيطِ ودِيتُه - إن قُتِلَ - لبيتِ المَالِ (١). وإن ادَّعاهُ مَنْ يُمكِنُ كونُه مِنهُ مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثَى، أُلحِقَ به (٢) ولو مَيِّتًا (٣)، وثَبتَ نسبُه، وإرثُه. وإن ادَّعاه اثنانِ فأكثرُ معًا (٤)، قُدِّم من لَه بيِّنةٌ (٥)، فإن (١) إن لم يخلف وارثاً كغير اللقيط، ولا يرثه ملتقطه على المذهب، ووفاقا لمالك، والشافعي، والأكثر، وخلافا لما حكاه ابن أبي موسى في (الإرشاد) عن بعض شيوخه روايةً عن أحمد: أن الملتقط يرثه، اختارها الشيخ تقي الدين، والحارثي، نقله في الإنصاف. (٢) وجوباً - قال في الشرح الكبير: بغير خلاف بين أهل العلم - بشرطين: ١ - أن ينفرد بدعواه، رجلاً كان المدعي أو امرأة، ٢ - وأن يمكن أن يكون منه، فلا يصح أن يدعي مَنْ عمره ثمان سنوات مثلاً لقيطاً عمره خمس سنوات. والله أعلم. (٣) أي: يلحق بمدعيه ولو كان اللقيط ميتاً؛ وذلك احتياطاً للنسب؛ لأن الإقرار به محض مصلحة للقيط لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه، فقبل كما لو أقر له بمال. (٤) قوله: (معا) أي: في وقت واحد، قال البهوتي في شرح المنتهى: (فإن ادعاه أحدهما بعد الآخر لحق بالأول إلا أن تلحقه القافة بالثاني فيلحق به وينقطع نسبه من الأول). (٥) لأنها علامة واضحة على إظهار الحق.

стр. 1103

لم تَكُنْ (١)، عُرِضَ على القَافَةِ (٢)، فإن ألحَقَتْهُ بواحِدٍ، لَحِقَه، وإن ألحَقَتْهُ بالجَميعِ، لَحِقَهم (٣)، وإن أشكَلَ أمرُهُ (٤)، ضَاعَ نسبُه (٥). ويكفي قائِفٌ واحِدٌ، وهو كالحَاكِمِ، فيَكفِي مُجرَّدُ (١) بينة لأحدهم، أو تساووا فيها. (٢) وهو قوم يعرفون النسب بالشبه، ويشترط فيهم: ١ - الذكورة. ٢ - العدالة، ولا يختص ذلك بقبيلة معينة، بل من عرفت منه معرفة ذلك ٣ - أن يكون حرا كالحاكم، ولم يشترط في الإقناع حريته كما صححه في الإنصاف، (مخالفة الماتن) ٤ - مجربا في الإصابة، قال البهوتي في شرح المنتهى: (ويكفي أن يكون مشهورا بالإصابة وصحة المعرفة في مرات كثيرة)، ٥ - التكليف، وسيذكر المؤلف هذه الشروط. (٣) لما رُوِيَ عن عمر: أنَّ امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعاً، فجعله عمر بينهما. رواه البيهقي وغيره وصحح إسناده ابن القيم في الطرق الحكمية، ويلحق بثلاثة؛ لأن المعنى في الاثنين موجود فيما زاد، فيقاس عليه قاله في شرح المنتهى، لكن الأطباء قالوا: لا يمكن أن يخلق الجنين من ماء اثنين فالله أعلم. (٤) على القافة، أو لم يوجد قافة، أو نفته عن كل من ادعاه، أو تعارضت أقوالهم. (٥) لتعارض الدليل، ولا مرجح لبعض من يدعيه، فأشبه من لم يدع نسبه أحد.

стр. 1104

خَبَرِه (١)، بشَرطِ كونِه مُكلَّفًا، ذَكَرًا (٢)، عَدلًا (٣)، حُرًّا، مُجرَّبًا في الإصَابَةِ (٤). (١) فلا يشترط التعدد، ولا لفظ الشهادة. (٢) لأن القيافة حكم مستندها النظر والاستدلال؛ فاعتبرت فيها الذكورة كالقضاء. (٣) لأن الفاسق لا يقبل خبره، وعلم منه اشتراط إسلامه بالأولى قاله البهوتي في شرح المنتهى. (٤) قال الشيخ منصور في الكشاف -عند قوله: "مجربا في الإصابة"-: (فمن عرف مولوداً بين نسوة ليس فيهن أمه، ثم وهي فيهن فأصاب كل مرة فقائف)، أي: يعرض عليه الطفل مرة ليس فيهن أمه، ثم يعرض مرة أخرى وفيهن أمه. والله أعلم. =

стр. 1105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =

стр. 1106

كِتابُ الوَقفِ (١) (١) الوقف: مصدر وَقَفَ الشيء، إذا حبّسه. وهو شرعًا: تحبيس مالكٍ مطلق التصرف -وهو: الحر المكلف الرشيد- مالَه المنتفعَ به مع بقاء عينه، يصرف ريعه في جهة برٍّ تقربًا إلى الله تعالى، فيُشترط في الواقف أمران: أن يكون مالكًا وأن يكون جائز التصرف. وذكر الإمام الشافعي ﵀: أن الوقف من خصائص أهل الإسلام، ولم يحبس أهل الجاهلية شيئًا. والأصل في الوقف: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث … » وذكر منها «صدقة جارية»، رواه مسلم، وكذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: (أصاب عمر ﵁ أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه، قال: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها»، قال: فتصدق بها عمر ﵁، أنه لا يباع أصلها، ولا يورث، ولا يوهب، فتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقًا، غير =

