Полный текст (2 012 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ولدخولِ مكةَ (١)، وحرمِها (٢)، ووقوفٍ بعرفةَ (٣)، وطوافِ زيارةٍ (٤)، وطوافِ وداعٍ (٥)، ومبيتٍ بمزدلفةَ (٦)، ورميِ جمارٍ (٧).
= الخلوتي، سواء كان إحراماً بحج أو عمرة أو بهما؛ لأن الرسول ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل. رواه الترمذي. وهو مستحب حتى للحائض والنفساء؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس ﵂ أن تغتسل - وكانت نفساء -، فاغتسلت للإحرام.
(١) (الغسل العاشر) لدخول مكة؛ وقد فعله ابن عمر ﵄، ورفعه إلى النبي ﷺ متفق عليه.
قال ابن النجار في شرحه: (وظاهره: ولو كان بالحرم، كالذي بمنى إذا أراد دخول مكة فإنه يستحب له الغسل لدخولها)
(٢) (الغسل الحادي عشر) لدخول حرم مكة، كمن كان في الحل وأراد دخول الحرم، فيسن له أن يغتسل. وفي زماننا توجد علامات تُعرف بها حدود الحرم.
(٣) (الغسل الثاني عشر) لوقوف بعرفة، وقد رواه الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄.
(٤) (الغسل الثالث عشر) لطواف الزيارة، وهو طواف الإفاضة.
(٥) (الغسل الرابع عشر) لطواف الوداع.
(٦) (الغسل الخامس عشر) لمبيت بمزدلفة.
(٧) (الغسل السادس عشر) لرمي الجمار، فيستحب أن يغتسل له في كل يوم شُرع فيه كما صرح به ابن نصر الله؛ فيغتسل يوم العيد لرمي جمرة العقبة، ثم اليوم الحادي عشر لرمي الجمار =
стр. 107
ويتيمَّمُ للكلِّ لحاجةٍ، ولما يُسنُّ له الوضوءُ: إن تعذَّرَ (١).
= الثلاث، ثم اليوم الثاني عشر كذلك، ثم الثالث عشر للمتأخر كذلك.
وتستحب هذه الأغسال المتقدمة لوجود اجتماع الناس قياساً على الجمعة والعيدين.
(تنبيه) يقتصر العلماء على هذه الأغسال الستة عشر، وبقي الغسل لإعادة الوطء فإنه غسل مسنون أيضا، ويذكرونه في باب الغسل لكن ليس من الستة عشر.
(١) وفي هذا نوع تطويل من المؤلف ﵀، وإن كان بعض الشرّاح وجَّه كلامه بأن فيه تنويعاً في العبارة، إلا أن الأَولى أن يقول: ويتيمم - استحباباً - لكل ما يسن له الغسل ولما يسن له الوضوء إن عَدِم الماء أو تعذر استعمالُه، والله أعلم.
стр. 108
باب التيمم (١)
(١) التيمم لغة: القصد، وشرعاً: استعمال تراب مخصوص لوجه ويدين. والتيمم بدل طهارة الماء، فيُفعل به - في المذهب - كل ما يُفعل بطهارة الماء. ويستثنى من ذلك أربعة أمور لا يقوم التيمم مقام الماء: ١ - النجاسة على غير البدن؛ فلا يتيمم لها إذا فقد الماء، بخلاف النجاسة على البدن. ٢ - المكث في المسجد لحاجة، فإذا عدم الجنبُ الماءَ وأراد أن يلبث في المسجد، فإن له ذلك من غير أن يتيمم لكن مع التيمم أفضل. ٣ - غسل الذكر والأنثيين من خروج المذي، فلا يشرع التيمم لذلك إن فقد الماء. ٤ - غسل يدي القائم من نوم ليل، فلا يشرع التيمم لذلك أيضاً.
حكم التيمم: التيمم عزيمة، فيجوز حتى في سفر المعصية، بخلاف أكل لحم الميتة مثلاً، فلا يجوز للمضطر إن كان في سفر معصية.
(تتمة) المشهور في المذهب أن التيمم مبيح لا رافع؛ فيبيح لمن هو على غير طهارة أن يفعل ما تشترط له الطهارة، لكنه لا يرفع الحدث. واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : «الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماءَ، فليمسه بشرته؛ فإن ذلك خير» رواه الترمذي =
стр. 109
يصح بشروط ثمانية: النيةُ (١)، والإسلامُ (٢)، والعقلُ (٣)، والتمييزُ (٤)، والاستنجاءُ أو الاستجمارُ (٥).
السادس: دخولُ وقتِ الصلاة، فلا يصح التيممُ لصلاةٍ قبل وقتِها (٦)، ولا لنافلةٍ وقت نهيٍ (٧).
السابع: تعذرُ استعمالِ الماءِ؛ إما لعَدَمِهِ، أو لخوفِهِ باستعمالِهِ الضَّرَرَ (٨).
= وأبو داود، قالوا: لو رفع التيممُ الحدثَ لم يحتج إلى الماء إذا وجده.
(١) (الشرط الأول) النية؛ للحديث: «إنما الأعمال بالنيات».
(٢) (الشرط الثاني) الإسلام؛ فلا يصح من الكافر.
(٣) (الشرط الثالث) العقل؛ فلا يصح من غير العاقل.
(٤) (الشرط الرابع) التمييز؛ فلا يصح ممن هو دون سبع سنين.
(٥) (الشرط الخامس) الاستنجاء أو الاستجمار؛ فلا يصح التيمم قبلهما كالوضوء.
(٦) (الشرط السادس) دخول وقت الصلاة؛ لحديث أبي أمامة ﵁ مرفوعا: «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، ً فأينما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة، فعنده مسجده، وعنده طهوره» رواه الإمام أحمد.
(٧) فلا يصح التيمم لنافلة كالضحى وقت نهي، لكن لو أراد أن يتيمم لقراءة القرآن أو مس المصحف مثلاً، فإنه يصح وقت النهي. كذلك يصح ذلك لركعتي الطواف؛ لجواز فعلهما وقت النهي في المذهب.
(٨) (الشرط السابع) تعذر استعمال الماء، وذلك لأسباب: =
стр. 110
ويجب بذلُهُ للعطشان من آدميٍّ أو بهيمةٍ محترَمَين (١).
ومن وَجَدَ ماءً لا يكفي لطهارته استعمله فيما يكفي وجوباً، ثم تيمَّمَ (٢).
وإن وصل المسافرُ إلى الماء وقد ضاق الوقتُ، أو عَلِمَ
= ١ - إما لعدمه، فإن لم يجد الماء جاز له التيمم؛ لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [النساء، ٤٣]. ٢ - أو لخوفه باستعماله الضررَ كبرد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء البارد، أو فواتَ رفقةِ سفره لو توضأ، فيجوز له التيمم. ٣ - أو لكونه محتاجاً إلى الماء للشرب أو الطبخ، فيجوز التيمم كذلك. ٤ - أو لكونه مريضاً يعجز عن الحركة كالمشلول، وليس عنده من يوضئه وعجز عن الاغتراف ولو بفمه كما في الإقناع، فإن خاف فوات الوقت لو انتظر من يوضئه جاز له أن يتيمم.
(١) أي: يجب بذل الماء للعطشان من آدمي يخشى التلف، ويكون بقيمته ولو في الذمة، أو بهيمة ولو لغيره بشرط كونهما محترمَين، كما قيده الشارح، فلا يجب بذله للآدمي غير المحترم كالزاني المحصن والمرتد والحربي، والبهيمة غير المحترمة كالكلب والخنزير.
(٢) فمن وجد ماءً لا يكفي لطهارته من حدث أكبر أو أصغر، كأن يجد من يريدُ الوضوء ماءً يكفيه لغسل وجهه ويديه ومسح رأسه دون غسل رجليه، فإنَّه يستعمله وجوباً فيما يكفي، ثم يتيمم للباقي؛ للحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه.
стр. 111
أن النَّوبَةَ لا تصلُ إليه إلا بعد خروجِه: عَدَلَ إلى التيمُّمِ (١)، وغيرُهُ لا، ولو فاته الوقتُ (٢).
