← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30004

فيض الجليل على متن الدليل

أحمد بن ناصر القعيمي

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وكَونُها غَيرَ مُؤقَّتَةٍ، لكِنْ لو وُقِّتَتْ بِعُمُرِ أحَدِهِمَا: لَزِمَت ولَغَا التَّوقِيتُ (١)، وكَونُها بَغَيرِ عِوَضٍ، فإن كانت بِعِوَضٍ مَعلُومٍ، فَبَيعٌ (٢)، = رمضان وهبتك كذا؛ لأنها تمليك لمعين في الحياة، فلم يجز تعليقها على الشرط كالبيع. لكن يستثنى ما لو علقها بالموت، كأن يقول الدائن: إن متُ - بضم التاء - فأنت في حل"، فيصح الإبراء عند وجود شرطه، وكان وصيةً، فإن خرج من الثلث نجزت، وإلا يقف الزائد عن الثلث على إجازة الورثة، لكن لو كان بالعكس، بأن يقول الدائن: إن متَّ - بفتح التاء - فأنت في حل فلا يبرأ المدين بموته؛ لأنه تعليق على شرط مستقبل، قاله في الإقناع وشرحه. (فرق فقهي) (١) (الشرط السابع) ألا تكون مؤقتة، فلا يصح قوله: وهبتك هذه السيارة سَنَةً، لكن تصح هبة الشيء مع استثناء نفعه زمنًا معينًا، ويستثنى من ذلك: ما لو وقتت الهبة بعمر أحدهما أي: الواهب أو الموهوب له، كأن يقول: أعمرتك هذه الدارَ، أو جعلتها لك عمرك أو عمري، فتصح الهبة ويلغو التوقيت وتكون لمعطى له ولورثته من بعده، فإن لم تكن له ورثة فلبيت المال، ويدل عليها أدلة كثيرة منها: قول جابر ﵁: (قضى النبي ﷺ بالعمرى لمن وهبت له) متفق عليه، أما إن وقتت بعمر شخص آخر -غير الواهب، والموهوب له-: فلا تصح كما في الإقناع؛ لأنها مؤقتة وليست من العمرى والرقبى. (٢) (الشرط الثامن) ألا تكون بعوض، وإلا كانت بيعًا بلفظ الهبة، =

стр. 1157

وبعِوَضٍ مَجهُولٍ، فَبَاطِلَةٌ (١). ومَنْ أهدَى ليُهدى له أكثَرَ، فلا بَأسَ (٢). = فيشترط لها ما يشترط للبيع. (١) وحكمها كالبيع الفاسد، كما لو باع بثمن مجهول، فترد الهبة للواهب بزيادتها المتصلة والمنفصلة، وإن تلفت ضمنها الموهوب له ببدلها. فإن أطلقت الهبة: لم تقتض عوضا مطلقا؛ لأنها عطية على وجه التبرع. (٢) ويسميه بعضهم: الربا الحلال، زاد الشارح: "لغير النبي ﷺ "؛ فمن خصائصه أنه لا يجوز له أن يهدي ليهدى له أكثر؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾. (تتمة) بقية شروط الهبة: (الشرط التاسع) كون الموهوب مقدورًا على تسليمه، فلا تصح هبة آبق وشارد (الشرط العاشر) كون الموهوب عينًا، أما المنافع فلا تصح هبتها على المذهب ولا وقفها، لكن تصح الوصية بها وبيعها، (الشرط الحادي عشر) أن يكون الموهوب موجودا فلا تصح هبة المعدوم كبما تحمل شجرته، (الشرط الثاني عشر) أن يقبض الموهوب له الهبة قبل موته، فإن مات قبل قبضه - ولو بعد القبول - لم تصح. (تتمة) لا يصح أن يشترط الواهبُ على الموهوب له ما ينافي الهبة نحو ألا يهبها أو لا يبيعها، فإن اشترطه بطل الشرط وصح عقد الهبة.

стр. 1158

ويكرَهُ رَدُّ الهِبَةِ وإنْ قَلَّتْ (١)، بَلِ السُّنَةُ أنْ يُكَافِئَ أو (١) أي: يكره لمن أُهدي له هدية أن يردها، وبهذا جزم في المنتهى؛ لحديث: "لا تردوا الهدية" أخرجه الإمام أحمد، إلا إذا علم الْمُهدَى له أنه-أي: المُهدي- أهدى حياءً فيجب الرد، -ذكره في المنتهى-ويأتي، وعلم منه- كما في المنتهى- أنه لا يجب قبول الهبة، ومشى عليه في المنتهى هنا، وفي الزكاة مشى في المنتهى والإقناع والغاية - تبعا للفروع - على أنه يجب القبول بقيد، وعبارتهم مع القيد: (ويجب أخذ مال طيب أتى بلا مسألة ولا استشراف نفس)، وفي باب الهبة صرحوا بكراهة الرد في المنتهى، والغاية، وأما في الإقناع فلم يصرح بالحكم بل أبهمه فقال: (ولا ترد وإن قلت كذراع أو كراع)، وبينه البهوتي في الكشاف بأنه مكروه. (مخالفة الماتن) والحاصل: أنهم صرحوا في الزكاة بأن قبول الهبة واجب لكن بقيد: إذا أتى بلا مسألة ولا استشراف نفس، وفي الهبة قالوا بكراهة الرد فيفهم منه: أنه لا يجب القبول بل يسن كما في الكشاف، ولعل المذهب هو المفهوم الذي في الهبة وأنه لا يجب القبول بل يسن، وصحح الخلوتي أنه لا يجب قبول الهبة بدليل أنهم مشوا عليه في أبواب أخر كالتيمم والحج والسترة … إلخ كلامه، وقد تعقب البهوتي صاحب الإقناع في الكشاف فقال: (وإن أعطي مالا) طيبا (من غير مسألة ولا استشراف نفس مما يجوز له أخذه) من زكاة أو كفارة أو صدقة تطوع أو هبة (وجب أخذه) نقله جماعة منهم الأثرم والمروذي، وقطع به في المستوعب والمنتهى هنا، واختار =

стр. 1159

يَدعُو (١)، وإنْ عَلِمَ أنَّه أَهْدَى (٢) حَيَاءً، = ابن حمدان أنه يستحب: وهو معنى ما قطع به المصنف، وصاحب المنتهى وغيرهما في الهبة: أنه يسن القبول، ويكره الرد، وقد رد أحمد وقال: دعنا نكون أعزاء). (١) جزم بحكم المكأفاة هنا وهو السنية، وكذا في الغاية، وعبارته: (ويكافئ أو يدعو ندبا فيهما)، وقال النجدي: (استحبابا فيما يظهر). (تنبيه) ظاهر كلام المؤلف - كالمنتهى والغاية -: التسوية بين الدعاء والمكافأة، وأنهما بمرتبة واحدة، وفي الإقناع تسن المكافأة، فإن لم يستطع فيذكرها ويثني على صاحبها ويقول له: جزاك الله خيرا، وعبارته مع شرحه: (ويسن) لمن أهديت إليه (أن يثيب عليها) لحديث عائشة «كان رسول الله يقبل الهدية ويثيب عليها» أخرجه البخاري (فإن لم يستطع) أن يثيب عليها (فليذكرها، و) ل (يثن على صاحبها) الذي أهداها، (ويقول: جزاك الله خيرا) لحديث جابر «من أعطي عطاء فوجد فليجزه، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره» أخرجه أبو داود)، ويؤيده حديث ابن عمر مرفوعا: (من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) أخرجه الإمام أحمد، وذكر البهوتي ما في الإقناع قولَ الفروع بعد تقرير ما في المنتهى، وعبارته: (وفي الفروع: ويتوجه: إن لم يجد دعا له، كما رواه أحمد وغيره). (مخالفة الماتن) (٢) قوله: (أهدى) ضبطها نظر الفاريابي: (أُهْدِيَ) -بالمبني =

стр. 1160

وَجَبَ الردُّ (١). = للمجهول-، وضبطناها بالبناء للفاعل (أهدى)؛ لظاهر ما عند الشارح، وابن عوض. (١) المراد: أنه إن علم المُهدَى إليه أن المُهْدِي إنما أهدى حياء فيجب رد هديته إليه. (تنبيه) هذه المسألة أصلها في المنتهى والغاية مجزوما بها، وأصلها من كلام ابن الجوزي نقلها ابن مفلح في الآداب الشرعية عنه ثم تعقبه: (قال ابن الجوزي وإن أخذ ممن يعلم أنه إنما أعطاه حياء لم يجز له الأخذ ويجب رده إلى صاحبه، ولم أجد أحدا صرح بهذا غيره، وهو قول حسن؛ لأن المقاصد عندنا في العقود معتبرة، وعمومُ كلام غيره يخالفه والله أعلم)، وهي من زيادات المنتهى على الإقناع، وقد ذكرها البهوتي في الكشاف، وزاد في الإقناع مسألة يجب فيها الرد، وهي قوله: (وقد يجب الرد كهدية صيد لمحرم). (تتمة) ذكر في الإقناع مسائل يجوز فيها رد الهدية، فقال: (ويجوز ردها) أي: الهدية (لأمور مثل أن يريد أخذها بعقد معاوضة لحديث «جابر في جمله) قال له النبي ﷺ بعني جملك هذا قال قلت لا، بل هو لك قال لا، بل بعنيه» رواه مسلم (أو يكون المعطى لا يقنع بالثواب المعتاد) لما في القبول من المشقة حينئذ (أو تكون) الهدية (بعد السؤال واستشراف النفس لها) لحديث عمر «إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه =

