Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
أمرٍ، ومضارِعٍ، واسمِ فاعلٍ (١).
وكنايتُهُ مَعَ النِّيَّةِ (٢) ستَّةَ عشرَ: خلَّيتُكَ، و: أطلقتُكَ، و: الْحَقْ بأهلِكَ، و: اذهبْ حيثُ شئتَ، و: لا سبيلَ لي، أو: لا سلطانَ، أو: لا مِلكَ، أو: لا رِقَّ، أو: لا خدمةَ لي عليكَ، و: وهبتُكَ للهِ، و: أنتَ للهِ، و: رفعتُ يدي عنكَ إلى اللهِ، و: أنتَ مولايَ، أو: سائِبَةٌ، و: ملَّكتُكَ نفسَكَ، و: فككتُ رقبتَكَ.
وتزيدُ الأَمَةُ ب: أنتِ طالقٌ، أو: حرامٌ.
ويعتقُ حملٌ لم يُستثنَ: بعتقِ أُمِّهِ (٣)، لا عكسُهُ.
وإن قالَ لمن يمكنُ كونُهُ أباهُ (٤): أنتَ أبي، أو لمن
(١) فلا يقع العتق بقول السيد لعبده: اعتقه أو حرره؛ لأنه أمر، أو أُحرره أو أُعتقه؛ لأنه فعل مضارع، أو هذا محرِّر -بكسر الراء- أو معتِق -بكسر التاء-؛ لأنه اسم فاعل.
(٢) فمن القول الذي يحصل به العتق: الكناية، وهي: ما يحتمل العتق وغيره، لكن يشترط لحصول العتق بالكناية أن تكون مع النية، قال البهوتي: (قلت: أو قرينة كسؤال عتق كالطلاق).
(٣) فإذا أعتق أمة حاملاً، ولم يستثن حملها، فإن حملها يعتق، وإلا فلا.
(٤) أي: يمكن أن يكون المقول له أبا للقائل، كما لو كان السيد ابن خمسة عشر سنة، والرقيق ابن ثلاثين سنة.
стр. 1297
يمكنُ كونُهُ ابنُهُ: أنتَ ابني، عَتَقَ (١)، لا إن لم يمكن إلا بالنيَّةِ (٢).
(١) أي: ولو لم ينوه.
(٢) أي: وإن لم يمكن كونه أباه فلا يعتق إلا بنيته بهذه الألفاظ العتق.
стр. 1298
فصل
ويحصلُ بالفعلِ (١):
- فمن مثَّلَ برقيقِهِ (٢)، فجدَعَ أنفَهُ، أو أُذُنَهُ، ونحوَهما،
- أو: خَرَقَ، أو حَرَقَ عضواً منهُ،
- أو: استكرهَهُ على الفاحشةِ (٣)،
- أو: وطِئَ من لا يُوطأُ مثلُها لصغرٍ، فأفضاها (٤):
عَتَقَ في الجميعِ (٥).
ولا عِتقَ: بخَدشٍ (٦)، وضربٍ، ولعنٍ (٧).
(١) يحصل العتق بالفعل بأمرين: ١ - التمثيل، ٢ - الملك، وسيذكرهما المؤلف.
(٢) ولو بلا قصد، ولو كان السيد غير مكلف كالصغير والسفيه، وإن لم يصح عتقه بالقول؛ لأن فعله معتبر، ولهذا ضمنوه الجناية وإتلاف المال وغيرهما.
(٣) أي: فعل به الفاحشة مكرَهاً؛ لأنه من المثلة، واحترز به عما لو لاط به طوعا، قاله الحفيد.
(٤) أي: وطئ السيد أمة لا يوطأ مثلها؛ لكونها صغيرة، فأفضاها، أي: خرق ما بين سبيليها.
(٥) أي: جميع الصور المتقدمة.
(٦) أي: جرح، فلو جرح السيدُ رقيقَه، لم يعتق بذلك.
(٧) فلو ضرب السيدُ رقيقَه، أو لعنَه، لم يعتق بمجرد ذلك.
стр. 1299
ويحصُلُ بالمِلكِ:
فمن مَلكَ لذي رحمٍ مُحرَّمٍ مِنَ النَّسبِ: عتَقَ عليهِ (١)، ولو حملاً.
وإن مَلكَ بعضَهُ: عتقَ البعضُ، والباقي بالسِّرايةِ، إن كانَ موسراً، ويغرَمُ حصَّةَ شريكِهِ (٢).
وكذا حُكمُ كلِّ من أعتقَ حصَّتَهُ مِنْ مشتَرَكٍ (٣).
(١) ضابط الرحم المحرَّم: هو الذي لو قُدّر أنثى، والسيِّدُ ذكراً، لحرُمَ أن يتزوَّجها، فمثلاً: لو ملك الإنسان الحرُّ أخاه العبد، هل يعتق أو لا يعتق؟ فنقلب العبد إلى أنثى، ونقول: هل يجوز للسيد أن يتزوج أخته؟ لا، فمجرد شراء الحر أخاه العبد، فإنه يعتق.
وقوله (من النسب): يخرج الرضاع والصهر، فلو اشترى حر أخاه من الرضاعة مثلاً، فلا يعتق عليه.
(٢) فإذا كان عبد بين شريكين، كل يملك بعضه، كنصفه مثلاً، ثم أعتق أحدهما حصته من العبد، فإن العتق يسري إلى باقي البدن بشرط كون المعتِق موسراً، فإذا تحقق الشرط: عتق جميع العبد، وغرم المعتِق حصة شريكه، وهو قيمة النصف الآخر من العبد.
وإن لم يكن موسرا بقيمة باقيه عتق منه بقدر ما هو موسر به فقط، ويكون باقيه مملوك للشريك.
(٣) فأي شخص يعتق حصته من مشترك، فإن العتق يسري إلى جميع العبد، إن كان المعتِق موسراً، ويعطي شركاءه =
стр. 1300
فلو ادَّعى كُلٌّ من موسرَينِ أنَّ شريكَهُ أعتقَ نصيبَهُ: عتقَ؛ لاعترافِ كلٍّ بحرِّيَّتِهِ، ويحلِفُ كلٌّ لصاحبِهِ، وولاؤُهُ لبيتِ المالِ (١)، ما لم يعترف أحدُهما بعتقِهِ، فيثبُتُ لَهُ، ويضمنُ حقَّ شريكِهِ.
= حصصهم، وإن كان معسرا لم يعتق عليه سوى نصيبه.
(١) فولاؤه لبيت المال، ولا ولاء لواحد من المالكين عليه؛ لأن كل واحد منهما منكر للولاء بدعواه أن صاحبه هو صاحب الولاء عليه.
стр. 1301
فصل
ويصحُّ تعليقُ العتقِ بالصِّفةِ، ك: «إن فعلتَ كذا، فأنتَ حرٌّ» (١).
ولَهُ وقفُهُ، وكذا بيعُهُ، ونحوُهُ (٢)، قبلَ وجودِ الصِّفةِ، فإن عادَ لملكِهِ: عادت، فمتى وُجدت: عَتَقَ (٣).
ولا يبطلُ إلَّا بموتِهِ (٤)، فقولُهُ: «إن دخلتَ الدَّارَ بعدَ موتي، فأنتَ حرٌّ»: لغوٌ (٥).
ويصحُّ: «أنتَ حرٌّ بعدَ موتي بشهرٍ»، فلا يملكُ الوارثُ بيعَهُ (٦).
ويصحُّ (٧) قولُهُ: «كلُّ مملوكٍ أملكُهُ، فهوَ حرٌّ»، فكلُّ من
(١) ولا يملك إبطال الشرط ما دام في ملكه.
(٢) كهبته والوصية به.
(٣) أي: فمتى وجدت الصفة وهو في ملكه عتق، فلو قال مثلاً لعبده: إن ذهبت إلى بيت زيد، فأنت حر، ثم باعه، ثم اشتراه، فإن الصفة تعود، فلو ذهب إلى بيت زيد، فإنه يعتق.