ومَنْ في الوقت أراق الماءَ، أو مَرَّ به وأمكنَه الوضوءُ، ويعلم أنه لا يجد غيرَهُ حَرُمَ (٣)، ثم إن تيمَّمَ وصلى لم يُعِد (٤).
(١) المراد أنه لا يجوز التيمم لخوف فوات الوقت إلا في أربع صور، كلها خاصة بالمسافر، وقد ذكر المؤلف منها صورتين: ١ - إن وصل المسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت عن طهارته؛ لكنه لو تطهر به خرج وقت الصلاة، فيجوز أن يعدل إلى التيمم ليصلي في الوقت. ٢ - إن علم أن النوبة - أي: دوره في أخذ الماء - لا تصل إليه إلا بعد خروج الوقت، فإنه يجوز أن يعدل إلى التيمم، ٣ - لو علم المسافرُ الماءَ قريبا ٤ - أو دلَّه عليه ثقةٌ قريبا عرفا، وخاف بطلبه فوتَ الوقت، أو دخولَ وقت الضرورة، أو فوتَ عدو، أو فوتَ غرضه المباح فيجوز له التيمم.
(٢) فغير المسافر لو أدرك آخر وقت الصلاة مثلاً، ويستطيع لو تيمم أن يصلي في الوقت لا إن توضأ، فإنه يقدم الوضوء ولو خرج الوقت.
(٣) أي: من كان في وقت صلاة حاضرة ومعه ماء، فأراقه، فإنه يأثم، وكذلك لو مرَّ بالماء في وقت صلاة، وأمكنه الوضوء منه، ويعلم أنه لا يجد غيره ولم يتوضأ منه حرم.
(٤) أي: ثم إن لم يجد غير الماء الذي أراقه، أو لم يجد غير الماء الذي مرَّ به وتركه ولم يتوضأ ثم تيمم صح؛ لأنه حين =
стр. 112
وإن وَجَدَ محدِثٌ - ببدنِهِ وثوبِهِ نجاسةٌ - ماءً لا يكفي، وَجَبَ غسلُ ثوبِهِ، ثم إن فَضَلَ شيءٌ غَسَلَ بدنَهُ، ثم إن فَضَلَ شيءٌ تطهَّرَ به، وإلا تيمَّمَ (١).
ويصح التيمُّمُ لكلِّ حَدَثٍ، وللنجاسةِ على البدنِ (٢) بعد تخفيفِها ما أمكن (٣)، فإن تيمَّمَ لها قبل تخفيفِها لم يصِحَّ.
الثامن: أن يكونَ بترابٍ (٤)
= تيمم كان عادماً للماء، فإذا صلى لم يعد؛ لأنها صلاة بتيمم صحيح.
(١) فمن كان محدِثاً وعلى بدنه وثوبه نجاسة، وكان عنده ماء لا يكفي للطهارة من الحدث وغسل النجاسة، وجب عليه أن يقدم غسل ثوبه؛ لأنه لا يصح التيمم عن النجاسة التي عليه بخلاف التي على البدن. فإن فضل شيء من الماء بعد ذلك غسل النجاسة التي على بدنه، ثم إن فضل شيء تطهر به، وإلا تيمم وجوباً.
(٢) يصح التيمم في المذهب عن ثلاثة أمور: ١ - الحدث الأصغر، ٢ - والحدث الأكبر، ٣ - والنجاسة التي على البدن إن لم يجد ماءً أو تضرر باستعماله في غسلها. أما غير ذلك كغسل يدي القائم من نوم الليل، فلا يتيمم عنه، وتقدم.
(٣) أبهم المؤلف الحكم، والمذهب: وجوب تخفيفها ما أمكن قبل التيمم لها، ويكون ذلك بحكها أو أي فعل يحصل به التخفيف.
(٤) (الشرط الثامن) أن يكون التيمم بتراب، ويشترط فيه أمور
=
стр. 113
طهورٍ (١) مباحٍ (٢) غيرِ محترِقٍ (٣)، له غبارٌ يعلُقُ باليدِ (٤).
فإن لم يَجِدْ ذلك صلى الفرضَ فقط على حَسَب حالِهِ (٥)،
= سيأتي ذكرها إن شاء الله. وإنما ينصون على التراب لإخراج الرمل الذي لا غبار فيه والحجارة الصماء، وإلا فالذي يشترط في التيمم - كما قال الخلوتي - هو الغبار فقط، فاشتراطهم التراب ليس على ظاهره، وإنما المقصود به الغبار، ولذا صح التيمم بالرمل الذي فيه غبار.
(١) [الشرط الأول للتراب] أن يكون طهوراً، فلا يصح أن يتيمم بتراب استعمل في تيمم قبل ذلك. والمراد بالمستعمل: المتناثر من الوجه واليدين، أما لو وُجد إناء يتيمم منه الناس مثلاً، فيأتي الشخص ويأخذ منه ويتيمم، فالتراب الذي يبقى في الإناء ليس مستعملاً، فيصح التيمم به، كما لو توضؤوا من حوض واحد.
(٢) [الشرط الثاني للتراب] أن يكون مباحاً، فلا يصح أن يتيمم بتراب مغصوب كما لا يصح الوضوء بالماء المغصوب والموقوف للشرب.
(٣) [الشرط الثالث للتراب] أن يكون غير محترق، فلا يصح التيمم بما دُقَّ من الخزف.
(٤) [الشرط الرابع للتراب] أن يكون له غبار يعلق باليد، فلو صار التراب طيناً لم يصح التيمم به؛ لأنه ليس له غبار يعلق باليد.
(٥) هذه مسألة فاقد الطهورين، فمن لم يجد ماءً ولا تراباً صلى الفرض فقط على حسب حاله وجوباً.
стр. 114
ولا يزيدُ في صلاتِهِ على ما يجزئُ، ولا إعادةَ (١).
(١) فيكبر تكبيرة الإحرام، ثم يقرأ الفاتحة فقط، ثم يركع، ويسبح فيه تسبيحة واحدة فقط، ثم يرفع ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يسجد ويسبح فيه تسبيحة واحدة كذلك … ، ولا يجب على فاقد الطهورين إن فعل ما تقدم أن يعيد صلاته على المذهب خلافاً لبعض العلماء.
(تتمة) أبهم المؤلف الحكم التكليفي والوضعي فيما لو زاد على المجزئ في صلاته، ولي في تفصيله بحث طويل حاصله: أنه لا يجوز أن يزيد في الصلاة على ما يجزئ، وإلا بطلت.
стр. 115
فصل
واجب التيمم: التسميةُ (١)، وتسقط سهواً (٢).
وفروضُه خمسةٌ: مسحُ الوجه (٣)، ومسحُ اليدين إلى الكوعين (٤).
الثالث: الترتيبُ في الطهارة الصغرى (٥)، فيلزم - من
(١) ولو كان التيمم عن نجاسة على البدن.
(٢) كالوضوء.
(٣) (الفرض الأول) مسح جميع - كما في الإقناع وشرح المنتهى- الوجه بما فيه من شعر ظاهر. ولا يجب في الشعر الخفيف الذي يصف البشرة إدخال التراب وإيصاله إلى البشرة، بخلاف الوضوء. ويكره إدخال التراب في الفم والأنف.
(٤) (الفرض الثاني) مسح اليدين إلى الكوعين، وهل يجب مسح ظاهر اليدين كالوجه؟
والكوع: هو طرف الزند الذي يلي أصل إبهام اليد من العظم، والذي يقابله يسمى كرسوع، وما بينهما هو الرسغ. والدليل على هذين الفرضين قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [النساء، ٤٣].
(٥) (الفرض الثالث) الترتيب - بأن يمسح وجهه قبل يديه - في التيمم عن حدث أصغر ولو تيمم عن الحدثين تغليبا للحدث الأصغر كما استظهره الخلوتي، ولا يشترط الترتيب للتيمم عن =
стр. 116
جرحُه ببعض أعضاءِ وضوئِهِ - إذا توضأ أن يتيمم له عند غِسلِه لو كان صحيحاً (١).
الرابع: الموالاةُ (٢)، فيلزمُه أن يعيدَ غَسلَ الصحيح عند كل تيمم (٣).