стр. 1161

فَصْلٌ وتُملَكُ الهِبَةُ بالعَقْدِ (١). = نفسك» وإشراف النفس فسره إبراهيم الحربي بأنه تطلب للشيء وارتفاع له وتعرض إليه (أو لقطع المنة) إذا كان على الآخذ فيه منة). (١) أي: تصح الهبة ويملكها الموهوب له بمجرد العقد وهو الإيجاب والقبول، لكن لا تكون لازمة، وبناءً عليه: يصح تصرف الموهوبُ له فيها قبل القبض، وهذا أحد الأقوال في المذهب، وهو ما مشى عليه في المنتهى، والتنقيح، والغاية، وقدمه في الإنصاف، ولعله هو المذهب؛ لجزمه به في التنقيح. القول الثاني: أنها لا تملك إلا بالقبض، قاله ابن ذهلان في الفواكه العديدة، وعبارته: (وظاهر الإقناع لا تملك إلا بالقبض، وهو أقرب إلى الفهم)، قلت: ولم يصرح في الإقناع بالمسألة أصلا؛ لكنه لعله استظهره من كون الإقناع ذكر مسألة لزوم الهبة بالقبض فقط، ولم يذكر أنها تملك بالعقد، وما قاله ابن ذهلان هو ما قواه الخلوتي أيضا، ونقل عن الشرح الكبير أنه المذهب، وعبارته: (وقيل: بقبض، وهو الأقوى في النظر، وقال في الشرح الكبير: إنه المذهب). والقول الثالث: أن الملك في الهبة يقع مراعىً، فإن وجد =

стр. 1162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = القبض تبينا أن الملك كان للموهوب له بقبوله، وإلا فهو للواهب، وهو لابن حامد من الحنابلة، وقال عنه البهوتي في الكشاف: (وهو وجه حسن)، واختاره في الغاية اتجاها فقال: (ويتجه: موقوفًا)، وهي مثل قول غيره: (مراعىً)، ونظير ذلك: لو أعطى عطيةً في مرض الموت فهذا الملك مراعى. وثمرة هذا الخلاف أنه: لو حصلت زيادة منفصلة قبل القبض، كأن يهبه شاة وهي حامل، ثم قبل القبض ولدت: فعلى قول صاحب المنتهى: هي للموهوب له، قال في المعونة: (قال في الإنصاف بعد أن قدم أنها تملك بالعقد: فعلى المذهب يجوز التصرف فيه قبل القبض. نص عليه. والنماء للمتهب)، وتعقبه البهوتي في جواز التصرف فيها قبل قبضها في شرح المنتهى فقال: (وفيه نظر؛ إذ المبيع بخيار لا يصح التصرف فيه زمنَه، فهنا أولى، ولعدم تمام الملك) وتعقبه النجدي بما يطول ذكره، وأنه يصح التصرف في الهبة قبل قبضها واستدل له، فقال: (ويدل عليه قصة ابن عمر حيث وهب عمر للنبي ﷺ البعير الذي عليه ابن عمر، فوهبه النبي ﷺ لابن عمر. قالوا: ولم ينقل قبول النبي ﷺ من عمر، ولا قبول ابن عمر، أي: وكذا لم ينقل التسليم أيضا، والله أعلم. فتأمل.). وأما على القول الثاني: فلا يملك هذه الزيادة، بل يملك الشاة فقط إذا قبضها، وأما على القول الثالث: فإن لم يقبض الشاة لم يملك ولدها، وإن قبض الشاة ملك ولدها. (مخالفة) ومن الثمرات أيضا: أنه يجوز الرجوع في الهبة مع الكراهة، =

стр. 1163

وتَلزَمُ بالقَبضِ (١)، بشَرطِ أنْ يَكونَ القَبضُ بإذِنِ الوَاهِبِ (٢). = لكن هل يجوز الرجوع في الزيادة المنفصلة؟ قال بعض الفضلاء: بأنه لا رجوع للواهب فيها؛ لأنه يملك أصلها قبل القبض، كما في خيار الشرط في البيع، فإن الزيادة ملك المشتري فلو حسل فسخ للعقد، فالزيادة المنفصلة للمشتري، وكذا الهبة، وقلت: بل يجوز الرجوع في الزيادة المنفصلة في الهبة؛ لأنه إذا جاز الرجوع في أصلها جاز الرجوع في زيادتها، والله أعلم. (١) فتكون الهبة لازمة في حق الواهب إذا أقبضها للموهوب له؛ لقول الصديق لعائشة لما حضرته الوفاة: (يا بنية إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا ولو كنت جذذتيه وحزتيه كان لك وإنما هو اليوم مال الوارث فاقتسموه على كتاب الله) رواه مالك في الموطأ، وصححه ابن حزم وابن كثير في إرشاد الفقيه. ويستثنى من ذلك: ما إذا كانت العين الموهوبة في يد المتَّهِب -كالوديعة مثلا-؛ فتلزم بمجرد اللفظ، فلو كانت سيارة شخص عند آخر، فقال له: وهبتك سيارتي، انعقدت الهبة ولزمت بمجرد ذلك؛ لوجود القبض. (٢) فيشترط لصحة القبض -ولو في غير مكيل- أن يستأذن الموهوبُ له الواهبَ في قبض الهبة، ولا يشترط اللفظ في الإذن -كما ذكر صاحب الإقناع-، بل يحصل بالتخلية والمناولة، -ونحوهما مما سيذكر المؤلف قريبا-. ويجوز للواهب: أن يعود في الإذن قبل أن يقبضها الموهوب =

стр. 1164

فقَبْضُ ما وُهِبَ بكَيلٍ أو وَزْنٍ أو عَدٍّ أو ذَرْعٍ: بِذَلِكَ (١)، وقَبضُ الصُّبْرَةِ (٢)، وما يُنقَلُ: بالنَّقْلِ، وقَبْضُ ما يُتَنَاوَلُ: بالتَّنَاوُلِ (٣)، وقَبْضُ غَيرِ ذَلِكَ: بالتَّخلِيَةِ (٤). ويَقْبَلُ ويَقْبِضُ لصَغِيرٍ ومَجنُونٍ وليُّهُمَا (٥). = له، لكن مع الكراهة كما في الإقناع، وتابعه في الغاية، خروجا من خلاف من قال: إن الهبة تلزم بالعقد، قاله البهوتي في الكشاف. (١) أي: يكون قبض الموهوب المكيل بالكيل، والموزون بالوزن، والمعدود بالعد، والمذروع بالذرع. (٢) هي: الكومة من الطعام، فيحصل قبضها -إذا بيعت جزافا - بنقلها. (٣) أي: بالتناول باليد، ويكون التناول غالبًا في الأوراق النقدية، والكتب، والجوالات، ونحوها. (٤) ويكون في الأشياء الثابتة كالدور والدكاكين، فيخلي بينه وبينها، ولا يمنعه منها. (٥) والولي -كما قال ابن عوض-: (أب، فوصيه، فحاكم، فأمينه، والأب السفيه والفاسق وجوده كعدمه، فتنتقل ولاية الولد للحاكم مع وجود الأب كما يفهم من الإقناع). وأصلها للشيخ عثمان النجدي في حاشيته على المنتهى. (تتمة) هل يجوز أن يوكل الأب ابنَه الصغير في القبض؟ الظاهر: لا؛ لأن الوكيل يشترط فيه أن يكون جائز التصرف، والصغير ليس جائز التصرف. =

стр. 1165

ويَصِحُّ أنْ يَهَبَ شَيئًا، ويَستَثْنِيَ نفعَهُ مدَّةً معلُومَةً (١)، وأن يَهَبَ حَامِلًا، ويَستَثْنِيَ حَمْلَهَا (٢). وإنْ وهَبَهُ وشَرَطَ الرُّجُوعَ متَى شَاءَ، لَزِمَتْ ولَغَا الشَّرطُ (٣). وإنْ وَهَبَ دَينَهُ لمَدِينِهِ، أو أبرَأَهُ مِنهُ، أو تَرَكَهُ لَهُ: صَحَّ (٤)، = (تتمة) ما يهدى بسبب الطفل؟ إن كان مما يختص بالطفل -كثياب صغيرة وأساور صغيرة- فللطفل أو الطفلة، وإن وُجد ما يقتضي اختصاص الأم: فيكون لها، مثل كون المهدي من أقاربها أو معارفها، ذكره في الإقناع. (١) كشهر أو سنة كما في الوقف أيضًا، أما إذا استثنى نفعه أبدًا: فلا يصح، ولم أر من صرح به، لكن كلامهم يقتضيه فليحرر. وهل له أن يستثنيه مدة حياته؟ الذي يظهر أنه يصح كما في الوقف مع أني لم أره لأحد فليحرر. (٢) أي: يصح أن يهب أمة حاملا، ويستثني حملها فلا يتبعها في الهبة؛ لأنه في الحقيقة لم يخرجه عن ملكه، وهذه المسألة من الإقناع؛ لكن يشكل عليها التفريق بين الأمة وولدها وهو محرم. (٣) هذا من الشروط الفاسدة؛ لأنه ينافي مقتضى التمليك، لكنه لا يفسد العقد. (٤) قال اللبدي في الحاشية: (قد تقدم في حد الهبة أنه لا بد في المال الموهوب أن يكون موجودا، وهذا غير موجود، فالظاهر عدم صحة هبة الدين، إلا أن يقال: الهبة هنا بمعنى الإبراء، =