(٤) أي: موت السيد المعلِّق.
(٥) لأن التعليق يبطل بموت السيد.
(٦) ولا بما ينقل الملك فيه، وكسبه بعد موت سيده وقبل انقضاء الشهر للورثة.
(٧) من الحر.
стр. 1302
مَلَكَهُ: عتقَ (١).
و «أوَّلُ - أو: آخرُ - قنٍّ أملكُهُ»، أو: «أوَّلُ - أو: آخرُ - من يطلُعُ من رقيقي حُرٌّ»، فلم يملك، أو يطلُع إلَّا واحدٌ: عتقَ. ولو ملكَ اثنينِ معاً (٢)، أو طَلَعَا معاً: عتقَ واحدٌ بقرعةٍ.
ومثلُهُ: الطَّلاقُ (٣).
(١) لإضافته العتق إلى حال يملك عتقه فيه أشبه ما لو كان التعليق وهو في ملكه، قلت: بخلاف الطلاق، فلو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فلا يقع الطلاق بالتزوج؛ لأن العتق مقصود من المالك والنكاح لا يقصد به الطلاق. (فرق فقهي).
(٢) أي: في وقت واحد.
(٣) فلو قال: أول امرأة تطلع فهي طالق، فطلع الكلُّ، فتطلق واحدة من الزوجات بقرعة.
стр. 1303
فصل
وإن قالَ لرقيقِهِ: «أنتَ حرٌّ، وعليكَ ألفٌ»: عتقَ في الحالِ، بلا شيءٍ (١).
و: «على ألفٍ»، أو: «بألفٍ»: لا يعتِقُ حتَّى يقبلَ (٢)، ويلزمُهُ الألفُ (٣).
و: «على أن تخدمني سنةً»: يعتِقُ بلا قَبولٍ (٤)، وتلزمُهُ الخدمةُ.
ويصحُّ أن يعتقَهُ، ويستثنيَ خدمتَهُ مدَّةَ حياتِهِ، أو مدَّةً معلومةً.
ومن قالَ: «رقيقي حرٌّ (٥)»، أو: «زوجتي طالقٌ»، ولَهُ
(١) أي: عتق ولا يلزم العتيق شيء؛ لأنه أعتقه بغير شرط وجعل عليه عوضا لم يقبله، فعتق.
(٢) لأنه أعتقه على عوض، فلم يعتق بدون قبوله، ولأن (على) تستعمل للشرط والعوض، قال تعالى: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا).
(٣) أي: إذا قبل.
(٤) أي: يعتق القن في الحال، بلا قبول منه؛ لأن الخدمة من منافع العبد، والسيد مالكها، فكأنه أزال عنه ملكه عنه وعن منافعه إلا خدمة سنة، فلم يحتج لقبول.
(٥) وهذا - كما سيذكر المؤلف -: مفرد مضاف، فيفيد العموم.
стр. 1304
متعدِّدٌ (١)، ولم ينوِ معيَّناً: عتَقَ، وطلُقَ الكُلُّ (٢)؛ لأنَّهُ مفردٌ مضافٌ، فيعُمُّ (٣).
(١) أي: أكثر من قن، أو أكثر من زوجة.
(٢) من رقيق، وزوجة.
(٣) فيعم كل رقيق، وكل زوجة، وإن نوى معينا لم يعتق، ولم يطلق إلا ما نواه.
стр. 1305
بابُ التَّدبيرِ
وهو: تعليقُ العتقِ بالموتِ (١)، كقولِهِ لرقيقِهِ: «إن مِتُّ، فأنتَ حرٌّ بعدَ موتي» (٢).
ويُعتبرُ (٣): كونُهُ ممَّن تصحُّ وصيَّتُهُ (٤)، وكونُهُ من الثُّلثِ (٥).
وصريحُهُ، وكنايتُهُ: كالعتقِ.
ويصحُّ:
- مطلقاً (٦)، ك: «أنتَ مدبَّرٌ».
(١) التدبير في اللغة: النظر في عواقب الأمور، وشرعا: ما عرفه المؤلف به، وهو مستحب؛ لأنه يقصد به العتق.
(٢) أو: أنت حر دبر موتي، أي: بعد أن أموت، فأنت حر، فإذا مات المُدَبِرُ صار العبد حرا.
(٣) أي: يشترط لصحته شرطان:
(٤) (الشرط الأول) كون السيد ممن تصح وصيته، وقد تقدمت شروط من تصح وصيته، وهو الحر العاقل المميز ولو محجورا عليه لسفه أو فلس، فلا يصح من مجنون وسكران وطفل.
(٥) (الشرط الثاني) كونه من الثلث، فيخرج ذلك العبد من ثلث مال السيد يوم الموت، فإن لم يخرج من الثلث ولم تجز الورثة عتق منه بقدر ما يخرج من الثلث.
(٦) يصح التدبير مطلقاً، أي: غير مقيَّد، ولا معلق على شرط.
стр. 1306
- ومقيَّداً، ك: «إن متُّ في عامي هذا - أو: مرضي هذا -، فأنتَ مدبَّرٌ» (١).
- ومعلَّقاً، ك: «إذا قَدِمَ زيدٌ، فأنتَ مدبَّرٌ».
- ومؤقَّتاً، ك: «أنتَ مدبَّرٌ اليومَ، أو: سنةً (٢)».
ويصحُّ بيعُ المدبَّرِ، وهبتُهُ (٣). فإن عادَ لملكِهِ (٤): عادَ التَّدبيرُ.
ويبطُلُ بثلاثةِ أشياءَ:
- بوقفِهِ (٥)،
- وبقتلِهِ لسيِّدِهِ (٦)،
- وبإيلادِ الأمَةِ (٧).
(١) فإن مات السيد في نفس العام أو في نفس المرض عتق بعد موته، وإلا فلا.
(٢) فإذا مات في نفس اليوم، فإنه مدبر، وإلا فلا، ومثله السنة في المثال التالي.
(٣) فإذا دبَّر الإنسان عبده، فإنه يصح أن يبيعه، وهبته.
(٤) بعد البيع أو الهبة.
(٥) فإذا أوقف المدبَّرَ، بطل التدبير، بخلاف الكتابة فإذا أوقف مكاتبه، فلا تبطل الكتابة، فإن أدى عتق وبطل الوقف، وإلا صح. (فرق فقهي)
(٦) أي: قتل المدبرُ سيدَه.
(٧) فإذا كان المدبَّرُ أمةً، وأولدها -أي: وطئها، وحملت منه، =
стр. 1307
وولدُ المدبَّرَةِ الذي يُولدُ بعدَ التَّدبيرِ: كهِيَ.
وَلَهُ وطؤُها - وإن لم يشترطهُ (١) -، ووطءُ بنتِها، إن جازَ (٢).
ولو أسلمَ مدَّبرٌ، أو قنٌّ، أو مكاتَبٌ لكافرٍ: أُلزمَ بإزالةِ مِلكِهِ (٣). فإن أبى، بيعَ عليهِ (٤).
= وولدت-، فإن التدبير يبطل؛ لأنها تصير أم ولد، وهي حرة بعد موته.
(١) أي: وإن لم يشترط وطأها حال تدبيرها.
(٢) أي: إن جاز له وطؤها، بأن لم يكن وطئ أمَّها.
(٣) إما ببيع، أو بهبة.
(٤) أي: قهراً؛ لإزالة ملكه عنه.
стр. 1308
بابُ الكتابةِ
وهيَ: بيعُ السَّيِّدِ رقيقَهُ نفسَهُ، بمالٍ في ذمَّتِهِ (١)، مباحٍ، معلومٍ، يصحُّ السَّلَمُ فيهِ (٢)، منجَّمٍ (٣) نجمينِ فصاعداً (٤)، يُعلمُ قدرُ كلِّ نجمٍ ومدَّتُهُ (٥).