стр. 1107

يحصُلُ بأحدِ أمرَينِ: بالفِعلِ مَعَ دَليلٍ يَدُلُّ عليه (١)؛ كأنْ يَبْنِيَ بُنيانًا على هَيئَةِ المَسجدِ، وَيأذنَ إذنًا عَامًّا بالصَّلاةِ فيه (٢)، أو يَجعَلَ أرضَه = متمول مالًا) متفق عليه، وكذلك قوله تعالى: ﴿إنّا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾؛ ومن آثار الموتى: الوقف. وفي شرح المنتهى: (وأركانه: واقف، وموقوف، وموقوف عليه، والصيغة، وهي: فعلية، وقولية). (١) الأمر الأول الذي يحصل به الوقف: الفعل: ويشترط لصحة الوقف بالفعل: أن يقترن به ما يدل على الوقف عرفًا، وأمثلته: قوله: " كأن يبني … " إلخ. (٢) لأنَّ الإذن الخاص قد يقع على غير موقوف، فلا يدل على الوقف، فمتى بنى بناء على هيئة مسجد وأذن فيه إذنا عاما صار وقفا ولو لم ينوه وقفا، قال في الإقناع وشرحه: (أو يبني بنيانا على هيئة مسجد ويأذن للناس في الصلاة فيه إذنا عاما) لما تقدم (أو أذن وأقام فيه) أي فيما بناه على هيئة المسجد بنفسه أو بمن نصبه لذلك، لأن الأذان والإقامة فيه كالإذن العام في الصلاة فيه قال الشيخ تقي الدين: ولو نوى خلافه نقله أبو طالب انتهى أي أن نيته خلاف ما دل عليه الفعل لا أثر لها)، وأصله لابن النجار في شرحه للمنتهى. قال ابن رجب في فتح الباري: (ومتى كان المسجد يؤذن فيه ويقام ويجتمع فيه الناس عموما، فقد صار مسجدا مسبلا، وخرج عن ملك صاحبه بذلك عند الإمام أحمد، وعامة العلماء، =

стр. 1108

مقبَرَةً، ويأذَنَ إذنًا عامًا بالدَّفنِ فيها (١). وبالقَولِ: وله صَريحٌ (٢)، وكِنَايَةٌ (٣). فصَرِيحُه: وَقفْتُ، وحَبَّستُ، وسَبَّلتُ. = ولو لم ينو جعله مسجدا مؤبدا). (١) أي: كمن بنى أرضه مسجدًا وأذِن للناس إذنًا عامًا أن يصلوا فيه ولو بفتح الأبواب، أو التأذين، أو بنى سورًا حول أرضه وهيأها مقبرة وأَذِنَ إذْنًا عامًا أن يدفنوا فيها. أما الإذن الخاص فلا يؤخذ منه الوقف؛ لأنه قد يقع على غير الموقوف، فلا يفيد دلالة الوقف، وتقدم. (٢) الأمر الثاني الذي يحصل به الوقف: القول: وله صريح وكناية، فالصريح في الوقف: هو القول الذي لا يحتمل غيرَ الوقف. (تتمة) قال الشارح: (والإشارة المفهمة من الأخرس كالقول)، كما ذكر ذلك في المعونة، وشرح المنتهى للبهوتي. (٣) الكناية: هي اللفظ الذي يحتمل الوقف وغيره. (تتمة) وهل يصح الوقف بالكتابة؟ ظاهر كلامهم في أن الوقف يصح بالقول أنه لا يصح بالكتابة، لكن تجويزهم وتصحيحهم الوقف بالفعل الدال عليه يؤيد صحته بالكتابة، وقد تقدم كلام ابن نصر الله في الوكالة هنا صفحة (٢٥٢) وأنه إذا صح انعقاد الوكالة بالفعل الدال عليها صحت الوكالة بالكتابة؛ لأن الكتابة فعل، فلعل ما هنا يقاس على ما تقدم في كلام ابن نصر الله في الوكالة، وأن الوقف يصح بالكتابة والله أعلم.