стр. 1166

ولَزِمَ بمُجرَّدِهِ، ولو قَبلَ حُلُولهِ (١). وتصِحُّ البَراءَةُ، ولَوْ مَجهُولًا (٢). = فصحت، ولذلك لم تصح هبة الدين لغير من هو عليه)، قلت: وهي منصوص عليها في الإقناع والمنتهى وغيرهما، قال البهوتي في الكشاف: (ولفظ الهبة، والصدقة، والعطية ينصرف إلى معنى الإبراء؛ لأنه لا عين موجودة يتناولها اللفظ). (١) فلا يشترط قبول المدين، ولا القبض؛ لأنه إسقاط، بخلاف هبة العين؛ فيشترط القبول من الموهوب له والقبض؛ لأن الهبة تمليك. كما لا يشترط حلول الدين؛ لأن تأجيله لا يمنع ثبوته في الذمة. (تتمة) اشتراط القبول في التبرعات: ١ - في الوقف: لا يشترط قبول الموقوف عليه. ٢ - في الهبة: يشترط قبول الموهوب له، إلا في إبراء الدين، فلا يشترط. ٣ - الوصايا: يشترط قبول الموصى له. (٢) أي: تصح البراءة من الدين ولو كان مجهولا قدرا أو صفة، ولو لم يتعذر علمه كما في الإقناع، فلا يشترط: علم الاثنين، ولا علم المدين، ما لم ينفرد المدين بمعرفة قدر الدين، ويكتمه خوفًا من أن الدائن إذا علمه لم يبرئه: فلا يصح الإبراء إذن. (تتمة) شروط صحة الإبراء: ١ - أن يكون الإبراء منجزًا، فلا يصح تعليقه -كأبرأتك من دينك إذا جاء رمضان- إلا =

стр. 1167

ولا تَصِحُّ هِبَةُ الدَّينِ لغَيرِ مَنْ هُوَ عَلَيهِ (١)، إلَّا إنْ كانَ ضَامِنًا (٢). = بالموت -أي موتِ المبرِئ-، كأن يقول: "إن متُّ فأنت في حِل" فيصح هذا الإبراء ويكون وصية، أما إذا قال المُبْرِئ: "إن متَّ فأنت في حِل" لم يصح الإبراء -فلينتبه؛ فإنه مشهور بين العامة- وقد سبق في أول الهبة. ٢ - أن لا ينفرد المدين بمعرفة قدر الدين، ويكتمه خوفًا من أن الدائن إذا علمه لم يبرئه، ٣ - أن يكون بعد وجوب الدين، ٤ - أن يكون الدين المبرأ منه معينًا، فلا يصح مع إبهام المحل ك: "أبرأتك من أحد الدينين" -كما في المنتهى-، وصحح ذلك في الإقناع، ويطالب الدائن بالبيان، ٥ - أن يكون الْمُبرأُ هو المدين، أو ضامنًا للمدين. (١) لأن الهبة تقتضي وجود معينٍ، وهو منتفٍ في حق غير المدين كذا قرره البهوتي في شرح الإقناع، كما أنه غير مقدور على تسليمه قاله ابن عوض. (٢) أي: لا تجوز هبة الدين إلا لمن هو عليه، ولضامنه أي: الذي ضمنه في دينه، وصورته: أن يضمن خالدٌ زيدا بدين قدره: ألف ريال، فيصح لصالح -وهو الدائن- أن يهب الدين الذي على زيد لضامنه خالد، فيرجع الضامن خالد على المدين المضمون عنه زيد بالدين الذي عليه، فيتملكه خالد، وهذه المسألة يذكرونها في باب الضمان.

стр. 1168

فَصْلٌ ولِكُلِّ واهِبٍ أن يَرجِعَ في هِبَتِه قَبلَ إقبَاضِها (١) مَعَ الكَرَاهَةِ (٢). ولا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا بالقولِ (٣). (١) أي: بعد الإيجاب والقبول وقبل القبض؛ لأن عقد الهبة لم يتم فلا يدخل في المنع. قاله البهوتي في الكشاف. (٢) أي: يكره رجوع الواهب في الهبة قبل أن يقبضها الموهوب له كأن يقول له: وهبتك ألف ريال ثم يقول - قبل أن يعطيها إياه - رجعت؛ فيكره، وقد تابع المصنف في هذا صاحب الإقناعَ - ومثله الغاية - خروجًا من خلاف من قال: إن الهبة تلزم بالعقد، انظر الكشاف (١٠/ ١٢٤). أما صاحب التنقيح - في وتابعه المنتهى - فلم ينص على الكراهة، ولعل المذهب: الكراهة، فليحرر، والله أعلم. (مخالفة الماتن) (٣) ذكره لهذه المسألة هنا فيه نظر؛ لأنهم إنما يذكرون هذه المسألة في الأب الذي أقبض أولاده هبةً، ثم أراد الرجوع، فلا يصح رجوعه إلا بالقول كأن يقول: قد رجعت في هبتي ونحوه، وعلى ذلك حملها الشارح في نيل المآرب بأنه للأب، وهذه المسألة ذكرها في الإقناع والمنتهى فيمن وهب أولادَه هبة ثم رجع فيها فيصح ولا يصح رجوعه إلا القول، بخلاف من وهب باللفظ فلا تلزم الهبة في حقه، فله الرجوع عن الهبة بعدم الإقباض، ولا يشترط القول.

стр. 1169

وبَعدَ إقبَاضِهَا يَحرُمُ، ولا يَصِحُّ (١)، ما لَمْ يَكُنْ أبًا، فلَهُ أن يَرجِعَ (٢) بشُروطٍ أربَعَةٍ: أن لا يُسقِطَ حقَّه من الرُّجُوعِ (٣)، وأنْ لا تَزِيدَ زِيادَةً متَّصِلَةً (٤)، (١) أي: يحرم ولا يصح الرجوع في العين الموهوبة ولا في قيمتها بعد أن يقبضها الموهوب له؛ لقول النبي ﷺ : «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»، متفق عليه. (٢) فالأصل أنه: لا يصح للواهب أن يرجع في الهبة بعد القبض، وهناك مستَثْنَيَان: المستثنى الأول من تحريم الرجوع: الأب؛ فله أن يرجع فيما وهبه لولده بأي لفظ من ألفاظ الرجوع عَلِم الولد أو لم يعلم؛ لحديث: (ليس لأحد أن يعطي العطيةَ ويرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه الترمذي، والمقصود بالأب هنا: الأب القريب - كما في الإقناع - دون الأم والجد. (٣) ويشترط لجواز رجوع الأب في عطيته لولده أربعة شروط: (الشرط الأول) ألا يُسقط الأب حقه من الرجوع فيما وهبه لولده، فإن أسقطه سقط - على ما في المنتهى وتابعه الغاية - لأنه مجرد حقه وقد أسقطه، وذهب صاحب الإقناع إلى أنه يرجع ولو أسقط حقه من الرجوع؛ لأنه حق ثبت بالشرع فلم يسقط بإسقاطه (مخالفة الماتن) (٤) (الشرط الثاني) أن لا تزيد العين الموهوبة زيادة متصلة، كالسمن والتعلم، فإن زادت فلا رجوع للأب؛ لأن النماء وقع في ملك الابن ولم تنتقل إليه من جهة أبيه فلم يملك الرجوعَ =