ولا يشترطُ أجلٌ لَهُ وقعٌ في القُدرةِ على الكسبِ (٦).
فإن فُقدَ شيءٌ من هذا (٧): ففاسدةٌ.
والكتابةُ في الصِّحَّةِ والمرضِ: من رأسِ المالِ (٨).
(١) أي: ذمة الرقيق، فلا تصح على عين معينة.
(٢) أي: معلوم الجنس والقدر والصفة.
(٣) أي: مؤقت.
(٤) فلا يصح أن يكون نجمًا واحدًا، كأن يكاتب عبده على أن يدفع ألفين فقط بعد ساعة، أو يقول له: كاتبتك على كذا تؤديه في عشر سنين أو إلى عشر سنين؛ لأنه نجم واحد، بل لا بد من نجمين فصاعداً، ولو أن يقول له: بعد ساعة تدفع ألفاً، وبعد ساعتين تدفع ألفين، أو: ألفاً أخرى.
(٥) والمراد بالقدر: كألف ريال، وبالمدة: كبَعدَ كل شهر.
(٦) بخلاف السلم. (فرق فقهي).
(٧) أي: من الشروط المتقدمة.
(٨) لا من الثلث؛ لأنها معاوضة فهي كالبيع والإجارة.
стр. 1309
ولا تصحُّ إلَّا بالقولِ من جائزِ التَّصرُّفِ (١)، لكن لو كُوتبَ المميِّزُ: صحَّ (٢).
ومتى أدَّى المكاتَبُ ما عليهِ لسيِّدِهِ، أو أبرأَهُ منهُ: عتقَ، وما فضلَ بيدِهِ: فلَهُ (٣).
وإن أعتقهُ سيِّدُهُ، وعليهِ شيءٌ من مالِ الكتابةِ، أو ماتَ قبلَ وفائِها: كانَ جميعُ ما معهُ لسيِّدِهِ (٤).
ولو أخذَ السَّيِّدُ حقَّهُ ظاهراً، ثمَّ قالَ: «هو حرٌّ»، ثمَّ بانَ العوضُ مستحَقًّا (٥): لم يعتِق (٦).
(١) أي: لا تصح الكتابة إلا بالقول. ويشترط أن يكون السيد جائز التصرف.
(٢) هذا استدراك من قوله: جائز التصرف؛ لأن فيه مصلحة للمميز، ولأنه يصح تصرفه وبيعه بإذن سيده فصحت كتابته كالمكلف.
(٣) لأنه كان له قبل أن يعتق فبقي على ما كان.
(٤) لقوله ﷺ : «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم»، رواه أبو داود، بخلاف ما لو أدى من كتابته، فما فضل فيكون للمكاتب. (فرق فقهي).
(٥) كأن يكون المكاتب سرق المال مثلاً ودفعه للسيد في كتابته.
(٦) لفساد القبض، وإنما قال: هو حر، اعتمادا على صحة القبض، وهذا مبني على قاعدة، وهي: أن الإنسان إذا عمل شيئاً بناء على شيء آخر، فتبين عدم الشيء الذي بُني عليه عمله، فإن عمله لا حكم له.
стр. 1310
فصل
ويملكُ المكاتَبُ (١): كسبَهُ، ونفعَهُ، وكلَّ تصرُّفٍ يُصلِحُ مالَهُ: كالبيعِ، والشِّراءِ، والإجارةِ، والاستدانةِ، والنَّفقةِ على نفسِهِ ومملوكِهِ (٢).
لكنَّ ملكَهُ (٣) غيرُ تامٍّ (٤)، فلا يملكُ: أن يكفِّرَ بمالٍ، أو يسافرَ لجهادٍ، أو يتزوَّجَ، أو يتسرَّى، أو يتبرَّعَ، أو يقرِضَ، أو يحابيَ (٥)، أو يرهنَ، أو يضاربَ، أو يبيعَ مؤجَّلاً، أو يزوِّجَ رقيقَهُ، أو يحُدَّهُ، أو يُعتِقَهُ، أو يكاتِبَهُ، إلَّا بإذنِ سيِّدِهِ، والولاءُ للسَّيِّدِ.
ووَلَدُ المكاتَبَةِ إذا وضعتهُ بعدَها: يتبعُها في العتقِ بالأداءِ، والإبراءِ، لا بإعتاقِها، ولا إن ماتت (٦).
(١) يصح من العبد التملك هنا؛ للضرورة، وهي تحصيل المال الذي يشتري به نفسه من سيده.
(٢) أي: أن ينفق المكاتب على نفسه، وعلى عبد يملكه هو.
(٣) في كل ما تقدم.
(٤) فلا زكاة عليه؛ لأن من شروط وجوب الزكاة تمام الملك.
(٥) أي: يبيع بأقل من ثمن المثل لقريبه؛ لأن فيه تبرعاً، إلا بإذن سيده.
(٦) فلو أبرأ السيد مكاتَبته، وعندها ولد، فإنه يتبعها في العتق، أما =
стр. 1311
ويصحُّ شرطُ وطءِ مكاتَبَتِهِ (١).
فإن وطِئَها بلا شرطٍ: عُزِّرَ (٢)، ولزمَهُ المهرُ، ولو مطاوعةً (٣). وتصيرُ - إن ولدت (٤) - أمَّ ولدٍ، ثمَّ إن أدَّت عتقت، وإلَّا فبموتِهِ (٥).
ويصحُّ نقلُ المِلكِ في المكاتَبِ.
ولمشترٍ جهلَ الكتابةَ: الرَّدُّ، أو الأرشُ (٦).
وهو كالبائعِ في أنَّهُ إذا أدَّى ما عليهِ: يعتِقُ، ولَهُ الولاءُ (٧).
ويصحُّ وقفُهُ (٨). فإذا أدَّى: بطلَ الوقفُ.
= لو أعتقها سيدها، فإن ولدها لا يتبعها، وكذا لا يتبعها ولدها إن ماتت؛ لبطلان الكتابة بالبيع. (فرق فقهي)
(١) والمراد: خلال مدة الكتابة.
(٢) إن علم التحريم، ولا يحد.
(٣) لأن عدم منعها من وطئه ليس إذنًا فيه.
(٤) من وطئه بشرط أو لا.
(٥) لأنها أم ولد.
(٦) لأن الكتابة عيب في العبد؛ لنقص قيمته بملكه منافعه وكسبه، فيخير المشتري بين الأمرين الرد أو الأرش.
(٧) أي: إذا أدى المكاتب ما عليه للمشتري: عتق، وولاؤه للمشتري، لا للبائع.
(٨) أي: وقف المكاتَب.
стр. 1312
فصل
والكتابةُ عقدٌ لازمٌ من الطَّرفينِ (١)، لا يدخلُها خيارٌ مطلَقاً، ولا تنفسخُ: بموتِ السَّيِّدِ، وجنونِهِ، ولا بحجرٍ عليهِ.
ويعتِقُ بالأداءِ إلى من يقومُ مقامَهُ (٢).
وإن حلَّ نجمٌ، فلم يؤدِّهِ: فلسيِّدِهِ الفسخُ (٣).
ويلزمُ: إنظارُهُ ثلاثاً (٤)؛ لبيعِ عرْضٍ، ولمالٍ غائبٍ دونَ مسافةِ قصرٍ يرجو قدومَهُ.
ويجبُ على السَّيِّدِ أن يدفعَ للمكاتَبِ رُبعَ مالِ الكتابةِ (٥).
وللسَّيِّدِ الفسخُ بعجزِهِ عن رُبُعِها (٦).
(١) أي: السيد والمكاتب؛ لأنها بيع، وهو من العقود اللازمة.
(٢) أي: مقام السيد، كالوكيل أو الورثة.
(٣) كأنه استثناء من قوله: (عقد لازم من الطرفين).