стр. 1109

وكنايتُه: تصدَّقتُ، وحرَّمتُ، وأبَّدتُ (١). فلا بدَّ فِيها مِنْ نيَّةِ الوَقفِ (٢)، ما لَمْ يقُلْ: على قَبيلَةِ كَذا، أو طَائِفَةِ كَذا (٣). (١) لأنها ألفاظ مشتركة بين الوقف وغيره من الصدقات والتحريمات. (٢) يشترط لصحة الوقف بالكناية ما يلي: أولا: أن يتلفظ بأحد ألفاظ الكناية ناويا الوقف، ويرجع إليه في نيته الوقف أو عدم نيته له؛ لأنه أعلم بما في ضميره. (٣) ثانيا: يصح الوقف بالكناية: إذا اقترن بالكناية حكم الوقف كتصدقت بصدقة لا تباع أو لا تورث ونحو ذلك، وكذا لو قال: "تصدقت على طائفة كذا"، أو: "قبيلة كذا"، كذا مثل في الإقناع والمنتهى والغاية بهما في اقتران الكناية بحكم الوقف، قال في المنتهى وشرحه: (أو) قرن الكناية (بحكم الوقف ك) قوله: تصدقت به صدقة (لا تباع أو) صدقة (لا توهب أو) صدقة (لا تورث أو) تصدقت بداري (على قبيلة) كذا (أو) على (طائفة كذا) ; لأن ذلك كله لا يستعمل في غير الوقف فانتفت الشركة). (تتمة) ثالثا: يصح الوقف بالكناية: إذا أتى مع الكناية بأحد الألفاظ الخمسة الأخرى، كأن يقول: تصدقت صدقة مؤبدة، أو محبسة، أو مسبلة، أو موقوفة، أو محرّمة.

стр. 1110

فَصْلٌ وشُرُوطُ الوَقفِ سَبْعةٌ (١): أحدُها: كونُه مِنْ مالِكٍ جَائزِ التَّصرُّفِ (٢)، أو مِمَّنْ يَقومُ مقَامَهُ (٣). الثَّانِي: كَونُ المَوقُوفِ عَينًا (٤) (١) أي: شروط صحته سبعة. (٢) (الشرط الأول) كون الواقف مالكًا للعين التي يريد وقفها، وجائزَ التصرف -وهو: الحر المكلف الرشيد-؛ لأن الوقف تبرع، فلا يصح من صغير وسفيه كسائر تصرفاته المالية. (٣) أي: من يقوم مقام جائز التصرف كالوكيل. (تنبيه) قول المؤلف هنا: (أو من يقوم مقامه) لم أره لغيره إلا في غاية المنتهى للمؤلف، قال شارح الغاية: (كوكيله، لا الولي، فلا يصح منه لعدم المصلحة للمحجور عليه فيه). (٤) (الشرط الثاني) كونه في عين يصح بيعها غير مصحف، وينتفع بها مع بقائها غير الماء. وقول المصنف: (عينا): يخرج: الوقف في الذمة، كقوله: وقفت دارًا؛ لأنها مبهمة غير معينة، ويخرج أيضًا: وقف المنافع كقوله: وقفت منفعة هذه العمارة، لكن عين العمارة تبقى ملكًا لي، فلا يصح. (تتمة) يشترط في العين: أن تكون معلومة -ولم يذكره المؤلف-، فلا يصح وقف عين مجهولة، كقوله: وقفت أحد بيوتي.

стр. 1111

يصِحُّ بيعُها (١)، ويُنتَفَعُ بِها نَفعًا مُباحًا مَعَ بقَائِهَا (٢). فلا يَصِحُّ وَقفُ: مَطعُومٍ، ومَشرُوبٍ غَيرَ المَاءِ (٣)، ولا وَقفُ دُهْنٍ، وشَمعٍ، وأثمَانٍ (٤)، وقَنادِيلِ نَقْدٍ عَلى المَساجِدِ، ولا (١) ولو منقولًا، كالعقار، والحيوان، والأثاث، والسلاح، وكتب العلم، وما لا يصح بيعه لا يصح وقفه كالكلب والخنزير وغيرهما مما لا يصح بيعه. (٢) أي: ينتفع بالعين بما يعد انتفاعًا عرفًا، ويكون نفعًا مباحًا، ولا تستهلك أجزاؤه بالاستعمال بل تبقى كالعقار، والشجر، والمنقول كالحيوان والأثاث. (تتمة) ما يؤخذ من الوقف إما أن يكون منفعة أو عينًا، قال البهوتي في الكشاف: (المنتفعُ به تارة يراد منه: ما ليس عينًا كسكنى الدار وركوب الدابة وزراعة الأرض، وتارة يراد منه: حصول عينٍ كالثمرة من الشجر، والصوف، والوبر، والألبان، والبيض من الحيوان). (٣) فلا يصح وقف المطعوم والمشروب؛ لأنهما لا تبقى عينهما بالانتفاع بهما، ويستثنى: وقف الماء للشرب، فيصح إجماعا. (٤) فلا يصح على المذهب وقف الأثمان -الذهب والفضة والنقود-، كوقف النقود ليُقترض منها كما تفعل بعض الجمعيات الخيرية؛ لأن من اقترض نقودًا مَلَكَها ويرد بدلها لا عينها، وبذلك تستهلك عينها؛ إلا إذا وقف حُليا للبس والعارية فيصح، قال في الإقناع وشرحه: (ويصح وقف الحلي للبس والعارية) لما روى نافع "أن حفصة ابتاعت حليا بعشرين ألفا =