стр. 1170

وأنْ تَكُونَ باقِيَةً في مِلكِهِ (١)، وأنْ لا يَرهَنَهَا (٢). = فيها وإذا امتنع الرجوع في الزيادة امتنع الرجوع في الأصل، وأما الزيادة المنفصلة فهي للابن، ولا تمنع الرجوع. (فرق فقهي) (١) (الشرط الثالث) أن تكون العين الموهوبة باقية في ملك الولد؛ لأن الرجوع فيها بعد خروجها عن ملكه إبطال لملك غيره، ما لم ترجع العين إلى الابن بفلس مشتر أو بفسخ فللأب الرجوع إذن، فإن رجعت بسبب متجدد كبيع أو هبة ونحوهما فلا رجوع؛ لأنه لم يملكه من جهة الأب. (٢) (الشرط الرابع) ألا يرهنها الولد رهنًا لازمًا -وهو الرهن المقبوض-؛ لأنه تعلق بها حق الغير، أما غير اللازم فلا يمنع الرجوع. مسألة: ما الحكم التكليفي في رجوع الأب فيما وهبه لولده بعد أن أقبضه إليه؟ ظاهر كلام صاحب «كشف المخدرات شرح أخصر المختصرات»: الكراهة حيث قال: "وكره رجوع فيها قبله -أي: القبض- سواء كان الواهب أبًا أو غيره"، وصرح ابن جامع في «الفوائد المنتخبات» بعدم الكراهة حيث قال: "إلا الأب فله أن يرجع في عطيته قبله - أي: قبل القبض - أو بعده بلا كراهة؛ لحديث طاووس عن ابن عمر وابن عباس مرفوعًا: «ليس لأحد أن يعطي عطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده»، رواه الترمذي وحسنه. " انتهى. قلتُ: وهو أظهر وأشبه بكلام الأصحاب، والله أعلم. (خلاف المتأخرين) =

стр. 1171

وللأبِ (١) الحُرِّ (٢) أن يتملَّكَ مِنْ مَالِ ولَدِه ما شَاءَ (٣) بشُروطٍ خَمسَةٍ: أن لا يَضُرَّهُ (٤)، وأن لا يَكُونَ في مَرضِ مَوتِ أحدِهِمَا (٥)، = (تتمة) المستثنى الثاني من تحريم رجوع المعطي في عطيته: مَنْ وهبت زوجَها شيئًا بمسألته إياها ثم ضرها بطلاق أو تزوج عليها فلها أن ترجع فيما وهبته له، وإن وهبته تبرعًا من غير سؤاله لها فليس لها الرجوع نصًا، ويؤيده قول عمر: إن النساء يعطين أزواجهن رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت زوجها شيئا ثم أرادت أن تعتصره فهي أحق به. رواه عبد الرزاق. (١) محتاجا كان أم لا، في صغر الولد أو كبره، مع رضاه أو عدمه، وظاهره: ولو كان الأب غير رشيد. (٢) يخرج العبد ولو مبعضا. (٣) أي: يجوز للأب خاصة - لا الأم والجد كما في الإقناع وشرح المنتهى - أن يتملك من مال ولده، خلافًا للجمهور، ودليل الحنابلة قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) فجعل الله الولد موهوبا للوالد، وقوله ﷺ : «أنت ومالك لأبيك»، أخرجه ابن ماجه من حديث جابر ﵁، لكنهم يشترطون لجواز ذلك ستة شروط -ذكر منها المؤلف خمسة-. (٤) (الشرط الأول) ألا يتضرر به الولد، فإن تضرر أو تعلقت به حاجته -كآلة حرفته مثلا-: حَرُمَ. (٥) (الشرط الثاني) ألا يكون تملكه من مال ولده بمرض موت أحدهما المخوف، وهذا من كلام شيخ الإسلام، وهو =

стр. 1172

وأنْ لا يُعطِيَه لولَدٍ آخَرَ (١)، وأنْ يَكُونَ التَملُّكُ بالقَبضِ مَعَ القَولِ أو النِّيةِ (٢)، وأن يكُونَ ما يتملَّكُهُ عَينًا مَوجُودَةً، فلا يَصِحُّ أنْ يتملَّكَ ما فِي ذِمَّتهِ مِنْ دَين ولَدِهِ، ولا أنْ يُبرِئَ نَفسَهُ (٣). = المذهب، وجزم به في الإقناع والمنتهى؛ لأنه بالمرض قد انعقد السبب القاطع للتملك. (١) (الشرط الثالث) ألا يأخذ الأبُ من مال ولده ليعطيه لولد آخر؛ لأنه لا يجوز للأب أن يفضل أحدَ أولادِه بإعطائه من مال نفسه، فلأن يُمنع من تخصيص أحد الأبناء من مال آخر من باب أولى؛ ولأنه أدعى للشحناء والعداوة بين الإخوة. (٢) (الشرط الرابع) أن يتملك الأب مال ولده بقبضٍ مع قوله: تملكته، أو نية تملك، كأن يأخذ الشيء من ولده ويقول: تملكته، أو يقبضه بنية تملكه؛ لأن القبض أعم من أن يكون للتملك وغيره، فاعتبر القول أو النية ليتعين وجه القبض، وعليه فلا يصح تصرف الأب في مال ولده قبل قبضه. (٣) (الشرط الخامس) كون ما يتملكه الأب عينًا موجودة عند الولد، فلا يصح أن يتملك الأب دين ابنه الذي على الأب، أي: لو استدان الأب من ابنه: فلا يجوز له أن يتملكه أو يُبرئ نفسه منه، وكذلك لا يصح أن يبرئ غريم ولده ولا قبضه. (تتمة) (الشرط السادس) أن لا يكون الأب كافرًا والابن مسلما، وهو قول شيخ الإسلام، وجزم به في الإقناع، وذكره في المعونة عن الإنصاف، وقال في الإنصاف: (وهو عين الصواب).

стр. 1173

وليسَ (١) لولَدِهِ أن يُطَالِبَه بمَا في ذِمَّتِه من الدَّينِ (٢)، بَلْ إذا (١) عبارة: (ليس) تفيد التحريم في الغالب على المذهب. (٢) أي: يحرم على الولد أن يطالب أباه -بخلاف الأم والجد، فله مطالبتهما- بدَينه ونحوه كقرض وثمن مبيع وقيمة متلف، قال في الإقناع: (ولولد الولد مطالبة جده بماله في ذمته من دين وكذا الأم، ولا اعتراض للأب على تصرف الولد في مال نفسه في عقود المعاوضات وغيرها)، والظاهر أن المراد بالمطالبة المحرمة هنا: رفع دعوى ضده في المحكمة، قال في الغاية: (وليس لولد الصلب، ولا لورثته مطالبة أب، فلا يملك إحضارَه بمجلس الحكم بسبب دين)، فلا يسمعها القاضي، لكن يجوز أن يطلب حقه منه في غير المحكمة بأسلوب يليق بمقام الأبوة، ويحتمل أنه لا تجوز مطالبته مطلقا لا عند الحاكم ولا عند غيره، ويؤيده كلام شيخ الإسلام في الاختيارات وأن الأشبه عنده أن يكون دينُ الابن على أبيه بمنزلة المال الضال فيخرج على الروايتين، قال: (ووجهه ظاهر، فإن الابن غير متمكن من المطالبة به، فقد حيل بينه ويبنه، ولو قيل: لا تلزمه زكاته بمنزلة دين الكتابة؛ لكان متجها) ففيه إشارة إلى منع المطالبة مطلقا. فليحرر. (تتمة) ذكر الخلوتي: (تحريم مماطلة الأب لولده بدَينه إن كان الأب موسرًا). (تتمة) يستثنى من المسألة صورتان يجوز للولد المطالبة فيهما: المستثنى الأول من تحريم مطالبة الولد بدينه من أبيه: أنّ للولد وورثتِه مطالبةُ الأب بعين المال الذي له عند أبيه =

стр. 1174

مَاتَ أخَذَه مِنْ تَرِكَتِهِ، مِنْ رَأسِ المَالِ (١). = - كسيارة مثلًا-، وهو مقيد بما إذا لم يتملكه الأب بالشروط المتقدمة. المستثنى الثاني: أنه يجوز للولد أن يدعي عند الحاكم على أبيه للمطالبة بالنفقة الواجبة، إن كان الولد عاجزًا عن التكسب أو فقيرًا، وزاد صاحب الوجيز: (وله حبسه عليها)، ذكره في الإقناع عنه، وجزم به في الغاية، وفي زاد المستقنع. (١) أي: أنه إذا مات الأب، ووجد الولد عين ماله الذي أقرضه لأبيه أو باعه له ونحوه، فللولد أخذه إن لم يكن انتقد ثمنه، ولا يكون ميراثا بل هو له دون سائر الورثة، ولا يسقط دين الولد الذي على الأب بموته فيؤخذ من تركته.