= حدث أكبر- لأن الترتيب ليس فرضاً في الغسل - ولا للنجاسة على البدن. والترتيب هنا أن يمسح وجهه قبل يديه.
(١) وقد تقدم الكلام عن سبب ذلك، فلو كان الجرح أو ما يريد أن يتيمم عنه في يديه، فإنه لا يتيمم قبل الوضوء ولا بعده، وإنما يتيمم له إذا وصل إلى موضع غسله لو كان صحيحاً؛ لوجوب الترتيب.
(٢) (الفرض الرابع) الموالاة، وهي: ألا يؤخر مسح اليدين بحيث يجف الوجه لو كان مغسولاً، كما قاله الشيخ منصور في الروض المربع، وهي شرط في الطهارة الصغرى فقط كالترتيب، فلو تيمم عن الحدث الأكبر فمَسَحَ وجهه، ثم انصرف، ثم عاد لمسح يديه بعد ساعة صح.
(٣) والمراد بالغَسْلِ هنا: الوضوء. وقوله (فيلزمه): ذكر اللبدي أن ذلك ليس مناسباً؛ لأن هذه المسألة غير متفرعة عن الأخرى، وفيها كلام طويل، والمراد: أن من تيمم خلال وضوئه عن جرح أو كسر، ثم خرج الوقت، فإن تيممه يبطل، وعليه فيبطل الوضوءُ أيضاً، فيلزمه إعادة الوضوء والتيمم؛ لفوات الموالاة، أما من توضأ آخر الوقت، ولما فرغ من التيمم عن جرح في رجله، خرج الوقت، فيلزمه إعادة التيمم فقط، دون الوضوء؛ =
стр. 117
الخامس: تعيينُ النية لما يتيمم له من حدث أو نجاسة (١)،
= لأن الوضوء لم يبطل بخروج الوقت؛ والموالاة لم تزل باقية.
(تتمة) بسط الكلام في هذه المسألة: الموالاة في التيمم لها أقسام: القسم الأول: تشترط الموالاة إذا أراد أن يتيمم عن حدث أصغر وهي هنا بقدرها في الوضوء، وفي الأكبر لا تشترط. القسم الثاني: يترتب على اشتراط الموالاة في التيمم عن الحدث الأصغر ما يلي: أنه إذا فاتت الموالاة في التيمم عن الحدث الأصغر بطل الوضوء وإلا لم يبطل، وبناء عليه لو تأخر تيممه عن عضو حتى فاتت الموالاة بطل وضوؤه سواء خرج الوقت أو لم يخرج، أما إذا كان الجرح في إحدى رجليه ثم تيمم له فخرج الوقت فلا يخلو مما يلي: أ- إذا فاتت الموالاة لزمه إعادة الوضوء والتيمم، فيعيد الوضوء لفوات الموالاة والتيمم لخروج الوقت. ب- ألا تفوت الموالاة: فيعيد التيمم فقط لبطلانه بخروج الوقت، أما الوضوء فلا يعيده لبقاء الموالاة. القسم الثالث: إذا كان التيمم لعضو في الحدث الاكبر؛ فإنه إذا خرج الوقت بطل تيممه فقط ولزمه إعادته، أما غُسله لباقي بدنه فلا يبطل لعدم اشتراط الترتيب والموالاة لأن البدن كله كالعضو الواحد.
(١) (الفرض الخامس) تعيين النية، فينوي: ١ - ما يتيمم له، وهو الفعل الذي يريد فعله بالتيمم كصلاة الظهر. ٢ - وما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر أو نجاسة على البدن، فلا بد من النيتين
وصفة التعيين - كما يقول الشارح في نيل المآرب نقلاً عن =
стр. 118
فلا تكفي نيةُ أحدِهِما عن الآخر، وإن نواهما أجزأ (١).
ومبطلاتُه خمسةٌ: ما أبطل الوضوءَ (٢)، ووجودُ
= الكشاف -: أن ينوي - أي: بتيممه - استباحةَ صلاةِ الظهر مثلاً من الجنابة إن كان جنباً.
وقد ذكر في الغاية اتجاها بأنه تكفي نية الاستباحة عن نية ما يتيمم عنه فقال: (ويتجه باحتمال: يجزئ عن حدث ونجاسة نية استباحة نحو صلاة؛ لأنها لا تستباح معهما) ووافقه الشارح والشطي ونقل الشطي بأن الخلوتي والنجدي قد صرحا به، وهذا مخالف لظاهر الإقناع والمنتهى وشرحيهما للبهوتي، وأنه لابد من نية ما يتيمم له، وما يتيمم عنه. والله أعلم. (مخالفة)
(١) فلو نوى التيمم عن النجاسة على البدن فقط، لم يجزئه عن الحدث الأصغر ولا الأكبر. وكذا لو نوى التيمم عن أحد الحدثين، لم يجزئه عن الأخر. أما لو نوى بتيمم واحد أن يكون عن النجاسة التي على البدن وعن الحدث الأصغر والأكبر، فإنه يجزئ عنهم جميعاً، وهذا مثال للتداخل في العبادات.
(٢) مبطلات التيمم هي مفسداته، وهي: (المبطل الأول) ما أبطل الوضوء، أي: نواقضه، فلو تيمم عن حدث أصغر ثم حصل له أحد نواقض الوضوء المتقدمة، بطل تيممه. أما لو تيمم عن الحدث الأكبر، فإنه يبطل بما يوجب الغسل إلا الحيض والنفاس، فلا يبطل التيمم عنهما إلا بأحدهما.
فيلاحظ أن في عبارة المؤلف قصورا؛ لقصره المبطل على =
стр. 119
الماء (١)، وخروجُ الوقت (٢)،
= نواقض الوضوء. والأَولى - كما قال اللبدي - أن يقول: ما أبطل ما تيمم عنه، فيشمل ما يبطل الوضوء، وما يوجب الغسل.
(١) (المبطل الثاني) وجود الماء، فإذا وجد المتيممُ الماءَ بطل تيممه مباشرة؛ للحديث: «الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله، وليمسه بشرته» رواه أبو داود والترمذي.
(٢) (المبطل الثالث) إذا خرج الوقت الذي تيمم فيه، فإن تيممه يبطل. حتى لو كان التيممُ لجنب لقراءة القرآن فإن تيممه يبطل بخروج الوقت كما في المنتهى وغيره، وعليه فإذا خرج الوقت، وأراد أن يتيمم لفعل الصلاة مثلا فينوي التيمم للحدث الأصغر والأكبر.
وكذا يبطل التيممُ بدخول الوقت أيضاً على ما في المغني، وصرح به الشيخ منصور في الروض المربع، وهو مفهوم كلام الغاية اتجاهاً، والله أعلم.
فلو تيمم بعد طلوع الشمس مثلاً ليقرأ القرآن، وهو وقت نهي، فإذا ارتفعت الشمس قِيد رمح بطل تيممه؛ لأنه قد خرج وقت تيمم فيه.
(تتمة) يستثنى من بطلان التيمم بخروج الوقت مسألتان: ١ - لو تيمم في وقت الصلاة الأولى ناوياً الجمع في وقت الثانية، فإنه لا يبطل تيممه بخروج وقت الأولى؛ لأن الوقتين =
стр. 120
وزوالُ المبيح له (١)، وخلعُ ما مُسِحَ عليه (٢).
= صارا كالواحد. ٢ - إذا تيمم ليصلي الجمعة، ثم خرج الوقت وهو فيها، فإنه يتمُّها، ولا يبطل تيممه ما دام فيها؛ لأنها لا تقضى، بخلاف من تيمم لصلاة العيد؛ فإنها تبطل لو خرج الوقت وهو فيها لإمكان قضائه بخلاف الجمعة كما قرره النجدي.
(١) (المبطل الرابع) زوال المبيح للتيمم، كأن تيمم شخص مريض لخوفه الضرر على بدنه، ثم شفي، فإن تيممه يبطل؛ لزوال المبيح له، وهو المرض. كذلك لو كان عنده ماء يحتاج إليه للشرب، وليس عنده غيره، فتيمم، ثم وجد ماءً آخر، فإن تيممه يبطل؛ لأن المبيح هو حاجته للماء، وقد زال.