стр. 1112

عَلى غَيرِهَا (١). الثَّالِثُ: كونُه على جِهَةِ بِرٍّ وقُربَةٍ (٢)، كالمَسَاكِينِ، = حبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته رواه الخلال (ولو أطلق) واقفُ الحلي (وقفَه) فلم يعينه للبس أو عارية (لم يصح) وقفه؛ لأنه لا ينتفع به في غير ذلك إلا باستهلاكه). الرواية الثانية في وقف الأثمان: قال في الإنصاف: (وقال في الفائق: وعنه: يصح وقف الدراهم، فينتفع بها في القرض ونحوه اختاره شيخنا. يعني به الشيخ تقي الدين). (١) فلا يصح وقف قناديل على المساجد وغيرها؛ لأن الانتفاع بهذه القناديل المصنوعة من النقد -أي: من الذهب أو الفضة- على هذه الكيفية لا يجوز، ولم تزُل عن ملك واقفها، وعليه فيزكيها؛ لبطلان وقفه قاله في الإقناع وشرحه. والقول الثاني في المذهب: يصح، ويكسر ويصرف في مصالحه، اختاره الموفق، قال في الإنصاف: (وهو الصواب). (٢) (الشرط الثالث) كونه على جهة بِر، وهو: اسم جامع للخير، والقربة قد تكون على الآدميين كالفقراء والمساكين والعلماء، وقد تكون على غير الآدميين كالمساجد والغزو والحج، قال الشارح: (والمراد: اشتراط معنى القربة في الصرف للموقوف عليه)، وقاله البهوتي في شرح المنتهى. (تتمة) هذا الشرط فيما لو كان الوقف على جهة أو طائفة، فيُشترط حينها أن تكون هذه الجهة فيها قربة، فلا يصح الوقف =

стр. 1113

والمَسَاجِدِ، والقَنَاطِرِ، والأقَارِبِ (١)، فلا يصِحُّ على الكَنائِسِ، ولا على اليَهودِ والنَّصَارى، ولا عَلى جِنْسِ الأغنيَاءِ، أو الفُسَّاقِ (٢). = على كنيسة مثلًا؛ لأن الوقف شُرِع لتحصيل الثواب، فإذا لم يكن على بر وقربة لم يحصل مقصودُه الذي شُرِع لأجله، وأيضا لا يصح على ما فيه إعانة على معصيةٍ، قال في الإقناع: (ولا يصح الوقف على مباح -كتعليم شعر-، ولا على مكروه -كتعليم منطق-، ولا على معصية). أمَّا لو كان وقفًا خاصًا على معين -كما سيأتي في كلام المؤلف-: فلا تُشترط فيه القربة؛ بدليل أنه يصح عندنا الوقف على الذمي المعين؛ لأنَّ صفية بنت حيي ﵂ وقفت على أخٍ لها يهودي. أخرجه عبد الرزاق في المصنف، والبيهقي، لكن لو وقف على حربي أو مرتد: لم يصح؛ لأن الواجب إتلافهما والتضييق عليهما قاله في شرح المنتهى. وكل هذا بخلاف الوصايا؛ فلا يشترط فيها البر. (فرق فقهي) (١) هذا مثال لجهة القربة والبر. (٢) هذه أمثلة لأشياء لا يصح الوقف عليها؛ لانعدام شرط القربة فيها، وهي: الكنائس: جمع كنيسة: متعبد اليهود أو النصارى أو الكفار قاله في القاموس، ولا على طائفة اليهود والنصارى -ولم ينص عليها إلا المصنف هنا وفي الغاية ونقله البهوتي في الكشاف عن الحارثي- ولا يصح الوقف أيضا على جنس الأغنياء أو الفساق كأن يقول: وقفت على طائفة الأغنياء أو =

стр. 1114

أمَّا لو وَقَفَ على ذِميٍّ (١) أو فاسِقٍ أو غَنيٍّ مُعيَّنٍ، صَحَّ (٢). الرَّابعُ: كونُه على مُعيَّنٍ -غيرِ نَفْسِهِ- يَصِحُّ أنْ يَملِكَ (٣). = طائفة الفساق ونحوهم من حيث الجهة، ويصح الوقف على معين متصف بالغنى أو الفسق، قال ابن النجار في المعونة: (لا يصح الوقف على قطَّاع الطريق ولا المغانى ولا المتمسخرين ولا لعاب الشطرنج أو النرد أو نحوهما من حيث الجهة، ويصح على رجل معين متصف بذلك. وإن شرط ما دام كذلك: لغا الشرط)، وسيذكره المؤلف. (١) قال اللبدي: (أي: ولو أجنبيا من الواقف، على الصحيح من المذهب، ويؤخذ من قوله: "ذمي": أنه لا يصح على حربي ولا مرتد، وهو كذلك). (تتمة) يصح الوقف من الذمي على المسلم كعكسه. (٢) ووجه صحته على الذمي والفاسق والغني المعينِينَ: أنه لا يتعين كون الوقف عليهم لأجل الدين، أو الفسق، أو الغنى؛ لاحتمال كونه لفقره -بالنسبة للذمي والفاسق-، أو قرابته، ونحوها، ولأثر صفية ﵂ قاله ابن عوض. (٣) (الشرط الرابع) أن يكون المُنْتَفِعُ بالوقف: معيّنًا من: جهةٍ؛ ك: مسجدِ فلانٍ، أو شخصٍ -غير نفسه-، فلا يصح قوله: على بعض المساجد، أو: وقفت على أحد هذين، ويشترط في الشخص المعين أن يملك ملكًا مستقرًا -كما في الإقناع- أي: ملكًا تامًا، ك: زيد من الناس، أما ما لا يملك ملكًا مستقرًا كالمكاتب والقن والبهيمة: فلا يصح الوقف عليه. =