стр. 1175

فَصْلٌ ويُبَاحُ للإنسَانِ أنْ يَقْسِمَ مالَهُ بينَ وَرَثَتِه في حَالِ حَياتِه، ويُعطِيَ مَنْ حَدَثَ حِصَّتَهُ وجُوبًا (١)، ويَجِبُ عَليهِ التَّسْوِيَةُ بينَهم علَى قَدْرِ إرثِهم. (٢) (١) أي: إن قسم الإنسان ماله بين وراثه على فرائض الله في حال حياته جاز بلا كراهة كما في الإقناع، فإن حدث له وارث بعد القسم وجب عليه إعطاؤه ليحصل التعديل الواجب، وهذا مقيد - كما نص عليه الشيخ عثمان وغيره - بما إذا حدث قبل موت المورث فيجب عليه الرجوع في قدر نصيب الحادث وإعطاؤه إياه، وإلا فقد استقر نصيب الورثة للورثة بموت المورث؛ ولذا قال في الإقناع: (وإن ولد له ولد بعد موته استُحب للمُعْطَى أن يساوي المولودَ الحادث بعد موت أبيه) وذكرها النجدي. (٢) قوله: (بينهم): أي: الورثة، فالمذهب: يجب أن يسوي في العطية بين ورثته - الذين يرثونه بسبب القرابة من آباء وأبناء وإخوة- على قدر إرثهم، ويقع الحجب بينهم، سوى الزوجات فلا يجب التسوية في العطية، فالمذهب أنه لو أعطى الزوجة الأولى عمارة، والثانية فيلا أو لم يعطها البتة؛ جاز، وكذلك مثل أخ وابن فإذا أعطى الابن لا يجب أن يعطي الأخ، ولو كان عنده جد وابن فيعطيهم على قدر إرثهم، ويدل عليه =

стр. 1176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حديث جابر قال «قالت امرأة بشير لبشير أعط ابني غلاما وأشهد لي رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، فقال: أله إخوة؟ فقال: نعم قال: أو كلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: لا، قال: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق» رواه أحمد ومسلم وأبو داود ورواه أحمد من حديث النعمان بن بشير وقال فيه لا تشهدني على جور إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم وفي لفظ لمسلم «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». ولأحمد وأبي داود والنسائي «اعدلوا بين أبنائكم» فأمر بالعدل بينهم وسمى تخصيص بعضهم: جورا، والجور: حرام، وقيس على الأولاد باقي الأقارب. وفي المذهب قول آخر: أن التسوية إنما تكون فقط في العطية بين الأولاد، وهو ما مشى عليه صاحب زاد المستقنع، وكان الشيخ ابن عثيمين يختاره، والمذهب: ما سبق. يستثنى من الوجوب: الشيء التافه، الذي يتسامح في مثله؛ فلا يجب فيه التعديل، وكذلك يستثنى: النفقة، والكسوة فيجب الكفاية لا التعديل، فالمريض يحتاج ما لا يحتاجه الصحيح. (تتمة) العدل بين الأبناء الذميين: قال ابن عوض: (لا يجب على المسلم التعديل بين أولاده الذميين، قاله الشيخ تقي الدين. وهذا مفهوم قول المصنف: "على قدر إرثهم") وأصله في شرح المنتهى.

стр. 1177

فإن زَوَّجَ أحدَهُم (١)، أو خَصَّصَهُ بلا إذنِ البقيَّةِ، حَرُمَ عَليه، ولَزِمَه أن يُعطيَهُمْ حتَّى يَستَوُوا (٢). (١) هذه المسألة لم أرها إلا عند المصنف في الغاية، وأصلها في الإقناع، ولم أقف عليها في المنتهى، وعبارته في الغاية: (فلو زوج أحد ابنيه بصداق من عنده وجب عليه إعطاء الآخر مثله ولو بمرض الموت)، والتزويج يذكرونه في النفقات بأنه من باب النفقات الواجبة من المنفِق للمنفَق عليه، وهنا يذكرونه من العطية وأنه يحرم، فما الجمع؟ الجواب: لعل المراد أن التزويج في هذا الباب من باب الهبات، فيحمل على أن الابن قادر على النكاح وزَوَّجه أبوه بصداق من عنده، أما ما ذكروه في باب النفقات فهو ابن محتاج للنكاح ولا يستطيع على كلفةَ النكاح، فلا تجب على الأب التسوية فيه، فليحرر، والله أعلم. (٢) فإذا خصص الأب أحد ورثته بالعطية بلا إذن البقية حرم عليه، ووجب عليه أن يعطي البقية حتى يستووا في الإعطاء، وتحصل التسوية بأمور: ١ - إما بالرجوع على المعطَى، وهذا خاص بالأب على أولاده فقط، دون الأم والجد، فلو أعطت الأم أحد أبنائها مبلغا من المال فيحرم عليها، لكن لا يجوز لها الرجوع، ويجب عليها التسوية بين الجميع بالإعطاء لا بالرجوع على المعطى، بخلاف الأب فيجوز له الرجوع. ٢ - وإما بإعطاء المحرومين مثل الذي أعطاه. ٣ - وإما بإعطاء المفضول، فيما لو فضل بينهم، بأن يزيد المفضولَ ليساوي =

стр. 1178

فإن ماتَ قَبلَ التَّسويَةِ بينَهم، ولَيسَ التَّخصِيصُ بمَرضِ مَوتِه المَخُوفِ: ثَبَتَ للآخِذِ، وإن كانَ بمَرضِ مَوتِه، لم يَثبُت له شَيءٌ زائِدٌ عَنهُم إلَّا بإجازَتِهم (١)، ما لَمْ يكُن وقفًا، فيصِحُّ بالثُّلُثِ، كالأجنَبيِّ (٢). = الفاضلَ، وهذا فيما أعطاهم كلهم وأنقص بعضهم، كما لو كان عنده ثلاثة أبناء، أعطى أحدهم ألفين، وأعطى اثنين ألفا لكل واحد، فيلزمه أن يزيد الابنين كل واحد منهما ألفا حتى يتساويا مع الابن الذي أعطاه ألفين ابتداء. (١) قال في المنتهى وشرحه: (فإن مات) معط (قبله) أي التعديل (وليست) العطية (في مرض موته) أي: المعطي المخوف (ثبتت لآخذ) فلا رجوع لبقية الورثة عليه نصا. لخبر الصديق. وكما لو كان أجنبيا أو انفرد. فإن كانت بمرضه المخوف توقفت على إجازة الباقي) لأن حكمها كالوصية. وما تقدم من ثبوتها بعد الموت للمُفضَّلِ هو المذهب، وسكتوا عما كان من التفضيل الذي قبل موت المُفَضِّلِ، هل يجب على المُفَضَّلِ أن يرد ما فُضِّلَ به على باقي الورثة؟ وقد نص شيخ الإسلام بوجوب الرد قبل الموت وبعده، قال في القواعد النورانية (٢/ ١٧٨): (ولا يجوز أن يخص في الصحة أيضا في أصحِّ قولي العلماء، ولايجوز للولد الذي فُضِّلَ أخذ الفضل، بل عليه أن يرد ذلك في حياة الظالم الجائر وبعد موته، كما يردُّ في حياته في أصح قولي العلماء). (٢) أي: الأصل أنه لا يجوز أن يعطي بعض ورثته دون الآخرين، =

стр. 1179

فَصْلٌ (١) والمَرَضُ غَيرُ المَخُوفِ (٢) -كالصُّدَاعِ، ووَجَعِ الضِّرسِ- تبرُّعُ صَاحِبِه نافِذٌ في جَميعِ مَالِه (٣)، كَتَبرُّعِ الصَّحيحِ، حتَّى ولو = ويستثنى من ذلك: الوقف فيجوز على بعض ورثته دون بعض، لأن الوقف لا يباع ولا يورث، ولا يصير ملكا للورثة، فالملك فيه غير تام، ويجوز ولو كان في مرض موته المخوف لكنه في قدر الثلث فقط، وكذا يجوز وقف ثلثه للأجنبي في مرض موته المخوف، وهذا يجري مجرى الوصية في أنه ينفذ إن خرج من الثلث كالوصية به لا في توقفه على الإجازة كما تقدم قاله في شرح الإقناع، فالمراد: أنه يصح الوقف للثلث، سواء كان لقريبه الوارث أو لأجنبي، وأما ما زاد على الثلث للقريب والأجنبي فيصح بإجازة الورثة، بخلاف العطية في مرض الموت فإنها للقريب لا تصح مطلقا إلا بإجازة الورثة، وتصح للأجنبي بالثلث فقط إن خرج من ثلث ماله. (فرق فقهي) (١) سيتناول المصنف فيه تبرعات المريض، ومحاباته، وما يتعلق بذلك، والأمراض ثلاثة أنواع: (٢) (النوع الأول) المرض غير المخوف، فمن مرض مرضًا لا يخشى منه الموت في العادة، ولا يغلب على الظن أن يموت الإنسان منه كالصداع، ووجع الضرس، والحمى اليسيرة، والزكام. (٣) أي: ليس في الثلث فقط.

стр. 1180

صَارَ مخُوفًا ومَاتَ منه بَعدَ ذلِكَ (١). والمَرضُ المَخُوفُ (٢)، كالبِرسَامِ (٣)، وذَاتِ الجَنْبِ (٤)، (١) فإنّ تصرفه صحيح ولو صار المرض غير المخوف مخوفا ومات به بعد ذلك. (٢) (النوع الثاني) المرض المخوف: قال شيخ الإسلام في ضابطه: (وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه)، وأصله في الاختيارات، ونقله البهوتي في شرح الإقناع، ويذكر الفقهاء بعضَ الأمراض التي كانت تعتبر مخوفة في عصرهم، وإن كان الناس الآن لا يموتون منها غالبًا. والأمراض المخوفة عند الحنابلة قسمان: [القسم الأول] أمراض معدودة يذكرونها، ومنها ما ذكره المؤلف. [القسم الثاني] وأمراض ليست مما ذكروها في القسم الأول، لكن قال فيها طبيبان مسلمان عدلان عند إشكاله - أي: عند الاختلاف هل هو مخوف أو لا -: إنه مخوف. (٣) ١ - البرسام، وهو: بخار يرتقي إلى الرأس ويؤثر في الدماغ فيختل العقل بسببه، ونقل الشارح عن القاضي عياض: (هو ورم في الدماغ يتغير منه عقل الإنسان ويهذي). (٤) ٢ - ذات الجنب، وهي: قروح بباطن الجنب، وفي المصباح: (ذات الجنب: علة صعبة، وهي: ورم حارّ يعرض للحجاب المستبطن للأضلاع).