(٤) أي: يلزم السيد أن يُنظِر -أي: يؤخر- المكاتب ثلاث ليال بأيامها إن استنظره المكاتب كما ذكره البهوتي.
(٥) أي: يجب على السيد -إذا أدّى المكاتبُ جميعَ ما عليه- أن يعطيه ربعَ مالِ الكتابة؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وظاهر الأمر الوجوب، وكونها ربعها فلما روى البيهقي وغيره عن علي مرفوعا في الآية قال: ربع الكتابة، وروي موقوفا.
(٦) فلو أدى المكاتب ثلاثة أرباع المال، وعجز عن الربع، فللسيد =
стр. 1313
وللمكاتَبِ - ولو قادراً على التَّكسُّبِ -: تعجيزُ نفسِهِ (١).
ويصحُّ فسخُ الكتابةِ باتِّفاقِهما (٢).
= الفسخ، ولا يعتق المكاتب بعجزه عن الربع، وهذا أيضاً مستثنى من كون العقد لازماً.
(١) فله أن يترك التكسبَ، وأداءَ ما عليه؛ لأن دين الكتابة غير مستقر، وهذا أيضا مستثنى من كون العقد لازما.
(٢) أي: السيد والمكاتب.
стр. 1314
فصل
وإن اختلفا في الكتابةِ: فقولُ المنكِرِ (١).
وفي قدرِ عِوَضِها، أو جنسِهِ (٢)، أو أجلِها، أو وفاءِ مالِها (٣): فقولُ السَّيِّدِ (٤).
والكتابةُ الفاسدةُ: كعلى خمرٍ، أو خنزيرٍ، أو مجهولٍ: يُغَلَّبُ فيها حُكمُ الصِّفةِ (٥) في أنَّهُ إذا أدَّى (٦): عتقَ، لا إن
(١) فيقول السيد: لم أكاتبك، ويقول العبد: بل كاتبتني، أو العكس، فيقبل قول المنكر بيمينه؛ لأن الأصل معه.
(٢) أي: اختلفا في قدر عوض الكتابة، أو في جنس مال الكتابة، فقول السيد.
(٣) فيقول العبد: وفيت المال وعتقت، وينكر السيد.
(٤) بيمينه؛ لأن الأصل عدم ذلك.
(٥) قال ابن عوض -عن الحفيد-: (المراد بالصفة: التعليق للعتق على أداء المال، بقوله: إن أديت إلي كذا فأنت حر، وحكمها: هو العتق بالأداء، ومعنى تغليب حكمها: أن يقدر وجودها، وإن لم يصرح به، فكأنه قال: إن أديت إلي كذا فأنت حر، فيكون العتق في الفاسدة بالأداء لا بالكتابة).
(٦) أي: أدى ما كوتب عليه ولو الخمر أو الخنزير، وأما إذا كان على مال فواضح؛ لأن العتق يتشوف له الشارع، هذا معنى حكم الصفة. قاله ابن عوض.
стр. 1315
أُبرِئَ (١)، ولكلٍّ فسخُها (٢).
وتنفسِخُ (٣): بموتِ السَّيدِ، وجنونِهِ، والحجرِ عليهِ (٤).
(١) أي: لو أبرأ العبد من العوض الفاسد فلا يعتق؛ لعدم صحة البراءة؛ لأنه غير ثابت في الذمة.
(٢) أي: الكتابة الفاسدة؛ لأنها عقد جائز، والفاسد لا يلزم حكمه.
(٣) أي: الكتابة الفاسدة، بخلاف الصحيحة.
(٤) أي: الحجر عليه لسَفَهٍ؛ لأنها عقد جائز من الطرفين، فلا يؤول إلى اللزوم.
стр. 1316
بابُ أحكامِ أمِّ الولدِ
وهيَ: من ولدت مِنَ المالكِ ما فيهِ صورةٌ (١)، ولو خفيَّةٌ.
وتعتِقُ (٢) بموتِهِ، وإن لم يملك غيرَها.
ومن مَلَكَ حامِلاً (٣)، فوطِئَها: حرُمَ بيعُ ذلكَ الولدِ، ويلزمُهُ عتقُهُ (٤).
ومن قالَ لأمتِهِ: «أنتِ أُمُّ ولدي»، أو: «يدُكِ أُمُّ ولدي»: صارت أُمَّ ولدٍ. وكذا لو قالَ لابنِها: «أنتَ ابني»، أو: «يدُكَ ابني»، ويثبتُ النَّسبُ (٥).
فإن ماتَ (٦)، ولم يبيِّن هل حملت بِهِ في مِلكِهِ، أو غيرِهِ؟ لم تصر أُمَّ ولدٍ، إلا بقرينةٍ (٧).
(١) أي: تلد ما تبين فيه صورة إنسان كيَدٍ، أو رِجل، أو عين.
(٢) أي: أم الولد.
(٣) والمراد: حاملاً من غيره، بزوجية أو شبهة.
(٤) قال في شرح المنتهى: (نصا؛ لأنه قد شرك فيه؛ لأن الماء يزيد في الولد، نقله صالح وغيره).
(٥) ويعتق بذلك أيضاً.
(٦) أي: القائل.
(٧) بأن كانت فراشا له، أو يقول: ولدته في ملكي.
стр. 1317
ولا يبطلُ الإيلادُ (١) بحالٍ، ولو بقتلِها لسيِّدِها (٢).
وولدُها الحادثُ بعدَ إيلادِها: كهِيَ (٣)، لكن لا يعتِقُ بإعتاقِها (٤)، أو موتِها قبلَ السَّيِّدِ (٥)، بل بموتِهِ (٦).
وإن ماتَ سيِّدُها وهيَ حاملٌ: فنفقتُها مدَّةَ حملِها مِنْ مالِهِ - إن كان -، وإلا: فعلى وارثِهِ (٧).
وكلَّما جنت أُمُّ الولدِ (٨): لزِمَ السَّيدَ فداؤُها بالأقلِّ من الأرشِ، أو قيمتِها يومَ الفداءِ (٩).
(١) أي: لا ينتفي عنها وصف أم الولد.
(٢) عمداً أو خطأً، لكن للورثة القصاص في العمد إن لم يكن لها ولد منه حين القتل، أو كان وقام به مانع من الإرث، فإن كان ولا مانع سقط القصاص وعليها قيمة نفسها.
(٣) أي: ولدها الحادث -من غير سيدها- بعد إيلادها أي: بعد أن صارت أم ولد: كهي، في عدم صحة التصرف فيه، وفي أنه يعتق بموت السيد.
(٤) أي: لو أن السيد أعتق أم ولده وكان لها ولد أتت به بعد استيلادها من غير سيدها لم يعتق بإعتاقها.
(٥) يعني: أنه لو ماتت أم الولد قبل سيدها لم يعتق ولدها بموتها.
(٦) أي: بل يعتق الولد بموت السيد.
(٧) أي: نفقتها مدة حملها من مال حملها، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، فعلى وارثه.
(٨) على غير سيدها.
(٩) فإذا كانت قيمتها ألف ريال، وكان أرش جنايتها ألفَي ريال:
=
стр. 1318
وإن اجتمعت أُروشٌ (١) قبلَ إعطاءِ شيءٍ منها (٢): تعلَّقَ الجميعُ برقبتِها، ولم يكن على السَّيِّدِ إلا الأقلُّ من أرشِ الجميعِ، أو قيمتِها (٣). ويتحاصُّونَ بقدرِ حقوقِهم (٤).
وإن أسلمت أُمُّ ولدٍ لكافرٍ: مُنعَ من غشيانِها (٥)، وحِيلَ بينَهُ وبينَها (٦)، وأُجبِرَ على نفقتِها، إن عُدمَ كسبُها.
فإن أسلمَ: حلَّت لَهُ. وإن ماتَ كافراً: عتقت (٧).
= لزم السيد الأقل منهما، وهو ألف ريال.