(٢) (المبطل الخامس) خلع ما مَسَحَ عليه. وصورته: أن يتوضأ شخص، ثم يلبس خفين مثلاً، ثم يحدث، ثم يتوضأ ويمسح عليهما، ثم يحدث، ثم يتيمم لعدم الماء مثلاً، ثم يخلع خفيه، فإن تيممه يبطل.
ويفهم من ظاهر كلام المؤلف هنا وفي الغاية أنه إذا خُلع ما لم يُمسح عليه، فإن التيمم لا يبطل. وعليه، ففي المثال المتقدم، لو تيمم الشخص قبل المسح على الخفين، ثم خلعهما، لم يبطل تيممه. وهذا مخالف للمذهب، ولم أر في الإنصاف رواية توافقه، إلا أن صاحب المطالب لما شرح المسألة قال إن المؤلف وافق رواية مذكورة في الكافي لابن قدامة.
أما المذهب، فالمبطل هو خلع ما يجوز المسح عليه، سواء =
стр. 121
وإن وَجَدَ الماءَ وهو في الصلاة بطلت (١)، وإن انقضت لم
= مسح عليه أو لا؛ لقيام تيممه مقام وضوئه وهو يبطل بخلع ذلك فكذا ما قام مقامه.
وعبارته في المطالب: (و) يبطل أيضا (بخلع ما مسح) من نحو خف وعمامة وجبيرة لبست على طهارة ماء (إن تيمم) بعد حدثه (وهو عليه)، وكذا في " الدليل " وهو مخالف لما في " الإقناع " " والمنتهى " قال في الإقناع: بخلع ما يجوز المسح عليه، وقال في " المنتهى ": بخلع ما يمسح عليه، فلم يعتبر المسح بالفعل كما اعتبره المصنف ولم يشر إلى خلافهما، لأن ما مشى عليه رواية ذكرها في " الكافي "، والمذهب ما قالاه).
ولم أر هذه الرواية في الكافي، وهذه عبارته: (ومن تيمم وهو لابس خفا أو عمامة، يجوز المسح عليهما، ثم خلع أحدهما، فقد ذكر أصحابنا أنه يبطل تيممه، لأنه من مبطلات الوضوء، ولا يقوى ذلك عندي، لأنها طهارة لم يمسح عليهما، فلم تبطل بخلعهما، كالملبوس على غير طهارة بخلاف الوضوء)، ثم رأيته في الوجيز مشى على ما مشى عليه في الدليل، وعبارة الوجيز: (ومن تيمم ثم خلع الممسوحَ أبطله) (مخالفة الماتن).
(تتمة) لم يذكر المؤلف (المبطل السادس) انقضاءُ مدة مَسْحِ ما تقدم المسح عليه، فلو تيمم وعليه شيء قد مسح عليه كخفين، ثم انقضت مدة مسح الخفين، فإن تيممه يبطل.
(١) ولو كانت صلاة الجمعة أو طوافاً، فيبطلان، ويبطل تيممه، كما قال الشيخ عثمان النجدي. وهذا بخلاف خروج وقت =
стр. 122
تجب الإعادة (١).
وصفته: أن ينويَ (٢)، ثم يسميَ، ويضربُ الترابَ بيديه مفرجتي الأصابع ضربةً واحدةً (٣) - والأحوطُ ثِنتان (٤) - بعد نَزعِ خاتمٍ ونحوِهِ (٥)،
= صلاة الجمعة وهو فيها، فإن صلاته لا تبطل، ولا يبطل تيممه مادام فيها، كما تقدم. (فرق فقهي)
(١) فلو تيمم وصلى، ثم وجد الماء في الوقت، لم يجب عليه أن يعيد الصلاة.
(٢) وتقدم تفصيل النية للتيمم. ولا يجوز أن ينوي رفع الحدث؛ لأنه لا يرتفع، بخلاف الوضوء.
(٣) الضربة الواحدة هي الواردة في السنة في حديث عمار ﵁: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيدك هكذا؛ ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ومسح بهما ظاهر كفيه ووجهه» متفق عليه.
(٤) أي: الأحوط أن يضرب التراب ضربتين، ضربة للوجه، وأخرى لليدين، وهذا الذي مشى عليه هنا، وفي الغاية؛ لحديث عمار: (التيمم ضربة للوجه والكفين) رواه أو داود والترمذي، وليس هذا الاحتياط مسنوناً ولا الأَولى في المذهب، حيث لم ينص عليه في المنتهى، وإنما المذهب أن يضرب ضربة واحدة فقط، وقد نص في الإقناع على جواز الضربتين. (مخالفة الماتن)
(٥) ونزع الخاتم عند مسح اليد واجب كما في الغاية؛ ليصل =
стр. 123
فيمسحُ وجهَه بباطن أصابعه (١)، وكفَّيه براحتيه (٢).
وسُن لمن يرجو وجودَ الماء تأخيرُ التيمم إلى آخر الوقتِ المختارِ (٣).
= التراب إلى محله، وقوله: (ونحوه) كالحلقة في يده، كما قال ابن عوض ﵀.
(١) أي: بباطن أصابعه فقط دون الراحتين. والراحة: هي بطن اليد، كما قال الشيخ ابن قاسم.
(٢) المراد بالكفين هنا: ظاهرهما كما قاله الشيخ منصور في شرح المنتهى، أي: ما كان فوق الكفين دون الباطن -، ويمسح براحتيه من الأصابع إلى الرسغ، وهو الوارد في السنة، خلافاً للشافعية الذين يقولون بالمسح إلى المرفقين. ويخلل الأصابع كما في زاد المستقنع، وهو مستحب كما في الشرح الكبير والمغني.
(٣) ولا يجب ذلك، فلو لم يؤخره وتيمم وصلى أول الوقت صح تيممه وصلاته ولو وجد الماء بعد ذلك في الوقت.
وفي المسألة تفصيل على خمس حالات: ١ - راجي وجود الماء ٢ - عالم وجود الماء، ٣ - ومستو عنده الوجود والعدم، فيسن لهؤلاء تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار، ٤ - متيقن عدم وجود الماء، ٥ - ومن يغلب على ظنه عدم وجود الماء، ففي هاتين الحالتين لا يسن لهما التأخير بل الأولى التبكير بالتيمم والصلاة. وقوله: (الوقت المختار): هذا فيما له وقتان، وهما صلاتا العصر والعشاء.
стр. 124
وله أن يصليَ بتيمم واحدٍ ما شاء من الفرض والنفل، لكن لو تيمم للنفل لم يستبِحِ الفرضَ (١).
(١) فالعبادات عندنا على درجات، فأعلى ما يُتَيمم له فرض عين، فنذر صلاة، ففرض كفاية، فنافلة، فطواف فرض، فطواف نفل، فمس مصحف، فقراءة، فلبث بمسجد، فوطء حائض ونفساء كما في شرح المنتهى والغاية. فإذا نوى التيمم لأحدها، استباح به مثلها وما دونها، لا ما هو أعلى منها. هذه القاعدة فيما يتيمم له.
стр. 125
باب إزالة النجاسة (١)
يُشترط لكل متنجِّس سبعُ غسلات (٢): وأن يكونَ إحداها
(١) المراد بهذا الفصل: بيان كيفية تطهير النجاسة الحكمية، وهي الواردة على محل طاهر. أما النجاسة العينية كالبول، والغائط، والكلب، والخنزير، فإنها لا تطهر أبداً ولو غسلت مئة مرة.
(٢) هذا (النوع الأول) من أنواع النجاسات الحكمية. فكل متنجس - سوى ما يأتي استثناؤه - يشترط لزوال حكم الخبث منه أن يُغسل سبع مرات إن أنقت وإلا فحتى تنقى قال في المنتهى وشرحه: (بماء طهور مع حت وقرص) لمحل النجاسة، وهو بالصاد المهملة: الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه (لحاجة) إلى ذلك ولو في كل مرة (إن لم يتضرر المحل) بالحت أو القرص فيسقط، (و) مع (عصر مع إمكان) العصر (فيما تشرب) النجاسة بحسب الإمكان، بحيث لا يخاف فساده (كل مرة) من السبع (خارج الماء) ليحصل انفصال الماء عنه (وإلا) يعصره خارج الماء، بل عصره فيه ولو سبعا (ف) هي (غسلة واحدة يبني عليها) ما بقي من السبع (أو دقه) أي ما تشرب النجاسة (أو تقليبه) إن لم يكن عصره (أو تثقيله) كل غسلة، حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء، دفعا للحرج =
стр. 126
بترابٍ طهورٍ - أو صابونٍ ونحوِه - في متنجِّس بكلبٍ، أو خنزيرٍ (١).