стр. 1181

والرُّعَافِ الدَّائِمِ (١)، والقِيَامِ المُتدَارِكِ (٢)، وكَذلِكَ مَنْ بَيْنَ الصَّفَينِ وقْتَ الحَربِ، أو كَانَ باللُّجَّةِ وقتَ الهَيَجَانِ، أو وَقَعَ الطَّاعُونُ ببَلَدِهِ، أو قُدِّمَ للقَتلِ، أو حُبِسَ لَهُ (٣)، (١) ٣ - الرعاف الدائم: وهو: خروج الدم (نزيف) من الأنف على الدوام. (٢) ٤ - القيام المتدارك، وهو: الإسهال الذي لا يستمسك ولا ينقطع، وكان يعتبر في عصرهم مخوفًا، وقد يكون معه دم. ومما زاده غيره: ٥ - الفالج، وهو الشلل، قال البهوتي في الكشاف: (استرخاء لأحد شقي البدن)، فالفالج في ابتدائه مخوف؛ لأن الشخص لما يصاب بجلطة قد يتوقف قلبه، لكنه في انتهائه لا يكون مخوفًا. ٧، ٦ - وجع القلب، والرئة، ٨ - هيجان الصفراء، ٩ - البلغم، ١٠ - القولنج، ١١ - الحمى المطبقة، ١٢ - السل في انتهائه. -ذكرها اللبدي، وغيره-. (تتمة) إن صار شيء من هذه الأمراض غير مخوف في عصرنا؛ فالظاهر: أنه يصير غير مخوف. فليحرر. (٣) ويُلحق الحنابلة بالمرض المخوف: ما كان مثلَه في توقع التلف؛ لأن توقع التلف هنا كتوقع المريض، أو أكثر فوجب أن يلحق به، ومنها كما ذكر المؤلف: ١ - من كان بين الصفين وقت الحرب، ٢ - من كان في لجة البحر وقت الهيجان، ٣ - من قدم للقتل قصاصا أو غيره، ٤ - أو حبس للقتل، ٥ - من وقع الطاعون ببلده، والطاعون قال في المطلع: =

стр. 1182

أو جُرِحَ جُرحًا مُوحِيًا (١). = (قال أبو السعادات: المرضُ العام والوباء الذي يُفسد له الهواءَ فتفسد به الأمزجةُ والأبدانُ، وقال عياض: هو قروح تخرج في المغابن وغيرها، لا تُلبثُ صاحبَها، وتعم إذا ظهرت) وقال البهوتي في تعريفه هنا: (قال في شرح مسلم: الطاعون وباء معروف وهو بثر وورم مؤلم جدا يخرج مع لهب ويسود ما حوله ويخضر ويحمر حمرة بنفسجية ويحصل معه خفقان القلب)، وقال في شرح المنتهى في صلاة التطوع: (قال في الفروع ويتوجه: لا يقنت لرفع الوباء في الأظهر، لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس، ولا في غيره ولأنه شهادة للأخيار، ولا يسأل رفعه)، قال الشيخ ابن حميد- في حاشيته على شرح المنتهى (٢/ ١٣٨) - معلقا: (قوله: (لم يثبت) صريح في أن مراده من الوباء خصوصَ الطاعون، وإلا فالوباء أعمُّ مطلقا، ولا يلزم من عدم ثبوت الأخص ثبوت الأعم، نعم يلزم العكس، وما ذكره صاحبُ الفروع من استثناء الطاعون هو المذهب .. إلخ)، وهذا قد يؤخذ منه أن الطاعون مرض خاص، وليس كل وباء طاعونا، والله أعلم. (١) هذا السادس مما يلحق بمرض الموت المخوف: من جرح جرحا موحيا أي: مهلكًا، لكن كما قال الشارح صاحب نيل المآرب: (مع ثبات عقله؛ لأنه مع عدم ثبات عقله لا حكم لعطيته، بل ولا لكلامه، وحيث كان عقله ثابتا كان حكمه حكم المريض). =

стр. 1183

فكُلُّ مَنْ أصَابَه شَيءٌ من ذَلِكَ (١)، ثُمَّ تبرَّعَ ومَاتَ، نَفَذَ تبرُّعُهُ بالثُّلُثِ فقَط، للأجنَبيِّ فقَط (٢). = (تتمة) زاد الشارح في نيل المآرب: (السابع: من أسر عند من عادته القتل، والثامن: الحامل عند الطلق مع ألم حتى تنجو من نفاسها). وفي الإقناع: (والهرم إن صار صاحب فراش فكمخوف)، أي: كالمريض مرضًا مخوفًا. ومن كان مذبوحًا أو فُصلت عنه أمعاؤه: فهو كميت؛ فلا يعتد بكلامه. (١) أي: القسم الثاني وما يلحق به. (٢) فتبرع المريض مرضًا مخوفًا ومن يلحق به صحيح لكنه غير لازم، فإذا تبرع لغير وارث بثُلث ماله فأقل صح ولزم، وبأكثر من الثلث: يلزم منه الثلث، ولا ينفذ ما زاد على الثلث إلا بإجازة الورثة، لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: (إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم) رواه ابن ماجه، ومفهومه: ليس لكم أكثر من الثلث، ولو وهب في الصحة، وأقبض في المرض فإنه يعتبر من الثلث اعتبارا بوقت القبض؛ لأنه وقت لزومها. وإن تبرع لمن يرثه بشيء -ولو قلّ-: لم يلزم إلا بإجازة وموافقة الورثة، إلا وقف الثلث للقريب الوارث فيصح ولو بدون إجازة الورثة، وسبق. (تنبيه) العبرة في اعتبار الموهوب له وارثا أم لا: إنما يكون =

стр. 1184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بوقت موت الواهب، لا وقت العطية، أي: يُنظر في حال الموهوب له -هل هو وارث أو ليس بوارث- عند موت الواهب. فلو كان لشخص ابن وأخوة، فوهب لأحد إخوته ثلثَ ماله في مرضٍ مخوفٍ، فإنه يصح؛ لأنه غير وارث له، لكن لو مات الابن أولًا ثم مات الواهب المريض، فإن الأخ يكون وارثًا عند موت الواهب فيقف كل ما وُهب له على إجازة الورثة. ولو كان للمريض أخ وارث ووهب له ثلثَ ماله ثم وُلد للمريض ابنٌ قبل موته، فإن الثلث ينفذ؛ لكون الأخ غير وارث وقت موت الواهب. بقية تصرفات المريض مرض الموت: ١ - ما يلزمه من حق كأرش جناية: فليس لأحد أن يعترض عليه. ٢ - ما عاوضه بثمن المثل في عقد بيع أو إجارة ونحوهما: فهو صحيح ولو مع وارث ما لم يحاب أحدا، فإن حابى: فمن الثلث بالنسبة للأجنبي، وما زاد فبالإجازة، وإن كانت المحاباة مع الوارث بطلت في قدر المحاباة ما لم تجز الورثة، وصحت في غير المحاباة بقسطه، فلو باع لوارثه شيئا لا يملك غيره يساوي ثلاثين بعشرة، فلم يجز باقي الورثة صح بيع ثلثه بالعشرة، والثلثان كعطية تقف على إجازة الورثة، وللمشتري الفسخ لتبعض الصفقة عليه. قال في مطالب أولي النهى: (والمحاباة أن يسامح أحدُ =

стр. 1185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المتعاوضين الآخرَ في عقد المعاوضة ببعض ما يقابل العوض؛ كأن يبيع ما يساوي عشرة بثمانية، أو يشتري ما يساوي ثمانية بعشرة؛ فهي كوصية في الجميع) ٣ - لو قضى بعض غرمائه: صح، ولم يكن لبقية الغرماء الاعتراض. (النوع الثالث من الأمراض) الأمراض الممتدة: والمراد بها: الأمراض التي يصاب بها الإنسان وتمتد معه أي: يعيش مصابا بها، ولا يبرأ منها في الغالب إلا إذا أراد الله، ومنها: ١ - الجذام، ويقال إنه مرض تسقط معه الأعضاء، ٢ - والفالج في دوامه، فبعد ثبوت الشلل في عضو - معين - أو أكثر يكون مرضًا ممتدًا. فمن قَطَعَه مرضُه الممتدُّ بفراش -أي: ألزمه الفراش- فإن حكم تصرفه كتصرف المريض مرضًا مخوفًا، وإن لم يقطعه بفراش -فيذهب ويعود- فتصرفه لازم كالإنسان الصحيح. (فرق فقهي) (تتمة) تفارق العطيةُ في مرض الموت الوصيةَ في أمور: ١ - يُبدأ بالأول فالأول في العطية، فإن استغرق الأول الثلث سقط من بعده، أما الوصية فيسوى فيها بين المتقدم والمتأخر، وإن تزاحموا دخل النقص على الجميع، ٢ - لا يصح الرجوع في العطية بعد لزومها -أي: بعد قبضها-، أما الوصية فيصح للموصي الرجوع فيها قبل موته، ٣ - يعتبر قبول العطية عند =