стр. 1115

فلا يَصِحُّ الوَقْفُ على: مَجهُولٍ، كَرَجُلٍ، ومَسجِدٍ (١)، أو: عَلَى أحَدِ هَذَينِ (٢)، ولا عَلَى نَفسِهِ (٣)، ولا عَلَى مَنْ لا يَملِكُ كالرَّقيقِ، ولَو مُكَاتَبًا، والمَلائِكَةِ، والجِنِّ، والبَهائِمِ، والأموَاتِ، ولا عَلَى الحَمْلِ استِقْلالًا، بلْ تَبَعًا (٤). الخَامِسُ: كونُ الوَقفِ مُنَجَّزًا. = ويستثنى من هذا القيد: الجهات، كالمستشفيات، والمساجد، فيصح الوقف عليها مع كونها مما لا يصح تملكها؛ لأنها على المسلمين إلا أنه عين في نفع خاص لهم. (١) لكن لو قال: على المساجد: صح. (٢) أي: لا يصح الوقف على مبهم كأحد هذين الرجلين؛ لتردده. (٣) لا يصح -على المذهب- الوقف على النفس؛ لأن الوقف تمليك إما للرقبة أو للمنفعة، ولا يجوز أن يُملِّك نفسَه من نفسِه، وينصرف في الحال إلى من بعده إن ذكر بعد نفسِه مآلًا ينصرف إليه، كأن يقول: وقفت على نفسي ثم المساكين، فينصرف للمساكين حالا، وإلا -بأن لم يذكر مآلًا-: فملكه بحاله، أي: لا يصح الوقف. وفي المذهب قول بصحة الوقف على النفس، اختاره جماعة منهم: ابن أبي موسى، والشيخ تقي الدين، وصوبه في الإنصاف. (٤) فلا يصح أن يقول: وقفت على ما في بطن هذه المرأة؛ لأنه لا يصح تمليك الحمل إلا في حالتي الإرث والوصية، لكن يصح تبعًا، مثل أن يقول: "وقفت على أولادي" -وفيهم حمل-، فإنه يصح، ويستحق بالوضع.

стр. 1116

فَلا يَصِحُّ تَعليقُه، إلَّا بمَوتِهِ (١)، فيلَزَمُ مِنْ حِينِ الوقفِيَّةِ (٢)، إنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ (٣). (١) (الشرط الخامس) كون الوقف منجزًا؛ فلا يصح تعليقه -كقوله: إذا جاء رمضان فعمارتي وقف-، ولا توقيته، ولا أن يشترط فيه الخيار ولا يصح الوقف؛ لمنافاته لمقتضاه، ويستثنى: التعليق بالموت، فيصح كقوله: وقفت هذه العمارة بعد موتي، فيصح، ويصير وقفًا من حين صدوره منه. (٢) (الوقفية): كذا وردت في بعض النسخ، وفي بعضها: (الوقف)، وما أثبتناه هو الموافق لما في النسخ الأقدم، والشرح وحاشيتي اللبدي وابن عوض، والمراد: أن الوقف يلزم من حين قوله: هو وقف بعد موتي. (٣) لأنه يكون في حكم الوصية، فيُقيد بثلث ماله عند الموت، كما لو قال: "قفوا كذا بعد موتي"، فإن كان قدرَ الثلث فأقل: صح، ولزم، وإن زاد لزم في الثلث فقط، ووقف الباقي على الإجازة. (تتمة) ما سبق بخلاف ما لو دبر العبد؛ فإنه لا يعتق إلا بالموت، وهنا قالوا: من حين التلفظ بالوقف. قال الحارثي -كما في شرح الإقناع والمنتهى-: (والفرق عسر جدا). ومعنى قولهم: "يلزم من حين النطق بالوقف": أنه لا يستطيع أن يتراجع عنه، بخلاف المدبر؛ فيستطيع الرجوع عنه. كذلك ذكر الشيخ منصور لمَنْ يكون الكسبُ؟، فلو قال: "هذه العمارة وقف بعد موتي" فلمن يكون الكسب من حين النطق =

стр. 1117

السَّادِسُ: أنْ لا يشتَرِطَ فيهِ ما يُنافِيه، كَقولِه: وقَفْتُ كَذَا عَلَى أنْ أبيعَه، أو أهبَهُ متَى شِئتُ، أو بشَرطِ الخِيارِ لِي (١)، أو بِشَرطِ أنْ أُحوِّلَه مِنْ جِهَةٍ إلى جِهَةٍ (٢). السَّابِعُ: أنْ يَقِفَهُ على التَّأبيدِ، فلا يَصِحُّ: وقَفتُه شَهْرًا، أو إلى سَنَةٍ، ونَحوِها (٣). ولا يُشتَرطُ تَعيينُ الجِهَةِ، فلو قَالَ: وقَفْتُ كَذَا، وسَكَتَ، = بالوقف إلى الموت -خاصة أن الوقف يلزم بالنطق-؟ قال الشيخ منصور في الكشاف: (الظاهر أنه للواقف وورثته إلى الموت؛ لأنه مُلك قبل الموت). (١) (الشرط السادس) ألا يشترط الواقف شرطًا ينافي مقتضى الوقف الذي هو قطع تصرفه عن أصله ببيعه أو توقيته ونحو ذلك، مثل أن يشترط بيعَه متى شاء، أو يشترط أن يهبه متى شاء، أو يشترط فيه خيارًا أبدا أو مدة معينة كوقفت هذه العمارة بشرط أن يكون لي الخيار في الرجوع عن الوقف، فلا يصح الوقف فيها، وذكر في الإقناع والمنتهى هذا الشرط في شرط التنجيز للوقف، وذكره صاحب الغاية شرطا زائدا مستقلا. (٢) أي: ومن الشروط التي تنافي مقتضى عقد الوقف أن يشترط تحويل ريع الوقف من جهة إلى جهة أخرى، كأن يقفه على الفقراء، ويشترط أن يحوله بعد شهر أو سنة مثلا إلى أولاده فلا يصح الشرط ولا عقد الوقف. (٣) أي: لا يصح الوقف لو وقته بشهر أو سنة ونحو ذلك لمخالفته لمقتضى عقد الوقف.