= والمشقة، ولا يكفي عن عصره ونحوه تجفيفه، وما لا يتشرب يطهر بمرور الماء عليه وانفصاله عنه).
قال في الإقناع وشرحه: (ويحسب العدد في إزالتها) أي: النجاسة (من أول غسلة، ولو قبل زوال عينها) لعموم ما سبق (فلو لم تزل) النجاسة (إلا في الغسلة الأخيرة أجزأ) ذلك لحصول الإنقاء والعدد المعتبر).
وقد سبق في الكلام عن الاستنجاء أنه يشترط سبع غسلات للقُبُل، وسبع غسلات للدبر على المذهب المعتمد.
(تتمة) الرواية الثانية: أن هذا النوع من النجاسات يغسل ثلاث مرات، وهي التي مشى عليها الموفق في العمدة؛ لأمره ﷺ القائم من نوم الليل أن يغسل يديه ثلاثا. متفق عليه. والرواية الثالثة: عدم اشتراط عدد معين من الغسلات، بل متى زالت النجاسة حُكم بطهارة المحل، قياسا على النجاسة التي على الأرض، ولقوله ﷺ لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: (حتيه ثم اقرضيه ثم اغسليه بالماء) متفق عليه، ولم يذكر عددا.
(١) (النوع الثاني) المتنجس بكلب أو خنزير، فيشترط غسله سبع مرات إحداها بتراب؛ للحديث: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب» متفق عليه. وقوله (أو صابون ونحوه): فيجوز استعمال غير التراب كصابون أو مبيِّض =
стр. 127
ويضرُّ بقاءُ طَعمِ النجاسةِ لا لونِها، أو ريحِها، أو هما عجزاً (١).
= أو أي نوع من المنظفات حتى مع وجود التراب. والأَولى أن يكون استعمال التراب في الغسلة الأُولى. ويشترط أن يخلط التراب بماء طهور لكي يوصله إلى المحل المتنجس.
وقد قيست النجاسات المتقدمة في النوع الأول على هذه النجاسة المغلظة، فتغسل سبعاً، لكن لا يشترط فيها استعمال التراب.
(تتمة) في بعض النسخ - كنسخة الفاريابي -: (بتراب طاهر طهور)، وفيها خلل، وقد تعقب ابنُ عوض المؤلفَ في جمعه بين الطاهر والطهور. والأصل في التراب أنه طهور، وهو الذي لم تغلب أجزاءُ غيره على أجزائه، وعبارة الإقناع والمنتهى: (بتراب طهور)، واشتراط التراب الطهور يحتاج إلى تأمل؛ لأنهم يقولون بإجزاء الصابون ونحوه عن التراب، فكيف لا يجزئ التراب الطاهر؟! إلا أن يحترز بقيد: (طهور) عن المتنجس والمستعمل فقط كما هو في شرح المنتهى وغيره. (مخالفة الماتن)
(١) بقاء طعم النجاسة يدل على أن عين النجاسة موجودة، أما لون النجاسة وريحها فهما من أثر النجاسة، فلا يضر بقاؤهما إن عجز عن إزالتهما، ولا يشترط في هذه الحالة استخدام مثل الصابون والمبيض وغيره من المنظفات بل يحوز، قال ابن النجار في شرحه للمنتهى: (وان لم تزل النجاسة) من =
стр. 128
ويُجزئُ في بولِ غلامٍ لم يأكل طعاماً لشهوةٍ (١) نضحُه، وهو غَمرُه بالماء (٢).
ويُجزُئ في تطهيرِ صخرٍ، وأحواضٍ، وأرضٍ تَنَجَّسَت بمائعٍ - ولو من كلبٍ أو خنزيرٍ -: مكاثرتُها بالماء بحيثُ يذهبَ لونُ النجاسةِ وريحُها (٣).
= المحل المتنجس (إلا بملح أو نحوه)؛ كالأشنان (مع الماء لم يجب) ذلك، قال في " الفروع ": في ظاهر كلامهم. ويتوجه احتمال. ويحتمله كلام أحمد، وذكره ابن الزاغونى في التراب تقوية للماء.)
(تتمة) لا يشترط أن يذوق المحل المتنجس ليعلم أبقي طعم النجاسة أم لا، كما قال اللبدي، ويكفي أن يغلب على ظنه أن الطعم قد زال وسبق.
(١) (النوع الثالث) بول وقيء الغلام الذي لم يأكل طعاماً لشهوة نجس، لكن الشارع خفف في تطهيره. وقوله (لم يأكل طعاماً لشهوة): أي: باختياره وطلبه، بخلاف ما لو أُطعم بغير طلب منه ولا اختيار، والمراد بالطعام غير اللبن كما في الغاية.
(٢) فينضحه ويصب عليه الماء، ولا تكفي القطرات اليسيرة، بل يشترط أن يعم ويغمر جميع المحل بالماء. ولا يشترط العصر، ولا أن يتقاطر وينفصل الماء عن المحل. والدليل: (فعل النبي ﷺ لمّا أُوتي بولد لم يأكل الطعام، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، ولم يغسله) متفق عليه.
(٣) (النوع الرابع) الأرض والصخر والأحواض والخزانات الكبيرة =
стр. 129
ولا تَطهُرُ الأرضُ بالشمسِ، والريحِ، والجفافِ (١)، ولا النجاسةُ بالنار (٢).
= إذا تنجست بمائع ولو من كلب أو خنزير، فيشترط في تطهيرها مكاثرتها وغمرها بالماء حتى يذهب طعم النجاسة - كما قال اللبدي -، وكذلك لونها وريحها، ما لم يعجز عن إذهابهما أو إذهاب أحدهما، فتطهر كغيرها. ولا يشترط عدد غسلات معين هنا، كما في الإقناع.
فهذا النوع مما خفف الشارع في تطهيره كالنوع السابق إلا أنه يشترط هنا زوال عين النجاسة - كما نص عليه الزاد -، بخلاف بول وقيء الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة. (فرق فقهي)
(١) فلا تطهر الأرض المتنجسة إذا جفت النجاسة بالشمس أو الريح أو الجفاف.
(٢) فلو تحولت النجاسة إلى رماد، فإن الرماد يكون نجساً أيضاً.
والاستحالة: هي تحول الشيء من مادة إلى أخرى. والمذهب أن الاستحالة لا تطهِّر، حتى إنهم قالوا إن صراصير الكنيف - أي: كالمرحاض - متولدة من النجاسات، فهي نجسة؛ لأن أصلها نجس. وكذلك الرماد الحاصل من حرق النجاسة، والفاكهة المجنية من الأشجار المسقية بماء نجس، فكل ذلك نجس على المذهب، مع كونه تحول من مادة إلى أخرى.
ومما يدل على أن الاستحالة لا تُطهِّر، نهي النبي ﷺ عن أكل لحم الجلّالة رواه أبو داود وابن ماجه، وهي البهيمة مما يؤكل لحمه المخلاة التي تأكل من النجاسة وغيرها. فمع كون =
стр. 130
وتَطهُرُ الخمرةُ بإنائها إن انقلبت خلاًّ بنفسها (١).
وإذا خَفِي موضعُ النجاسة غُسل حتى يُتيقَّنَ غسلُها (٢).
= النجاسة تحولت إلى دم وغير ذلك في بدن البهيمة، إلا أنه ﷺ أمرنا بحبسها ثلاثة أيام، وإطعامها الطاهرَ، فدل على أن الشيء النجس إذا تحول من مادة إلى مادة أخرى، فإن ذلك لا يطهِّره.