стр. 1186

وإن لَمْ يَمُت، فكالصَّحِيحِ (١). = وجودها من المعطي - وهو هنا: المريض مرضًا مخوفًا -، أما الوصية فلا حكم لقبولها في حياة الموصي، وإنما يصح قبولها بعد موته، ٤ - يثبت الملك في العطية من حينها، أي: وقت العطية، أما الوصية فلا يثبت الملك فيها إلا بقبولها بعد الموت. (تتمة) الملك في العطية من حين الإعطاء؛ لكنه ملك مراعى؛ لأنا لا نعلم هل هو مرض الموت المخوف أم لا؟، ولا نعلم هل يستفيد المعطي مالًا أو يتلف شيء من ماله، فإذا مات وخرجت العطية من ثلثه عند موت المعطي تبينا أن الملك كان ثابتًا من حين العطية لعدم المانع. (تتمة) ما تتفق فيه الوصية والعطية: قال البهوتي في الكشاف: (حكم العطية في مرض الموت حكم الوصية في أشياء كما تقدم منها: أنه يقف نفوذها على خروجها من الثلث، أو إجازة الورثة، ومنها: أنها لا تصح لوارث إلا بإجازة الورثة، ومنها: أن فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة، ومنها: أنها تتزاحم في الثلث إذا وقعت دفعة واحدة كتزاحم الوصايا، ومنها: أن خروجها من الثلث يُعتبر حال الموت لا قبله ولا بعده). (١) أي: وإن لم يمت من مرضه المخوف بل تعافى، فتصرفه كتصرف الصحيح فينفذ من كل ماله. والله أعلم.

стр. 1187

كِتابُ الوَصيَّةِ (١) (١) الوصية لغة: الأمر، وفي الاصطلاح: نوعان: (النوع الأول) الوصية بالتصرف المطلق: وهو الأمر بالتصرف بعد الموت كوصيته إلى من يغسِّله أو يصلي عليه، وقولنا: (بعد الموت): لإخراج الوكالة. (النوع الثاني) الوصية بالمال: وهي التبرع به بعد الموت، وقولنا: (بعد الموت): لإخراج الهبة؛ لأنها تبرع قبل الموت. وأركان الوصية أربعة: الموصي، والصيغة، والموصى به، والموصى له. ويشترط في الموصي: ١ - أن يكون عاقلًا رشيدا سواء كان عدلا أو فاسقا رجلا أو امرأة مسلما أو كافرا كما في الإقناع، ٢ - أن يكون مكلفا، أو مميزًا، قال في المعونة: (والمراد يعقل الوصية؛ لأنها تصرفٌ تمحض نفعاً للصغير. فصح منه؛ كالإسلام والصلاة، وذلك لأن الوصية صدقة يحصل ثوابها له بعد غناه عن ملكه وماله، فلا يلحقه ضرر في عاجل دنياه ولا أخراه. بخلاف الهبة والعتق المنجز فإنه يفوت من ماله ما يحتاج إليه، وإذا ردت رجعت إليه)، ٣ - أن يوصي قبل أن =

стр. 1188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تصل روحُهُ الحلقوم، أي: لم يعاين الموت، وإلا لم تصح، وستأتي الشروط في كلام المؤلف. ويشترط في الصيغة: ١ - أن تكون بلفظ مسموع من الموصي، وتصح من أخرس بإشارةٍ مفهومةٍ، وإلا فلا، ٢ - وإن كانت مكتوبة: يشترط ثبوت خطه إما بإقرار وارثه، وإما ببينة تشهد أنه خطه، ويعمل بها وجوبًا ما لم يُعلم رجوعه عنها. ما تصح به الوصية غير الكتابة واللفظ: قال شيخ الإسلام في الاختيارات: (وتصح الوصية بالرؤيا الصادقة المقترنة بما يدل على صدقها، إقرارا كانت أو إنشاء؛ لقصة ثابت بن قيس التي نفذها الصديق ﵁، وقد اختلف في الكشف: هل هو طريق للأحكام؟ فنفاه ابن حامد والقاضي وأكثر الفقهاء، وقال القاضي: إن في كلام أحمد في ذم المتكلمين على الوسواس والخطرات إشارة إلى هؤلاء، وأثبته طائفة من الصوفية وبعض الفقهاء، والمقصود: أن التصرف بناء على ذلك جائز، وإن لم يجز الرجوع إليه في الأحكام؛ لأن عمدة التصرف على غلبة الظن بأي طريق كان، بخلاف الأحكام فإن طرقها مضبوطة) انتهى كلامه ﵀. والأصل في الوصية من الكتاب: قوله تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ [البقرة: ١٣٢]. ومن السنة: حديث ابن عمر ﵄: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»، متفق عليه، وأجمع العلماء على جوازها.

стр. 1189

تَصِحُّ الوَصيَّةُ مِنْ كُلِّ: عَاقِلٍ (١) لَمْ يُعَايِنِ المَوتَ (٢)، ولَو مُمَيِّزًا، أو سَفِيهًا (٣). فَتُسَنُّ بخُمُسِ مَنْ تَرَكَ خَيرًا، وهُوَ المَالُ الكَثيرُ عُرفًا (٤). (١) فيشترط في الموصِي شرطان: (الشرط الأول) أن يكون عاقلًا، فلا تصح من مجنون، ولا سكران، ولا مغمى عليه. (٢) (الشرط الثاني) أن يوصي قبل أن تصل روحُهُ الحلقوم. (٣) ولو مميزا: أي: يعقل الوصية كما تقدم عن المعونة؛ وتصح منه ومن السفيه؛ لأنها تصرف في المال بعد الموت، فليس فيه ضرر عليه؛ لأنهما لا يحتاجان إلى المال بعد الموت وإنما يحتاجان الثواب، وقد حصلاه، فتمحض النفع لهما. وأيضا أنهما إنما مُنِعا من التصرف لحفظ مالهما، وليس في وصيتهما إضاعة له؛ لأنهما إن عاشا فهو لهما، وإن ماتا فكما سبق. (٤) تجري في الوصية الأحكامُ الخمسة: (الحكم الأول) السنية: فيسن لمن ترك مالًا كثيرًا عرفًا أن يوصي بخمسه، وقد قال النبي ﷺ لسعد ﵁ حين أراد أن يوصي بالثلث: «الثلث، والثلث كثير»، متفق عليه، ولهذا نزل الحنابلة إلى الخمس، وقد روي ذلك عن أبي بكر وعلي ﵄ كما في شرح المنتهى والكشاف، وقوله: (الكثير عرفًا): تحديد له بالعرف لا بمبلغ معين. ويسن أن يوصي: للفقير القريب غير الوارث، وإلا فلِمسكين أو عالم ديّنين ونحوهما.

стр. 1190

وتُكرَهُ: لفَقيرٍ لَهُ ورَثَةٌ (١). وتُباحُ: له إن كَانُوا أغنياء (٢). وتَجِبُ: على مَنْ عَليهِ حَقٌّ بلا بيِّنَةٍ (٣). وتَحرُمُ: على مَنْ له وَارِثٌ بزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ، ولِوارِثٍ بشَيءٍ (٤)، (١) (الحكم الثاني) الكراهة؛ فيكره للفقير الذي له ورثة محتاجون -كما قاله في المغني- أن يوصي بشيء من ماله. (٢) (الحكم الثالث) الإباحة: فتباح في صورتين: ١ - لمن له ورثة أغنياء، ٢ - -ولم يذكرها المؤلف- من لا وارث له، وتصح بجميع ماله. (٣) (الحكم الرابع) الوجوب: فيجب على مَنْ عليه دينٌ أو عنده وديعة بلا بينة أن يوصي بهما. (٤) (الحكم الخامس) التحريم؛ فيحرم: ١ - أن يوصي لوارث بشيء ولو قلَّ؛ لحديث: «لا وصية لوارث»، رواه الخمسة إلا النسائي، ويستثنى منه: أ- إذا أوصى بوقف ثلث ماله على بعض ورثته فيجوز وتصح ولو لم يجز الورثة، ب- أو أوصى بمعيّن لكل وارث على قدر إرثه فيصح بلا إجازة، ٢ - ويحرم أيضا على من يرثه غير أحد الزوجين: أن يوصي لغير وارث - وهو: الأجنبي - بأكثر من الثلث؛ لقول النبي ﷺ لسعد لما أراد أن يوصي بكل ماله، قال له: (الثلث والثلث كثير) متفق عليه. أما إن كان رجلًا لا يرثه إلا زوجته، أو امرأة لا يرثها إلا =