(١) من جنايات عدة منها.
(٢) أي: من الأروش.
(٣) فإذا كان مجموع الأروش عشرة آلاف، وكانت قيمتها ألفين، فإنه يدفع ألفين فقط.
(٤) أي: يدخل النقص على أرباب الجنايات بقدر حقوقهم.
(٥) فيمنع من وطئها، ويمنع من التلذذ بها أيضاً.
(٦) فيمنع منها، ويفرق بينه وبينها.
(٧) لأنها أم ولده، وهي تعتق بموت سيدها. والله أعلم.
стр. 1319
كتاب النكاح (١)
يُسنُّ: لذي شهوةٍ لا يخافُ الزِّنى (٢).
(١) النكاح لغة: الوطء والضم، وشرعاً: حقيقةٌ في عقد التزويج، مجازٌ في الوطء، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، رواه الشيخان. وحكى الإجماعَ على مشروعية النكاح أئمةٌ، منهم ابن حزم، وابن المنذر، وابن القطان.
(٢) للنكاح عدة أحكام: (الحكم الأول) السنية. فيسن النكاح للرجال والنساء، ولو كان الرجل فقيراً عاجزاً عن الإنفاق، بشرط: ١ - أن يكون عنده شهوة، ٢ - وألا ترقى تلك الشهوة إلى أن يخاف الوقوع في الزنا -. وقولنا (ولو كان أحدهم فقيراً): احتج له الإمام أحمد ﵀ بأن النبي ﷺ كان يصبح وما عندهم شيء، ويمسي وما عندهم شيء. رواه مسلم، وهذا يدل على أنه قدم الزواج على شهوة البطن، ومن الأدلة أيضاً: أنه ﷺ زوَّج رجلاً على خاتم من حديد. رواه البخاري.
стр. 1320
ويجبُ: على من يخافُهُ (١).
ويُباحُ: لمن لا شهوةَ لَهُ (٢).
(١) (الحكم الثاني) الوجوب. فيجب الزواج على من يخاف الوقوع في الزنا، سواء كان رجلاً أو امرأة، وسواء كان خوفه عن علم أو ظن. والوجوب إنما هو على القادر على النكاح -كالقدرة على المهر- فقط. أما غير القادر، فعليه أن يستعفف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].
(تتمة) أما من يخاف الوقوع في محظورٍ دون الزنا، كالنظر الحرام، والاستمناء باليد، لكنه لا يخاف الوقوع في الزنا، فهل يجب عليه أن يتزوج أو لا؟ الجواب: تعبير الإقناع والمنتهى والغاية بالخوف من الزنى، وعبارة المقنع: (إلا أن يخاف على نفسه مواقعة المحظور بتركه، فيجب عليه)، فعبّر ب (المحظور) - أي: المحرم - بدل (الزنا)، خلافاً لغيره، وقد ذكر الشيخ عثمان أن عبارته أعم؛ لشمولها حتى الاستمناء باليد.
وذكروا أيضاً أنه: ١ - لا يكتفى بمرة، فلا يكفي أن يتزوج ويفارق، بل لا بُدَّ أن يكون في مجموع العمر متزوجاً، ٢ - وأنه لا يكتفى بالعقد فقط، فلا بُدَّ أن يعقد ويستمتع؛ لأن خشية المحظور لا تندفع إلا به.
(٢) (الحكم الثالث) الإباحة، وذلك لمن لا شهوة له، كالعنين، فالزواج في حقه مباح، وليس مستحباً، ولا واجباً.
стр. 1321
ويحرُمُ: بدارِ الحربِ، لغيرِ ضرورةٍ (١).
(١) (الحكم الرابع) التحريم. فيحرم الزواج على من كان في دار الحرب؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى أن يؤسَر أولاده عند الكفار، لكن من كان مضطراً، فإنه يجوز له أن ينكح إلا إذا كان أسيرا فلا يجوز، ومتى حرم النكاح في دار الحرب أو جاز كما استظهره البهوتي في الكشاف: وجب عليه أن يعزل؛ حتى لا تحمل زوجته ما قد يؤدي إلى استرقاق أولاده.
(تتمة) ذكر السفاريني للنكاح: (الحكم الخامس)، وهو الكراهة، وعبارته: (وقد قيل عندنا: إنّ النكاح لغير ذي شهوة مكروه، والمذهب خلافه، قال المكرهون له: إنما كُره لمنع من يتزوجها من التحصين بغيره، وإضرارها بحبسها على نفسه، وتعريض نفسه على واجبات وحقوق لعله لا يقوم بجميعها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة له فيه. وقد ذكرت في "شرح منظومة الآداب": أنه يفصل بين الفقير الذي لا يجد ما ينفق، وليس بذي كسب، وهو مع ذلك ليس بذي شهوة، فيُكره في حقه النكاح، لعدم قدرته على مؤنه، وعدم إحصانه لزوجته، مع عدم حاجته إليه، ثم رأيت العلّامة تقي الدين بن قندس البعلي ذكر ذلك في "حواشي الفروع" رواية عن الإمام أحمد ﵁.) كشف اللثام (٥/ ٢٤٣).
(تتمة) فإن تزوج في دار الحرب مع عدم الضرورة حرم وصح؛ لأنه تصرف من أهله في محله، لكن لا يتزوج منهم.
стр. 1322
ويُسنُّ نكاحُ ذاتِ الدِّينِ (١)، الولودِ (٢)،
البكرِ (٣)، الحسيبةِ (٤)،
(١) أي: الدَّيِّنة؛ لقوله ﷺ : «تُنكح المرأةُ لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، ترِبت يداك»، رواه البخاري ومسلم، قال ابن عوض: (قوله: لمالها: قدم الغنية؛ لأن صاحبة المال قنوعة، وهي رأس الأمور، وقوله: فاظفر: أي: تمسك، وقوله: تربت يداك: أي: افتقرت إن لم تفعل، واستغنيت إن فعلت، وفسره في المصباح بقوله: لصقت يده بالتراب إن لم يفعل).
(٢) فيستحب أن تكون المرأة ولوداً؛ لقوله ﷺ : «تزوجوا الودودَ الولودَ، فإني مكاثر بكم الأمم»، رواه أبو داود والنسائي. فإن قيل: كيف يُعلم أن المرأة البكر ولودٌ أو لا؟ الجواب: يُعلم ذلك بكونها من نساء يُعرفن بكثرة الأولاد.
(٣) يُسن في المرأة التي يتزوجها أن تكون بكراً، لم توطأ من قبل، إلا أن تكون مصلحته في نكاح الثيب أرجح، فيقدمها على البكر كما قاله في الإقناع، كما لو كان عنده عيال لا تتحملهم البكر مثلاً، فالأفضل له إذن أن يتزوج ثيباً.
(٤) فيُسن أن تكون أيضاً حسيبة، وهي النسيبة، والمراد بها: طيبة الأصل قاله في الإقناع، وأصل الحسب: الشرف بالآباء، وما يعده الإنسان من مفاخرهم، ويقولون في تعليل ذلك: لكي يكون ولدها نجيباً، وإن لم يلزم من كونها طيبة الأصل والنسب أن يكون الولد نجيباً. وذكروا أيضاً: أنه يُسن أن =
стр. 1323
الأجنبيَّةِ (١).
= تكون من بيت معروف بالدين والصلاح.
(١) أي: ليست من قرابات أبيه، ولا من قرابات أمه لأنه لا يامن من الفراق فيفضي مع القرابة قطيعة الرحم.