(١) أما لو لم تتخلل بنفسها، بل خللها شخص، فإنها لا تطهر؛ لأن الرسول ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلاً، فقال: «لا»، كما في الصحيح، وكذا يطهر إناؤها التي هي فيه.
(٢) وقد أبهم المؤلف الحكم، والمذهب أنه واجب. فإذا خفي موضع النجاسة على البدن أو الثوب أو في أي مكان، فإنه يغسل حتى يتيقن غسل النجاسة. أما لو خفيت النجاسة في صحراء أو حوش واسع، فإنه لا يجب غسل جميع المحل، ويصلي في أي موضع منهما بلا تحر كما في الإقناع.
стр. 131
فصل
المسكرُ المائعُ، وكذا الحشيشةُ (١)، وما لا يُؤكلُ من
(١) قيّد المؤلفُ هنا وفي الغاية المسكرَ بالمائع، والمذهب - كما هو ظاهر المنتهى-: نجاسة المسكر مطلقاً، مائعاً كان أو غير مائع، ويتفرع عن ذلك نجاسة الحشيشة المسكرة كما ذكر المؤلف هنا خلافاً لما في الغاية، كما في الإقناع وشرح المنتهى لابن النجار، قال في الإنصاف: (الحشيشة المسكرة نجسة على الصحيح، اختاره الشيخ تقي الدين).
وخالف في الغاية فقال: (النجس مائع محرم ولو غير مسكر لا حشيشة مسكرة خلافا له، وقيل: إن أميعت فنجسة وهو حسن)، وحكاه في الإنصاف قولا آخر. (مخالفة الماتن)
قال الشيخ منصور بعد ذكر الإقناع بأن الحشيشة المسكرة نجسة: (اختاره الشيخ تقي الدين والمراد بعد علاجها كما يدل عليه كلام الغزي في شرحه على منظومته وقيل: طاهرة قدمه في الرعاية الكبرى وحواشي صاحب الفروع على المقنع وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب وهو الصواب قاله في تصحيح الفروع والقول الثاني هو ظاهر ما قدمه في المبدع).
(تتمة) اشترط المؤلف كون المسكر مائعاً هنا وفي مواطن كثيرة، ومن ذلك: أنه لا يحَدُّ عنده من تناول مسكراً جامداً ولو سكر، خلافاً لصاحب المنتهى، فقال بإقامة الحد عليه =
стр. 132
الطيرِ، والبهائمِ مما فوق الهِرِّ خِلقَةً، نجِسٌ (١).
وما دونها في الخِلقةِ كالحيّةِ، والفأرِ (٢)، والمسكرُ غيرُ
= وفاقاً لشيخ الإسلام ﵏ جميعاً. ومن ذلك أيضاً: أنَّ متناولَ المسكر الجامد لو طلق زوجته لم يقع طلاقه، والمذهب وقوعه.
(١) والدليل على نجاستها أن رسول الله ﷺ لما سئل عن الماء يكون في الفلاة، وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» رواه الخمسة، ففُهم منه: أن تلك السباع والدواب الكبيرة كلها نجسة، وإلا لم يسأل الصحابة عن الماء الذي تشرب منه، فما لا يؤكل من الطيور الكبيرة كالصقر والنسر، والبهائمِ الكبيرة كالأسد والنمر، كلها نجسة.
(٢) فهي طاهرة، وإنما استثناها الحنابلة؛ للحديث: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات» رواه أبو داود والنسائي. ومما دون الهر في الخلقة كما قال الماتن: الحية، قال الشارح التغلبي: (لم أرها لغيره)، قال اللبدي: (وفي حفظي القديم أنه صرح بها في الإنصاف)، وعبارته في الإنصاف - تبعا للفروع -: (لا يكره سؤر الهر وما دونها في الخلقة على الصحيح من المذهب … لأنها تطوف، ولعدم إمكان التحرز منها كحشرات الأرض، كالحية).
(تتمة) حجم الحيات والثعابين يختلف كثيراً، وبعضها قد يتجاوز في خلقته حجمَ الهر، والذي يظهر أنه إنما يحكم بطهارة الحية أو الثعبان أو الفأر أو نحوها من الحيوانات =
стр. 133
المائعِ، فطاهرٌ (١).
وكلُّ ميْتةٍ نجسةٌ (٢)، غيرَ ميتةِ الآدميِّ (٣)، والسمكِ (٤)، والجرادِ، وما لا نَفسَ له سائلةٌ كالعقربِ، والخُنفُساءِ، والبَقِّ، والقَملِ، والبراغيثِ (٥).
وما أُكِلَ لحمُه، ولم يكن أكثرُ علفِهِ النجاسةَ: فبولُه، وروثُه، وقيؤُه، ومذيُه، ووديُه، ومنيُّه، ولبنُه، طاهرٌ (٦).
= ما دامت في حجم الهر أو دونه، وإلا حُكم بنجاستها. والله أعلم.
(١) مثال المسكر غير المائع: كالبنج ونحوه مما يسكر قاله ابن عوض.
(٢) الميتة: هي كل ما مات حتف أنفه.
(٣) فالآدمي - ولو كان كافراً - لا ينجس بالموت.
(٤) فميتة السمك طاهرة، وما قطع منه وهو حي طاهر؛ لقوله ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، وكل ما لا يعيش إلا في الماء فهو طاهر، ويستثنى منه: ميتة التمساح والحية والضفدع.
(٥) المراد بالنَّفْسِ هنا: الدم، فهذه المخلوقات التي ليس لها دم يسيل - وإن كان لها دم - ميتتها طاهرة.
(تتمة) ميتة الوزغ نجسة، كما في الإقناع؛ لأن له دماً يسيل، ومثله الحية، والفأر، والضفدع.
(٦) وكذا عرقه وريقه طاهر. والدليل أمرُه ﷺ بالصلاة في مرابض الغنم. رواه الإمام أحمد وأبو داود، قال الزركشي: («مرابض
=
стр. 134
وما لا يؤكلُ: فنجسٌ (١) إلا منيَّ الآدميِّ، ولبنَه، فطاهرٌ (٢).
والقيحُ والدمُ والصديدُ (٣) نجِسٌ، لكن يُعفَى في الصلاة (٤)
= الغنم» اسم لمواضع ربضها، أي إقامتها، «ومبارك» اسم لموضع البروك)، ومع الحكم بطهارتها، إلا أنه لا يجوز في المذهب - كما هو مقرر في كتاب الأطعمة - شرب البول وأكل الروث الطاهرين إلا لضرورة أو حاجة كالتداوي؛ لأمره ﷺ العرنيين بالشرب من أبوال الإبل. متفق عليه.
وقوله: (ولم يكن أكثر علفه النجاسة): فإن كان أكثر علفها النجاسة - وهي الجلالة -، فإن بولها نجس.
(تتمة) مباشرة النجاسة مكروه على المذهب، لكن يجب اجتناب النجاسة للصلاة.
(١) المراد: جميع ما تقدم من البول والروث وغيرها مما لا يؤكل كالهر والفأر، فهو نجس.
(٢) فالمني طاهر؛ لأنه ﷺ كان يخرج إلى الصلاة والمنيّ على ثوبه. لكن يستحب غسله أو فركه إن كان منيَّ رجل قاله البهوتي في الكشاف؛ لحديث عائشة ﵂ رواه مسلم. لكن يستثنى ما ذكره في شرح المنتهى في باب الغسل عن الرعاية: أنه لو خرج المني من اليقظان من غير لذة، أو خرج من غير مخرجه فإنه نجس.
(٣) القيح: هو الأبيض الخاثر الذي لا يخالطه دم، فإذا اختلط بالدم سمي صديداً.
(٤) في الثوب والبدن فقط، ولا يعفى عنه في مائع أو مطعوم =
стр. 135
عن يسيرٍ منه لم ينقُض (١)، إذا كان من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة (٢)، ولو من دم حائضٍ (٣).
ويُضمُّ يسيرٌ متفرقٌ بثوب، لا أكثرَ.
وطينُ شارعٍ ظُنَّت نجاستُه (٤)، وعرقٌ، وريقٌ من
= ولو لم يدركه الطرف كالذي يعلق بأرجل الذباب، ويستثنى: دم الشهيد فإنه طاهر، لكن يشترط أن يكون عليه فإن انفصل فهو نجس.