стр. 1191

وتَصِحُّ وتَقِفُ على إجَازَةِ الوَرَثَةِ (١). والاعتبارُ بكَونِ مَنْ وُصِّيَ أو وُهِبَ له وارِثًا أو لا: عِنْدَ المَوتِ (٢)، وبالإجَازَةِ أو الرَّدِّ: بعدَه (٣). = زوجها، فلا يحرم أن يوصي بأكثر من الثلث لأجنبي. (١) فالوصية في الموضعين المتقدمين: محرمة لكنها صحيحة -من جهة الحكم الوضعي-، فإن أجازها الورثةُ بها نفذت وإلا فلا، والإجازة: هي موافقة الورثة على ما تبرع به الموصي زائدا على الثلث للأجنبي، وللوراث مطلقا. (تتمة) والإجازة لها أحكام: ١ - أنها تنفيذ، لا هبة مبتدأة، فلو قال: والله لا أهب، ثم أنفذ وصية لم يحنث، ٢ - لا تصح إلا من جائز التصرف، إلا السفيه والمفلس، فتصح منهما، ٣ - أنها لا تصح إلا بعد الموت، ٤ - أنها تلزم بغير قبول من المجاز له وبغير قبض. (٢) فلو كان لشخص -مثلا- ابنٌ وابنُ أخٍ، وأوصى لابن أخيه بالثلث، ثم مات الابن، ثم مات الموصي: لم تصح الوصية لابن الأخ؛ لأنه أصبح وارثًا في الحال التي مات فيها الموصي. والعكس بالعكس؛ فلو وصى لأخيه -مثلا- وليس له أولاد أو وارث غيره، فهي وصية محرمة، ثم قبل الموت وُلد له ولد، فصار الأخ غير وارث؛ لأنه يحجب بالابن، وأصبحت الوصية حينئذٍ جائزة نافذة إذا كانت في حدود الثلث فأقل. (٣) فلو أجاز الورثة الوصية قبل الموت: لم يقبل، وكذلك رد =

стр. 1192

فإن امتَنَعَ المُوصَى له -بعدَ مَوتِ المُوصِي- مِنَ القَبولِ ومِنَ الردِّ: حُكِمَ عليه بالرَّدِّ، وسَقَطَ حقُّه (١). وإن قَبِلَ (٢) ثمَّ رَدَّ: لَزِمَت (٣)، ولم يصِحَّ الرَّدُّ. وتَدخُلُ في مِلكِه مِنْ حِينِ قَبولِه (٤)؛ فَما حَدَثَ مِنْ نَماءٍ = الوصية من الموصى له لا عبرة به إلا بعد الموت؛ لأن الموت هو وقت لزوم الوصية، ومثلها العطية. (١) لأنها تنتقل إلى ملكه بالقبول ولم يوجد، وهذا إذا كان شخصا معينا أو محصورا، أما الجهات غير المحصورة كالفقراء فلا يشترط للزومها القبول، وتلزم الوصية بمجرد الموت؛ لتعذر القبول منهم. (تتمة) متى يحكم على المعين أنه لا يريد قبولا ولا ردا؟ وهل هناك حد يترك فيه الموصى له؟ الظاهر: أنه بعد الطلب فلا يذكر قبولًا ولا ردًا، ولم أقف فيه على شيء. (٢) ويصح القبول باللفظ والفعل، قال في المعونة: (ولا يتعين القبول باللفظ بل يجزئ ما قام مقامه من الأخذ والفعل الدال على الرضى كقولنا في الهبة والبيع). (٣) وتدخل في ملكه قهرًا. (تتمة) قال في الإقناع: (وإن مات الموصى له بعد موت الموصي، وقبل الرد والقبول، قام وارثه مقامه في القبول والرد) (٤) ويثبت الملك في الموصى به للموصى له على المذهب: من =

стр. 1193

مُنفَصِلٍ قَبلَ ذَلِكَ، فلِلوَرَثَةِ (١). = حين القبول بعد الموت، ويصح التصرف في الموصى له سواء قبضه أو لا، مكيلًا كان أو موزونًا. والقول الثاني: أن الملك يثبت بالقبول من حين الموت. ويترتب على ذلك: أنه لو كان العقار الموصى به مؤجرا -مثلا-، فالأجرة من الموت حتى القبول على المذهب: للورثة، وعلى القول الثاني: للموصى له. (١) يترتب على كون الملك يثبت من حين القبول بعد الموت أنه لو كان للموصى به نماء منفصل ككسب وثمرة وولد فإنه للورثة؛ لأن الموصى له لم يملك الموصى به إلا بعد الموت، ويترتب عليه أيضا: عدم صحة تصرف الموصى له في الموصى به قبل القبول؛ لعدم ملكه له. (تتمة) فلو كان الموصى به نصابًا زكويًا وتأخر القبول مدةً تجب الزكاة فيها في مثله، كما لو أوصى -مثلا- بأربعين شاة ومات، ولم يقبل الموصى له إلا بعد سنة، فعلى من تجب الزكاة؟ على الورثة أو الموصى له؟ يقال: الموصى له لا تجب عليه زكاة؛ لأنها لم يحل عليها الحول وهي في ملكه، والورثة كذلك؛ لا تجب؛ لأن ملكهم غير تام، لكن لو قيل بوجوبها على الورثة لكان له وجه، وقال البهوتي -في الكشاف (١٠/ ٢٢٦) نقلًا عن الإنصاف-: (وظاهر كلامهم: ولا على الوراث؛ لأن ملكهم غير تام)، لكن قياس ما تقدم من كون النماء المنفصل للورثة قبل القبول =

стр. 1194

وتَبطُلُ الوصيَّةُ بخَمسَةِ أشياءَ (١): برجُوعِ المُوصِي بقَولٍ أو فِعلٍ يَدلُّ عَليه (٢)، وبمَوتِ المُوصَى لَه قَبلَ المُوصِي (٣)، = أن الزكاة واجبة عليهم؛ ويرده ما ذكروه من كون ملكهم غير تام بدليل أن الزيادة المتصلة كالسمن تتبع العين فيما لو قبل الموصى له، والله أعلم. (١) استقرأها المؤلف من الإقناع والمنتهى، وهذا من حسن صنيع المؤلف ﵀. (٢) هذا (المبطل الأول) الذي تبطل به الوصية: إذا رجع الموصي عن الوصية بقول كرجعت في وصيتي، أو فعل يدل على الرجوع، كأن يوصي لأحد بسيارة ثم يبيعها، بل قالوا: لو عرضها للبيع اعتُبِر رجوعا؛ لأنها قرينة على الرجوع. (٣) (المبطل الثاني) إذا مات الموصى له قبل الموصي فتبطل؛ لأن من شروط صحة الوصية القبول، وهنا انعدم المحل، ويستثنى من هذا مسألة: وهي ما لو مات الموصى له قبل الموصي وكانت الوصية بقضاء دين الموصى له، قال ابن النجار في المنتهى وشرحه له: (وإن مات موصى له) بشيء (قبل موصي: بطلت) الوصية؛ لأنها عطية صادفت المعطى ميتا. فلم تصح؛ كما لو وهب ميتاً، (لا إن كانت) الوصية (بقضاء دينه) أى دين الذي مات قبل موت الموصي. فإنها لا تبطل؛ لأن تفريغ ذمة المدين بعد موته، كتفريغها قبله لوجود الشغل في الحالين كما لو كان حياً. ذكره الحارثي واقتصر عليه في" الأنصاف ")، =

стр. 1195

وبقَتلِه للمُوصِي (١)، وبردِّهِ للوصيَّةِ (٢)، وبتَلَفِ العَينِ المُعيَّنةِ المُوصَى بِهَا (٣). = وذكره في الإقناع أيضا. (تتمة) لو مات الموصى له بعد موت الموصي وقبل الرد والقبول: قام وارثُه مقامَه فيهما. (١) (المبطل الثالث) إذا قتل الموصى له الموصي: وهذا يندرج تحت قاعدة: (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه)، والقتل الذي يمنع الوصية هو القتل المضمون بقصاص أو صيام أو كفارة، فيدخل العمد، وشبهه، بل والخطأ؛ لأن القتل يمنع الميراث الذي أنشأه الله فالوصية أولى، فيخرج من ذلك ما لو كان الموصى له هو الذي يضرب بالسيف، أو كان قاضيًا وحكم عليه، فلا تبطل بذلك؛ لأنه قتل غير مضمون بما سبق. (٢) هذا (المبطل الرابع) إذا رد الموصى له الوصية بطلت إذا كان الموصى له محصورا. (٣) (المبطل الخامس) إذا تلفت العين الموصى بها: سواء تلفت قبل موت الموصي أو بعده قبل قبولها، فإن تلفت بعد قبول الموصى له فعلى متلفها الضمان.
следующие страницы →