стр. 1118

صَحَّ، وكَانَ لِوَرثَتِهِ مِنَ النَّسَبِ على قَدْرِ إرثِهم (١). (١) أي: لو وقف شيئا ولم يعين مصرفه وهي الجهة التي يذهب إليها ريع الوقف، فإنه يصح، ويكون وقفًا على ورثة الواقف لا ملكًا، وقوله: (بالنَّسب): أي: لا تدخل زوجته، ولا الموالي الذين أعتقهم أو أعتقوه، ولا الزوج إذا كان الواقف زوجة، ويقسم على قدر إرثهم منه، ويقع الحجب بينهم كالميراث، فإن كان عم وأخ انفرد به أخ، فإن عُدموا: فهو للفقراء والمساكين ويكون ذلك وقفًا عليهم كما في المنتهى. والقول الثاني: إذا وقف ولم يعين جهة أنه باطل وهو ما ذهب إليه في الإقناع؛ لأن الوقف يقتضي التمليك، والمُملك غير موجود، ولأن جهالة الصرف مبطلة، فعدم ذكره أولى. والمؤلف تابع المنتهى، ومثله في الغاية، وأما حفيد صاحب المنتهى: فقال عن كلام جده: (فيه نظر؛ لأنه لم يقف على معين وتقدم أنه شرط)، والمذهب: ما في المنتهى والغاية. (مخالفة الماتن)

стр. 1119

فَصْلٌ ويَلزَمُ الوَقفُ بمُجرَّدِهِ (١)، ويَملِكُهُ المَوقُوفُ عَليهِ (٢)، فَينظُرُ فيهِ هو، أو وَليُّه (٣)، (١) أي: بمجرد اللفظ، ويترتب على ذلك: أنه لا يبطل برده، فلو وقف على شخص معين وقفا فلا يبطل برد الموقوف عليه؛ لأنه لا يشترط قبول الموقوف عليه، فينتقل إلى من بعده؛ لأنه غالبًا يقول: وقفت على فلان ثم فلان، ولا يشترط لصحته أيضا القبول إن كان وقفا على جهة من باب أولى. ويترتب على ذلك أيضًا: أنه لا يشترط لصحته ولزومه إخراج الوقف عن يد الواقف. (٢) أي: بمجرد تلفظ الواقف يزول ملكه عن العين الموقوفة، وينتقل فيها ملكه على ما يلي: أ- إن كان الوقف على جهة -كمستشفى، أو مسجد، أو مساكين-: ينتقل الملك إلى الله تعالى، قال الحارثي: (بلا خلاف)، ب- وإن كان الوقف على شخص، أو أشخاص معينين: فينتقل الملك إليهم-وهذا الذي ذكره المؤلف بقوله: (ويملكه الموقوف عليه) -. (٣) وذلك إن كان الموقوفُ عليه آدميًا معينًا كزيد، أو عددًا محصورًا كخمسة، فلكل واحد منهم حق النظر في الوقف بقدر =

стр. 1120

ما لم يشتَرِطِ الوَاقِفُ نَاظِرًا، فيَتَعيَّنُ (١). ويَتعيَّنُ صَرفُه إلى الجِهَةِ التي وُقِفَ عَليها في الحَالِ، ما لَمْ يَستَثْنِ الوَاقِفُ مَنفَعَتَهُ، أو غَلَّتَه له، أو لِولَدِه، أو لِصَدِيقِهِ مُدَّةَ حَياتِهِ، أو مُدَّةً مَعلُومَةً، فيُعمَلُ بِذَلِكَ (٢). = حصته منه، وهذا إن كان الموقوف عليه أهلا للنظر بأن يكون مكلفا رشيدا، وإلا يكن أهلا -بأن كان محجورا عليه- فالنظر يكون من ولي الموقوف عليه. (١) أي: يكون الموقوف عليه ناظرًا عليه، أو وليُّه إذا لم يكن أهلًا، ما لم يشترط الواقف ناظرًا معينًا فيتعين. (تتمة) فإن لم يشرط الواقف ناظرا معينا، ولم يكن عدد الموقوف عليهم محصورًا، كالفقراء -مثلا-، فالنظر للحاكم أو من ينيبه الحاكم، وتقوم مقامه حاليًا هيئة الأوقاف. (٢) أي: يجب فورا صرف ريع الوقف إلى الجهة التي عينها الواقف؛ لأن تعيينه لها صرف لها عما سواها، إلا إذا استثنى الواقف المنفعة أو الغلة له أو لولده أو لصديقه فله شرطه ويتأخر صرف الريع إلى الجهة الموقوف عليها إلى ما بعد الحياة أو المدة المعينة، لكن يشترط في استثناء هذه المنفعة أو الغلة أن تكون مدة حياته، أو مدة معلومة، فإن كانت مجهولة: كأن يقول: استثنيت الغلةَ سنة أو سنتين فهل يصح؟ فليحرر. فقوله: (فيعمل بذلك): أي: وجوبا، ويصح؛ لحديث عمر =