(١) أي: الوضوء. فضابط اليسير هنا: ما لا ينقض الوضوءَ خروجُ قدره من البدن، وهو ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه، كما تقدم في نواقض الوضوء. وقوله (منه): أي من القيح، والدم، والصديد.
(٢) فإنما يعفى عن يسير الدم، والقيح، والصديد إذا كان من حيوان طاهر ولو غير مأكول، فيعفى مثلاً عن يسير دم فأر وقع على ثوب أو بدن.
(٣) والمقصود: الدم الخارج من مسلك الذَّكَر حيضاً كان أو نفاساً، بخلاف الدم الذي يخرج من مسلك البول أو الغائط، فلا يعفى عن يسيره.
(٤) فهو طاهر، قال اللبدي: (وكذا تراب الشوارع إذا سَفَّته الريح إلى ثوب رطب أو بدن، لو علق بالثياب ونحوها فحكمه حكم الطين إن ظنت نجاسته طاهر، وإن تحققت يعفى عن يسيره، ولا فرق بين أيام الشتاء وغيرها كما هو ظاهر)، وأصل كلامه من الشيخ منصور في شرح المنتهى وعبارته: (وطين شارع =
стр. 136
طاهرٍ (١)، طاهرٌ.
ولو أَكَلَ هِرٌّ، ونحوُه، أو طفلٌ نجاسةً، ثم شربَ من مائعٍ، لم يضرَّ (٢).
= ظنت نجاسته طاهر. وكذا ترابه، عملا بالأصل. فإن تحققت نجاسته عفي عن يسيره،)، بل أصله في الإقناع، وعبارته: (وطين الشارع وترابه طاهر ما لم تعلم نجاسته).
أما لو تُحقِّقَت نجاسة طين الشوارع، فهو نجس، لكن يعفى عن يسيره.
(تتمة) وهل مثل الطين والتراب الماء النجس فيعفى عن يسيره؟ الظاهر من كلامهم أنه لا يعفى عن يسيره، قال في المنتهى وشرحه: (و) يعفى أيضا عن (يسير ماء نجس بما) أي بشيء (عفي عن يسيره) كدم وقيح وصديد (قاله ابن حمدان) في رعايته، وعبارته: وعن يسير الماء النجس بما عفي عن يسيره من دم ونحوه (وأطلقه) أي أطلق القول بالعفو عن يسير الماء النجس (المنقح) في التنقيح (عنه) أي عن ابن حمدان، فلم يقيده بما عفي عن يسيره، ووجهه: أن الماء المتنجس بل كل متنجس حكمه حكم نجاسته. فإن عفي عن يسيرها كالدم عفي عن يسيره، وإلا كالبول لم يعف عنه؛ لأنه فرعها، والفرع يثبت له حكم أصله)، لكن مسألتنا فيما لو كان في الشوارع وعمت به البلوى، فليحرر. والله أعلم.
(١) أي: من حيوان طاهر، مأكولاً كان أو غير مأكول.
(٢) فلا يؤثر ذلك في المائع الذي شرب منه، ولا يسلبه الطهورية، =
стр. 137
ولا يُكره سؤرُ حيوانٍ طاهرٍ، وهو: فَضلةُ طعامِهِ وشرابِه (١).
= ولا يُحكم بنجاسته؛ لمشقة التحرز منه.
(١) أي: لا يُكره استعمال سؤر الحيوان الطاهر، وليس نجساً. والسؤر - كما فسره المؤلف -: هو فضلة طعامه وشرابه. فلو شرب هر مثلاً من ماء، فما يبقى بعد شُربه ليس نجساً، ويجوز استعماله، والله أعلم.
стр. 138
باب الحيض (١)
لا حيضَ قبل تمامِ تسعِ سنين (٢)، ولا بعد خمسين سنةً (٣)، ولا مع حملٍ (٤).
وأقلُّ الحيضِ يومٌ وليلةٌ (٥)، وأكثرُه خمسة عشر
(١) الحيض لغة: السيلان، من قولهم: حاض الوادي، إذا سال. والحيض اصطلاحاً: دم طبيعة وجبلة - بضم الجيم وكسرها - يخرج مع الصحة من قعر الرحم في أوقات معلومة من غير سبب ولادة.
(٢) فإن أتى الفتاةَ التي لم تستكمل تسع سنين دمٌ، لم يحكم بكونه حيضاً، فلا يأخذ أحكامه.
(٣) فالدم الذي تراه المرأة بعد خمسين سنة لا يأخذ حكم الحيض من ترك الصلاة والصوم.
(٤) فلو أتى الحامل دمٌ، فليس بحيض إلا إذا رأته الحامل قبل الولادة بيوم أو يومين مع أمارة كالألم فإنه نفاس لكن لا يحسب من مدته، قال أحمد: إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم. وخالف في ذلك شيخ الإسلام، لكن أهل الطب الآن يقررون أن الحامل لا تحيض، ويستحب أن تغتسل الحامل عند انقطاعه.
(٥) أي: أربع وعشرون ساعة، فإن أتى لأقل من ذلك لم يعتبر حيضاً.
стр. 139
يوماً (١)، وغالبُه ستٌ أو سبعٌ (٢).
وأقلُّ الطُّهرِ بين الحيضتَين ثلاثة عشر يوماً (٣)، وغالبُه بقيةُ الشهرِ (٤)، ولا حَدَّ لأكثرِه (٥).
(١) خلافاً لشيخ الإسلام ﵀ ومن تَبِعه، فيقولون: لا حد لأكثره. وأكثر ما قيل في أكثر الحيض: سبعة عشر يوماً.
(٢) أي: غالب الحيض الذي يأتي النساءَ: ستة أيام أو سبعة.
(٣) دليله أثر علي ﵁ المشهور الصحيح أنه جاءته امرأة وزعمت أن عدتها انقضت في شهر، وذلك بأن أتاها أقل الحيض يوماً وليلة، ثم طهرت أقل الطهر ثلاثة عشر يوماً، ثم في اليوم الخامس عشر أتاها الحيض يوماً وليلة، ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً، ثم حاضت في اليوم التاسع والعشرين يوماً وليلة، فهذه ثلاث حِيَضٍ في شهر واحد. قال شريح: إن أتت بشهود من أهلها ممن يرضى دينه، حُكم بانقضاء عدتها، فقال علي ﵁ له: قالون يعني: جيد، رواه البخاري معلقا، وهذا الأثر دليل أيضاً على أن أقل الحيض يوم وليلة.
والصورة الثانية في أقل الطهر: الطهر الذي يكون أثناء الحيض بأن لا تتغير معه قطنة احتشت بها فيجب عليها حينئذ الاغتسال، وأن تصلي، ولا يكره وطؤها إن اغتسلت.
(٤) أي: بقية الشهر بعد غالب الحيض، ستة أيام أو سبعة، كما تقدم.
(٥) فلا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين، فبعض النساء تحيض في كل شهرين مرة، وبعضهن في كل ثلاثة أشهر مرة.
стр. 140
ويحرم بالحيض أشياء، منها: الوطءُ في الفرجِ (١)، والطلاقُ (٢)، والصلاةُ (٣)، والصومُ (٤)، والطوافُ (٥)، وقراءةُ القرآنِ (٦)، ومسُّ
(١) (المحرَّم الأول) الوطء في الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة، ٢٢٢]. ويستثنى من ذلك: من به شَبَق بشرطه وهو: ١ - أن لا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج ٢ - ويخاف - إن لم يفعل - أن تتشقق أنثياه، ٣ - ولا يجد غير امرأته الحائض فيجوز له أن يطأ امرأته الحائض. ٤ - ولا يقدر على مهر حرة أو ثمن أمة.
(٢) (المحرَّم الثاني) الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق، ١]. وفي الطلاق في الحيض تطويل للعدة، لأن المرأة لا تحتسب الحيضة التي طلقت فيها، ولا الطهر الذي بعدها، ومع تحريمه فإنه لو حصل أثناء الحيض فإنه يقع، ويستثنى من التحريم: ما لو سألته الطلاق أو الخلع على عوض، فلا يحرم إذَن؛ لأنها المتسببةُ في تطويل عدتها.