(تتمة) زاد في الإقناع: أنه يُسن أن تكون جميلة؛ لأن ذلك أسكن لنفسه، وأغض لبصره. وذكر الإمام أحمد أن من خطب امرأة، فإن أول ما يسأل عنه هو الجمال، ثم الدين. فإذا سأل عن جمالها، فارتضاه، سأل عن دينها، فإن لم يرتضه، فإنه يردها لأجل الدين. أما لو سأل عن الدين أول، فارتضاه، ثم سأل عن الجمال، فلم يرتضه، وردها لذلك، فإن الرد هنا يكون لأجل الدنيا. وقول النبي ﷺ : «فاظفر بذات الدين» له معانٍ عظيمة، فإن الجمال نسبي، فقد يرى شخص أن امرأة ما جميلة، ويرى غيره أنها دميمة. وأقصر العمر في الدنيا هو الجمال، فهو في الغالب يزول سريعاً، ومن المراجع المفيدة في هذا الباب: كتاب (أحكام النساء) لابن الجوزي.
وذكر الفقهاء أيضاً: أنه يستحب أن تكون من يتزوجها ذات عقل -لا حمقاء-، وألا تكون بنت زنا، أو لقيطة، أو دنيئة نسب، وذكروا أيضاً: أنه لا يصلح من النساء من قد طال لبثها عند رجل، وذلك في الغالب، لا دائماً؛ فإن بعض من طال لبثها عند رجل تكون أصلح من غيرها، والأفضل أن ينكح امرأة لم تتزوج من قبل، كما تقدم. ويسن على المذهب الاقتصار على واحدة، وألا يزيد عليها، وذلك إن حصل بها الإعفاف كما في الإقناع.
стр. 1324
ويجبُ غضُّ البَصرِ عن كلِّ ما حرَّمَ اللهُ تعالى (١)، فلا ينظرُ إلَّا ما وردَ الشَّرعُ بجوازِهِ.
والنَّظرُ ثمانيةُ أقسامٍ (٢):
الأوَّلُ: نظرُ الرَّجلِ البالغِ - ولو مجبوباً (٣) - للحُرَّةِ البالغةِ الأجنبيَّةِ، لغيرِ حاجةٍ. فلا يجوزُ لَهُ نظرُ شيءٍ منها، حتى شعرِها المتَّصلِ (٤).
الثَّاني: نظرُهُ لمن لا تُشتهى كعجوزٍ وقبيحةٍ، فيجوزُ: لوجهِها خاصَّةً (٥).
(١) لقوله ﷺ : «فالعينان تزنيان، وزناهما النظر»، رواه مسلم.
(٢) انتقل المؤلف إلى الكلام عن أحكام النظر، وقد أحسن فيه بما لم يفعله غيره.
(٣) أي: مقطوع الذكر، وكذا يحرم على الممسوح وهو مقطوع الذكر والخصيتين، والخصي وهو مقطوع الخصيتين.
(٤) ويُفهم منه أنه يجوز النظر لشعر الأجنبية المنفصل، وكذا يجوز لمسه؛ لزوال حرمته بالانفصال.
(٥) فلا يجوز أن ينظر إليها لو كانت حاسرة، قال البهوتي بعد كلام الإقناع: (وقال في الكافي يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبا لقول الله تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا﴾ [النور: ٦٠] الآية قال ابن عباس استثناهن الله من قوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ [النور: ٣١] ولأن ما حرم النظر لأجله معدوم في جهتها فأشبهت ذوات المحارم وتبعه الشارح).
стр. 1325
الثَّالثُ: نظرُهُ للشَّهادةِ عليها (١)، أو لمعاملتِها (٢)، فيجوزُ: لوجهِها، وكذا كفَّيها لحاجةٍ (٣).
الرَّابعُ: نظرُهُ لحرَّةٍ بالغةٍ يخطبُها، فيجوزُ: للوجهِ، والرَّقبةِ، واليدِ، والقدمِ (٤).
(١) أي: تحملا وأداء.
(٢) قال في الإقناع وشرحه: (وكذا) ينظر (لمن يعاملها في بيع وإجارة ونحوه ذلك) كقرض وغيره فينظر لوجهها ليعرفها بعينها فيرجع عليها بالدرك، وإلى كفيها لحاجة). وهل تشمل المعاملة غير البيع والشراء كالعمل والتدريس وغير ذلك؟ الظاهر: لا؛ للعلة التي ذكروها، وهي: ليعرفها بعينها، ويرجع عليها بالدرك، فهذا يدل على جواز النظر إليها لحاجة المعاملات المالية، والله أعلم.
(٣) هكذا في الإقناع والمنتهى، وتعقبهم البهوتي في الكشاف، فقال: (عبارة الإنصاف المنصوص عن أحمد أنه ينظر إلى وجهها وكفيها إذا كانت تعامله انتهى وقد ذكرتُ كلام الشيخ تقي الدين في نقله الروايات عن الإمام في الحاشية، وأن مقتضاه أن الشاهد لا ينظر سوى الوجه، إذ الشهادة لا دخل لها في نظر الكفين).
(٤) أي: هذه الأعضاء الأربعة فقط هذا الظاهر، وبعضهم يقول بجواز النظر إلى ما يظهر منها غالباً في منزلها؛ لتعبيرهم -كما في الإقناع والمنتهى والغاية وغيرها-: (إلى ما يظهر منها غالبا كوجه ورقبة ويد وقدم)، فقالوا: قولهم كوجه … إلخ، إنما هو =
стр. 1326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تمثيل لما يظهر غالبا، وليس حصرا له، وإذا كان كذلك فيجوز نظر ما يظهر منها غالبا ولو غير الأعضاء الأربعة، ويؤيده قوله في المغني والشرح: (فأما ما يظهر غالبا سوى الوجه، كالكفين والقدمين ونحو ذلك، مما تظهره المرأة في منزلها ففيه روايتان)، ثم حكى الخلاف بالجواز وعدمه، لكن هذا غير مسلم، بل هو مقيد بما ذكرتُه، بدليل حصر المؤلف لها هنا -ولم أرها لغيره- في الأعضاء الأربعة فقط، وأنهم زادوا في ذوات المحارم على الأعضاء الأربعة جواز النظر إلى الرأس والساق، وهذا يدل على أنها من المخطوبة الأعضاء الأربعة فقط، والله أعلم.
والمذهب أن النظر للمخطوبة مباح؛ لورود الأمر بالنظر إليها بعد الحظر، أي: بعد أن منع الشارعُ النظرَ إلى المرأة، وصححه في الإنصاف، وهذا ما مشى عليه في المنتهى والغاية وقال: (ويباح ولا يسن خلافا له)، والقول الثاني، وهو قول صاحب الإقناع: أنه يُسن النظر للمخطوبة، وبه قال شيخ الإسلام، وابن عقيل، وابن القيم، وابن الجوزي، وقال الزركشي: (وهو ظاهر الحديث)، وصوبه في الإنصاف؛ لقول النبي ﷺ في حديث المغيرة: «اذهب فانظر إليها؛ فإنه أجدر أن يُؤدَمَ بينكما»، رواه الترمذي والنسائي. ومعنى «يُؤْدَمَ»: تدوم العلاقة بينكما. (مخالفة الماتن)
وقد اشترط العلماء لسنية النظر إلى المخطوبة عدة شروط:
١ - أن يغلب على ظن الخاطب إجابته، أما لو تيقن أنه لن =
стр. 1327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يُجَاب، ولن يُزوّج من هذه المرأة، أو ظَنَّ عدم الإجابة أو استوى عنده الأمران فلا يجوز له أن ينظر إليها، سواء كان النظر بإذنها أو لا. ٢ - وأن ينظر ما يظهر غالباً، وهي الأعضاء الأربعة التي سبق ذكرها فقط. ٣ - وأن يأمن ثوران الشهوة، وذكر أحد المشايخ أن من حصل منه ذلك، فإنه يدافع الشهوة. ٤ - وأن يكون من غير خلوة. ٥ - وهل لها أن تتزين للخطاب من التحمير والتشقير؟ لم أر فيه كلاما في المذهب، وقال أحد المشايخ المعاصرين: ليس لها ذلك؛ لما فيه من التغرير. انتهى، ثم رأيت في كلام السفاريني ما يدل على الجواز، قال في كشف اللثام - وأصله لابن حجر في فتح الباري - في حديث سبيعة الأسلمية: (عن سبيعة الأسلمية: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو في بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها، تجملت للخطاب ........ وفيه: جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها، ففي رواية غير ما مر: أن سبيعة تهيأت للنكاح، واختضبت، وفي رواية عند الإمام أحمد، فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت، وفي رواية: تطيبت وتصنعت).