стр. 1121

وحَيثُ انقطَعَتِ الجِهَةُ (١)، والوَاقِفُ حَيٌّ، رجَعَ إليهِ وَقْفًا (٢). = حين وقف، وفيه: (لا جناح على من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقا غير متمول فيه)، وكان الوقف في يده إلى أن مات قاله في الكشاف. (١) المراد: الجهة التي لا تدوم؛ لأن الجهات إما: أن تدوم: كالفقراء والمساجد وهذه لا يتصور فيها الانقطاع، أو لا تدوم: وهي القابلة للزوال والانتهاء، كبني فلان، فقد ينقرض بنو فلان يوما ما. (٢) فإذا انقطعت الجهة كأولاد فلان وانقرضوا، وكان الواقف حيا رجع الوقف إليه وقفا، فإن لم يكن حيًا: رجع إلى أقارب الواقف نسبًا، وقفًا عليهم على قدر إرثهم، فإن لم يكن له أقارب: فللفقراء والمساكين وهو ما ذهب إليه في الإقناع والمنتهى، وخالف صاحب الغاية، فقال: ومتى انقطعت الجهة والواقف حي لم يرجع إليه وقفًا خلافًا لهما، ويكون لورثته فإن عُدموا فللفقراء والمساكين، وتعقبه الشارح بأنه مشى على رواية مرجوحة. وكلام صاحب الغاية أقيس؛ لأنهم في الشرط الرابع قرروا أن الواقف لا يصح أن يقف على نفسه، ولذا قال الشطي: (ومخالفة المصنف ظاهرة، إذ هي القياس، ومقتضى تفصيلهم المتقدم، وصريح الرواية الأخرى، لكن لم أر من وافقه من المتأخرين). (مخالفة)

стр. 1122

ومَنْ وَقَفَ عَلَى الفُقَراءِ، فافتَقَرَ، تَنَاوَلَ مِنْهُ (١). ولا يَصِحُّ عِتقُ الرَّقَيقِ المَوقُوفِ بحَالٍ (٢)، لكِنْ لو وَطِئَ الأمَةَ المَوقُوفَةَ عَليهِ، حَرُمَ (٣)، فإن حَمَلَتْ، صَارَت أُمَّ ولَدٍ تَعتقُ بمَوتِه (٤)، وتَجِبُ قِيمَتُها فِي تَرِكَتِهِ (٥)، يُشتَرى بِهَا مِثلُها (٦). (١) وكذا لو وقف على العلماء ثم أصبح عالمًا فيأكل منه، بخلاف ما لو كان حال الوقف عالمًا ووقف على العلماء، أو كان فقيرا ووقف على الفقراء فلا يتناول منه؛ لأنه حينئذ من باب الوقف على نفسه، كما استظهره حفيد صاحب المنتهى. (٢) وذلك أنه يصح عندنا وقف المنقول كالرقيق، ولا يصح عتق الرقيق الموقوف بحال؛ لأن الوقف عقد لازم لا يمكن إبطاله، وفي القول بنفوذ عتقه إبطال له. (٣) فلا يجوز للموقوف عليه تزوج الأمة الموقوفة ولا وطؤها، وله أن يزوجها لآخر، لكن لو وطئها لم يُحد؛ للشبهة. (٤) لولادتها منه وهو مالكها. (٥) لأنه أتلفها على من بعده من البطون. (٦) يكون وقفًا مكانها، وولده منها حر للشبهة، وعليه قيمته يوم وضعه حيًا، لتفويته رقه على من يؤول إليه الوقف بعده. (تتمة) إن وطئ الواقف الأمة الموقوفة: ذكر الحارثي أنه يجب المهر للموقوف عليه، ويجب الحد، والولد رقيق إن لم نقل ببقاء ملك الواقف. فتعقبه الشيخ منصور بأن الظاهر عدم وجوب الحد؛ لشبهة الخلاف في بقاء ملكه. انتهى، قلت: فلله دره.