(٣) (المحرَّم الثالث) الصلاة، فيحرم على الحائض فعلها، بل لا تجب عليها، فلا تقضيها إن طهُرت.
(٤) (المحرَّم الرابع) الصوم، فيحرم، ولا يصح. لكن لا يمنع الحيضُ وجوبَه، فتقضيه المرأة إذا طهرت.
(٥) (المحرَّم الخامس) الطواف فرضا أو نفلا، ولا يصح؛ لقوله ﷺ لعائشة لما حاضت - كما في الصحيح -: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري» متفق عليه.
(٦) (المحرَّم السادس) قراءة القرآن، فتحرم مطلقاً؛ للحديث: =
стр. 141
المصحفِ (١)، واللبثُ في المسجدِ (٢)، وكذا المرورُ فيه إن خافت تلويثَه (٣).
= «لا تقرأ الحائض والجنب شيئاً من القرآن» رواه ابن ماجه، قال ابن رجب في فتح الباري في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يتكيء في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن. قال: (ومراد البخاري بهذا الباب: أن قرب القاريء من الحائض ومن موضع حيضها لا يمنعه من القراءة؛ فإنه لو لم يكن للحيض تأثير في منع القراءة لم يكن في إخبار عائشة بقراءة النبي ﷺ القرآن وهو متكيء في حجرها في حال الحيض معنى، فإنها أرادت أن قرب فم القاريء للقرآن من محل الحيض لا يمنعه القراءة.). والرواية الثانية: الجواز، بل ذهب شيخ الإسلام إلى وجوب قراءة القرآن على الحائض إذا ظنت نسيانه.
(١) (المحرَّم السابع) مس المصحف؛ لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة، ٧٩].
(٢) (المحرَّم الثامن) اللبث في المسجد، أي: البقاء فيه وقت وجود الدم، ولو بوضوء، أما لو انقطع الدم، فلها أن تلبث في المسجد بوضوء.
(٣) (المحرَّم التاسع) المرور بالمسجد، وذلك بأن تدخل من جهة وتخرج من أخرى مثلاً، وهو غير اللبث والمكث. فيحرم مرورها بالمسجد إن خافت تلويثه، وإلا جاز.
(تتمة) (المحرم العاشر): يمنع الاعتداد بالأَشْهُر إلا لوفاة فبالأَشْهُر.
стр. 142
ويوجِبُ: الغُسلَ (١)، والبلوغَ (٢)، والكفارةَ بالوطء فيه (٣) ولو مكرَهاً، أو ناسياً، أو جاهل الحيضِ والتحريمِ (٤). وهي: دينارٌ أو نصفُه على التخيير (٥).
(١) (الموجَب الأول) الغسل، لكنها إنما تغتسل بعد انقطاع الدم. والدليل قوله ﷺ : «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» رواه البخاري.
(٢) (الموجَب الثاني) البلوغ، فإذا حاضت المرأة حُكم ببلوغها؛ للحديث: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» رواه أبو داوم، والمراد بالحائض: من بلغت بالحيض.
(٣) (الموجَب الثالث) الكفارة بالوطء فيه. فمن وطِئ حائضاً قبل انقطاع دمها فعليه الكفارة، ولو كان الوطء بحائل، خلافاً للغسل، فلا يجب بالوطء بحائل. (فرق فقهي).
ووجوب الكفارة بوطء الحائض من مفردات المذهب، فلم يوافقهم على ذلك أحد من المذاهب الأربعة؛ والحنابلة في هذه المسألة أسعد الناس بالدليل؛ لحديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: (يتصدق بدينار أو نصف دينار) رواه أبو داود والنسائي.
(تتمة) الوطء في الفرج بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال محرم، لكن لا كفارة فيه.
(٤) أي: تجب الكفارة ولو مع جهل الواطئ أن امرأته حائض، أو جهله حكم الوطء، وهو التحريم.
(٥) يدل على ذلك حديث ابن عباس ﵄ الصحيح المشهور أن =
стр. 143
وكذا هي إن طاوَعَت (١).
ولا يُباحُ بعد انقطاعِهِ، وقبل غُسلِها أو تيمُّمِها غيرُ الصومِ، والطلاقِ، واللُّبثِ بوضوءٍ في المسجد (٢).
وانقطاعُ الدَّمِ - بأن لا تتغيَّرَ قُطنةٌ اِحتشَت بها في زمنِ الحيضِ -: طُهرٌ (٣).
= الرسول ﷺ قال: «من يأتِ امرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو نصف دينار» رواه أبو داود والنسائي، والدينار: أربعة جرامات ورُبع من الذهب، وتجزئ قيمته من الفضة فقط، وتجزئ لو دفعها إلى مسكين واحد، وتسقط الكفارة بالعجز.
(١) فلا يجب على المرأة الموطوءة في الحيض كفارةٌ إلا إن طاوعت، ولم تكن مكرهة، وكانت عالمة بالتحريم.
(تتمة) (الموجَب الرابع) الاعتداد به، فمن كانت تحيض اعتدت بالحِيَض لا بالأشهر، عكس من لا تحيض إلا لوفاة فبالأشهر وتقدم. (الموجَب الخامس) الحكم ببراءة الرحم في الاعتداد به.
(٢) فيباح لها بمجرد انقطاع الدم - ولو لم تغتسل - أن تصوم، وتلبث بعد الوضوء في المسجد. وكذلك يباح الطلاق. وقوله (أو تيممها): أي لعذر يبيح التيمم كعدم الماء.
(٣) فتعرف المرأة انقطاع الدم بأن تحتشي بقطنة، فإن خرجت غير متغيرة حُكم بطهارتها، ولو كان ذلك خلال أيام عادتها. فلو احتشت مَنْ عادتها سبعة أيام بقطنة بعد ثلاثة أيام من بداية عادتها، فخرجت غير متغيرة، فإن ذلك طُهر، فيجب عليها أن =
стр. 144
وتقضي الحائضُ والنفساءُ: الصومَ لا الصلاةَ (١).
= تغتسل وتصوم وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات، وله أن يطأها في زمنه بلا كراهة بخلاف النفساء إذا طهرت في أثناءه فيكره وطؤها زمنه بعد غسلها (فرق فقهي).
(١) لِما جاء عن عائشة ﵂: (كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) متفق عليه.
стр. 145
فصل
ومَن جاوَزَ دمُها خمسةَ عشرَ يوماً، فهي مُستحاضَةٌ (١)، تجلسُ من كُلِّ شهرٍ ستاً أو سبعاً حيث لا تميِيزَ (٢)، ثم تغتسلُ،
(١) الاستحاضة: هي سيلان الدم في غير زمن الحيض، وضابطها - كما قال المؤلف -: كل من جاوز دمها خمسة عشر يوماً، وهو ما مشى عليه المنتهى والإنصاف، وهو المذهب. أما الإقناع - تبعا للشرح والمبدع - فجعل المستحاضة كلَّ مَنْ ترى دماً لا يصلح حيضاً ولا نفاساً، ويترتب على هذا الخلاف جملة من المسائل: فعلى كلام المنتهى: ما نقص عن اليوم والليلة، وما تراه الحامل لا قرب ولادة، وما تراه قبل تمام تسع سنين دم فساد لا تثبت له أحكام الاستحاضة، وعلى كلام الإقناع يكون استحاضة تثبت له أحكامها، ونبه عليه البهوتي في الكشاف، والنجدي. (فرق فقهي)
(٢) فإذا كانت المرأة معتادة يأتيها الحيض ستة أيام كل شهر مثلاً، ثم جاوز دمها في أحد الشهور خمسةَ عشرَ يوماً، فعلى كلام المؤلف: إن كان الدم متميزاً باللون أو الشكل أو الرائحة بأن كان بعضه أحمر وبعضه أسود، أو بعضه ثخينا - أي: ثقيلا - وبعضه رقيقا، أو بعضه منتنا وبعضه غير منتن، فإنها تجعل عدتها أيامَ الدم الأسود، أو المنتن، أو الثقيل، وما عداه فليس بحيض. أما لو لم يكن دمها متميزاً، فكان بصفة ولون =
следующие страницы →