(تتمة) هل يجوز للمرأة كشف وجهها للرجال الأجانب؟ تقدم تحريم النظر لكل جزء من المرأة حتى ما هو في حكم المنفصل كالشعر، لكن هل يجوز لها أن تكشف وجهها =
стр. 1328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= للرجال الأجانب؟ قال في الحواشي السابغات: (ذكر صاحب الإقناع: أن من جاز البروز له جاز عدم الاستتار منه، ومفهومه: أن من لم يجز البروز له وجب الاستتار منه).
قال ابن عبد الهادي في مغني ذوي الأفهام ص (٤١): (ويجب على المرأة سترُ وجهها عن نظر الرجال)، وفي كتاب النكاح ص (٣٥٦) قال: (ويجب - وفاقا للأئمة الثلاثة - عليها ستر وجهها إذا برزت)، ويؤيده قوله في الإقناع وشرحه في شروط الصلاة: (وهما) أي: الكفان (والوجه) من الحرة البالغة (عورة خارجها) أي: الصلاة (باعتبار النظر، كبقية بدنها) لما تقدم من قوله ﷺ «المرأة عورة»)، وإذا كان الوجه عورة خارج الصلاة ولا يجوز النظر إليه، فيجب تغطيته، وفي مطالب أولي النهى (١/ ٣٤٩): (ويتجه تحريم) لبس المرأة (ما) -أي: ثوباً ونحوه كمنديل على وجهها- (يصف البشرة)، أي: يحكي هيئتها من بياض أو سواد إذا كانت يراها أجنبي في الصلاة، وخارجها وكان (مفرداً) عن ساتر تحته، (كما مر) أول الباب، وهو متجه). قال الشطي معلقاً على ذلك: (وأما إذا كان يراها -أي: المرأة- أجنبي، فيحرم عليها لبس ما يصف شيئاً من البشرة مطلقاً).
ولكن يشكل على ما تقدم ما ذكره الموفق في المغني -ونحوه في الشرح- في حديثه في جواز النظر إلى المخطوبة وأن الوجه ليس بعورة، وإذا كان كذلك فلا يجب ستره، قال ﵀: (ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها، وذلك =
стр. 1329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لأنه ليس بعورة)، ونحوه في الإنصاف، قال في شروط الصلاة: (قوله: (والحرة كلها عورة، حتى ظفرها وشعرها، إلا الوجه) الصحيح من المذهب أن الوجه ليس بعورة، وعليه الأصحاب، وحكاه القاضي إجماعا، وعنه: الوجه عورة أيضا، قال الزركشي: أطلق الإمام أحمد القول بأن جميعها عورة، وهو محمول على ما عدا الوجه، أو على غير الصلاة. انتهى، وقال بعضهم: الوجه عورة، وإنما كشف في الصلاة للحاجة، قال الشيخ تقي الدين: والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر، إذ لم يجز النظر إليه، انتهى). ولعل كلامهم في كون وجه المرأة ليس بعورة محمول على الصلاة فقط كما تقدم عن الإقناع، والله أعلم.
والصحيح وجوب تغطية المرأة وجهها عن الرجال الأجانب؛ لأدلة كثيرة، منها قوله تعالى في سورة الأحزاب: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن)، وذكر كثيرٌ من المفسرين على أنه أمرٌ للحرة بتغطية وجهها؛ قال ابن كثير في تفسيره: (قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ إذا خرجن من بيوتهن في حَاجَةٍ أَنْ يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِنَّ بِالْجَلَابِيبِ، وَيُبْدِينَ عَيْنًا وَاحِدَةً، وَقَالَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: سَأَلْتُ عَبيدةَ السَّلْمَانِيَّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾، فَغَطَّى وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ وَأَبْرَزَ عَيْنَهُ الْيُسْرَى. وَقَالَ =
стр. 1330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عِكْرِمَةُ: تُغَطِّي ثُغْرَة نَحْرِهَا بِجِلْبَابِهَا تُدْنِيهِ عَلَيْهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الظَّهراني فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ خُثَيْم، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾، خَرَجَ نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الْغِرْبَانُ مِنَ السَّكِينَةِ، وَعَلَيْهِنَّ أَكْسِيَةٌ سُودٌ يَلْبَسْنَهَا). انتهى.
وقال أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ) في تفسيره: (كَانَ دَأْبُ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ تَخْرُجَ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ مَكْشُوفَتَيِ الْوَجْهِ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، .... فَأُمِرْنَ أَنْ يُخَالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الْإِمَاءِ، بِلُبْسِ الْأَرْدِيَةِ والملاحف، وستر الرؤوس وَالْوُجُوهِ، لِيَحْتَشِمْنَ وَيُهَبْنَ، فَلَا يُطْمَعُ فِيهِنَّ .... قِيلَ: وَالْجَلَابِيبُ: الْأَرْدِيَةُ الَّتِي تَسْتُرُ مِنْ فَوْقَ إِلَى أَسْفَلَ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الْمَقَانِعُ وَقِيلَ: الْمَلَاحِفُ، وَقِيلَ: الْجِلْبَابُ: كُلُّ ثَوْبٍ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثِيَابِهَا، وَقِيلَ: كُلُّ مَا تَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ كِسَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ .. وقال أبو عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، حِينَ سُئِلَ عن ذلك فقال: أن تَضَعَ رِدَاءَهَا فَوْقَ الْحَاجِبِ، ثُمَّ تُدِيرُهُ حَتَّى تَضَعَهُ عَلَى أَنْفِهَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: تُغَطِّي إِحْدَى عَيْنَيْهَا وَجَبْهَتَهَا وَالشِّقَّ الْآخَرَ إِلَّا الْعَيْنَ. انْتَهَى. وَكَذَا عَادَةُ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، لَا يَظْهَرُ مِنَ الْمَرْأَةِ إِلَّا عَيْنُهَا الْوَاحِدَةُ).
وقال شيخ الإسلام في الفتاوى (١٥/ ٣٧٢): (وإنما ضرب =
стр. 1331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الحجاب على النساء لئلا تُرى وجوهُهُنَّ وأيديهنَّ)، وقال أيضا (٢٤/ ٣٨٢): (وكشفُ النساءِ وجوهَهُنَّ بحيثُ يراهُنَّ الأجانبُ غيرُ جائزٍ).
وفي البخاري في حادثة الإفك، لما تخلفت عائشة ﵂ عن الجيش، وأحست بصفوان بن المُعَطَّل ﵁، قالت عائشة ﵂: (كان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي)، قال في طرح التثريب: (قولها «فخمرت وجهي بجلبابي:» أي: غطيته بثوبي، والجلباب كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها يكون أعرض من الخمار قاله النضر وقال غيره هو ثوب واسع دون الرداء تغطي به المرأة ظهرها وصدرها، وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقيل: الخمار هو كالملاءة والملحفة، قال القاضي عياض: وبعض هذا قريب من بعض، وفيه تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره). وحادثة الإفك حصلت في السنة السادسة بعد نزول الحجاب كما قاله ابن حجر العسقلاني.