стр. 1123

فَصْلٌ ويُرجَعُ في مصرِفِ الوَقْفِ (١) إلى شَرْطِ الواقِفِ (٢)، فإن جُهِلَ (٣)، عُمِلَ بالعَادَةِ الجَارِيَةِ (٤)، فإن لم تَكُنْ (١) أي: يرجع إلى شرط الواقف في تقدير الاستحقاق -ونحوه من أمور الوقف-، كأن يقول للإمام كذا، وللمؤذن كذا، أو للذكر مثل الأنثى أو مثل حظ الأنثيين. (٢) فيجب العمل بجميع ما اشترطه الواقف مطلقا، وصرح صاحب الغاية بوجوب العمل بشرط الواقف ولو كان مباحًا، وذكر الشيخ منصور في الكشاف عن الحارثي أنه صحح الشرط المباح. ومن أمثلة الشرط المباح: أن يقف عمارة على الفقراء ويستثني أحدَهم، أو يجعل لأحدهم أكثر من غيره، أما الشرط المستحب: فكوقفه العمارة على الفقراء مع تقديم الفقيه منهم، أو طالب العلم، ونحو ذلك. (٣) كما لو قامت بينة بالوقف دون شرطه، فلم يعلم قدر ما يأخذه كل واحد من الموقوف عليهم. (٤) هذا من المواطن النادرة التي فرقوا فيها بين: (العادة الجارية) والعرف، و (الجارية): أي: المستمرة، قال في الغاية: (وإن جُهل شرط قسم واقف عُمل بعادة جارية)، وقال البهوتي في حاشية المنتهى: (أي: جهل شرط الواقف في قسمته بأن ثبت الوقف دون الشرط). =

стр. 1124

فَبِالعُرفِ (١)، فإن لم يَكُنْ فالتَّسَاوِي بين المُستَحِقِّينَ (٢). = والمراد: إذا كان الوقف على قوم -كما قاله البهوتي في الكشاف- وجهل قدر ما يأخذه الموقوف عليهم من الوقف بسبب أن الواقف لم ينص عليه فيعمل بعادة جارية، قال النجدي: (أي: مستمرة إن كانت ببلد الواقف) أي: إن كانت هناك عادة جارية في البلد الذي فيه الوقف في قدر ما يأخذه الموقوف عليه عمل بها. (١) أي: فإن لم تكن عادة جارية في ذلك البلد فيرجع إلى العرف المستمر في مثل ذلك الوقف، قال في الإقناع وشرحه: (ثم عمل ب (بعرف) مستقر في الوقف (في مقادير الصرف كفقهاء المدارس)؛ لأن الغالب وقوع الشرط على وفقه، وأيضا فالأصل عدم تقييد الواقف فيكون مطلقا، والمطلق منه يثبت له حكم العرف قاله الحارثي) فإذا كان -مثلًا-: فقهاء، أو معلمون لهم عرف جارٍ في تلك المدرسة بأن لهم مقدارا معينا فإنه يُعمل بذلك العرف في مثل ذلك الوقف، وهذا من المواطن التي يفرق فيها الحنابلة بين العادة والعرف، وإلا فالأصل: أن العادة هي العرف عند الحنابلة. (٢) فإن لم تكن عادة ولا عرف ببلد الواقف -كما لو كان ببادية ليس لها عرف ولا عادة-؛ فيقسم على المستحقين بالسوية للذكر مثل حظ الأنثى؛ لثبوت الشركة دون التفضيل، بخلاف الهبة والوصية، فللذكر فيهما مثل حظ الأنثيين. (فرق فقهي) (تنبيه) التقييد بالعمل بالعادة الجارية ثم بالعرف ثم بالتساوي، هو قول شيخ الإسلام وهو المذهب كما جزم به =

стр. 1125

ويُرْجَعُ إلى شَرطِه في التَّرتِيبِ بينَ البُطُونِ (١)، أو الاشتِرَاكِ (٢)، = في الإقناع والمنتهى والغاية، والقول الثاني: أنه بالتساوي بلا قيد، ولذا قال في المعونة بعد حكايته المذهب: (وقيل: يسوى بينهم مطلقاً. ذكره في " الكافي " من غير قيد). (تتمة) إذا وقف شيئًا على جماعة يمكن حصرهم ابتداءً كما لو وقف على إخوته وأولادهم قبل أن يولد لهم، وجب تعميمهم والتسوية بينهم ولو كثُر عدد الموقوف عليهم بعد ذلك بأن وُلد لهم. فإن لم يمكن حصر الموقوف عليهم ابتداءً كالوقف على المساكين جاز أمران: ١ - التفضيل بإعطاء بعضهم أكثر من بعض، ٢ - والاقتصار على واحد منهم مع حرمان البقية. (١) أي: يجب الرجوع في صفة الاستحقاق في الوقف إلى شرط الواقف، في الترتيب بين البطون كأن يقول: وقفت على أولادي ثم أولادهم. فالوقف يكون عند أولاده فإذا مات أحد أولاده: يعود الوقف على بقية أولاده، ولا ينتقل إلى أولاد الميت، فإذا انقرض أولاد الواقف كلُّهم، انتقل إلى أولاد الأولاد، … وهكذا إذا رتب، قال اللبدي: (في صورة الترتيب لا يستحق أحد من البطن الثاني مع وجود أحد من البطن الأول)، واختار شيخ الإسلام: الترتيب بالأفراد، فيُرد نصيب الولد الميت إلى أولاده دون إخوته. (٢) وكذا يجب الرجوع إلى شرط الواقف فيما لو اشترط في صفة الاستحقاق الاشتراكَ بين المستحقين، كأن يقول: وقفت على أولادي وأولادهم أيضًا. فيُشرك بينهم كلهم في ريع الوقف، =
следующие страницы →