فائدة: قد قتل صفوان بن المعطل ﵁ شهيدا، قال في طرح التثريب في ترجمته: (وقال فيه النبي ﷺ في قصة الإفك: ما علمت عليه إلا خيرا» وفي رواية لمسلم: «والله ما علمت عليه من سوء قط»، وثبت فيه أنه قتل بعد ذلك شهيدا). وكذا الرجل الذي اشتكى من تطويل معاذ ﵁ =
стр. 1332
الخامسُ: نظرُهُ إلى ذواتِ محارمِهِ (١)، أو لبنتِ تسعٍ (٢)، أو أمةٍ لا يملكُها أو يملكُ بعضَها، أو كانَ لا شهوةَ لَهُ كعنينٍ (٣)
= الصلاة قد قتل شهيدا، روى الإمام أحمد: عن معاذ بن رفاعة الأنصاري، عن رجل من بني سلمة يقال له: سليم، أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي بالصلاة، فنخرج إليه فيطول علينا، فقال رسول الله ﷺ : " يا معاذ بن جبل، لا تكن فتانا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك "، ثم قال: " يا سليم، ماذا معك من القرآن؟ " قال: إني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، والله ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ : " وهل تصير دندنتي، ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار "، ثم قال سليم: " سترون غدا إذا التقى القوم إن شاء الله "، قال: والناس يتجهزون إلى أحد، فخرج وكان في الشهداء) قال المحققون: (صحيح لغيره). رضي الله عن هؤلاء الرجال العظام، أسأل الله أن يجمعني معهم في الفردوس الأعلى من الجنة .. آمين
(١) وهن من تحرم عليه أبداً بنسب، أو سببٍ مباح من رضاع - كأخته من الرضاع -، أو مصاهرة كأم زوجته، بخلاف السبب المحرم، فلا يجوز للزاني مثلاً أن ينظر إلى أم المزني بها، أو ابنتها.
(٢) أي: استكملت تسع سنين، فعورتها مع الرجل الأجنبي عنها كمحارمه، يجوز له أن ينظر منها إلى الستة أعضاء؛ لأن عورتها مخالفة لعورة البالغة.
(٣) وهو الذي لا ينتصب ذكره.
стр. 1333
وكبيرٍ (١)، أو كانَ مميِّزاً ولَهُ شهوةٌ (٢)، أو رقيقاً - غيرَ مبعَّضٍ ومشتَرَكٍ - ونظرُهُ لسيِّدتِهِ، فيجوزُ: للوجهِ، والرَّقبةِ، واليدِ، والقدمِ، والرَّأسِ، والسَّاقِ (٣).
السَّادسُ: نظرُهُ للمداواةِ، فيجوزُ: للمواضعِ التي يَحتاجُ إليها (٤).
(١) والمراد: كبير في السن، وليس عنده شهوة. والمراد بالشهوة: التلذذ بالنظر، كما سيأتي إن شاء الله.
(تتمة) أما العنين والكبير اللذان لهما شهوة، فلا يجوز لهما النظر للمرأة الأجنبية.
(٢) المميز: هو من استكمل سبع سنين، فهذا إن كان له شهوة فيجوز له أن ينظر إلى المرأة الأعضاء الستة فقط، أما إن كان بلا شهوة فينظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة، وسيأتي في القسم السابع.
(٣) فيجوز لكل من ذكر في القسم الخامس النظر من المرأة إلى هذه الأعضاء الستة.
(٤) يجوز للمداواة أن ينظر الرجل من المرأة -وكذا عكسه- إلى المواضع التي يحتاج إليها، ويستر ما عدا مواضع الحاجة، ويجوز أن يلمسها أيضاً لحاجة المداواة، حتى لفرج، قال البهوتي في الكشاف: (وظاهره: ولو ذميا، وكذا لمعرفة بكارة وثيوبة وبلوغ) لكن يشترط أن يحضر مع المرأة زوجُها أو محرمٌ لها كأخيها، أو أبيها، كما في الإقناع، والغاية، وذكره الشيخ منصور في شرح المنتهى، ومثل الطبيب من يلي خدمة مريض أو مريضة في وضوء واستنجاء وغيرهما. =
стр. 1334
السَّابعُ: نظرُهُ لأمتِهِ المحرَّمةِ (١)، ولحرَّةٍ مميِّزةٍ دونَ تسعٍ (٢)، ونظرُ المرأةِ للمرأةِ (٣) وللرَّجلِ الأجنبيِّ، ونظرُ المميِّزِ
= وهل يجوز أن يتعالج ويتطبب الرجل المريض عند المرأة -أو عكسه- من غير حاجة؟ ومثال الحاجة: عدم وجود طبيب للرجل، أو طبيبة للأنثى، أو أن توجد طبيبات، لكنهن دون الطبيب الرجل في التخصص، أما مع عدم الحاجة، فكنت أقول بجواز ذهاب المرأة إلى الطبيب الرجل، وعكسه؛ بناء على ما ذكره الحنابلة هنا، وأنهم ربطوها بالحاجة لا الضرورة، لكن بعض المشايخ راجعني في هذا الأمر، فتحتاج المسألة إلى بحث؛ لأهميتها، وكثرة البلوى بها.
(١) كالمتزوجة.
(٢) أي: تسع سنين.
(٣) يجوز للمرأة -على المذهب- أن تكشف أمام امرأة أخرى جميع بدنها عدا ما بين السرة والركبة، ويجوز للأخرى النظر إلى ذلك منها، ومن ذلك: الساق، والصدر، وجزء من الصدر … ومن قواعد المذهب: أن ما جاز النظر إليه، جاز للآخر أن يكشفه له. وهذا القول - مع كونه رأي جمهور العلماء- مشكل جداً؛ لما قد يترتب عليه من ثوران الشهوة، وحصول العشق بين النساء، وهو أمر واقع، نسأل الله أن يحفظ مجتمعاتنا منه، وتساهل النساء في الكشف أمام بعضهن، حتى صرن يُبدين الفخذ، ويلبسن الشفاف الذي يصف البشرة، وغير ذلك. =
стр. 1335
الذي لا شهوةَ لَهُ للمرأةِ، ونظرُ الرَّجلِ للرَّجلِ ولو أمردَ (١)، فيجوزُ: إلى ما عدا ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبةِ (٢).
الثَّامنُ: نظرُهُ لزوجتِهِ وأمتِهِ المباحةِ لَهُ ولو لشهوةٍ، ونظرُ من دونَ سبعٍ (٣)، فيجوزُ: لكلٍّ نَظَرُ جميعِ بدنِ الآخَرِ (٤).
= وقد شدد كثيرٌ من العلماء المعاصرين في هذا الأمر، ولله الحمد، فسُدت بذلك ذرائعُ شرٍّ كثيرة. فلا ينبغي أن يشاع جواز كشف ما ذكرناه؛ لما فيه من إشكال، ومثل ذلك السفر إلى دول الكفار، فهو مكروه على المذهب، ما لم يُمنع الإنسان من إقامة شعائر دينه. والمشهور عند الناس أنه محرم.
(١) قال ابن النجار في المعونة-ومثله البهوتي في شرح المنتهى-: (لكن إن كان الأمرد جميلا يُخاف الفتنة بالنظر إليه، لم يجز تعمد النظر إليه).
(٢) وهو مقيد بعدم الشهوة، ومع الشهوة يحرم كما سيأتي.
(٣) أي: سبع سنين، ذكراً كان أو أنثى؛ لأنه لا حكم لعورتهما، فلا يحرم النظر إلى عورتهما، ولا يجب سترها مع أمن الشهوة؛ لأن إبراهيم ابن النبي ﷺ غسله النساء، ولا يجب الاستتار منه -أي: من دون سبع سنين- في شيء.
قال في الإقناع وشرحه: (ولا يحرم النظر إلى عورة الطفل والطفلة قبل السبع ولا لمسها نصا ولا يجب سترها) أي عورة الطفل والطفلة (مع أمن الشهوة) لأن إبراهيم بن النبي ﷺ غسله النساء (ولا يجب الاستتار منه) أي من دون سبع (في شيء) من الأمور).
(٤) ويجوز للزوج أيضا لمس زوجته وبالعكس بلا كراهة حتى =
следующие страницы →